← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الرأس إلى دار بعض الأساورة أو الدهاقنة، فمرّ على إسكافٍ، فضربه بقالبٍ وشتمه، وبعث إليه رجالاً ليقتلوه فلم يُقدموا عليه، فضربه غلام منهم اسمه هرمز -كان أبرويز قتل أباه بطبَرْزِين (١) - عدة ضربات فلم يعمل فيه، ففتشوه فوجدوا في عنقه تعويذاً فأزالوه عنه، فضربه فقتله (٢)، وكان قتلُه بمكان يقال له: الماحُوزة، عند سامراء، وفيه قَتل المنتصر أباه المتوكل، ولما قُتل أبرويز شقَّ ابنُه شيرويه ثيابه، وقتل قاتل أبيه. وكان لأبرويز ثمانية عشر ولداً، فقتلهم شيرويه كلهم. وكان أبرويز يمنعهم من النكاح وعليهم الحَفَظة، لأن المنجّمين أخبروه أنه يُولد مولود من ولده يكون ذهابُ مُلكهم على يده، فاحترز، فأفلت يوماً ولدُه شهريار بن أبرويز فدخل على زوجة أبيه شيرين، وسألها أن تبعث إليه امرأةً وإلا قتل نفسه، فأرسلت إليه جاريةً كانت تحجمها فوطئها، فحملت بيزدجرد ووضعته، فكتَمتْه شيرين خمسَ سنين. وكان المنجّمون قد ذكروا لأبرويز أن ذلك الغلام في بدنه نقصٌ، فوقف يوماً يلعب مع الصبيان بالكرة فرآه أبرويز، فقال: من هذا؟ فقالت شيرين: بعضُ أولاد الخاصَّة. فألحَّ عليها، فأخبرته الخبر، فنظر إلى نقصٍ في وَركيه، فأراد قتله، فنهته عنه، وقالت: إن يكن لله أمر فيه، فلا مَرَد له. فقال: هذا المشؤوم لا أراه ها هنا بعد إليوم. فذهبوا به إلى سجستان. وأقام شيرويه بعد قتل أبيه نادماً حزيناً على أبيه وإخوته، وابتُلي بالأمراض المزمنة، ولم يَلتذَّ بشيء من الدُّنيا، وسُمّي: الغشوم المشؤوم، ووقع في أيامه طاعون فمات نصف العالم. ودخلت عليه أُختاه بُوران وآزرمي دَخت، فقالتا له: ويحك، ما حملك على ما صنعت بأبيك وإخوتك لأمر لا يتم لك؟! فبكى بكاءً شديداً، ورمى التاج عن رأسه، ودخل بيتاً مظلماً فأقام فيه. ولما قتل أبرويز وجدوا في خزائنه جميع ما ذكرنا من الأموال وغيرها، ووجدوا بيتاً مملوءاً جواهر، وأقام عشرة آلاف موبذ، وبلغت خيلُه القسطنطينية وإفريقية. وقُتل في سنة ست أو سبع من الهجرة. وفي أيامه كان يومُ ذي قارٍ، انتصفت فيه العربُ من العَجم، وذلك لتمام أربعين

стр. 1017

سنةً من مولد نبينا ﷺ . وأبرويز هذا هو الذي قتل النعمان بن المنذر، وهو الذي كتب إليه رسولُ الله ﷺ فمزّق كتابه، وكتب أبرويز إلى واليه باليمن أن يحمل إليه رسول الله ﷺ ، فدعا عليه، فقتله ابنُه. وهو الذي أرسل الاصبهبذ إلى الروم فقتل وسبى وفتح البلاد، فخاف منه أبرويز، فبعث إليه رجلاً ليقتله؛ فلما رأى عقل الاصبهبذ وتدبيره رقَّ له، وأخبره بما جاء له، فأرسل الاصبهبذ إلى ملك الروم وطلب الاجتماع به، فاجتمعا، فقال له: حَسَدني الخبيث، وأنا آخذ لك بلاده ومُلكه وكنوزَه. فسار معه حتى نزلا المدائن، فأقاما محاصِرين له، فدسّ أبرويز رجلاً نصرانياً بكتاب، عنوانه إلى الاصبهبذ، وأعطاه مالاً وقال له: تحيّل في إيصاله إلى قيصر. وفيه: إلى الاصبهبذ، قد علمتُ حُسْنَ رأيك، وقد آمنك الله من العدو، وأنا خارجٌ إليك في ساعة كذا من الليل لنبغت القوم، فكن مستعدّاً. فلما قرأه قيصر ولّى منهزماً إلى بلاده، وهرب الاصبهبذ. قصة شيرين مع شيرويه كانت شيرين يتيمةً في حجر رجلٍ من أشراف المدائن، وكان أبرويز صغيراً يدخل منزل ذلك الرجل، فيلاعب شيرين وتلاعبُه، فأخذت من قلبه موضعاً، فنهاها ذلك الرجل عنه فلم تنته، فرآها وقد أخذت في بعض الأيام من أبرويز خاتماً، فقال لبعض خواصّه: اذهب بها إلى دجلة فغَرِّقْها. فأخذها ومضى، فقالت له: وما الذي ينفعك تغريقي؟ فقال: قد حلفتُ لمولاي. فقالت: اقذفني في مكانٍ رقيق، فإن نجوتُ لم أظهر، وتبَرُّ أنت في يمينك. ففعل، فأقامت في الماء حتى غاب عن عينها، وصعدت إلى دير هناك فترهَّبت فيه، فأحسن إليها الرهبان. فلما تقرر المُلك لأبرويز بعد أبيه هرمز، مرَّ بذلك الدير رسل من قيصر إلى أبرويز، فدفعت الخاتم إلى رئيسهم، وقالت: ابعث به إلى أبرويز فتحظى عنده. فأرسله مع قاصد وعرفه مكان شيرين، فسُرَّ سروراً كبيراً، وأعطى القاصد مالاً عظيماً، وأرسل إليها فأحضرها. وكانت من أجمل النساء وأظرفهن، ففوض إليها أمره، وهجَر نساءه

стр. 1018

وجواريه، وعاهدها أن لا تمكِّن منها أحداً بعده، وبنى لها القصر المعروف بقصر شيرين بالعراق. فلما قَتل شيرويه أباه أبرويز راودها عن نفسها فامتنعت، فضيَّق عليها واستأصلها، ورماها بالزنى، وتهدَّدها بالقتل إن لم تفعل، فقالت: أفعل على ثلاث شرائط. قال: وما هي؟ قالت: تُسلِم إليَّ قَتلة زوجي أقتلهم، وتصعد المنبر فتبرئني مما قذفتني به من الزنى، وتفتح لي ناووس (١) أبيك فإن له عندي وديعةً عاهدتُه إن تزوَّجتُ رددتُها عليه. فدفع لها قَتلةَ أبرويز فقتلتهم، وصعد المنبر فبرَّأها مما قذفها به من الزنى، وفتح لها ناووس أبيه وبعث بالخدم معها. فجاءت إلى أبرويز فعانقته ومَصَّت فصّاً مسموماً كان معها، فماتت من وقتها. وأبطأت على الخدم فصاحوا بها فلم تكلِّمْهم، فجاؤوا إليها فوجدوها معانقة لأبرويز ميتةً، فجاؤوا إلى شيرويه وأخبروه، فشق عليه، ومات بعد أيامٍ (٢). وكان سبب موته ما حكَاه الجاحظ قال: أبرويز أول من أخذ بثأره من حيٍّ وهو ميِّت، وذلك لأن المنجمين أخبروه أنه سيُقتل، فقال: والله لآخذنَّ بثأري ممن قتلني، وعمل حُقًّا فيه حبوب، وخلطه بسُمّ ساعةٍ، وختم الحُقَّ، وجعله في صندوق من ذهب. فلما أرسل إليه شيرويه من يَقتُله، قال له: لا تقتلْني وأدلُّكَ على غِنى الأبد. قال: وما هو؟ قال: الصندوق الفلاني، فيه حُقٌّ فيه غناك، فلما قتله أَخبر شيرويه، واشتغل بالمُلْك عن الحُقِّ. فلما كان بعد ستة أشهر من قتل أبرويز، فتح شيرويه ذلك الصندوق، فوجد الحُقَّ وعليه مكتوب: مَن أخذ من هذا الحبِّ حبةً وابتلعها افتضَّ عشرة أبكار -وكان شيرويه مُولعاً بالنساء- فأخذ حبة فبلعها، فتقطَّعَت أمعاؤه، ورأى العبر بنفسه، ومات (٣). وكانت مدةُ ولايته ستة أشهر. فصل وكان لشيرويه ابنٌ صغير اسمه أرْدشير، عمرُه سبع سنين، فولوه المُلك، فأقام خمسة أشهر.

стр. 1019

وكان شهريار بن أبرويز مقيماً بأنطاكية مذ جهَّزه أبوه لقتال الروم على ما ذكرنا، فلما قُتل أبوه أقام مكانه خائفًا من شيرويه، وجعل الروم ظهرَه، وكتب إلى قيصر يستمدّه ويقول: قد علمتَ ما فعلتُ معك. فأمدَّه بالمال والرجال، وأقام متحضناً بأنطاكية. فلما مات شيرويه وولي ابنُه أردشير، سار إلى المدائن طالباً بثأر أبيه، فقتل أردشير، وجار وظلم، وفضح نساءهم وسفك دماءهم، فوثبوا عليه وقتلوه، فكان مُقامه في المُلك عشرين يوماً. ولم يبق من نَسْل الفُرس ذَكر، قتل شيرويه الجميع ولم يبق إلا ابنتين لأبرويز: بوران وآزرمي دخت. فصل فملّكوا عليهم بُوران: فأقامت العدل، وأحسنت السيرة، وأصلحت القناطر والجسور. ولما جلست على السَّرير قالت: ليس ببطش الرجال تُدَوَّخُ البلادُ، ولا بمكائدهم يُنال الظَّفر، وإنَّما ذلك بعون الله ومشيئته. فأقامت سنة وسبعة أشهر. ولما بلغ النبيَّ ﷺ أمرُها، قال: "لا يُفلحُ قومٌ ولَّوْا أمرَهم امرأةً" (١). ثم ماتت، ويقال: إنها قُتلت. فصل ثم ملَّكوا آزر ميدخت بنت أبرويز، وكانت من أجمل نسائها، فلما جلست على السرير قالت: منهاجُنا العدلُ والإنصاف، فإن زغنا زيغ بنا. فأرسل إليها فُرُّخ بن رستم صاحب خُراسان يخطبها، فقالت: لا ينبغي للملكة أن تتزوج علانيةً. ووعدته أن يَقدم عليها سرّاً في ليلةٍ عينتها له، فجاءها في تلك الليلة فقتلته، فسار إليها أبوه رستم فقتلها (٢)، وكانت أيامُها ستةَ أشهرٍ. فصل ثم مَلّكوا عليهم يَزدَجِرْد بن شهريار بن أبرويز، الذي كان خَرابُ البيت على يده، وكان عمره يومئذٍ خمس سنين، وقيل: خمس عشرة، وصِغَرُ سنِّه هو الذي أوجب

стр. 1020

تَمليك النِّساء. فأقام والياً عشرين سنة، ثم هلك في أيام عثمان ﵁. قال هشام: فعدَّة ملوك الفرس من أوَّل الزمان إلى آخره ثمانون ملكاً وثلاث نسوة، من كيومرت إلى يَزدجِرد، وعددُ ما ملكوا من السنين أربعة آلاف سنة وخمسون سنة. قال المصنف ﵀: وليس ما ذكره هشامٌ على التحقيق، بل على التقريب، فإن بعضهم قال: ملك منهم ستون ملكاً، وعددُ سنيّهم ثلاثةُ آلاف سنة. وقد ذكرنا أن الغالب على التواريخ عدمُ التحقيق لاختلاف الأمم والألسُن، وتقلُّب الدهر، وتغيير الأمور، والله أعلم. * * *

стр. 1021

فصول تتعلق بالعرب والأنساب والأدب الفصل الأول (١) في ذكر القبائل والعمائر، والشعوب، والجماجم، والجَمَراتِ، والأَرْحاء (٢)، وما يتعلقُ بالشعر والشعراء، والأعراب سكان البادية خاصة. وَيعرُب بن قحطان أولُ مَن تكلم بالعربية، وهو أبو اليَمن كلِّهم. والعربُ العاربة والعَرْباء: هم الخُلَّص منهم، والمستَعرِبة: الذين ليسوا بخُلَّص. والقبيلة: بنو أبٍ واحدٍ، وقيل: إنما سُمُّوا القبائلَ من القبيلة، وأن بعضهم يُقابل بعضاً، أي: يكافئهم (٣)، وقال الله تعالى ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال عمر بن الخطاب ﵁: تعلَّموا من النَّسب ما تعرفون به أنسابكم (٤)، وتَصِلون به أرحامَكم، ولا تكونوا كنبَط السَّواد إذا قيل لأحدهم: مَن أنت؟ فيقول: أنا من قرية كذا وكذا (٥). فصل في القبائل ومن القبائل القديمة: عادٌ وعَبيل، ابنا عَوْص بن إرَم بن سام بن نوح ﵇. وثمود وجَدِيس ابنا غاثار بن إرم بن سام بن نوح ﵇.

стр. 1022

وطَسْم وعِمْلِيق وجاسم وأَمِيم بنو يلمع بن عابر بن أَرفَخْشَذ بن سام بن نوح ﵇. وشالاف وحضرموت، وهم السلف، والمواد بنو عابر بن أرفخشذ. وروي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العربُ كلُّها من إسماعيل إلا أربع قبائل، وهم: السلف والأَوزاع، وحَضْرموتُ، وثَقيف" (١). ومعنى قوله ﵇: كلُّ العرب بنو إسماعيل إلا من استثنى من القبائل أنهم ليسوا بخُلَّص. أما طَسْم وَجدِيس وجُرْهم، فهم العرب العاربة، لأنهم جُبِلوا على العربية المَحْضَة فكانت لسانَهم. وأما بنو إسماعيل ﵇ فهم المستعرِبة، لأنهم تكلَّموا بلسان الأمم الذين سكنوا بين أظهرهم. فصل فمن القبائل: أَسَدُ بن خُزَيْمة بن مُدرِكَة بن الياس أبو قبيلة من مُضَر، وأَسد بن ربيعة ابن نزار قبيلة من ربيعة. ومنها تَيْم في عشر قبائل: تَيم الله بن عُكابَة، وهم اللَّهازم من بكر، وتيم الله في النَّمِر بن قاسط، وتيم بن مُرَّة رهط أبي بكر الصديق ﵁، وتيم بن غالب بن فِهْر، وهم بنو الأدْرَم من قريش، وتيم بن عبد مَناة بن أُدّ بن طابِخة في مُضر، وتيم بن ضَبَّة، وتيم اللّات بن ثعلبة واسمه النجار، وتيم اللَّات أيضًا في ضَبَّة. وأما قول امرئ القيس: [من الوافر] بَنو تَيْمٍ مصابيحُ الظلامِ (٢) فهم بنو تيم بن ثعلبة من طيِّئ.

стр. 1023

ومنها جَدِيلةُ: حيّ من طيئِّ، وهو اسمُ أمهم، وهي جَديلة بنت سُبَيْع بن عمرو بن حِمْير، وجديلة في ربيعة. ومنها جُشَم في أربع قبائل: جُشَم بن خزرج، حيّ من الأنصار، قال الشاعر: [من الرجز] إنْ سَرَّك العِزّ فجَخْجِخْ بجُشَمْ (١) وجُشَم بن ثقيف، وجشم حيٌّ من تَغلِب وهم الأراقم، وجُشم في هوازن، وهو جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن. ومنها الخزرج بن قَيْلة، قبيلة من الأنصار، والخزرج في النَّمِر بن قاسط. ومنها الدِّيل بن شَنّ بن أَفْصى، والدِّيْل بن عمرو بن وديعة بن عبد القيس، منهم (٢) أهلُ عُمان، والدُّئِل حيٌّ من كِنانة، ينسب إليهم أبو الأسود الدُّؤَلي، والدّوْل في حنيفة. ومنها دُودان بن أسد بن خُزيمة، ودُودان في جُذام من اليمن. ومنها ذُهْل بن شيبان بن ثعلبة بن عُكابة، وذُهْل بن ثعلبة بن عُكابة، وذُهْل في ضَبَّة. ومنها شَيبان بن ثعلبة بن عُكابة بن صَعْب بن علي بن بكر بن وائل، وشيبان بن ذُهْل ابن ثَعْلبةَ بن عُكابة. ومنها ربيعةُ في سبع قبائل: ربيعة بن عُقيل أبو الخُلَعاء (٣)، وربيعة بن عامر بن عُقيل أبو الأبرص، وربيعة بن مالك بن زيد مَناة، ويُلقَّب: ربيعة الجُوع، وربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة، وربيعة بن عامر بن صَعْصَعة بنو مَجْد، وهي أُمهم نُسِبوا إليها، وربيعة بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان، وهو ربيعةُ الفَرَس، وربيعة الصُّغرى: وهو ربيعة بن مالك بن حنظلة. ومنها سعد، وهو في ستِّ قبائل: سعد تَميم (٤)، وسعد هُذيل، وسعد قيس، وسعد

стр. 1024

ابن بكر بن هَوزان -هم أَظآرُ رسول الله ﷺ وسعد بن ذُبيان، وسعد في عِجْل، وقال الشاعر: [من الطويل] رأيتُ سُعوداً في شعوبٍ كثيرة. . . فلم أرَ فيها مثلَ سعدِ بن مالكِ (١) وفي المثل: "في كل وادٍ بنو سعدٍ" قاله الأَضْبَط القُرَيعي السَّعْدي لما تحوَّل عن قومه وانتقل في القبائل، فلما لم يَحمَدْهم رَجَع إلى قومه وقال: بكلِّ وادٍ بنو سعد، يعني سعد بن زيد مناة بن تميم (٢). ومنها سُلَيم بن منصور بن عِكْرِمة بن خَصَفة بن قَيْس عَيْلان، وسُليم قَبيلة من جُذام، وسُليم قبيلةٌ من بني قُشَير، وهو سَلَمة الشَّر، وأمّه لُبَيْنة بنت كعب بن كلاب، وسلمةُ الخير، وهو سلمة بن قُشير، وهو ابنُ القُشيريَّة (٣). ومنها سَهْم (٤) قبيلةٌ في قُريش، وقبيلةٌ في باهِلة. ومنها شَقِرَة قبيلة من بني ضبَّة، وفي بني تميم. ومنها ضُبَيعة بن قيس بن ثعلبة بن عُكابة بن صعب بن بكر بن وائل، رَهْط الأعشى ميمون بن قيس، وضُبيعة في ضَبّة، وضبيعة في عِجْل. ومنها ضَمْرة في بني كِنانة رهط عمرو بن أُمية الضَّمْري ﵁، وبنو ضَمْرة في قُشَير. ومنها عدِيُّ بن كعب بن لُؤي بن غالب رَهْط عمر بن الخطاب ﵁، وعدي بن عبد مَناة من الربَاب رهط ذي الرُّمَّة، وعَدي في بني حَنيفة، وعَدِي في فَزارة. ومنها غاضرة: قبيلةٌ في بني أَسَد بن خُزيمة، وهي من بني صَعْصَعَة، وبطن من ثقيف في هوازن. ومنها كلاب بن مُرة في قريش، وكلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. ومنها محارب بن فِهْر بن مالك في قُريش، ومحارب بن خَصَفَة بن قَيْس عَيْلان،

стр. 1025

ومحارب بن عمرو بن وَديعة بن عبد القَيْس. ومنها مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، ومازن في بني صَعْصعة بن معاوية، ومازن في بني شيبان، ومازن في قيس عَيْلان، وهم رهط عُتْبة بن غَزْوان ﵁. فصل في العَمائر قال التَّغلبي (١): [من الطويل] لكلِّ أُناس من مَعَدِّ عِمارة … عَروض إليها يَلجؤون وجانبُ والشَّعْب: القبيلةُ العظيمة. وقال بعضُهم (٢): الشَّعب، ثم القبيلة، ثم العِمارةُ، ثم البطن، ثم الفَخِذ، ثم العشيرةُ، ثم الفَصيلة، وهي أهلُ بيت الرجل خاصة، قال الله تعالى: ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. وقال أبو عبيدة: أرحاءُ العرب ستٌّ؛ لمُضَر اثنتان: تَميم بن مُرّ، وأسد بن خُزيمة، ولربيعة اثنتان: بكر بن وائل، وعبدُ القيس بن أفصى، ولليمن اثنتان: كلب بن وَبْرة، وطَيِّئ بن أُدَد. وإنما سُميت هذه الأَرحاء لأنها أَحرزت مياهَها ومنازلَها، ولم يكن للعرب مثلُها، ولم تَبْرح من أوطانها، ودارت في دُورها دورانَ الأَرحاء على أقطابها، إلا أن يَنتَجِع بعضُها في أعوام الجَدْب، وكان ذلك قليلاً. وأما الجماجمُ فثمان: أربع في مضر، اثنتان منها في قَيس، وهما: غَطَفان وهَوازن، واثنتان في خِنْدِف، وهما: كِنانة وتَميم، وفي ربيعة اثنتان: بكر بن وائل وعبدُ القيس بن أَفصى، وفي اليمن اثنتان من مَذْحِج؛ وهما: مالك بن أُدَد بن زيد بن كَهْلان بن سبأ، وقُضاعة بن مالك بن زيد بن مالك بن سبأ (٣). وجَمَرات العرب ثلاث: بنو ضَبَّة بن أُدّ، وبنو الحارث بن كعب، وبنو نُمير بن

стр. 1026

عامر، طَفِئَت منهم جمرتان: ضَبَّة لأنها حالفت الرِّبَاب، وبنو الحارث لأنَّها حالفَت مَذْحِج، وبقيت نُمير لم تَطْفأ لأنها لم تُحالف. ويقال: الجَمَرات: عَبْس والحارث وضَبَّة، وهم إخوةٌ لأم، وذلك لأن امرأةً من عرب اليمن رأت في منامها أنه خوج من فَرْجها ثلاثُ جَمَرات، فتزوّجها كعبُ بن عبد المَدَان رجل من اليمن، فوَلَدت له الحارث بن كعب، وهم أشرافُ اليمن، ئم تزوَّجها بَغيض بن رَيْث فولدت له عَبْساً، وهم فُرسان العرب، ثم تزوَّجها أُد فوَلَدت له ضَبَّة، فجمرتان في مُضَر، وجَمْرة في اليمن (١). فصل في الشعر والشعراء والشعر ديوان العرب، ومَنبع الفضل والأدب، ومن عناية العرب به وحُبِّها له؛ أنها عَمدت إلى سبع قصائد من الشعر، فعلَّقَتْها في البيت الحرام، وافتخرت بذلك على الأُمم، وهى الموسومة بـ "السَّبع المعلَّقات". فالأولى: قصيدة امرِئ القيس بن حُجْر الكندي: [من الطويل] قفا نَبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزل (٢) والثانية: قصيدة زُهير بن أبي سُلْمى: [من الطويل] أمن أمِّ أَوفى دِمْنةٌ لم تَكلَّمِ. . . بحَوْمانَةِ الدُّرّاج فالمُتَثَلَّمِ (٣) وكان عمر بن الخطاب ﵁ مُغرًى بشعره، وكان زهير لا يمدَحُ إلا مستحقاً للمدح، كهَرِم بن سِنان (٤) وأمثالِه، ولما دخل [ابنُ] هَرِم على عمر ﵁، قال له: أنتم الذين كان زهير يقول فيكم فيُحسِن؟ فقال: ولذلك كنا نُجزِل له في العطاء. فقال: ذَهب ما أعطيتُموه وبقي ما أعطاكم (٥).

стр. 1027

وزهير هو القائل: [من البسيط] وإنَّ أَشْعَرَ بيتٍ أنت قائِلُه. . . بيتٌ يُقالُ إذا أَنشدْتَه صَدَقا (١). وقيل للحُطيئة: مَن أشعرُ الناس؟ فقال: زهيرٌ حيث يقول: [من الطويل] ومَن يَجعَلِ المعروفَ من دون عِرْضِهِ. . . يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشتَمِ (٢) والثالثة: قصيدة طَرَفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن بكر بن وائل: [من الطويل] لخَولةَ أطلالٌ ببُرقَةِ ثَهْمَدِ … تَلوحُ كباقي الوَشْمِ في ظاهرِ اليدِ (٣) وقال أبو عَمْرو بن العلاء: أشعرهم طَرفةُ الذي يقول: [من الطويل] ستُبدي لك الأيامُ ما كنتَ جاهِلاً. . . ويَأتيك بالأخْبار مَن لم تُزَوِّدِ (٤) ولما أُنشِد رسولُ الله ﷺ هذا البيت، قال: "هذا من كلامِ النبوّة" (٥). والرابعة: قصيدة عَنترة العَبْسي: [من الكامل] يا دارَ عَبْلة بالجَوَاء تَكلمي. . . وعِمي صباحاً دارَ عبلةَ واسلَمي (٦) والخامسة: قصيدة عمرو بن كلثوم: [من الوافر] ألا هُبي بصَحْنِك فاصْبَحينا (٧) والسادسة: قصيدة لَبيد بن ربيعة بن مالك من ولد نزار: [من الكامل] عَفَتِ الديارُ مَحَلها فَمُقامُها. . . بمنًى تَأبَّدَ غَولُها فَرِجامُها (٨) قال الأصمعي: أصدق بيت قالت العرب قول لبيد: [من الطويل]

стр. 1028

ألا كل شيء ما خلا الله باطلُ … وكل نعيمٍ لا محالةَ زائلُ (١) ومن شعر لبيد: [من الطويل] لَعَمري لئن كان المخَبّرُ صادقًا … لَقد رُزِئَتْ في سالفِ الدهر جَعفرُ أخاً لي أمّا كلّ شيء سألتَه … فيُعطي وأما كلّ ذنبٍ فيَغفِرُ فإن يَكُ نَوْءٌ من سَحابٍ أصابه … فقد كان يَعلو في اللّقاء فيَظفَرُ (٢) والسابعة: قصيدة الحارث بن حِلّزَة: [من الخفيف] آذَنَتْنا ببَيْنِها أسماءُ (٣) وقد أضاف الخطيب التّبْريزي إلى هذه القصائد ثلاثاً أُخر، قصيدةُ ميمون بن قَيْس الأعشى، وكُنيته أبو بَصير: [من البسيط] ودِّعْ هُريرةَ إنَّ الركب مُرتَحِلُ … وهل تُطيقُ وَداعاً أيُّها الرجلُ (٤) والثانية: قصيدة النابغة الذُّبياني، واسمه زياد بن عَمْرو من ولد نزار، وكنيته أبو ثُمامة: [من البسيط] يا دارَ مَيَّةَ بالعَلْياء فالسَّندِ أَقْوَتْ … وطال عليها سالفُ الأَبَدِ (٥) والثالثة: قصيدة عَبِيْد بن الأَبرص بن جُشَم بن عامر من ولد مُدرِكة بن إلياس: [من مخلع البسيط] أَقْفَر من أهلِهِ مَلْحوبُ … فالقُطَبِيَّاتُ فالذَّنوبُ (٦) فصل في مدح الشعر وذمّه قد تعارضت فيه الأخبارُ، فأخرج الإمام أحمد بن حنبل، عن أُبيّ بنِ كعب ﵁ قال: قال

стр. 1029

رسول الله ﷺ : "إنَّ من الشعرِ لَحِكْمةً". وفي رواية: "لحكماً". انفرد بإخراجه البخاري (١). وروى الإمام أحمد ﵁، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأنْ يَمتَلئَ جوفُ أحدِكم قيحاً حتى يَرِيَه، خيرٌ له من أن يمتلئ شعراً" وأخرجه مسلم (٢). وفصل الخطاب في الباب جوازُه، وما رُوي من الذّم، فمحمول على الهَجْو دون المدح؛ لأن النبي ﷺ سمع الشعر، وأجاز عليه، وقال لحسان: "هاجِهِم" (٣)، ونَصب له مِنبراً في المسجد. ولأن الله تعالى بعث رسوله ﷺ في زمن الفُصحاء والشعراء، وأنزل عليه القرآن، فعجبت قريش من نَظْمه ونَثره، وعَجَزوا عن الإتيان بمثله. وروى كعب الأحبار قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: نِعمَ الأبياتُ من الشعر يُقدِّمها الرجل في صدر حاجته يستعطفُ بها قلبَ الكريم، ويستميلُ بها لُؤم اللئيم (٤). وروي عن أبي الدرداء أنه قال: سمع رسولُ الله ﷺ قائلاً يُنشِد بيتَ الحُطيئة: [من البسيط] مَن يفعَلِ الخير لا يَعدَمْ جوازِيَهُ. . . لا يَذهب العُرفُ بين الله والناسِ فقال: "نعم" (٥). وروي عن أبي الدرداء أنه قال: قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن رواحة: "ما الشعرُ"؟ فقال: شيء يَعتَلِجُ في صدري، فيَنطِقُ به لساني. قال: "فأنشِدْني منه"، فقال: وثبَّتَ الله ما آتاك من حَسَنٍ فقال رسول الله ﷺ : "وأنت ثبَّتك الله" (٦).

стр. 1030

فصل في شعراء الإسلام روي عن ابن سيرين أنه قال: كان أبو بكر وعمر وعلي ﵁ شعراء، وكان علي أشعرَهم، وكان ابن عباس وابن عمر وابن عمرو وابن رواحة وحسان وكعب بن مالك وجماعة من الصحابة شعراء. ومن التابعين خَلْق كثير كعبد الله بن عُتْبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة، وابن المسيّب، والحسن البصري، وابن سيرين والزُّهْري وغيرهم. وكان ابنُ المبارك يشعر، وكذا سفيان الثورى وابن عُيينة، وعامّة خُلفاء بني العباس، وبعض بني أمية (١). فصل فيما عِيبَ من الشعر المستقيم، وآفته من الفَهْم السَّقيم. قال الأصمعيُّ: أُنشِد عند حمَّاد الراوية قول حسان بن ثابت: [من الكامل] يُغْشَونَ حتى ما تَهِرُّ كِلابُهم. . . لا يَسألون عن السَّواد المُقْبِلِ فقال حمَّاد: هذه صفة كلاب الخانات (٢). ومرادُ حسان أن كلابهم آنِسة بالأضياف لكثرة الطُّرّاق، فلا يَنْبَحون عليهم. ومن ذلك قول الفرزدق: [من الطويل] أيا ابنةَ عبدِ الله وابنةَ مالكٍ. . . ويا ابنةَ ذي البُرْدَين والفَرَس الوَرْدِ (٣) قال بعضهم: وأيُّ مدح في كون الرجل يَلبَس بُردين، ويركَبُ فرساً وَرْداً؟! وليس كما ذكروا، وإنما لهذا القول سبب؛ وهو أن وفود العرب اجتمعوا عند النُّعمان بن المنذر، فأخرج لهم بُردَيْ مُحَرِّق، وقال: مَن كان أعزَّ العرب فليَلْبَسْهُما.

стр. 1031

فقام عامر بن أُحيمر بن بَهدلة السَّعْدي فأتَزَرَ بأحدهما، وارتدى بالآخر. فقال له النعمان: أنت أعزُّ العرب؟ قال: نعم. قال: ولمَ؟ قال: لأن العزَّ والعَدد في مَعَدّ، ثم في نزار، ثم في مُضَر، ثم في خِندِف، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عَوف، ثم في بَهدلة، فمن أنكر هذا، فليبارني (١) أو يُنافرني. فلم يُجِبْه أحد، فقال له النعمان: فهذه عشيرتُك، فكيف أنت في نفسِك وأهلِ بيتك؟ فقال: أنا أبو عشَرةٍ، وعمُّ عشرة، وأخو عشرة، وخالُ عشرة، وأما أنا في نفسي فهذا شاهِدي، ثم وضع قدمه في الأرض وقال: مَن أزالها عن مكانها فَله مئةُ ناقةٍ من الإبل سودِ الحَدَق، فقام الجماعة إليه فلم يقدِرْ أحد على زوال قَدَمِه من الأرض، فذهب بالبُردَين، فافتخر الفرزدقُ بذلك. ومن ذلك قولُ ذي الرُّمّة: [من الوافر] رأيتُ الناسَ يَنتَجِعونَ غَيْثاً … فقلتُ لصَيْدَحَ انتَجِعي بِلالا فلما أنشدها بلالاً، قال لغُلامه: مُرْ لصَيدحَ وهو اسم ناقة ذي الرمة- بعَلفٍ (٢). وإنما أراد به قصد نفس بلالٍ، لا غيره. ومن هذا كثير. فصل ومن عادة الشُّعراء تحسينُ القبيح، وتقبيحُ الحسن. قال الحارث بن هشام يعتذر عن فِراره يومَ بدر، وكان مع المشركين: [من الكامل] اللهُ يعلَمُ ما تركتُ قِتالَهمْ … حتى رَمَوا فَرَسي بأَشْقرَ مُزبِدِ فصَدفْتُ (٣) عنهم والأحبَّةُ فيهمُ … طمعاً لهم بعقابِ يومٍ مُرصَدِ ولما بلَغَ بعضَ ملوك الروم هذا قال: يا معاشرَ العرب، حسَّنتُم كلَّ شيء حتى الفِرار. وقال بشارٌ العُقيلي في سليمان بن علي، وقد وَصَل رجلاً وأحسن إليه: [من البسيط]

стр. 1032

يا سَوْءةً يُكثِرُ الشيطانُ ما ذُكِرت … منها التعجّبَ جاءت من سُليمانا لا تَعجَبَنَّ لخيرٍ زال عن يدِهِ … فالكوكبُ النَّحْس يَسقي الأرضَ أحيانا (١) فصل وقد تختلفُ الشعراء في المعنى الواحد. قال الشَّماخ (٢): [من الوافر] إذا بَلَّغْتِني وحمَلْتِ رَحْلي .... عَرَابةَ فاشرَقي بدَمِ الوَتينِ وقد عكسه بعضُهم فقال (٣): [من الوافر] أقولُ لناقتي إذ بلَّغَتْني … لقد أصبحتِ مني باليمينِ فلم أجعَلْكِ للعِربان نهباً … ولا قلتُ اشرَقي بدم الوتينِ ومن هنا أخذ أبو نُواس في قوله: [من الكامل] وإذا المَطِى بنا بَلَغْنَ محمداً … فظُهورُهنَّ على الرجال حرامُ (٤) فصل واختلفوا في قَصْر الممدود، ومَدّ المقصور، والحَذْف. أما قَصْر الممدود فجائزٌ بالاتفاق. وأما مدُّ المقصور فقبيح، وقد عِيب على حسان بن ثابت لمّا هجا النعمان، ومدح ملك بني غَسَّان: [من المتقارب] قَفاؤُك أحسنُ من وَجْهِه … وأمُّك خَيرٌ من المنذرِ (٥) وأما الحذف فجائز، وهو من باب الفصاحة، ومنه قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وإنما هو: في أشهر. وقال مسلم بن الوليد: [من الطويل]

стр. 1033

سَلِ الناسَ إني سائلُ الله وحدَه … وصائنُ عِرضي عن فُلانِ وعن فُلِ (١) وقال آخرُ: [من الرجز] نادَوهُمُ أن أَلجِموا ألا تا … قالوا جميعًا كلُّهُمْ بلى فا (٢) أراد: ألا تركبون؟ قالوا: بلى فاركبوا. وقال آخر: [من الرجز] قلنا لَها قِفي فقالت قاف (٣) تريد: وقفتُ. وقال آخر (٤): [من الرجز] خرجتُ من عِند زيادِ كالخَرِفْ … تَخُطُّ رِجلايَ بخطٍّ مختلِفْ تُكتِّبانِ في الطريقِ لامَ الِفْ ولم يقل لاماً ولا ألفًا، ومن هذا كثير ذكر ملوك الحيرة وعُمّرت الحيرةُ في زمن عَمْرو بن عدي بن أخت جَذيمةَ الأَبرش، فاتَّخذها منزلاً، فأقامت عامرةً خمسَ مئة سنة إلى أن وضع المسلمون الكوفةَ. وكانت الحيرةُ والأنبار بُنِيا جميعاً في زمن بُختَ نَصَّر، وأقامت الأنبار عامرةً خمس مئة سنة، ولما خَرِبت الحيرة تحوَّلَ أهلها إلى الأنبار. وأولُ ملوك الحيرة من العرب: مالك بن فَهْم بن غانم بن دَوْس بن الأزد بن غوث ابن نَبْت بن مالك. وكان بُختَ نصَّر قد أخْرَبَ الحيرة وطرد عنها العرب زماناً، فلما ضَعُف أمرُ الفُرس، قصدها مالك لَمَّا خرج من اليمن مع ولد جَفْنة حين أحسُّوا بسَيْل العَرِم، فملك

стр. 1034

مالك على مُضَر ونزل الحيرة، فأقام مدةً، ثم مات. فصل فملك بعده ولدُه جَذيمةُ، ويُلقَّب بالأبرش، والوضَّاح لوَضَحٍ كان به، وكان من أفضل ملوك العرب رأياً، وأشدهم نكاية (١)، وهو أول مَن اجتمع له مُلك العراق، وحكم على العرب، وكانت منازلُه من الحيرة إلى الأنبار وهِيت وعَيْنِ التّمرِ. وكان لا يُنادم إلا الفَرقَدَيْن ترفُّعاً، وكان إذا شرب قَدَحاً صبَّ لهما قَدَحَيْن، وكانت تُجبى إليه الأموالُ، وتَفِدُ عليه الوفودُ، وفي أيامه كانت زَرْقاء اليمامة. فصل في ذكرها كان قد خرج جَذيمة يغزو طَسْماً وجَدِيْساً، فوجد حسَّان بن تبع الحِمْيَري قد سبقه إلى غزوهم، فعاد جَذيمة إلى منازله. وسبب غزو حسانَ لهم: أنه كان لهم ملك يقال له: عملوق، وكان جباراً فاتكاً فاسقاً، وكان من طَسْم وهو حاكم على جَديس، ظالماً لها بحيث أنه لا يُزَفُّ من جَديس امرأةٌ إلى زوجها إلا وتُحمَلُ إليه، فيَفتَرِعَها عملوق قبل زوجها. فتزوَّجت امرأة شريفة في جديس يُقال لها: الشَّموس بنت عَفار أخت الأسود بن عَفار الجَدِيسي، فلما كانت ليلة زفافها ذهبوا بها إلى عملوق، فافتَرعها وخلَّى سبيلها، فخرجت على قومها في دمائها، وقد شقَّتْ جيبَها، وكشفتْ عورتها، وقالت تُحرِّضُ جَديساً على طَسْم: [من الطويل] أيَصلُح ما يُؤتى إلى فَتياتِكم … وأنتم رجالٌ فيكمُ عددُ النَّملِ أيَحسُن تمشي في الدِّما فَتياتُكم … صبيحةَ زُفَّت في النساء إلى البَعْلِ (٢) فإن أنتُم لم تَغضَبوا عند هذه … فكونوا نساءً لا تَريموا (٣) من الكحلِ

стр. 1035

ودونكم طيبُ النساء فإنما … جُعِلْتُم لأَثواب العروسِ وللغُسلِ فلو أننا كنا الرجالَ وأنتمُ … نساءٌ لكُنَّا لا نُقِرُّ على الذلِّ فموتوا كراماً واصبِروا لعدوِّكُم … بحربٍ تَلظَى بالضّرامِ من الجَزْلِ (١) فيَهلِك فيها كلُّ خَبِّ مُخادعٍ … ويَسلم فيها ذو النَّجابَةِ والفَضْلِ فلما سمعت جَديس ذلك غضبت، فقال لهم أخوها الأسود وكان فيهم مُطاعاً: يا جَديس، أطيعوني. قالوا: وما ذاك؟ قال: قد عَلمتُم أن طَسْماً ليسوا بأعزَّ منكم، وإنما تمليكُ عملوق علينا، وميلُه إليهم، هو الذي فعل بنا ما فعل، وإني صانعٌ لهم طعاماً، وأَدعوا عملوقاً وطسماً إليه، فإذا جاؤوا قَتلتُ أنا عملوقاً، واقتلوا أنتم رؤساءهم. وصنع طعاماً، وأَحضرهم، وقتل عملوقاً، وقتلوا رؤساءهم حتى أفنَوْهم، ولم يُفْلِت من رؤسائهم إلا رياح بن مُرّة، فهرب إلى حسان بن تبع فأخبره، وقال: قد انْتُهِكَ من طَسْم ما لم يُنْتَهَك (٢) من أحد. فسار حسان إليهم بقبائل حِمْير وهم باليمامة، فلما بقي بينه وبينها ثلاثة أيام قال رياحٌ لحسان: أيها الملك، أخشى من امرأة في جديس ليس في الدنيا أبصرُ منها، إنَّها لتُبصرُ الرّاكب من مسيرة ثلاثة أيام، وأخافُ أن تُنذِرَ القَوْمَ، فلو أمرتَ أصحابك أن يحمل كلّ واحد منهم شجرة ويجعلها أَمامه، فأمرهم حسان بذلك. ونظرت زرقاءُ اليمامة إلى القوم من مسيرة ثلاثة أيام، فأنذرت قومها، وقالت: يا جديسُ، لقد سار إليكم الشجرُ من ورائها الرجال، وأرى فيهم رجلاً يَخصِفُ نعلاً، وآخر يَنْهَشُ كَتِفاً، فكذَبوها، فقالت: [من البسيط] إني أَرى شجراً من خَلْفِه بشَرٌ … فكيف تجتمعُ الأشجارُ والبشرُ ثوروا بأجمَعِكم في صَدْر أوّلهِ … فإن ذلك منكم فاعلَموا ظَفَرُ ثم قالت: أُقسم بالله لقد دَب الشَّجر … أو حِمْير قد أخذت شيئاً يُجَرّ

стр. 1036

فصبَّحهم حسان فاجتاحهم، وأخذ زرقاء اليمامة، فشَقَّ عينيها، فإذا عروقٌ سود، فسألها عن ذلك، فقالت: إني لأكتحلُ بالإِثمد في كل ليلة فيَشِبُّ بصري، وهي أولُ من اكتحلت به فاتّخذته الناس بعد ذلك. ثم أمر بها حسانُ فصُلِبت على باب اليمامة. وزرقاء اليمامة لقبٌ لها، واسمُها يمامة بنت مُرَّة أخت رياح الذي أتى بحسان. ويقال: هي من بنات عاد، وبها يُضَربُ المثلُ في حِدَّة البصر. واختلفوا في أيام جَذيمة، فقيل: ستين سنةً، وقيل: ملك مئةً وثمانية عشرة سنة، وأقام ملكاً في زمان ملوك الطوائف خَمْساً وتسعين سنة، وفي أيام أَرْدشير بن بابَك ثلاثاً وعشرين سنة. وقصصُه مع أخته رَقَاش، وتزويجها بعَديّ بن نصر، وحديث عمرو بن عدي، واستطارة الجن له وعَوْده إليه، وطلبه لزواج الزَّبَّاء، وقتلها له، وتحيُّل قصير وعمرو بن عدي على قتلها مشهور، لا حاجةَ إلى الإطالة بذكره. فصل وملك عمرو بن عَديّ بعد خاله، فأقام نيّفاً وستين سنة، وقيل: مئةً وستين سنة، ثم مات. فصل ثم ملك بعده ولدُه امرؤ القيس بن عمرو، فأقام ستين سنة، ثم مات. فصل ثم ملك بعده ولده عمرو بن امرئ القيس، وأمُّه مارية من ولد ملوك غسان، وهو من لَخْم وُيسمّى مُحرِّقاً، لأنه أول من حرَّق بالنار، وفيه يقول الأسود بن يَعفُو: [من الكامل] ماذا أؤمِّلُ بعد آلِ مُحرِّقٍ (١) الأبيات. فأقام خمساً وعشرين سنةً، ثم مات. فصل وولي بعده النعمانُ بن امرئ القيس، وأمُّه الهَيْجُمانَةُ، وقيل: هي التي يُقال لها:

стр. 1037

ماء السماء، لجمالها. وهو الذي بنى الخَوَرْنَق والسَّدير، وهو النعمان الأكبر، وكان أعورَ، وهو الذي مَلّكه أنوشروان بن قُباذ، وهو الذي أشرف يوماً على الخورنق والسدير، فنظر إلى ما حولَهما، فقال: أكلّ ما أَرى يَصيرُ إلى فناء؟ قالوا: نعم. فقال: أريد عيشاً لا يزول. فقالوا: تَخلعُ أسباب الملك، وتَلبَسُ الأَمساح، وتَسيح في الأرض، ففعل. وأقام في الملك خمساً وستين سنة. وروى الأصمعي: أن النعمانَ بن امرئ القيس الأكبر -وهو الذي بنى الخورنق والسدير- ركب يوماً، فأشرف على الخَوَرْنَق، فنظر إلى ما حولَه، فقال لمن حضره: هل علمتُم أن أحداً أُوتيَ مثلَ ما أوتيتُ؟ قالوا: لا، إلا رجلاً منهم ساكت لا يتكلّم، وكان من حُكمائهم، فقال له: مالَكَ لا تتكلَّم؟! فقال: أيها الملكُ، إن أَذنتَ لي تكلَّمتُ. قال: قُل. قال: أرأيتَ ما جمعتَ، أشيء هو لك لم يَزُلْ ولا يزولُ، أم هو شيءٌ كان لمن قبلك، وزال عنه وصار إليك، وكذلك يزولُ عنك؟ فقال: لا، بل كان لمن قبلي فزال عنه، وصار إليَّ، وكذا يزولُ عني. قال: فسُررتَ بشيءٍ تزول عنك لذتُه غداً، وتبقى تَبِعَتُه عليك، تكون فيه قليلاً، وتُرتَهنُ فيه كثيراً طويلاً؟! قال: فبكى النعمانُ، وقال: أين المهربُ؟ قال: إلى أحد أمرين: إما أن تُقيمَ، فتعملَ بطاعة ربك، وإما أن تُلقيَ عليك أمساحاً، ثم تلحقَ بجبلٍ، وتفرَّ من الناس، وتُقيمَ وحدَك تعبدُ ربَّك حتى يأتيَك أجلُك. قال: فإذا فعلتُ ذلك فما لي؟ قال: حياةٌ لا تموت، وشبابٌ لا يهرم، وصحة لا تسقم، ومُلْك جديد. قال: والله لأطلُبنَّ عيشاً لا يزولُ أبداً. قال: فانخلع من مُلكه، ولبس الأمساحَ، وساحَ في الأرض، وتَبعَه الحكيم، فعبدا الله جميعاً حتى ماتا. وهو الذي يقول فيه عدي بن زيد العِبَادِي: [من الخفيف] أيُّها الشَّامتُ المُعَيِّرُ بالدَّهـ … رِ أَأنتَ المخلَّدُ الموفورُ أم لديكَ العهدُ الوَثيقُ من … الأيّام بل أنتَ جاهل مغرورُ مَن رأيت المنونَ أخْلَدْنَ أمْ مَنْ … ذا عليه من أن يُضامَ خَفيرُ

стр. 1038

أينَ كِسْرى كسرى الملوكِ أبو سَا … سَانَ أَمْ أين قَبلَه سابُورُ وبنو الأَصْفَر الكِرامُ مُلوكُ … الرّوم لم يَبْقَ منهمُ مَذْكُورُ وأخو الحَضر إذْ بناهُ وإذ دِجْـ … ـلةُ تُجبَى إليه والخابورُ شادَهُ مَرمَراً وجلَّلَه كِلـ … ساً فللطَّيرِ في ذُراهُ وُكُورُ لم يَهَبْهُ رَيبُ المنُوْنِ فزال الـ … ـملكُ عنه فبابُه مَهجورُ وتَذكَّرْ رَبَّ الخوَرْنَقِ إذْ أشـ … ـرف يوماً وللهُدَى تفكيرُ سرَّه مالُه وكَثرةُ ما يَمـ … ـلكُ والبحرُ مُعرِض والسَّديرُ فارْعَوى قلبُه وقال: وما غبـ … ـطةُ حي إلى الممات يَصيرُ ثم أضحَوْا كأنهم وَرَقٌ جَفّ … فأَلْوتْ به الصَّبا والدَّبورُ ثم بعد الفَلاح والمُلكِ … والإِمَّةِ وارَتهمُ هناك القبورُ يا ديارَ الأحبابِ غيَّركِ الدَّهـ … ـر وكانتْ بعدَ الأمورِ أمورُ (١) وفيهم يقول الأسود بن يَعفُر: [من الكامل] ماذا أُؤمِّلُ بعد آلِ مُحرِّقٍ … تركُوا منازِلَهم وبعدَ إيادِ أرْضِ الخَوَرْنَقِ والسَّدير وبارقٍ … والقصرِ ذي الشّرُفاتِ من سِنْدادِ نزلوا بأَنْقِرَةٍ يسيلُ عليهم … ماءُ الفُراتِ يَجِيءُ من أَطْوادِ أرضٌ تخيَّرها لطِيبِ مَقيلها … كعبُ بن مامَةَ وابنُ أمِّ دُؤاد جَرَتِ الرِّياحُ على مَحلِّ ديارِهم … فكأنما كانوا على مِيعادِ فأرى النَّعيمَ وكل ما يُلْهى به … يوماً يَصيرُ إلى بِلىً ونَفادِ (٢) قال ابن الكلبي: ملك بعده ولدُه المنذرُ بن النعمان، وأمه الفراسية من آل نصر بن ربيعة اللخمي، فأقام في الملك خمساً وعشرين سنة، ويقالُ لأمه: ماء السماء. وكان يقال له: ذو القرنين، لضفيرتين كانتا له في جانبي رأسه يُرسِلُهما. وقال المدائني: إنما ملك بعد النعمان الحارثُ بنُ عمروٍ جدُّ امرئ القيس الشاعر، والأول أشهر.

стр. 1039

فصل ثم ولي بعد المنذر بن النعمان ولدُه عمرو، ويقال له: الأسود. وأمُّه هند بنت الهيجمانة. أقام عشرين سنةً وسُمّي مضرّطَ الحجارة لشدّة صرامته، وسُمّي محرِّقًا لأنه أحرق من بني تميم تسعة وتسعين رجلًا، وكمَّلهم مئةً برجلٍ من البَراجم، وكان بنو تميم قتلوا أخاه سعد بن هند. ومحرِّق أيضًا لقبُ الحارثِ بن عمرو، ملك الشام من آل جَفْنةَ، سُمّي بذلك لأنه أولُ من حرَّق العرب في ديارهم. وعمرو بن هند صاحبُ طَرَفة والمتلمّس، وكان كتب لهما كتابين إلى عامله بالبحرين، أَوْهَمهما أن في الكتابين صِلةً، وفي الكتابين يأمره بقتلهما ويقول: إذا أتاك طرفةُ والمتلمِّسُ فاقطع من كل واحدٍ منهما أكحلَه، ودَعْه حتى يموت. فأما المتلمسُ فإنه مرَّ على رجل يَفلي ثيابه ويأكل خبزًا، فقال: ما رأيتُ أحمقَ من هذا. فرفع الرجل رأسه وقال: أما أنا فأرمي خبيثًا وآكلُ طيِّبًا، وأحمق مني من حمل حتفه بيده. ففتح الصحيفةَ فرأى ما فيها من الشرِّ فرمى بها في النهر. وأما طرفةُ فمضى بالكتاب إلى العامل فقرأه فقطع أكحله، وتركه حتى مات. وكان مُلْكُ عمرو بن هندٍ أربعًا وعشرين سنة. والمتلمّس اسمُه: جرير بن عبد المسيح الضُّبَعي، عَشِق أخت عمرو بن هند وشبَّب بها، فطلبه عمرو ليقتله فهرب، وهو من المقِلِّين من الشعر، وهو خالُ طرَفة بن العبد، وإنما سُمّي المتلمّس لقوله: [من الطويل] فهذا أوانُ العِرض جُنَ ذُبابُه. . . زَنابيرُه والأزرقُ المتلمِّسُ وأولُ الأبيات: ألم تَر أن المرءَ رَهْنُ منيَّةٍ … صريعًا لعافي الطيرِ أو سوف يُرْمَسُ فلا تَقْبَلَنْ ضيمًا مخافةَ مِيتةٍ … وموتَنْ بها حُرًّا وجِلدُك أملَسُ فمِن طَلَبِ الأوتارِ ما حَزَّ أنفَه … قصيرٌ وخاضَ الموتَ بالسّيف بَيْهَسُ بيهس كان خرج في سفر ومعه سبعةُ إخوة فقُتلوا، ورجع هو فاستَحْمَق، فرجع حتى أخذ بثأرِه، وكان يُقال له: نعامة.

стр. 1040

نَعامةُ لما صَرَّعَ القومُ رهطَه … تَبيَّنَ في أثوابه كيف يَلبَسُ وقيل: كان يَلبَسُ ثوبه مقلوبًا حتى أخذ بثأره. وما الناسُ إلا ما رأَوْا وتحدَّثوا … وما العَجْزُ إلا أن يُضامُوا فيَجلِسوا ألم تَر أن الجَوْن أصبح راسيًا … تُطيفُ به الأيام ما يتأيَّسُ عصى تُبَّعًا أيام أُهلكت القُرى … يُطانُ عليه بالصَّفيح ويُكلَسُ هلمّ إليها قد أُثيرتْ زروعُها … وعادت عليها المنْجَنون تكدَّسُ فهذا أوانُ العِرضِ جُنَّ ذُبابُه … زنابيرُه والأزرقُ المتلمِّسُ يكون نذيرٌ من ورائي جُنَّةً … وَينصرني منهم جُلَيٌّ وأَحْمسُ وجَمْع بني قُرّان فاعرض عليهم … فإن يَقبلوا هاتا التي نحن نُوبَسُ فإن يُقبِلوا بالوُدِّ نُقبِلْ بمثله … وإلا [فإنّا] نحن آبى وأشمسُ وإن يك عنّا في حبيبٍ تَثاقُلٌ … فقد كان فينا مِقْنَبٌ ما يُعَرِّسُ (١) وقال الخطابي: إن النبي ﷺ كتب كتابًا لعُيَيْنَة بن حِصن، وخَتمه وناوله إياه، فقال: يا محمد، أراني حاملًا إلى قومي صحيفة المتلمّس (٢). أي: لا أحمل كتابًا لا أدري ما فيه. ومن شعر المتلمّس: [من الوافر] وأَعلمُ عِلْمَ حقٍّ غيرَ ظنٍّ … لَتقوى الله من خير العَتادِ لَحِفْظُ المال أيسرُ مِن بُغاه … وضربٍ في البلاد بغير زادِ وإصلاحُ القليل يزيدُ فيه … ولا يبقى الكثيرُ مع الفسادِ (٣) فصل ثم ملك بعده أخوه قابوس بن المنذر، فأقام واليًا ثلاثين سنة، وقيل: أربع سنين، وأمُّه هند أيضًا.

стр. 1041

فصل ثم ملك بعده النعمان بن المنذر بن امرئ القيس، وهو الذي يقال له: أبَيْتَ اللَّعْنَ، ومعناه: أبَيْتَ أن تأتي ما تُلْعَنُ عليه. وكانت تحية الجاهلية فنسخها الإسلام. وأمه: سلمى بنت وائل، كَلْبية، وأمّها الشُّقيقة بالضم. وهو صاحب النابغة الذّبياني مدحه وهجاه، قال يهجوه: [من الخفيف] خَبّروني بني الشُّقيقةِ ما يمْـ. . . نَعُ فَقْعًا بقَرْقَرٍ أن يَزولا (١) والشُّقيقةُ بنت عَبَّاد بن زيد بن عمرو بن ذُهْل بن شيبان، وهي أمُّ سيَّارٍ وسمير وعبد الله وعمرو بن أسعد بن همَّام بن مُرّة بن ذُهل بن شيبان، وكانوا سيَّارة مرَدَة لا يأتون على شيءٍ إلا أفسدوه. وكنية النعمان أبو قابوس، قال النابغة: [من البسيط] نُبّئْتُ أن أبا قابوسَ أوعدني. . . ولا قَرارَ على زَأْرٍ من الأَسَدِ (٢) ومن مديح النابغة -واسمه زياد بنُ معاوية أبو أُمامة- في النعمان قصيدته المشهورة (٣): [من البسيط] يا دارَ ميّةَ بالعلياء فالسَّنَدِ … أَقْوَتْ وطال عليها سالفُ الأَبَدِ وقفتُ فيها أُصيْلالًا أُسائلُها … عَيَّتْ جوابًا وما بالرَّبْع من أَحَدِ إلّا أوارِيَّ لأْيًا ما أُبَيّنُها … والنّؤْيُ كالحَوْضِ بالمظلومَةِ الجَلَدِ أضحتْ قِفارًا وأضحى أهلُها احتَملوا … أَخنى عليها الذي أخنى على لُبَدِ ولا أرى فاعلًا في الناسِ يُشْبِهُه … ولا أُحاشي من الأقوامِ من أَحدِ واحكُم كحكم فتاةِ الحيِّ إذ نظرت … إلى حَمامٍ سِراعٍ واردِ الثَّمَدِ وهذه القصيدةُ قالها معتذرًا إلى النعمان لمّا بلغه أنه تعرّض لزوجته المتجرِّدة. والنابغةُ من الطبقة الأُولى من المتقدِّمين على سائر الشعراء، وهو أحد شعراء الجاهلية المشهورين، وأحدُ الأشراف الذين غَضَّ منهم الشعر.

стр. 1042

وكان خصيصًا بالنعمان ومن ندمائه، فرأى زوجةَ النعمان المتَجرّدةَ، وقد سقط نَصيفُها ودِرعُها فسترت وجهها بيدها. وكان النعمان أَبرشَ قبيحَ المنظر، وكان من نُدمائه المنخَّلُ اليَشْكُري الشاعر، وكان من أجمل العرب، وكان يُرمى بالمتجوِّدة، ويتحدَّث للعرب أن ابْنَي النعمان كانا منه، فلما رآها النابغةُ قال: [من الكامل] سَقط النَّصيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَه … فتَناوَلَتْه واتَّقَتْنا باليدِ (١) وأوَّلُها: من آلِ ميّةَ رائحٌ أو مغتدِي … عَجْلانَ ذا زادٍ وغيرَ مزوَّدِ (٢) لو أنها عَرضَتْ لأَشمَطَ راهبٍ … يخشى الإله صَرورَةٍ مُتَعَبّدِ لصَبا لبَهْجَتِها وحُسْنِ حديثها … ولَخالَه رُشْدًا وإن لم يَرشُدِ ووصف بطنَ المتجردة وظهرها وغيرَ ذلك، فغار المنخَّل، وقال للنعمان: ما يَقدِرُ أن يقولَ هذا الشعر إلا من جرَّب. فغضب النعمان وتنكَّر له، وعزْم على قتله. فهرب النابغةُ إلى الشام، فالتجأ إلى عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعوج بن الحارث الأكبر بن أبي شَمِر الغَسّاني، وأُمّه مارِيَة بنت ظالم الكِنْديّة ذات القُرطَين، وأُختها هند الهنود امرأة حُجْرٍ آكل المُرار، فمدحه النابغة وقال: [من الطويل] كليني لهمِّ يا أُميمةَ ناصِبِ … وليلٍ أُقاسيه بَطيءِ الكواكبِ ومنها: ولا عيبَ فيهم غير أن سيوفَهم … بهنَّ فُلولٌ من قِراع الكتائب تَقُدُّ السَّلوقيَّ المضاعَفَ نَسْجُه … وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُباحِب (٣) ومدح النعمانَ بن الحارث الأصغر الغساني أخا عمرٍو الذي التجأ إليه، فقال وقد رآه يمشي وهو غلام: [من السريع] هذا غلامٌ حَسَن وَجْهُه … مُقتَبلُ الخيرِ سريعُ التَّمامْ

стр. 1043

للحارثِ الأكبر والحارث الـ … أصغر والأعرجِ خيرِ الأَنامْ ثم لهِندٍ ولهِندٍ فقد … أسرع في الخيرات منه إمامْ خمسةُ آباءٍ همُ ما همُ … همْ خيرُ مَن يشربُ صَوبَ الغمامْ (١) ولم يزل النابغة مقيمًا عند عمرو بن الحارث الغساني حتى مات عمرو، وولي أخوه النعمان بن الحارث، فاستعطفه النعمان بن المنذر، فعاد إليه. قال عمر بن الخطاب ﵁ يومًا: مَن القائل: [من الطويل] حلفتُ فلم أترُكْ لنفسِكَ رِيبةً … وليس وراءَ الله للمرء مَذْهَبُ ولستَ بمُسْتَبْقٍ أخًا لا تَلُمُّه … على شَعَثٍ أيُّ الرجالِ المُهذَّبُ (٢) قالوا: النابغة. فقال: فمن الذي يقول: [من البسيط] إلا سليمانَ إذْ قال المليكُ له … قُمْ في البَرِيَّة فازْجُرها عن الفَنَدِ (٣) قالوا: النابغة. قال: فمن القائل: [من الوافر] فلستُ بذاخرٍ لغدٍ طعامًا. . . حِذارَ غدٍ لكلّ غدٍ طعام (٤) قالوا: النابغة. فقال: هو أشعر شعرائكم وأعلمُ الناس (٥). استأذن النابغة يومًا على النعمان، فقال الحاجب: هو على شرابه. قال: فإنه وقت الملَق، فإن تَبلّج فَلَقُ المَجْدِ عن غُرَر مواهبه، فأنت قسيمُ ما أَفدتُ. فقال الحاجب: كيف أرغبُ فيما قصدتَ ووصفتَ، ودون ذلك رَهبةُ التعدِّي؟ وكيف السبيل؟ قال: فمن عنده؟ قال: خالدُ بن جعفر الكلابيُّ نديمُه. قال: فهل لك أن تُؤدّي إلى خالدٍ ما أقول؟ قال: قُل. قال: قل له: يقول لك النابغةُ: عظيمُ قَدْرك يفي بمأمول الدَّرك منك، وأنا من الشّكر مَنْ قد علمت، فدخل الحاجب، فقام خالد يقضي حاجتَه، فبلّغه الحاجب ما قال النابغة. فلما عاد خالد إلى المجلس، قال للنّعمان:

стр. 1044

[إلا لمِثلك أَو مَنْ أنت سابِقُه … سَبْقَ الجواد إذا استولى على الأَمَدِ] أَبَيْتَ اللَّعنَ، إن أملاكَ ذي رُعين -يعني ملوك اليمن- قد مدَّت لهم قَصَبات المجد (١) إِلى معالم الأحساب، ومناقب الأنساب، في حلبةٍ أنت غُرَّتُها، فجئتَ سابقًا لها. فقال له النعمان: لأنت أبلغُ في وصفهم من النّابغة في نظم قافيته. فقال خالد: ما أَبلغَ فيك مدحًا إلا وهو دون قدرك، ولو كان النابغة حاضرًا لقال وقلنا. فقال: عليَّ بالنابغة. فخرج الحاجب، فقال: فُتِح البابُ، ورُفِع الحجابُ، ادخل، فدخل وأنشد: [من البسيط] أخلاقُ مجدِك جَلّتْ ما لها خَطَرٌ … في البَأسِ والجُود بين العِلمِ والخَبرِ مُتَوَّجٌ بالمعالي فوق مَفْرِقه … وفي الوغى ضَيْغَمٌ في صورةِ القمرِ (٢) فملأ فاه دُرًّا، فقاسمه الحاجبُ. وكان يُضربُ للنَّابغة قُبَّةٌ من أَدَم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراءُ، فتعرِضُ عليه أشعارَها، فأنشده الأعشى، ثم حسَّان بن ثابت، ثم الخنساء، فمما أنشدَتْه أبياتها التي تقول فيها: [من البسيط] وإنَّ صَخْرًا لَتَأتَمُّ الهُدَاةُ به … كأنَّه عَلَمٌ في رأسِه نارُ (٣) فقال النابغة: واللهِ لولا أن أبا بصير أنشدَني آنِفًا، لقُلتُ إنكِ أشعرُ أهلِ زمانِك من الإنس والجِنِّ. ومن شعر الخَنْساء في "الحماسة": [من السريع] دَلَّ على مَعْرُوفِه وجهُه … بُورِك هذا هاديًا من دليلْ تَحسبُه غَضبانَ من عِزِّهِ … ذلك منه خُلُقٌ ما يَحولْ ويلُ امِّهِ مِسعَرَ حَرْبٍ إذا … أُلقيَ فيها وعليه الشَّلِيلْ (٤)

стр. 1045

فقام حسان بن ثابت، فقال: والله أنا أشعرُ منها ومنك ومن أبيك. فقال النابغة: حيث تقول ماذا؟ فقال: حيث أقول: [من الطويل] لنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحى. . . وأَسْيافُنا يَقْطُرْنَ من نَجْدَةٍ دَما وَلَدْنا بَني العَنْقاءِ وابنَي مُحَرِّقٍ. . . فأكرِمْ بنا خالًا وأكرِم بنا ابْنَما (١) فقال له النابغة: يا بُنيَّ إنك قلت: الجفنات فقلَّلت عددك، ولو قلت: الجفان كان أولى، وقلت: يلمعن بالضّحى، ولو قلتَ: في الدُّجَى، كان أبْلَغ، لأن الضِّيفانَ يكْثُرن في الليل، وقلتَ: يقْطُرن. ولو قلتَ: يجرين، لكان أكثر للدم، وفَخَرْتَ بمن ولدْته، ولم تَفْخَر بمن ولَدَك (٢). وكسرى أبرويز هو الذي قتل النُّعمان بن المنذر، وسببُ قتله أنه قتلَ عَدِيَّ بنَ زيدٍ ابن حِمار بن أيوب (٣)، وكان يسكن الحيرة، وكان عديٌّ نصرانيًا، وكان منزلُ جدّه أيوب بن مَحروف باليمامة، في بني امرئ القيس بن زيد مَناة، فأصاب دمًا باليمامة فهرب، فنزل الحيرة على أوس بن سلام (٤) أحد بني الحارث بن كعب، وكان بين أوسٍ وأيوبَ نسبٌ من قِبَل النساء، فأنزله أوس وأكرمه، وأقام عنده مدة ثم ماتا. ونشأ زيد أبو عَديّ، وتعلَّم الكتابة ووُلد له عَديّ، فعلَّمه الكتابة، فخدم كسرى وأَنفق عليه، وكان يكتب له، وكان ذلك في زمان المنذر، فجعل المنذرُ ابنَه النعمان في حِجْر عَديّ بنِ زيد، وتزوّج عَديّ هندًا بنت النعمان، ومات المنذر، فأشار عَديّ على كسرى بتولية النعمان دون إخوته، وكان أصغرهم، فغضب الأسودُ بنُ المنذر أخو النعمان وأهلُه على عَديّ، واحتالوا وتَوصَّلُوا إلى النعمان، ووشَوْا بينهما، وقالوا: إن عديًّا يقول: إنما النعمان عاملٌ من قِبَله. فحبسه، وأطال حبسه، فكتب إليه عدي من الحبس يقول: [من الرمل] أَبلغِ النُّعْمانَ عني مَألَكًا. . . أنّه قد طال حَبسي وانتظاري

стр. 1046

لو بغير الماءِ حَلْقي شَرِقٌ … كنتُ كالغَصَّانِ بالماءِ اعْتِصارِي وعُداتي شُمَّتٌ أَعجبَهم … أنَّني قد غِبْتُ عنهم في إساري فلَئِن دهرٌ تَولَّى خيرُه … وجرت لي منه بالنحس جوار رُبَّما منه قَضينا حاجةً … وحياةُ المرءِ كالشَّيءِ المُعارِ (١) ومدحه بقصائد كثيرة فلم تغن عنه شيئًا. وبلغ كسرى حبسُ النعمان لعَديّ، فبعث إليه يتوعَّدُه ويتهدَّده، ويأمرُه بإطلاقه. فأشار أعداءُ عديّ على النّعمان بقتله، فغمّوه في ليلة، فلمَّا وصل رسولُ كسرى إلى النعمان يطلبُ عديًّا، أمره أن يذهب إلى الحبس ويُخرجه، فجاء فوجده ميتًا، فقالوا: مات البارحة. فعاد الرسول إلى كسرى فأخبره، فتَغَيَّظ وقال: قتلني الله إن لم أقتلْه. وكان في قلبه منه من يوم طلب منه فَرسَه اليَحْموم لينجو عليه، فمنعه النعمان منه (٢). ثم إن النعمان ندم على قتل عدي، وأحضر ابنه زيدًا، واعتذر إليه، وجهَّزه إلى كسرى، وكتب معه كتابًا: إن عديًا كان ممن أُعين به في المُلك، وقد انقضت مُدّتُه، ولم يُصَبْ به أحد أَشَدَّ من مصيبتي به، وقد بلغ له ابنٌ وليس بدونه، فإن رأى المَلك أن يجعله مكان أبيه فعل. فلما حضر زيد عند كسرى أُعجب به، وسأله عن النعمان فأثنى عليه، وأقام زيدٌ يُعْمِلُ الحيلةَ في قتل النعمان، فما زال حتى قتله، لما نذكر. وكان النعمان يعبد الأوثان، فلم يزلْ به عَديّ حتى نَصَّرَه؛ خرج يومًا معه إلى الصيد، فمرا بمقبرة، فقال له عَديّ: أيها الملكُ أتدري ما يقولُ أهلُها؟ قال: لا. قال: إنهم يقولون: [من الرمل] رُبَّ رَكْبٍ قد أَناخوا حولَنا. . . يَشربون الخَمْرَ بالماءِ الزُّلالِ ثمّ عادوا عَصَفَ الدَّهرُ بهم. . . وكذاك الدَّهرُ حالًا بعد حالِ فقال له النّعمان: إنَّ هؤلاء لا ينطِقُون فما الذي أَردْتَ؟ قال: أردتُ وَعْظَك، وأن ترجعَ عن عبادةِ الأوثان إلى عبادةِ الرحمن، وتدينَ بدين المسيح. فتنصَّرَ النعمان (٣).

стр. 1047

وعَديّ القائل: [من البسيط] يا أيُّها الرَّكبُ سيروا إن قَصْرَكُمُ. . . أن تُصبِحوا ذات يومٍ لا تَسيرونا حُثُّوا المَطِيَّ وأَرخوا من أَزِمَّتها. . . قبل المماتِ وقَضوا ما تُقَضُّونا (١) وكان عَديٌّ يَهوى هندًا بنت النعمان، وكانتْ من أجمل النِّساء، رآها في بِيْعةٍ في خميسِ الفِصْح، وذلك في أيَّام المنذر، وكان قد قدِم عليه بهدية من عند كسرى. وكان لهندٍ أَمَةٌ يقال لها: مارِيَة، فعشِقتْ عديًّا، فأرادتْ أن تتقرَّب إليه بهند، فقالت له: هل لك أن تَقع عليَّ، وأتسبب لك في هند؟ فأدْخلها حانوتَ خَمَّار، ووقع عليها، فأعملت الحيلة حتى جَمعتْ بينهما في البِيْعة، فعَشِقتْه هندُ وخطبها إلى النعمان فزوجه إياها، وكان جميلًا، وأقامت معه حتى قتله النُّعمان، فترهَّبتْ بدير هند ظاهر الحيرة، وأقامت به إلى صدر الإسلام، وماتت في ولاية المغيرة بن شُعبة على الكوفة من قِبَلِ معاوية، وخطبها المغيرة، فقالت: والله ما بي بقيَّة من جَمال، ولكنَّك أردتَ أن تقول في المواسم: ملكتُ مملكةَ النعمان، ونكحتُ ابنتَه. فقال المغيرة: صَدقْتِ. ويقال: إن هندًا كانت تهوى زرقاءَ اليمامة، وهي أوَّلُ امرأةٍ أَحبَّت امرأةً من العرب، فلما قُتِلتْ زرقاء اليمامة، ترهَّبتْ ولَبِستْ المُسوح، وبنَتَ بظاهرِ الكوفة دَيْرًا وسَكنَتْه. وهذا بعيدٌ؛ أين هند من زرقاء اليمامة؟ الزرقاء كانت في زمن جَذيمة، والنعمانُ في آخر ملوك الحيرة. ولما حَبس النّعمان عديًّا أكرهه على طلاقها، فطلقها (٢). ذكر مقتل النعمان أقام زيد بن عدي عند كسرى يُعمِلُ الحِيْلةَ في قتل النعمان، والأخذ بثأرِ أبيه، وما كانت الفُرس تتعرَّض لنساء العرب، فوصف زيد لأبرويز نساءَ آل المنذر، فكتب أبرويز إلى النُّعمان أن يبعث إليه بأخته أو ابنته ليتزوَّجَها، وبعث بالكتاب مع زيد بن عَدي. فلما قرأ الكتابَ قال: أما كان لأبرويز في مها السواد كفايةٌ حتى تَخطّى إلى كرائم

стр. 1048

العرب؟ فقال له زيد: إنما أراد الملكُ إِكرامَك ورفعَ منزلتك بمصاهرته إياك، ولو علم أنّ ذلك يَشُقُّ عليك لما فعل. فقال له النعمان: قد علمتَ ما على العرب من العارِ والشَّناعَة بتزويج الأعاجم. فقال له: طِبْ نَفْسًا سأصرفه عن ذلك. فلمّا عاد زيد إلى أبرويز أعاد عليه ما قال النّعمان، وقال: إنه قال: فأين أبرويز عن بَقرِ السَّواد، وحرَّف عليه. وقال زيد: رُبَّ عبدٍ صار من الطغيان إلى أكثر من هذا (١). فأرسل كسرى يطلبُ النُّعمان، فرحل بأمواله وأثقاله وأهله إلى البادية، فنزل على أصهاره من طيّئ فلم يَحمُوه، فانتقل إلى بني رَواحة فأجاروه. وضَجِر ومَلّ من التنقُّل في البادية، فأشارت عليه امرأتُه المُتَجرِّدة بأنْ يقصد باب كسرى مُستجيرًا به. وبلغ كسرى فصفّ ثمانية آلاف جارية، عليهن الحليُّ والحُلَلُ صَفَّين، فلما صار النّعمان بينهن قُلنَ جميعًا: أما فينا للملك غناء عن بقر السَّواد؟ فعلم النّعمان أنه غيرُ ناجٍ منه. ولقيه زيد بن عَدي فقال: أنت فعلت بي هذا، ولئن تخلَّصتُ لأسقِينَّك بكأس أبيك، فقال زيد: امض نُعَيْم، فقد أَخَّيتُ لك أَخِيَّة لا يَقطعُها المهرُ الأَرِنُ. ثم أمر به كسرى فحُبس بساباطٍ بالمدائن، ثم ألقاه تحت أرجل الفيلة فداسَتْه حتى مات. وقيل: إنه حبسه بخانقين فوقع طاعون هناك فمات. والأول أصحُّ. وقد أكثرت فيه الشعراء، قال زهير بن أبي سُلمى: [من الطويل] ألم تر للنّعمانِ كان بنَجْوةٍ … من الشرِّ (٢) لو أن امرأً كان ناجيا فلم أر مسلوبًا له مثلُ مُلكه … أقلَّ صديقًا باذلًا أو مُواسِيا (٣) خلا أن حيًّا من رواحةَ حافظوا … وكانوا أُناسًا يتقون المخازيا فقال لهم خيرًا وأثنى عليهمُ … وودَّعهم توديعَ أنْ لا تلاقيا

стр. 1049

ولما قصد النعمانُ بابَ كسرى مرَّ على بني شيبان فأودعهم أهلَه وعيالَه ودروعَه وسلاحَه وزوجته المتجردة -وكانت دروعُه عشرة آلاف شِكَّةً (١) - فلما قُتِل أَرسل كسرى يطلبها، وكان زعيمُ القوم هانئُ بنُ قَبيصة بن هانئ بن مسعود، فامتنع هانئ من تسليمها إليه، وقال: قد استجار بي، فكيف أَخفِر ذِمامَه؟ فكان ذلك سببًا ليوم ذي قار. فصل في ترجمة النعمان بن المنذر كان شجاعًا فاتكًا، وكان له يومان: يوم بُؤسٍ، ويوم نَعيم. فمن لَقيه في يوم نعيمه وصله، ومَن لقيه في يوم بُؤسه قَتله. فلقيه عَبيد بن الأَبرص الشاعرُ في يوم بؤسه فقتله. وقال الهيثم: لقي يومَ بؤسِه رجلًا فقال له: ما حملك على الخروج في هذا اليوم وقد علمتَ أنه يوم بؤسي؟ فقال: حملني العشقُ لابنة عمٍّ لي، تَواعدنا إلى مكان كذا، فخيَّرتُ نفسي بين أن أَراها وبين أن أُقتَلَ، فاخترتُ القتل. فقال: اقتلوه. فقال: أيها الملك، دَعْني أرى محبوبتي واقتُلني بعد ذلك. فقال: ومَن يَضمنُك أن تعود؟ فالتفتَ الرَّجل وجعل يُدير طَرْفَه في الناس، فاختار كاتبَ النعمان، فقال: هذا. فقال النعمان للكاتب: أَتضمنه؟ قال: نعم. قال: فإن لم يأت قتلتُك. قال: نعم. فمضى الرجل ثم عاد، فقال له النعمان: أيها الرجل، ما حملك على الرجوع وقد علمتَ أني قاتلُك؟ قال: خفتُ أن يذهب الوفاء. قال لكاتبه: ما حملك على ضمانه ولم تَعرفْه؟ قال: إنه تصفَّح الوجوه فاختارني، فخفتُ أن يَذهب الكرمُ. فقال: وأنا أخاف أن يذهب العفو، فعفا عنه ورفع يوم البؤس. ذكر وِفادةِ النُّعمان على كسرى وتفضيله العرب على سائر الأُمم وفَد النُّعمان على كسرى وعنده وفود الصّين والهند والفرس والروم وغيرِهم، فذكروا (٢) ملوكَهم وبلادَهم، فافتخر النُّعمان على جميع الأمم بالعرب، ولم يَستثْنِ فارسًا ولا غيرها، فغضب كسرى، وأخذته عِزَّة المُلك، وقال: يا نعمانُ، إني فكَّرت في أمر العرب ومن يَرِدُ عليَّ من الأُمم؛ فوجدت أهلَ الهند والصِّين لهم حظّ في اجتماع آرائها، وكثرة صنائعها، وبُعْدِ هِمَمِها وفُروسِيَّتها، وطِيْبِ بلادها واتساعها،

стр. 1050

وكَثْرةِ أموالها وحِكَمِها، وكذا الرُّوم في نسبها (١) وعِظَمِ سلطانها، وكثرةِ مدائنها، وأن لها دينًا تتبيَّنُ فيه حلالَها من حرامها، وكذا التُّرك لهم النضارةُ والحُسنُ والشجاعةُ، وكذا جميع الأمم، لكلِّ أمةٍ مَلِكٌ يُدبِّوها ويَجمع كلمتَها. وذكر كلامًا طويلًا ثم قال: ولم أرَ للعرب شيئًا من هذه الخِصال، لا في أمر دينٍ ولا دنيا ولا عقول، مع مهانتها وذُلّها وصِغَر نفوسها، ومخالطتها الوحوشَ النافرة والحشراتِ القبيحة، يقْتُلون أولادهم من الفاقَةِ، ويأكلُ بعضهم بعضًا من الحاجة. قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها وشهواتها ولَذَّاتها، فأفضلُ طعامِهم لحومُ الإبل التي يعافُها كثير من السباع، لِثقَلها وسُوء طَعْمها. وإنْ قَوى أحدهم ضَيفًا عَدَّها مَكْرُمة، وإن أُطعِم طُعْمةً عدَّها غنيمة، تَنطِقُ بذلك أشعارُهم، ويفتخر به رجالُهم، ما عدا هذه التنوخية التي أسَّس جدّي اجتماعَها، وشَدَّ مملكتَها، وحماها من عَدوِّها، يعني اليمن. فقال له النعمان: أيُّها الملك حقّ لأمَّةٍ أنت منها أن تسموَ بفضلِها، ويَعْظُمَ خَطبُها، وتَعلو درجتُهَا، إلا أن عندي جوابًا عن كل ما نَطق به الملك من غير ردٍّ عليه، فإن أَمِنتُ غضبه قلتُ. قال: قل، فأنت آمن. فقال: أصلح الله الملك: إنَّ أُمتَك ليست تُنازَعُ في الفضل لموضعها في عُقولها وأحلامها، وما أكرمها الله به من وِلايتها وأحكامها. وأما العربُ فإنها تَفْضُل الأمم التي ذكرتَ بعزِّها ومَنَعتها، وبأسها وشجاعتها، وأنسابها، وسخائها، وفصاحتها ولغتها، ودينها، وحُسنِ ألوانها، وشِدَّة عقولها، وأنفتها، ووفائها. فأمَّا عزُّها ومَنَعتها؛ فإنها لم تَزل مجاورةً لآبائك الذين دوَّخوا البلاد، ووطَّدوا الممالك، وقادوا الجيوشَ، لم يطمع فيها طامعٌ، ولم يَنَلْهم نائل. حصونُهم ظهورُ خيلهم، وجُنّتهم رماحُهم وسيوفُهم، وغيرُهم من الأمم عِزُّهم الطينُ والحجارةُ وجزائر البحور. وأمّا حُسْنُ ألوانها؛ ففضلُها ظاهرٌ على الهنود المحترقةِ، والتُّركِ المشوّهةِ والروم المقشَّرة. وأمّا أنسابها؛ فليست أُمّةٌ من الأُمم إلا وقد جَهلت أنسابَها، حتى لو سُئِل واحدٌ

стр. 1051

عما وراء أبيه لم يَنْسبه، ولم يعرفه، وما في العربِ إلا مَن يُسمّي آباءه أبًا أبًا، وجدًّا جدًّا، يَحفظون بذلك أحسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا يدعى إلى غير أبيه. وأما سخاؤها؛ فإن الرجل يكون عنده البَكْرُ أو النابُ، عليها بُلْغَتُه من العيش، فيطرقه الطارقُ، فيعقِرُها له وَيرضى أن يَخرجَ من دنياه كلّها بحُسْنِ الأُحدوثة، وجميل الذّكر. وأما فصاحتُها؛ فإن الله أعطاها في نَظمها ونثرها ما لم يُعْطِه غيرَها من الأمم. ثم إن خيولهم أفضلُ الخيول، ونساءهم أعفُّ النساء. وأما دينها؛ فإن لها بيتًا محجوجًا، وشهرًا حرامًا، وبلدًا مُحرّمًا يَنسكون فيه نسائكَهم، ويَذبحون ذبائحهم، ويَلقى الرجلُ قاتلَ أبيه، أو ابنه، أو أخيه، فلا يتعرَّض له في الشهر الحرام. وأما وفاؤُها، فإنَّ أحدَهم إذا عَقد عُقدة لا يَحُلُّها إلا خروج نَفْسه، وإن أحدهم ليرفعُ عودًا من الأرض؛ فيكون رَهْنًا بدينه وذمَّته، فلا يَغْلَق رَهْنه ولا تُخفَر ذِمَّتُه. وإن أحدهم ليَبْلُغُه أن شخصًا استجار به، وعسى أن يكون نائيًا عن داره، فيُصابُ، فلا يرضى حتى يُفني تلك القبيلة التي أصابتْه، أو تَفنى قبيلتُه، لما أُخْفِر من ذِمامه وجِواره، وإنَّه ليَلجأ إليهم المُحْدِثُ المجرمُ من غير معرفةٍ ولا قرابة، فتكون نُفوسُهم دون نَفْسِه، وأموالُهم دون أمواله. وأما قتلُهم الإناث من أولادهم؛ فليس للفاقَة، بل أنفةً من العار، وغَيْرةً من الأزواج. وأما أكلُهم لحومَ الإبل؛ فما تركوا ما دونها إلا احتقارًا له، فجعلوها طعامَهم ومَراكبَهم، مع أنها أكثرُ البهائم شُحومًا، وألذُّها لُحومًا، وأرقُّها ألبانًا، وأقلُّها غائلَةً. وذكر كلامًا طويلًا، فعجب كسرى من كلامه، وقال: إنَك لموضع الرِّئاسة في أهل مملكتك، وفيما هو أفضل. ثم كساه من كِسوته وسَرَّحه إلى الحيرة. فكتب النعمانُ إلى رؤساءِ العرب وحكمائها، مثل: أكثَم بن صَيْفيّ، وحاجِب بن زُرارة التَّميمي، والحارث بن عُبادٍ البَكريّ، وعَمرو بن مَعدي كَرِبٍ الزُّبَيديّ،

стр. 1052

والحارث بن ظالمٍ، وقيس بن مسعودٍ البَكريِّ، وخالد بن جعفرٍ، وعَلْقمة بن عُلاثة العامِرِيِّ، وعَمرو بن الشَّريد السُّلَمي، فقدموا عليه، فأكرمهم وأخبرهم بما جرى له مع كسرى، وقال: قد سمعتُ منه مقالةً أَتخوَّف أن يكون لها غَوْرٌ، [أو يكونَ إنما أظهرها لأمر]، وهو أن يَتّخذَ العرب خَوَلًا كبعض (١) طَماطِمته، كما يَفعل بملوك الأمم الذين حوله. وإنما أنا رجلٌ منكم، وما عَزَزتُ إلا بمكانكم، وبما يتخوَّفُ من ناحيتكم. وقد رأيتُ أن تَنطلقوا إليه بكتابي، وأن يَنطِقَ كلّ واحدٍ منكم بما حضره، ليعلمَ أن العرب غير ما ظَنَّ، ولا تَنطِقوا بما يُغْضِبُه، فإنه ملكٌ عظيمُ الشَّأن، كثير الأعوان، ولا تَنخَزِلوا له انخِزالَ الخاضع الذَّليل، وليكن أمرًا بين ذلك تَظهر به وَثاقَةُ حُلومِكم، ورَزانَةُ عقولكم. وليكن أوّل مَن يتكلم منكم أكثمُ بنُ صَيْفي، ثم تتابعوا على الولاء بقَدْر منازلكم التي وصفتكم (٢) بها، فإنما دعاني إلى ذلك لئلا يَحرِصَ كلُّ واحدٍ منكم على التَّقدُّم قبل صاحبه، فيَجد في آدابكم مَطعنًا، فإنه ملكٌ مُترَف، وقادرٌ مُسَلَّط. ثم كساهم الحُلَل الثَّمينة، وحملهم على المَهاري والخيل العِتاق، وكتب معهم كتابًا فيه: أما بعد، أيها الملك، فإني قد أَنفَذتُ إليك وجوهَ العربِ وحكماءهم ورؤساءهم، ومَن لهم حَزمٌ وعَزْمٌ، وفصاحةٌ وصباحةٌ، وأحسابٌ وأنسابٌ. وقد كنتُ أجبتُ الملك عمّا رماهم به، وأَحببتُ أن يكونَ منهم على علمٍ ويقينٍ، فلْيَسمع الملك منهم، ويتغافل عن جَفاءٍ إن ظهر منهم، ويكرمني بإكرامهم، والسلام. فلما وفدوا على كسرى أكرمهم، وجلس لهم مجلسًا عامًّا، ولبس تاجه، وجمع علماء أهل مملكته، ونصب كراسيّ الذهب والفضَّة للوفود عن يمينه وشماله، ودعا بالأساورة والمَرازِبَة والمَوابِذة، وأجلس العربَ مجالسَهم التي وصفها النُّعمان في كتابه، وأقام التُّرجُمان ليؤدِّي إليه ما يقولون، وأذن لهم في الكلام. فقام أكثم بن صَيْفي فقال: إن أفضل الأشياء أَعاليها، وأَعلى الرجالِ مُلوكها، وأفضلَ الملوك أعمُّها نفعًا، وخير الأزمنة أخصبُها، وأفضل الخطباء أصدقُها. الصدقُ

стр. 1053

مَنجاة، والكذبُ مَهواةٌ، والشرُّ لَجاجَةٌ، والخيرُ عادةٌ. وذكر ألفاظًا، فأُعجِبَ كسرى بكلامه وقال: لو لم يكن للعرب غيرُك لكفاها. ثم قام حاجبُ بن زُرارة التميمي فقال: وَرى زَنْدك، وعَلتْ يدُك، وهِيْبَ سُلطانُك. نحن وُفود العرب إليك، ذِمَمُنا محفوظةٌ، وأنسابُنا مضبوطةٌ، وأحسابُنا ممنوعة، وعشائرُنا فينا سامعة مُطيعةٌ. وذكر ألفاظًا. ثم قام الحارث بن عُبادٍ البَكري فقال: دامَتْ لك الممالكُ باستكمال جزيل حظِّها، وعُلوِّ شأنها، وارتفاع سلطانها أو سنانها. نحن جيرانُك اللائذون، ومُجاوِروك الأَعلون، خيولُنا مُجمَّة وجيوشُنا جمّة، لا ننثني لذعر، ولا نتنكر لدهر، رماحُنا طوال، وأعمارُنا قصار. فقال كسرى: أَنفُسٌ عزيزة، وآلة ضعيفة. فقال الحارث: أيها الملك، إن الفارس إذا حمل على الكتيبة يقدم على الموت، فهي حيا استدبرها ومنيّة استقبلها، ومتى استَعَرت نارُ الحرب واشتدَّ لظاها، جعلتُ مَقادَها رُمحي، وبَرقَها سيفي، ورَعدَها زَئيري، ولم أقصِّر عن خَوْض ضَحْضاحها حتى أنغمس في غَمرات لُجَجها، فأَترك حُماتَها جَزْرًا للسِّباع وكلِّ نَسْرٍ قَشْعَم. فقال كسرى للقوم: أهكذا هو؟ قالوا: فعالُه أنطق من لسانه. فقال كسرى: ما رأيتُ كاليوم وفدًا أحشد، ولا شُهودًا أرفد. ثم قام عمرو بن مَعدي كَرِب فقال: إنما المرء بأصغَرَيْه: قلبه ولسانه. فاشتَر طاعتَنا بفضلك (١)، واكظم بادِرَتَنا بحِلمك، وأَلِنْ لنا كَنفَك يَسلُس لك قيادُنا، فإنا أُناسٌ لم يكسر صفاتَنا قِراعُ مناقيرِ من أراد لها قضما، وقد مَنَعْنا حِمانا عن كل من أراد له هضمًا. ثم قام الحارث بن ظالمٍ فقال: آفةُ المنطق الكذبُ، ومن لؤم الأخلاقِ الملقُ، ومن خَطَل الرّأي خِفَّةُ الملك المُسَلَّط، فإن أعلمناك أن مُواجهتَنا لك عن ائتلافٍ، وانقيادَنا لك عن إنصاف، ما أنت بقبول ذلك منا بخَليقٍ، ولا الاعتمادِ عليه بحَقيقٍ، ولكن الوفاءُ بالعهود، وإحكامُ العقود، والآمرُ بيننا وبينك مُعتدِلّ، ما لم يَأتِ من قِبَلك مَيلٌ. فقال كسرى: مَن أنت؟ قال: الحارثُ بن ظالمٍ، قال: إن في اسم أبيك دليلًا على

стр. 1054

قِلَّة وفائك. فقال الحارثُ: الحِلم مع القُدرةِ، فلْتُشبه أفعالُك مجلسَك. فقال كسرى: هذا فتى القوم. ثم قام قيسُ بن مسعودٍ فقال: أطاب الله لك المَراشِد، إنا لم نَقدم عليك لمُساماة، ولم نَنتسب لمُعاداة، ولا لنُسمِعَك ما يُخشن صَدرَك، وَيزرع لنا الحقدَ في قلبك، ولكن لتعلم ومَن حضرك من الوفود أنا في المَنطق غيرُ مُفحَمين، وفي البَأس غير مُقَصرين، إن جُورينا فغيرُ مسبوقين، وإن سومينا فغيرُ مغلوبين. فقال له كسرى: غير أنكم إذا عاهدتُم غيرُ موفين، يُعرِّض به في تركه الوفاء بضمانه السَّواد، فقال قيس: ما كنتُ في ذاك إلا كوافٍ غُدِر به. ثم قام خالد بن جعفر فقال: أَرشدَ اللهُ المَلك إرشادًا، وزاده إسعادًا. إن لكلِّ مَنطقٍ فُرْصةً، ولكلّ جابَةٍ (١) غُصّة، وعِيُّ المنطق أشدُّ من عيِّ السُّكوت، وعِثار القول أنكى من عِثار الوَعْث، وقد أوفَدَنا إليك ملكُنا النّعمان، وهو لك من خير الأعوان، ونِعم موضعُ المعروفِ والإحسان. أنفُسنا لك بالطاعة باخعة، ورقابُنا لك بالنَّصيحة خاضعة، وأيدينا لك بالوفاء رهينة. فقال كسرى: نطقْتَ بعقلٍ، وسَموتَ بفضلٍ. ثم قام عَلقمة بن عُلاثَة فقال: نَهَجت لك سُبلُ الرَّشاد، وخضع لك العبادُ والبلاد. إن للأقاويل مناهج، وللآراء مَوالج، وخيرُ القول أصدقُه، وأفضلُ الطلب أَنجَحه. نحن وإن أَحضرَتْنا المحبَّة، فليس من حضرك منّا بأفضلَ ممن غاب عنك. فقال له كسرى: أبلغْتَ. وذكر كلامًا طويلًا. ثم قام عمرو بنُ الشَّريد فقال: نَعِم بالُك، ودام في السُّرور حالُك، إن عاقبة الكلام مُتدَبَّرة، وأشكال النّظام مُعتَبرة، وهذا قول ما بعده شرفٌ (٢). إن في أموالنا مرتفدًا، وعلى عِزِّنا المُعتَمد (٣)، فلذلك لا نتعرّضُ لرِفدك، وتخلص نِيَّاتنا في قصدِك، ونحن مع هذا لجوارِك حافظون، ولمَن رامَك مُكافحون.

стр. 1055

فقال كسرى: قد فَهمتُ ما نَطق به خطباؤكم، وتَفنَّن فيه متكلِّمُوكم، وإني لأكره أن أَجْبَهَ وُفودِي، وأُحنِقَ صُدورَهم، وقد قَبلتُ ما كان في مَنطقكم من صوابٍ، وصَفحتُ عمّا كان فيه من خللٍ، فانصرفوا إلى مَلككم، والزَموا طاعتَه، وأَحسنوا مؤازَرَتَه. ثم وَصَلهم وسَرّحهم. وأقام النعمان واليًا على الحيرة ثلاثين سنةً. وكان له ابنتان: هند التي ذكرناها، وحُرَقَة بنتُ النعمان، وهي التي دخلت على سعد بن أبي وقاص ﵁ في فتوح القادسية. فصل ولما قَتل أبرويز النعمانَ بن المنذر ولَّى على الحيرة إياس بنَ قَبيصة الطائيّ، فأقام تسع سنين، ومات بعَين التَّمر، وفيه يقول زيد الخيل: [من الطويل] فإن يكُ ربُّ العينِ خَلَّى مكانَه. . . فكلُّ نعيمٍ لا مَحالةَ زائلُ (١) ثم قُتل أبرويز وولي شيرويه، وجاء الإسلامُ. فهؤلاء المشهورون من ملوك الحيرة، ومدّةُ أيّامهم أربع مئة سنةٍ، وقيل: ست مئةٍ، وقيل: ملك منهم ثلاثون مَلِكًا. فصل وحكى المَدائنيُّ أن الرابعَ من ملوك الحيرة الحارثُ بنُ عمرو، جدُّ امرئ القَيس ابن حُجْرٍ بن الحارث الكنديِّ، ولَّاه قباذ. ومَلَّك الحارثُ ابنَه حُجْرًا على بني أَسدٍ، وكان يأخُذُ منهم شيئًا معلومًا، فعَصَوه، فسار إليهم، فقتل سَرَواتهم بالعصا، فسُقُوا عَبيدَ العصا، وأَسر منهم جماعةَ، منهم عَبيد بنُ الأبرص الشاعر، ثم عفا عنهم ورَدَّهم إلى بلادهم. وعَمرو بنُ الحارث هذا يقال له: ابن حُجْر آكلِ المُرار بن عَمرو بن معاوية بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مُرَتعٍ (٢) بن معاوية بن كندة بن ثور. وإنما سُمِّي
следующие страницы →