← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 10431–10470 · переход к 10436.

стр. 10431

إبراهيم بن محمد بن إبراهيم (١) ناظر نهر الملك ببغداد -كان متزهِّدًا، يَلْبَسُ القُطْن الفوط، ويعدل في الرَّعية، ويحسن إليهم- أمر الخليفة النَّاصر بصلْبه، فَصلِبَ على كرسي جسر بغداد، وعليه القميص الفوط على جانب نهر عيسى، فمرَّ به الخليفة وهو مصلوبٌ في وسط الجِذْع، فقال: تتنمَّس علينا! ارفعوه إلى رأس الجِذْع، وكان شيخًا مهيبًا، وحَزِنَ النَّاسُ عليه. [وفيها توفي حسن بن علي بن محمد (٢) الدرزبيني، الضرير، المقرئ، الحنبلي، ودرزبين قرية من قرى بغداد. قرأ القرآن بالروايات، وكان حسن الصوت، مليح الأذان، وكان أهل بغداد يقصدونه من أقطار بغداد في ليالي رمضان، يسمعون صوته، وكان يحضر بباب حجرة الخليفة، فيقرأ والخليفة يسمعه، وقرأ القرآن على أبي الحسن البطائحي وغيره، وكان يصلي بمسجد أبي الفَضْل بن ناصر بدرب الدواب، وسمع الحديث من أبي محمد بن الصابوني وغيره، ومات في رجب، ودفن بباب حرب، وكان صالحًا، ورعًا، دينًا، ثقة. وفيها توفي جدي ﵀، واسمه] (٣) عبد الرحمن بن علي (٤) ابن محمد بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حُمَّادى بن أحمد بن محمد بن جعفر الجوزي بن عبد الله بن القاسم بن النَّضْر بن القاسم بن محمد بن عبد الله بن

стр. 10432

عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّديق ﵁، أبو الفرج [بن أبي الحسن] (١) القُرَشي، التَّيمي. [ورأيت بخط ابن دحية المغربي قال: وجعفر الجوزي منسوب إلى فرضة من فرض البصرة يقال لها جوزة. وقال الجوهري: فرضة النهر ثلمته التي يُسْتقى منها، وفرضة البحر محط السفن، والجمع الفرائض. ولد جَدِّي] (٢) ببغداد بدَرْب حبيب سنة عشر وخمس مئة تقريبًا، وتوفي أبوه وله ثلاثُ سنين، وكانت له عمةٌ صالحة، وكان أهله تجارًا في النُّحاس [-ولهذا رأيتُ في بعض سماعاته: وكتب عبد الرحمن الصَّفَّار-] (١)، فلما ترعرع حَمَلَتْه عمَّتُه إلى مسجد أبي الفَضْل بن ناصر، فاعتنى به، وأسمعه الحديث، وقرأ القرآن، وتفقَّه على أبي بكر الدِّينوري الحَنْبلي وابن الفَرَّاء، وسمع الحديث الكثير، وقد ذكر من مشايخه في "المشيخة" نيفًا وثمانين شيخًا، وعني بامره شيخُه ابنُ الزَّاغوني، وعَلَّمه الوعظ، واشتغل بفنون العلوم، وأخذ اللغة عن أبي منصور بن الجواليقي، وصنَّفَ الكُتُبَ في فنون، وحَضَرَ مجالِسَه الخلفاءُ والوزراءُ والعلماءُ والأعيان، وأقلّ ما كان يحضر مجلسه عشرة آلاف، وربما حَضَرَ عنده مئةُ ألف، وأوقع الله له في القلوب القَبُول والهيبة، وكان زاهدًا في الدُّنيا، متقلِّلًا منها، [وسمعته يقول] (١) على المِنْبر في آخر عمره: كتبتُ بأصبعيَّ هاتين ألفي مجلَّدة، وتاب على يدي مئة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونَصْراني. وكان يجلس بجامع القَصْر والرُّصافة والمنصور وباب بدر وتُرْبة أُم الخليفة وغيرها، وكان يختم القرآن في كلِّ سبعة أيام، ولا يخرج من بيته إلا إلى الجامع للجُمُعة وللمجلس، وما مازَحَ أحدًا قَطُّ، ولا لعب مع صبيٍّ، ولا أكل من جهةٍ لا يتيقن حِلَّها، وما زال على ذلك الأسلوب حتَّى توفَّاه الله تعالى.

стр. 10433

[(١) وقد ذكرنا محنته التي زاحم بها الأنبياء والعلماء والفضلاء والأولياء، وتلقى ذلك بالصبر والحمد والشكر. وقد أثنى عليه العلماء، فذكره أبو محمد بن الدبيثي في الذيل الَّذي ذيله على ذيل ابن السمعاني، فقال:] شيخنا جمال الدِّين بن الجوزي الإمام، صاحب التَّصانيف في فنون العِلْم من التفاسير والفِقْه والحديث والتَّواريخ وغير ذلك، وإليه انتهت معرفةُ الحديث وعلومه، والوقوف على صحيحه من سقيمه، وله فيه المصنَّفات من المسانيد والأبواب والرِّجال ومعرفة الأحاديث الواهية والموضوعة، والانقطاع والاتصال، وكان من أحسنِ النَّاس كلامًا، وأتمِّهم نظامًا، وأعذبهم لسانًا، وأجودِهم بيانًا، تفقَّه على أبي بكر الدِّينوري، وقرأ الوعظ على الشَّريف أبي القاسم العَلَوي، وأبي الحسن بن الزَّاغوني، وبورك له في عمره وعِلْمه، فروى الكثير، وسمع النَّاس منه أكثر من أربعين سنة، وحدَّث بمصنفاته مرارًا، وأنشدني [بواسط] (٢) لنفسه: [من مجزوء الكامل] يا ساكنَ الدُّنيا تأهّـ … ـبْ وانتظرْ يوم الفِراقِ وأعِدَّ زادًا للرَّحيـ … ـلِ فسوف يُحدى بالرِّفاقِ وابكِ الذُّنوبَ بأَدْمُعٍ … تنهلُّ من سُحُب المآقي يا مَنْ أضاعَ زمانَهُ … أرضيتَ ما يفنى بباقِ [قال (٣): وسألته عن مولده غير مرة، وفي كلها يقول: ما أحققه، ولكن يكون تقريبًا في سنة عشر وخمس مئة، وسألت أخاه عمر بن علي فقال: في سنة ثمانٍ وخمس مئة. ذكر ما وقع إلي بالشام] من أسامي فهرست مصنفاته [ومجموعاته ومنقولاته] (٢) ومؤلفاته:

стр. 10434

فصل [في] (١) علم التَّفسير: "المغني" أحد وثمانون جزءًا بخطه، [إلا أنَّه لم يبيضه ولم يشتهر] (١)، "زاد المسير" أربع مجلدات، "التلخيص" مجلد، "تذكرة الأريب في علم الغريب" مجلد، "تيسير البيان في تفسير القرآن" مجلد، "ناسخ القرآن ومنسوخه" مجلد، و"مختصره" جزء، "فنون الأفنان في علوم القرآن" مجلد، "ورد الأغصان في معاني القرآن" مجلد، و"الوجوه والنظائر" مجلد، و"مختصره" جزء، "غريب الحديث" ثلاثة أجزاء، "السبعة في القراءات السبعة" أربعة أجزاء، "الإشارة في القراءات المختارة" جزء، "تذكرة المنتبه في عيون المشتبه" جزء، وذلك خمس عشرة كتابًا. فصل علم الحديث: "جامع المسانيد بألخص الأسانيد" سبع مجلدات، "غرر الأثر" خمس مجلدات، "الكشف عن معاني الصحيحين" أربع مجلدات، "غريب الحديث" مجلدان، ["الحدائق" مجلدان، "كتاب الضعفاء والمتروكين" مجلدان،] (١) "الصلف في المؤتلف والمختلف" مجلدان، "العلل المتناهية في الأحاديث الواهية" مجلدان، "الموضوعات" مجلدان، "الخطأ والصواب من أحاديث الشهاب" مجلدان، "تلقيح فهوم أهل الأثر في علم التواريخ والسير" مجلدان، و"مختصره" مجلد، "الفرائد المنتقاة" ستة وخمسون جزءًا، "نفي النقل" مجلد، "ناسخ الحديث ومنسوخه" مجلد، "النقاب عن الأسماء والألقاب" مجلد، "المحتسب في النسب" جزآن، ["كتاب المدبج" مجلد، "كتاب المسلسلات" مجلد، "كتاب أخاير الذخائر" مجلد، "كتاب المجتبى" مجلد، "كتاب المشيخة" جزآن،] (١) "روضة النائل" جزء، ["كتاب تنوير السدف في المؤتلف والمختلف" جزء، "كتاب آفة أصحاب الحديث" جزء] (١)، "المعلق" أربعة أجزاء، فذلك ثمانية وعشرون كتابًا (٢). فصل: ومن التواريخ والسير: "المنتظم في تواريخ الملوك والأمم" عشر مجلدات، "درة الإكليل" أربع مجلدات، "سلوة المحزون" مجلدان، "مناقب بغداد" مجلد، "المجد العضدي" مجلد، "الطرائف" مجلد، "الفاخر في أيام الناصر" مجلد، "شذور العقود"

стр. 10435

مجلد، "المصباح المضيء بفضائل المستضيء" مجلد، "الأعاصر في ذكر الإمام الناصر" مجلد، "الفخر النوري" مجلد، "المجد الصلاحي" مجلد، فذلك اثنا عشر كتابًا. فصل: ومن علم العربية: "فضائل العرب" مجلد، "الأمثال" مجلد، "تقويم اللسان" جزآن، "ملح الأعاريب" جزآن، "لغة الفقه" جزآن، "المطرب" جزآن، "فتوى فقيه العرب" جزء، "نزهة أهل الأدب" جزء، "المألوف دون الغريب" جزء، فذلك تسعة كتب. فصل في علوم الأصول: "منهاج الوصول إلى علم الأصول" مجلد، "دفع التشبيه بأكف التنزيه" أربعة أجزاء، "البدائع الدالة على وجود الصانع" أربعة أجزاء، "منتقد المعتقد" جزء، "شرف الإسلام" جزء، "ما لا يسع الإنسان جهله" جزء، "السر المصون" جزء، "الغوامض" جزء، "شفاء علل الأمراض" جزء، "مسلك العقلاء" جزء، "منهاج أهل الإصابة في محبة القرابة والصحابة" جزء، فذلك اثنا عشر كتابًا (١). فصل: ومن [تصانيفه في علم (٢)] الفقه: "المذهب في المذهب" جزآن، "التحقيق في أحاديث التعليق" مجلدان، "المنفعة في المذاهب الأربعة" مجلدان، "الدلائل في مشهور المسائل" مجلدان، "مسبوك الذهب" مجلد، "البلغة" مجلد، "التلخيص" مجلد، "الإنصاف في مسائل الخلاف" مجلد، "البازي الأشهب" مجلد، "لقطة العجلان" مجلد، "كشف الظلمة عن الضيا في الرد على الكيا" مجلد، "لُهْية العجل في الجدل" ثلاثة أجزاء، "درء اللوم والضيم في تحريم صوم يوم الغيم" جزء، "مناسك الحج" جزء، "تحريم المحل المكروه" جزء، "تعظيم الفتوى" جزء، "الرد على القائلين بجواز المتعة" جزء، "المسائل المفردة" جزء، ["كتاب العدة في أصول الفقه" جزء، "كتاب الفرائض للوازم الفقه" جزء] (٢) فذلك عشرون كتابًا. فصل: [ومن تصانيفه في] (٢) المناقب: "الوفا بفضائل المصطفى" مجلدان، "مناقب عمر بن الخطاب ﵁" مجلد، "مناقب عمر بن عبد العزيز" مجلد، "مناقب ابن المسيب" مجلد، "مناقب الحسن البصري" مجلد، "مناقب سفيان الثوري" مجلد، "مناقب إبراهيم بن أدهم" مجلد، "مناقب الفضيل بن عياض" جزء، "مناقب بشر

стр. 10436

الحافي" مجلد، "مناقب الإمام أحمد رحمة الله عليه" مجلد، "شرف أصحاب الحديث" مجلد، "فضائل معروف" جزآن، "مناقب رابعة" جزآن، "فضائل الفقه" جزء، "فضائل القدس" جزء، "فضائل ليلة الجمعة" جزء، "كتاب النساء" جزء، "تقريب الطريق الأبعد بفضل مقبرة أحمد" جزآن، "تنوير الغبش في فضل السود والحبش" مجلد، "قيام الليل" ثلاثة أجزاء، "الستر الرفيع" جزء، "أسرار الموالي" جزء، "مناجزة العمر" جزء، فذلك ثلاثة وعشرون كتابًا. فصل الرقائق: "صفوة الصفوة" أربع مجلدات، لأعيون الحكايات" مجلدان، "ملتقط الحكايات" مجلد، "أسباب الهداية" مجلد، "صولة العقل" جزء، "العزلة" جزء، "الصلوات والأدعية" جزء، "البر والصلة" جزء، "الأنس والمحبة" جزء، "الوصية" جزء، "ذم الحسد" جزء، "ذم المكر" جزء، "المحاضرات" جزء، "الرياضة" جزء، فذلك أربعة عشر كتابًا. فصل الرِّياضات ونحوها: "منهاج القاصدين" ثلاثة مجلدات، "تلبيس إبليس" مجلدان، "ذم الهوى" مجلدان، "صيد الخاطر" ثلاث مجلدات، "القصاص" مجلد، "مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن" مجلد، "الأذكياء" مجلد، "المغفلين" مجلد، "المختار من كلام ابن عقيل" مجلدان، "الحفاظ" مجلد، "الآثار العلوية" مجلد، "الظراف والمتماجنين" مجلد، "السهم المصيب" جزآن، "عجالة المنتظر في الخضر" جزآن، "أعمار الأعيان" جزآن، "الثبات عند الممات" جزآن، "الطب الروحاني" جزآن، "عطف الأمراء على العلماء" جزآن، "فتوح الفتوح" ثلاثة أجزاء، "إعلام الأحياء باغلاط الإحياء" جزآن، "النحاة" جزآن، "الحث على طلب العلم" مجلد، "الحلاج" جزء، "تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر" جزء، "الحث على طلب الأولاد" جزء، "الوداع" جزء، "المقاسم لأبي المقاسم" جزء، "المستدرك على ابن عقيل"، "لفتة الكبد"، "النصر على مصر"، "العشرة والعطف" جزء، " الأخذ على ابن نباتة" جزء، فذلك اثنان وثلاثون جزءًا مصنفًا. فصل الطب: "لقط المنافع" مجلدان، "المشيب والخضاب" مجلد، و"مختصره" في جزأين، "الحقير النافع" جزآن، "طب الأشياخ" جزء، "الباه" جزء، فذلك ستة كتب. فصل الأشعار: "إحكام الأشعار بأحكام الأشعار" مجلدان، "المختار من الأشعار" عشر مجلدات.

стр. 10437

فصل الوعظ: "التبصرة" ثلاث مجلدات، "المنتخب" مجلدان، "المنتخب" مجلد، "الذخيرة" ثلاثون جزءًا، "المستنجد والمستنجد" مجلدان، "رؤوس القوارير" مجلدان، "الزير من رؤوس القوارير" مجلد، "المدهش" مجلد، "المقتبس" مجلد، "موافق المرافق" مجلد، "نسيم الرياض" مجلد، "محض المحض" مجلد، "منتهى المشتهى" مجلد، "المرتجل" مجلد، "زين القصص" مجلدان، "اللطائف" مجلد، "اللطف" مجلد، "الوعظ النفيس" مجلد، "التحفة" مجلد، "النور" مجلد، "المقامات" مجلد، "المجالس اليوسفية" مجلد، "احتباس المجالس" مجلد، "المقعد المقيم" مجلد، "شاهد ومشهود" مجلد، "الأرج" أربعة أجزاء، "نسيم السحر" ثلاثة أجزاء، "صبا نجد" جزآن، "الملهب" جزآن، "الزند الوري في الوعظ الناصري" ثلاثة أجزاء، "المعلق" ثلاثة أجزاء، "الفصول الوعظية" على حروف المعجم ثلاثة أجزاء، "مغاني المعاني" ثلاثة أجزاء، "الوعظ المقبري" جزآن، "لقط الجمان" جزآن، "زواهر الجواهر" أربعة أجزاء، "الخواتيم" جزآن، "المجالس البدرية" أربعة أجزاء، "أخاير الذخائر" ثلاثة أجزاء، "اليواقيت في الخطب" جزآن، "اللآلئ في الخطب" جزآن، "المقتضب" جزآن، "شطب اللمع في خطب الجمع" ثلاثة أجزاء، "إيقاظ الوسنان من الرقدات بأحوال الحيوان والنبات" جزآن، "الزجر المخوف" جزء، "المطلوب" جزء، "الطرب"، "الوعظ الملوكي" جزء، "أغاني المعاني" جزء، "المواعظ السلجوقية" جزء، "مختصر لقط الجمان" جزء، "واسطات العقود" جزء، "المحادثة" جزء، "المناجاة" "جزء، "اللؤلؤة" جزء، "الملح" جزء، "الياقوتة" جزء، "التصديقات لرمضان" جزء، "كنز المذكر" جزء، "التعازي الملوكية" جزء، "روح الروح" جزء، "المقاطع" جزء، "كنوز الرموز" فذلك نيف وستون كتابًا، أبرمت من الفصاحة أسبابًا، ورفعت لها منارًا، وأحصت حسابًا، وأزالت عن الأبصار بأنوار الأسرار حجابًا، فبعول العقول تجلي من أرق الألفاظ وأدق المعاني عرائس أبكارًا، وكواعب أترابًا، وقيل: بلغت تصانيفه ثلاث مئة اخترعها وأودعها حكمة وصوابًا (١).

стр. 10438

ذِكْرُ ما جرى في مجالسه [من الطرف المبتكرات، والنُّتَفَ المُسْتظرفات، والسؤالات والجوابات، وتلخيصه المعاني في ألخص الكلمات. قال ﵀ يومًا في مجلس وعظه: الدنيا نهر طالوت فاعبروها ولا تعمروها. فقام سائل فقال: كيف أصنع وحبها مجبول في طباعي من يوم ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤]؟ فقال جدي: ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] قطرة من القطرات. وقال: لما دعا الله الخلق إلى بابه بقوله ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] أعرض عنه أقوام، فقوبلوا بالإعراض ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. وقال في قوله ﵇: "هَبْ لي عينين هطالتين" (١) أراد أن يبكي بهما ليرحم الله هذه الأمة، كلما قويت قواصف العواصف، صاح ناتاني المركب: من هو على شيني ينتقل] (٢). وقال: والله ما اجتمع لأحدٍ أمله إلا وسعى في تفريقه أجلُه. وقال: عقاربُ المنايا تلسع، وجُدْران جسم الأمل تمنع الإحساس. وقال: الرَّواحل في طيِّ المراحل، والأنام نيام. [وقال: ركب الأجل يجري، والركاب في الحديث. وقال: ماء الحياة من إناء العمر يرشح بالأنفاس] (٢). وقال لبعضِ الولاة: اذكر عدل الله فيك، وعند العقوبة قدرة الله عليك، وإياك أن تشفي غيظك بسقم دينك. [وكان يحضر مجلسَه صاحبٌ له، ثم انقطع مدة وعاد، فقال: ما أنت في أوسع العذر من التأخير لثقتي بك، وفي أضيقه من شوقي إليك. وقال له قائل: ما نمت البارحة من شوقي إليك، وإلى المجلس. فقال له: نعم، لأنك تريد أن تتفرج، وإنما ينبغي أن لا تنام الليلة لأجل ما سمعت.

стр. 10439

وقال: لا تسمع ممن يقول الجوهر والعرض والاسم والمسمى، والتلاوة والمتلو، لأنه شيء لا يحيط به أوهام العوام، بل قل: آمنت بما جاء من عند الله، وبما صح عن رسول الله ﷺ ، هذا شيء يفهمونه. وقرأ بين يديه قارئ، فأطرب الجمع، فأنشد: [من الطويل] ألا يا حمامي بطن نعمانَ هجتُما … عليَّ الهوى لما تغنيتما ليا ألا أيها القمريتان تجاوبا … بلحنيكما ثم اسجعا لي علانيا وقرأ بين يديه قارئ حسن الصوت، فأطرب الجماعة، ثم قرأ بعده آخر مزعج الصوت، فنغَّص الجماعة. فقال جدي: كان لبعضهم جاريتان مغنيتان، إحداهما تغني طيبًا، والأخرى مزعجًا، فكان إذا غنت الطيبة الصوت يمزق ثيابه، وإذا غنت القبيحة الصوت يقعد يخيط ما مزّق. قلت: حضر مجلسي بجامع دمشق في سنة عشر وست مئة القضاة والأشراف والأعيان، والملك المعظم عيسى ﵀، وشيوخنا جمال الدين الحصيري، وتاج الدين الكندي، والقاضي شمس الدين بن سني الدولة، وكان مجلسًا عظيمًا، احتوى على عشرة آلاف وزيادة على باب مشهد علي ﵇، وكان بمجلسي قارئان أحدهما يقال له النجيب البغدادي، إذا قرأ طربنا، والآخر يقال له الشرف ابن مي إذا قرأ أزعجنا. فحكيت للجماعة حكاية الجاريتين المغنيتين، وكان تاج الدين الكندي قاعدًا في القبة التي في وسط المجلس، فصاح: يا بني، كلنا اليوم نخيط (١). وقيل لجدي: إن فلانًا أوصى عند الموت، فقال: طيَّن سطوحه في كانون! وقال له قائل: أيما أفضل، أسبح أم أستغفر؟ فقال: الثياب الوسخة أحوج إلى الصَّابون من البخور.

стр. 10440

وقال في قوله ﵇: "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين" (١): إنما طالت أعمار القدماء لطول البادية، فلما شارف الركب بلد الإقامة قيل: حثوا المطي. وقال: من قنع طاب عيشه، ومن طمع طال طيشه. وقال: البخل فراش العار، والحرص فراش النار، والكرم فراش الدار] (٢). وقال: لا تعجبوا من قوس حاجب في وفاء قوس حاجب. وقال: الطاعة تبسط اللسان، والمعاصي تذل الإنسان. [وقال في حق واعظٍ جاهل: احذروا جاهل الأطباء فربما سمى اسمًا ولا يعرف المسمى. وقال في الاستهانة بالعدو: ذباب السيف لا يجوز على ذباب الصيف. وقام إليه رجل نجار، فسأله سؤالًا بَرَّدَ به المجلس، فقال: يا نجار، أخذت بالأنفاس، هذا وقت الرندج (٣) لا وقت الفاس. وقال يومًا في معنى قوله ﵇: "غضوا أبصاركم لتجوز فاطمة": هذا تنبيه لشرف القادم. وجواب آخر، كأنه يقول: قد أقبلت في الموقف، وأنتم في كرب شديد، فتعلقوا بذيل كرمها، لعلها أن تشفع لكم كما شفع أبوها. قلت: تعلقوا بذيل كرمها لا يطابق قوله: غضوا أبصاركم، كيف يتعلقون بذيلها! وإنما معناه إذا رأتهم قد تأدبوا معها بغض الأبصار حملتها أريحية النبوة على أنها تقف وتشفع فيهم في مقابلة تأدبهم معها. وهذا الكلام إنما يصح لو صح الحديث، وقد ذكره جدي في "الأحاديث الواهية" (٤)، وصححه غيره] (٢). ووعظ الخليفة يومًا، فقال: يا أمير المؤمنين، إن تكلمتُ خفتُ منك، وإنْ سكتُّ خفتُ عليك، فأنا أقدّم خوفي عليك على خوفي منك لمحبتي لدوام أيامك، إن قول

стр. 10441

القائل: اتَّقِ الله خير من قول القائل: إنكم أهل بيت مغفور لكم، وقد قال الحسن البصري: لئن تصحب أقوامًا يخوفونك حتَّى تبلغ المأمن خير من أن تصحب أقوامًا يؤمنونك حتَّى تبلغ المخاوف، وكان عمر بن الخطاب يقول: إذا بلغني عن عامل ظالم أنَّه قد ظلم الرعية ولم أغيره فأنا الظالم، يا أمير المؤمنين، كان يوسف ﵇ لا يشبع في زمان القحط لئلا ينسى الجياع، وكان عمر يضرب بطنه عام الرَّمادة، ويقول: قَرْقِرْ إن شئت أو لا تقرقر، فوالله لا شبعت والمسلمون جياع. فتصدق الخليفة -وكان المستضيء- بصدقات كثيرة، وأشبع الجياع، وأطلق الحبوس. [وقال: أهل البدع يقولون: ما في السماء أحد، ولا في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي. تكتب ثلاث عورات لكم. وقال: مذهب الشافعي في تعظيم القرآن آكد من مذهب أحمد، لأن عند أحمد يجوز للمُحْدِث أن يَمَسَّه، وعند الشافعي: لو كان المصحف على جمل لم يجز للمحدث أن يقوده. وقرأ بين يديه قارئ ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠] فقال: العِدَةُ دين، فالطالب أين؟ وسئل عن قوله ﵇: "أنا سيد ولد آدم" (١): وقوله: "لا تفضلوني على يونس ابن متى" (٢) فقال: هذا خال جمال على خد كمال. قلت: وقد سئلت في مجالسي عن هذا، فأجبت: لأن يونس كان أضعف الأنبياء حالًا، لأنه ذهب مغاضبًا لقومه، فخاف من عتبه ولومه. ولما قال نبينا: "أنا سيد ولد آدم". قيل: قد بلغت أعلى المراتب، وإن كان العهد قد تقادم، فتواضع وإن كنتَ سيد العالم، واجبرْ قلبَ ذلك الضعيف المنكسر -الَّذي لولا لطف الله به لصيَّفَ في بطن الحوت وشتَّى- بقولك: "لا تفضلوني على يونس بن متى".

стр. 10442

وقال له قائل: آدم تلقى من ربه كلمات، فأنت من أين تلقيت؟ فقال: الولد للفراش. قلت: وقد سئلت عن مثل هذا، فقال لي رجل في المجلس: أي شيء تعشيت البارحة؟ فقلت: هذه نوالة رفعت من موائد فوائد، أظل عند ربي يطعمني ويسقيني ويقيني] (١). وسئل عمن ينهر السائل، فقال: إن لم تدنه من مبارِكِ مبارِّك، فأبعده عن معارِك معارِّك. وقال في قوله تعالى ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء: ٨٧]: نظر في استيفاء الدَّيْن بمقتضى الوكالة، وما علم أن صاحب الحق قد وَهَب. وقال في قول فرعون ﴿أَلَيسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: ٥١]: يفتخر بنهرٍ ما أجراه، ما أجراه! [وقال: سأل إبليس الإنظار، فلما أجيب قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] فقيل: جعلت شكر النعمة بالإنظار إغواء العباد، ولكن هكذا فعل أولاد الحلال! وحضر مجلسه جماعة من المخالفين، فأنشد: [من الرجز] ما للهوى العذري في ديارنا … أين العُذيب من قصور بابل قلت: هذا البيت يقتضي المدح لهم، لأنه شبههم بالهوى العذري، وكذا العذيب وقصور بابل، لأنها كلها أماكن ممدوحة، وإنما كان يقال: [من البسيط] أتظهرون نهارًا بين أظهرنا … أما نهاكم سليمان بن داود] (١) وتواجد رجل في المجلس، فقال: واعجبًا، كلنا في إنشاد الضالة سواء، فلم وجدت أنت وحدك؟! وأنشد: [من الرمل] قد كتمتُ الحبَّ حتَّى شفَّني … وإذا ما كُتِمَ الدَّاءُ قَتَلْ بين عينيك علالات الكرى … فدع النومَ لربَّاتِ الحَجَلْ ونظر يومًا إلى أقوام يبكون في ضائقة ويتواجدون، فأنشد: [من الطويل] ولو لم يَهِجْني الظَّاعنون لهاجَني … حمائمُ وُرْقٌ في الدِّيارِ وقُوعُ تداعين فاسْتَبْكَينَ من كان ذا هوى … نوائحُ لم تَقْطُرْ لهنَ دموعُ وكيف أطيقُ العاذلاتِ وذِكْرُهُمْ … يؤرِّقُني والعاذلاتُ هجوعُ

стр. 10443

وقام رجل فتواجد، فأنشد: [من الطويل] وما زال يشكو الشوق حتَّى كأنه … تنفَّس من أحشائه وتكلَّما ويبكي فأبكي رحمةً لبكائه … إذا ما بكى دمعًا بكيت له دما وأعجبه يومًا كلامه، فأنشد: [من الرجز] تزدحم الألفاظ والمعاني … على فؤادي وعلى لساني تجري بي الأفكار في ميدان … أزاحم النجم على المكانِ وكتب إليه بعضهم رقعةً يقول له فيها: أنت مشبهي. فقال: نعم، بالكلب. ثم قال: المشبِّه يثبت وأنتم محوتم [بالكاشة، دعونا فنحن أعرف بمذاهبكم منكم] (١)، ثم أنشد: [من الوافر] ألا لا يجهلن أحدٌ علينا … فنجهل فوق جَهْلِ الجاهلينا [وقال في قصة الذين عبدوا العجل: لو أن الله خار لهم ما خار لهم، عبدوا العجل من غير فكرة، بل على الفور، وما يعبد العجل إلا ثور. ومدح رجلًا بالكرم، فقال: نبل فضله يرمي عن قوس جوده، فقد صار الفقر في زمانه كالقنفذ. وقال له رجل: لي صديقٌ كنت أنهاه عن المعاصي ولا يقبل، وقد وقع الآن في الحق، فقال له: اذهب إليه وقل له: كم كنت بالله أقل لك لدى التواني غائله وللقبح معرَّة تبين بعد قليل وقال: لقي عيسى ﵇ يومًا إبليس، فقال: أسألك بالحي القيوم، ما الَّذي يقطع ظهرك؟ فقال إبليس: صهيل الخيل في سبيل الله. فقال له رجل: نحترم اليمين ونعصي المحلوف به! فقال: قطع اليد لا يمنع من اعتياد السرقة، ولا ينفع انكسار القلب مع العزم على الإصرار على الذنب] (١). وانقطع القراء يومًا عن مجلسه، فأنشد: [من الطويل]

стр. 10444

وما الحَلْيُ إلا زينةٌ لنقيصةٍ … يتمم من حُسْنٍ إذا الحُسْنُ قصَّرا وأما إذا كان الجمالُ موفَرًا … كحُسْنك لم يحتجْ إلى أَنْ يزوَّرا [وقال في حق أمير المؤمنين علي: كان يسرع في القتال من غير توقف، مطبوعًا على الشجاعة من غير تكلف، هل قيل في حقه: إنه إذا لقي أبطالًا أنَّه أبطا، لا. وقيل له: لم تقع النار على الحراق دون غيره؟ فقال: بينهما مناسبة من الأصل، وإنما تراكمُ الدُّخان حَجَبَ بينهما، فإذا زال ظهر. قلت: معنى هذه المناسبة أنَّه قد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٨٠] إنه شجر القطن، فكانت النار فيه كامنة إذا جعل حراقًا، والزناد يظهرها. وقرئ بين يديه ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] فقال: قلع عيسى القانور -يعني الوتد- وسمر السفينة، ونبينا ﷺ ضرب البحر، وقال: أمتي أمتي. وذكر يومًا أن الفتح بن شخرف (١) لما مات وجد غاسله كتابة في جسده بين الجلد والعظم: الله. ما كتبها كاتب، ثم قال: هذه علامة التوفيق ليكف الهوى كف التصرف. وسأله رجل: لم لا جعل الطلاق للنساء كما جعل للرجال؛ فقال: لو كان كذلك، وتعوق الخبز ساعة وقع الثلاث. وقال: الرجاء يلعب بالحصى، والأمل يضرب بالقرعة، والطمع يخط بالرمل. وصاح رجل في المجلس، وهجَّ على وجهه، فأنشد الشيح: [من الخفيف] أقرِ عني السَّلام أهل المُصَلَّى] (٢) وقيل له: لم تعلَّل موسى ﵇ بسوف تراني؟ فأنشد: [من الكامل] إن لم يكن وَصْلٌ لديك لنا … يشفي الصَّبابة فليكن وَعْدُ وذكر حديث بلال، وأنه كان قد مُنِعَ من الطواف بالبيت، كان يقف من بعيد ويبكي، ثم أنشد: [من الوافر]

стр. 10445

أمرُّ على منازلهم وإني … لمن أضحى به صبٌّ مشوقُ فأومي بالتحية من بعيد … كما يومي بأصبعه الغريقُ [وقيل له: قد نبغ أقوام يتعانون الوعظ، وليس من شغلهم، فأنشد: [من مجزوء الكامل] قالوا تصاهلت الحميـ … ـر فقلت إذ عدم السوابقْ خلتِ الديار من الرخا … ح ففرزنت فيها البيادقْ وقال: مطر الربيع تهاجُر العُشَّاق. وذكر ضرب عمر ﵁ الأرض بالدرة، فقال: الخائن خائف، والبريء جريء] (١). وسئل عن لعنة يزيد بن معاوية، فقال: قد أجاز الإمام أحمد -رحمة الله عليه- لعنته. ونحن نقول: ما نحبه لما فعل بابن بنت نبينا ﷺ ، وحمله آل رسول الله ﷺ سبايا إلى الشام على أقتاب الجمال، وتجرُّئه على الله ورسوله ﷺ ، فإن رضيتم بهذه المصالحة في قولنا: ما نحبه، وإلا رجعنا إلى أصل الدعوى، يعني جواز لعنته، أما أبوه ففي خفارة الصحبة، فدعوه من أيديكم، وأنتم في حِلِّ من الابن. وقال رسول الله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (٢) وما رآها يزيد قط، ودخلها معاوية. [ثم قال: لا تدنسوا مجلسنا بذكر من ضرب بالقضيب ثنايا كان يقبلها رسول الله ﷺ ، فجعلها يزيد غرضًا لبلوغ غرضه. وقال: قال رسول الله ﷺ : "أذكركم الله وأهل بيتي" (٣). قالها ثلاثًا. ثم قال: هذا الصوت ما بلغ أهل الشام. قلت: لا ذنب لأهل الشام في قصة الحسين ﵇، فإنه ما شهد قتله منهم أحد، وإنما قتله أهل العراق، أهل الشقاق والنفاق، وقد ذكرناه] (١). ثم قال جدِّي: تقدم رجلان إلى قاضٍ، فادَّعى أحدهما دعوى، وقال: لي عند هذا الكشحان دين، فقال القاضي للمدَّعى عليه: ما تقول يا كشحان؟ فقال الرجل: أما

стр. 10446

تستحي وأنت حاكم المسلمين تشتمني؟! قال: ما شتمتك! قال: بلى، قلت لي كشحان. قال: أو ليس اسمك كشحان؟ قال: لا والله. قال: فما اسمك؟ قال: يزيد. قال: كشحان أصلح. وقال: كم واعظ إذا خطب سبقت الباء الطاء، وأنشد: [من الكامل] يا عُصْبة لا يفرقون بجهلهم … ما بين سحبان ولُكْنة باقِلِ أهدي ويهذي الجاهلون فنستوي … لا فرق بين فضولهم وفضائلي [وقال يومًا في مجلسه في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ﴾: من عادة القادم أن يبدأ بالسلام، فلما أزعجتْ نبيَّنا ﷺ ليلةَ المعراج أنوارُ الهيبة، قيل له: نحن نبدؤك بالسلام، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤]. وكتب إليه رجل: أيما أفضل أتوب في نفسي أم بين الناس؟ فقال: إنما يقصد التائب بالتوبة بين الناس إما للتبرك بدعائهم، أو لخوف عود النفس إلى الذنب، فإذا شاهد الناس منه التوبة استحيا من الرجوع إلى الذنب، وفي الجملة فإن كنت أذنبت بينك وبين ربك فاستر توبتك، وإن كانوا شاهدوك على الذنب، فتب ظاهرًا، لتقطع ظنة الشهود. وكان يومًا يشرح أحوال الصالحين، فعورض بغير ذلك، فقال للسائل: لا تذكر لمن في طريق الحج إلا طريق مِنى. وقطع شاب شعره، فقال؛ هذه الشعرة أوتار عود، ومعنى قطعها أنَّه لا أعود. وقال مرة أخرى: الشعر أوتار رباب، يغني عليها شيطان الشباب. وقال يومًا: يا أهل البدع، لو بقيت من السنة ذرة لأهلكتكم بمرة، وما خلقت الجنّة إلا لأهل الكتاب والسنة. وسئل ﵀ عن علم إبليس أنَّه من المنظرين، فلِمَ فَرَّ من عمر؟ فأجاب بأجوبة أحدها لهيبة عمر ﵁، والمهيب مجتنب. والثاني: أنَّه خاف من أذى يلحقه لا من إهلاكه، فإنه لقيه يومًا عمر، فصارعه، فصرعه عمر.

стр. 10447

والثالث: لأن إبليس في يسير إلا في ستر تلبيس، ونور عمر يفضح ظلام خديعته. وسئل: كيف سَلِمَ موسى من التنور واليم، ولم يسلم من أخذ الجمرة حتَّى أحرقت لسانه؟ فأجاب بأجوبة، أحدها أن حفظ الجملة لا يمنع من نيل بعض الأطراف بالبلايا، ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وقد كسرت رباعيته. والثاني: إنها بهرجة مرت على فرعون سَلِمَ بها من القتل كقول الخليل: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. والثالث أنَّه قال: يابا، فعوقب لسانه، ويده لما مدت إلى لحية فرعون سلمت. قلت: يابا، مخرجها من الشفتين، وليس مخرجها من اللسان] (١). وقال يومًا وقد طرب المجلس لكلام سمعوه منه: فهمتم فهمتم. [وسئل عن قوله ﵇: "لأعطين الراية غدًا رجلًا يحبه الله ورسوله" (٢) فأعطاها عليًّا ﵁، فأين كان أبو بكر؟ فقال: لما كان يوم بدر قام أبو بكر ليقاتل، فقال له رسول الله ﷺ : "متعنا بنفسك" (٣)، ولما كان يوم خيبر سلَّم الراية إلى علي، وقال له: اخرج. فقعود من قعد بالأمر كخروج من خرج بالأمر، ولكن في قوله: متعنا بنفسك، فضيلة] (١). وسئل: لِمَ لم ينصَّ النبي ﷺ على خلافة أبي بكر رضوان الله عليه؟ فقال: قد جرت أشياء تجري مجرى النص، منها قوله: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" (٤)، و"اقتدوا باللذين من بعدي" (٥)، و"هلموا اكتب لأبي بكر كتابًا لئلا يختلف عليه المسلمون" (٦) فهذه أحاديث تجري مجرى النصوص، فهمها الخصوص، غير أَنَّ الرَّافضة في إخفائها كاللُّصوص.

стр. 10448

وقال سائلٌ لما قال: أقيلوني: ما سمعنا مثل جواب علي رضوان الله عليه: والله لا أقلناك. فقال [جدي] (١): لما غاب عليٌّ عن البيعة في الأول أخلف ما فات بالمدح في المستقبل، ليعلم السَّامع والرائي أَنَّ بيعة أبي بكر وإن كانت مِنْ ورائي فهي برأي، ومثل ذلك الصَّدْر لا يرائي، وما أحسنَ استدلاله حين قال: رضيك رسولُ الله ﷺ لديننا، أفلا نَرْضاك لدنيانا؟ [وسأل آخر، فقال: سيف علي نزل من السماء، فسعفةُ أبي بكر من أين؟ فقال: إن سَعَفَةً هزَّت يوم الردة، فأثمرت سبيًا جاء منه مثل ابن الحنفية لأمضى من سيوف الهند، ثم قال: يا عجبًا، الرافضة إذا مات لهم ميت تركوا معه سعفة، من أين وقع هذا الصلح؟! سأل سائل: ما معنى قوله ﷺ : "من أراد أن ينظر إلى ميت يمشي على وجه الأرض، فلينظر إلى أبي بكر" (٢)؟ فقال: الميت يقسم ماله، ويلبس الكفن، وأبو بكر أخرج المال كله، وتخلل بالعباء] (١). وقال في قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣] قال علي رضوان الله عليه: والله، إني لأرجو أن تكون هذه الآية نزلت فيَّ وفي عثمان. ثم قال: إذا اصطلح الخصوم، فما بال النَّظَّارة؟! وقال: قال جبريل للرسول ﷺ : [سَلِّمْ] (١) على عائشة، فلم يواجهها بالخطاب احترامًا لزوجها، وواجه مريم لأَنَّه ما كان لها زوج، فمن يحترمها جبريل، كيف يجوز في حقِّها الأباطيل؟! وذكر يومًا حديث داود ﵇: وهبه آدم ﵇ ستين سنة، وأن الله تعالى أتم لداود مئة، ولآدم ألفًا، ثم قال: المتوسط بين اثنين إذا كان كريمًا غرم. [قلت: وقد ذكر في كتابه المسمى بـ "فتح الفتوح" إلى طَرَفٍ من هذه الطُّرَف] (١). ذكر نبذة من أشعاره [التي جعلها في الواقعات من شعاره، وبلغني أنها عشر مجلدات في الأجناس والمدائح والصفات] (١)، فمن ذلك: [من الطويل]

стр. 10449

[يودُّ حسودي أَنْ يرى ليَ زلةً … إذا ما رأى الزَّلاتِ جاءتْ أكاذيبُ أرد جوى خصمي وليس بقادرٍ … على ردِّ قولي فَهْو موتٌ وتعذيبُ ترى أوجه الحُسَّاد بيضًا لرؤيتي … وإنْ قمتُ عادت وهي سودٌ غرابيبُ إذا فهت لم ينطق عدوي بلفظةٍ … إذا ورد الضرغام لم يلغِ الذيبُ] (١) [وقال] (٢): [من المتقارب] لعبتَ ومِثْلُكَ لا يلعبُ … وقد ذَهَبَ الأطيبُ الأطيبُ وقد كنتَ في ظلماتِ الشَّباب … فلما أضاءَ انجلى المغيبُ ألا أين أقرانُك الرَّاحلون … لقد لاحَ إذْ ذهبوا المذهب دعِ اللَّهو وارجعْ إلى مدح مَنْ … له حَسَبٌ لا كما يحسبُ وما المدح إلا بوصف الرِّجال … وإلا فمادِحُهُمْ يكذبُ إذا صاغَ ذو مِدَحٍ وصفهم … فهمْ مدحوا لا الَّذي يطلبُ ففكرتُ في شَرَفِ المُسْتضيء … فحرتُ وتاه بي السَّبْسَبُ أردتُ مديحًا فقال القريض … إلى أين قل لي ترى تَذْهَبُ خليفة رَبّ الأنام ابن عم … نبي الهدى بعد ذا مذهب وقال أيضًا: [من السريع] أقْتَلُ أدواءِ الرِّجال الوَجْدُ … توقَّ نجدًا فالغرامُ نجدُ حيث الرِّياض والنسيم أُنُفٌ … ودَنِفٌ ما يستفيق بعدُ إن الصَّبا إذا جَرَتْ قادِحَة … نارَ الغرامِ ففؤادي الزَّنْدُ تُعْدي المحبِّين الصَّبا كأنما … لها على أهل الغرام حِقْدُ لا تتلق نفحة نجدية … هزلًا فهزل النفحات جدُّ ما كبدي بعدك إلا جذوة … لها بترجيع الحنين وَقْدُ

стр. 10450

النار قلبي والسّموم نفسي … والماء طَرْفي والتُّراب الخَدُّ قد كدت أخفى عن عيون حُسَّدي … كذا وجودُ العاشقينَ فَقْدُ وقال أيضًا: [من الرمل] لا وشُعْثٍ فارقوا أوطانَهُمْ … يستلينون السَّبيلَ الأَوْعَرا كلما غنَّى بهمْ حاديهُمُ … أخذت عِيسُهُمُ تَفْري البُرا وافَقَتْ مَنْ حَمَلَتْ في شَوْقِها … فتناستْ بالهوى طُولَ السُّرى وقال أيضًا: [من السريع] يا صاحبي إن كنتَ لي أَوْ معي … فَعُجْ إلى وادي الحِمى نَرْتَعِ وسَلْ عن الوادي وسُكَّانه … وانْشُدْ فؤادي في رُبا المَجْمَعِ حيِّ كثيبَ الرَّمْلِ رَمْلِ الحِمى … وَقِفْ وسَلِّمْ لي على لعلع واسْمَعْ حديثًا قد رَوَتْه الصَّبا … تسنده عن بانةِ الأَجْرَعِ وابكِ فما في العين مِنْ فَضْلَةٍ … وَنُبْ فَدَتْكَ النَفْسُ عن مدمعي وانزلْ على الشِّيحِ بواديهمُ … واشمم عشيبَ البلد البَلْقَعِ رِفْقًا بنِضْو قد بَرَاه الأسى … يا عاذلي لو كان قلبي معي إذا تذكَّرْتُ زمانًا مضى … فويحَ أجفانيَ مِنْ أَدْمُعي يا نفسُ كم أتلو حديثَ المُنَى … ضاعَ زماني بالمُنَى فاقْطَعي يا قلب لا تسكن على بُعْدهم … وأنتِ يا عينُ فلا تَهْجعي وقال أيضًا: [من المتدارك] أَتُرى سألوا لما رَحَلُوا … ماذا فعلوا فيمن قَتَلُوا خَدَعوا بالبَينِ قتيل البيـ … ـنِ فَسُحْبُ العينِ لهم ذللُ وغدوا فطمعت غداةَ سمت … مني وقنعتُ بما بذلوا أحليف النومِ أقلَّ اللَّوْ … م فعندي اليوم بهمْ شُغُلٌ أدنى جزعي لم يُبْقِ معي … قلبًا فيعي منذ احتملوا

стр. 10451

وبسمعي ثوَّر سائقهم … وبعيني قُرِّبتِ البُزْلُ جِلْدي سَلَبُوا جَسَدِي نهبوا … كمدي وهبوا كبدي نبلوا لما ذرفتْ عيني وَقَفَتْ … أترى عَرَفَتْ ما بي الإبلُ ولحا اللاحي وَهُوَ الصَّاحي … ولهم راحي وأنا الثَّمِلُ وقال: [من مجزوء الرجز] تملَّكوا واحتكموا … وصار قلبي لهم تصرَّفوا في مُلكهم … فلا يقال ظلموا إن واصلوا محبّهم … أو قطعوا فهمْ هُمُ اصبرْ لما شاؤوا وإن … ساء الَّذي قد حكموا يا أرض سَلْعٍ خبّري … وحدثيني عنهم يا ليت شعري إذ غدوا … أأنجدوا أم أتهموا تشتاقهم أرض منى … وتشتكيهم زمزمُ وقال: [من المتقارب] إذا جزتَ بالغور عَرِّجْ يمينا … فقد أخذ الشَّوق مِنَّا يمينا وسَلِّمْ على بانةِ الواديَينِ … فإنْ سَمِعَتْ أوشكَتْ أن تبينا ومِلْ نحو غُصْنٍ بأَرْضِ النَّقا … وما يُشْبِهُ الأيكَ تلك الغُصونا وَصِحْ في مغانيهمُ أين هُمْ … وهيهاتِ أمَّوْا طريقًا شَطُونا وروِّ ثرى أرضهمْ بالدُّموعِ … وخَلِّ الضُّلوعَ على ما طُوينا أراك يَشُوقُكَ وادي الأراكِ … أللدَّارِ تبكي أمِ الظَّاعنينا سقى الله مرتَعَنا بالحِمى … وإن كان أَوْرَثَ داءً دَفِينا وعاذلةٍ فوق داءِ المحبِّ … رويدًا رويدًا بنا قد بلينا لمن تعذلين أما تعذُرينَ … فلو قد نفعتِ دفعتِ الأنينا إذا غَلَبَ الحُبُّ ضاع العتاب … تَعِبْتِ وأَتْعَبْتِ لو تعلمينا

стр. 10452

ذِكْرُ وفاته رحمه الله تعالى: جلس جدِّي يوم السبت سابع شهر رمضان تحت تُرْبة أُمِّ الخليفة المجاورة لمعروف الكَرْخي. قال المصنف ﵀: وكنتُ حاضرًا، فأنشد أبياتًا، وقطع عليها المجلس، وهي: [من الكامل] اللهَ أسألُ أَنْ يطوِّلَ مُدَّتي … وأنال بالإنعام ما في نِيَّتي لي همةٌ في العِلْم ما في مِثْلها … وهي التي جَنَتِ النُّحولَ هي التي خُلِقَتْ من القلق العظيم إلى المُنى … دُعِيَتْ إلى نَيلِ الكمال فَلَبَّتِ كم كان لي مِنْ مجلسٍ لو شُبِّهَتْ … حالاتُهُ لتشبَّهَتْ بالجَنَّةِ أشتاقُهُ لما مَضَتْ أيَّامُهُ … عَطَلًا وتُعْذَرُ ناقةٌ إنْ حَنَّتِ يا هَلْ لليلاتٍ بجمعٍ عودةٌ … أم هَلْ على وادي مِنًى مِنْ نَظْرَةِ (١) قد كان أحلى من تصاريف الصَّبا … ومن الحَمَامِ مُغَنِّيًا في الأيكةِ فيه البديهاتُ التي ما نالها … خَلْقٌ بغير مخمَّرٍ ومبيَّتِ برجاحةٍ وفصاحةٍ وملاحةٍ … يقضي لها عدنانُ بالعربيةِ وبلاغةٍ وبراعةٍ ويراعةٍ … ظنَّ النَّباتي أنها لم تَنْبُتِ وإشارةٍ تُبْكي الجُنَيدَ وصحبَهُ … في رِقَّةٍ ما قالها ذو الرُّمَّةِ ونزل من المنبر، فَمَرِضَ خمسةَ أيام، وتوفي ليلة الجمعة بين العشاءين في داره بقطفتا. وحكت لي والدتي -رحمها الله تعالى- أنها سمعته يقول قُبيل موته: أيش أعمل بطواويس -يردِّدُها- قد جبتم لي هذه الطَّواويس. وحضر غَسْله شيخنا ضياء الدِّين بن سُكَينة، وضياء الدين ابن الجبير وقت السَّحَر، واجتمع أهلُ بغداد، وغُلِّقتِ الأسواق، وجاء أهل المحال، وشدَدْنا التَّابوت بالحبال، وسلَّمناه إليهم، فذهبوا به إلى تحت التُّرْبة مكان جلوسه، فصلَّى عليه ابنه أبو القاسم علي اتِّفاقًا، لأنَّ الأعيان لم يقدروا على الوصول إليه، ثم ذهبوا به إلى جامع المنصور فصلُّوا عليه، وضاق بالنَّاس، وكان يومًا مشهودًا، لم يصل إلى حُفْرته بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل

стр. 10453

-رحمة الله عليه- إلى وقت صلاة الجُمُعة، وكان في تموز، وأفطر خَلْقٌ كثير ممن صحبه، ورموا نفوسهم في خندق الطَّاهرية في الماء، وما وصل إلى حُفْرته من الكفن إلا قليل، ونَزَلَ في الحُفْرة والمؤذِّنون يقولون: الله أكبر، وحَزِنَ النَّاسُ عليه حُزْنًا شديدًا، وبكوا بكاءً كثيرًا، وباتوا عند قبره طول شهر رمضان يختمون الختمات بالقناديل والشُّموع والجماعات، ورآه في تلك الليلة رجلٌ صالح من أهل الحَرْبية -محدِّث اسمه أحمد بن سلمان، ويلقب بالشُّكْر- في منامه وهو على منبرٍ من ياقوت مرصَّع بالجواهر، وهو جالسٌ في مقعد صِدْق، والملائكة جلوس بين يديه، والحقُّ سبحانه حاضر يسمع كلامه. [وأصبحنا يوم السبت] (١) وعملنا عزاءه، وتكلَّمْتُ فيه، وحَضَرَ خَلْقٌ عظيم، وقام الفاخر العَلَوي من أهل مشهد موسى بن جعفر ﵇، فأنشد: [من الكامل] الدَّهْرُ عن طَمَعٍ يُغر ويخدعُ … وزخارفُ الدُّنيا الدَّنِيَّةِ تُطْمِعُ وأعِنَّةُ الآمالِ يُطْلِقُها الرَّجا … طَمَعًا وأسيافُ المَنِيَّة تَقْطَعُ والمرءُ مَعْ عِلْمٍ بها متشوِّفٌ … أبدًا إلى نَيلِ المُنَى مُتَطلِّعُ يا لاهيًا أَمِنَ الحوادثَ غِرَّة … يغدو بصفو زمانه يتمتَّعُ الشَّيبُ يا مغرورُ يأنفه الرَّدى … أأمنتَ مِنْ حَدَثانِهِ ما تَفْزَعُ والموتُ آتٍ والحياةُ مريرةٌ … والنَّاس بعضُهمُ لبعضٍ يَتْبَعُ وأخو البصيرةِ مَنْ لخيرٍ زارعٌ … والمرءُ يحصُدُ في غدٍ ما يَزْرَعُ واعلمْ بأنَّك عن قليلٍ صائرٌ … خَبَرًا فكُنْ خَبَرًا لخيرٍ يُسْمَعُ لعُلا أبي الفَرَجِ الَّذي بعد التُّقى … والعِلْم يوم حواه هذا المضجعُ ما زال منتصرًا لمذهبِ أحمدٍ … بالحقِّ والحُجَجِ التي لا تُدْفَعُ حِبْرٌ عليه الشَّرْعُ أصبحَ والهًا … ذا مُقْلَةٍ حَرَّى عليهِ تَدْمَعُ مَنْ للفتاوى المُشْكلاتِ وحلِّها … مَنْ ذا لِخَرْقِ الشَّرْع يومًا يَرْقَعُ مَنْ للمنابرِ إن تفاقَمَ خَطْبُها … ولرَدِّ مسألةٍ يقولُ فَيُسْمِعُ مَنْ للجِدال إذا الشِّفاه تقلَّصتْ … وتأخَّر القَرْمُ الهِزَبْرُ المِصْقَعُ مَنْ للدَّياجي قائمًا ديجورَها … يتلو الكتابَ بمُقْلَةٍ لا تَهْجَعُ

стр. 10454

أجمال دين محمدٍ ماتَ التُّقى … والعِلْم بعدك واستجمَّ المَجْمَعُ وَتَزَعْزَعَتْ لعظيمِ يومك حسرةً … صمُّ الجبالِ وكيف لا تتصدَّع قد كنتَ كَهْفًا للشَّريعةِ والهُدى … حِبْرًا بأنوار الهداية تَلْمَعُ يا قَبْرَهُ جادَتْك كلُّ غمامةٍ … هطَّالةٍ بركابه لا تُقْلِعُ فيك الصَّلاةُ مع الصِّلاتِ فَتِهْ به … وانظرْ به يا ويك ماذا تَصْنَعُ يا أحمد خُذْ أحمدَ الثَّاني الَّذي … ما زال عنك مُدافعًا لا يَرْجِعُ خُذْ يابنَ حَنْبل سَيفَكَ الماضي الَّذي … ما زال عنك إذًا يذبُّ ويَدْفَعُ أقسمتُ لو كُشِفَ الغِطا لرأيتمُ … وَفْدَ الملائكِ حولَه تتسرَّعُ ومحمدٌ يبكي عليه وآلُهُ … خيرُ البريةِ والبطينُ الأَنْزَعُ والحُورُ حُوْرُ القُدْسِ حول ضريحه … والأولياءُ بقبره تتضرَّعُ من أبيات. ومن العجائب أننا كنا يوم السبت بعد انفضاض العزاء جلوسًا عند قبره، وإذا بخالي محيي الدِّين قد صَعِدَ من الشَّطِّ، وخلفه تابوتٌ، فعجبنا، [وقلنا (١): ترى من مات عنده في الدار؟ وإذا بها خاتون بنت عبد الله أم ولد جدي، والدة خالي محيي الدين، وعهدي بها ليلة الجمعة التي مات فيها جدي في عافية، قائمة ليس بها مرض]، فكان بين موتها وموته يوم وليلة، وعَدَّ النَّاسُ ذلك من كراماته، لأنه كان مغرًى بها [في حال حياته] (٢). وأوصى [جدي] (٢) أن يكتب على قبره: [من مجزوء الرمل] يا كثيرَ العَفْو عَمَّنْ … كَثُرَ الذَّنْبُ لديه جاءكَ المُذْنِبُ يرجو الصـ … ـفحَ عن جُرْم يديه أنا ضيفٌ وجزاءُ الضـ … ـيفِ إحسانٌ إليه

стр. 10455

ذِكْرُ أولاده: كان له من الولد الذكور ثلاثة: عبد العزيز، وهو أوَّل أولاده، وكنيته أبو بكر، تفقّه [على مذهب أحمد، وسمع أبا الوقت وغيره، وابن ناصر، والأرموي،] (١) وسمع جماعةً من مشايخ والده، وسافر إلى المَوْصل ووعظ بها، وحَصَلَ له القَبُول التَّام، فيقال: إن بني الشَّهْرُزوري حسدوه، فدسُّوا إليه من سقاه السُّمَّ، فمات بالمَوْصل سنة أربع وخمسين وخمس مئة. وأبو القاسم عليّ، كَتَبَ الكثير، [وسمع الحديث من ابن البطي وغيره،] (١) وهو الَّذي أظهر مصنَّفات والده، وباعها [بيع العبيد، ولما مضى والده إلى واسط كانت كتبه في داره بدرب دينار، فتحيَّل عليها بالليل والنهار حتَّى أخذ منها ما أراد، وباعها ولا] (١) بثمن المداد، وكان أبوه قد هجره مدة سنين، فلما امتحن [أبوه] (١) صار إلبًا عليه [للمعادين، وتوفي أبوه ولم يشهده، وأقام على ما نعرفه منه ونعهده -اللهم غفرانًا- ولقد بلغني عنه أنَّه قال: قال لي أبي: يا أبا القاسم، قد قال النبي ﷺ : "إن البركة لتبلغ السابع من الولد" (٢)، فأنت لمن تشبه؟ قال: فقلت له: أنت السابع] (١)، وتوفي سنة ثلاثين وست مئة، وله ثمانون سنة [وسنذكره] (١). وأبو محمد يوسف محيي الدِّين، ولد سنة ثمانين وخمس مئة، وسمع الحديث الكثير، وتفقَّه، وناظر، [ونشأ على الطرائق الرشيدة، والخلائق الحميدة، وهو كان السبب في خلاص والده من واسط] (١)، ووعظ بعد وفاة أبيه تحت تُرْبة والده الإمام، وقام بأمره [أحسن قيام،] (١) وولي حسبة بغداد، [وسلك طريق العقل والسَّداد] (١)، وترسَّل عن الخلفاء إلى الملوك، [وسلك في ترسّله السَّبيل المسلوك قال:] (١) وتقلَّبتْ به الأحوال [والأمور] (١) في مدة سنين إلى سنة أربعين، إلى أن ولي أستاذ دارية الإمام المستعصم [بالله أمير المؤمنين] (١)، وأول ترسُّله عن الإمام الظَّاهر سنة ثلاثٍ وعشرين وست مئة إلى أولاد العادل: الأشرف والمُعَظَّم والكامل، وآخر ما انفصل عن الشَّام سنة خمس وثلاثين [وست مئة إلى بغداد، وفي تلك السنة توفي صاحب الروم والكامل والأشرف، وكان

стр. 10456

لجدِّي عِدَّة بنات منهن والدتي رابعة] (١)، وشرف النِّساء، وزينب، وجوهرة، وست العلماء الكبرى، وست العلماء الصُّغرى، وكلهن سمعن الحديث [من جدي وغيره] (٢). عمر بن علي الواعظ الحربي (٣) [شيخنا (٤)، ولد سنة أربع عشرة وخمس مئة، وسمع الحديث الكثير، وتوفي في شوال بالحربية، ودفن بباب حرب، وكان بين وفاته وبين وفاة جدي شهر، سمع ابن الحصين، وقاضي المارستان، وابن السمرقندي وغيرهم، وأنشدنا لنفسه]: [من السريع] مَنْ داومَ العُزْلةَ في دَهْره … كان له تصحيفُها (٥) دائما فجانبِ الخَلْقَ جميعًا وثقْ … بخالقِ الخَلْقِ تَعِشْ سالما [وخَلِّهم ألا ففي حِلِّهم … تطيحُ واهجرهُمْ تكن غانما] (٢) وكان صالحًا ثقة. قراقوش الخادم بهاء الدين (٦) من أكابر الأمراء، من خُدَّام القَصْر، وقيل: من خُدَّام العاضد، وقيل: من الأسدية، [وهو الَّذي] (٢) أُسِرَ في عكا، ففداه السُّلْطان بستين ألف دينار، وهو الَّذي بنى قلعة القاهرة والسُّور على مِصْر والقاهرة، والقنطرة التي عند الأهرام وغيرها، وله واقعاتٌ عجيبة مع المِصْريين حتَّى صنَّفوا له كتابًا [في واقعاته] (٢) وسموه "الفاشوش في أحكام قراقوش"، [وفيه العجائب] (٢).

стр. 10457

محمد بن محمد (١) ابن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن ألُّهْ بتشديد اللام (٢) -وهو اسمٌ فارسي، ومعناه بالعربية العقاب- أبو عبد الله بن أبي الفَرَج، العماد الكاتب الأصفهاني، المنشئ، ويعرف بابن أخي العزيز، [وقد ذكرنا جملة من أخباره وعبارته وآثاره، وذكره الحافظ ابن عساكر، فقال: (٣)] ولد بأصبهان سنة تسع عشرة وخمس مئة، وبها نشأ، وقَدِمَ بغداد سنةَ أربعٍ وثلاثين في خدمة أبيه، وتفقَّه على مذهب الشَّافعي [على أبي منصور سعيد بن محمد بن الرزاز، مدرس النظامية] (٣) وسمع [عليه] (٣) الحديث، واشتغل بعلم الأدب، وبَرَعَ في الإنشاء، وخَدَمَ الوزير يحيى بن هُبيرة، وكان أحدَ كُتَّابه وشعرائه، ثم [سافر إلى الشَّام، و] (٣) قدم دمشق في أيام نور الدين، فأنزله القاضي كمال الدين ابن الشهرزوري في المدرسة التي في نواحي باب الفرج [عند حمام القُصَير] (٣)، وكان نجم الدين أيوب بدمشق، فقصد زيارته ليرفع من قدره، (٤) [ومدحه العماد، وقد ذكرناه في سنة اثنتين وستين وخمس مئة، ثم مدح نور الدين وأسد الدين وصلاح الدين، وكان فاضلًا عارفًا بالأدب، أخذه عن ابن الخشاب وغيره، وله الترسل والنظم والنثر، وكان] حافظًا لدواوين العرب، وصنَّف المصنَّفات الحسان كـ"البَرْق الشَّامي" و"الفَتْح القسي في الفَتْح القُدْسي" و"خريدة القَصْر في شعراء أهل العَصْر"، وغير ذلك. وكان القاضي الفاضل يقول: العماد كالزِّناد الوقاد، يعني أَنَّ النَّار في باطنه كامنة، وظاهره فيه فترة، وكان يحبه ويثني عليه ويمازحه، وهو الَّذي استخدمه عند صلاح الدين، [وقد ذكر العماد نفسه في "الخريدة"، ومبدأ حاله، وأن عمه العزيز قتل بتكريت، وأن أبا

стр. 10458

العماد صودر بأصبهان، وخرجوا منها، وقدموا بغداد في سنة أربع وثلاثين وخمس مئة، وأنه عاد إلى أصبهان في سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة في زي طلبة العلم، وأنه لقي بها الفضلاء، وصحب العلماء، وخرج منها في سنة ثمان وأربعين وخمس مئة على نية الحج، ثم عاد إليها، ثم سافر إلى بغداد مع أبيه في سنة إحدى وخمسين وخمس مئة، ومدحه (١) بقصائد، فاستكتبه، واستنابه بواسط وأعمالها. ذِكْرُ جملة من مدائحه في الوزير، وذكر عمه أبي الرجاء حامد بن محمد (٢): وقال: كان يحفظ شعر البحتري، ودواوين العرب، ومن شعر حامد: [من الوافر] تولَّى الجَهْلُ وانقطع العتابُ … ولاحَ الشَّيبُ وافتضحَ الخضابُ لقد أبغضتُ نفسي في مشيبي … فكيف يحبني الخُودُ الكِعابُ قال: وتوفي عمي سنة نيف وتسعين وأربع مئة بأصبهان] (٣). وكانت وفاة العماد بدمشق يوم الاثنين غُرَّة رمضان، ودُفِنَ بمقابر الصُّوفية عند المُنَيبع على الجادة. [سمع أبا الفتوح الإسفراييني، وأبا القاسم بن الصباغ، وعلي بن محمد بن الهيثم العلوي بأصبهان، وبالشام الحافظ ابن عساكر، وشيوخ ذلك العصر، ولي من العماد إجازة. قال: ومن شعر العماد، وقد ذكرنا في أثناء الكتاب نبذًا منه تدل على إيراده في الفصاحة وإصداره، فمنها يتشوق إلى دمشق: [من المتقارب] أجيرانَ جيرونَ ما لي مجير … سوى عطفِكُمْ فاعدلوا أو فجوروا وما لي سوى طيفِكُمْ زائرٌ … فلا تمنعوه إذا لم تزوروا يَعِزُّ عليَّ بانَّ الفؤاد … لديكم أسيرٌ وعنكم أسيرُ وما كُنْتُ أعلم أني أعيـ … ـش بعد الأحِبَّة إني صبورُ

стр. 10459

إلى ناس باناس لي صَبْوَةٌ … لها الوجدُ داعٍ وذكرى مثيرُ يزيد اشتياقي وينمو كما … يزيدُ يزيد وثورا يثورُ ومن بردى بَرْدُ قلبي المشوق … فها أنا من حَرِّه مستجيرُ فقدتكُمُ ففقدت الحياة … ويوم اللِّقاء يكون النُّشورُ أيا راكب النِّضْو يُنْضي الرِّكابَ … تسيرُ وخطب سُراه يسيرُ يؤمُّ دمشق ومن دونها … تجابُ سهول الفلا والوعورُ إذا ما بلغت فبلِّغهُمُ … سلامًا تأرَّج منه العبيرُ فيا طيب بشراي من جلِّقٍ … إذا جاءني بالنجاح البشير ويستبشرُ الأصدقاء الكرام … هنالك بي وتوفَّى النُّذُور ترى بالسلامة يومًا يكون … بباب السلامة مني عبورُ وباب الفراديس فردوسُها … وسُكَّانها أحسن الناس حورُ والارزة فالسَّهْمُ فالنيربان … فجنَّات مِزَّتها فالكُفُورُ وما جنَّةُ الخُلدْ إلا دمشقٌ … وفي القلب شوقًا إليها سعيرُ ميادينها الخُضْر فِيحُ الرِّحاب … وسلسالها العَذْبُ صافٍ نميرُ وجامعها الرَّحْب والقبة الـ … ـمنيفة والفلك المستديرُ كأنَّ الجواسقَ مأهولة … بروجٌ تطلَّعُ منها البدورُ بنيربها تتبرَّا الهمومُ … بربوتها يتربَّى السُّرور وعند المغارة يوم الخميس … أغار على القلب مني مغيرُ وعند المُنَيبع عينُ الحياة … مدى الدهر نابعةٌ ما تغورُ بجسر ابن شواس تم السكون … لنفسي بنفسيَ تلك الجسورُ وكم بتُّ ألهو بقرب الحبيـ … ـب في بيت لهيا ونام الغيورُ وأشجار سطْرى بدت كالسطو … ر نمَّقَهُنَّ البليغ البصيرُ إلام القساوة يا قاسيون … وبين السنا يتجلى سَنِيرُ] (١) ومن شعره: [من الخفيف]

стр. 10460

دارِ غيرَ اللبيب إن كنت ذا لـ … ـبِّ ولاطِفْه حين يأتي بخَرْقِ فأخو السُّكْرِ لا يخاطبه الصَّا … حي إلى أَنْ يُفيق إلا بِرِفْقِ وقال: [من الكامل] بالله يا ريحَ الشَّمال تَحَمَّلي … مني التَّحيةَ نحو ذاك المَنْزِلِ خُفِّي إلى حَمْلِ السَّلام وخَفِّفي … عن قَلْبِ صَبٍّ بالصَّبابةِ مُثْقَلِ قولي لمن شُغِلَ الفؤادُ بحبِّه … ويُخال أَنَّ فؤاده منه خَلِي حُلَّتْ عقودُ دموعِهِ وعقودُهُ … وعهودُهُ معقودةٌ لم تُحْلَلِ سُقْيا لأحباب تبدَّلَ ودُّهُمْ … بعدي ولم أنقضْ ولم أتبدَّلِ الظَّاعنين وودُّهُم مستوطنٌ … والرَّاحلين وذِكْرُهُمْ لم يَرْحَلِ لي بعدَهُمْ حالُ المعنَّى المُبْتلى … حُزْنًا وعينُ السَّاهر المُتَملْمِلِ يا راكبًا يطوي الفلا مستعجلًا … هيَّجْتَ أحزاني فلا تَسْتَعْجِلِ أَقْفَلْتَ باب مسرَّتي وفتحتَ مِنْ … دَمْعي وحُزْني كلَّ باب مُقْفَلِ عَرِّجْ وعُجْ نحو الحِمى سُقيَ الحِمى … واعدلْ فليس عن الحِمى من مَعْدِلِ وقال: [من الطويل] أَأَحبابنا من بَعْدِنا كيفَ أنتمُ … فقد بان صَبْرِي والكرى منذ بنتمُ وما زلتُمُ أهل المودَّة والوفا … ولكنَّما جار الزَّمان فخنتُمُ وإني بحالٍ لستُ أذكر شَرْحها … على كل حالٍ أنتمُ كيف أنتمُ محبكُمُ مِنْ لوعةِ البَينِ مُشْتَكٍ … وقد كنتم تشكُونه لو علمتُمُ أسيركُمُ العاني أما تُطْلِقُونَه … فديتكُمُ ما ضرَّكُمْ لو مننتُمُ وقال: [من الطويل] أيا ساكني مِصْر عفا الله عنكُمُ … وعافاكم مما أنا فيه منكُمُ أبيت على هِجْرانكم متندِّمًا … ومَنْ ينأَ عنكُمْ كيفَ لا يتندَّمُ فإن كنتُمُ لا تعلموا ما لَقِيتُهُ … من الوَجْدِ والأشواقِ فالله يعلمُ [بقيتم وعشتم سالمين من الأذى … ومنية قلبي أن تعيشوا وتسلموا] (١)

стр. 10461

محمد بن المبارك بن محمد (١) الظَّهير، أبو غالب المِصْري. ولد سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة، ومن شعره: [من الوافر] تقنَّعْ بالقليلِ وعِشْ عزيزًا … خفيفَ الظَّهْرِ من كلف وإثْمِ وإلا هيِّي نَفْسَك للبلايا … وهمٍّ واردٍ في إثْرِ هَمِّ مكلبة بن عبد الله المستنجدي (٢) [كان خازنًا بدرب دينار الكبير، و] (٣) كان صالحًا يقوم الليل، سَمِعَ المؤذِّن يقول وقت السَّحَر: [من مجزوء الرمل] يا رجال اللَّيلِ جُدُّوا … رُبَّ صوتٍ لا يُرَدُّ ما يقومُ اللَّيل إلا … مَنْ له عَزْمٌ وجِدُّ فبكى مكلبة بكاء شديدًا، وصاحَ بالمؤذِّن: زِدْ، فقال [المؤذن] (٣): قد مضى الليل وولى … وحبيبي قد تجلَّى فصاح مكلبة، ومات. فاجتمع جميعُ مَنْ ببغداد على باب داره، وكان يومًا عظيمًا لم ير ببغداد مِثْلُه، وأُخرجت جنازته، فالسَّعيد مَنْ وَصَلَ إلى كفنه، وقُطِّعَ الكَفَنُ قِطَعًا، ودُفِنَ بالوردية. أبو منصور بن نُقْطة المزكلش (٤) (٥) [كان يقول كان وكان، ولا يعرف الخط، وهو أخو عبد الغني الزاهد، وعوتب على حاله، وقيل له: أخوك زاهد بغداد، وأنت كذا! قال:

стр. 10462

في الدار بيرين ذي حلوة وذي مرَّه وقد ذكرناه. وكان أبو منصور] منحرفًا عن عليٍّ ﵇، جرى حديثُ قتل عثمان رضوان الله عليه، وأَنَّ عليًّا كان بالمدينة ولم يقدر على الوصول إليه، فقال [ابن نقطة، أبياتًا، منها] (١): ومن قتل في جواره مثل ابن عفان واعتذر … يجب عليه أن يقبل بالشَّام عذر يزيد فأراد الشيعة قتله. [قلت: قبحه الله، وأين وجه المشابهة بين الحالين، وابن زياد إنما قدم بكتاب يزيد على قتل الحسين، وقد جرح عليّ يوم الدار لنصرة عثمان، وفعل ما استطاع بقدر الإمكان] (١). وكان يسحِّر النَّاس في رمضان، فوثبوا عليه ليلة، وكان الإمام الناصر في المنظرة وهو واقفٌ يسحر يقول: أي نياما، قوما قوما، السحور قوما. فعطس الخليفة، فقال [ابن نقطة] (١): أي من عطس في الروزنة يرحمكم الله قوما، فبعث له مئة دينار، وحماه من الشيعة، فمات بعد قليل. السنة الثامنة والتسعون وخمس مئة في المحرَّم ولى الخليفة عبد اللطيف بن نَصْر الكيال الواسطي قضاء واسط، وخَلَعَ على ابنِ علي بن الرَّبيع الواسطي، ودرس بالنظامية. وكانت السِّعايات قد كَثُرَتْ ببغداد، ففسدتِ الأُمور، فنادى الخليفةُ: مَنْ سعى بأحدٍ أُبيح في دمه وماله. فصلحت الأحوال. وفيها بَرَزَ العادل إلى القُصير طالبًا حلب، وكان الأفضل بحمص عند شيركوه، فجاء إلى عمِّه العادل، فالتقاه عند ثنية العقاب، فأكرمه وعوَّضه عن ميَّافارقين سُمَيساط وسَرُوج وقلعة نجم، وقرايا في المرج ومصر، وتسلَّم الملك الظَّاهر فامية من شمس الدِّين بن المقدَّم في صفر، ونزل العادل على حماة، فصالحه الظَّاهر، ورَجعَ العادل إلى حِمْص.

стр. 10463

وجاءت في شعبان زلزلة عظيمة، فشققت قلعة حمص، ورمت القنطرة التي على القلعة، وأخربت حصن الأكراد، وتعدَّت إلى جزيرة قبرس، وامتدَّت إلى نابُلُس، فأخربت ما بقي. وفيها شرع الشيخ أبو عمر شيخ المقادسة ﵀ في بناء المسجد الجامع بالجبل، وكان بقاسيون رجل فامي يقال له: أبو داود محاسن، [-وأدركته في سنة ست مئة-] (١) فوضع أساسه وبلغ قامة، وأنفق عليه ما كان يملكه، وبلغ مُظَفَّر الدِّين بن زين الدِّين، فبعث إلى الشيخ أبي عمر مالًا، فتممه، ووقف عليه وَقْفًا، وبعد ذلك أراد ابنُ زين الدين أن يسوق الماء إليه من بَرْزَة، وبعث ألفَ دينار، فقال المعظم عيسى ﵀: طريق الماء كلها قبور، كيف يجوز أن تنبش عظام المُسْلمين؟ اشتروا بغلًا، واعملوا مدارًا، وبالباقي مكانًا قفوه عليه، ولا تؤذوا أحدًا. ففعلوا. وحج بالنَّاس من العراق وجه السبع. ومن الشَّام خشترين الهكاري. وفيها توفيت بنفشا بنت عبد الله (٢) جارية المستضيء، وكانت كريمةً صالحةً، كثيرةَ الصَّدقات والصِّلات، وعمرت الرُّبُط والمساجد، والجسر ببغداد، وتصدَّقت بأموالٍ كثيرة على العلماء والفقراء والمساكين، و [هي التي] (١) اشترت دار الوزير ابن جَهِير بباب الأَزَج، ووقفتها على الحنابلة، وفوَّضت نظرها إلى الشيخ جمال الدين بن الجوزي، وهي التي أشارت على المستضيء بولاية الإمام الناصر، وكان في عَزْمه أن يولي ولده الأمير أبا منصور، فرأى النَّاصر لها ذلك، فلما ولي الخلافة أنزلها في الدار التي كانت بها والدته، وأحسن إليها، ولما توفيت تولَّت أمرها والدة الخليفة، وجهَّزتها أحسن جهاز، ودفنتها في تربتها المجاورة لمعروف الكرخي، وذلك في ربيع الأَوَّل.

стр. 10464

حماد بن هبة الله بن حماد (١) أبو الثناء، التَّاجر الحَرَّاني. ولد سنة إحدى عشرة [وخمس مئة، وسمع الحديث ببغداد ومصر والإسكندرية] (٢)، ومات بحرَّان في ذي الحِجَّة [أنشدني الموفق الحراني، ويعرف بابن صديق، قال: أنشدني حماد نفسه] (٢): [من البسيط] تنقُّلُ المَرْءِ في الآفاقِ يُكْسِبُهُ … محاسنًا لم يكن فيها ببَلْدَتِهِ أما ترى بيذقَ الشِّطْرنج أكسبه … حُسْنُ التنقُّلِ فيها فوقَ رُتْبته [سمع بمصر أبا محمد بن رفاعة السعدي، وبالإسكندرية الحافظ أبا طاهر السِّلَفي، وببغداد ابن السمرقندي وغيرهم، وأثنى عليه ابن صديق] (٢). عبد الملك بن زيد بن ياسين (٣) [أبو القاسم،] (٢) التَّغلبي؛ خطيب دمشق، الدَّوْلعي، والدَّوْلعية قرية من قرى الموصل. ولد سنة سبع وخمس مئة، [وقدم بغداد، فتفقه على مذهب الشافعي، وسمع الحديث] (٢)، وقدم دمشق، فاستوطنها، وصار خطيبها، ودرَّس بالزَّاوية الغربية من جامع دمشق، وكان متزهِّدًا، حَسَنَ الأثر، حميدَ الطريقة، [ولي منه إجازة] (٢)، وكانت وفاته في ربيع الأول، ودفن بالباب الصَّغير، [وكانت جنازته مشهودة، سمع "جامع" الترمذي من أبي الفتح الكروخي، وكتاب "السنن" للنسائي من أبي الحسن علي بن أحمد اليزدي. وسمع الحافظ ابن عساكر، وأبا سعد بن أبي عصرون، وقرأ عليه الفقه، وغيرهم] (٢).

стр. 10465

[وفيها توفي ابن التركي الواعظ الواسطي (١) واسمه محمد بن إبراهيم بن عثمان، أبو عبد الله. قدم بغداد، ووعظ بها، ووقع له القبول، وكذا بالموصل، وسمع الحديث من يحيى بن بَوْش وطبقته، وناب برباط الزوزني عن أخيه عمر بن إبراهيم الصوفي، ثم خرج إلى واسط، فتوفي بها، ودفن بمقبرة زنبور] (٢). هبة الله بن الحسن بن المظفر (٣) [أبو القاسم الهَمَذَاني، ويقال له ابن السبط، والسبط هو جد المظفر، كان سبطًا لأحمد بن علي بن لال، الفقيه الهَمَذَاني. ولد هبة الله سنة عشر وخمس مئة، وهو] (٢) محدث ابن محدث ابن محدث، وكانت وفاته بباب المراتب ببغداد في المحرم. ودفن بالرّيّان، [سمع أبا القاسم بن الحصين، وقاضي المارستان وابن السمرقندي، وسمعنا عليه بباب المراتب،] (٢) وأنشدنا لغيره: [من البسيط] إذا الفتى ذَمَّ عَيْشًا في شبيبته … فما يقولُ إذا عَصْرُ الشَّباب مضى وقد تعوَّضْتُ عن كلِّ بمشبهه … فما وجدتُ لأيامِ الصّبا عِوَضا السنة التاسعة والتسعون وخمس مئة في ليلة السبت سَلْخ المحرَّم ماجت النجوم في السماء شرقًا وغربًا، وتطايرت كالجراد المنتشر يمينًا وشمالًا، ولم ير هذا إلا عند مبعث النبي ﷺ وفي سنة إحدى وأربعين ومئتين، وكانت هذه السنة أعظم.

стр. 10466

وتمَّت عمارة رباط المرزبانية الَّذي بناه الخليفة على نهر عيسى، ورتَّبَ فيه الشهاب عمر السُّهْروردي، وعنده جماعة من الصُّوفية. وفيها بعث الخليفة الخِلَع وسراويلات الفتوة إلى العادل وأولاده مع عليِّ بنِ عبد الجبار والعقاب، فلبسوا الخِلَع والسَّراويلات في رمضان بدمشق، وأخذ الظَّاهر قلعة نجم من أخيه الأفضل بأمرِ العادل. وابتدئ بعمارة قلعة دمشق. وحجَّ بالنَّاس طاشْتِكِين. وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن محمد (١) أبو إسحاق الموفق بن الصَّقَّال، الحَنْبلي. ولد سنة خمس وعشرين وخمس مئة، وتفقَّه على أبي يعلى بن الفَرَّاء، وسمع الحديث الكثير، وكان شيخًا ظريفًا، صالحًا زاهدًا، وتوفي في ذي الحِجَّة، ودُفِنَ بباب حَرْب، رحمه الله تعالى. زُمُرّد خاتون (٢) والدة الإمام النَّاصر، [أم ولد المستضيء] (٣)، كانت صالحةً، كثيرةَ المعروف والصَّدقات، دائمةَ البر والصِّلات، متفقدة لأرباب البيوت، وحجَّت، فأنفقت ثلاث مئة ألف دينار [على ما بلغني] (٣)، وكان معها نحو ألفي جمل، وتصدَّقت على أهل

стр. 10467

الحرمين، وأصلحت البرك والمصانع، وعمرت التربة عند قبر معروف، والمدرسة إلى جانبها، وأوقفت عليها الأوقاف، وتوفيت في جمادى الأُولى، وحَزِنَ الخليفةُ عليها حُزْنًا لم يحزنه ولد على والدة، وفعل في حقِّها ما لم يفعله أحد، وصلَّى عليها في صحن السَّلام، ومشى بين يدي تابوتها إلى دِجْلة من ناحية التَّاج، ثم حملت في الشَّبارة نهارًا والوزير ناصر بن مهدي مشدود الوسط، وأرباب الدولة في السفن، وصَعِدوا بتابوتها إلى القرية، وأمر الخليفة أن يمشي النَّاس من دِجْلة إلى تُرْبتها المجاورة لمعروف، والمسافة بعيدة، وكان الوزير سمينًا، فكاد يهلك، وقعد في الطَّريق نحوًا من ثلاثين مرة، وعمل لها العزاء شهرًا كاملًا، وأُنشدت المراثي، وختمت الختمات طول الشهر. قال المصنف ﵀: وتكلَّمْتُ في العزاء، وأنشدتُ أبياتًا، وكان قد وقع الثَّلْج يوم وفاتها، وزاد الماء في دِجْلة زيادةً عظيمة، وتكدَّر نهر عيسى والتربة قريبة منه، والأبيات [التي أنشدتها، أوَّلها] (١): [من الكامل] نادي النَّدى عَبِقٌ بطِيبِ ثنائه … متبسِّمُ الأنوار مِنْ أنوائِهِ يا ابن الإمام المستضيء ومن سما … كَرَمًا على كَرَمِ الغمام ومائِهِ [ومنها] (١): شابت ليوم وفاتها لمم الثَّرى … حُزْنًا وجاد لها الندى ببهائِهِ فلنهرِ عيسى بعد أُنْسٍ وَحْشةٌ … وبمائِهِ كدرٌ بُعَيدَ صفائِهِ قامت قيامتُهُ فأضحى زائدًا … ينمي وذلك مُؤذِنٌ ببكائِهِ وفرَّق الخليفةُ بعد الشَّهر أموالًا كثيرة في الزَّوايا والرُّبُط والمدارس، وخَلَعَ على الأعيان، ومن لم يخلع عليه أعطاه مالًا، وأمر بأن يفرَّق جميع ما خلَّفته من ذهب وفِضَّة وحُلي وجواهر وثياب في جواريها ومماليكها، فقُسِمَ بينهم، وحُمِلَ ما كان في خزائنها من الأشربة والمعاجين والعقاقير إلى المارَسْتان العَضُدي، وكان يساوي ألوفًا، وحَزِنَ عليها أهلُ بغداد حُزْنًا عظيمًا لإحسانها إليهم.

стр. 10468

[وفيها توفي عبد الله بن الحسن بن زيد (١) أبو محمد الكندي، أخو شيخنا تاج الدين، وكان عبد الله أصغر من تاج الدين، وكان تاجرًا، سمع ببغداد أبا الفضل ابن ناصر وغيره، واستوطن دمشق إلى أن توفي بها في ذي القعدة، وصلى عليه أخوه تاج الدين بجامع دمشق، ودفن بقاسيون] (٢). علي بن إبراهيم بن نجا (٣) أبو الحسن بن زين الدين، الواعظ، [سِبْط] (٢) أبي الفَرَج بن الحَنْبلي الأنصاري. ولد بدمشق سنة ثمان وخمس مئة، ونشأ بها، واشتغل بالتَّفسير والوعظ، وبعثه نور الدين رسولًا إلى بغداد سنة أربع وستين [وخمس مئة، فسمع بها عبد الخالق بن أحمد بن يوسف، وغيره] (٢) وصاهر سَعْد الخير [الأنصاري] (٢) على ابنته، وسكن مِصْر، وصار صاحب الدَّولة المصرية قبل صلاح الدين وفي أيام صلاح الدين، [وقد ذكرناه] (٢) وكان [صلاح الدين] (٢) يحضر مجلسه وأولاده العزيز وغيره، وكان له الجاه العظيم، والحرمة الزائدة [وكان يجري بينه وبين الطوسي العجائب، لأن الطوسي أشعري، وابن نُجَيَّة حنبلي، جلس يومًا بالقرافة في الجامع فوقع عليه وعلى جماعة ممن عنده السقف، فعمل الطوسي خطبة وذكر ﴿فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]. وجاء يومًا كلب يشق الصفوف، فقال زين الدين: هذا جاء من هناك. وأشار إلى مكان الطوسي، ومن هذا غرائب.

стр. 10469

وكان [بن نجية قد] (١) اقتنى أموالًا عظيمة، وتنعَّم تنعمًا زائدًا بحيث كان في داره عشرون جارية للفِراش تساوي كل جارية ألف دينار، وأما الأطعمة فقد كان يعمل في داره ما لا يعمل في دور الملوك، وتعطيه الخلفاء والملوك أموالًا كثيرة، ومع هذا مات فقيرًا، كفَّنه بعضُ أصحابه وتمزَّقت الأموال، وحالتِ الأحوال، وكانت وفاته بمصر، ودفن بالقَرَافة. [(٢) وحكى لي بعض المصريين أنَّه كان ينشد على المنبر شعر الوزير طلائع بن رُزِّيك، فمن ذلك هذه الأبيات]: [من الوافر] مَشِيبُكَ قد نضا صِبْغَ الشَّبابِ … وحلَّ البازُ في وَكْرِ الغُرابِ تنام ومُقْلة الحَدَثان يقظى … وما نابُ النَّوائبِ عنك نابِ وكيف بقاءُ عُمْري وهو كَنْزٌ … وقد أنفقتُ منه بلا حسابِ علي بن الحسن بن إسماعيل (٣) أبو الحسن [العبدي، من] (١) عبد قيس. ولد سنة أربع وعشرين وخمس مئة بالبصرة، وبرع في علم الأدب [(٤) والترسل، وسمع الحديث بالبصرة وبغداد، ثم عاد إلى البصرة، فتوفي بها في شعبان. سمع بها جابر بن محمد الأنصاري. وأبا العز طلحة المالكي وغيرهما، وسمع ببغداد ابن ناصر وطبقته، وأنشدنا أبو الحسن المقرئ، قال: أنشدني العبدي لنفسه]: [من السريع] لا تَسْلُكِ الطُّرْقَ إذا أَخْطَرَتْ … لو أنها تُفْضي إلى المملكهْ قد أنزل الله تعالى ﴿ولا … تُلْقوا بأيديكمْ إلى التهلكهْ﴾

стр. 10470

عليُّ بنُ يحيى بن أحمد (١) أبو القاسم الصُّوفي، يعرف بسِبْط حامد، ومن شعره: [من الخفيف] أيُّ شيء يكونُ أعجب مِنْ ذا … إنْ تفكَّرْتَ في صُروفِ الزَّمانِ حادثاتُ السُّرورِ تُوزَنُ وَزْنًا … والبلايا تُكالُ بالقُفْزانِ القاسم بن يحيى (٢) ابن عبد الله بن القاسم، أبو الفضائل، ضياء الدِّين بن الشَّهرزوري، هو ابنُ أخي القاضي كمال الدين. ولد سنة أربع وثلاثين وخمس مئة، وآخر قدومه بغداد رسولًا عن صلاح الدين سنة ثمان وثمانين، ولما أخذ العادِلُ دمشق أخرجه منها بسببِ الأفضل، فاستدعي إلى بغداد سنة خمسٍ وتسعين، فولاه الخليفة قضاءَ القُضاة، وَرَدَّ إليه أمورَ المدارس والأوقاف الشَّافعية والحنفية وغيرها. وكانت مطالعات الخليفة تَصْدُرُ إليه دائمًا، وحَظِي عنده، وحَصَلَتْ له منه منزلة لم تحصُل لغيره من الغرباء، وكانت زوجتُه سِتُّ الملوك تدخل على أُمِّ الخليفة النَّاصر، وتحسن إليها، وأقام ببغداد، فلم تَطِبْ له، واشتادتى إلى الشَّام، فطلب الانفصال، فلم يجبه الخليفة، فدخلت زوجته على أُمِّ الخليفة، وسألتها المخاطبة في الإذن له في العَوْد إلى الشَّام، فسألته، فأذن له. قال المصنف ﵀: وسمعتُ بعضَ عوام بغداد يقول: كان سببُ عَزْله أَنَّه مَسَحَ يومًا القلم في شرابة الدَّواة، ولم يمسحه في الخِرْقة الزَّرقاء التي عند الدواة، وبلغ الخليفة فعزله. وليس هذا بشيء، ولم يعزله الخليفة، وإنما هو اشتاق إلى الشَّام،
следующие страницы →