عما وراء أبيه لم يَنْسبه، ولم يعرفه، وما في العربِ إلا مَن يُسمّي آباءه أبًا أبًا، وجدًّا جدًّا، يَحفظون بذلك أحسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا يدعى إلى غير أبيه.
وأما سخاؤها؛ فإن الرجل يكون عنده البَكْرُ أو النابُ، عليها بُلْغَتُه من العيش، فيطرقه الطارقُ، فيعقِرُها له وَيرضى أن يَخرجَ من دنياه كلّها بحُسْنِ الأُحدوثة، وجميل الذّكر.
وأما فصاحتُها؛ فإن الله أعطاها في نَظمها ونثرها ما لم يُعْطِه غيرَها من الأمم. ثم إن خيولهم أفضلُ الخيول، ونساءهم أعفُّ النساء.
وأما دينها؛ فإن لها بيتًا محجوجًا، وشهرًا حرامًا، وبلدًا مُحرّمًا يَنسكون فيه نسائكَهم، ويَذبحون ذبائحهم، ويَلقى الرجلُ قاتلَ أبيه، أو ابنه، أو أخيه، فلا يتعرَّض له في الشهر الحرام.
وأما وفاؤُها، فإنَّ أحدَهم إذا عَقد عُقدة لا يَحُلُّها إلا خروج نَفْسه، وإن أحدهم ليرفعُ عودًا من الأرض؛ فيكون رَهْنًا بدينه وذمَّته، فلا يَغْلَق رَهْنه ولا تُخفَر ذِمَّتُه. وإن أحدهم ليَبْلُغُه أن شخصًا استجار به، وعسى أن يكون نائيًا عن داره، فيُصابُ، فلا يرضى حتى يُفني تلك القبيلة التي أصابتْه، أو تَفنى قبيلتُه، لما أُخْفِر من ذِمامه وجِواره، وإنَّه ليَلجأ إليهم المُحْدِثُ المجرمُ من غير معرفةٍ ولا قرابة، فتكون نُفوسُهم دون نَفْسِه، وأموالُهم دون أمواله.
وأما قتلُهم الإناث من أولادهم؛ فليس للفاقَة، بل أنفةً من العار، وغَيْرةً من الأزواج.
وأما أكلُهم لحومَ الإبل؛ فما تركوا ما دونها إلا احتقارًا له، فجعلوها طعامَهم ومَراكبَهم، مع أنها أكثرُ البهائم شُحومًا، وألذُّها لُحومًا، وأرقُّها ألبانًا، وأقلُّها غائلَةً. وذكر كلامًا طويلًا، فعجب كسرى من كلامه، وقال: إنَك لموضع الرِّئاسة في أهل مملكتك، وفيما هو أفضل. ثم كساه من كِسوته وسَرَّحه إلى الحيرة.
فكتب النعمانُ إلى رؤساءِ العرب وحكمائها، مثل: أكثَم بن صَيْفيّ، وحاجِب بن زُرارة التَّميمي، والحارث بن عُبادٍ البَكريّ، وعَمرو بن مَعدي كَرِبٍ الزُّبَيديّ،
стр. 1052
والحارث بن ظالمٍ، وقيس بن مسعودٍ البَكريِّ، وخالد بن جعفرٍ، وعَلْقمة بن عُلاثة العامِرِيِّ، وعَمرو بن الشَّريد السُّلَمي، فقدموا عليه، فأكرمهم وأخبرهم بما جرى له مع كسرى، وقال:
قد سمعتُ منه مقالةً أَتخوَّف أن يكون لها غَوْرٌ، [أو يكونَ إنما أظهرها لأمر]، وهو أن يَتّخذَ العرب خَوَلًا كبعض (١) طَماطِمته، كما يَفعل بملوك الأمم الذين حوله. وإنما أنا رجلٌ منكم، وما عَزَزتُ إلا بمكانكم، وبما يتخوَّفُ من ناحيتكم. وقد رأيتُ أن تَنطلقوا إليه بكتابي، وأن يَنطِقَ كلّ واحدٍ منكم بما حضره، ليعلمَ أن العرب غير ما ظَنَّ، ولا تَنطِقوا بما يُغْضِبُه، فإنه ملكٌ عظيمُ الشَّأن، كثير الأعوان، ولا تَنخَزِلوا له انخِزالَ الخاضع الذَّليل، وليكن أمرًا بين ذلك تَظهر به وَثاقَةُ حُلومِكم، ورَزانَةُ عقولكم. وليكن أوّل مَن يتكلم منكم أكثمُ بنُ صَيْفي، ثم تتابعوا على الولاء بقَدْر منازلكم التي وصفتكم (٢) بها، فإنما دعاني إلى ذلك لئلا يَحرِصَ كلُّ واحدٍ منكم على التَّقدُّم قبل صاحبه، فيَجد في آدابكم مَطعنًا، فإنه ملكٌ مُترَف، وقادرٌ مُسَلَّط.
ثم كساهم الحُلَل الثَّمينة، وحملهم على المَهاري والخيل العِتاق، وكتب معهم كتابًا فيه: أما بعد، أيها الملك، فإني قد أَنفَذتُ إليك وجوهَ العربِ وحكماءهم ورؤساءهم، ومَن لهم حَزمٌ وعَزْمٌ، وفصاحةٌ وصباحةٌ، وأحسابٌ وأنسابٌ. وقد كنتُ أجبتُ الملك عمّا رماهم به، وأَحببتُ أن يكونَ منهم على علمٍ ويقينٍ، فلْيَسمع الملك منهم، ويتغافل عن جَفاءٍ إن ظهر منهم، ويكرمني بإكرامهم، والسلام.
فلما وفدوا على كسرى أكرمهم، وجلس لهم مجلسًا عامًّا، ولبس تاجه، وجمع علماء أهل مملكته، ونصب كراسيّ الذهب والفضَّة للوفود عن يمينه وشماله، ودعا بالأساورة والمَرازِبَة والمَوابِذة، وأجلس العربَ مجالسَهم التي وصفها النُّعمان في كتابه، وأقام التُّرجُمان ليؤدِّي إليه ما يقولون، وأذن لهم في الكلام.
فقام أكثم بن صَيْفي فقال: إن أفضل الأشياء أَعاليها، وأَعلى الرجالِ مُلوكها، وأفضلَ الملوك أعمُّها نفعًا، وخير الأزمنة أخصبُها، وأفضل الخطباء أصدقُها. الصدقُ
стр. 1053
مَنجاة، والكذبُ مَهواةٌ، والشرُّ لَجاجَةٌ، والخيرُ عادةٌ. وذكر ألفاظًا، فأُعجِبَ كسرى بكلامه وقال: لو لم يكن للعرب غيرُك لكفاها.
ثم قام حاجبُ بن زُرارة التميمي فقال: وَرى زَنْدك، وعَلتْ يدُك، وهِيْبَ سُلطانُك. نحن وُفود العرب إليك، ذِمَمُنا محفوظةٌ، وأنسابُنا مضبوطةٌ، وأحسابُنا ممنوعة، وعشائرُنا فينا سامعة مُطيعةٌ. وذكر ألفاظًا.
ثم قام الحارث بن عُبادٍ البَكري فقال: دامَتْ لك الممالكُ باستكمال جزيل حظِّها، وعُلوِّ شأنها، وارتفاع سلطانها أو سنانها. نحن جيرانُك اللائذون، ومُجاوِروك الأَعلون، خيولُنا مُجمَّة وجيوشُنا جمّة، لا ننثني لذعر، ولا نتنكر لدهر، رماحُنا طوال، وأعمارُنا قصار.
فقال كسرى: أَنفُسٌ عزيزة، وآلة ضعيفة. فقال الحارث: أيها الملك، إن الفارس إذا حمل على الكتيبة يقدم على الموت، فهي حيا استدبرها ومنيّة استقبلها، ومتى استَعَرت نارُ الحرب واشتدَّ لظاها، جعلتُ مَقادَها رُمحي، وبَرقَها سيفي، ورَعدَها زَئيري، ولم أقصِّر عن خَوْض ضَحْضاحها حتى أنغمس في غَمرات لُجَجها، فأَترك حُماتَها جَزْرًا للسِّباع وكلِّ نَسْرٍ قَشْعَم.
فقال كسرى للقوم: أهكذا هو؟ قالوا: فعالُه أنطق من لسانه. فقال كسرى: ما رأيتُ كاليوم وفدًا أحشد، ولا شُهودًا أرفد.
ثم قام عمرو بن مَعدي كَرِب فقال: إنما المرء بأصغَرَيْه: قلبه ولسانه. فاشتَر طاعتَنا بفضلك (١)، واكظم بادِرَتَنا بحِلمك، وأَلِنْ لنا كَنفَك يَسلُس لك قيادُنا، فإنا أُناسٌ لم يكسر صفاتَنا قِراعُ مناقيرِ من أراد لها قضما، وقد مَنَعْنا حِمانا عن كل من أراد له هضمًا.
ثم قام الحارث بن ظالمٍ فقال: آفةُ المنطق الكذبُ، ومن لؤم الأخلاقِ الملقُ، ومن خَطَل الرّأي خِفَّةُ الملك المُسَلَّط، فإن أعلمناك أن مُواجهتَنا لك عن ائتلافٍ، وانقيادَنا لك عن إنصاف، ما أنت بقبول ذلك منا بخَليقٍ، ولا الاعتمادِ عليه بحَقيقٍ، ولكن الوفاءُ بالعهود، وإحكامُ العقود، والآمرُ بيننا وبينك مُعتدِلّ، ما لم يَأتِ من قِبَلك مَيلٌ.
فقال كسرى: مَن أنت؟ قال: الحارثُ بن ظالمٍ، قال: إن في اسم أبيك دليلًا على
стр. 1054
قِلَّة وفائك. فقال الحارثُ: الحِلم مع القُدرةِ، فلْتُشبه أفعالُك مجلسَك. فقال كسرى: هذا فتى القوم.
ثم قام قيسُ بن مسعودٍ فقال: أطاب الله لك المَراشِد، إنا لم نَقدم عليك لمُساماة، ولم نَنتسب لمُعاداة، ولا لنُسمِعَك ما يُخشن صَدرَك، وَيزرع لنا الحقدَ في قلبك، ولكن لتعلم ومَن حضرك من الوفود أنا في المَنطق غيرُ مُفحَمين، وفي البَأس غير مُقَصرين، إن جُورينا فغيرُ مسبوقين، وإن سومينا فغيرُ مغلوبين.
فقال له كسرى: غير أنكم إذا عاهدتُم غيرُ موفين، يُعرِّض به في تركه الوفاء بضمانه السَّواد، فقال قيس: ما كنتُ في ذاك إلا كوافٍ غُدِر به.
ثم قام خالد بن جعفر فقال: أَرشدَ اللهُ المَلك إرشادًا، وزاده إسعادًا. إن لكلِّ مَنطقٍ فُرْصةً، ولكلّ جابَةٍ (١) غُصّة، وعِيُّ المنطق أشدُّ من عيِّ السُّكوت، وعِثار القول أنكى من عِثار الوَعْث، وقد أوفَدَنا إليك ملكُنا النّعمان، وهو لك من خير الأعوان، ونِعم موضعُ المعروفِ والإحسان. أنفُسنا لك بالطاعة باخعة، ورقابُنا لك بالنَّصيحة خاضعة، وأيدينا لك بالوفاء رهينة. فقال كسرى: نطقْتَ بعقلٍ، وسَموتَ بفضلٍ.
ثم قام عَلقمة بن عُلاثَة فقال: نَهَجت لك سُبلُ الرَّشاد، وخضع لك العبادُ والبلاد. إن للأقاويل مناهج، وللآراء مَوالج، وخيرُ القول أصدقُه، وأفضلُ الطلب أَنجَحه. نحن وإن أَحضرَتْنا المحبَّة، فليس من حضرك منّا بأفضلَ ممن غاب عنك. فقال له كسرى: أبلغْتَ. وذكر كلامًا طويلًا.
ثم قام عمرو بنُ الشَّريد فقال: نَعِم بالُك، ودام في السُّرور حالُك، إن عاقبة الكلام مُتدَبَّرة، وأشكال النّظام مُعتَبرة، وهذا قول ما بعده شرفٌ (٢). إن في أموالنا مرتفدًا، وعلى عِزِّنا المُعتَمد (٣)، فلذلك لا نتعرّضُ لرِفدك، وتخلص نِيَّاتنا في قصدِك، ونحن مع هذا لجوارِك حافظون، ولمَن رامَك مُكافحون.
стр. 1055
فقال كسرى: قد فَهمتُ ما نَطق به خطباؤكم، وتَفنَّن فيه متكلِّمُوكم، وإني لأكره أن أَجْبَهَ وُفودِي، وأُحنِقَ صُدورَهم، وقد قَبلتُ ما كان في مَنطقكم من صوابٍ، وصَفحتُ عمّا كان فيه من خللٍ، فانصرفوا إلى مَلككم، والزَموا طاعتَه، وأَحسنوا مؤازَرَتَه. ثم وَصَلهم وسَرّحهم.
وأقام النعمان واليًا على الحيرة ثلاثين سنةً. وكان له ابنتان: هند التي ذكرناها، وحُرَقَة بنتُ النعمان، وهي التي دخلت على سعد بن أبي وقاص ﵁ في فتوح القادسية.
فصل
ولما قَتل أبرويز النعمانَ بن المنذر ولَّى على الحيرة إياس بنَ قَبيصة الطائيّ، فأقام تسع سنين، ومات بعَين التَّمر، وفيه يقول زيد الخيل: [من الطويل]
فإن يكُ ربُّ العينِ خَلَّى مكانَه. . . فكلُّ نعيمٍ لا مَحالةَ زائلُ (١)
ثم قُتل أبرويز وولي شيرويه، وجاء الإسلامُ.
فهؤلاء المشهورون من ملوك الحيرة، ومدّةُ أيّامهم أربع مئة سنةٍ، وقيل: ست مئةٍ، وقيل: ملك منهم ثلاثون مَلِكًا.
فصل
وحكى المَدائنيُّ أن الرابعَ من ملوك الحيرة الحارثُ بنُ عمرو، جدُّ امرئ القَيس ابن حُجْرٍ بن الحارث الكنديِّ، ولَّاه قباذ. ومَلَّك الحارثُ ابنَه حُجْرًا على بني أَسدٍ، وكان يأخُذُ منهم شيئًا معلومًا، فعَصَوه، فسار إليهم، فقتل سَرَواتهم بالعصا، فسُقُوا عَبيدَ العصا، وأَسر منهم جماعةَ، منهم عَبيد بنُ الأبرص الشاعر، ثم عفا عنهم ورَدَّهم إلى بلادهم.
وعَمرو بنُ الحارث هذا يقال له: ابن حُجْر آكلِ المُرار بن عَمرو بن معاوية بن الحارث الأكبر بن معاوية بن ثور بن مُرَتعٍ (٢) بن معاوية بن كندة بن ثور. وإنما سُمِّي
стр. 1056
حُجْر آكلَ المُرار؛ لأن السَّليحيَّ أغار عليه، فأخذ امرأتَه هند بنت ظالم بن وهبٍ بن معاوية الأكرمين فقال لها: كيف رأيتِ حُجْرًا؟ فقالت: شديد الطّلب، حثيث الكَلَب، كأنه بعيرٌ أكل مُرارًا، وهو نَبْتٌ حارّ (١) تتقلَّص منه شَفَة البعير.
فأقام على الحيرة مدَّة، فلما مات قباذ وولي أنوشِروان؛ وَلّى على الحيرة المُنذر بن ماء السَّماء، فهرب منه الحارث، واتَّبعتْه خيلُ المنذر ففاتَهم، فأدركوا ابنَيْه عَمْرًا وحُجْرًا فقتلوهما (٢).
فصل في ترجمة امرئ القيس بن حُجْر
وكان حُجْر قد طَرد ابنَه امرأ القيس لأجل عُنَيْزة، واسمُها: فاطمة، فإنه عشقها، وشَبّب بها في أشعاره، وعَرّض بالدَّخول وحَوْمل وتُوضِحَ والمِقْراة، وكل هذه أماكن بحوران وما والاها، وقيل بالعراق.
وقال الشعر، وبلغ أباه، فقال لعبدٍ له: اذهب فاقتُلْه، وائتِني بعينَيه، فذبح العبدُ شاةً، وجاءهُ بعينَيْها، فندم وبكى، فرقَّ له العبدُ وأخبره أنه لم يَقتُله، ففرح أبوه، وأعتقَ العبدَ وقال: عليَّ به، فجاء به، فاستَتابَه من قول الشعر، فقال: [من الطويل]
ألا انْعَمْ صباحًا أيُّها الطَّللُ البالي (٣)
فطرده، فغاب عنه مدةً، فلما قَتل المنذرُ أباه حُجْرًا قال: ضَيَّعني صغيرًا وحَمَّلني دمَه كبيرًا. ثم آلى ألّا يأكلَ لحمًا، ولا يشربَ خمْرًا حتى يأخُذَ بثأر أبيه.
فخرج إلى قيصر ملك الروم مستصرخًا به على المنذر، فأكرمه وأنزله، فعشقَتْه ابنةُ قيصر، فكان يأتيها. وكان الطّرمّاح بن قيس الأسدي الشاعر (٤) عند قيصر، فوشى به
стр. 1057
إليه، فطلبه، فأدركه الطلب عند أَنقِرة، أو دونها بيوم، وكان مع الرسول حُلَّة مسمومة فألبسه إياها في يومٍ صائفٍ، فتناثر لحمُه، ومات فدُفن بأَنقِرة.
وكان إذا عَرِق فاحتْ منه ريحُ الكلب، فكنّ النساء يَكرهنَه لذلك، وكانت أمّه قد ماتت وهو رضيع، فطلبوا له من يُرضعُه فلم يجدوا، فأرضعوه بلَبنِ كَلْبة أيّامًا.
وتزوج امرأة، فطالت ليلتُها معه فقال لها: ما كرهتِ مني؟ فقالت: أنت سريعُ الإراقة، بطيء الإفاقة، ريحك ريحُ كلبٍ فطَلِّقني، فطلقها (١).
وكان امرؤ القيسِ يُلقَّب بالملك الضِّلّيل وذي القروح، وأمه: تَملك، وقيل: اسمها هند بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية الأكرمين (٢). وامرؤ القيس أوَّلُ من اخترع المعاني اللطيفة مع قُرب المَأخذ.
ورُوي أنه قدم وَفد على النبيّ ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا ضَلَلنا الماء فعَطِشنا، وإذا براكبٍ على قَلوصٍ، وهو يَترنَّم ويقول: [من الطويل]
ولمّا رأتْ حَرَّ الهَجير بكَفِّها. . . وبَرْدَ الحَصى من تحت أرجُلِها حامي
تيمَّمَتِ العَيْنَ التي عند ضارجٍ. . . يَفيءُ عليها الظِّل عَرْمَضُها طامي
ثم قال الراكب: أتدرون مَن قائلُ هذا الشّعر؟ قلنا: لا. قال: امرؤ القيس، وهذه ضارجٌ ترونها، فسرنا خطواتٍ، وإذا بعين ماءٍ عذبٍ عليها العَرْمَض (٣) فشربنا، ولولاه لمتنا عطَشًا، فأحيانا الله ببيتين من الشعر، وكان كلُّ واحدٍ منّا قد جلس تحت شجرةٍ يَنتظر الموت، فقال رسول الله ﷺ : "ذاك رجل مشهورٌ في الدنيا، خامِلُ الذّكر في الآخرة، يجيءُ يومَ القيامة ومعه لواءُ الشعراء، يقودُهم إلى النّار".
قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: لا يصح هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ، في إسناده أبو الجَهْم عن الزهري، وأبو الجهم مجهولٌ (٤).
стр. 1058
قال المصنف ﵀: قد روى ابن عساكر هذا الحديث، وذكر له ثلاثين طريقًا، ولم يبين ما فيه، وما كان يخفى عنه ذلك (١).
ولما خرج امرؤ القيسِ إلى قيصر أخرج معه عمرو بنَ قَمِيْئةَ الشاعر، ويُعرَف بالضَّائع، وهو أقدمُ من امرئ القيس وأكبرُ سِنًّا منه، بلغ تسعين سنةً، ومات في طريقه إلى الروم. وإنما سمَّتْه العربُ: الضّائع؛ لموته ببلاد الروم في دار غُربةٍ من غير مَطلب ولا أَربٍ. وهو الذي رثاه امرؤ القيس بقوله: [من الطويل]
بكى صاحِبي لمَّا رأى الدَّربَ دونَه … وأَيقنَ أنَّا لاحِقانِ بقَيصَرا
فقلتُ له لا تَبْكِ عينُك إنّما … نُحاوِلُ مُلْكًا أو نموتَ فنُعذَرا (٢)
قال ابن ماكُولا: أوَّلُ مَنْ عَمِل في الخيالِ شعرًا عمرو بنُ قَميئة، وهو قوله: [من الطويل]
كأنّي وقد جاوزْتُ تسعين حِجَّةً … خَلعتُ بها عنّي عِذارَ لِجامي
رَمتني بنات الدَّهر من حيث لا أرى … فما بالُ مَن يُرمى بغير سهامِ
وأَهلَكني تَأميلُ يومٍ وليلةٍ … وتأميلُ عامٍ بعد ذاك وعامِ (٣)
فصل في ملوك الردافة
وإردافُ الملوك في الجاهلية: هو أن يجلس الملك، ويجلس الرّدفُ عن يمينه، فإذا شرب الملك شرب الرِّدفُ قبل الناس، وإذا غزا الملك جلس الرِّدفُ مكانَه، وكان خليفَتَه على الناس حتى ينصرف، فإذا عادت (٤) كتيبةُ الملك، أخذ الرّدفُ منها المِرْباع (٥).
стр. 1059
وكانت الرِّدافةُ في الجاهلية لبني يَربوع؛ لأنه لم يكن في العرب أكثرُ غارةً منهم على ملوك الحيرة، فصالحوهم على أن يجعلوا لهم الرِّدافةَ، ويَكفُّوا عن أهل العراق الغارة. قال جرير وهو من بني يربوع: [من الطويل]
رَبَعْنا وأَرْدَفنا الملوكَ فظَلَّلوا. . . وطابَ الأَحاليبِ الثُّمامَ المُنَزَّعا (١)
وأوّل من رَدف من بني يربوع عتَّاب بن رياح، ثم ابنه عوف بن عَتَاب، ثم ابنه يزيد ابن عوف، وذلك على عهد المنذر بن ماء السماء، وأول الرِّدافة أن المنذر بعث جيشًا إلى بني يربوع وعليه قابوس وحسان ابنا المنذر، فالتقوا بمكانٍ يقال له: طِخْفة، فاقتتلوا، فانهزم جيش المنذر، وأسروا ابنَيْه، ففداهما بألفي بعيرٍ، وأَقرَّ الرِّدافة فيهم، وفي هذا اليوم يقول جرير: [من الطويل]
ويومَ أتى قابوسُ لم نُعطِه المنى. . . ولكنْ صَدَعْنا البَيْض حتى تَهزَّما (٢)
ولما انقضى مُلك الحيرة، وجاء الإسلام، ذهبت الرِّدافة.
فصل في ذكر ملوك اليمن
وأصلُ اليمن قَحطان بن الهَمَيْسَع بن نَبْت بن إسماعيل ﵇.
وقيل: قحطان هو يَقطن بن عابر بن شالخ بن أَرْفَخْشَذ بن سام بن نوح ﵇، وإنما عُرّب يَقطن فقالوا: قحطان.
وكان لقحطان ثلاثون ولدًا ذكورًا، وأمّ الجميع حيّ بنت روق بن فزارة بن سام بن نوح ﵇، منهم كَهْلان وحِمْير، وكانوا يسكنون التَّهائم والأنجاد، وبلاد حَضْرموت، والشِّحْر، والأحقاف، وعُمان وما والاها.
فوُلد لقَحطان يَعْرُب، ووُلد ليَعْرُب يَشْجُب، ووُلد ليَشْجُب ولدان، [أحدهما] عَبْد شَمسٍ، وهو سبأ، وسبأ لقبٌ له لأنه أوّل من سَبى السَّبايا من ولد قَحطان (٣).
стр. 1060
والعَقِب من ولد قَحطان لحِميَر وكَهْلان، ويقال: إنهما من ولد سبأ.
وكان لسبأ أولاد أُخَر منهم: عمرو، والأشعَر، وأَنمار، وعامِلَة، ومُرّ، وكلُّهم بنو سبأ.
والأنصار من وَلد كَهلان.
وَيعرب أوّل من دَخل اليمن وأقام بها، وحُيِّيَ بتحيَّة الملك، وقيل له: أَبيتَ اللَّعنَ، وأَنعِم صباحًا.
وقد أنكر قومٌ أن يكون قَحطان من ولد إسماعيل ﵇.
واسم حِمْيَر: العَرَنْجَج (١).
فصل
وأوّلُ ملوكهم سَبأ بن يَشْجُب، أقام مَلِكًا أربع مئة سنة وثمانين سنة حتى مات هرمًا، وعامَّةُ ملوك اليمن من ولده.
وكان لسبأ أولادٌ، منهم: حِمْيَر وكَهلان، وهما أَعيان ولده.
فصل
ومَلَك بعد سبأ حمير، وكان شجاعًا جميلًا، وهو أول من وضع التاج على رأسه من ملوك اليمن، وعاش مثل أبيه حتى مات هرمًا، وقيل: إنه أقام خمسين سنة مالكًا.
وكان لحِمَير أولادٌ، منهم: عامر بن حِميَر فولَدَ دُهْمان، وولد دُهْمان يَحْصب كلّها.
وأمّا سعد بن حِمْيَر فولَدَ السّلف وأَسْلَم.
وأما عَمرو بن حِميَر فولد عَديّ بن عمرو، وولد عَديّ لَخْم بن عَديّ، ومن لَخْم بنو الدَّار، ومنهم تَميم الدَّاريّ. وقيل: إن عمرو بن حمير ولد الحارث، وولد الحارث آل ذي رُعَين (٢).
وأما مالك بن حِمْيَر فولد قُضاعة كلّها، ومن قبائلها: كَلْب بن وَبْرة (٣)، ومن
стр. 1061
بُطونهم: بنو عَديّ بن جَناب، وبنو عُلَيم بن جَناب، وبنو العُبَيد، ورُفَيدة، ومَصاد، وبنو القَيْن، وسَلِيح، وتَنوخ، وجَرم بن رَبَّان، وراسِب بن جَرْم، وبَلِيّ (١)، ومَهْرَة، وعُذْرَة، وسَعْدُ بن هُذَيم.
ومن قضاعة: ذو الكَلاع، وذو نُواس، وذو أصْبَح -وإليه تُنسب السِّياط الأَصْبَحِيّة- وذو جَدَن، وذو يَزَن، وذو فائش، وجُرَش، والسَّحول، وبطون كثيرة.
وأما وَائِلة بن حِميَر؛ فولد السَّكَاسِك بن وائِلة، والعَدد من حِمير في السَّكاسِك.
وأما الأَشْعر بن حِميَر، فمن ولده رَهْطُ أبي موسى الأَشعري (٢).
وقد اختلفوا في أسامي، منها: أَنمار وعامِلَة، فقال قوم: هم من ولد حِميَر بن سَبأ، وقال آخرون: بل هم ولد سَبأ لصُلْبه.
فأما أَنمار فولد خَثْعَم وبَجِيْلَة -اسم امرأة- ومن بطونها قَسْر؛ رَهْط خالد بن عبد الله القَسْرِيّ.
وأما عامِلَة فولد قبائل كثيرة، ونُسَّاب اليمن يَزعمون أنّهم من وَلَد قاسِط بن وائل، وفيهم يقول الأعشى: [من المتقارب]
أَعامِلَ حتّى متى تَذْهَبين. . . إلى غيرِ والدِك الأَكرمِ
ووالِدُكُم قاسِطٌ فارجِعوا. . . إلى النَّسَبِ الأَتْلَدِ الأَعظمِ (٣)
ومات حمير.
فصل
فملك بعده أخوه كَهلان بن سَبأ، فأقام مالكًا ثلاث مئة سنة، وجرت في أيامه حروبٌ وخطوب، وتفرَّقت القبائل، ومضت القُرونُ على ولد حِميَر وكهلان وهم على ذلك، حتى ملك الحارثُ، ويُسمّى: الرَّائش.
وولد كَهْلان بن سبأ: زيد بن كهلان، وولد زيدٌ مالكَ بنَ زيد، وأُدَد بنَ زيد، وولد
стр. 1062
أُدَد طيئ بن أُدَد، والغَوْث بن أُدَد، فمن طيئ بنو نبهان بن عمرو، وبنو ثُعَل بن عمرو، وحاتم الطائيّ منهم، وكذا بنو سِنبس.
واختلفوا في أوّل ملوك اليمن بعد كَهْلان، وبعد تفرُّق القبائلِ ومضيّ القرون على قولين: أحدهما: أبو مالك بن كليكرب من ولد سبأ (١)، وكان عادلًا منصفًا، أقام ثلاث مئة سنة ملكًا.
والثاني: الحارث الرَّائش من ولد كَهلان بن سبأ، وبينه وبينه خمسة عشر جَدًّا.
والرائش أوّلُ من غَزا منهم بلادَ حضرموت، فغَنم غنائم كثيرة، وعاد بها إلى اليمن، فأعطى أهل اليمن فسُمّي: الرّائش، وفي أيّامه كان لُقمان بن عاد صاحب النسور.
وكان الحارث من أشجع ملوك اليمن، غزا المشرق، والهند، وخُراسان، وأَذربيجان، وكان يَذكر نبيَّنا ﷺ ويقول: إنه يأتي في آخر الزَّمان. ومن قوله: [من الوافر]
ويَملك بعدنا رجلٌ عظيمٌ. . . نَبيٌّ لا يُرَخّص في الحرام
يُسمَّى أحمدًا يا ليت أنّي. . . أعَمَّر بعد مَخرجِه بعامِ (٢)
وأقام مالكًا مئةً وعشرين سنة.
فصل
ثم ملك بعده، ولده أَبرَهة بن الرَّائش، وهو ذو المنار، لأنه أول من عمل المنار على طريقه في مغازيه ليهتدي بها إذا رجع، وغزا غزوات كثيرة، وملك مئة ونيفًا وثلاثين سنة (٣).
فصل
ثم ملك بعده ولده أفريقيش بن أبرهة، فغزا بلادَ المغرب ووصل طَنْجَة. ويقال: إنه
стр. 1063
الذي بنى إفريقية، ونقل البَربَر من الشام ومصر والسَّواحل إلى مساكنهم اليوم -والبربر بقيّةُ العمالقة، ومَن أَفسد بالشام، وقتلهم يُوشَع بن نون ﵇. وملك مئةً وأربعًا وستين سنة.
فصل
ثم ملك أخوه العَبدُ بن أَبرهة، ويقال له: ذو الأذْعار، لأنه غزا بلاد النَّسْناس، وعاد إلى اليمن ومعه من النَّسْناس شيء كثير، وجوههم في صدورهم، فذُعِر الناسُ منهم، وكان غَزوُه في زمن أبيه، وفُلِج فبطل شِقُّه الأيمن. وملك خمسًا وعشرين سنة.
فصل
ثم ملك بعده الهَدْهاد بن شَراحيل بن عمرو بن الحارث الرَّائش والدُ بلقيس، مَلك سنةً، وقيل: عشرين، وأوصى إلى ابنته بلقيس بعده.
وقال ابن قتيبة: لقبه الهَدْهاد، واسمُه: ذو شرح بن صَيْفي بن سبأ (١). وليس كما ذكر، بينه وبين سبأ زمانٌ طويل.
فصل
وملكت بلقيس، وقد ذكرناها في قصة سليمان ﵇.
فصل
ثم ملك بعد بلقيس ياسرُ بن عمرو بن يعفر، وقيل: ابن يَنْعُم بن يعفر بن عمرو بن شرحبيل بن الحارث الرائش، ويعرف بناشر النّعم؛ لأنه أَنعم على الناس وَيسَّر أمورَهم.
وغزا المغرب، فبلغ إلى وادي النّمل، ولم يبلغه بعد سليمان ﵇ غيرُه؛ فنزل هناك ولم يقدر أن يتجاوزَه، ووجد هناك نملًا مثل البَخاتي (٢)، تَصرع النملةُ الفارس، فأمر أن يُعمَل صنمٌ من نُحاس، وكتب في صدره: ياسر الحِمْيري، ليس وراء هذا الصنم مسلكٌ، فلا يَسلكنَّ أحدٌ فيَعطَب، وعاد.
стр. 1064
وهو الذي ردَّ الملك بعد موت سليمان ﵇ إلى اليمن، وكان ملك ياسر خمسًا وثلاثين سنة، وقيل: خمساَّ وَثمانين سنة.
فصل
ثم ملك بعده شَمِر بن أفريقيش بن أبرهة بن الرائش، وكان به ارتِعاشٌ، فقيل له: شَمِر يَرْعِش.
وغزا المشرق في جيش عظيم، وأَوغل في بلاد الهند والصين، وفتح المدائن والحصون، وأحرق مدينة الصُّغْد، وهي سَمَرقَنْد، فقيل: شَمِركَند، أي: أَخربها، فعرَّبَتْها العرب فقالت: سَمَرْقَنْد، ثم عاد إلى اليمن. وكان ملكه مئة وسبعًا وثلاثين سنة، وقيل: ثلاثًا وخمسين سنة.
فصل
فملك الأَقرن بن شَمِر يرعِش، فغزا بلادَ الروم، وأوغل فيها، حتى قَرُب من وادي الياقوت، فمات قبل دخوله فدفن هناك. وكان ملكه مئة وثلاثًا وستين سنة، وقيل: ثلاثًا وخمسين سنة.
فصل في التَّبابِعة
وتُبَّع: لقبٌ لملوك اليمن، ككِسرى للفرس، وقَيصر للروم ونحوه.
واختلفوا في أوّل التَّبابِعة بعد اتّفاقهم على أنهم ثلاثة، فقال قوم: الأول: الأَقرن ابن شَمِر يرعش الذي ذكرناه آنفًا، وقيل: ولده تبع بن الأَقرن ويُسمّى: تُبَّعًا الأكبر، والثالث: أسعد بن كلكرب، وقيل: حسّان بن تبان.
واختلفوا في تبع صاحب هذه الترجمة، فقال قوم: اسمُه الأَقْرن بن شَمِر يرعش. وقال آخرون: مَلِكي كَرِب بن تُبَّع. وقال ابن الكلبي: اسمُه زيد بن عمرو بن تبع بن أَبرهة ذي المنار، وهو الذي غزا في زمان بشتاسب (١).
стр. 1065
والظاهر أن تُبَّعًا الأول هو ابنُ الأَقْرن بن شَمِر يرعش، وهو أول من اشتهر بلقب تبع، وهو القائل (١): [من الكامل]
مَنع البقاءَ تقلُّبُ الشمسِ … وطُلوعُها من حيث لا تُمسي
وطلوعُها بيضاءَ صافيةً … وغروبُها صفراءَ كالوَرْسِ
تجري على كَبِد السَّماءِ كما … يجري حِمامُ الموت بالنَّفسِ
اليومَ نعلم ما يجيءُ به … ومَضى بفَصْل قضائِه أمسِ
وكان تُبَّع عظيمًا، بلغه أن التركَ قاصِدتُه، فسار إليهم على جبلي طيئ، ثم سلك على الأنبار، وهذا الطريقُ الذي سلكه الرائش، فلَقيهم في حدِّ أَذْرَبيجان فقَتل وسبى، وأَوغل في الهند والصِّين، ووصل إلى التُّبَّت، وخلَّف جيشًا عظيمًا هناك رابطه، فأَعقابُهم هناك إلى اليوم. ولما عاد إلى العراق خَلّف بالحيرة قومًا من الأزد وقُضاعة ولَخْم وجُذَام وعامِلَة فبنَوها، وهابته الملوك وهادوه، ثم عاد إلى اليمن.
وسأل ابنُ عباس ﵁ ابنَ مسعود ﵁ (٢) قال: سمعت الله تعالى يَذكر تُبّعًا فلم يذمّه، وذمَّ قومَه؟ فقال: نعم. إن تُبَّعًا غزا بيتَ المقدس، فسبى أولادَ الأَحبار، وقَدِم بفتيةٍ منهم على قومه، فجعل يُدْنيهم، وَيسمعُ منهم، ويُخبرونه عن الله تعالى، فتحدَّثَ قومُه، وقالوا: إنا نخافُ أن يَفتنوه عن دِينه، وكان يعبد الأوثان، وبلغ تُبعًا ما قالوا، فأخبر الفِتية فقالوا: بيننا وبينهم النَّصَف. قال: وما هو؟ قالوا: نارٌ تحرق الكاذبَ وينجو منها الصادقُ.
فجمع قومَه وقال: اسمعوا ما يقول هؤلاء، وقال لهم: تكلّموا، فقالوا: لنا خالقٌ نعودُ إليه، وبين أيدينا جنَّةٌ ونار، فإن أبيتم علينا، فبيننا وبينكم النَّصفُ. فقالوا: قد رضينا. فأضرموا نارًا، وقام الفتيةُ فذكرُوا اسم الله، واقتحموها، وخرجوا منها سالمين، ودخل من أولئك جماعة فاحترقوا، فأسلم تبع، وكان رجلًا صالحًا فذكره الله تعالى ولم يذمَّه وذمَّ قومَه.
стр. 1066
وسُمي تُبَّعًا لكثرة أتباعه، وكسا البيتَ، وكان يعبد النارَ فأسلم، وأقام ملكًا ثلاثًا وثلاثين سنة، وقيل: ثمانين سنة. وهو تُبَّع الأوسط.
فصل
ثم ملك بعده تُبَّع الآخر، وهو أسعد بن كَليكَرِب، وقيل: حسان بن تبان، وقيل: هو ابن تُبَّع الأوسط وكُنيتُه أبو كرب.
وقال ابن سيرين: هو أوّلُ من كسا البيت، وملك الدنيا والأقاليمَ بأسرها.
وحكى ابن عساكر: أنه كان إذا عرض الخيلَ قاموا صفًا من دمشقَ إلى صَنعاء (١). وهذا بعيد.
وكان يغزو على النُّجوم، ويستضيء بها. وطالت مدته، وثَقُلَ على حِمْير من كَثرة ما كان يغزو بها.
ولما رجع من غزو المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان لمَّا مَرّ بها لم يَهِجْ أهلَها، وخلّف فيها ابنًا له فقتلوه غِيلةً، وبلغه؛ فرجع إليها، وهو مُجمعٌ على خرابها، واستئصالِ أهلها، وقطع نخيلها. فجمع له هذا الحيُّ من الأنصار، ورئيسُهم يومئذ عمرو بنُ طَلَّة أخو بني النجار، وجاء تُبَّع فنزل على المدينة، ولم يتعرَّض لها، فجاء رجل من أصحابه فصَعِد نخلةً لرجل من الأنصار، يُقال له: أحمر، فضربه الأنصاري بمِنْجَل فقتله، وألقاه في بئر. وبلغ تُبَّعًا فازداد حَنَقًا عليهم فقاتلهم، فكانوا يقاتلونه نهارًا، ويَقرونه في الليل العسلَ والتَّمرَ والبُرّ، فقال: ما رأيتُ أكرمَ من هؤلاء.
فبينا هو على ذلك إذ جاءه حَبْران من اليهود من بني قُرَيظة عالمان، فقالا: أيّها الملك، لا تقاتلْ هذا البلد، فإنا نجد في كُتبنا أن هذا المكان مُهاجَرُ نبيٍّ يَخرج من هذا الحى من قريش في آخر الزمان اسمُه محمد، فتكون المدينةُ دارَه وقرارَه، وإنا نَخافُ عليك العقوبة، فكفَّ عن القتال. ثم دعواه إلى دينهما فأجابهما وكان وقومه يعبدون الأوثان.
وقال هشام: كانت الأنصار من أعزِّ العرب وأشرفها، وهم الأوس والخزرج ابنا
стр. 1067
قَيْلة، لم يُؤدُّوا خراجًا ولا إتاوةً قطُّ إلى أحد من الملوك في الجاهلية، فكتب إليهم تُبّع أبو كرب يدعوهم إلى طاعته، ويُحذرُهم مخالفتَه. فكتبوا إليه: [من الكامل]
العبدُ تُبَّع كم يَرومُ قِتالَنا … ومكانُه بالمَنْزِلِ المُتَذلِّل
إنا أُناسٌ لا ينامُ بأرضنا … عَضّ الرسول ببَظْر أمِّ المرسلِ (١)
فسار إليهم، فقاتَلهم، فلم ينل منهم طائلًا.
قال ابن الكلبي: وله شعر يذكر فيه خروجَ النبيِّ ﷺ ، وأوَّلُه: [من الكامل]
ما بالُ نومك مثل نومِ الأَرْمَدِ … أَرِقًا لجَنْبِك بالعَراء مسهَّدِ
ولقد هبطنا يثربًا وصدورُنا … تغلي مَراجِلُها بقَتْلٍ مُحصِدِ
حَنَقًا على ولدي وصاحبِ أُسرتي … أضحى قتيلًا عند باب المِرْبدِ
ولقد حلفتُ يمينَ صدقٍ مُؤليًا … قَسمًا لَعَمري ليس بالمُتَرَدِّد
إن جئتُ يثربَ لا أغادرُ وَسْطَها … عِذْقًا ولا نخلًا يكون لمُعتَدي
حتى أتاني من قُريظةَ عالِمٌ … حَبْرٌ لَعَمرُك في اليهود مُسَدَّد
قال انْزَجِر عن قريةٍ محفوظةٍ … لرسولِ ربِّ العالَمين مُؤيَّدِ
فعفوتُ عنهم غيرَ مُكتَرِثٍ بهم … وتركْتُهم لعقاب يومٍ سَرْمَدِ
فرحل ومعه الحَبْران، فقصد مكة، فلما نزل عُسْفان، جاءه نفرٌ من هُذَيل، فقالوا له: ألا ندلُّك على بيت مالٍ أَغفلَه الملوكُ، فيه من الجواهر واليواقيت والذهب والفضة ما ليس في غيره؟ قال: وأين هو؟ قالوا: بمكة، يعبدُه أهلُها، ويُصلُّون إليه. وإنما قَصدوا أن يتعرَّضَ له فيهلك.
فأخبر الحَبْرين فقالا: إنما قصد الهُذَليُّون هلاكَك وهلاكَ جُندك. قال: فما تأمراني؟ قالا: تذهبُ إليه، وتعظِّمُه، وتحلقُ رأسَك عنده، وتذبحُ له؛ فإنه بَنِيَّةُ أبينا إبراهيم. قال: فما يمنعكما منه؟ قالا: أهلُه حالوا بيننا وبينه بالأصنام التي حوله.
فعلم صحَّة قولهما، فعَمد إلى الهُذليِّين، فقطَّع أيديهم وأرجلَهم، فقالا: سِرْ إليه، وافعل كما يفعل أهلُه.
стр. 1068
فسار إليه، وعظَّمه، وذبَح له، وفعل ما أمراه، ورأى في المنام وهو بمكة قائلًا يقول: اكْسُ هذا البيت، فكساه بالمُلاء والوصائل.
قال ابن إسحاق: وهو أول مَن كساه، وجعل عليه بابًا ومفتاحًا، ونهى الحُيَّض عن دخوله، ثم سار إلى اليمن (١).
وذكر ابن سَعد أن تُبَّعًا نزل بقناةٍ بسفح أُحُد، وقال: إني مُخربٌ هذا البلد، ولا أبقي فيه يهوديًا، حتى يرجعَ الأمرُ إلى العرب، فخرج إليه سامول اليهودي -وهو أعلمُ اليهود يومئذ- فقال له: أيها المَلك، إن هذا البلد مُهاجَرُ نبيٍّ من ولد إسماعيل، اسمه أحمد، يولَد بمكة، وهذا البلد قَبرُه، ويكون له في هذا المنزل وَقْعَةٌ مع أهله فرجع، وقال: ما لي إلى هذا البلد سبيل (٢)، وأنشد: [من الكامل]
ولقد تركْتُ (٣) بها ضُحى من قومنا … نَفرًا أُولي حَسَبٍ بغير تَفَنُّدِ
نَفرًا يكون النصرُ في أعقابهم … أرجو بذاك رِضى النبيّ محمَّدِ
ما كنتُ أحسب أن بيتًا طاهرًا … لله في بَطْحاءِ مكةَ يُعْبَدُ
حتى أتاني من هُذَيلٍ أعبُدٌ … بالبَرِّ من عُسْفانها بتَودُّدِ
قالوا بمكةَ بيتُ مالٍ داثِرٍ … وكنْوزُه من لؤلؤٍ وزَبَرْجَدِ
فأمرتُ أمرًا حالَ ربّي دونَه … والله يَدفعُ عن خراب المَسجدِ
فردَدْتُ ما أمَّلْتُ فيه وفيهمُ … وتركتُهم مثلًا لأهلِ المَشْهَدِ
قد كان ذو القرنينِ قَبلي مُسلمًا … مَلِكًا يَفوقُ على الملوك بسُودَدِ
وقال عبد الملك بن هشامٍ: هذا الشِّعر مصنوع، وليس لتُبَّع (٤).
وقال الأزرقي، عن محمد بن إسحاق: سار تُبَّع الأول إلى الكعبة -ومذهبُه أن الذي سار إليها هو تبعٌ الأوّل- فأراد هدمَ الكعبة، فأخذه الله بالصُّداعِ، وأجرى من أنفه وفمه وأُذنيْه ومِنخَرَيْه ماءً مُنْتِنًا، بحيثما لم يستطع أحدٌ أن يَدنوَ منه، فخلا به وزيرُه،
стр. 1069
وقال له: هل نويتَ لهذا البيت أمرًا؟ قال: نعم هَدْمَه. قال: فارجع عما نويتَ وقد عُوفيتَ، ففعلَ فعُوفي، فآمن بالله، وبدين إبراهيم ﵇، وخَلع على الكعبةِ سبعةَ أثواب، وهو أولُ من كساها.
ثم خرج إلى يَثرب وهي بُقْعةٌ فيها عين، وليس بها بُنْيان ولا أحدٌ، فنزل على رأس العين.
واعتزل من الحكماء والعلماء الذين في صحبته أربعُ مئة، وقالوا: لا نفارق هذه البقعة، ترقُّبًا لخروج نبي من بني إسماعيلَ بن إبراهيم، اسمُه محمّد ﷺ .
فقال: سيروا معي، فأبوا، وعَرَّفوه ما أَجمعوا عليه، فبنى لهم أربع مئة دارٍ، وأعطى كل واحد منهم جاريةً، وأجزل عطاءهم، وكتب لهم كتابًا وختمه بالذهب، ودفعه إلى العالم الذي نصحه في شأن الكعبة، وقال له: إنْ خرج محمدٌ ﷺ ، فادْفعْه إليه إن أَدركْتَه، فإن لم تُدركه فإلى أولادكم، وأولاد أولادكم.
وكان في الكتاب: أما بعد، يا محمد، فإني آمنتُ بالله، وبك وبكتابك الذي أنزله الله عليك، أنا على دينك، وقد آمنتُ بشرائع الإسلام، فإن أدركتُك فبها ونعمتْ، وإن لم أُدركك فاشفَعْ لي يوم القيامة ولا تَنْسَني، فإني من أمَّتك. وذكر كلامًا هذا معناه.
ثم خرج إلى الهند، فمات بغلسان بلدة من بلاد الهند، قال: ومن يوم مات تُبَّع إلى مولد نبينا ﷺ ألفُ سنة، وأن الأنصار من أولاد أولئك العلماء الأربع مئة، وأن أولادَهم أوصلوا الكتاب إلى النبي ﷺ ، وأنه قال: "مرحبًا بالأخ الصَّالح"، قال: وأن أبا أيوب الأنصاري ﵁ كان من ولد ذلك العالم الذي نهى تُبَّعًا عن خراب الكعبة، وأن الدَّار التي نزلها رسول الله ﷺ هي الدارُ التي بناها تُبَّعٌ له.
وقد ذكر ابن عساكر في "تاريخ دمشق" هذا الأثر وقال: هو حديث مُنكر، وفيه غير واحد من الضعفاء (١).
وقال الرّقاشي: كان أبو كربٍ أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبي ﷺ قبل مَبعثه بسبع مئةِ سنة وقال: [من المتقارب]
стр. 1070
شهدتُ على أحمد أنَّه. . . رسولٌ من الله باري النَّسمْ
فلو مُدَّ عمري إلى دَهْره. . . لكنتُ وزيرًا له وابنَ عمّ (١)
وقال عروة: هو الذي قالت عائشةُ فيه: كان رجلًا صالحًا، ذمَّ اللهُ قومَه ولم يذمَّه (٢).
وقال هشام بن محمد: خرج تُبَّع معه بالحَبْرَيْنِ إلى اليمن، فلما دنا منها؛ حالت حِمْيَر بينه وبين دخولها، وقالوا: لا تدخلها حتى تفارقَ هذين الحَبْرين، وترجع إلى دِين حِمْيَر -وكانوا يعبدون الأوثان- فقال: إن دين هذين الحَبْرين خيرٌ من دينكم، فقالوا: حاكمنا إلى النَّار -وكانت نارٌ باليمن في أسفلِ جبلٍ يتحاكمون إليها، تأكلُ الظالم دون المظلوم- فقال تُبَّع: أَنصفتُم.
فخرجوا بأوثانهم يُقرّبونها إلى النار، ومعهم القرابين، فغشيتهم نارٌ، فأحرقتهم وما معهم. وجاء الحَبْران بمصاحفهما في أعناقهما يتلُوان التوراة، فهجما على النّار، فنكصت حين رأتهما، وعادت إلى المكان الذي خرجت منه، فدخلت فيه. فرجعت حمير عن عبادة الأوثان، ودانت باليهودية، فمن هناك أصل اليهودية باليمن.
وكان لهم بيتٌ يعظِّمونه ويذبحون عنده، ويكلِّمُهم منه شيطان، فقال الحَبْران: اِئذَنْ لنا في خرابه، فإنما يكلِّمُهم منه شيطان، فهدماه، فخرج منه كلبٌ أسود فذبحاه، فبقايا ذلك البيت في اليمن إلى اليوم (٣).
ومن شعر تُبَّعٍ: [من الخفيف]
إذ جَنَبْنا جِيادَنا من ظَفَار … ثم سِرنا بها مسيرًا بعيدًا
فاستَبَحْنا بالخيل مُلكَ قباذ … وابن أُفلوذ جاءنا مَصفودًا
وكسونا البيت الذي حرم اللـ … ـه مُلاءً مُعَصَّبًا وبُرودا
وأَقَمْنا به من الشهر عَشْرًا … وجَعلْنا لِبابِه إقليدا
стр. 1071
ونَحْرنا في الشِّعب ستَّةَ آلا … فٍ ترى الناسَ حولَهن وُرودا
ثم سِرنا نَؤُمُّ قَصْدَ سُهَيلٍ … قد رَفَعْنا لِواءنا مَعقودا (١)
وقال: [من الخفيف]
لستُ بالتُّبَّع اليَمانيِّ إن لم … أُرْكِضِ الخيلَ في سَواد العراق
وتُؤَدِّي ربيعةُ الخَرْجَ قهرًا … أو تَعُقْني عَوائقُ العوّاق (٢)
وكان لتبَّع مع نزار بن مَعَدّ بن عدنان وقائع كثيرةٌ، واجتمعت العرب إلى نزار، وتواهبوا ما كان بينهم من الدماء، والتَقَوا، فكانت الدائرةُ على تبع. وفي ذلك يقول أبو دُواد الإياديُّ من قصيدة: [من المتقارب]
ضَربْنا على تُبَّعٍ جزيةً … جِيادَ البُرود وخَرْجَ الذَّهَبْ
وولَّى أبو كَرِب هاربًا … وكان جبانًا كثيرَ الكذِبْ (٣)
ذكر مقتله
قال ابن قتيبة: لمّا طالت مُدَّتُه على حِمْير، وأَخذهم بالغزو؛ مَلُّوه وضَجِروا منه. فإنه أقام ملكًا عليهم ثلاث مئةٍ وعشرين سنةً.
واختلفوا في زمان مُلْكِه، فقيل: كان في أيام ملوك الطوائف، وقيل: قبلَهم، وقيل: في أيام كسرى أنوشروان. وهو غلط. ولما طالت أيامه، اجتمعت حِمْير إلى ولده حسَّان، وقالوا: ما رضي أبوك أن يُطيلَ غَزونا حتى أَحدث اليهودية في ديننا، لابدَّ من قتله. وساعدهم ولدُه حسان على ذلك، وهو الذي فعل بزرقاء اليَمامة ما فعل.
وبلغ تُبَّعًا ما عزموا عليه، فقال: أما إذا قتلتموني، فدعوني قائمًا، ولا تدفنوني
مُضطجعًا، فلا يزال مُلكُكم قائمًا باقيًا مادمتُ قائمًا. فقالوا: والله لا مَلّكناه علينا حيًّا
стр. 1072
وميتًا. فقتلوه ودفنوه وملّكوا ابنَه حسانًا، وشرطوا ألّا يؤاخِذَهم بقتْل أبيه.
وقيل: مَلّكوا عليهم أخاه عبد كُلال، فلم يأخذه النوم، فقيل له: إنك لا تنام حتى تقتلَ قَتَلَة أخيك، فقتلهم وهم قيام. والظاهر أنهم ملّكوا حسانًا ولدَه.
فصل
ثم ملك بعد تُبَّع ولدُه حسّان، فأقام مدة، ونَدِم على قتل أبيه، فشرع بقتلهم واحدًا بعد واحد، فبايعوا أخاه عمرو بنَ تُبّع على أنهم يقتلون حسانًا ويملكونه. فجاء رجل من أشرافهم يُقال له: ذو رُعَيْن، فأَخبرَ حسانًا، وحذَّره سوءَ العاقبة؛ فكفَّ عن قتلهم.
وقيل: إن ذا رُعَين حذَّر أخاه، وقال: إن قتلتَه ذهب المُلك، فلم يلتفت، ودفع ذو رُعَين إلى عمرو صحيفة، وقال: هذه وديعتي عندك، وختمها.
ولما أراد عمرو قتل حسان، قال له حسان: لا تعجل عليّ، فالمُلكُ تأخذُه بغير حُشودِ (١). فلم يسمع منه، وقتله بمكانٍ يُقال له: فُرضة، وهي رَحْبةُ مالك بن طَوْق. فلما قتله عَدِم النّوم، فقال له كاهنه: ما قَتل أحدٌ أخاه أو ذا رَحمٍ إلا عَدِم النَّوم حتى يَقتل مَن ساعده عليه. فنادى في المملكة: إن المَلك يريد أن يعهد عهدًا، فلا يتخلَّفَنَّ أحد. فاجتمعوا، وأقام لهم الرجال، وأُدخلوا عليه خمسةً خمسة، وعشرة عشرة، فقتل الجميع، وأُدخِل عليه ذو رُعَيْن، فأمر بقتله فقال: وَديعتي عندك. فأخرج الصّحيفة وفيها: [من الوفر]
ألا مَن يَشتري سهرًا بنومٍ … سعيدٌ مَن يَبيتُ قريرَ عَينِ
فإن تكُ حِمْير غَدرتْ وخانتْ … فمَعذِرةُ الإله لذي رُعَيْنِ (٢)
فقرَّبه، وأحسن إليه، واختصّ به.
وكان عمرو يسمى مَوثَبان القعود (٣)، لأنه ترك الغزو، ولَزم الدَّعة.
стр. 1073
وفي أيامه انتقل عمرو بن عامر مُزَيْقياء من أرض اليمن لما أحسُّوا بخراب السدّ، وعمرو مزيقياء هو أبو الأَوس والخَزرج وخُزاعة.
وأقام عمرو بن تُبَّع مالكًا ثلاثًا وثلاثين سنة، ثم هلك.
فصل
وملك بعده [عبد] كُلال بن مُثَوِّب أربعًا وسبعين سنة، وكان مؤمنًا على دين عيسى ﵇ (١).
فصل
ثم ملك بعده تُبَّع بن حسَّان بن تُبَّع، ويقال: إنه تُبَّع الأصغر، آخر التَّبابعة.
وكان مهيبًا، فسار إلى الشام، وملوكه غسّان، فأطاعوه. وصار إلى يثرب وبها قوم من اليهود، فشكا إليه بعضُ مَن خرج مع عمرو بن عامر من اليمن ضِيقَ مُجاورة اليهود؛ فقتل من اليهود ثلاث مئة وخمسين رجلًا صبرًا. وأراد أن يُخرب يثرب، فخرج إليه حَبْر من أحبار اليهود، قد أتت عليه مئتان وخمسون سنة، فقال: أيها الملك، إنك لا تَقدر على إخراب هذه القرية، قال: ولمَ؟ قال: لأن بها مُهاجَرُ نبيٍّ من ولد إسماعيل ﵇. فرجع عن المدينة إلى اليمن وطالت أيامه، فمَلك ثمانيًا وسبعين (٢) سنة. ويقال: إنه الذي أخذ الحَبْرين، وقال الشعر، وأُخبِر بخروج النبيِّ ﷺ ، ثم مات.
فصل
وملك بعده أخوه لأُمّه مَرْثَد بن عبد كُلال، وكان ذا رأي وشجاعة، فأقام إحدى وأربعين سنة، وتفرَّق كل حِمير بعده.
فصل
ثم ملك بعده وَليعَة ابنُه، وكان عاقلًا شجاعًا، فأقام سبعًا وثلاثين سنة لم يتعدَّ اليمن ومات.
стр. 1074
فصل
فملك أَبْرَهة بنُ الصَّباح، وكان عالمًا جوادًا قارئًا للكتب، فرأى في الكتب أن أولاد النَّضر بن كِنانة يَملِكون فكان يُكرمهم، ويُحسنُ إلى ولد مَعَدّ، وكان ملكُه ثلاثًا وأربعين سنة (١)، ثم مات.
فصل:
فملك حسَّان بنُ عمرو [بن تُبَّع] بن كلكرب، فأقام خمسًا وسبعين سنة (٢)، وكان قد غزا بني كِلاب، فأَسر منهم ألوفًا، فأتاه خالد بنُ جعفر الكلابي فمدحه، فأَطلقَهم.
فصل
ثم ملك بعده ذو شَناتِر وكان فاسقًا يتعرَّض إلى أولاد الأَقيال، وكان فظًّا غليظًا، لا يسمع بغلامٍ حسنٍ إلا بعث إليه وفَسق به، واسمه لَخْنِيعَة، ولم يكن من بيت المُلك، وهو أوّلىُ من أظهر اللِّواط باليمن، ولا يَقرب النساء، وكان له مَشْرَبَة يجلس فيها، فإذا قضى حاجته من الغلام، أخذ سواكًا فجعله في فِيه، واطَّلع على حرسه وجنوده، وكان ذلك آية فراغه من الغلام، فينزل من عنده وقد افتُضح، وكان قد بقي من أولاد الملوك غلامٌ يقال له: ذو نُواس بن أسعد أبي كرب، واسم الغلام: زُرْعَة، وقيل: يوسف بن شراحيل بن تُبَّع، فسمع به لخنيعة، فأرسل إليه، فعلم الغلام ما يريد منه، فأخذ سكِّينًا، فدفنها بين نَعله وقدمه، فلما صَعِد المَشرَبة، وثب عليه ليُواقِعه، فأخرج السكين، فضربه بها فقتله، ثم قطع رأسه وجعل سواكه في فيه، وتركه في كوة المشربة، ثم نزل فخرج عليهم، فقالوا: ذو نُواس؛ أَرَطْبٌ أم يَباس؟ فقال: لا بأس، وأشار إلى الطّاقة، فنظروا، فإذا رأسُ لَخْنِيْعَة، فقاموا إليه، وقالوا: أنت أحقُّ بالمُلْك حيث أرَحْتَنا من الفاسق، وملكوه، وكان مُلك لَخْنِيْعَة سبعًا وعشرين سنة.
стр. 1075
فصل
ثم ملك ذو نواس، وكان على دين اليهود، فبلغه أن أهل نجران اليمن تنصَّروا، فسار إليهم، فخَدَّ لهم الأخاديد، وغَرِق ذو نواس في البحر، وكانت أيامُه ثمانيًا وستين سنة.
وانقضت أيامُ التَّبابِعة، وكانوا نيَّفًا وعشرين ملكًا، وقيل: ثلاثين، وقيل: أكثر، وقيل: أقل، وقد ذكرنا أعيانهم، وكان مُلكهم ثلاثة آلاف سنة، وقيل: ألفين وثمان مئة سنة.
فصل في ذكر ملوك اليمن الذين مَلكوا الشام
أولُ من مَلك الشام منهم: عمرو بن عامر الغساني، وعاش ثمان مئة سنة، أربع مئة سُوقة، وأربع مئة ملكًا.
وقال الهيثم: أول مَن نزل الشام من طوائف اليمن قُضاعة بن مالك بن حِمْير بن سبأ، فتنصّر، فملّكتْه الروم على الشام، وكان أول ملوك تَنوخ بالشام.
وقال ابن قتيبة: أولُ مَن ملك بالشام منهم: النُّعمان بن عمرو بن مالك بن حِمْيَر بن سَبأ، ثم ملك بعده ولدُه مالك بن النعمان، ثم ملك بعده ولده عمرو بن مالك، ولم يملك من تَنوخ غير هؤلاء الثلاثة، ثم وَردت سَليح إلى الشام فتنصَّرت، وغلبت على تَنوخ، فملّكتها الروم.
وقال السُّدّي: أول ملوك الشام من أهل اليمن: عمرو بن عامر، ثم ملك بعده ولده الحارث بن عمرو، فأقام ملكًا بعد أبيه عشرين سنة، ومات. فأبوه أولُ ملوك الشام من غسّان، وهو الظاهر.
فصل
ثم ملك بعده الحارث بن ثَعلبة بن جَفْنة بن عمرو بن عامر، وأمُّه مارِية بنت ظالم بن وَهْب بن معاوية بن ثَوْر [وهو] كِنْدَة، صاحبةُ القُرْطَين، وإليها ينسب ملوك غسان، فأقام الحارث عشرين سنة.
وهم آلُ جَفْنَة، وقد مَلك منهم جماعة؛ منهم: الحارث بن أبي شَمِر، وهو الذي بُعث النبي ﷺ في زمانه (١)، وزاره حسَّان بن ثابت، وكان النُّعمان بن المُنذر في ذلك
стр. 1076
الوقت على الحيرة، وكان يُسامي الحارث، فقال الحارثُ لحسّان: يا ابنَ الفُرَيْعَة، لقد بَلغني أنك تُفضِّلُ النعمان عليّ، فقال حسان: كيف أُفضِّلُه عليك؟ ووالله لقَفاك أحسنُ من وجهه، ولأبوك أشرفُ من جميع قومه، ولأمُّك أشرفُ من أبيه، ولشِمالك أَجودُ من يمينه، ولحِرمانُك أنفعُ من عطائه، ولَقليلُك خيرٌ من كثيره، ولكُرسِيُّك أرفعُ من سريره، ولجَداوِلُك أغزرُ من بحوره، ولَيومُك أطولُ من شهره، ولَشَهرُك أَمدُّ من حَوْله، ولحَوْلُك خيرٌ من حِقَبِه، ولزَنْدُك أَورى من زَنْده، ولَرَجِلُك أعزُّ من خَيله، ولَعبيدُك أكرمُ من جُنده، وأنت من غَسَّان وهو من لَخْم، فكيف أفضّلُه عليك، أو أَعدِلُه بك؟ فقال الحارث: إن هذا لا يُسمع إلا في شعر، فقال حسان: [من المتقارب]
ونُبِّئتُ أن أبا منذرٍ (١) … يساويك يا حارِ في المخْبَرِ
قَذالُك أحسنُ من وَجْهه … وأمُّك خيرٌ من المُنذرِ
ويُسرى يديك على عُدْمها (٢) … كيُمنى يديه على الميسرِ (٣)
فصل
ثم ملك بعد الحارث جَبَلَةُ بن الأَيْهم الغَسّاني من آل جَفْنَة، وهو الذي امتدحه حسّان بأشعارٍ كثيرة منها: [من الكامل]
لله دَرُّ عِصابةٍ نادَمْتُهم. . . يومًا بجِلّقَ في الزمانِ الأوَّلِ (٤)
وجبلة الذي كاتَبه رسول الله ﷺ على يد شُجاع بن وَهْب، وعزم على قَصْده، فمنعه قيصر، وأسلم في زمان عمر ﵁، ثم تنصَّر.
وقال ابن قتيبة: كان طول جَبَلة اثني عشر ذراعًا (٥)، وإذا ركب مَسَحتْ قدماه الأرض. ولم يوافق ابنَ قتيبة على هذا أحدٌ، وإنما كان طُوالًا من الرجال.
وكانت منازل آل جَفْنة وملوكِ غسَّان باليرموك والجَوْلان، والصَّمّان، والأردن وأعمال دمشق إلى مشاريق الشام.
стр. 1077
فصل
وقيل: إن عَمرو بن عامر لم يَملك الشَّام، ولا وصل إليه؛ وذلك لأنه لما خرج من اليمن في ولده وأهله ومَن معه من الأَزْد، نزلوا بلاد عَكّ، ومَلِكُهم سَمْلَقَة، وسألوهم أن يأذنوا لهم في المقام حتى يبعثوا مَن يَرتادُ لهم المنازل ويعود، فأَذنوا لهم، فبعث عمرو بنُ عامر ثلاثةً من ولده: الحارث، ومالك، وحارثة، وهم أولاد عمرو لصُلْبه، ومات عمرو قبل أن يرجع إليه الزُوَّاد، ولما احتُضِر استخلف ولده ثعلبة.
ووثب رجل من الأزد يقال له: جِذْع بن سِنان على سَمْلَقَة ملك عَكّ فقتله، ونَشِبت الحرب بينهم، فخرج ثعلبة بن عمرو بالأزد إلى مكة، وجُرهم يومئذ ولاةُ البيت، فنزل بمنى، وخرجت إليهم جُرهم فحاربتهم، فنُصرت الأزدُ عليهم، فأقاموا بمكة، فضاقت بهم، فرحلوا عنها. فصار بعضهم إلى سواد العراق، فملّكوا عليهم مالكًا أبا جَذيمة الأَبرش، وصار قوم إلى يثرب، فهم الأوس والخزرج، وصار قوم إلى عمان وقوم إلى الشام، فهم آل جَفْنة.
وكان فيهم جِذْع بن سنان قاتلُ سَمْلَقة، وبالشام يومئذ سَليح، فكتب ملك سَليح إلى قيصر يستأذنُه في إنزالهم، فقال قيصر: على شرط ألا يُفسدوا ويطيعوا، فأنزلهم، وقدم عاملٌ لقيصر إلى الشام ليَجبيهم، فطالبهم بالخراج، فقال له جِذْع بن سنان: خذ هذا السَّيف رَهْنًا إلى أن أُعطيك، فقال العامل: اجعله في كذا وكذا من أمّك. فضرب به جِذْع عُنق العامل، فقال بعضُهم: خُذْ من جِذْع ما أعطاك فذهبت مَثَلًا (١)، ثم انتقل جِذْع إلى يثرب، وأقام بنو جَفْنَة بالشام، وتنصَّروا، وأطاعوا قيصر، وكانوا من قبله.
فأوّلُ ملوك الشام على هذا القول: الحارث بن عمرو بن عامر، ثم الحارث بن أبي شَمِر الأعرج الذي قتل المنذر بن ماء السماء.
قال ابن قتيبة: وأمّ الحارث الأعرج مارية ذاتُ القُرطَيْن، وكان خيرَ ملوكهم، وأيمنَهم نقيبَةً، وأسعَدَهم طائرًا.
стр. 1078
ثم ملك بعده الحارثُ الأصغر بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر، وأخوه النعمان بن الحارث، وكان له ثلاثة بنين: حُجْر، وبه كان يُكنى، والنعمان بن النعمان، وعمرو بن النعمان، وفيهم يقول حسّان: [من الرمل]
من يَغُرّ (١) الدّهر أو يَأمنُه. . . من قَبيلٍ بعد عَمْرو وحُجُرْ
مَلَكا من جبل الثَّلجِ إلى. . . جانبَي أيلةَ من عبدٍ وحُرّ
وآخر ملوكهم جَبَلةُ بنُ الأَيْهم، فملوك آل جَفْنة أحد عشر ملكًا، وكان مُلكُهم خمسَ مئة سنة وأقل، وكان بالشام ملوك بعضهم ببلاد مأرب والبَلْقاء (٢)، وكذا على زُغَر، ومنازل قوم لُوط والسواحل، وكلُّ مَلِك من هؤلاء يقال له: يارع، كما يقال: كسرى وقيصر.
فصل
وفي أيام ملوك غسان كان الأَعشى، وهو الذي يبصر بالنهار، ولا يبصر بالليل، وهذا اللقب واقعٌ على جماعة من الشعراء منهم:
ميمون بن قَيْس بن ثعلبة بن بكر بن وائل أبو بصير، وهو أعشى قَيْس، وهو الأعشى القديم، إذا أُطلق هذا اللقب انصرف إليه.
وكان سفيان الثوري يتمثّل دائمًا بقوله: [من الطويل]
إذا أنتَ لم تَرحَل بزادٍ من التُّقى. . . ولاقيْتَ بعد الموت من قد تَزوَّدا
ندِمتَ على أن لا تكون كمثلِه. . . وأنك لم تُرصِد كما كان أَرصدا (٣)
وقيل لمحمد بن مروان: مَن أشعرُ الناس؟ فقال: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رَهِب، وزهير إذا عَجب، والأعشى إذا طَرِب. وفي رواية إذا شهد (٤).
ومنهم أعشى بني ربيعة، واسمه عبد الله بن خارجة.
стр. 1079
ومنهم أعشى بني تغلب، واسمه ربيعة، وقيل: النعمان، لم يُسلِم.
وهذا القائل يمدح النبي ﷺ : [من الطويل]
ألم تَغتَمِضْ عيناك ليلةَ أَرْمَدا
الأبيات (١) ومنهم أعشى هَمْدان، واسمُه: عبد الرحمن بن عبد الله، قتله الحجَّاج، وهو آخِرُهم (٢).
فصل في ظهور الحبشة على اليمن وعودها إلى العرب
كان باليمن مَلك يقال له: ربيعة بنُ نَصْر، فيما بين التَّبابعة، رأى رؤيا هالَتْه، فلم يدع في مملكته كاهنًا ولا ساحرًا إلا ويقول له: رأيت رؤيا، فيقول: أخبرني بها حتى أعبِّرها، فيقول: لا، اعرفها (٣)، فقيل له: عليك بشِقّ وسَطيح، وكانا كاهِنَيْن.
فبعث الملك إلى سطيح وشق فأَقدَمهما عليه، فقدم سطيح أولًا، فقال له: يا سطيح رأيت رؤيا فأخبرني بها، فقال: نعم، رأيتَ حُمَمَة، خرجت من ظُلُمة، فوقعت بأرض تَهمَة، فأكلت [منها] كل ذات جُمْجُمة، فقال: صدقْتَ، فما تأويلُها؟ فقال: أَحلف بما بين الحَرَّتَيْن من حَنَش، لَيَهبِطَنَّ أرضَكم الحَبَش، ويَملِكنَ ما بين أَبْيَنَ إلى جُرَش. فقال الملك: إن هذا لنا لَغائظٌ، فمتى يَحدثُ في زماني أم بعده؟ قال: بل بعده، فقال: كم مِقدارُه؟ قال: يجيءُ أكثر من ستين أو سبعين تمضي من السنين، ثم يُقتَلون أجمعين، ويخرجون (٤) هاربين، قال: ومن يتولّى ذلك؟ قال: إرَم ذي يَزَن، يخرج عليهم من عَدَن فلا يُبقي أحدًا منهم باليمن، قال: أفيدوم ذلك من سُلطانه؟ قال: لا، قال: فمن يُزيلُه؟ قال: نبى زكيّ، يأتيه الوحيُ من العَليّ، من آل غالب بن فِهر، يكون المُلك فيه
стр. 1080
إلى آخر الدَّهر، قال: وهل للدَّهر من آخِر؟ قال: نعم، يوم يجمع الله فيه الأوَّلين والآخِرين، ويَسعَد فيه المحسنون، ويَشقى المسيئون، فقال: أحقًّا ما تقول يا سطيح؟ قال: نعم، والشفق، والليل إذا اتَّسق، إن ما أَنبأتُك به لَحقّ.
ثم قدم شق بن مصعب (١) الأنماري فقال له الملك: إني رأيتُ رؤيا، فأخبرني بها، ولم يذكر له ما جرى بينه وبين سطيح ليَختبرهما، هل يتفقان أو يختلفان؟ فقال له شِقّ: رأيتَ حُمَمة، خرجت من ظُلُمة، فوقعت بين رَوْضة وأَكمَة، فأكلتْ أمنها، كلَّ ذات نَسَمة، قال: فما تأويلُها؟ قال: أقسم بما بين الحَرَّتَيْن من إنسان، ليَنزِلَنّ أرضَكم السّودان، وليغلبُنَّ على كلِّ طَفْلَةِ البَنان، وليَملكُن (٢) ما بين أَبْيَن إلى نَجْران، قال: فمتى يكون ذلك؟ قال: بعدك بزَمان، ثم يَستنقِذُهم ذو شان، ويذيقهم الذُّلَّ والهَوان، قال: ومَن هو؟ قال: غلامٌ ليس بدَنيّ، يخرج من آل ذي يزن في زي غني، قال: أفيدوم مُلكُه؟ قال: لا، بل يَنقطع برسولٍ يُبعثُ بالعَدل من بيت الخير والفَضْل، يكون المُلك في أُمَّته إلى يوم الفَصْل، قال: وما يوم الفَصْل؟ قال: يوم يُجازى فيه الآباءُ، والأبناء، والأُمَّهات، والأخوة، والأخوات، يصيح بهم داعٍ من السماوات، فيسمع الأحياء والأموات، يكون لمن اتَّقى فيه الفوز والخيرات، فقال: أحقًّا ما تقول؟ قال: نعم وربّ السماوات والأرض، وما بينهما من رَفْعٍ وخَفْض، إن ما أخبرتُك لحَقّ، ما فيه مِضّ. أي: لا، بلغة الحبشة (٣)، فنقل الملكُ أهلَه إلى الحِيرة، وكان ذلك في أيام سابور من الأكاسرة.
стр. 1081
ذكر سبب خروج اليمن على العرب
كان ذو نواس على اليمن، وهو الذي قتل لَخْنيعة، وكان يهوديًا، فبلغه أن أفيميون من بقايا النصارى، دخل اليمن، وكان مجابَ الدعوة، يُبرئ الأكمه والأبرص، فأقام بينهم، وظهرت كراماته، فآمن به أكثرُ أهل اليمن، وكان بنَجران نخلَة طويلة يَعبدونها، فدعا عليها، فيَبِسَتْ، وبلغ حديثُه ذا نواس، فسار إليهم، فخَدَّ لهم الأخاديد، وخيَّرهم بين العَوْد إلى اليهودية وبين أن يَرميَهم في الأخاديد، فاختاروا القَتْلَ، فأحرق منهم اثني عشر ألفًا، وقتل سبعين ألفًا، وعاد إلى صَنْعاء، وكان ذلك في أيّام كسرى أنوشروان، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤].
ولما أكثر ذو نواس القتلَ في النصارى، خرج رجل منهم يقال له: ذو ثَعْلبان، ومعه حَبْر من أحبارهم ومعه الإنجيل قد احترق، فركبا البحر إلى النَّجاشي، وكان نصرانيًا، فدخلا عليه وبكيا بين يديه، وأخرجا الإنجيل وقد احترق، وقيل: إن ذا ثَعْبان خرج أولًا إلى قيصر، واستنصر به، فقال: أرضُكم بعيدةٌ عني، وليس عندي سُفن، وسأكتب لك إلى النَّجاشي فإنه قريبٌ منكم. ثم كتب له إلى النجاشي، فجهَّز معه تسعين ألفًا من الحبشة، وأمَّر عليهم أَرْياط بن أَسْحم (١)، وفي جيشه أَبرهة بن الصَّباح صاحبُ الفيل، فعبروا من بلاد ناصع والزّيْلَع، وهو أضيق مكان في البحر بين اليمن والحبشة، فخرج إليهم ذو نواس بحِمْيَر والقبائل، فاقتتلوا، فانهزم ذو نواس، وأتى البحرَ، فاقتحم به فرسُه، فكان آخر العَهْدِ به. وفيه يقول عَمرو بن معدي كرب: [من الوافر]
أَتوعِدُني كأنّك ذو رُعَيْنٍ … بأنعمِ عيشةٍ أو ذو نُواسِ
وكائنْ كان قبلَك من نعيمٍ … ومُلكٍ ثابتٍ في الناس راسِي
أزال الدهرُ مُلْكَهم فأضحى … يُنَقَّل من أُناسٍ في أُناسِ (٢)
فأقامت حمير بعده ذا جَدَن، فالتقى بالحبشة ثانيًا فهزموه، وغرق أيضًا في البحر، وكان النجاشيّ قد أوصى أَرْياط أن يُخرب حصون اليمن، ويقتلَ ثُلُث رجالها، وَيسبي ثلثًا، ويَبعثَ إليه بالسبايا، ففعل، وأخرب غُمْدان وسَلْحين وغيرهما.
стр. 1082
ذكر مقتل أرياط
كان أَبرهةُ بن الصَّباح في جُند أرياط، فطمع في المُلك، ومالت إليه طائفةٌ من الحبشة، وعلم أرياط فانحاز بمن معه، وانحاز أبرهة بمن استمال، والتقوا، فقال أبرهة لأرياط: لا فائدة في فناء الناس، ابرز إلي وأبرز إليك، فأيّنا قتل صاحبَه كان أولى بالمُلك، فتبارزا، وخرج خلف أبرهة عَتْوَدَة وزيرُه (١)، وكان بيد أرياط حربة، فضرب بها أبرهة، فوقعت على جبينه، فشرمَتْ عينه وأنفه وشفته، فسُمّي الأَشرم، وكان قصيرًا دميمًا، وأرياط طويلًا جسيمًا، واشتغل أبرهة بنفسه، وحمل عَتْوَدَة على أرياط فقتله، واجتمعت الحبشة على أبرهة، وبلغ النجاشي فغضب، وحلف لابدَّ أن يَجُزَّ ناصية أبرهة، ويطأَ البلاد، وقال: تَعدَّى على أميري وقتله، وكان أبرهة حازمًا، فحلق رأسه، وملأ جرابًا من الأرض (٢)، وكتب إلى النجاشي: أيها الملك، إنما كان أرياط عبدًا من عبيدك، ولم يكن له خِبرةٌ بسياسة المُلك، وأنا أَخبرُ منه بذلك، وقد بعثتُ إليك بناصيتي، وبجراب فيه تراب من أرض اليمن لتضعَه تحت قدميك، وتبرَّ في يمينك. فرضي النجاشيّ عنه، وأعجبه فهمُه، وأقرَّه على أرض اليمن.
وأبرهة الذي قصد البيت الحرام، فأهلكه الله .
ذكر عودة اليمن إلى العرب
كان سيفُ بن ذي يَزَن من أشراف ملوك حِمْير، مُعتزلًا في طرف من أطراف اليمن، فلما طال البلاءُ على حِمْير، ولقوا من السودان ما لقوا من الفسق، والفَتْك، والظلم، وغَصْب النساءِ على نفوسهن، خرج إلى قيصر مُستَصرخًا به، وشكا إليه، وسأله أن يَبعث عليهم نائبًا من عنده، فمَطَله، وأقام عنده سبع سنين، فكان آخر كلامه أنه قال: أنتم يهودٌ، والحَبشةُ نصارى، وليس من الدّيانة نُصرةُ المخالِف على المُوافق. ففارقه وأتى الحِيرة، فنزل على النُّعمان بن المُنذر عاملِ كسرى أنوشروان، وكان للنعمان كل عام وفادة على كسرى، فقال له: أقم عندي حتى تَسيرَ معي إليه، فأقام عنده، فقدم النعمان على كسرى فقضى حوائجه، وذكر له قصَّة سيف، وما قَدِم له، وسأله أن يَدخل
стр. 1083
عليه، فأَذن له، وكان كسرى إذا دخل عليه أحدٌ سجد له، فدخل سيف وطأطأ رأسَه، فعلم كسرى بُعدَ همَّتِه، وشَرف نفسه، ثم سلّم وجلس، وقال: أيها الملك، غَلبَتْنا الحبشة على بلادنا، فجئتُك مستصرخًا لتخرجَهم منها، وتكونَ بلادُنا لك.
فقال: بَعُدَت أرضُكم عن أرضنا، وهي قليلةُ الخير، وإنّما هو البعير والشاء، وذلك مما لا حاجة لنا به، ولم أكن لأُوَرِّط جيشًا من فارس بأرض العرب، لا حاجةَ لي بذلك، وأجازه بعشرة آلاف درهم، فنَثرها في الدّهليز، فنهبها الغلمان، وأُخبِر كسرى بذلك، فقال: إن لهذا الرجل لشأنًا، رُدُّوه فردُّوه، فقال له: عَمَدْت إلى حِباء الملك الذي حَباك به فأعطيتَه النّاس، فقال: ما أصنع بالذَّهب والفضة، وأرضي نَبْتُها (١)، وأنا من أملاك ذي رُعَيْن، وهل أَجَزْتُ أحدًا بدون عشرة آلاف دينار؟ وإنما قَصد تَعظيم نفسه وأرضِه في عين كسرى، فقال له: أقمْ عندنا حتى نَنظُرَ في أمرك.
فأقام عنده مدة، فاستشار كسرى أصحابه فيه، فقالوا: إن في سُجونك رجالًا حَبستَهم للقتل، فابعث بهم معه، فإن هلكوا، كان الذي أَردْتَ بهم، وإن ظهروا على البلاد كان مُلكًا ازْدَدْتَه إلى مُلكك، فأمر بعرض السجون، فكانوا ثمان مئة، فقدَّم عليهم رجلًا من العُظماء، يقال له: وَهْرِز بن حِمْير في ثماني سفائن، في كلّ سفينة مئةُ رجل وما يحتاجون إليه من الزاد والسلاح، فغرقت منها سفينتان، ونَجت إلى اليمن ستة، فأَرْسَوا بساحل عَدَن.
وقال ابن الكلبي: كان أبو مُرَّة الفيَّاض ذو يزن من أشراف اليمن، وكانت تحتَه ريحانة ابنة ذي جَدَن، فولدت له غُلامًا فسمَّاه: معدي كرب، وكانت ذات جَمال، فانتزعها أَبْرهة من أبي مرة، فنكحها قَهرًا.
وخرج أبو مُرَّة من اليمن، فلحق ببعض ملوك بني المنذر، ويقال: هو عمرو بنُ هند، فسأله أن يكتب له كتابًا إلى كسرى يُعرّفُه شرفَه ومكانتَه، فقال له: أقم عندي، فلي في كلِّ سَنة وِفادةٌ على كسرى. وذكر بمعنى ما تقدّم، وأن كسرى قال له: أقمْ عندي حتى أَنظُرَ في أمرك، ووعده أن ينصرَه، فأقام عنده، واشتغل عنه كسرى بحرب الروم.
ومات أبو مُرَّة بباب كسرى، وولدت ريحانة من أبرهة غلامًا سماه: مسروقًا، ونشأ
стр. 1084
معدي كرب في حِجْر أبْرهة، لا يَحسبُه إلا أباه، فسَبَّه ابنٌ لأبرهة، وقال له: لعن الله أباك، فأتى أمَّه وقال: مَن أبي؟ قالت: الأشرم، قال: لا والله، لو كان أبي ما سبَّني فلانٌ ابنُه، فأخبرتْه بالقصة.
ثم إن الأشرم هَلك، وهلك ابنُه يكسوم، وولي مَسروق، وهو أخو معدي كرب لأمّه، فخرج معدي كرب إلى قيصر فلم يجدْ عنده فَرجًا، فرجع إلى كسرى، ووقف له على الطّريق، وناداه: أيُّها الملك، لي عندك ميراثٌ، فدعا به كسرى، وقال: مَن أنت، وما ميراثُك؟ فقال: أنا ابنُ الشّيخِ اليمانيّ ذي يزن، الذي وعدْتَه النُّصْرَة، فمات على بابك، فرقَّ له كسرى، وأمر له بمال فنثره في الدِّهليز.
وقال له مُوبَذ مُوبَذان: إن لهذا الغُلام حقًّا بموت أبيه على بابك، ونزوعِه إليك من أوطانه، وفي سجونك أهلُ البأس والنَّجدة، وذكر بمعنى ما تقدّم، وأنه جهَّز معه الرجال في السُّفن، ومقدَّمُهم وَهْرِز، وكان إِصْبَهْبَذ الدَّيْلم، فركبوا من الأُبُلَّة، وهي فَرْجُ بحرِ فارس، وقصدت [السفن] اليمن، فأَرْسَوا بمكان يقال له: مَثْوَب، من أعمال حَضْرَموت في ست مئة رجل، وقيل: في ألف.
وكان على اليمن مَسْروق بنُ أبرهة، فخرج إليهم في مئة ألف من الحبشة، ولحق بابنِ ذي يَزدْ عامَّةُ حِمْيَر، وكان وَهْرِز يُعَدُّ بألف رجل، ولما رأى مسروق قلَّتَهم، طمع فيهم، وبعث إليهم: إن شئتُم أن ترجعوا إلى بلادكم، فارجعوا.
وتهادنوا عشرة أيام حتى ينظروا، وكان لوَهْرِز ولدٌ، فقتلتْه الحبشةُ غِيلةً، فأَحرق وَهْرِز المراكب والزاد، وقال لأصحابه: ما عندي غير الموت، وبايعوه وبايعه ابنُ ذي يزن وأصحابُه على الموت، ثم استعدُّوا للقتال، ولم يكن أهلُ اليمن رأوا النُّشَّاب بعد.
وركب مسروق على فيل وعلى رأسه تاجه، وبين عينيه ياقوتة حمراء مثلُ البيضة، ولا يَظنُّ إلا أنه منصورٌ عليهم، ثم نزل عن الفيل، وركب حمارًا احتقارًا لهم، فقال وَهْرِز: هذا كبيرُهم؟ قالوا: نعم، قال: ذَلَّ مُلكُه بنزوله من الفيل وركوبه الحمار، ثم رماه وَهْرِز بسهم فوقع بين عينيه وخرج من قفاه، فخرَّ صريعًا.
وانهزمت الحبشة، وغَنِمت الفُرسُ أموالَهم وعساكرهم، وانقلبَتْ حِمْير والعرب مع الفُرْس، فقال وَهْرِز: دونكم السّودان، لا تُبقوا منهم أحدًا، فقتلوهم، ولم يَبْقَ
стр. 1085
منهم إلا مَن كان في أطراف اليمن، وسار وَهْرِز إلى صنعاء وعلى رأسه رايةُ كسرى، فأراد دخولَها، وكان الباب قصيرًا، فقال: اهدموه فإني لا أُنكس رايةَ الملك، فهدموه.
وكتب وهرز إلى كسرى بالفتح، ويقول: قتلتُ من السُّودان سبعين ألفًا -وقيل: مئة ألف- وبعث بالأموال والسَّبايا، وقال: ما يأمُرُ المَلك في اليمن، فكتب إليه: سلِّم البلاد إلى ابن ذي يَزن، وانصرف، ففعل، وتَوَّج كسرى ابنَ ذي يزن، وشَرط عليه أن تتزوَّج الفُرس في اليمن، ولا تتزوَّج اليمنُ في الفرس، وكان ابنُ ذي يزن يؤدي الخراج في كل سنة إلى كسرى.
وقد أكثر الشعراء في غلبة الفرس على اليمن، فقال بعض أولاد فارس: [من الخفيف]
نحن خُضْنا البحارَ حتى فَكَكْنا … حِمْيرًا من بليّة السُّودانِ
بلُيُوثٍ من آلِ ساسان شُوسٍ … يَمنعون الحريمَ بالمرزبانِ (١)
فقتَلْنا مسروقَ إذ تاه لما … أنْ تداعت قبائلُ الحُبْشانِ
ففلَقْنا ياقوتةً بين عينيـ … ـه بنُشابةِ الفتى السَّاساني
وحَوَينا بلادَ قَحطانَ قَهْرًا … ثم سِرنا إلى ذُرى غُمْدانِ
فنَعِمْنا فيه بكلِّ سُرورٍ … ومَنَنّا على بني قَحطانِ
وقال آخر من أهل حَضْرموت: [من الرجز]
أصبح في مَثْوَبَ ألفٌ في الجُنَنْ … من آل ساسانَ ورهط مِهْرَسَنْ
ليُخرِجوا السُّودان من أرض اليَمنْ … دَلَّهُمْ قصدَ السَّبيلِ ذو يَزَنْ (٢)
وقال أبو الصَّلْت [أبو] أمية بن أبي الصلت (٣): [من البسيط]
لن يَدرك الثأرَ (٤) أمثالُ ابنِ ذي يزن … حتى تغيّب للأعداء أَحوالا
أتى هِرَقْلَ وقد شالتْ نعامَتُه … فلم يجد عنده القولَ الذي قالا
стр. 1086
ثم انثنى نحو كسرى بعد سابِعةٍ … من السنين لقد أبعدْتَ إقفالا
حتى أتى ببني الأحرار يقدمهم … هناك عمري لقد أسرعتَ إرقالا
مَن مثلُ كسرى وبهرام الجنود له … ومثلُ وَهْرِز يوم الجيش إذ صالا
لله درُّهم من عُصبةٍ خرجوا … ما إن رأينا لهم في الدهر أمثالا
فاشرب هنيئًا عليك التاجُ مُرْتفِقًا … في رأس غُمدان دارًا منك مِحْلالا
هذي المكارمُ لا قَعْبانِ من لَبَنٍ … شيبا بماءٍ فعادا بعدُ أَبْوالا (١)
قالوا: وهذا البيت للنَّابغة الجَعْدي، ولعله وقع تَضْمينًا (٢)
ذكر ملوك الحبشة
وكانوا أربعة: أرياط، وأَبْرهة، ويَكْسوم بن أبرهة، ومسروق بن أبرهة، وأقاموا ثلاثًا وتسعين سنة، مَلَك أرياط عشرين سنة، وأبرهة أربعين سنة، ويَكْسوم عشر سنين، ومَسروق ثلاث سنين، وقتله الفرس، وكانت أيّامُه أشدَّ على حِمْير ممن تَقدَّمه مع قلَّتها، لأنه أذلَّ أَقْيال اليمن، وسلّط عليهم السُّودان، فنكحوا نساءهم، وسَبَوا أولادهم، وبقية جيش الفُرْس باليمن يُقال لهم: الأَبْناء.
ذكر مقتل سيف
ولمّا ملك أَمعنَ في قتل السُّودان، وبَقيت منهم بَقيَّة، فاستخدم منهم جماعة يَمشون بين يديه بالحِراب، فخرج يومًا إلى الصَّيْد وهم بين يديه فمالوا عليه فقتلوه، وبلغ كسرى، فبعث وَهْرِز في أربعة آلاف، وأمره أن لا يَبْقى من السّودان في اليمن أحدٌ إلا قَتَله، ففعل، وأقام بها وَهْرِز.
وقال ابن قتيبة: أقام سيفٌ ملكًا باليمن من قِبَل كسرى، يُكاتبُه ويَصدُر عن رأيه في الأمور إلى أن قتله السودان، وبقي اليمن شاغِرًا بلا مَلك، وصاروا كملوك الطوائف، مَلك على كلِّ طائفة منهم رجلٌ (٣).
стр. 1087
وكان وَهْرِز مُقيمًا بصَنعاءَ، فمات، فولّى كسرى أَبرويز عليها ابنَه التينجان (١) بن وهرز، ثم غضب عليه فعَزله، وولّى عليها باذان، فلم يزل عليها حتى مات في صدر الإسلام، وبُعث رسول الله ﷺ وعاملُ أَبرويز عليها باذان، وفيروز، وداذَوَيْه، وقدموا على رسول الله ﷺ (٢)، وقيل: إن الذي خَلُصَت اليمن على يده مَعْدي كرب بن ذي يَزن، والله أعلم.
فصل في قصّة أصحاب الفيل
لما أقام أَبرهةُ بصنعاء، رأى النّاس يتجهّزون أيّامَ الموسم إلى مكة، فقال: أين يذهبون؟ قالوا: إلى البيت الحرام، قال: وما هذا البيت؟ قالوا: بيتٌ بناه إبراهيم وإسماعيل ﵉، قال: وبأي شيء هو مبنيّ؟ قالوا: بالطّين والحجارة، فقال: وحقِّ المسيح، لأبنينَ لكم بيتًا خيرًا منه، فبنى كنيسة بصَنْعاء؛ لم يُبْنَ في زمانها مثلُها، بناها بالرُّخام، وزَخرَفها بالذَّهب والفضة والجواهر واليواقيت، ولطّخ حيطانها بالمِسْك، وجعل في أعلاها قُبَّةَّ عَظيمةً من عجائب الدُّنيا، وجعل على رأسها ياقوتةً حمراءَ تُضيء تلك النّاحية في الليل منها، وجعل على أبوابها السُّتور والحَجَبة والسَّدَنة، وسمّاها: القُلَّيْس، وأمر الناس بحجِّها، وكتب إلى النجاشي: قد بَنيتُ لك كنيسة لم يُبْنَ مثلُها، ولسْتُ بمُنْتَهٍ حتى أَنقلَ إليها حَجَّ العرب.
فدخل نُفَيلُ بن حبيب الخَثْعميُّ فلطَّخ القُلَّيْس بِعَذِرِه، ودخل أَبرهةُ ليصلّي، فرأى العَذِرة في القُبَّة، فقال: مَن فعل هذا؟ فقال السَّدنة: رجلٌ من العرب، من أهل البيت الذي أبطلت حجَّ النَّاس إليه، غضب لكَعبتهم.
وكان أبرهةُ قد منع أهلَ اليمن من الحجِّ إلى مكة، فأقاموا سنين، فغضب أَبرهةُ، وقال: وحقّ المسيح لأَنقُضنَّ بيتَهم حَجرًا حجرًا، وكتب إلى النجاشيّ يطلُبُ فيلَه الأعظم، واسمه: محمود، ولم يكن في زمانه أقوى منه ولا أعظم، فبعث به إليه،
стр. 1088
ومعه ثلاثة عشر فيلًا، ثم خرج أَبرهةُ بجنوده ومعه مُلوك حِمْير والأَفيال، وبلغ العربَ فأعظموه، ورأوا جهادَه حقًّا عليهم.
وخرج عليه ملكٌ من ملوك حِمْير، يقال له: ذو نَفر بمن أطاعه من قومه، فقاتله فهزمه، وأُخِذ ذو نفر فأُتي به إلى أَبرهة، ققال له: أيُّها الملك، لا تقتُلْني فإن بقائي لك خيرٌ، فاستحياه وأَوثقَه، وكان أَبرهةُ ذا أناةٍ.
ثم مرَّ ببلاد خَثْعَم، فخرج إليه نُفَيل بن حبيب الخَثْعَميُّ في قبيلَي خَثْعَم ومَن اجتمع إليه من قبائل اليمن، فقاتلوه فهزمهم، وأَخذ نُفَيلًا، فقال له: أيُّها الملك، لا تقتُلْني فإني دليلٌ في أرض العرب، وهاتان يداي على قومي بالسَّمع والطَّاعة، فاستبقاه، وخرج معه يَدلُّه.
فلما مرَّ بالطائف، خرج مسعود بن مُعَتّب الثقفيُّ في رجال من ثقيفٍ، فقال: أيُّها الملك، إنما نحن عبيدُك، ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتُنا هذا البيتَ الذي تُريد -يَعنون اللّات- إنما تُريد البيتَ الذي بمكَّة، نحن نَبعثُ معك من يدلُّك عليه، فبعثوا أبا رِغالٍ مولى لهم، فمات بالمُغَمَس، وهو الذي يُرجَم قَبرُه إلى هلمَّ جرّا.
وقال البَلاذُري: كان أبو رِغال من العرب العاربة، وله سلطان بالطائف، وكان ظلومًا غشومًا، أتى يومًا على امرأة تُرَبّي طفلًا يتيمًا في عام جَدْبٍ بلبن عَنْز، لم يكن بالطائف شاةٌ لَبونٌ غيرَها، فأخذها منها، فمات الصبيُّ جُوعًا، فرماه الله بقارعة فأهلكه، فدفق بين مكة والطائف، فقبره هناك يُرجَم على وَجْه الدهر.
ويقال: إنه كان عبدًا لشُعيب بن ذي مِهْدم (١) الحميري الذي قتله قومُه، وكان فيما يزعمون أنه مبعوث إليهم، فلما بلغه ما فعله بالصبي، أمر به شعيب فقُتِلَ، ورُجِم قبرُه.
وقيل: كان جدُّ الحجّاج يَخدُم أبا رِغال، ولهذا قيل للحجاج: عبدُ بني رغال (٢).
وأبو رِغال من بقيّة ثمود. قال جرير يهجو الفرزدق: [من الوافر]
إذا مات الفرزدقُ فارجُموه. . . كما تَرمون قبرَ أبي رغالِ (٣)
стр. 1089
وبعث أَبرهة على مُقدّمته الأَسود بنَ مَقْصود من الحبشة، فجمع أموالَ أهلِ الحرم، وأصاب لعبد المطَّلب مئتي بعيرٍ.
وبعث أَبرهةُ حُناطَةَ الحميريَّ إلى أهل مكّة، يَسأل عن شريفها، ويقول لهم: لم آتِ لقتالكم، وإنَّما جئتُ لأَهدم هذا البيت، فدلُّوه على عبد المطّلب، فقال عبد المطّلب: نحن لا نُقاتلُه، وليس لنا به طاقةٌ، وسنُخلي بينه وبين ما جاء له، فإن هذا البيتَ الحرام بيتُ الله، وبيتُ إبراهيم خليله، فإن يمنعه، فهو بيتُه وحرمُه، وإن يُخلِّ بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به طاقة.
قال: فانطلِقْ معي إلى الملك، فأردفه على بغلةٍ له، وخرج به حتَّى قَدِم العسكر، وكان ذو نَفْرٍ صديقاً لعبد المطّلب، فأتاه فقال: يا ذا نَفْر، هل عندك من غَناءٍ فيما نزل بنا؟ فقال: وما غَناء أسير لا يَأمنُ أن يُقتلَ بُكرةً أو عشياً، ولكن سأبعثُ إلى أُنَيْس سائس الفيل، فإنَّه لي صديق، فأسأله أن يصنعَ لك عند الملك ما استطاع من خير، ويُعظّم خَطرَك ومنزلتك عنده.
وأرسل إلى أُنيْس، فأتاه فقال: إن هذا سَيِّد قريش الذي يُطعم النَّاس في السَّهل، والوحوشَ في رؤوس الجبال، وصاحب عِير (١) مكّة، وقد أصاب له الملك مئتي بعيرٍ، فإن قدرت أن تنفعه عنده، فانفعه، فإنَّه صديقٌ لي، فدخل أُنَيس على أبرهة، وعرَّفه منزلةَ عبد المطّلب، وذكر له مثل ما ذكر ذو نَفْر، وقال: أحبُّ أن تأذنَ له في الدخول عليك.
وكان عبد المطّلب وسيماً جسيماً عظيماً، فأذن له فدخل، فلما رآه أبرهة عظَّمه وأكْرمَه، وكرِه أن يُجلسه معه على سريره، أو يجلسه تحته، فهبط عن سريره، فجلس على البِساط، ثم أجلسه معه، وقال لترجُمانه: قل له: ما حاجتُك؟ فسأله التّرجُمان فقال: حاجتي أن يَردَّ علي الملك مئتي بعير لي أخذها أصحابُه، قال: قل له: لقد أعجبْتَني حين رأيتُك، والآن فقد زهِدْتُ فيك، قال: ولم؟ قال: جئتُ إلى بيتٍ هو شرفُك وشرفُ آبائك لأهدمَه لا تكلِّمني فيه، وتكلِّمُني في مئتي بعيرٍ أصبتُها، فقال عبد
стр. 1090
المطلب: أنا ربُّ هذه الإبل، ولهذا البيت ربٌّ سيمنعُه، فقال: ما كان لِيمنَعه منّي، قال: فأنت وذاك، وأمر بردِّ إبله، فرُدَّت إليه.
قال أبن إسحاق: وذهب عبد المطلب إلى أبرهة بعَمْرو (١) بن نُفاثة بن عدي بن الدُّئل سيّد بني كنانة يومئذٍ، وخُوَيْلد بن واثِلة سيّد بني هُذَيل، فعرضا على أبرهة ثُلُث أموال تِهامة، على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم، فرجع عبدُ المطّلب إلى مكّة، وأخبر قريشاً الخبر، وأمرهم أن يتفرَّقوا في الشِّعاب، ويتحرَّزوا في رؤوس الجبال، تخوُّفاً عليهم من معرّة (٢) الجيش، ففعلوا، ثم أتى عبدُ المطَّلب إلى الكعبة، فأخذ بحَلْقة الباب وجعل يقول: [من مجزوء الكامل]
لا هُمَّ إن المَرءَ يَمـ … ـنعُ رَحْلَه فامنع حِلالَكْ
لا يَغْلبنَّ صَليبُهم … ومِحالُهم غَدْواً مِحالَكْ
جَرُّوا جُموعَ بلادهم … والفيلَ كي يَسْبُوا عِيالَكْ
عَمَدُوا حِماك بكَيدِهم … جَهْلاً وما رَقَبوا جَلالَكْ
إن كنتَ تاركَهم وكعـ … بتنا فأمُر ما بدا لك (٣)
ثم قال لهم: [من الرجز]
يا ربِّ لا أرجو لهم سِواكا … إن عدوَّ البيت مَنْ عاداكا
يا ربِّ فامنَعْ منهم حِماكاً … امنَعْهم أن يُخربوا قُراكا (٤)
ثم ترك الحَلْقة، وتوجَّه مع قومه في بعض الوجوه، وأصبح أبرهة بالمُغَمَّس قد تهيَّأ للدُّخول، وعبّى الحبشة، وهيَّأ الفيلَ الأعظم، فأقبل نُفَيْل الخثْعَمي إلى الفيل، فأخذ بأُذنه وقال: ابْرُك محمود، أو ارجع راشداً حيث جئت، فإنَّك في بلد الله الحرام.
وكان الفيل أَمام الجيوش مُزَيَّنا بالسلاح، والرجال حوله، فبوك، فبعثوه نحو مكّة فأبى، فضربوه بالمِعْوَل في رأسه، وأدخلوا تحت مَراقِّه مَحاجِنَهم، وضربوه ليقوم فأبى