← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وكانت قُلان طره تتردَّدُ من المغرب إلى مصر، وكانت الجزائر بأسرها داخلةً في ملك اليونان: صِقِلِّية وقبرس والأندلُس، وجميعُ ما على البحر الرومي من البلاد الروميةِ وأعمالها، فإنها كانت للروم. وأقامت قلان طره ملكةً عشرين سنة، وقيل: اثنتين وعشرين، ثم قتلت نَفْسَها لما نذكر. وقال علماء السير: فجميع ملوك اليونان بعد الإسكندر عشرةٌ والمرأة، وقيل: ثلاثةَ عشر آخرهم المرأة. ومدة ملكهم مئتان ونيف وأربعون سنة، وقيل: مئتان وستون سنة، وقيل: ثلاث مئة وأربع سنين. حديث المرأة مع ملك الروم لما اشتهر اليونانُ بالحكمة والفضائل والمُلك، حَسَدهم ملوك الروم، وكان مُلْك الروم برُومِيَة، ولم تكن القسطنطينية بُنيت بعد، وما كانوا يتجاسرون أن ينالوا من أطراف اليونان شيئًا، فنبغ فيهم ملك جبار يقال له: انطوطس (١)، ويُسمى بقيصر، ويقال: إنه أول مَن تسمَّى به، وإليه تُنسَب القياصرة. وبلغه أنَّ ملوك اليونان قد انقرضوا ولم يَبقَ منهم سوى امرأة، فجمع العساكر وسار إليها من رُومية، وهي وزوجها يومئذ بمصر، فخرج إليه زوجها فقتله قيصر. وكانت قُلان طره امرأة حازمة، فأرسل إليها يخطبها ويقول: ما قصدي إلا أن تصير المملكتين واحدة، وأن أقرب منك لفضلك وعقلك. وعَلمتْ أنه متى تمكن منها قتلها، فأجابته وقالت: تقيمُ في مكانك إلى يومٍ بعينه، فأقام. فأفكرت في حيلة تحتالُ بها عليه، فرأت أن تُهلكَ نفسها وتُهلكَه معها، ولا يتمكَّن منها. فعَمَدت إلى حَيَّة تكونُ بالصَّعيد في الرَّمل، تَثِبُ في الهواء فتضربُ الإنسانَ، فما يجتمعُ، فجعلتها في إناء من زجاج، وزّيَنَت قصرها، وفرشت مجلسها بالرياحين، ولَبِست تاجها، وجلست على سريرها، واستدعت قيصر. فلما دخل من باب القصر قَرَّبت يدها من الحية فضربتها، وانسابت في الرياحين، ووصل قيصر إلى السرير، ولم يشك أنها في عافيةٍ، فجلس إلى جانبها، فرآها ميتةً،

стр. 982

فعَجِب وفكَّر، وعبث ببعض الرياحين فضربته الحيةُ، فأيبست شِقَّه الأيمن، وأذهبت عينَه اليمنى وسمعَه الأيمن، ففهم وعلم أن قلان طره آثرت الموت في العزِّ على الحياة في الذل، ومات من ليلته. وانقضى مُلكُ اليونان، وزالت أيامُهم، ودَثَرت علومهم بموت قُلان طره. وكانت لهم بيوتٌ للعبادات يُعظِّمونها، ومنهم من يَعبد الفَرقَدينِ، وبعضهم يعبد الأصنام. وكان لهم بيوت عبادات بالمغرب وبالأندلس وبمصر. ويقال: إن الهَرَمين كان عليهما بيتان، بيتٌ على جبل أنطاكِيَة أخربه قسطنطين، وبيت بالقدس. وقال أبو معشر: كانت خزائنُ علومهم بقُبرس، فحُملت إلى المآمون فنقلها إلى العربية، فهي التي في أيدي الناس اليوم، من المنطقيات والعقليات والطب والنجوم والإلهيات والطبيعيات وغير ذلك، وملك الرومُ بلادهم. فصل في ذكر حكمائهم وفيهم كثرةٌ، فنذكر أعيانَهم، ويقال: إن أولهم سُقراط الحُب، وهو أستاذ الكل، وكان قد أقام في حُب مكسور سبعين سنة لم يخرج منه إلا لحاجةٍ. جاءه بعضُ ملوك اليونان فسَلَّم عليه وهو على فرسه، وقال له: أيها الحكيم الفاضل ألك حاجةٌ؟ قال: نعم. قال: وما هي؟ قال: تنحي فرسَك وتنصرفُ عني، فقد كنتُ أَستَدفئ بحر الشمس فمنعتَني. ومن كلامه: لا تخَفْ موت البدن، ولكن خَفْ موت النفس. فقيل له: ألستَ القائلَ بأن النَّفس الناطقة لا تموت؟ فقال: بلى، إذا انتقلت النفسُ الناطقة من حدِّ النطق إلى الحد البهيمي (١) بطل النطق؛ فالتحقت بالموت. وقال له رجل قد أَسنَّ: إني أريد أن أَنظر في العلوم وأستحيي. فقال له: أتستحيي أن تكون في آخر عمرك خيرًا من أوله؟ وقال: خساسةُ الرجل تُعرف بشيئين: بكلامه فيما لا يعنيه، وبجوابه فيما لم يُسأل عنه.

стр. 983

ورأى رجلًا حسنَ الوجه سيئ الأدب، فقال: سلبت فضائلَ نفسك محاسنُ وجهك. وتعرَّض له رجلٌ بكلام قبيح، فأعرض عنه، فقيل له في ذلك، فقال للقائل: لو رَمَحك حمارٌ أكنت ترمحه؟ أو نبح عليك كلبٌ أكنت تَنبح عليه؟ قال: لا. قال: فكذا السَّفيهُ ما يقابَلُ بأبلغَ من الإعراض عنه. ومنهم بُقراط الأول، وقد اعترف بفضله الأوائل والأواخر، وهو واضع الطب. ولما بلغ بهمن بن اسفنديار بن بشتاسف خبرُه، كتب إليه يستدعيه، وبعث له قناطير من الذهب فردَّها، وقال: لا حاجة لي في الدنيا، المال والحكمة لا يَجتمعان. ولم يخرج من بلده. وكان يعالجُ الفقراء، ولا يأخذ منهم شيئًا، ويُعينهم. وقال: استهينوا بالموت، فإن مرارته في خوفه. وقال: الأمنُ مع الفقر خيرٌ من الغنى مع الخوف. وقال: يُداوى كلُّ مريضٍ بعقاقير أرضه، فإن الطبيعة مُتطلِّعة إلى هوائها، ونازعةٌ إلى غذائها. وقيل له: لمَ يتكرَّبُ الإنسان بشُرب الدواء؟ فقال: البيتُ أكثر ما يكون غُبارًا إذا كُنِس. وعشق بعض أولاد الملوك حظيَّة لأبيه، فنحل وسقم وخولط، فقال أبوه لبُقراط: انظُر ما به، فجسَّ نَبضه فلم يجد به مرضًا، فأخذ يذاكره بحديث العشق والعُشاق، فمال إليه وتهلَّل وجهُه، فسأل عنه: هل خرج من الدار؟ قالوا: لا. فقال لأبيه: اعرض عليه كل حظية في الدار. فأَخرج كلَّ امرأة في الدار فعرضَهنَّ عليه، وهو لا يلتفتُ، حتى أخرج الخادمُ تلك الحظية، فتغيَّر وجهُه، فترك بُقراط يده على نبضه وهو يضربُ، فقال للملك: هو عاشقٌ لمن لا سبيل له إلى الوصول إليها. قال: ومن هي؟ قال: حليلتي. قال: انزل عنها ولك أمثالُها. قال: فأين العدل؟ تأمرني بطلاق زوجتي؟! قال: إن أبيت فالسيف، ولا يموت ولدي. فقال: أرأيت لو كانت حظية الملك أينزل له عنها؟ ففهم الملك باطن الحال، فقال له: عقلك أتم، ومعرفتك أعم. ونزل عنها لولده، فبرئ.

стр. 984

وقيل لبقراط: لم يثقل الميت؟ قال: لأنهما كانا اثنين: خفيفٌ [رافع] وهو الرُّوح، وثقيل [واضع] وهو البدن، فلما انصرف الخفيف الرافع، بقي الثقيل الواضع. وقال: علاجُ الجسد خمسة أضرب: ما في الرأس بالغرغرة، وما في المعدة بالقيء، وما في المدن بالإسهال، وما في أعماق البدن بالفَصْد، وما بين الجلدين بالعرق (١). ويقال: البقارطة أربعة، وهذا هو الأول، وبينه وبين جالينوس ستُّ مئة وخمسون سنة، وكان جالينوس في زمن عيسى ﵇ (٢). ومنهم أفلاطن أستاذ أرسطاطاليس، وهو صاحب المنطق (٣)، وقد برز عليه أرسطاطاليس وأخذ عليه في مواضع. ومن كلام أفلاطن: عقولُ الناس مدوَّنة في رؤوس أقلامهم، وظاهرةٌ في حُسن اختياراتهم. وقال: الله تعالى بقَدْر ما يُعطي من الحكمة يمنَعُ من الرزق. قيل له: ولم؟ قال: لأن الحكمةَ حظُّ النَّفس الناطقة، والمال حظُّ النفس الشهوانية، والناطقة عاليةٌ على الشهوانية، فالمال والحكمة متغايران لا يجتمعان. وقال أبو يعلى بن الهبَّارية: كان على خاتم أفلاطن: تحريكُ الساكن أسهل من تسكين المتحرك. وقال أفلاطن: لا ينبغي لك أن تفعل شيًا إذا عُيِّرتَ به غضبتَ، فإنك إذا فعلتَ ذلك، كنت أنت القاذفَ لنفسك. ومنهم بطليموس صاحب "المِجِسطي"، المتكلم في هيئات الأفلاك وما يتعلق بالهندسة كلامًا طويلًا.

стр. 985

وله كلام حسن، فمنه أنه قال: ما أحسنَ الإنسانَ أن يصبِر عما يشتهي، وأحسنُ منه أن لا يشتهي ما لا يَقدرُ عليه. وقال: لأن يستغنيَ الإنسان عن المُلْك، خيرٌ من أن يستغنيَ به (١). ومنهم صاحب إقليدس، وهو أولُ من تكلَّم في الرياضيات، وقال: الخطُّ هندسةٌ روحانية ظهرت بآلة جسمانية. وقال: لما علم العاقلُ أنه لا ثقةَ له بشيء من أمور الدنيا، ألقى منها ما منه بُدٌّ، واقتصر على ما لا بُدَّ له منه (٢). ومنهم جالينوس، وكان في زمن عيسى ﵇، ويقال: إنه قَصَد الاجتماع بعيسى ﵇، وسار إليه فمات في طريقه (٣). قال ابن حوقل: مات جالينوس اليوناني بمدينة الفرما، وهي شاطئ بحيرة تِنِّيس من أرض مصر، وبها قبرُه (٤). ومات ابن مئة وتسعة وثلاثين سنة (٥)، وإليه انتهى علمُ الطب. ومن كلامه: عِلَّةُ الاختلاف الذي يعرض للإنسان إنما سببُه الدماغ؛ وذلك لأن أوعية الدماغ ثلاثة: مقدَّم الرأس وهو للحِسِّ والخيال، ومُؤخَّره للحركة والفكر والحفظ، ووسَطُه للعقل والفِطنة والذكاء، فمتى اعتدل الدماغ، اعتدلت الروح واعتدلت الأفعال، فإن مال الاعتدال إلى البرودة، كان الفعلُ أبطأ، وإن مال إلى الحرارة، كان الفعل أسرع. ولما اشتد بجالينوس مرضُ الموت، قيل له: ألا تتداوى؟ فقال: إذا كان الداء من السماء بطل الدواء، وإذا نزل قَدَر الرب بطل حذرُ المربوب، ونعم الدواء الأجلُ، وبئس الداء الأملُ.

стр. 986

ومنهم حكيم احتُضر، فقال لولده وهو حاضرٌ عنده: يا بنيَّ، إنك وإن كنتَ وارثي وحدك، فليس لك جميعُ ما حَوتْه يدي، لأن عليَّ فيما أخلِّفُه ديونًا لإخوان من مكارمَ سبقت، لم يقبلوا مني مُجازاةً عليها؛ لاستغنائهم عنها، وقد كنتُ أُراعيهم خوفًا من تَحوُّل حال واحد منهم، فيحتاجُ إلى ما هو الآن عنيٌّ عنه، فيجدُ عندي مكافأته ذخيرةً له، وقد أثبتُّ أسماءَهم في دفترٍ، فإن لَحِقْتَ أحدَهم فأْتِه فاقضِ عني حقَّه كما يقضي الحُرُّ عارِفَةَ الحر، ثم استحلفه على ذلك وأَشهد عليه الحاضرين، ومات. فإن قيل: فقد ذَكرتَ الفلسفةَ، فما معناها؟ فالجواب: أنها عندهم الإحاطة بمعرفة الحقائق والحكميات. والفيلسوف بالعربية معناه: محبُّ الحكمة. ويَدخُل فيها علمُ النجومِ والطب والهندسة والحساب وتأليف الألحان، والهندسةُ دون الفلسفة لأنها تختصُّ بمعرفة مقادير الأرض، والأبنية، ومجاري المياه، وغَرْسِ الأشجار، وآلاتِ الصنائع وتركيبها. فإن قيل: فما الذي يَعتمدُ عليه هؤلاء الحكماءُ من العقائد؟ فالجواب: أن لهم مذاهبَ، منها: أن الأرواح عندهم باقية، والفساد والكون إنما يَلحقان الجسدَ، ومكانُ الروح من الجسد مكانُ النار من الفَحْم، وأن الروح جسمٌ لطيف متداخل في هذا الجسد الكثيف، فالروح بلطافته يحرك الكثيف ويستعمله. ومن مذاهبهم: أن العالم الأرضي متصل بالعالم السماوي، وأن الفَلَك يَتدوَّرَ بحركة مستديرة فتتحرك له الكواكب، فيحدُث بتحريكها في هذه الأجسام الاستحالات، فيقع الكون والفساد. قالوا: وفسادُ كلِّ شيء كونُ شيءٍ آخر، كالخشب الذي يحترقُ بالنار فيصير فحمًا. قال المصنف ﵀: والغالب على علومهم الحَدْس والتخمين لا التحقيق واليقين، فإن أسرارَ البارئ المخفيّاتِ، وأمورَه المغيَّبات، لا مجالَ فيها للظنون. وأقرب علومهم إلى الصحة علومُ الهندسة، فإنها مبنية على الحساب، وولى ذكرتُ منها ها هنا جُملة لا يُستغنى عنها. قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٣] فأقول: الأعدادُ أربعة: آحاد،

стр. 987

وعشرات، ومِئين، وألوف. فالآحادُ: تنتظم ما بينَ الواحدِ إلى التسعة، والعشرات: تنتظم ما بين العشرة إلى التسعين، والمِئين: تنتظم ما بين المئة إلى تسع مئة، والألوف: تنتظم ما بين الألف إلى تسعة آلاف، وما بعدَ ذلك تكرار. فالآحاد في العشرات كلُّ واحدٍ عشرة، والعشرات في العشرات كلُّ واحد مئة، والعشرات في المئين كلُّ واحد ألف، والمئين في المئين كلُّ واحد عشرة آلاف، والمئين في الألوف كل واحد مئة ألف، والألوف في الألوف كلُّ واحد ألف ألف. والحَبْل عشرة أبواب، والباب ستة أذرُع، والذراع تسع قَصَبات، والقصبة أربع أصابع، والحبل في الحبل جَرِيب، والحبلُ في الباب قَفِيز، والحبل في الذراع عَشير. والدينار أربعة وعشرون قِيراطًا وأربعة عشر طَسُّوجًا وست دوانيق وثنتان وسبعون حَبّة، والقيراط ثلاث حبات وعشرة دراهم فضة وزن سبعة مثاقيل ذهب. والرِّطْل ثنتا عشرة أُوقِيَّة، والأُوقية سبعة مثاقيلَ ونصف. والفرسخ ثلاثة أميال، والميلُ اثنا عشر ألف قدم أو أربعة آلاف خُطوة بخطوة الجمل. فصل في ذكر بني الأصفر وسُمُّوا الروم، لأنهم من ولد روم بن العيص بن إسحاق ﵇، وقيل: لأنهم نُسِبوا إلى رُومِيَة، والأول أصحُّ، لأن رومية بُنِيت قبل ظهورهم بأربع مئة سنة، وكان يقال لها: رماس (١)، فلما سَلَبوها نُسبت إليهم. وقال ابن الكَلْبي: وَلَدَ العيصُ بن إسحاق ثلاثين ولدًا منهم الروم، وكان أصفرَ اللون، فقيل: بنو الأصفر. وقيل: غارت عليهم الحبشةُ، فوُلِد لهم بنات أخَذْنَ من بياض الروم وسواد الحبشة، فكنَّ صُفرًا لُعْسًا، فنُسِبوا إليهن. وأولُ ملوكهم الذي قتلته الحية، وقيل: مَلَك قبله هالوس، وبعده قيصر.

стр. 988

وقال ابنُ الكلبي: عدد ملوكهم الذين ظهروا من رومية أربعون ملِكًا، وقيل: ستون، وعدد سنينهم خمس مئة سنة، وقيل: أربع مئة سنة وسبع وثلاثون سنة، إلى أن ظهر الإسلامُ. فنذكر أعيانَهم، لأن أسماءهم لم تُحقَّقْ، ومنهم أيضًا مَن ليس له مَكرُمة، ولا تَجدَّد في زمانه ما يُؤرَّخ. فثالثُ ملوكهم أغسطوس، مَلَك نيفًا وخمسين سنة، ولما مضى من مُلكه اثنان وأربعون سنة وُلد المسيحُ ﵇، وبين مولده وغلبة الإسكندر الثاني على بابل ثلاث مئة وثمانون سنة، وقيل: خمسون. وقيل: إن الذي قتلته الحيةُ أقام على رومية ملكًا سنة. وكان يقال له: قيشر لأن أُمَّه كانت حاملًا به فعَسُرَت ولادتُها، فشَقُّوا بطنها فخرج، وكان يفتخر على الناس بأن النساء لم يَلِدْنَه، فصار ذلك سُنّةً بعده. وكان جبارًا عاتيًا، وهو الذي بنى قيسارية الروم، وقيل: وقيسارية الشام بالساحل. ويقال: إن عيسى ﵇ وُلد في زمانه. وملَك بعده طبارس (١)، فأقام بعده اثنتين وعشرين سنة، وفي أيامه رُفع عيسى ﵇ لثلاث سنين بقيت من ملكه. ثم اختلفت الروم بعده فلم يجتمعوا على مَلِك، بل تنازعوا الأطراف ثلاث مئة سنة، وكانوا يَعبُدون التماثيل والأصنام. فصل ثم ملك بعده فلورس رومية (٢) أربع عشرة سنة، وهو الذي قتل النصارى ونفاهم، وفي أيامه قُتل بيرس وبولُس، وقيل: وشمعون، وصُلِبا بأنطاكية (٣)، وهما اللذان أخبَر

стр. 989

الله عنهم في سورة "يس". ثمَّ لمّا ظهر دينُ النصرانية نُقِلا إلى رومية، وجُعلا في جُرنَين من لبلور، فهما في كنيسة رومية إلى اليوم. فصل ثم ولي بعده رجلان: طنطس واسبانوس (١)، اشتركا في الملك، وقصدا بيتَ المقدس وأَخرباه، وقتلا من بني إسرائيل ثلاث مئة ألف، وكانا يعبدان التماثيل. فصل ومنهم انطونس (٢)، وفي أيامه يُقال: مات جالينوس الحكيم. فصل ومنهم دقيانوس الذي نام في أيامه أصحابُ الكهف. فصل ومنهم قُسطنطين، وكان يعبد الأصنام، وهو الذي بنى القُسْطَنْطِينيَّة، جاء إلى موضعها -وتُسمى بَرزيطيا (٣) - فقال: نبني ها هنا مدينةً تحفظ بلد الروم من ملوك فارس، فبناها وانتقل من رُومية. ولما مضى من مُلكه ست سنين خرَج عليه عدوّ من فارس اسمه: برجان، فظهر عليه وخاف منه، فرأى في نومه رماحاً نزلت من السماء عليها صُلبان من ذهب مرضَعة بالجواهر، وقائل يقول له: خُذ هذه الرماح فقاتِلْ بها عدوَّك، فإنك تُنصر عليه. فأخذها في المنام وقاتل عدوَّه، فانتصر عليه، فاستيقظ وعمل رماحاً مثلَها، وقاتل عدوه فانهزم ونُصِر عليه. فسأل العلماء عن الصلْبان فقالوا: ببيتِ المقدسِ مَن يعرف هذا. فبعث إليه، فقَدم منهم ثلاث مئهٍّ وثمانية عشر أسْقُفًّا، فسألهم، فقَصُّوا عليه قصة المسيح ﵇، وشرعوا له دينَ النصرانية، ونصَّروا النصارى، فسُمِّي هذا الاجتماع السنودس، وهي ستُّ سنودسات، وهي لفظة رومية معناها الاجتماعات، وكان

стр. 990

اجتماعُهم بنِيْقِية من أرض الروم. وكان لقُسطَنْطين أمٌّ حكيمة يقال لها: هلاني، خَرَجت إلى الشام وبَنَت الكنائس، وطَلَبت الخشبةَ التي صُلب عليها المسيحُ ﵇ بزعمهم، فأحضروها، فزيَّنتها بالجواهر، واتخذت ذلك اليومَ عيداً، وسمَّته: عيدَ الصليب، وذلك لأربع عشرة خلت من أيلول. وملك قسطنطين ثمانين سنة، ومات. فصل ثم وَلي بعده أخوه بالس (١)، فرفض دينَ النصرانية، ويُعرف بالحنيفي لرجوعه عن النصوانية، ويُسمى: البرباط (٢) أيضاً، غزا العراق، فقتل وسبى في أيام أرْدَشِير بن بَابَك، وقيل: في أيام سابور بن أرْدشير، فلم يكن لسابور به قِبَلٌ لكثرة جنوده، فبينا هو يَقتل ويسبي جاءه سَهْمٌ غَرْب فقتله، وقيل: كان ذلك باحتيال سابور. وكان مقامُه في المُلْك سنة واحدة. فصل ثم ملك بعده أوبالس، وفي أيامه انتبه أهل الكهف من منامهم، فأقام أربع عشرة سنة. ثم ملك شرهو (٣)، وهو الذي بنى عمورية، فوجد في أرضها كنوزاً عظيمة. فصل ثم ملك سطناس (٤)، وهو الذي عمر كنيسة الرُّها، وكان بها منديل تَزعُم النصارى أن المسيح لما خرج من المعمودية تنشف به. ولما حوصرت الرُّها في سنة اثنتين [وثلاثين] وثلاث مئة، واشتدَّ الحصار على أهلها، وكانت للمسلمين، طلبت منهم الرومُ المِنديل ويرحلوا عنهم، فأعطَوْهم إياه ورحلوا.

стр. 991

فصل ومنهم هِرَقْل، ولسبع سنين من ملكه هاجر رسولُ الله ﷺ إلى المدينة، وهو الذي ضرب الدنانير والدراهم الهرَقْليَّة. وهو الذي كَتَب إليه رسول الله ﷺ . ومات في أيام عمر بن الخطاب ﵁. وملك بعده ابنُه قيصر، وهو الذي أجلاه أبو عبيدة وخالد بن الوليد عن الشام وإلى هلم جرَّا. وقيل: عِدّة ملوكهم قبل ظهور النصرانية من المَلِك الذي نَهَشَتْه الحية إلى قسطنطين ثلاثون ملِكاً، ومن قُسطَنطين إلى مورق بن لاوي الذي كان في أيام عمر بن عبد العزيز ﵁ ثلاثون ملكاً، أقاموا في المُلْك أربع مئة سنة. فصل في ذكر ملوك الطوائف وكانوا من الفُرس، وقيل: من النَّبَط، وقيل: من العرب، ويقال: هم الأَرْدَوان. قال علماء السير: لما قَتل الإسكندر دارا بنَ دارا، وأوغل في بلاد الهند والصين، تغلَّب كلُّ قوم على ناحيةٍ، وكانوا أصنافاً، فكاتبهم الإسكندر، وكان مقصودُه تشتيتَ كلمتهم، وأن ينقادوا إلى ملِكٍ واحد (١). وكانوا بأسرهم يميلون إلى ملوك الجبال من نواحي الدّيْنَوَر ونَهاوَنْد، ويقال لهم: الأشغانيون، وكان يقال لملوك الطوائف: الأشغانيُّون، لميلهم إليهم، وكانت منازل النَّبَط منهم -وهم الأَرْدوان- على الفُرات مما يلي قصرَ ابن هُبَيرة إلى ناحية الطفوف وما والاها، وكانت ملوكُ العرب من مُضَر ابن نزار (٢) وربيعة وأَنْمار وقَحطان بالحجاز واليمن. وكان أرسطاطاليس هو الذي أشار على الإسكندر بمكاتبتهم واستمالتهم، وأقام كلُّ ملكٍ في أرضه، ومَن مات منهم وَرِثَه ولده أو قريبه، وكان مُلكُهم خَمْس مئة سنة، وكانوا تسعين ملكاً مفرَّقين في العراق والشام ومصر والحجاز واليمن.

стр. 992

وقال ابن قتيبة: كان مُلكُهم أربع مئةٍ وخمساً وستين سنة (١). وقال أبو عبيدة: لما رجع الإسكندرُ من الشرق تُوفِّي يوم الأربعاء، فأقاموا بعده مئتين وخمسين سنة. وفي أيامهم كان قتلُ يحيى بن زكريا ﵉، وولادة المسيح ﵇، وأول ملوكهم بالعراق أشَكُ بن أَرْدَوان بن أَشغان، وإليه نُسِبوا فقيل: الأَشْغانِيَّة، وقيل: الأَشْكانيَّة. قال ابن مسكويه: أَشَك هو ابن دارا الأكبر، جمع جمعاً عظيماً وسار إلى أَنْطِيخُس الملك الرومي، وكان مقيماً بسواد العراق من قِبَل الروم، وزحف إليه أنطيخس، والتقيا ببلاد الموصل، فقتل أَشَكُ أنطيخس، وغَلَب على السَّواد، وصار في يده من المَوْصل إلى الري وأَصبهان، وعظَّمه ملوكُ الطوائف لشرفه وكونه من بيت المُلك، وبدؤوا به على نفوسهم في كتبهم، وأَهْدَوا إليه من غير أن يَعزِلَ أحدًا [منهم] أو يستعمِلَه (٢). ثم ملك بعده جماعة آخرهم الأَرْدَوان من ولد أَشَك، وظهر أَردَشير بن بابَك فغَلب على ملوك الطوائف، وقتل الأَرْدَوان مبارزةً واستولى على الممالك، وانقضت أيامُ ملوك الطوائف. وعددُ ملوكهم من أَشَك إلى الأَرْدَوان سبعةُ ملوك، وملَكوا مئة ونيفاً وسبعين سنةَ، غير أيام أَشَك فإنها كانت عشرين سنةً. وملك بعدَه ولده جودرز بن أشك إحدى وعشرين سنة (٣)، ثم ملك فَيروز بن سابور ابن أشك عشرين سنة، ثم ملك بعده ابنُه سابور تسع عشرة سنة، ثم ملك بعده حوض ابن جَودَرز (٤) أربعين سنة، ثم ملك بعده أخوه هُرمز عشرين سنة، ثم ملك بعده أَرْدَوان بن هرمز خَمْس عشرة سنة، ثم ملك بعده ولده بلاش (٥) أربعاً وعشرين سنة، ثم مَلَك الأَرْدَوان وهو آخرهم ثلاث عشرة سنة.

стр. 993

فصل في ذكر ملوك الفرس الثانية وأولُ ملوكهم ساسان الأصغر، وكان بالجبال لا يُؤبه إليه، فجمع جموعاً كثيرة، ومَلَك البلاد وأباد ملوك الطوائف، ولم يبقَ منهم غير الأردوان فهرب منه، واستولى ساسانُ على الممالك، وإليه تنتهي أنساب الفرس الثانية. وهو الذي كوَّر الكُوَر، ورتَّب الصنائع والحِرَف والنواميس، وأقام مدةً لم تضبط، ثم مات. فمَلَك بعده أرْدشير بن بابَك بن بَهْمن بن اِسْفَنديار بن بُشْتاسِف، فسمَّى نفسَه شاهِنْشاه الأعظم، وبنى المدائن، واستولى على الممالك، وإنما خرج طالباً بثأر ابنِ عمِّه دارا بن دارا بن بَهْمن الذي قتله الإسكندر. وكان مولده بقرية من قرى اِصطَخْر، وكان أبوه بابَك شجاعاً يلتقي وحدَه مئةَ رجل (١)، وقتل أردشير الأردوان (٢) ووَطئ رأسه بقدميه، وفي ذلك اليوم تسمَّى بشاهنشاه الأعظم، وكان منصوراً لا تُردّ له رايةٌ. وملك خمس عشرة سنةً، واختلفوا في نسبه، ولا خلاف أنه من ولد مِنُوجِهْر. وهو أول مَن خَطَب من الفُرس الثانية، فقال لمّا قتل الأرْدَوان (٣): الحمدُ لله الذي خَصَّنا بنعمه، ووفَّر لنا من عطاياه، وشملنا بفوائده، ومهَّد لنا البلاد، [وقاد إلى طاعتنا] العباد، ألا وإنّا شارعون (٤) في إقامة منار العدل، وإدرار الفَضْل، وتشييد المآثر، والإقبال على الرأفة والرحمة، وإنصاف الضعيف من القوي، ومن الشريف للدَّنِيّ، فإن العدل سُنَّة محمودة، وشريعةٌ مسلوكة، وسترون في أيامنا ما تَحمَدونا عليه، وتشكُرونا على فِعْله، وسوف تُصَدق أفعالُنا أقوالَنا. . . في كلام طويل. وبأرْدشير اقتدى الخلفاءُ والملوك في ترتيب الممالك، فإنه رَتَب الناس على ثلاث طبقات؛ فالأولى: الحكماء والعلماء وكان مجلسُهم عن يمينه، والثانية: الملوك وأبناؤهم

стр. 994

وسمَّاهم الخواص، وكان عن يساره، والثالثة: المَرازبة والأصبَهبذية وهم بين يديه. ولم يكن شي هذه الطبقات وضيعٌ ولا خسيسُ الأصل ولا ناقصُ الخَلْق (١). ثم زادهم سبعَ طبقاتٍ: أولها: الوزراء، والثانية: الموابِذة، وهم الحكام والقُضاة وأصحاب الشرع، والثالثة: نُوَّاب هؤلاء. وجعل الأصبَهْبذية أربعةً: فالأولُ على خراسان، والثاني على بلاد الشمال، والثالث على المغرب، والرابع على ناحية الجنوب. ودانت له الدنيا. ومن كلامه: معاشرةُ الوضيع للشريف شهراً، تُفسِد عقلَه دهراً، وقال: يجبُ على الملك أن يكون فائضَ العدل، فإن فيه جِماعَ الخيرات، وهو الحِصنُ الحصينُ من زوال المُلْك، وإن أول مخايل الإدبار في الملك ذهاب العدل منه (٢)، وما خفقت رايةُ الجَوْر في دولة إلا لَفَحتها نسائم الخِذْلان فردَّتها على أعقابها. وليس أحد ممن يصحب الملوك أولى باستجماع مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، وطرائف المُلَح، وغرائب النُّتَف من النَّديم، فإنه يحتاج إلى تواضع العبيد مع قُربه من الملك، وعفاف النُّساك، ووقار الشيوخ، وأن يفهم ما مُرادُ الملك فيناجيه على حسب ما يبلوه من خلائقه، ويكون له جمالٌ ومروءة، أما جمالُه فنظافة ثوبِه، وطيب رائحته، وفصاحةُ لسانه، وأما مروءتُه فكثرةُ حيائه، ووقار مجلسه مع طلاقةِ وجهه، وأن يستكمل المروءةَ حتى يَسلُوَ عن اللذَّة (٣). وكتب إلى من كان بقربه من ملوك الطوائف يخبره بما أجمع عليه من الطلب للمُلْك لما فيه من صلاح الرعية وإقامة العَدْل، وكان من كتابته: من أردشير بن بابَك المُستأثَر دونه بحقِّه، المغلوب على ميراث آبائه، الداعي إلى الله المستنصرِ به، فإنه وَعَد المظلومين النصرَ والظَّفَر، وجعل لهم العاقبةَ، إلى من يصلُ إليه كتابي هذا من ملوك الطوائف، سلامٌ عليكم بقدر ما تستوجبون به معرفةَ الحق، وإنكار الباطل والجَوْر. فمفهم مَن أقرَّ له بالطاعة، ومنهم مَن تربَّص عليه، ومنهم من عصاهُ. فلما استوسق

стр. 995

ملكُه، أباد من تربَّص عليه وعصاه (١). وكتب إلى رعيته: مِن أرْدشير ملك الملوك، ووارث العُظماء المؤيَّد، إلى العلماء الذين هم حملةُ الدّين، والأَساوِرة الذين هم حُفَاظ الدولة، والكُتَّاب الذين هم زينُ المملكة، سلامٌ عليكم؛ اعلموا أنَا قد وضعنا عن رعيَّتنا بفضل رأفتنا الإتاوةَ التي كانت عليها، ونحن كاتبون بوصيةِ فاحفَظُوها: لا تستشعروا الحقد فيَدهَمَكم العدوُّ، ولا تحتكروا فيشمَلَكم القحط، وتزوَّجوا في الأقربين؛ فإنه أمسُّ للرحم، وأثبتُ للنسب، ولا تعدوا هذه الدنيا شيئاً فإنها لا تُبقي على أحد، ولا تهتموا لها، فالرزق بيد الباري، ولا ترفضوها بمرَّة فإن الآخرة لا تُدرَك إلا بها (٢). وأجدبت الأرض، فكتب إلى عُماله: ليس من العدل أن يفرح الملكُ ورعيتُه محزونون، ثم فرق جميع ما في بيت المال. ورُفع إليه أن جماعةً من بطانتك قد فسدت نياتهم، فكتب عليها: إنما أملكُ الأجسام دون النيات، وأحكُم بالعدل دون الرضى، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر. ومدحه مادح فقال: طُوبى للممدوح إن كان أهلاً للمدح (٣). وكتب إليه مُتَنصِّح: إن قوماً اجتمعوا على ثلبك، فوقع عليها: لئن كانوا نطقوا بألسنةِ شتَّى لقد جمعتَ ما قالوه في ورقتك، فجرحُك أعجب، ولسانك أكذب. وكتب إليه جماعة من بطانته يشكون إليه سوءَ حالهم، فوقَّع: ما أنصفكم مَن ألجأكم إلى الشكوى. ثم فرَّق فيهم مالاً وأغناهم. قال ابنُ قتيبة: وهو الذي بنى مدينة جُور بفارس، ومدينة أرْدشير بفارس أيضاً، ومدينة أَستَراباذ، وهي كَرْخُ مَيْسان، ومدينة الأُبُلَّة وغيرها (٤). ولما تمَّ لأرْدشير أمره، ودانت له الممالكُ، زَهِد في الدنيا وانقطع إلى بيوت

стр. 996

العبادات والخلوة، وأجلس ولدَه سابور مكانه وتَوَّجه، وكان أكبر ولده وأعقلَهم وأفضلَهم. وأقام أرْدشير ثلاث سنين يتعبد، ولما احتُضِر أوصى ولده سابور، وكان فيما أوصاه: يا بُني إن الدّين والمُلك توأمان لا غِنى لواحد منهما عن الآخر، فالدِّين أساس، والملك حارس له، وما ليس له أُسٌّ فمهدوم، وما لا حارس له فضائغ (١). فصل في ذكر ولده سابور، ويقال له: سابور الجنود، لكثرة جنوده واعتنائه بهم، ولما ولي سار بسيرة أبيه وزاد عليها، وأحسن السياسة، وضبط الممالك، ولما شاع ذلك عنه كتب إليه قيصر: لمّا بلَغَني حسنُ سيرتك وتدبيرك، أحببتُ أن أسلُكَ طريقتك، فاكتُب بها إلي. فكتب إليه: اعلم أني ما نِلتُ ما نلتُ إلا بثلاث خصال: لم أَهزِل في أمرٍ ولا نهي، ولم أُخلِف وعداً، وربَّما أخلفتُ وعيداً، ولا عاقبتُ إلا للذنب لا للغضب. وسابور هو الذي حاصر حصن الضَّيزَن، وقيل: اسم الحصن السَّاطِرون وهو على الفرات، وقيل: هو الحَضْر، وقيل: السَّاطِرون اسم الملك. وقال أبو عبيدة: اسمُ الملك الضَّيزَن بن معاوية بن مالك التَّنوخي القُضاعي، ويلقب بالسَّاطِرون. وكان السبب في قَصْد سابور له، أنه غاب بخُراسان يُحارب عدواً له، فتطرَّق الساطرون إلى بلاده، فلما عاد سابور حصره في الحصن -وكان حصناً لا يُراد- فأقام عليه أربع سنين، وكان للملك ابنةٌ يقال لها: نَضيرة، ولم يكن في زمانها أجملُ منها، فنظرت من فوق الحصن إلى سابور فعَشِقته، فراسلته: إن دَللتُك على عورة الحصن أتتزوَّجُني؟ قال: نعم. قالت: فعليك بحمامة مُطوَّقة زرقاء، فاكتب في رجليها بحيض جارية بكرٍ، يُفتح بها الحصن فهي طِلَّسْمُه، وسقت هي حراس الحصن الخمر، وفعل هو، فانْهَدم جانبُ الحصن، ودخله عَنْوةً، فقتل الملك وأَقيال قُضاعة، وأخرب الحصن، وحمل معه نَضيرة فأعرس بها، فلم تزل طول ليلتها تقلق على الفراش، وكان

стр. 997

محشُوًّا حريراً وقَزّاً، فقال لها: ما الذي بك؟ ثم فتش الفراش وإذا بطاقة آس كانت عليه قد أثَرت في عُكْنَةٍ من عُكَنِها، وكان ينظر إلى مخّ ساقها من لين بشرتها، فقال لها سابور: بأي شيءٍ كان يَغذُوك أبوك؟ فقالت: بالزُّبد والمخ والشَّهد وصَفْو الخَمْر. فقال: إذا كان أبوك فعل معك هذا وقابلتيه بما فعلت؟! فلا آمَنُك أن تفعلي بي كما فعلتِ بأبيك. ثم شدَّ ضَفيرتَها في رِجْل فرسين وأمر أن يُركَض بهما، فَرُكِضَ فقُطِّعت قطعاً قطعاً (١). وسابور هو الذي بنى جُندَي سابور، وكانت أيامُه ثلاثين (٢) سنة، وقيل: إحدى وثلاثين سنة. ولما احتُضر دعا ولده هُرمز بن سابور فأوصاه، ثم مات. وملك بعده ولده هُرْمُز، وكان عادلاً منصفاً على سَنَن جدِّه، وكان يُلقب بالبطل لشجاعته، وهو الذي بنى بالعراق دَسْكَرة الملك، وأقام والياً سنة واحدة، وقيل: ثلاث سنين، ثم مات. ويقال: إن أباه اتَّهمه بأمر وأبعده عنه، فقَطع يد نفسِه وبعث بها إليه، فاستحى أبوه وقال: ما يَصلُح للمُلك سواه، فولَّاه الملك. ولما احتُضر، عَهِد إلى ولده بهرام بن هرمز. فصل ملك بهرامُ، وقتل ماني الزنديق القائل بمذهب الثَّنَوية، وصلَبه، وحشى جلده تِبناً وعلَّقه على باب جُندَيْ سابور. واختلفوا في ظهور ماني، فقال قوم: ظهر في أيام أرْدشير بن بابَك، وقال بإلهين اثنين، وأباح نكاح المحرَّمات كالأمهات والبنات والأخوات. وقال لأردشير: لا بُدّ لي من أم سابور أطؤها، فإن في ظهري نبياً، وما أحبُّ إلا أن يكون فيها. فأجابه أردشير إلى ذلك، وعزَّ على سابور، فبكى بين يدي ماني، وتضرع إليه، فسكت عنها. وقيل: إن سابور لما وَلي قتَله، وقيل: بل قتله بهرام بن هُرمز لأنه طلب منه أن ينكح أمَّه

стр. 998

كما أراد أن يفعل بسابور، فقتله. وأقام بهرام في الملك عشرين سنة، ثم مات (١). فصل فولي بعده ولدُه نَرْسي، فأقام تسع سنين على منهاج أبيه، ثم مات. فوَلي بعده هرمز ابن نرسي، فأقام سبع سنين ومات. فصل ولما مات هُرْمُز بن نَرسي لم يُخلِّف ولداً، فشَقَّ على الفرس، وسألوا نساءَه: هل فيكن حاملٌ؟ فقالت امرأة منهن: أنا. ففرحوا وبعثوا إليها القوابلَ، وقد استبان حملُها، ورأَيْنَ من نضارة لونها، وخِفَّة الجنين في بطنها ما دلَّهن على أنه ذكرٌ، فأخبرنَ الفرس، فاجتمعوا ووضعوا التاجَ على بطنها. فلما انقضت أيامُها وضعت ولداً فسمَّوهُ سابور، واستبشروا به. وأقام الوزراءُ والأساوِرَة يُدبّرون أمرَ الفرس، وفشا في الآفاق أن الفرس يُملِّكون الحمل، ومَن هو في المهد، فطمع فيهم الناس، وغزتهم العرب: عبدُ القَيْس وكاظمةُ والبحرين (٢)، والروم، والترك، وكثر الفساد وقلَّت هيبة الفرس. فلما ترعرع سابور كان أوَّل ما عُرِف من علوّ هِمَّته أنه سمع بالمدائن عند السَّحَر ضجَّة، فسأل عنها، فقيل له: الناسُ يَزدحِمون على جسر المدائن مُقبِلين ومُدبِرين. وكان الجسر على دِجْلة، فقال: وما الذي دعاهم إلى هذه المشقَّة وهم قادرون على حَسْمِها بأيسر مؤونة، بأن يجعلوا جسرَين: أحدهما للمُقبلين، والآخر للمدبرين، ولا يقعُ أحدٌ في الماء. ثم قال: لا تغربُ الشمس حتى يُعمَل الجسر. ففرح الناس لِما رأوا

стр. 999

من علوّ همته. ولما بلغ ستَّ عشرة سنة سار إلى العرب الذين تَحزَّبوا عليه، ومنهم إياد بن نزار، وكان يقال لها: طَبَق، لإطباقها على البلاد، ومَلِكُها يومئذٍ الحارث بن الأغرّ الإيادي، فقتلهم سابور وسباهم ونفاهم، وجعل له مسالح بالأنبار وعَيْن التمر، فكان إذا أُتي بالرجل منهم نزع كتفَيْه، فسُفي ذا الأكتاف. قال ابنُ الكلبي: بعث معاويةُ جماعةً من تميمٍ ليفتكوا بعلي ﵇، فقال: [من الخفيف] إنَّ حيًّا يَرى الصلاحَ فساداً … ويرى الغيَّ في الأمور رَشادا لَقريبٌ من الهلاك كما أَهـ … لَك سابورُ بالسَّوادِ إيادا (١) ولما فرغ سابور من إياد سار إلى البحرين وبها بنو تميم، فقتلهم وأجلاهم، وعليهم عمرو بنُ تميم، وكان قد أتت عليه ثلاثُ مئة سنة، وكان يُعلَّق في عمود في البيت في قُفَّة قد اتّخِذت له، فأرادوا حملَه فقال: دَعُوني، فلعلَّ الله يُنجيكم بي من صَوْلة هذا الملك المُسَلَّط على العرب. فتركوه وانهزموا، وجاءت خيلُ سابور وعمرو معلَّق في شجرة، فأخذوه وأتوا به إلى سابور، فلما رآه عَجِب وقال: مَن أنت أيها الفاني؟ فقال: عمرو بن تميم. ثم قال لسابور: أيها الملك، قد هرب الناس منك، فلم تقتلُ رعيّتَك؟ فقال: لما ارتكبوا من بلادي وأهل مملكتي، فقال له عمرو: فعلوا ذلك ولستَ عليهم بقيّم، فلما بلغتَ أمسكوا هيبةً لك. فقال: إنما أقتُلهم لأنا نجد في علومنا أن العرب ستُدالُ علينا. فقال له عمرو: فوالله لأن تُحسنَ إليهم ليكافئوك عند الإدالة أولى بك من الإساءة. قال: صدقت. وأمر برفع السيف عنهم. وعاش عمرو بعد هذا اليوم ثمانين سنةً (٢). وسابور هذا هو الذي بنى الإيوان وسكَنَه، وكان إلى جانبه كوخُ عجوزٍ فلم يُغيِّرْه. ولما اجتاز هارون الرَّشيد بالإيوان نزل به فأعجبه، فقال خادم من خُدَّامه لآخر: ترى الذي بنى هذا الإيوان أراد أن يَصعدَ إلى السماء؟! فسمعه هارون فضربه مئةَ سوط،

стр. 1000

فقيل له في ذلك، فقال: المُلْك نِسبةٌ، والملوك فيه إخوة، فلَحِقَني غَيْرةٌ على الملك، فأدَّبت هذا الجاهل. وسابور هذا هو الذي بنى نيسابور بخراسان، وهو الذي دخل بلاد الروم متجسساً وعرفه مَلكُ الروم، فأخذه وجعله في بقرةٍ من جلود، وأتى به العراقَ، ثم نصره الله عليه، وملك اثنتين وتسعين سنة (١)، وقيل: إحدى وثلاثين سنة. فصل ثم ملك بعده أخوه أرْدشير بن هُرْمُز، فأَفسد وظلم، وأساء السيرة، فخلَعَتْه الفرس، وكانت مدةُ أيامه أربعَ سنين. فصل ثم ملك بعده ابنُ أخيه سابور بن سابور بن هُرْمُز، وكان عادلاً منصفاً، فأقام إحدى عشرة سنة، وقيل: خمس سنين (٢)، ضربوا له فُسْطاطاً فوقع عليه، فمات. فصل ثم ملك بعده أخوه بهرام بن سابور ذي الأكتاف، وكان يُلقَّب: كَرمان شاه، وكان عادلاً حسن السيرة والسياسة، فأقام إحدى عشرة سنة، ثم تجبَّر وطغى، فرماه رجل من الفُتّاك بسهم فقتله. فصل ثم ملك بعده يَزْدَجِرد بن بهرام بن سابور، وكان يُلقَّب بالأثيم لسوء سيرته، وكان يحتقرُ العلماء، ظالماً جباراً، سيئ الخُلُق، لا يَقبل شفاعةً، ولا يجازي على صنيع، وكان ينزل بجوجان، فلما رأى ذلك أهلُ مملكته وأشرافُهم، اجتمع الصلحاء منهم والمظلومون ودَعَوا عليه، وصرفوا هممهم إليه.

стр. 1001

فبينما هو ذاتَ يومٍ في قصره إذا بفرسٍ عائرٍ (١)، لم يُرَ مثلُه في الخِلْقة، فجاء فوقف على باب قصره وبلغه، فأمر بإسراجه وإلجامه وإدخاله عليه، فقام السُّوّاس إليه، فلم يُمكِّنْهم من نفسه، فقام يزدجرد إليه بنفسه، فلما رآه الفرس سكن، فألجمه وأسرجه، فلما أراد أن يرفع ذنبه ليُثْفِرَه (٢) استدبره الفرس، ورفسه على رأس فؤاده، فمات من ساعته، وذهب الفَرس فلم يُرَ له أثر. وروي أنه ركبه فجرى به مثل الطير، فاقتحم به البحر فهلك، ففرح الناسُ وقالوا: هذا صُنعُ الله تعالى. وأقام والياً اثنتين وعشرين سنة. فصل ثم ملك بعده ولده بَهرام بن يَزدجِرد، ويسمى: بَهرام جُور. وكان المنجمون قد أخبروا أباه عند مولده أنَّ إرضاعه يكون ببلاد العرب، فضمه إلى المنذر بن النعمان صاحب الخَوَرْنَق والسَّدِيْر، فاسترضع له المراضع. فلما بلغ [خمس] سنين قال للمنذر: أحضر لي مؤدِّبِين يعلِّموني (٣) الكتابة والرمي. فقال له: إنك صغير السن. فقال: أنا وإن كنتُ صغير السنّ فعقلي عقلُ مُحتنِكٍ، وأنت مُحتنك وعقلُك عقلُ رضيع، أما علمتَ أني من ولد الملوك، وأن المُلك صائر إليَّ، وأولُ ما يُطلب من الملوك (٤) صالحُ العمل والأدب، لأنه زَيْن لهم وركن لدولتهم. فاستدعى العلماء من الآفاق والرماة، فما بلغ اثنتي عشرة سنة إلا وقد برع وكَمُل حاله، وتعلَّم الفروسية. ودفع له المنذر فرساً أشقر فكان يأخذ عليه الأسد. ثم إنه قصد باب أبيه يَزْدَجِرد فلم يقبله، فأنف أن يعود إلى المنذر، فسار إلى الهند، فأكرمه ملك الهند وزوَّجه ابنته، وأقطعه الدَّيْبُل ومُكْران والسِّند.

стр. 1002

فلما هلك أبوه يَزدجِرد عاد إلى المنذر، وكانت الفُرس قد ملكت عليها رجلاً من غير نسل يزدجرد لِما لقوا منه، فقال له المنذر. طِبْ عيشاً، وسار إلى المدائن مع بهرام في أربعين ألفاً، فخرج إليه الأساورة، وشكوا إليه ما لقوا من أبيه، فعذرهم، وقال: لِله عليَّ لئن وليتُكم لأُصلحنَ ما أفسد. واجتمعت الموابذةُ، وحضر الرجل الذي ولَّوه، فقال موبذ موبذان: ضعوا التاج بين أسدين ضاريين، فمَن أخذه منكما فهو أحقُّ بالمُلك. فقال بهرام: أنصفتم. فأحضروا التاج والأسدَين، ورموه بينهما، فصاح بهرام بالرجل: أيها المتغلِّبُ على مُلكنا، دونك التاج. فقال له: أنت أولى؛ لأنك تطلب الملك بالميراث، وأنا في زي غاصب. فصاح موبذ موبذان ببهرام: بوبد بويك، فنحن برآء من دمك. فحمل على الأسدين، ووثب فصار على ظهر أحدهما، وعصر جانبيه برجليه فقتله، ثم أخذ رأس الأسد الآخر، فما زال يضرب به رأس الأسد الآخر حتى قتله، وهو يومئذٍ ابنُ عشرين سنة، فصاح به الرجل المتغلب: يا بهرام، ليَهْنِك المُلك. ولما ملك اشتغل باللهو واللذات عن الرعية، فسار إليه خاقان ملك الترك في مئتين وخمسين ألفاً، فبيَّته بهرام ليلاً فقتله، وغنِم أمواله وعساكره، وعَظُم في عين الفرس. ثم أقام ثلاثاً وعشرين سنة وعشرة أشهر، ثم هلك. وسبب هلاكه أنه كان مُغْرىً بالصيد، فظهر له حمار وحشٍ، فركض خلفه فوقع في جُبٍّ فيه ماء فغرق، فأُخبرت أمُّه فقصدت الجب، وأنفقت أموالاً عظيمة على الغوَّاصين، ولم يقدروا على جثته بعد أن أخرجوا كل ما في الجُب. ولم يزل مغلُّ الدَّيبُل ومَكران والسِّند يُحمل إليه حتى هلك. فصل ثم ملك بعده بهرام بن بهرام (١)، فاشتغل باللهو والصيد عن النظر في الأمور،

стр. 1003

فخربت البلاد، وعمَّ القحط، وضعفت بيوت الأموال، وقلّ الجند، وهرب الفلاحون. فركب بهرام يوماً إلى بعض مُتنزهاته، فجَنَّ عليه الليلُ وكانت ليلةً مقمرة، والموبذ يُسايره ويحادثه، فمروا بقرية كانت أمَّ القُرى، وهي خرابٌ لا أنيسَ بها إلا البوم يصيح ويتجاوب، فقال بهرام: أتُرى أُعطي أحدٌ من الناس فهمَ منطقِ هذا الطير المتجاوب في الليل الهادئ؟ فقال الموبذ: نعم أنا أعرفُ. قال: فما يقول؟ قال: هذا المصوِّتُ بومٌ ذَكَر يخاطب بومة أنثى، يقول لها: أمتعيني بنفسك حتى يخرج منا أولادٌ يسبحون الله، ويبقى لنا في العالم ذكرٌ. فقالت البومة: إن لي في هذا الحظَّ الأوفر، ولكن أريد أن تقطعني إقطاعاً على ذلك عِوضَ مَهري، فقال: وما هو؟ قالت: عشرين قرية من أمهات القرى الخراب التي خربت في أيام هذا الملك السعيد. فقال لها: إن دامت أيامُه أقطعتك ألف قريةٍ خراباً. فلما سمع بهرام ذلك، ترجَّلَ عن فرسه وقال للموبذ: أيها القيِّمُ بأمر الدين، الناصح للملك، المُنبِّه على ما أهمله الملك من أمور رعيته، وإضاعة مملكته، ما هذا الكلامُ الذي خاطبتني به؟! فقد حركتَ مني ما كان ساكناً، وأيقظتَ ما كان غافلاً. فقال: أيها الملك، اعلم أنه لا قِوام للملك إلا بالرجال، ولا رجالَ إلا بالمال، ولا أموال إلا بالعمارة، ولا عمارة إلا بالعدل، لأن العدل هو الميزان بين العالم، نصبه الله لخليقته، وأقام له قيِّماً وهو المَلك، وإنك أقطعتَ البلاد الوزراءَ والخدم والحاشية، فأخذوا ما كان فيها من الغَلّات، ولم يَعمروها فخرِبت. فجزاه بهرامُ خيراً، وعاد إلى النظر في أمور رعيَّته بنفسه، فحسُنت أيامُه، واستقام ملكه، ثم أقام مالكاً أربعاً وعشرين سنة، وقيل: سبع عشرة سنة. فصل واختلفوا فيمن ملك بعده على ثلاثة أقوال: أحدها: بهرام بن بهرام، ونظير ذلك في ملوك غسان: الحارث الأصغر بن

стр. 1004

الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر، وفي الطالبيين: حسن بن حسن بن حسن، وفي المحدّثين: هاشم بن هاشم بن هاشم بن عُتبة بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن ابن المُجَبَّر، وعلى هذا الباقي كثرةٌ في المتأخرين. والثاني: فيروز بن يَزدجِرد بن بهرام بن سابور، وقُحِط الناس في زمانه سبع سنين، ثم استسقى فسُقوا، وجاء الله بالخصب، وكان مُلك فيروز ستاً وعشرين سنة. والثالث: إنما ملك بعد بهرام بن بهرام ولدُه يزدجرد، وكان محمود السيرة، فأقام ثماني عشرة سنة. فصل ثم ملك بعد يزدجرد ابنُه هرمز، وكان له أخ يُقال له: فيروز بن يزدجرد، وهو الذي ذكرناه آنفاً، فنازع أخاه هُرمز على الملك، فلم يقدر عليه، فهرب فيروز إلى ملك الهياطلة، واستجار به فأجاره، وبعث معه جيشاً، فحارب أخاه هرمز، فلم يكن لهرمز بفيروز طاقة فضعف، واستولى عليه فيروز فقتله، وكان مُلك هرمز سبع عشرة سنة. وكلّ مَن تقدم هرمز من الملوك مات على فراشه إلا هو، فإن أخاه فيروز قتله. ثم أقام فيروز بعده مدة يسيرة وهلك، وملك بعده ولده بلاش بن فيروز، فأقام أربع سنين ثم هلك. فصل ثم ملك بعده أخوه قُباذ بن فيروز، وهو الذي بنى حلوان. ولما مضت لقباذ عشر سنين اجتمعت الفرس على خلعه، وسببه أنه تابع رجلاً يقال له: مَزْدَك، أحدث مقالاتٍ لا يعرفها الفرس من إباحة الأموال والفروج، وكان لا يأكل اللحم ولا يسفك الدم وغير ذلك، فأخذوا قباذ فحبسوه، وأقاموا أخاه جاماست بن فيروز فأقام ستَّ سنين. ثم إن أخت قباذ احتالت حتى دخلت إلى الحبس، ولفت أخاها في بساط وأخرجته على قفا حمال، ولم يعلم السجان، فمضى قباذ إلى ملك الهياطلة واستجار به، فأنجده على أخيه جاماست، فجاء فقتل جاماست وأخذ الملك. فصل ثم ملك أَنُوشِرْوان بن قباذ المسمى بالملك العادل، واختلفوا في أبيه قباذ بن

стр. 1005

فيروز، فروي أنه لما هرب من أخيه (١) بسبب نسبته إلى الزندقة، ومضى إلى بلاد الترك، نزل على دهقان فتزوج ابنته، فأولدها أنوشروان، فلما قدم المدائن وملك تيمن بطلعة أنوشروان. قالوا: وقباذ بنى مدينة أَرّجان، وأقام في الملك أربعاً وأربعين سنة ومات بالمدائن، فعهد إلى ابنه أنوشروان. وقيل: أشارت عليه المَزْدَكِيَّة بقتل مَن خالفه، فشرع في ذلك، فاجتمعت الفرسُ على قتله، فانهزم إلى ملك الهياطلة فمات عنده. وكان ولده أنوشروان بالمدائن، فملكوه بعده لما رأوا من نجابته وحسن سيرته. فصل فلما ملك أحسن السيرة، ومهَّد الممالك، وأحسن إلى الموابذة والأساورة والخاص والعام، وشرع في قتل المَزْدَكيَّة فأفناهم، فعَظُم في عين الفرس. وكان مولده بناحية نَيْسابور، ولما ترعرع كانت مخايل الملك لائحةً عليه. وفي أيامه وُلد رسول الله ﷺ ، وسلك أنوشروان سيرة أَردَشير بق بابك، وجدَّد في الإيوان. وروي أنه كان جالساً في الإيوان، فرأى على جانب البساط وردةً، فقال لبعض غِلمانه: ناولْني تلك الوردة. فقال: ما ها هنا وردةٌ؟ قال: بلى. فقال: لا والله. فقام من حَنَقه ليأخذها، فلما خرج من الإيوان سقط سقفُه، فتصدَّق بمال جليل، وأعاد السقف إلى حاله. وكان جالساً يوماً في الإيوان، وإذا بحيَّةٍ قد دبَّت إلى عُشِّ حمامة في بعض شُرَف الإيوان لتأكل الفراخ، فضربها ببندقةٍ فقتل الحية، وقال: هكذا نفعلُ بعدوِّ مَن استجار بنا. فلما كان بعد أيام جاءت الحمامةُ بحَبٍّ في مِنقارها وبين رجليها فألقته إليه، فقال: ازرعوه. فزرعوه فنبت ريحاناً، فقال: نِعْم ما كافأَتْنا به الحمامةُ، ولن يضيع المعروف، فنسأل الله الذي ألهم هذه الحمامة ما ألهمها، أن يُلهمَنا شكرَه، والإحسانَ إلى الرعية والصبرَ عليهم (٢).

стр. 1006

وروي أن خطَّافةً عشَّشت في مجلس أنوشروان، فدبّت حيّةٌ فأخذت فِراخها، فحزنت حُزناً شديداً، فعَزّاها جميعُ الطير، فلم تقبل عزاءً، فلامها بعض الطَّير، فقالت: والله ما أبكي على نفسي الرزيَّة، وإنما أبكي لما جرى علي من الظلم في مجلس العدل. فقيل لها: إن أنوشروان لم يعلم. فقالت: هذا أعظم، يتولَّى أمورنا وَيغفل عنا. وكان على خاتمه: عَدلُ السلطان خيرٌ من خِصب الزمان. وكان له أربعة خواتيم: خاتم الخراج، وفَصُّه ياقوت أحمر يَتَّقد كالنار، ونَقْشُه: العدل. وخاتم الضِّياع، وفصه فيروز، ونقشه: العمارة. وخاتم البريد، وفصه ياقوت أصفر، ونقشه: الوَحى الوَحى. وخاتم المعونة وفصه ياقوت كحلي ونقشه: التأني (١). وكان له جامُ ذهب يأكل فيه، فسرقه بعض الغلمان وكسرى ينظر إليه، فافتقد الطباخ الجام فلم يجده، فبُهت، فقال له كسرى: لا تتعنَّى، الذي أخذه ما يرده، والذي رآه ما يَنمُّ عليه. ودخل السارق بعد مدةٍ وعليه مِنْطَقةٌ من جوهرٍ، فقال له بالفارسية: هذا من ذاك. فخجل الرجل وخاف، فقال له كسرق: لا بأس عليك. وكتب إليه صاحب خراجه: إني قد جبيت في هذه السَّنة زيادةً على المعهود ثمانية آلاف ألف درهم. فوقَّع كسرى على ورقته: إن الملك إذا عمرت بيوت أمواله بما يأخذه من أموال رعيته، كان كمن عَمّر سطح بيته بما يقلعه من قواعد بنيانه. ثم أمر برد المال إلى الرعية (٢). وأنوشروان هو الذي بنى السُّور على جبل القبج عند باب الأبواب، وغرم أموالاً جليلة، وحسم به مواد الفساد من الأمم التي خلفه، وعمل فيه الأبواب وأقام عليها الحرس. وقتل في يوم واحدٍ من المزدكية ثمانين ألفاً، وقتل مزدك أيضاً على النهروان من أرض العراق، وكان قد استفحل أمرهم.

стр. 1007

وبعث إليه ملك الروم رسولاً، فلما شاهد الإيوان هاله، وتأمله وإذا فيه يسيرُ اعوجاج، فقال: يحتاج أن يكون مربعاً، فقيل له: هكذا بُني، وإن عجوزاً لها إلى جانبه بيتٌ، وقد أرغبها الملك بالأموال النفيسة لتعطيه البيت فيدخله في الإيوان، فامتنعت، وقالت: هكذا وجدتُه وورثتُه عن آبائي. فتركها ولم يعرض لها لئلا يشقَّ عليها. فقال الرومي: هذا الاعوجاجُ أحسن من الاستواء (١). ويُروى أن العجوز قالت: أَرغَبْتَني في هذا الكوخ ما أشتري به المنازل العالية والقصور الشاهقة، ولكن قصدتُ شيئين؛ أحدهما: أن تبقى لك هذه المأثرة، ويتحدَّث بها الناس بعدك، والثاني: من أين لي جاز أجاوره مثلك، فلو أعطيتَني جميع ما تملك ما بعت به جوارك؟ فبكى الملك وقال: زِه، ولم يكن عنده أحظى منها. وسابور بنى الإيوان، وزاد فيه أنوشروان. وقال أنوشروان: صَلاحُ العمال باستقامة الوزراء، ورأسُ الكل تفقُّدُ الملكِ أمورَ رعيته، فإن صلاح الرعية أنصر من [كثرة] الجنود. وقال: أيام السرور كلمح البصر، وأيام الحزن تكاد تكون أعواماً (٢). قال علماء السير: فتح أنوشروان الشرق والشام والمغرب والروم، وبنى مدينة قريبة من المدائن وسماها: رومية، ونقل إليها من الشام الرخام والمرمر والفصوص، وحكم بلاد الهند والصين، وزوَّجه خاقان ابنته وابنة أخيه، وخضعت له ملوك الدنيا، وكاتبوه وكانوا على بابه، وقطع النهر، وقتل الاخشنوار ملك الهياطلة، وكان ملكاً عظيماً، وأوغل في الهند وتخوم الصين، فخافته ملوك المشرق. وكتب إليه ملك الصين: من بود ملك الصين الذي له قصر الدرّ والجواهر واليواقيت، ويجري فيه نهران يسقيان شجر الكافور والعود، وتوجد رائحة قصره من مسيرة شهرين، ويخدمه ألف ملك، وفي مربطه ألف فيل بيض، إلى أخيه كسرى أنوشروان. وبعث مع الكتاب هدايا، من جُملتها فارش من دُرٍّ عيناه ياقوتتان، والفَرس

стр. 1008

من الياقوت الأحمر، وقائم سيفه قضيب من الجوهر، وثوب حرير مرصّع بالجواهر، فيه صفة الملك وقصرُه وجُلاسه وعساكره، والجميع في سفَط من ذهب، تحمله جارية تغيب في شعرها، تتلألأ حُسناً وجمالاً. وأهدى له ملك الهند جاماً من الياقوت، فَتحُه شِبرٌ في شبر، مملوءاً دُرّاً، وعوداً يختم فيه كالشمع، وعشرة أَمْناء مثل الفستق (١)، وجارية طولها سبعة أذرع، تضرب أشفارُ عينيها خدَّيها، وبين أشفار عينها مثلُ لَمَعان البرق، لها ضفائر بطولها. وكاتبه ملوك الهند والصين في لحاء شجر الكاذي، مكتوب فيه بالذهب، له رائحة طيبة، وهو أرقّ من الورق، يكاتب فيه ملوك الهند والصين. وأنوشروان أول مَن وضع الخراج بالعراق على كل جَريب من المَزارع يبلغه الماءُ من الحنطة والشعير درهماً، وعلى جَريب الرَّطْبة خمسة دراهم، وعلى جريب الكَرْم عشرة دراهم (٢). وكان يقال له: كسرى الخير. وكان قد علّق على ستر الإيوان أجراساً يُحرِّكها المظلوم فيسمع، ويقول: أخاف أن تحجب عني دعوة المظلوم (٣). وقيل له: ما أعظم الكنوز قدراً وأنفعها عند الحاجة؟ فقال: معروفٌ أودعتَه الأحرار، وعلم أورثتَه الأعقاب. وقيل له: مَن أطول الناس عمراً؟ فقال: مَن كَثُر علمه فتأدّب به مَن بعده، أو كَثُر معروفه فتشرَّف به عَقِبه. وقال: الإنعام لقاح، والشكر وِلاد، والمُنعم هو الجاعل للشاكر إلى شُكره سبيلاً (٤).

стр. 1009

وأنوشروان هو الذي مَلّك النعمان بن المنذر على العرب، وأمّه ماء السماء. وفي أيام أنوشروان ظهرت الحبشة على اليمن. وخرج أنوشروان في بعض أيامه مُتصيِّداً، فعَنَّ له صيد، فتبعه فانقطع عن أصحابه، وأظلَّته سحابة، فأمطرت مطراً حال بينه وبينهم، فمضى لا يدري أين يَقصد، فلاح له كوخٌ في البرية فقصده، فإذا عجوز على بابه جالسة، فقال لها: أنزل؟ قالت: نعم. فنزل ودخل الكوخ، وأدخل فرسه، وجاء الليل، وإذا بابنة العجوز قد جاءت ومعها بقرةٌ قد رعتها، فقامت العجوز فحلبتها لبناً كثيراً، فقال أنوشروان في نفسه: هذا حِلاب كثير، والخراج بالحماية، وينبغي أن تُجعل على كل بقرة إتاوة. وقدمت له اللبن، فشرب ونام إلى وقت السَّحَر، فقالت العجوز لابنتها: قُومي فاحلبي اللبن للضيف. فقامت لتحلبها فوجدتها حائلاً ليس في ضرعها قطرةٌ من لبن، فنادت يا أُمّاه، قد أَضمر الملكُ لنا شراً. فقالت: ولِم؟ قالت: هذه البقرةُ حائل لا قطرةَ فيها. فقالت: لعله ليل، امكثي قليلاً. فقال كسرى في نفسه: من أين علمَتْ ما أضمرتُ؟ أما إني لا أفعلُ ذلك. ثم مكثت ساعة، وقالت: قومي فاحلبيها. فقامت وإذا ضرعها قد امتلأ لبناً، فقالت: يا أماه، ذهب والله ما كان في نفس الملك من الشر، هذه البقرة حافل. وطلع الصبح، وجاء أصحابُه، فركب، وأمر بحمل المرأة وابنتها معه إلى قصره، وأحسن إليهما، ثم قال للعجوز: من أين علمت ابنتُك أن الملك قد أضمر في نفسه شرّاً ثم عَدل عنه؟ فقالت: نحن بهذا المكان منذ كذا وكذا سنةً، ما عُمل فينا بالعدل إلا أخصبت أرضُنا، وعاشت بلادُنا وأموالُنا، وما عُمل فينا بالظلم إلا أجدبت أرضُنا، وضاق عيشُنا، وانقطعت موادُّ النفع عنا. فقال كسرى: إن شَفقةَ الملك على رعيَّته وعدلَه فيهم يؤثر ما قلت، وإن غِشَّه لهم يُضيّق الأعطان، ويجدب الأوطان (١). وكان مُلكُ أنوشروان ثمانياً وأربعين سنة، وهو كان طِرازَ القوم، وواسطة عقدهم (٢).

стр. 1010

فصل ثم ملك بعده ولدُه هرمز، وكان عادلاً حسن السيرة، وكان في جرايته وراتبه ثلاثة عشر ألفاً، وأمه فاقم بنت خاقان، فالترك أخواله. ثم أساء السيرة وظلم، فقصده الأعداءُ من كل مكان، فسار إليه شابة ملك الترك في أربع مئة ألف لإحدى عشرة سنة مضت من مُلكه، ووصل إلى هَرَاة، وقصده ملك الروم في مئة ألف، فوصل إلى الضواحي (١)، وقصده ملك الخزر في ست مئة ألف، فوصل إلى باب الأبواب. فأرسل هرمز بهرام جوبين (٢) مَرْزُبان الرَّي في اثني عشر ألف سرية، فكان يسري ليلاً وَيكمُن نهاراً، فبيَّت ملك الترك ولم يشعر به فرماه بهرام بسهم فقتله، وكان ذلك في السنة السابعة عشرة من مولد النبي ﷺ ، واستولى على خزائنه وعساكره وذخائره. وبعث بهرام إلى هرمز من الأموال والأمتعة والجواهر وِقْر مئتي [ألف وخمسين ألف] بعير (٣)، فاستكثر ذلك هرمز، فقال له وزيره وكان يحسد بهرام: ما أوصل إليك من الشاة إلا أذنها. فغضب هرمز، وأنفذ إلى بهرام حِمل جَملٍ مغازل، فقال بهرام للعساكر: قد جَعلَنا مثل النساء، فما تَرون؟ قالوا: نخلعه ونقاتله. وسار بهرام بالعساكر نحو المدائن، فاتَّفق عظماء المملكة على خلع هرمز لسوء سيرته وقبح تدبيره، فقال عظماء المملكة: نخلعه ونُولّي ابنه أبرويز. وعلم هرمز فبعث إلى ابنه أبرويز مَن يغتاله ويقتله، فهرب أبرويز إلى أَذْرَبيجان. وكان هرمز قد أفنى خواصّه وأربابَ دولته بالقتل، فيقال: إنه قتل ثلاثة عشر ألفاً، فانخرمت عليه قواعد الملك، وكان قد أزال أحكام الموابذة، وغيّر الأحكام، وأزال الرسوم، واستخف با لعلماء. فكتب بهرامُ اسم أبرويز بن هرمز على الدراهم والدنانير، ودسها مع التجار،

стр. 1011

فألقوها في المدائن، ولما وقف عليها هرمز ظن أن أبرويز فعل ذلك، وكان هرمز قد حبس خافَي أبرويز، فاتفقا مع المحبسين، وكسروا الباب، ودخلوا على هرمز فسَمَلوه وقيَّدوه. وبلغ أبرويز، فجاء من أذْرَبيجان إلى المدائن، فدخل على أبيه فأخبره أنه لا ذنب له، وإنما هرب خوفاً منه، وقال له: يا أبت ما خلعتك، وإنما خلعك أشراف قومك لسوء سيرتك، فقال: يا بني أريد أن تنتقم لي ممن سَملني، وتُؤنِسني بثلاثة نفر. فقال أبرويز: إن بهرام قد أظلنا بمن معه، فاصبر حتى يقضي الله بيننا وبينه. فتوّجه هرمز وملّكه. وبلغ بهرام جوبين، فسار إلى المدائن، فخرج إليه أبرويز فالتقيا على النهروان، فكانت الدائرة على أبرويز فانهزم، وقام تحته فرسه المعروف بسندان (١)، وهو فرس مشهور عند العرب. ولما قصّر به الفرس طلب من النعمان بن المنذر فرسه اليَحموم، فأبى عليه ونجا عليه النعمان، ونظر حسان بن حنظلة بن حيّة الطائي إلى أبرويز قد خانه فرسُه، وخامر عليه أصحابه (٢)، وأشرف على الهلاك، فأعطاه فرسه المعروف بالضُّبَيْب (٣)، وقال: أيها الملك، انْجُ عليه؛ فإن حياتك للناس خيرٌ من حياتي. وأعطاه أبرويز فرسه سندان، ومضى أبرويز إلى المدائن إلى أبيه فقال له: استنجد بقيصر على بهرام. وجاء حسان سالماً على سندان، فأحسن إليه أبرويز، وعرف له ما صنع، وحقدها على النعمان حتى قتله. ثم خرج أبرويز من المدائن قاصداً قيصر، وتبعه خالاه بسطام وبندويه، فعبر دجلة، وتأخرا عنه ذلك اليوم، فاستراب بهما، ثم لحقاه، فسألهما عن تأخرهما، فقالا: قتلنا أباك. ودخل بهرامُ إلى المدائن فأقام بها، ووصل أبرويز إلى الرُّها، فأقام بها، وكتب إلى قيصر يستنجد به، وأهدى إليه الهدايا النفيسة والجواهر المثمنة، فبعث إليه قيصر مئة

стр. 1012

ألف فارس وألفي دينار، وألف ثوب من ديباج وجواهر، وزوّجه ابنته مارية، وحملها إليه مع أخيه ثياذوس (١)، واشترط عليه قيصر أن لا يتعرض للجزيرة والشام ومصر مما غلب عليه أنوشروان، فأجابه إلى ذلك. وجاء أبرويز إلى المدائن، وخرج إليه بهرام والتقيا، فانهزم بهرام ولحق بالترك، وعاد أبرويز إلى المدائن دار ملكه، ووفى لملك الروم بما شرطه، واستولى قيصرُ على الجزيرة والشام ومصر. وبعث أبرويز إلى امرأة ملك الترك وبذل لها الأموال، فاغتالت بهرام، فقتلته وبعثت برأسه إلى المدائن، فنصبه أبرويز على باب قصره. وكان بسطام وبندويه خالاه قد مضيا إلى الدَّيلم وإلى الترك، فكاتب أبرويز امرأة ملك الترك في قتلهما بأبيه هرمز فقتلتهما، وعلم خاقان فطلّقها ونفاها، فقدمت المدائن فتزوجها أبرويز، واسمها كردية. وجمع أبرويز من الأموال والخيول والفيلة والمماليك والجواري والأمتعة (٢) ما لم يجمعه أحد ممن تقدمه. أما الأموال فإنه كان يُرفع إلى خزائنه في كل سنة من الخراج أربع مئة ألف ألف دينار وأضعافها من الفضة. وكانت جواهره في ألف صندوق. وكان له مئة ألف مملوك، ومئة ألف فرس، منها خمسون ألفاً سروجها مكللة بالجواهر واليواقيت. وكان على مَربطه ألفُ فيل منها ما هو أبيض مثل الثلج، ومنها ما ارتفاعه من الأرض اثنا عشر ذراعاً، وهذا نادر؛ لأن أكثر ما يكون ارتفاع الفيل من الأرض سبعة أذرع. وكان له من النساء عشرة آلاف امرأة، ومن الجواري مئةُ ألفِ جاريةٍ للغناء والفِراش. وكان يَشْتُو بالمدائن، وَيصيف بقصر شيرين، وكانت شيرين أحظى نسائه عنده.

стр. 1013

وفي أيامه مات قيصرُ ملك الروم، فتغلَّبَ بعضُ الروم على ابن قَيْصر فأخرجه من المُلك، فقَدِم على أبرويز مستنصراً به، فأنجده وبعث معه ولدَه شهريار في مئة ألف، فأوغلوا في البلاد -وفي هذه الوقعة نزل قولُه تعالى ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١] وقتلوا المتغلِّب على الرومية بأنطاكية، فوثب آخرُ بالقُسطنطينية فغلب عليها، وجهَّز ألف مركب إلى قتال شهريار، فيها السلاح والأموال والخزائن، فضربتها الريح فألقتها إلى ساحل أنطاكية، فغنم شهريارُ ما فيها وجهَّز ابنَ قيصر فملك القسطنطينية. ذكر قصة أبرويز مع وزيره بُزرْجُمهْر (١) وكان بزرجمهر بن البختكان وزير أبرويز والحاكمَ عليه، وكان من حكماء الفُرس. فلما مضى من ملك أبرويز ثلاثَ عشرة سنةً، ظهر طغيانه وفساده، فوُشي إلى أبرويز أنه اتفق مع الأساورة على قتله، فأظهر أنه اتَّهمه بالزندقة، فقبض عليه، وقال: الحمد لله الذي أظفرني بك. فقال له بزرجمهر: فكافِئْه بما يُحبُّ كما أعطاك ما تُحب. قال: بماذا؟ قال: بالعفو. فحبسه في بيت مظلمٍ مثل القبر، وصَفده بالحديد، وألبسه خشن الصوف، وأمر أن لا يُزاد في كل يوم على قُرصين من شعير، وكفِّ ملحٍ جريشٍ، ودَورقٍ من ماء. فأقام شهوراً لا يُسمع منه لفظةٌ، فأمر أبرويز تلامذته بالدخول عليه، وأن يخبروه بما يقول، فدخلوا عليه فرأَوا لونَه نقيّاً، وسَحْنته ظاهرةً، وجسمَه صحيحاً، فقالوا: أيها الحكيم، أنت في هذا الحديد والضيق، وحالُك كما نرى!؟ فقال: إني عملت جُوَارِشاً من ستة أخلاطٍ، فأنا آخذ منه كل يوم شيئاً، فهو الذي أبقاني على ما تَرون. قالوا: فصِفْه لنا، لعلنا نقع فيما وقعتَ فيه فنتناول منه. فقال: أما الخلط الأول: فالثقة بالله تعالى، وأما الثاني: فعلمي بأن كلَّ مَقدورٍ كائنٌ لا محالة، وأما الثالث؟ فالصبر أَولى ما استعمله المُمتَحَن، وأما الرابع: إن لم أصبر أيش أعمل؟ وأما الخامس: فقد يمكن أن أكون في شرٍّ مما أنا فيه، السادس:

стр. 1014

فمن ساعةٍ إلى ساعة فَرجٌ. فأخبروا أبرويز، فكتب إليه: كان ثمرة علمك، ونتيجة ما أدَّاه إليك عقلُك أن صرتَ به أهلاً للقتل والحبس، وموضعاً للعقوبة. فكتب إليه: أما إذا كان معي السَّعدُ والجد فقد كنتُ أَنتفعُ بثمرة عقلي، والآن لما فاتني ذلك فأنا أَنتفعُ بالصبر، ولئن كنتُ فقدتُ كثيراً من الخير، فلقد استرحتُ من كثير من الشر. فدعا به أبرويز وقال: يا عدوَّ الله المخالف. ثم أمر بكسر أنفِه، فقال: إني أهلٌ لما هو شرٌّ من هذا. قال: ولِم؟ قال: لأني كنتُ أصفك للخواص والعوام بما ليس فيك؛ لأُقرّبك إلى قلوبهم، وأرفعَ من محاسن أمورك ما لم تكن عليه. فقال: اقتلوه. فقال: يا أخبث الملوك نَفْساً وفعلاً، وشرَّ الحيوانات وأسوأَهم عِشرة، أتَقتُلني بالشك، وتدفع به اليقين الذي تيقنتَه من التمسّك بولائك، والمحافظة على الشرائع؟ فمن ذا الذي يرجو بعدي عَدلَك، ويثق بك، ويطمئن إليك؟ فقتله، ثم ندم على قتله، فاستدعى وزيراً كانت منزلتُه دون منزلة بزرجمهْر، فلما رآه قتيلاً قال: يا أخبث العالَم، انتظر أقبح من هذه القِتلة. فقتله. قيل لبزرجمهر: مَن أحبُّ الناس إليك أن يكون عاقلاً؟ فقال: عدوّي، قيل: ولم؟ قال: لأني أكونُ منه في دَعَةٍ. وقال: إذا كان الرِّزقُ مقسوماً، فالحرصُ باطلٌ، وإذا كانت الأمورُ بمشيئة الله تعالى، فما آفتُنا إلا العلل. وقال: مُداراة الناس نصف العقل. ولما قتل أبرويز هذين الوزيرين، مع ما كانا عليه من النهضة والكفاية، وحسن التدبير، وسياسة المُلك، نفر عنه الخواص والعوام، وكان قد ظلم وسفك، وحمل الناس على ما لم يعهدوه منه، فقتلوه (١). وقال أبرويز لابنه شيرويه: لا تُوسعن على جندك بسعةٍ يستغنون بها عنك، ولا تُضيّقنّ عليهم ضيقاً يَضِجُّون منك، ولكن أعطهم عطاءً قَصْداً، وامنعهم منعاً جميلاً،

стр. 1015

وابسُط لهم في الرجاء، ولا تبسط لهم في العطاء (١). وكتب أبرويز إلى ابنه شيرويه وأبرويز في الحبس: كلُّ كلمةٍ منك تسفِك دماً، وأخرى تحقن دماً، وسَخَطك سيف مسلول على من سَخِطت عليه، ورضاك بَركة مستفيضة على من رَضيتَ عنه، وإن نفاذ أمرك مع ظهور كلامك، واحترس في غضبك من قولك أن تخطئ، ومن لونك أن يَتغير، وإن الملوك تُعاقِب حَزماً (٢)، وتعفو حِلماً. ذكر مقتله وسببُه أن الناس استَوْحشوا منه لظُلمه، وسفكِه دماءَ العلماء والأساورة، وكان مسيئاً إلى ابنه شيرويه، قد نفاه إلى بابل، فبعثوا إليه واتفقوا على قتله، وكان قد عرض السجون فوجد فيها ثلاثين ألفاً من أشراف قومه، فأمر بقتلهم. وعلم أهلُ مملكته، فأرسلوا إلى بابل، فأحضروا شيرويه، وهجموا به [على] المدائن، وأجلسوه على سرير المُلك، وحبسوا أباه أبرويز، وأرسل إليه ابنه شيرويه يؤنِّبُه، ويُوبِّخه على أفعاله، ويقول: أنا ما وثبت على الملك، وإنما جازاك اللهُ بسوء فِعالك، فتَكْتَ بأبيك هرمز، وسَمَلْتَ عينيه، وأزلْتَ مُلكه، وقتلْتَه شرَّ قتلةٍ، وأسأتَ إلى الأساورة والخواص، وظلمتَ الرعية، وبخلتَ بالمال، وحبستَ ثلاثين ألفاً من الأشراف، وأمرتَ بقتلهم، وضبطت عشرة آلاف امرأةٍ في قصرك مُكرهات مع عجزك عنهن (٣). . وعدَّد أفعالَه. فبعث إليه أبرويز: إذا أدبر الأمرُ لم تنفع الحيل [في إقباله] وإذا أقبل أعيت الحيل في إدباره (٤). وحبسوه أياماً، ثم اجتمعت الفرسُ إلى شيرويه وقالوا له: إما أن تقتل أباك ونحن لك مطيعون، وإما أن نُعطيه الطاعة. فأخرج أباه من دار الملك على برذون، مُقنَّعَ

стр. 1016

الرأس إلى دار بعض الأساورة أو الدهاقنة، فمرّ على إسكافٍ، فضربه بقالبٍ وشتمه، وبعث إليه رجالاً ليقتلوه فلم يُقدموا عليه، فضربه غلام منهم اسمه هرمز -كان أبرويز قتل أباه بطبَرْزِين (١) - عدة ضربات فلم يعمل فيه، ففتشوه فوجدوا في عنقه تعويذاً فأزالوه عنه، فضربه فقتله (٢)، وكان قتلُه بمكان يقال له: الماحُوزة، عند سامراء، وفيه قَتل المنتصر أباه المتوكل، ولما قُتل أبرويز شقَّ ابنُه شيرويه ثيابه، وقتل قاتل أبيه. وكان لأبرويز ثمانية عشر ولداً، فقتلهم شيرويه كلهم. وكان أبرويز يمنعهم من النكاح وعليهم الحَفَظة، لأن المنجّمين أخبروه أنه يُولد مولود من ولده يكون ذهابُ مُلكهم على يده، فاحترز، فأفلت يوماً ولدُه شهريار بن أبرويز فدخل على زوجة أبيه شيرين، وسألها أن تبعث إليه امرأةً وإلا قتل نفسه، فأرسلت إليه جاريةً كانت تحجمها فوطئها، فحملت بيزدجرد ووضعته، فكتَمتْه شيرين خمسَ سنين. وكان المنجّمون قد ذكروا لأبرويز أن ذلك الغلام في بدنه نقصٌ، فوقف يوماً يلعب مع الصبيان بالكرة فرآه أبرويز، فقال: من هذا؟ فقالت شيرين: بعضُ أولاد الخاصَّة. فألحَّ عليها، فأخبرته الخبر، فنظر إلى نقصٍ في وَركيه، فأراد قتله، فنهته عنه، وقالت: إن يكن لله أمر فيه، فلا مَرَد له. فقال: هذا المشؤوم لا أراه ها هنا بعد إليوم. فذهبوا به إلى سجستان. وأقام شيرويه بعد قتل أبيه نادماً حزيناً على أبيه وإخوته، وابتُلي بالأمراض المزمنة، ولم يَلتذَّ بشيء من الدُّنيا، وسُمّي: الغشوم المشؤوم، ووقع في أيامه طاعون فمات نصف العالم. ودخلت عليه أُختاه بُوران وآزرمي دَخت، فقالتا له: ويحك، ما حملك على ما صنعت بأبيك وإخوتك لأمر لا يتم لك؟! فبكى بكاءً شديداً، ورمى التاج عن رأسه، ودخل بيتاً مظلماً فأقام فيه. ولما قتل أبرويز وجدوا في خزائنه جميع ما ذكرنا من الأموال وغيرها، ووجدوا بيتاً مملوءاً جواهر، وأقام عشرة آلاف موبذ، وبلغت خيلُه القسطنطينية وإفريقية. وقُتل في سنة ست أو سبع من الهجرة. وفي أيامه كان يومُ ذي قارٍ، انتصفت فيه العربُ من العَجم، وذلك لتمام أربعين

стр. 1017

سنةً من مولد نبينا ﷺ . وأبرويز هذا هو الذي قتل النعمان بن المنذر، وهو الذي كتب إليه رسولُ الله ﷺ فمزّق كتابه، وكتب أبرويز إلى واليه باليمن أن يحمل إليه رسول الله ﷺ ، فدعا عليه، فقتله ابنُه. وهو الذي أرسل الاصبهبذ إلى الروم فقتل وسبى وفتح البلاد، فخاف منه أبرويز، فبعث إليه رجلاً ليقتله؛ فلما رأى عقل الاصبهبذ وتدبيره رقَّ له، وأخبره بما جاء له، فأرسل الاصبهبذ إلى ملك الروم وطلب الاجتماع به، فاجتمعا، فقال له: حَسَدني الخبيث، وأنا آخذ لك بلاده ومُلكه وكنوزَه. فسار معه حتى نزلا المدائن، فأقاما محاصِرين له، فدسّ أبرويز رجلاً نصرانياً بكتاب، عنوانه إلى الاصبهبذ، وأعطاه مالاً وقال له: تحيّل في إيصاله إلى قيصر. وفيه: إلى الاصبهبذ، قد علمتُ حُسْنَ رأيك، وقد آمنك الله من العدو، وأنا خارجٌ إليك في ساعة كذا من الليل لنبغت القوم، فكن مستعدّاً. فلما قرأه قيصر ولّى منهزماً إلى بلاده، وهرب الاصبهبذ. قصة شيرين مع شيرويه كانت شيرين يتيمةً في حجر رجلٍ من أشراف المدائن، وكان أبرويز صغيراً يدخل منزل ذلك الرجل، فيلاعب شيرين وتلاعبُه، فأخذت من قلبه موضعاً، فنهاها ذلك الرجل عنه فلم تنته، فرآها وقد أخذت في بعض الأيام من أبرويز خاتماً، فقال لبعض خواصّه: اذهب بها إلى دجلة فغَرِّقْها. فأخذها ومضى، فقالت له: وما الذي ينفعك تغريقي؟ فقال: قد حلفتُ لمولاي. فقالت: اقذفني في مكانٍ رقيق، فإن نجوتُ لم أظهر، وتبَرُّ أنت في يمينك. ففعل، فأقامت في الماء حتى غاب عن عينها، وصعدت إلى دير هناك فترهَّبت فيه، فأحسن إليها الرهبان. فلما تقرر المُلك لأبرويز بعد أبيه هرمز، مرَّ بذلك الدير رسل من قيصر إلى أبرويز، فدفعت الخاتم إلى رئيسهم، وقالت: ابعث به إلى أبرويز فتحظى عنده. فأرسله مع قاصد وعرفه مكان شيرين، فسُرَّ سروراً كبيراً، وأعطى القاصد مالاً عظيماً، وأرسل إليها فأحضرها. وكانت من أجمل النساء وأظرفهن، ففوض إليها أمره، وهجَر نساءه

стр. 1018

وجواريه، وعاهدها أن لا تمكِّن منها أحداً بعده، وبنى لها القصر المعروف بقصر شيرين بالعراق. فلما قَتل شيرويه أباه أبرويز راودها عن نفسها فامتنعت، فضيَّق عليها واستأصلها، ورماها بالزنى، وتهدَّدها بالقتل إن لم تفعل، فقالت: أفعل على ثلاث شرائط. قال: وما هي؟ قالت: تُسلِم إليَّ قَتلة زوجي أقتلهم، وتصعد المنبر فتبرئني مما قذفتني به من الزنى، وتفتح لي ناووس (١) أبيك فإن له عندي وديعةً عاهدتُه إن تزوَّجتُ رددتُها عليه. فدفع لها قَتلةَ أبرويز فقتلتهم، وصعد المنبر فبرَّأها مما قذفها به من الزنى، وفتح لها ناووس أبيه وبعث بالخدم معها. فجاءت إلى أبرويز فعانقته ومَصَّت فصّاً مسموماً كان معها، فماتت من وقتها. وأبطأت على الخدم فصاحوا بها فلم تكلِّمْهم، فجاؤوا إليها فوجدوها معانقة لأبرويز ميتةً، فجاؤوا إلى شيرويه وأخبروه، فشق عليه، ومات بعد أيامٍ (٢). وكان سبب موته ما حكَاه الجاحظ قال: أبرويز أول من أخذ بثأره من حيٍّ وهو ميِّت، وذلك لأن المنجمين أخبروه أنه سيُقتل، فقال: والله لآخذنَّ بثأري ممن قتلني، وعمل حُقًّا فيه حبوب، وخلطه بسُمّ ساعةٍ، وختم الحُقَّ، وجعله في صندوق من ذهب. فلما أرسل إليه شيرويه من يَقتُله، قال له: لا تقتلْني وأدلُّكَ على غِنى الأبد. قال: وما هو؟ قال: الصندوق الفلاني، فيه حُقٌّ فيه غناك، فلما قتله أَخبر شيرويه، واشتغل بالمُلْك عن الحُقِّ. فلما كان بعد ستة أشهر من قتل أبرويز، فتح شيرويه ذلك الصندوق، فوجد الحُقَّ وعليه مكتوب: مَن أخذ من هذا الحبِّ حبةً وابتلعها افتضَّ عشرة أبكار -وكان شيرويه مُولعاً بالنساء- فأخذ حبة فبلعها، فتقطَّعَت أمعاؤه، ورأى العبر بنفسه، ومات (٣). وكانت مدةُ ولايته ستة أشهر. فصل وكان لشيرويه ابنٌ صغير اسمه أرْدشير، عمرُه سبع سنين، فولوه المُلك، فأقام خمسة أشهر.

стр. 1019

وكان شهريار بن أبرويز مقيماً بأنطاكية مذ جهَّزه أبوه لقتال الروم على ما ذكرنا، فلما قُتل أبوه أقام مكانه خائفًا من شيرويه، وجعل الروم ظهرَه، وكتب إلى قيصر يستمدّه ويقول: قد علمتَ ما فعلتُ معك. فأمدَّه بالمال والرجال، وأقام متحضناً بأنطاكية. فلما مات شيرويه وولي ابنُه أردشير، سار إلى المدائن طالباً بثأر أبيه، فقتل أردشير، وجار وظلم، وفضح نساءهم وسفك دماءهم، فوثبوا عليه وقتلوه، فكان مُقامه في المُلك عشرين يوماً. ولم يبق من نَسْل الفُرس ذَكر، قتل شيرويه الجميع ولم يبق إلا ابنتين لأبرويز: بوران وآزرمي دخت. فصل فملّكوا عليهم بُوران: فأقامت العدل، وأحسنت السيرة، وأصلحت القناطر والجسور. ولما جلست على السَّرير قالت: ليس ببطش الرجال تُدَوَّخُ البلادُ، ولا بمكائدهم يُنال الظَّفر، وإنَّما ذلك بعون الله ومشيئته. فأقامت سنة وسبعة أشهر. ولما بلغ النبيَّ ﷺ أمرُها، قال: "لا يُفلحُ قومٌ ولَّوْا أمرَهم امرأةً" (١). ثم ماتت، ويقال: إنها قُتلت. فصل ثم ملَّكوا آزر ميدخت بنت أبرويز، وكانت من أجمل نسائها، فلما جلست على السرير قالت: منهاجُنا العدلُ والإنصاف، فإن زغنا زيغ بنا. فأرسل إليها فُرُّخ بن رستم صاحب خُراسان يخطبها، فقالت: لا ينبغي للملكة أن تتزوج علانيةً. ووعدته أن يَقدم عليها سرّاً في ليلةٍ عينتها له، فجاءها في تلك الليلة فقتلته، فسار إليها أبوه رستم فقتلها (٢)، وكانت أيامُها ستةَ أشهرٍ. فصل ثم مَلّكوا عليهم يَزدَجِرْد بن شهريار بن أبرويز، الذي كان خَرابُ البيت على يده، وكان عمره يومئذٍ خمس سنين، وقيل: خمس عشرة، وصِغَرُ سنِّه هو الذي أوجب

стр. 1020

تَمليك النِّساء. فأقام والياً عشرين سنة، ثم هلك في أيام عثمان ﵁. قال هشام: فعدَّة ملوك الفرس من أوَّل الزمان إلى آخره ثمانون ملكاً وثلاث نسوة، من كيومرت إلى يَزدجِرد، وعددُ ما ملكوا من السنين أربعة آلاف سنة وخمسون سنة. قال المصنف ﵀: وليس ما ذكره هشامٌ على التحقيق، بل على التقريب، فإن بعضهم قال: ملك منهم ستون ملكاً، وعددُ سنيّهم ثلاثةُ آلاف سنة. وقد ذكرنا أن الغالب على التواريخ عدمُ التحقيق لاختلاف الأمم والألسُن، وتقلُّب الدهر، وتغيير الأمور، والله أعلم. * * *
следующие страницы →