← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 10466–10505 · переход к 10471.

стр. 10466

وتمَّت عمارة رباط المرزبانية الَّذي بناه الخليفة على نهر عيسى، ورتَّبَ فيه الشهاب عمر السُّهْروردي، وعنده جماعة من الصُّوفية. وفيها بعث الخليفة الخِلَع وسراويلات الفتوة إلى العادل وأولاده مع عليِّ بنِ عبد الجبار والعقاب، فلبسوا الخِلَع والسَّراويلات في رمضان بدمشق، وأخذ الظَّاهر قلعة نجم من أخيه الأفضل بأمرِ العادل. وابتدئ بعمارة قلعة دمشق. وحجَّ بالنَّاس طاشْتِكِين. وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن محمد (١) أبو إسحاق الموفق بن الصَّقَّال، الحَنْبلي. ولد سنة خمس وعشرين وخمس مئة، وتفقَّه على أبي يعلى بن الفَرَّاء، وسمع الحديث الكثير، وكان شيخًا ظريفًا، صالحًا زاهدًا، وتوفي في ذي الحِجَّة، ودُفِنَ بباب حَرْب، رحمه الله تعالى. زُمُرّد خاتون (٢) والدة الإمام النَّاصر، [أم ولد المستضيء] (٣)، كانت صالحةً، كثيرةَ المعروف والصَّدقات، دائمةَ البر والصِّلات، متفقدة لأرباب البيوت، وحجَّت، فأنفقت ثلاث مئة ألف دينار [على ما بلغني] (٣)، وكان معها نحو ألفي جمل، وتصدَّقت على أهل

стр. 10467

الحرمين، وأصلحت البرك والمصانع، وعمرت التربة عند قبر معروف، والمدرسة إلى جانبها، وأوقفت عليها الأوقاف، وتوفيت في جمادى الأُولى، وحَزِنَ الخليفةُ عليها حُزْنًا لم يحزنه ولد على والدة، وفعل في حقِّها ما لم يفعله أحد، وصلَّى عليها في صحن السَّلام، ومشى بين يدي تابوتها إلى دِجْلة من ناحية التَّاج، ثم حملت في الشَّبارة نهارًا والوزير ناصر بن مهدي مشدود الوسط، وأرباب الدولة في السفن، وصَعِدوا بتابوتها إلى القرية، وأمر الخليفة أن يمشي النَّاس من دِجْلة إلى تُرْبتها المجاورة لمعروف، والمسافة بعيدة، وكان الوزير سمينًا، فكاد يهلك، وقعد في الطَّريق نحوًا من ثلاثين مرة، وعمل لها العزاء شهرًا كاملًا، وأُنشدت المراثي، وختمت الختمات طول الشهر. قال المصنف ﵀: وتكلَّمْتُ في العزاء، وأنشدتُ أبياتًا، وكان قد وقع الثَّلْج يوم وفاتها، وزاد الماء في دِجْلة زيادةً عظيمة، وتكدَّر نهر عيسى والتربة قريبة منه، والأبيات [التي أنشدتها، أوَّلها] (١): [من الكامل] نادي النَّدى عَبِقٌ بطِيبِ ثنائه … متبسِّمُ الأنوار مِنْ أنوائِهِ يا ابن الإمام المستضيء ومن سما … كَرَمًا على كَرَمِ الغمام ومائِهِ [ومنها] (١): شابت ليوم وفاتها لمم الثَّرى … حُزْنًا وجاد لها الندى ببهائِهِ فلنهرِ عيسى بعد أُنْسٍ وَحْشةٌ … وبمائِهِ كدرٌ بُعَيدَ صفائِهِ قامت قيامتُهُ فأضحى زائدًا … ينمي وذلك مُؤذِنٌ ببكائِهِ وفرَّق الخليفةُ بعد الشَّهر أموالًا كثيرة في الزَّوايا والرُّبُط والمدارس، وخَلَعَ على الأعيان، ومن لم يخلع عليه أعطاه مالًا، وأمر بأن يفرَّق جميع ما خلَّفته من ذهب وفِضَّة وحُلي وجواهر وثياب في جواريها ومماليكها، فقُسِمَ بينهم، وحُمِلَ ما كان في خزائنها من الأشربة والمعاجين والعقاقير إلى المارَسْتان العَضُدي، وكان يساوي ألوفًا، وحَزِنَ عليها أهلُ بغداد حُزْنًا عظيمًا لإحسانها إليهم.

стр. 10468

[وفيها توفي عبد الله بن الحسن بن زيد (١) أبو محمد الكندي، أخو شيخنا تاج الدين، وكان عبد الله أصغر من تاج الدين، وكان تاجرًا، سمع ببغداد أبا الفضل ابن ناصر وغيره، واستوطن دمشق إلى أن توفي بها في ذي القعدة، وصلى عليه أخوه تاج الدين بجامع دمشق، ودفن بقاسيون] (٢). علي بن إبراهيم بن نجا (٣) أبو الحسن بن زين الدين، الواعظ، [سِبْط] (٢) أبي الفَرَج بن الحَنْبلي الأنصاري. ولد بدمشق سنة ثمان وخمس مئة، ونشأ بها، واشتغل بالتَّفسير والوعظ، وبعثه نور الدين رسولًا إلى بغداد سنة أربع وستين [وخمس مئة، فسمع بها عبد الخالق بن أحمد بن يوسف، وغيره] (٢) وصاهر سَعْد الخير [الأنصاري] (٢) على ابنته، وسكن مِصْر، وصار صاحب الدَّولة المصرية قبل صلاح الدين وفي أيام صلاح الدين، [وقد ذكرناه] (٢) وكان [صلاح الدين] (٢) يحضر مجلسه وأولاده العزيز وغيره، وكان له الجاه العظيم، والحرمة الزائدة [وكان يجري بينه وبين الطوسي العجائب، لأن الطوسي أشعري، وابن نُجَيَّة حنبلي، جلس يومًا بالقرافة في الجامع فوقع عليه وعلى جماعة ممن عنده السقف، فعمل الطوسي خطبة وذكر ﴿فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦]. وجاء يومًا كلب يشق الصفوف، فقال زين الدين: هذا جاء من هناك. وأشار إلى مكان الطوسي، ومن هذا غرائب.

стр. 10469

وكان [بن نجية قد] (١) اقتنى أموالًا عظيمة، وتنعَّم تنعمًا زائدًا بحيث كان في داره عشرون جارية للفِراش تساوي كل جارية ألف دينار، وأما الأطعمة فقد كان يعمل في داره ما لا يعمل في دور الملوك، وتعطيه الخلفاء والملوك أموالًا كثيرة، ومع هذا مات فقيرًا، كفَّنه بعضُ أصحابه وتمزَّقت الأموال، وحالتِ الأحوال، وكانت وفاته بمصر، ودفن بالقَرَافة. [(٢) وحكى لي بعض المصريين أنَّه كان ينشد على المنبر شعر الوزير طلائع بن رُزِّيك، فمن ذلك هذه الأبيات]: [من الوافر] مَشِيبُكَ قد نضا صِبْغَ الشَّبابِ … وحلَّ البازُ في وَكْرِ الغُرابِ تنام ومُقْلة الحَدَثان يقظى … وما نابُ النَّوائبِ عنك نابِ وكيف بقاءُ عُمْري وهو كَنْزٌ … وقد أنفقتُ منه بلا حسابِ علي بن الحسن بن إسماعيل (٣) أبو الحسن [العبدي، من] (١) عبد قيس. ولد سنة أربع وعشرين وخمس مئة بالبصرة، وبرع في علم الأدب [(٤) والترسل، وسمع الحديث بالبصرة وبغداد، ثم عاد إلى البصرة، فتوفي بها في شعبان. سمع بها جابر بن محمد الأنصاري. وأبا العز طلحة المالكي وغيرهما، وسمع ببغداد ابن ناصر وطبقته، وأنشدنا أبو الحسن المقرئ، قال: أنشدني العبدي لنفسه]: [من السريع] لا تَسْلُكِ الطُّرْقَ إذا أَخْطَرَتْ … لو أنها تُفْضي إلى المملكهْ قد أنزل الله تعالى ﴿ولا … تُلْقوا بأيديكمْ إلى التهلكهْ﴾

стр. 10470

عليُّ بنُ يحيى بن أحمد (١) أبو القاسم الصُّوفي، يعرف بسِبْط حامد، ومن شعره: [من الخفيف] أيُّ شيء يكونُ أعجب مِنْ ذا … إنْ تفكَّرْتَ في صُروفِ الزَّمانِ حادثاتُ السُّرورِ تُوزَنُ وَزْنًا … والبلايا تُكالُ بالقُفْزانِ القاسم بن يحيى (٢) ابن عبد الله بن القاسم، أبو الفضائل، ضياء الدِّين بن الشَّهرزوري، هو ابنُ أخي القاضي كمال الدين. ولد سنة أربع وثلاثين وخمس مئة، وآخر قدومه بغداد رسولًا عن صلاح الدين سنة ثمان وثمانين، ولما أخذ العادِلُ دمشق أخرجه منها بسببِ الأفضل، فاستدعي إلى بغداد سنة خمسٍ وتسعين، فولاه الخليفة قضاءَ القُضاة، وَرَدَّ إليه أمورَ المدارس والأوقاف الشَّافعية والحنفية وغيرها. وكانت مطالعات الخليفة تَصْدُرُ إليه دائمًا، وحَظِي عنده، وحَصَلَتْ له منه منزلة لم تحصُل لغيره من الغرباء، وكانت زوجتُه سِتُّ الملوك تدخل على أُمِّ الخليفة النَّاصر، وتحسن إليها، وأقام ببغداد، فلم تَطِبْ له، واشتادتى إلى الشَّام، فطلب الانفصال، فلم يجبه الخليفة، فدخلت زوجته على أُمِّ الخليفة، وسألتها المخاطبة في الإذن له في العَوْد إلى الشَّام، فسألته، فأذن له. قال المصنف ﵀: وسمعتُ بعضَ عوام بغداد يقول: كان سببُ عَزْله أَنَّه مَسَحَ يومًا القلم في شرابة الدَّواة، ولم يمسحه في الخِرْقة الزَّرقاء التي عند الدواة، وبلغ الخليفة فعزله. وليس هذا بشيء، ولم يعزله الخليفة، وإنما هو اشتاق إلى الشَّام،

стр. 10471

ولم يعتد قواعدَ العراق، وخاف على نَفْسه أن يبدوَ منه ما لا يليق، فطلب الخروج إلى الشَّام، وكان قد حَسَدَه أربابُ الدَّولة على قُرْبه ومنزلته من الخليفة، فخاف من التحريف عليه، ولما سافر عن العراق جاء إلى حماة، فأقام بها، وولي القضاء، فعِيبَ عليه ذلك بعد قضاء بغداد، فقال: ما عُزِلْتُ عن قضاء بغداد، وحماةُ والشَّامُ والشَّرق والغرب في ولايتي، فإذ انظرتُ في بعض ولاياتي، فليس ذلك بعيب. وكانت وفاته بحماة منتصف رجب، ودُفِنَ بها، ولما احْتُضِرَ جلس يسبِّحُ ويذكر الله تعالى، وتتفرقع أصابعُهُ حتَّى قضى، وكان فاضلًا، جَوَادًا، سخيًّا، لم يكن في أبناء جنسه أكرمَ منه، ومن شعره: [من البسيط] في كلِّ يومٍ تُرى للبَيْنِ آثارُ … وما له في التئام الشَّمْل آثار يَسْطُو علينا بتفريقٍ فواعجبا … هل كان للبَينِ فيما بيننا ثارُ يهزُّني أبدًا من بَعْدِ بُعْدِهُمُ … إلى لقائهمُ وَجْدٌ وتَذْكارُ ما ضَرَّهُمْ في الهوى لو واصَلُوا دَنِفًا … وما عليهمْ مِنَ الأوزار لو زاروا يا نازلين حمى قلبي وإن بَعُدوا … ومُنْصِفينَ وإن صَدُّوا وإنْ جاروا ما في فؤادي سواكُمْ فاعْطِفُوا وَصِلُوا … وما لكُمْ فيه إلا حُبُّكُمْ جارُ (١) وكانت مدة ولايته القضاء ببغداد سنتين، وصُرِفَ في ذي الحجة سنة سبعٍ وتسعين. محمد بن أحمد بن سعيد (٢) أبو البركات، التَّكريتي، ويعرف بالمُؤَيَّد. كان أديبًا فاضلًا، وكان الوجيه النَّحْوي قديمًا على مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه، فآذاه الحنابلة، فتحنَّف، فآذاه الحنفية، فانتقل إلى مذهب الشَّافعي رحمة الله عليه، فجعلوه يدرِّسُ النحو في النِّظامية، فعمل المُؤَيَّد: [من الطويل]

стр. 10472

ألا مُبْلِغٌ عنِّي الوَجِيهَ رِسالةً … وإنْ كان لا تُجْدِي لديه الرَّسائِلُ تمذهَبْتَ للنُّعْمان بعدَ ابنِ حَنْبَلٍ … وذلكَ لما أَعْوَزَتْكَ المآكِلُ وما اخْتَرْتَ رأيَ الشافعي تديُّنًا … ولكنَّما تهوى الَّذي هو حاصِلُ وعَمَّا قليلٍ أنتَ لا شكَّ صائِرٌ … إلى مالكٍ فافْطَنْ لما أنا قائِلُ يحيى بن طاهر بن محمد، أبو زكريا الواعظ (١) ويعرف بابن النجار، البغدادي. ولد يوم عرفة سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة، وتوفي في ذي الحِجَّة، ودفن بالمختارة شرقي بغداد، وأنشد في مجلسه: [من البسيط] عاشِرْ من النَّاسِ مَنْ تبقى مودَّتُهُ … فأكْثَرُ النَّاسِ جَمْعٌ غيرُ مُؤتَلِفِ منهمْ صديقٌ بلا قافٍ ومعرفةٌ … بغير فاءٍ وإخوانٌ بلا ألفِ سنة ست مئة فيها قَدِمَ بغداد أبو الفتوح ابن أبي نَصْر الغَزْنوي رسولًا من صاحب غَزْنة، وجلس بباب بَدْر، وقال: يا أهل بغداد، هنيئًا لكم، أنتم تَحْظَوْنَ بأميرِ المؤمنين ونحن محرومون، وتشاهدون سُدَّة سيادته ونحن محجوبون، وأنشد: [من المتقارب] ألا قُلْ لسُكَّانِ وادي العقيقِ … هنيئًا لكمْ في الجنانِ الخلودُ أفيضُوا علينا من الماء فَيْضًا … فنحنُ عِطاشٌ وأنتم وُرُوْدُ قال المصنِّف ﵀: وفي أوَّل هذه السنة سافرتُ من بغداد إلى الشَّام، وهي أوَّل رحلتي، فاجتزتُ بدقوقا [وبها خطيبها، ويقال له الحجة، وكان يعظ بها، وروى لنا الحديث، وسمع بالعراق ابن البطي وغيره، (٢)] وجلستُ بها، ثم قدمت إربل، واجتمعت [بشيخ كيِّس ظريف يقال له (٢)] محيي الدين الشاتاني، وأنشدني مُقَطَّعات لغيرِه، منها: [من البسيط] رَحِمْتُ أسودَ هذا الخال حين بدا … في حُمْرَةِ الخدِّ مرميًا بأبصار

стр. 10473

كأنَّه بعضُ عُبَّادِ المجوسِ وقد … ألقى بمهجته في لُجَّةِ النار ومنها: [من الكامل] نَسَجَتْ خيالًا والصُّدودُ بغارها … وبَدَتْ هلالًا والنِّقاب سِرَارُها بدرية في الجَفْنِ مني ماؤها … يوم الرَّحِيلِ وفي فؤادي نارُها أَلِفَتْ لتعذيب المُحِبِّ وحَينِهِ … شيَمَ البُدُور فما يقرُّ قرارُها طَوْرًا بحُزْوى والعقيقِ وتارةً … بمُحَجَّرٍ وادي السفيق ديارُها وإذا رجعتَ إلى الصَّحيحِ فَنَجْدُها … قلبي وبين جوارحي أغوارُها يا آل خِنْدِفَ عندكُمْ أرواحُنا … مأسورةً فمتى يُفَكُّ إسارُها ما شيمةُ العُرْبِ الكرامِ وأنتُمُ … منها النَّواصي أن يُذَمَّ جِوارُها وجلست بإربل، ثم قدمت المَوْصِل وجلستُ بها، وحَصَلَ لي القَبول التام [بحيث إن الناس كانوا ينامون ليلة المجلس في الجامع من كثرة الزِّحام، وأدركت بها جماعةً من مشايخ الإسلام، وحملةً من حديث المصطفى ﵇، فسمعتُ الأحاديث النقورية على أبي طاهر أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد الطوسي الخطيب، وغيره] (١). ثم قدمت حَرَّان، فجلست بها، [وسمعت الخطيب فخر الدين ابن تيمية، وابن الطباخ، وعبد القادر الرُّهاوي] (١)، ثم قدمت حلب، وجلست بها [، وسمعت "شمائل النبي ﷺ " من افتخار الدين، و"أسباب النزول" من عبد الرحمن بن الأستاذ وغيرهما، ثم سمعت "شمائل النبي ﷺ " من افتخار الدين في سنة ثلاث مرة ثانية،] (١) ثم قدمت دمشق، فنزلت بقاسيون عند المقادسة، وجلست به وبجامع دمشق، فكانت مجالسي -ولله الحمد والمنة- مثل غدوات الجنّة، ثم زرت [البيت المقدّس المخصوص بالإعظام، وقبر] (٢) الخليل ﵇، وجلستُ بالقدس، وذكرت فَضْله [الذي هو على التقوى مؤسس،] (١) وعُدْتُ إلى قاسيون، فأقمتُ به إلى سنة ثلاث وست مئة، ورجعتُ إلى حلب، وأدركت بالشام [شيخنا] (١) تاج الدين الكِنْدي وجمال الدِّين بن الحرستاني، وشمس الدين بن الشِّيرازي، وشرف الدِّين بن المَوْصلي، وبني عساكر،

стр. 10474

وقرأتُ على الشيخ موفق الدِّين الحنبلي، وداود بن ملاعب، وابن صَصْرى، وخَلْق كثير. وصحبتُ الشيخ أبا عمر شيخ المقادسة، وشاهدتُ منه من الزهد في الدُّنيا والورع والفَضْل والتواضع، ومن أخيه الشيخ موفق الدين، ونسيبه الشيخ العماد ما نرويه عن الصَّحابة والأولياء الأفراد، فأنساني حالُهم أهلي وأوطاني مع بقاء أعياني، ثم عُدْتُ إليهم بعد ذلك على نية الإقامة، عسى أن أكون رفيقهم في دار المقامة، وأنشدتُ بلسانِ الباطن والظَّاهر: فألقتْ عصاها واستقرَّت بها النَّوى وفيها كانت كَسْرة المواصلة؛ سار نورُ الدِّين صاحب المَوْصل إلى تل أعفر، ففتحها بالسَّيف، وكانت لقُطْبِ الدِّين بن عماد الدين صاحب سِنْجار، فاستنجد قُطْبُ الدين بالملك الأشرف بنِ العادل، فجاء ومعه سنجر شاه صاحب الجزيرة، والصَّالح صاحب آمد، والأوحد [أخو الأشرف] (١) صاحب مَيَّافارِقِين في عساكر دياربكر، واجتمعوا في خَلْق عظيم، وكان صاحبُ المَوْصل نازلًا على كَفْر زَمَّار في عسكر المَوْصل لا غير، [وكان الحر شديدًا، والأشرف على بوشرى في ألوف] (٢)، فساق عليهم نور الدين في ألفِ فارس، فواقعهم، وقد عطش نور الدين وأصحابه، فكسرهم نور الدين في أوَّل مرة، ثم كانت الكسرة عليه لسوء تدبيره، لأنهم كانوا أضعافه مستريحين، وهو متعوبٌ عطشان، فانهزم، وأسروا جماعةً من أمرائه منهم المبارز سُنْقُر الحلبي وولده الظَّهير غازي، وذلك في يوم السبت تاسع عشر شوَّال، ودخل نور الدين المَوْصل، وتحصَّن بها، واستعدَّ للحصار، وجاء الأشرف فنزل على كَفْر زَمَّار، وتراسلا واصطلحا في آخر ذي الحِجَّة، وأطلق الأمراء الذين أسرهم إلا المبارز سُنْقُر وولده الظَّهير [غازي] (١)، فإنهما أقاما في حَبْس حرَّان مُدَّة حتَّى شفع فيهما مظفر الدين بن زين الدين، فأطلقهما. وتزوَّج الأشرف أُخت نور الدين [صاحب الموصل] (١) بنت عز الدين مسعود، وهي التي بنت بقاسيون التُّرْبة، ودفنت بها.

стр. 10475

وفيها وَثَبَ ناصر الدِّين بن أُرْتُق صاحب مارِدِين على عَمِّه زوج أُمِّه نظام الدين وغلامه لؤلؤ، فألحقهما بالهالكين، واستولى على القلعة، وكانا قد حكما عليه [وقترا الرزق لديه] (١)، وكان ناصر الدين وأخوه حسام الدين نازلين عرزم، لا يمكنهما النظام ولؤلؤ من سُكْنى القلعة، فيقال: إنَّ لؤلؤًا دَسَّ إلى حسام الدين مَنْ سقاه السُّمَّ، فرمى كبده قِطَعًا، وبقي ناصر الدين، فخاف أن يجري عليه ما جرى على أخيه، [ويصير له تبعًا] (١)، وكان النِّظام ولؤلؤ يأكلان البلاد على اسم ناصر الدين، فاتَّفق ناصرُ الدِّين وجماعة من الأمراء على قَتْلهما، وكان ناصر الدين يصعد إلى القلعة للسَّلام على النِّظام، فصعِدَ على العادة، وضبط له الأمراء الباب، فدخل على النظام [وقد تهيأت له الأسباب] (١) وعنده أُمُّ ناصر الدين، فضربه بالتافروت (٢)، فقامت أمه في وَجْهه، [وقالت: تأنّ فما يفوت.] (١) فقال: اذهبي وإلا ألحقتك به. ثم قتله وخرج، واتَّفق دخول لؤلؤ، فالتقاه في الدِّهْليز، وكان أعور من اليمين، ذهبت عينه في حصار مارِدِين، فضربه بالتافروت (٢) في عينه الصحيحة [على أفعاله القبيحة] (١)، وقطع رأسه، وصَعِدَ إلى السَّطْح، فرمى به إلى العوام، فانهزم أصحاب لؤلؤ والنِّظام، وملك القلعة وما فيها، واستولى على ذخائر عظيمة [يحيّر وصفها] (١)، وبعث بأطراف لؤلؤ إلى الموصل وميَّافارقين وجبل جور، واستقامت أموره. وحج بالنَّاس طاشْتِكِين. وفيها توفي الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد (٣) ابن علي بن سرور، أبو محمد، المَقْدِسي.

стр. 10476

ولد بجمَّاعيل؛ قرية من أعمال نابُلُس في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمس مئة، وكان أكبر من الشيخ موفق الدِّين بأربعة أشهر، [لأن مولد الموفق في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمس مئة] (١)، والموفق ابنُ عَمَّة الحافظ. قرأ القرآن، وسمع الحديث الكثير، وسافر إلى الأمصار، وكتب الكثير، وقَدِمَ بغداد هو والشيخ موفق الدِّين سنة ستين، وقيل: سنة إحدى وستين [وخمس مئة] (١)، السنة التي توفي فيها الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه، فنزلا بمدرسته، وما كان يمكِّنُ أحدًا من النزول فيها، ولكن لما رآهما تَفَرَّس فيهما الخير والصَّلاح، فأكرمهما، وسمعا منه، ثم توفي الشيخ عبد القادر بعد قدومهما بغداد بخمسين ليلة. وكان ميل الحافظ إلى الحديث، وميل الشيخ موفق الدين إلى الفقه، فاشتغلا بالفِقْه على أبي الفتح بن المَنِّي، وتفقها عليه، ثم قدما دمشق بعد أربع سنين. وسافر الحافظ إلى مِصْر والإسكندرية، ثم عاد إلى دمشق، ونزل إلى الجزيرة، فسمع بها، وعاد إلى بغداد، ثم رحل إلى أصبهان، فسمع بها، ثم عاد إلى دمشق. وصنَّف الكتب الحسان، منها: كتاب "نهاية المراد من كلام خير العباد" نحوًا من مئتي جزء، "مشكل الألفاظ" مجلَّدان، "المصباح في عيون الأخبار الصِّحاح" ثمانية وأربعين جزءًا، [وكتاب اليواقيت] (١)، مجلدة، وكتاب "تحفة الطالبين في الجهاد والمجاهدين" أحد عشر جزءًا] (١)، "الآثار المرضية في فضائل خير البرية" أربعة أجزاء، "الرَّوْضة" جزآن، [وكتاب "الصلات من الأحياء إلى الأموات" جزآن، وكتاب "الإسراء" جزآن، وكتاب "التهجد" جزآن،] (١) "الصِّفات" جزآن، "محنة الإمام أحمد رحمة الله عليه" ثلاثة أجزاء، "ذم الرِّياء" جزء، [وكتاب "الذكر" جزآن، وكتاب "الفرج" جزآن] (١)، "ذم الغيبة" جزء، "الترغيب في الدعاء" جزء، "الأمر بالمعروف" جزء، "فضائل رمضان" جزء، "فضائل عشر ذي الحِجَّة" جزء، و"الصَّدقة"، و"الحج"، و"رجب"، و"وفاة النبي ﷺ "، و"الأربعين من كلام رسول رب العالمين"، و"مناقب عمر بن عبد العزيز ﵁" جزء، وله عدة أربعينيات، و"الجامع الصَّغير لأحكام البشير

стр. 10477

النذير" لم يتمه، و"الأحكام الكبير" و"الأحكام الصغير"، و"درر الأثر" تسعة أجزاء، و"تبيين الإصابة لأوهام حَصَلَت في معرفة الصحابة على أبي نُعَيم" جزء كبير، [وكتاب "السيرة"] (١)، و"الإكمال في معرفة الرجال" رجال الصحيحين وأبي داود، والتِّرْمِذِي والنَّسائي وابن ماجة، عشر مجلَّدات. ذِكْرُ محنه: وهي كثيرةٌ؛ منها أنَّه لما دخل أصبهان وَقَفَ على كتاب أبي نُعَيم الحافظ في "معرفة الصحابة"، فأخذ عليه في مئة وتسعين موضعًا، فطلبه بنو الخُجَنْدي ليقتلوه، فاختفى، وخرج من أصفهان في إزار. ومنها أنَّه لما عاد من أصفهان دخل المَوْصل، فقرأ كتاب "الجرح والتعديل" (٢) للعُقَيلي، وذكر فيه أبا حنيفة وجَرَحَه، فثار عليه أصحابُ أبي حنيفة وحبسوه، ولولا البرهان ابن البِرْتي الواعظ خلَّصه لقتلوه، فإنَّه قَطَعَ الكُرَّاسة التي فيها ذكر أبي حنيفة، ففتَّشوا على اسم أبي حنيفة، فما وجدوه، فأطلقوه، فخرج منها خائفًا يترقَّب. ومنها لما قدم دمشق من المَوْصِل كان يقرأ الحديث بعد صلاة الجُمُعة بحَلْقة الحنابلة، ويجتمع النَّاسُ إليه، وحصل له قَبُول، وكان سريعَ الدَّمْعة، فحسده الدَّماشقة، ودخلوا عليه بطريق النَّاصح ابن الحَنْبلي، فحسَّنوا له أن يعظ بعد الصَّلاة تحت النَّسْر، فشوَّش على الحافظ، فصار الحافظ يقعد بعد العَصْر، فذكر عقيدته على الكرسي، فاتَّفق محيي الدين بن زكي الدِّين، والخطيب الدَّوْلعي وجماعة من الدَّماشقة، وصَعِدُوا إلى القَلْعة وواليها صارم الدين بُزْغُش، فقالوا: هذا قد أَضَلَّ النَّاس، ويقول بالتشبيه. فعقدوا له مجلسًا، وأحضروه، فناظرهم، فأخذوا عليه مواضع؛ منها قوله: كان الله ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان. ومنها: ولا أُنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة النُّزول. ومنها: مسألة الصَّوْت والحرف.

стр. 10478

فقالوا له: إذا لم يكن على ما كان، فقد أثبتَ له المكان، وإذا لم تنزهه تنزيهًا ينفي حقيقةَ النزول فقد أَجَزْتَ عليه الانتقال. وأما الحرف والصَّوت، فإنه لم يصحَّ عن إمامك الذي تنتمي إليه فيه شيء، وإنما المنقول عنه أَنَّه كلام الله لا غير. وارتفعت الأصوات، فقال له صارم الدين: كل هؤلاء على ضلالةٍ وأنتَ على الحق؟! فقال: نَعَمْ. فأمر الأسارى، فنزلوا إلى جامع دمشق، فكسروا منبر الحافظ، وما كان في حَلْقة الحنابلة من الدرابزينات، ومنعوهم من الصَّلاة، ففاتتهم صلاةُ الظُّهْر، فجمع النَّاصح ابن الحنبلي النَّبوية، وقال: لئن لم نرجع إلى مكاننا، وإلا فَعَلْنا وصنعنا. فأذِنَ لهم القاضي ابنُ الزكي في ذلك، وكان رأس الفِتْنة، وكان الدَّوْلعي موافقًا للحافظ، وإنما خاف على منصبه، فوافقهم، وخرج الحافظ إلى بَعْلَبَكَّ، فأقام بها، وكان العادل في الشرق يحاصر مارِدِين، ثم سافر الحافظ إلى مِصْر، ونزل عند الطحانين، وصار يقرأ الحديث، وكان الملك العزيز في الصَّعيد، فأفتى فقهاء مصر بإباحة دمه، وبعثوا بالفتوى إلى العزيز، فقال: إذا رجعنا أخرجناه. واتَّفق أَنَّه وقع من الفرس، واشتغل بنفسه ومات، وجاء الأفضل إلى مِصْر، فأوصى به الولاة، ولما دخل العادل مِصْر ومعه وزيره ابن شُكْر نُقِلَ إليه ما نقِلَ إلى العزيز، فطلبه، فدخل عليه دِرْباس الكرْدي وعثمان بن الزنْجيلي، وعرَّفاه زُهْدَه وفَضْلَه، وتعصُّبَهم عليه، فلما دخل على العادل قام له وصافحه، وأجلسه إلى جانبه، وأكرمه، وسأله الدعاء، ثم عاد العادل ووزيره إلى الشَّام، وأقام الحافظ في مسجد المصنع يذكر الحديث، فكتب أهلُ مِصْر إلى ابن شكْر يقولون: قد أفسد عقائدَ النَّاس، ويذكر التجسيم على رؤوس الأشهاد. فكتب إلى والي مِصْر بنَفْيه إلى المغرب. قال المصنِّف ﵀: فحدَّثني شيخُنا تاجُ الدِّين الكندي، قال: حكى لي رجلٌ من أهل مِصْر أَنَّ الحافظ توفي، واتفق أَنَّ الوزير ابن شُكْر طلبني في تلك السَّاعة، فحضرت عنده، فقال للكاتب: اكتب إلى مِصْر بنفي عبد الغني إلى المغرب، ولم يكن عَلِمَ بموته، فقلتُ: ما تحتاجون تنفونه هو قد نفاكم. فقال ابنُ شُكْر: وكيف؟ قلت: السَّاعة أخبرني شخص أَنَّه مات. فوجَمَ ابنُ شُكْر ساعةً كأنَّه نَدِمَ.

стр. 10479

وكانت وفاتُه بمسجد المصنع يوم الاثنين ثالث وعشرين ربيع الأول، ودُفِنَ بالقَرَافة عند الشيخ أبي عمرو بن مرزوق، وكان إذا اجتاز بذلك المكان يقول: روحي ترتاح إلى ها هنا، [فدفن فيه. سمع بأصبهان الحافظ أبا موسى محمد بن عمر المديني وغيره، وببغداد أحمد بن المُقَرِّب الكَرْخي، وعبد الله بن النّقُّور، ويحيى بن ثابت بن بُنْدار، والشيخ عبد القادر وغيرهم، وبدمشق أبا المكارم عبد الواحد بن المُسَلَّم بن هلال وغيره، وبالإسكندرية الحافظ السِّلَفي، وبمصر عبد الله بن بَري النحوي وغيره، (١). وكان زاهدًا عابدًا ورعًا، يصلِّي كل يوم وليلة ثلاث مئة ركعة -وِرْد الإمام أحمد، رحمة الله عليه- ويقوم الليل، وعامة دَهْره صائم، وما ادَّخر شيئًا قَطُّ، وكان جَوَادًا، سَمْحًا، إذا فُتِحَ عليه بشيءٍ من الدُّنيا حَمَلَه في اللَّيل إلى أبواب الأرامل واليتامى، فألقاه إليهم، ومضى لئلا يعرفوا مَنْ جاء به، وكان ثوبه مرقوعًا، ويؤْثر بثمن الثَّوب، وكان قد ضَعُفَ بَصره من كَثْرة المطالعة والبكاء، وكان أوحدَ زمانه في عِلْم الحديث. وقال تاج الدين الكندي: هو أعلم من الدَّارَقُطْني والحافظ أبي موسى. [وسأله الحافظ السِّلفي، فقال: مَنْ هو محمد بن عبد الرَّحمن الذهبي؟ فقال له: المخلِّص. وحضر عند جدي فتذاكرا، فذكر جدي رجلًا اسمه ويزرة، فقال الحافظ: وريزة. فقال جدي: أنتم أعلم بأهل بلادكم. ذكر أولاده] (١): وكان له ثلاثة أولاد: محمد، وعبد الله، وعبد الرَّحمن، وابنة اسمها فاطمة. فأما محمد، فكنيته أبو الفَتْح، ولقبه عِزُّ الدين، [سمعنا بقراءته "مسند الإمام أحمد بن حنبل" بالحربية على عبد الله بن أبي المجد في سنة ست وتسعين وخمس مئة،] (١) وأما عبد الله، فلقبه الجمال، حضر وفاةَ أبيه. وأما عبد الرَّحمن، فكنيته أبو سليمان، وسنذكرهم [في مواضعهم] (١) إنْ شاء الله تعالى.

стр. 10480

السنة الحادية والست مئة في جُمادى الآخرة عَزَلَ الخليفةُ ولدَه أبا نَصْر محمدًا، عُدَّة الدُّنيا والدِّين عن ولاية العهد، واجتمع أربابُ الدَّولة في دار الوزير ابن مَهْدي، والقضاةُ والعلماءُ والأمراء، وأخرج الوزيرُ رقعةً بخطِّ ولي العهد إلى والده مضمونها: أَنَّه حين ولَّاه العهد لم يكن يعلم ما يجب عليه فيه ولا قدَّر ذلك، وأَنَّه سأل أباه إقالته وعَزْلَه، وأَنَّه لا يَصْلُح لذلك، وشهد عليه أبو منصور بن سعيد بن الرَّزَاز، وأبو نَصْر أحمد بن زهير العَدْلان بذلك، وأَنَّ الخليفة أقاله، وأنشأ محمد بن محمد القُمِّي [-وهذا هو محمد القُمِّي هو الذي ناب في الوزارة، وعُزل في أيام المستنصر بالله، ولقبه المكين-] (١) كتابًا إلى البُلْدان بذلك ومضمونه: أما بعد، فإنَّ أمير المؤمنين كان قَلَّد ولده أبا نَصْر محمدًا ولايةَ العَهْد في المُسْلمين، ورشَّحه بعده لإمرة المؤمنين، وألقى عليه هذا القول الثقيل، ونَهَجَ له من مراشد الدِّين والدُّنْيا أوضحَ سبيل، مؤمِّلًا فيه الاستقلال بأعبائه، والإتيان بما يتبيَّن عن اضطلاعه وغَنَائه، والتخلُّق بأخلاقه التي هي من أخلاق الباري مُقْتَبَسَة، وعلى التَّقوى مُؤَسَّسة، فلما آن أوانُ رُشْده، وبلوغِ المبلغ الذي أَمَلَ فيه سَدَادَ رأيه وقَصْدِه، رأى من نَفْسه القُصور عن التزام شروطِ الخلافة، وما يجبُ عليه من الرَّحمة للأمة والرأفة، فأقرَّ بالعَجْز عن تأدية حَقِّ الأُمَّة في أمره، وأشْهَدَ عليه أَنَّه لا يَصْلُحُ لها فيما مضى ولا فيما بقي من عمره، وخَلَعَ نفسه فيما كان أميرُ المؤمنين فوّض إليه، واعتمد فيه عليه، ولم يَسَعِ الخليفةَ إلا استخارةُ الله تعالى في إقالته، وطلب رضاه في حَلِّ عُقْدة ولايته، فأسقط اسمَه من السِّكَك والمنابر، والأقلام والمحابر. ولما خَلَعَه لم يَرَ أَنْ يعيِّنَ أحدًا ليلقى الله بذمَّةٍ بريئة من الآثام، غيرِ متعلِّقةٍ بوزْرٍ يخصُّ الخاصَّ ويعُمُّ العام، وقد وافق أميرَ المؤمنين عمرَ بنَ الخَطَّاب ﵁ حيث جَعَلَها شورى في السِّتَّة المذكورين من أعيان المهاجرين، ولما قال له عبد الله ابنه: ما يمنعك أن تعيِّن مَنْ تراه أهلًا؟ فقال: لا والله، لا أتحمَّلُها حَيًّا ومَيِّتًا. وذكر كلامًا طويلًا، وكَتَبَ نُسَخًا إلى الأطراف.

стр. 10481

قال المصنِّف ﵀: وحجَّ خالي أبو محمد يوسف في هذا العام، وقرأ الكتاب بمكَّة وبالمدينة، وخاضَ أهل بغداد في السَّبب الموجب لذلك مع اتفاقِ العقلاء على أَنَّه كان أهلًا لَلخلافة من قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ، فقال قوم: سببه تخرُّصُ الحُسَّادِ المخالفين له في المذهب، فضربوا بينه وبين والده حتى ألجؤوه إلى هذه الحال، ومال الخليفةُ إلى ولده علي، ورشَّحه للخلافة، فاخترم في شبابه، فألجأتِ الضرورةُ إلى أن رَجَعَ الحقُّ إلى نصابه. وفي جمادى الآخرة عقيبَ هذه الواقعة وَقَعَ حريقٌ بدار الخلافة لم يَجْرِ في الدُّنْيا مِثْلُه، فُتحت أبوابُ الدَّار في اللَّيل، وركب الوزير ابن مهدي وأربابُ الدَّولة إلى خزانة السِّلاح، فرأوا النَّار قد لعبت فيها، واجتمع جميعُ مَنْ ببغداد من السَّقَّائين والفَرَّاشين بالقِرَب والرَّوايا والصُّنَاع والفَعَلة، وأقاموا يومًا وَليلة يقلبون الماء على النَّار وهي تزداد، فاحترقَ جميعُ ما كان في الخزانة من السِّلاح، والأمتعة، والقِسِيّ، والنُّشَّاب، والرِّماح، والجروخ، والسيوف، والجواشن، والزَّرَديات، وقدور النِّفْط، والخُوَذ المرصَّعة بالجواهر واليواقيت، وعملتِ النَّارُ، وساعدها الهواء، ودَبَّتْ إلى الدُّور والتَّاج والدار البيضاء، فخرج الخليفةُ منها إلى دِجْلة، واحترقت خزانة الرؤوس: [رأس البساسيري، ورأس طغريل، وغيرهما] (١). ويقال: إنَّ قيمةَ ما ذهب ثلاثةُ آلاف ألف دينار وسبع مئة ألف دينار، وكان في ذلك عبرة [لمن اعتبر، وفكرة لمن افتكر] (١). وفيها جاءتِ الفرنج إلى حماة بغتةً، وأخذوا النساء الغسَّالات من باب البلد على العاصي، وخرج إليهم الملك المنصور بن تقيِّ الدين، وثبت، وأبلى بلاءً حسنًا، وكَسَرَ الفرنجُ عسكرَه، ووقَفَ في السَّاقة من الرقيطاء إلى باب حماة، ولولا وقوفُهُ ما أبقوا من المُسْلمين أحدًا. وحج بالنَّاس من العراق وجه السَّبع، ومن الشَّام صارم الدين بُزْغُش العادلي [والي قلعة دمشق] (١)، وزين الدين قراجا صاحب صَرْخَد، [وجاء أبو محمد يوسف، وقرأ عَزْلَ ولي العهد بمكة والمدينة عند قبر النبيِّ ﷺ .

стр. 10482

وفيها توفي أحمد بن سَلْمان (١) أبو العباس الحَرْبي، ويلقب بالسُّكَّر. قرأ القرآن بالرِّوايات، وسمع الحديث الكثير، ومولده في سنة أربعين وخمس مئة، وكان صالحًا، زاهدًا، عابدًا، وأقام سنين في الحربية يختم القرآن كل ليلة في صلاة التراويح، وكان جاري، وكنت أصلي خلفه، وكان قنوعًا، صبورًا على الفقر، وكانت وفاته في صفر، ودفن بباب حرب، سمع أبا الوقت، وابن البطي وغيرهما، وسمعنا عليه الحديث، وكان ثقة، صدوقًا] (٢). وفيها توفي عبد المنعم بن علي بن الصَّيقل (٣) أبو محمد، نجم الدين، الحَرَّاني. قدم بغداد [(٤) أول مرة في سنة ثمان وسبعين وخمس مئة، وتفقه على أبي الفتح بن المني] وسمع [الحديث الكثير من أبي الفتح بن شاتيل، وأبي السعادات بن زريق، وجدي ﵀، وغيرهم،]، ثم عاد إلى حران، ووعظ بها، وحصل له القبول، ثم عاد إلى بغداد فاستوطنها، ووعظ بها، [وحضرتُ مجالسه بمسجد باب المشرعة] (٥)، وسمعته ينشد: [من الطويل] وأشتاقكُمْ يا أهلَ وُدِّي وبَينَنا … كما زَعَمَ البَينُ المُشِتُّ فراسخُ فأما الكَرَى عن ناظري فَمُشَرَّدٌ … وأما هواكُمْ في فؤادي فراسِخُ

стр. 10483

وكان (١) صالحًا دينًا، نَزِهًا عفيفًا، كيِّسًا لطيفًا، متواضعًا، كثير الحياء، وكان يزور جدي، ويسمع معنا الحديث، وكانت وفاته يوم الخميس سادس عشر ربيع الأول، وصلي عليه بالنظامية، ودفن بباب حرب، وخَلَّف ولدين: النجيب عبد اللطيف، والعز عبد العزيز، فأما عبد اللطيف فكان يسمع معنا الحديث على جدي بقطُفْتا، وأما العز فكان صغيرًا، ثم تقلبت بهما الأحوال إلى أن صارا تاجرين لديوان الخليفة، وظهر منهما الثِّقة والأمانة، والعِفَّة والدِّيانة، والنَّهْضة والصِّيانة. محمد بن سَعْد الله بن نصر (٢) أبو نَصْر بن الدَّجاجي، الواعظ الحنبلي. ولد سنة أربع وعشرين وخمس مئة، وتوفي في ربيع الأول، ودُفِنَ بباب حَرْب. قال المصنف ﵀: أنشدني في رباط الأخلاطية: [من الرجز] نَفْسُ الفتى إن أَصْلَحَتْ أحوالها … كان إلى نَيلِ التُّقى أحوى لها وإنْ تَرَاها سَدَّدَتْ أقوالها … كان على حَمْلِ العُلا أقوى لها فلو تَبَدَّتْ حالُ مَنْ لَهَا لها … في قَبْرِهِ عند البِلَى لَهَالهَا الملك بن بَكْتَمُر صاحب خِلاط، كان شابًّا لم يكن في الدُّنيا أحسنَ منه، ولم يبلغ عشرين سنة، قتله الهزار ديناري، قيل: غَرَّقه في بحر خِلاط، ثم قُتِلَ الهزار ديناري بعده، [وسنذكره في موضعه إنْ شاء الله تعالى] (٣). السنة الثَّانية وست مئة وفيها استوزر الخليفةُ نصيرَ الدِّين ناصر بن مَهْدي العَلَوي الحسني، وخَلَعَ عليه خِلْعةَ الوزَارة: القميصَ والدَّرَّاعة والعِمامة والسيف، وخرج من باب الحجرة، فَقُدِّمَ له

стр. 10484

فرسٌ من خيل الخليفة، وبين يديه دواةٌ عليها ألف مِثْقال [ذهب] (١)، ووراءه المهد الأصفر، وألويةُ الحمد، وطبول النُّوبة، والكوسات تَخْفِق، والعهد منشور بين يديه، وجميعُ أرباب الدَّولة مشاةٌ بين يديه، وضربت [الطبول و] (١) البوقات له بالرَّحْبة في أوقات الصَّلوات الثَّلاث: المغرب والعشاء الآخرة والفجر، فقال النَّاس: يا ليتَ شِعْرنا، ماذا أبقى الخليفة لنفسه؟! وفيها هرب أبو جعفر محمد بن حديدة الوزير الأنصاري من دار الوزير ابنِ مهدي، وكان محبوسًا عنده بدرب المطبخ ليعذِّبه، فَحَلَق ابنُ حديدة رأسه ولحيته، وخَرَجَ، فلم يظهر خبرُه إلا من مراغة بعد مُدَّة، وعاد إلى بغداد. وفيها توجَّه ناصرُ الدِّين صاحب مارِدِين إلى خِلاط بمكاتبة أهلها، فجاء الملكُ الأشرف، فنزل على دُنَيسر، وأقطع بلد مارِدِين، فعاد ناصرُ الدِّين إلى بلده بعد أَنْ غَرِمَ مئة ألف دينار، ولم يسلموا إليه خلاط. وفيها أغار ابن لاون على بلاد حلب، وأخذ الجشار من نواحي حارم، فبعث الملكُ الظَّاهرُ فارسَ الدِّين ميمونَ القَصْري، وأيبك فُطَيس وحسام الدين ابن أمير تُرْكمان، فنزلوا على حارم، فقالوا لميمون: كُنْ على حَذَر. فتهاون، فكبَسَهم ابنُ لاون، وقتل جماعةً مَن المسلمين، وثَبَتَ أيبك فطيس وحسام الدين، وقاتلا قتالًا شديدًا، ولولاهما لأُخذ ميمون، وبلغ الظَّاهر، فخرج من حلب، فنزل مرج دابق، وجاء إلى حارم، فهرب ابنُ لاون إلى بلاده، وكان قد بنى قلعةً فوق دَرْبَساك، فأخربها الظَّاهر، وعاد إلى حلب. وحج بالنَّاس من العراق وجه السبع، ومن الشَّام الشجاع علي بن السَّلَّار. [وفيها توفي حمزة بن علي بن حمزة (٢) أبو يعلى الحرَّاني، ويعرف بابنِ القُبَّيطي.

стр. 10485

ولد سنة أربع وعشرين وخمس مئة ببغداد، وقرأ القرآن بالروايات على الشيخ أبي محمد سبط الشيخ أبي منصور الخيَّاط وغيره، وسمع الحديث، وكان حَسَنَ الصوت بالقراءة، صلى إمامًا بالمسجد الذي إلى جانب البدرية، فكان الناس في ليالي رمضان يأتون إليه من أقطار بغداد، يسمعون قراءته، وكانت وفاته في ذي الحِجَّة، وصلي عليه بالنظامية، ودفن بباب حرب، وسمع أبا الكرم المبارك بن الشهرزوري، وإبراهيم بن نبهان الرَّقِّي، وسَعْد الخير، وأبا الفَضْل الأرموي وغيرهم، وروى لنا عنهم، وكان صالحًا عفيفًا، زاهدًا، ثقة] (١). وفيها توفي طاشْتِكين بن عبد الله المقتفوي (٢) أمير الحاج، مجير الدِّين. حج بالنَّاس ستًّا وعشرين حجة، وكان في طريق الحج مثل الملوك، فقصده ابنُ يونس، وقال للخليفة: إنَّه يكاتبُ صلاح الدِّين، وزوَّر عليه كتابًا، فحبسه مُدَّة، ثم تبيَّن له أَنَّه بريء من ذلك، فأطلقه، وأعطاه خوزستان، ثم أعاده إلى إمرة الحج، وكانت الحِلَّة السَّيفية إقطاعه، وكان شجاعًا جَوَادًا، سَمْحًا، قليل الكلام، يمضي عليه الأسبوع ولا يتكلَّم، استغاث إليه رجلٌ يومًا، فلم يكلِّمْه، فقال الرَّجل: الله كلَّم موسى، فقال: وأنتَ موسى؟ فقال له الرجل [: وأنت الله! فقضى حاجته. وكان حليمًا، التقاه رجل، فاستغاث إليه من نوابه، فلم يجبه، فقال له الرجل:] (١) حمار أنت؟ فقال طاشتكين: لا. وفي قِلَّة كلامه يقول ابنُ التَّعاويذي: [من الخفيف] وأميرٍ على البلاد مولَّى … لا يجيبُ الشَّاكي بغيرِ السُّكوتِ كلما زاد رِفْعةً حَطَّنا اللـ … ـه بتَغْفِيله إلى البَهَمُوتِ (٣)

стр. 10486

وقام يومًا إلى الوضوء، فحل حياصته، وتركها موضعه، ودخل ليتوضأ، وكانت الحياصة تساوي خمس مئة دينار، فسرقها الفَرَّاش وهو يشاهده، فلما خرج طَلَبَها فلم يجدْها، فقال أستاذ داره: اجمعوا الفَرَّاشين، وأحضروا المعاصير. فقال له طاشْتِكِين: لا تضرب أحدًا، فالذي أخذها ما يردُّها، والذي رآه ما يغمز عليه. فلما كان بعد مدَّة رأى على الفَرَّاش [الذي أخذ الحياصة] (١)، ثيابًا جميلة وبِزَّة ظاهرة، فاستدعاه سرًّا، وقال له: بحياتي، هذه من ذيك؟ فخجل، فقال: لا بأس عليك، فاعترف، فلم يعارضه. وكان قد جاوز تسعين سنة، فاستأجر أرضًا وَقْفًا ثلاث مئة سنة على جانب دِجْلة ليعمرها دارًا، وكان في بغداد رجلٌ محدِّث في الحِلَق يقال له: فتيحة [المحدِّث،] (١) فقال: يا أصحابنا، نهنئكم، ماتَ ملكُ الموت. قالوا: وكيف؟ قال: طاشْتِكِين عمره مقدار تسعين سنة، وقد استأجر أرضًا ثلاث مئة سنة، فلو لم يعلم أَن ملك الموت قد مات ما فعل هذا. فتضاحك النَّاس. وكانت وفاته بششتر، وأوصى إلى أن يحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي ﵇، فحمل في تابوت، فدفن فيه، رحمه الله تعالى. مسعود سعد الدين صاحب صفد وممدود بدر الدين شِحْنة دمشق (٢) ابنا الحاجب مبارك بن عبد الله، وأمهما أم فَرُّخْشاه بن شاهنشاه بن أيوب، وأختهما لأُمهما ست عذرا؛ صاحبة المدرسة المجاورة لقلعة دمشق، وأمهم من المُنَيْطرة، وكانا أميرين كبيرين، لهما مواقفُ كبيرة مع صلاح الدين، وتقدَّمت وفاة [بدر الدين] (١) ممدود، فإنَّه مات بدمشق يوم الأحد خامس شهر رمضان، وتوفي [سعد الدين] (١) مسعود بصفد يوم الاثنين خامس شوَّال، بينهما شهر، [وحزن الناس عليهما] (١).

стр. 10487

السنة الثالثة وست مئة فيها فارق وجه السَّبع الحاج، وقصد الشَّام، وكان في الحج العراقي جماعةٌ من الأعيان، فبكوا وضجُّوا، وسألوه، فقال: مولاي أمير المؤمنين محسنٌ إليّ، وما أشكو إلا من الوزير ابن مهدي، فإنه يَقْصِدُني لقُرْبي من مولاي، وما عن الرُّوح عِوَض. وسار إلى الشَّام، ودخل الحاج بغداد وعليهم وَحْشة وكآبةٌ، وأمر الخليفة أن لا يخرج الموكب إلى لقائهم، ولا يخرج إليهم أحد، وأدخل الكوس والعَلَم والمهد في الليل، وأقام الخليفة حزينًا أيامًا، وأما وجه السبع فوصل إلى دمشق، فالتقاه العادل وأولاده، وخدموه، وأحسنوا إليه. وفيها ولَّى الخليفةُ عمادَ الدين أبا القاسم عبد الله بن الدَّامَغَاني قضاءَ القضاة ببغداد. وفيها قَبَضَ الخليفةُ على عبدِ السَّلام بن عبد الوهَّاب ابن الشيخ عبد القادر [الذي أحرقت كتبه في الرحبة] (١) فاستأصله، وأصبح يطلب من الناس، [وكان قد بلغه فِسْقُه وفجوره] (١). وفيها قدم البُرْهان محمد بن عمر بن مازة البخاري، ويلقب بصَدْرجهان حاجًّا إلى بغداد، وتلقَّاه جميعُ مَنْ ببغداد ما عدا الخليفة [والوزير] (١)، وانزل في دار زُبيدة على نهر عيسى، وحُمِلَتْ إليه الإقامات والضِّيافات، وكان معه ثلاث مئة من الفقهاء والمتفقهة. وفيها نزلت الفرنج على حِمْص، وكان الظَّاهر قد بعث المبارز يوسف بن خُطْلخ الحلبي إليها نجدةً لأسد الدين، وأُسر في هذه المرة الصَّمْصام بن العلائي؛ خادم صاحب حِمْص. قال المصنِّف ﵀: وفيها فارقتُ دمشق قاصدًا حلب، وجلستُ بقاسيون، وودَّعْتُ النَّاس، فلم يتخلَّفْ بدمشق إلا اليسير، وامتلأ جامعُ الجبل بالنَّاس، [فصاحوا علينا من الشبابيك التي بالإيوان: لا، لا. يعني قوموا، فاخرجوا،] (١) فخرجنا إلى

стр. 10488

المُصَلَّى، وكان [شيخنا] (١) تاج الدين الكِنْدي حاضرًا، [فلما خرج من الباب زحموه، فانكشف رأسه، ووقعت عمامته، فعز عليَّ، وسألته وأقسمت عليه أن يمضي إلى دمشق، فامتنع، وقال: لا والله حتى نتمم المجلس] (١). وتابَ في ذلك اليوم زيادة على خمس مئة شاب، وقطعوا شعورهم، وجرى كلامٌ في المغناطيس [وأنه يعشق الحديد، ثم قلت:] (١) والخُبَّازى يعشق الشمس، ولهذا كلَّما مالت الشمس إلى جهةٍ مال الخُبَّازى إليها. فصاحَ سيفُ الدِّين بنُ تميرك، وكان حاضرًا: يا مولاي شمسَ الدِّين، كلُّنا اليوم خُبَّازى. وحجَّ بالنَّاس مجاهد الدين ياقوت، [وهي أول حجة حجَّها، وحج] (١) صدرجهان، ووصلتُ حلب في ذي الحِجَّة، واجتمعتُ بمسعود بن أبي الفَضْل أبي الفتح النَّقَّاش الحلبي الشاعر تاج الدين، وأنشدني مُقَطَّعات من شعره: [وكتبها لي بخطِّه، ومولده] (١) سنة أربعين وخمس مئة، فمن ذلك: [من السريع] ما لي سوى حُبِّكُمُ مَذْهَبُ … ولا إلى غَيرِكُمُ مَذْهَبُ بددتم شملي فيا هل ترى … يجمعني يومًا بكم مذهب وساحَ دمعي في هواكم دمًا … فصرت فيكم مثلًا يضرب أبكي وأنتم نُصْبَ عيني كما … يغص بالماء الذي يشرب وأعشق التعذيب في حبكم … ومن عذاب النفس ما يَعْذُبُ ناشدتُكَ الله نسيمَ الصَّبا … من أينَ هذا النَّفَسُ الطَّيِّبُ أأودَعَتْ برداكَ وقتَ الضُّحى … مكانَ ألقت عِقْدَها زينبُ أم ناسَمَتْ رَيَّاك روضَ الحِمَى … وذَيلُها من فَوْقِهِ يُسْحَبُ فهاتِ أتحفني بأخبارها فَعَهْدُكَ … اليومَ بها أَقْرَبُ أحباب قلبي ليس من جَوْركم … إلا إلى عدلكمُ المهرب وهبتكم روحي فمن ذا الذي … عاين روحًا قبلها توهب وعدت أسعى في نجاتي بها … ما كل رأي المرء يُسْتَصْوَبُ وأنشدني أيضًا: [من السريع]

стр. 10489

أَصْلُ تِلافي مِنْ تلافيكُمُ … فعلِّمُوني كيفَ أُرْضِيكُمُ قلَّبتم قلبي وما خلته … يَشْقَى وقد أصبحَ يَأْويكُمُ أحبابَنا مَنْ ذا الظَّلومُ الذي … بقَتْلَتي في الحُبِّ يُفْتِيكُمُ وأيُّ خَلْقِ الله يَرْضى لكُمْ … بفَتِّ أكبادِ مُحِبِّيكُمُ كَمْ مُنِعَتْ عيني بكُمْ إنْ رأتْ … واسْتَحْسَنَتْ غيرَ معانيكُمُ ولا اشتفتْ روحي بلُقْياكُمُ … إن حدَّثتني بتَسلِّيكُمُ وَيْلاه ما أَعْذَبَ تَعْذِيبَكُمْ … عندي وما أَحلَى تَجَنِّيكُمُ وما ألذَّ الموتَ في قُرْبِكُمْ … على مَلالٍ وجَفا فِيكُمُ أَمْرَضتُموني بمَضِيضِ القِلى … فالله مِمَّا بي يُعافِيكُمُ ونِمْتُمُ عن سَهَرِي فارْحَمُوا … طولَ نُوَاحي في نواحِيكُمُ طوبى لعينٍ عايَنَتْكُم ويا … طِيبَ مكان باتَ يَحْويكُمُ وهَدْيُ مَنْ قد ضَلَّ في حُبِّكُمْ … أو راح بالرُّوْحِ يُوَاسِيكُم أَطَلْتُمُ ليلي فَواحَسْرتي … على دجى الليل بداجيكُمُ وبحتُمُ عَمْدًا بقَتْلي ولم … أفه مع الضُّرِّ بحبِّيكُمُ ورُبَّ سِرْبٍ من ظِباءِ الحِمَى … مرَّتْ بَوَاديه بوادِيكُم قَبَضْتُ من خُرَّدِهِ دميةً … رواحُها قَبْلَ تغادِيكُمُ فَطَوِّلُوا في العَذْل أو قصروا … ماتيكُمُ أوفق هاتِيكُمُ ومن ذلك: [الرجز] أيُّ يدٍ عندي وأيُّ مِنَّهْ … للرَّكْبِ أَنْ بَشَّرني بهنَّهْ صاحوا الرَّحيلَ فظلِلْتُ والهًا … أَنْشُدُ قلبي بينَ عِيسهنَّهْ كأنني بالحَيِّ قد شدُّوا العُرَى … لبَينِهِمْ وأَرْخوا الأَعِنَّهْ وما سمعتُ قبل أن يَرتحلُوا … بمَطْلَعِ الشُّهْبِ من الأَسِنَّهْ يا حادي الأظعانِ رُبَّ فرحٍ … أحدثَه طِيبُ حديثهنَّهْ فاسْلَمْ وقُلْ للرَّاحلين إن يكن … بَينٌ فرِفْقا بقتيلكنَّهْ فَشُرِّعَتْ تلك السُّجوفُ عن مَهَا … تَحْسَبُها الأقمارَ في الدُّجُنَّهْ

стр. 10490

مبتسماتٍ والربا من … البرق لألآء نورهِنَّه والجوُّ مُعْتَلُّ النَّسيمِ أَرجٌ … بالمِسْك من رَدْعِ نُهودِهِنَّهْ وبينهن مَنْ إذا تحدَّثَتْ … شَمَمْتَ أنفاسَ ثمارِ الجَنَّهْ وما علمت إن هي تطلعت … أنَّ الخُدُورَ للمَها مَظِنَّهْ قالت حزين إن يَبِنْ ألفُهُ … يوم النوى أنَّ فقلتُ إنَّهْ فابتسمَتْ فبان لي مُسْتَرِقًا … من ثَغْرِها دُرُّ عقودِهِنَّهْ ومن ذلك: [من السريع] ما عذُبَتْ مِدْحَة مَغْنَاهُمُ … إلا لتعذيبِ مُعَنَّاهُمُ فاقوا فلا الإحسانُ يَزْري بهم … يومًا ولا الحُسْنُ تعدَّاهُمُ يا حبَّذا رؤياهمُ المشتهاة … وحَبَّذَا نَفْحَةُ رَيَّاهُم وحبَّذا فَرْطُ الجمال الذي … بحَلْيه لبَّى فَلَبَّاهُمُ أصبَحْتُ لا أهوى سِواهُمُ كما … أمْسَيت لا أعشقُ إلا هُمُ أغارُ مِنْ قلبي عليهم إذا … فكَّرَ فيهمْ وتمنَّاهُمُ يا عجبًا لي كيف أَشْتَاقُهُمْ … وفي صَمِيمِ القلب مأواهُمُ وواحيائي من حياتي وقد … علمتُ أني بعضُ قَتْلاهُمُ يا ليتَ شِعْري هكذا كل من … رآهمُ هامَ بمَرْآهُم أم مِنْ غَرَامي وجُنوني بهم … أظنُّ كلَّ الخلق يهواهُمُ أمرُّ مِنْ وَجدِي بأبوابهم … أقول علِّي اليومَ ألقاهُمُ أُضاحِكُ الشُمَّاتَ خوفًا ولو … تحقَّقُوا وَجْدي لأَبْكَاهُمُ واحزنًا كم أتلظى وكم … خوفَ تِلافي أتلفاهُم وكَمْ أذوقُ الصَّبْرَ من يأْسِهِمْ … وحُسْنُ ظني يترجَّاهُمُ كنت أُرى أسعدَ هذا الورَى … بهمْ وقد أصبحتُ أشقاهُمُ أموتُ مِنْ خوف تناسيهُمُ … عَهْدي وأحيا عند ذكراهُمُ أَفْقَرني الحُبُّ إليهم كما … أبعدَهُمْ عني فأغناهُمُ فإن تَنَاسَوْا مَللًا مَوقِفي … فلستُ مِمَّنْ يتناساهُمُ

стр. 10491

ومن ذلك: [من الوافر] سقاكِ الله ريًا دارَ رَيَّا … وحَيَّا عن غَرَامي فيكِ حَيَّا فما أنا مَنْ يُغَيِّرُني جَفَاكُمْ … فأنفضُ من محبتكُمْ يديَّا وفي المتغيَّبات عليَّ شَمْسٌ … تُغِيرُ بِدُرِّ قُرْطَيها الثُّريَّا محجبة حمتني الغمضَ لما … نصبتُ لصدِّها شبك الحُميَّا طمعتُ بأَنْ أعيشَ لها سعيدًا … أقاسِمُها الحياةَ فما تَهَيَّا أيا لله قاسيةٌ طَوَتْنِي … بنَشْرِ سريرتي في الحُبِّ طَيَّا شكوتُ إلى جَفَاها جُرْحَ قلبي … ليرحَمَني فزاد الجُرْحَ كَيَّا وأَوْدَعَ سُقْمَ جفنيها فؤادي … وبالغَ فيَّ حتَّى صرتُ فَيَّا وها أنا بين جفوتِها وحَتْفي … كذا والحَتْفُ أَيسَرُ حالتيَّا أنادي سَلوتي فيجيبُ وَجْدي … لقد أسمعتَ لو ناديتَ حَيَّا هداك الله يا نَشْرَ الخُزامى … وأهدَى طِيبَ ما تُهْدِي إليَّا وزادك مِنْ عوارفِهِ فإِنِّي … شَمَمْتُ لعَرْفِ رَيَّا فيك رَيَّا ومن ذلك، وهي منها: وبين ظُبى وجيرة أم خِشْفٍ … تمرَّض مَوْعِدي مَطْلًا وليَّا يُطاوعُ في عذابي مُقْلَتَيها … وأَعصِي في هَوَاها عاذليَّا وأَعْشَقُها فإنْ رُشْدًا فَرُشْدًا … وإنْ غَيًّا كما زعموا فغَيَّا هوًى لم يَهْوَ أَيسَرَهُ جميلٌ … بُثَينتَهُ ولا غَيلانُ مَيَّا وليلةَ أقبلَتْ كالبَدْرِ نَشْوى … فلَيتَك كُنْتَ تُبْصِرُنا أُخَيَّا أُعانِقُها ومِسْكُ ذؤابَتَيها … يعانقني (١) فألْتَثِمُ المُحَيَّا وأَرْبَعُ في شقائقِ وَجْنَتَيها … فَتُحْدِثُ لي حدائق جَنَّتيَّا ويُذْكِرُني جنى التفاحِ غَضًّا … فأقطفُ منهما تفاحتيَّا ومن ذلك: [من الكامل]

стр. 10492

حَلَفَ الغرامُ عليَّ يومَ فِراقِهِمْ … ألا أبارحَ بَعْدَهُمْ بُرَحائي فبقَدْرِ ما يزدادُ فَرْطُ جمالِهِمْ … يزدادُ طولُ تأسُّفِي وعَنَائي ولقد وقفتُ مُبَلَّلًا بمدامعي … ثم انثنيتُ مخلَّفًا بدمائي أُذكي بِسُحْبِ مدامعي جَمْرَ الحَشَا … وكذا تكونُ مدامعُ الغُرَباءِ وسَرَوْا فأمَّ الجور منهم جنَةً … فارَقْتُ طيبَ نعيمها لشقائي زهراءُ تُصْبِحُ شَمْسَ كل صبيحة … حسنًا وتمسي بَدْرَ كلِّ مساءِ رحلتْ وكنتُ شفيعَ غيري عندها … واليوم لا تصغي إلى شُفَعائي يا وقفةَ التَّوْديعِ كيف غَدَرْتِ بي … فقطعتِ منها بالفِراقِ رجائي ومن ذلك يمدح الملك الأمجد صاحب بعلبك: [من السريع] زارَ وطَرْفُ النَّجْمِ لم يَرْقُدِ … موتزر من حُسْنِهِ مُرْتَدِ أَحْوَرُ يحكي الخالُ في خَدِّه … نُقْطَةَ نَدٍّ فوق وَرْدٍ نَدِي يا حُسْنَهُ مِنْ زائرٍ ما بدا … إلا وأنسى قَمَرَ الأَسْعُدِ ويا ضَلالي فيه من بعدما … كنتُ بمرأى وَجْهِهِ أهتدي أطفأ لثمُ البَرَدِ المُشْتَهى … مِنْ ثَغْره ناري ولم تَبْرُدِ وجاد لي بالكأسِ ممزوجةً … بريقه تِيهًا على عُوَّدِي فيا لَها من ليلةٍ لم يَفُزْ … بمِثْلها الهادي ولا المُهْتَدِي أدنت لي البدر إلى أن غفا … مُوَسَّدًا يُشْرِقُ منه النَّدي أحويه في صَدْري كرَيحَانةٍ … ريانة تأرَجُ في مَرْقَدِي وآخذ الصَّهْباءَ مِنْ ريقه … بما جنت غُلَّة قلبي الصَّدِي إذْ أجتلي في ليلِ أصداغه … مِنْ وَجْهِهِ شمسَ صباحِ الغَدِ وعاذلي عَنَّفَ فيه وَمَنْ … يُنادِمِ البَدْرَ ولم يُحْسَدِ ظنَّ خلاصي في يدي فاعتدى … قال أتهوى قاتلًا لا يدي فقلتُ لا تَرْجُ سُلُوِّي فقد … خَلَعْتُ سُلْواني على عُوَّدي أأهجر العَيشَ بهجري له … وأُخْرِجُ الفوزَ به عن يدي وأنثني عنه إلى غيره … لا وحياةِ الملكِ الأمجدِ

стр. 10493

وقال: اشتريتُ من دمشق فاكهةً بأربعين دِرْهمًا، وقوسين بأربعين دِرْهمًا، وقصدتُ شَيزَر، فنزلت بخانٍ في الرَّبَض، وأُخبر مسعودُ صاحِبُها بي، فاستدعاني فدخلت عليه، وقدَّمتُ له الهدية، وأنشدته أبياتًا غَزَلًا ومديحًا، فلما أنهيتها أخرج من تحت طَرَّاحته خمسة دراهم، وقال: أنفقْ هذه عليك هذه اللَّيلة، فطباخُنا مريض. فنزلتُ إلى الخان، فلما كان صبيحة ذلك اليوم جاءني أستاذ داره، وقال: الأمير يُسَلِّم عليك، ويقول لك: كم ثمن الفاكهة والقوسين؟ فقلتُ: معاذ الله أن أذكر ثمنًا، وإنما أهديتها للأمير. فقال: لا بُدَّ. فقلتُ: اشتريتها من دمشق بثمانين دِرْهمًا، واكتريتُ لها ولي بغلًا بعشرين دِرْهمًا. فمضى وعاد ومعه مئة درهم، وقال: هو يعتذر إليك، وما في الخزانة شيءٌ. فامتنعتُ مِنْ أَخْذها، وخرجتُ من شَيزَر ولم أبت بها، وقلتُ: [من السريع] ما أليقَ النَّحس بمسعودكُمْ … على الورى يا ساكني شَيزَرِ فيا ملوكَ الأَرْضِ هُمُّوا به … فإنَّه والله شيءٌ زَرِي [قلت: عهدي بالنقاش في سنة ثمان وست مئة في الحياة، وقدم دمشق في سنة تسع وست مئة،] (١) وأنشد الجماعة قِطَعًا من قصائده [، وأفادهم من فرائد فوائده، إلا أنه كان باطنه كالزناد الوقاد، وظاهره كالجليد والجُماد، ومن رآه نسبه إلى البلاهة وعدم الذكاء والفقاهة،] (٢) فإذا أنشد تساقط من ألفاظه مِثْلُ الجُمَان، وقد شاهدتُهُ، وليس الخبر كالعِيان، ولم أقف على تاريخ وفاته. وفيها توفي إسماعيل بن علي (٣) الحظيري، ومن شِعْره: [من السريع] لا عالمٌ يبقى ولا جاهِلُ … ولا نَبِيهٌ لا ولا خامِلُ على سبيلٍ مَهْيَعٍ لاحِبٍ … يُودي أخو اليَقْظَةِ والغافِلُ

стр. 10494

عبد الرَّزَّاق بن الشيخ عبد القادر، الجِيلي (١) كان زاهدًا، عابدًا، وَرِعًا، مقتنعًا من الدُّنيا باليسير، صالحًا، ثِقَةً، لم يدخل فيما دخل فيه غيرُهُ من إخوته، ولد سنة ثمانٍ وعشرين وخمس مئة، وكانت وفاته في شَوَّال، ودفن بباب حَرْب. عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الله أبو منصور (٢) النُّعْماني، النِّيلي، القاضي شُرَيح، يسمَّى بذلك لذكائه وفِطْنته. ولي قضاء النِّيل مُدَّة، ثم قَدِمَ بغداد، فَنُدِبَ إلى المراتب الكبار، فلم يدخل في شيءٍ منها، فرمى طاشْتِكِين [أمير الحج] (٣) نفسه عليه، وسأله أن يكتبَ له، فاستحيا منه، وكَتَبَ له، فأقام عنده مُدَّة عشرين سنة، فقصده الوزير ابنُ مهدي حسدًا له لفَضْله. وكان فاضلًا، مترسلًا، بليغًا، جَوَادًا، سَمْحًا، حَسَنَ الصُّورة، فصيحَ اللِّسان، متواضعًا، لطيفًا، يَصْلُحُ للوزارة، فلبَّسَ على الخليفة في أمره، فحبسه في دار طاشْتِكِين بدار الخليفة، ولم يقدر طاشْتِكِين على الكلام فيه، [ومات طاشْتِكِين وهو محبوس] (٣)، وتوفي في ربيع الأول، فأخرج من دار طاشْتِكِين ميتًا، فدفن بداره في القُبيبات، ومن العجائب أَنَّ ابن مهدي نُكِبَ بعد وفاته، وحُبِسَ بدار طاشْتِكِين أيضًا، ومات بها. جاءت القاضي رقعةٌ من ناظرِ واسط، فكتب إليه: وصلتْ المكاتبةُ الكريمةُ، والمخاطبةُ الوسيمةُ، فحلَّت من العبد مَحَلَّ الدِّرْياق من السَّليم، والبُرْء من السَّقيم، مفصحةً عن سلامة قاطبة لا استقلَّتْ، وسعادة وافية لا اضمحلَّت، بمعاني تشرق فصاحَتُها، وبلاغة تروق عبارتها، ولما سرَّحْتُ النَّاظر في رَوْضها الأنيق النَّاضر، تيقَّنْتُ مسالمةَ الدَّهْرِ لمولانا ذي المفاخر والمآثر، وجعلتُ عِوَضها السعي على الناظر إلى خِدْمة مولاي النَّاصر، وذكر رسالةً طويلة، ورسائله مدوَّنة في مجلَّدين.

стр. 10495

[وقد رأيت القاضي شريحًا، وكان ألطف العالم وأذكاهم] (١). أبو القاسم بن المقرئ، حاجب الدِّيوان كان شابًّا حسنًا، يعاشر ابنَ الأمير أصبه شابًّا جميلًا، جلسا يومًا، فداعب ابنُ المقرئ ابنَ أصبه، فرماه بسكِّينٍ صغيرةٍ، فوقعت في فؤاده، فقتلته، فَسَلَّم الخليفةُ ابنَ المقرئ إلى أولاد أصبه، فلما خرجوا به ليقتلوه، أنشد: [من الوافر] قَدِمْتُ على الإله بغير زاد … من الأعمالِ بل قلبٍ سليمِ وسوءُ الظَّنِّ أَنْ تعتدَّ زادًا … إذا كان القدومُ على كريمِ فقتلوه، رحمه الله تعالى. السنة الرَّابعة وست مئة فيها ولي [خالي أبو محمد] (١) محيي الدين يوسف بنُ الجوزي الحِسْبة بجانبي بغداد. ودرَّس الكمال عبد الرَّحيم بن محمد الواسطي بمدرسة أم الخليفة مكان الفارقي. وقَدِمَ الحاجُّ من مكة في صفر، وحكوا ما لقوا من صدرجهان وشِدَّة العطش، وأن غِلْمانه كانوا يسبقون النَّاس إلى المناهل، فيأخذون الماء، فيرشُّون به حول خيمته، ويسقون أحواضَ البَقْل على الجمال، وماتَ عطشًا أكثرُ النَّاس، وسمُّوا هذه السنة سنة صدر جهنم، ولما وصل إلى بغداد لم يخرج أحدٌ للقائه، ولعنوه في وَجْهه، وسبُّوه في الأسواق، وكتبوا لعنته على المساجد والجوامع، وكان النِّساء يخرجن [صارخات] (١)، منشرات الشُّعور، يَلْطِمْنَ على موتاهن، ويقلن: العنوا صَدْرَ جهنم. فسأل الوزيرَ أَنْ يأذن له في الرُّجوع إلى بلده، فخلع عليه جُبَّة وعِمامة وطَيلَسان، وخرج من بغداد والنَّاسُ خلفه يسبُّونه، ولم يقدر أحدٌ على مَنْعهم. قال المصنف: وحججتُ [أنا] (١) في هذه السنة، وهي الرابعة وست مئة، ورأيتُ من الموتى ما أذهلني، وخصوصًا في النقرة والغُسَيلة، فإني رأيتُ فيهما ما يزيد على خمسة آلاف ميت، ومشينا ثلاثة أيام في الأموات.

стр. 10496

وفيها ولي القوام ابن ناصر المخزن، وعُزِلَ عنه محمد بن الوزير بن مهدي، وكان القوام من المدائن. وانتقل العماد بن الحُبَيْر من مذهب الإمام أحمد إلى مذهب الإمام الشَّافعي -رحمة الله عليهما- وأعطى مدرسته للإصبهبذ، ثم لما ولي الإمام الظاهر الخلافة أراد أَنْ يرجعَ إلى مذهب الإمام أحمد، رحمة الله عليه، فلم يمكَّن من ذلك. وفي جُمادى الآخرة بعث الخليفةُ رجلًا من أهل باب الأَزَج يقال له: ابن دكالة، فأغلق بابَ الوزير ابنِ مهدي، وقبضَ عليه وأقام أيامًا، ثم نقله في رجب إلى دار طاشْتِكِين بالصناعة، [في دار الخليفة التي مات بها القاضي شريح] (١)، ونقل أهله وأولاده وأمواله وذخائره، ووجد له من الأموال والذَّخائر ما لم يوجد في خزائن الخُلَفاء، فلم يتعرَّض له الخليفة، وفوَّض الأمر إلى المكين محمد القُمِّي كاتب الإنشاء بين يدي ابن مهدي، وناب القُمِّي بعد ذلك في الوزارة إلى أيام المستنصر، فقبض عليه. واختلفوا في سبب عزله، فقال قومٌ: كان الوزير ابن مهدي ظالمًا جَبَّارًا، قاسيًا، متكبرًا، قليل الرحمة، قَلَّ أنْ حبس أحدًا فتخلَّص منه، [حكى لي خالي أبو محمد يوسف، قال] (٢): شفعتُ يومًا إليه في محبوسٍ، فقال: وكم له في الحَبْس؟ قلتُ: خمس سنين، قال: ليس هذا بمحبوس، المحبوس عندنا في العجم مَنْ يمضي عليه خمسون سنة. [وقال آخرون] (٣): إنَّ المكين القُمِّي سعى به إلى الخليفة، وقال: إنه قد طَمِعَ في الخلافة، ويقول: أنا علوي، ونحن أحقُّ، وأنه ينفذ الأموال إلى العجم في قواصر التَّمْر إلى أهله بخراسان، ليجنِّدوا العساكر، ويقيموا ملكًا، ويقصدوا بغداد. [وقال آخرون] (١): إنَّه اتَّفق مع ابن ساوى النَّصْراني على قَتْلِ علاء الدِّين تنامش مملوك الخليفة، [وسنذكره] (١)، ولما ظهر تجبُّره واستقلاله بالأمور هجاه أهلُ بغداد، وكتبوا فيه الأشعار، وأوصلوها إلى الخليفة، منها ما كَتَبَ به يعقوبُ بن صابر المنجنيقي: [من الطويل] خليليَّ قُولا للخليفةِ أحمد … تَوَقَّ وُقِيتَ السُّوءَ ما أنتَ صانِعُ

стр. 10497

وزيرُك هذا بين أمرينِ فيهما … صَنِيعُك يا خيرَ البَرِيَّةِ ضائِعُ فإنْ يكُ حقًّا من سُلالة حَيدَرٍ … فهذا وزيرٌ في الخِلافة طامِعُ وإنْ كان فيما يدَّعي غيرَ صادِقٍ … فأضْيَعُ ما كانتْ لديه الصَّنائِعُ وجلس يومًا في الدِّيوان، فوقعت بين يديه ورقةٌ مختومة، فلم يتجاسر على فَتْحها، فبعث بها إلى الخليفة، وفيها: [من السريع] إنْ صَحَّ ما تَزْعُمُ يا مُدَّعي … إلى نبيٍّ لستَ مِنْ نَسْلِهِ لا قاتلَ اللهُ يزيدًا ولا … مُدَّتْ يدُ السُّوءِ إلى نَعْلِهِ لأنَّه قد كانَ ذا قُدْرةٍ … على اجتثاثِ العُوْدِ مِنْ أَصْلِهِ وإنَّما أبقاكَ أحدوثةً … للنَّاسِ كي يُعْذَرَ في فِعْلِهِ فكانت سببَ حَتْفه، لأَنَّ الخليفة قال: ما كتبوا هذه إلا وقد أهلك الحَرْثَ والنَّسْل. وقال مظهر اليماشكي: ذا الخماين المُدَّعي لو صحت أنسابه … ما خان وقبح على مَنْ حَسَّن ألقابه صوم الخنا والتعدِّي والبطر صابه … في فتح الحلق ذكره وانغلق بابه وفيها رتَّبَ الخليفةُ في رمضان دور المضيف ببغداد من الجانبين عشرين دارًا، في كلِّ دار في كلِّ ليلة خمس مئة قَدَح، وألفُ رَطْل من الطبيخ الخاصِّ، والخبز النَّقي والحلوى، وغير ذلك، مستمرًا في كلِّ رمضان. وفيها وصل النجم خليل الحنفي؛ قاضي العسكر إلى بغداد رسولًا من العادل، فأخرج في مقابلته الشِّهاب السُّهْرَوَرْدي وسُنْقُر السَّلَحْدار، ومعهما الخِلَع للعادل وأولاده، وكان في خِلْعة العادل الطَّوْق والسِّواران. وفيها مَلَكَ الأوحد بن العادل خِلاط، كاتبه أهلُها بعد قَتْلِ ابنِ بَكْتَمُر والهَزَار ديناري، وكانت بنت بَكْتَمُر مع صاحب أَرْزَن الرُّوم، فقالت: لا أرضى حتى تقتل الهَزَار ديناري، وتأخذ بثأر أخي. فسار إلى خِلاط، وخَرَجَ الهَزَار ديناري للقائه، فَضَرَبه فأبان رأسه، وعاد إلى أَرْزَن الرُّوم، وبقيت خِلاط بغير ملك، وكان الأوحد صاحب مَيَّافارِقِين، فكاتبوه، فجاء إليهم، واستولى عليها، وكانوا جبابرة، وتشرَّط عليه المكدفانية والمقدَّمون، فَشَرَعَ فيهم، فأبادهم وغرَّقهم في بحر خلاط، وبدَّد شَمْلَهم.

стр. 10498

وحجَّ بالنَّاس من العراق ياقوت. قال المصنف ﵀: وحججت معه، وفِي أول حجاتي، وكانت الوقفة يوم الأربعاء، وعُدْتُ إلى العراق. وحجَّ من الشَّام بدر الدين دُلْدُرم، وشيخ الشيوخ صدر الدين وأولاده، وشِبْل الدولة الحسامي. وفيها توفي علاءُ الدِّين تَنامِش [بن عبد الله] (١) مملوك الإمام الناصر، وكان شجاعًا، عاقلًا، صالحًا، متصدِّقًا، رحومًا، رقيق القَلْب، لا يَقْرَبُ المُسْكر ولا الفواحش، وكان يُطْعِمُ المسكين، ويكسو العاري، [وكان الخليفة يحبه ويقربه، والوزير ابن مهدي يَشْنَؤه لقربه من الخليفة،] (٢) وكان ابن مهدي قد ولَّى الدُّجَيل ودقوقا رجلًا نَصْرانيًّا يقال له ابن ساوى، فتسلَّط على المُسْلمين وفتك وظَلَمَ، وأهان المُسْلمين، وأَذَلَّهم، وكان يركبُ مِثْلَ صاحب الدِّيوان، وجميع النَّاس مشاةٌ بين يديه، [قالوا:] (٢) وكان [ابن ساوى] (٢) يحمل مَغَلَّ البلاد إلى ابنِ مهدي، فيأخذ [منها] (٢) ما يريد، ويعْطي للخليفة ما يريد، فأقطع الخليفة تنامش دقوقا والدُّجَيل، فخرج إليهما، واطَّلع على الأحوال، فخاف ابنُ مهدي. قالوا: فاتَّفق مع ابنِ ساوى على أن يُسِمَّ تنامش، فمضى النَّصْراني إلى دقوقا، وتوصَّل إلى تنامش، ودسَّ عليه من سقاه السُّمّ، فمرض [تنامش] (٢)، وعاد إلى بغداد مريضًا، فمات بعد أيام، فتقدَّم الخليفةُ بأَنْ يفتح له جامع القَصْر، ولا يتخلَّف عن جِنازته أحدٌ من أرباب الدَّولة إلا الخليفة والوزير، وحُمِلَ إلى مشهد موسى بن جعفر، فَدُفِنَ هناك، وعلم الخليفةُ بباطن الحال، فأمر بأن يُسَلَّم ابنُ ساوى إلى غِلْمان تنامش، فكتب ابنُ مهدي إلى الخليفة يقول: إنَّ النَّصارى قد بذلوا في ابن ساوى خمسين ألف دينار ولا يُقْتل. فكتب [الخليفة] (٢) على رأس الرُّقْعة: [من البسيط] إنَّ الأسودَ أسودَ الغابِ هِمَّتُها … يومَ الكريهة في المَسْلُوب لا السَّلَبِ

стр. 10499

فَسُلِّمَ ابنُ ساوى إلى مماليك علاء الدين، فأُخرج من دار الوزير، وفي رقبته حَبْلٌ وهو مكتوفٌ، فقتلوه وأحرقوه، وكان لابنِ مهدي مملوكٌ عاقل يقال له: آق سُنْقُر الدَّوادار، وكان يطالع الخليفةَ بأخبارِ ابنِ مهدي، وأَنَّه يكاتب الأعاجم، ويسعى في فساد الدولة، وعلم الوزير، فسقاه السُّمَّ، فمات في ربيع الآخر [هو وعلاء الدين] (١) تنامش في أيامٍ قريبة، فكتَبَ محمدُ بنُ جميل كاتب المخزن إلى الخليفة [أبياتًا يذكر فيها ابن مهدي وابن ساوى وعلاء الدين والدوادار] (١): [من الكامل] هذا ابنُ مهدي قد أتى من بعد ما … طافت عليه من النُّحوس طوائِفُ واسْتَوْعَبَ الأعمال مُقْتَطِعًا لها … جَهْرًا وذلك ظاهرٌ متعارَفُ وأقام يُحْدِثُ في الرَّعِيَّة سيرةً … ما سارها إلا غشومٌ عاسِفُ متخيِّرًا مِثْلَ ابنِ ساوةَ ناظرًا … متجبرًا ممن عليه يشارِفُ فمضى ابنُ ساوةَ هالكًا من بعد ما … تمَّتْ عليه من العذاب طوائفُ أتنامش يا مَنْ نمته مراحمٌ … نبويةٌ وصفت عليه عوارفُ كيف استجازَ الخارجيُّ وَرَهْطُهُ … أَنْ يطمعون وأنتَ فيهم عارِفُ وكذا الحِمامُ أتى إلى أَق سُنْقُر الـ … ـمسْكينِ إذْ هو بالدَّسائس عارِفُ ومتى شَرَعْتُ أرومُ حَصْرَ صفاتِهِ … ضاقَ الزَّمانُ وكل عنها الواصِفُ فقبض الخليفة على ابن مهدي في جمادى الأولى. الحسن بنُ أبي طالب (٢) شرف الدَّين، النَّاقد بن قنبر. ولاه الخليفة حِجْبة الباب، وناب في الوزارة، ثم ولاه صاحب المخزن، فتجبَّر وطغى، وبنى بدرب المطبخ دارًا تناهى في بنائها، فلم يكن ببغداد مِثْلُها، وشَرَعَ في الظُّلْم والفِسْق، وتجاهَرَ به، ومدَّ عينه إلى أولاد النَّاس، وكان قبيحَ السِّيرة، فَرُفِعَ أمره

стр. 10500

إلى الخليفة، فأخذه [أخذ عزيز مقتدر] (١) وقبضَ عليه، واستأصله، ونَقَضَ داره إلى الأساس، وحبسه، فأُخرج في رمضان ميتًا، فدفن بمشهد باب التِّبْن. حَنْبَل بنُ عبد الله (٢) ابن الفرج بن سعادة، أبو علي المُكَبِّر بجامع الرَّصافة. كان فقيرًا جدًّا، [وكان قد سمع] (٣) "المسند" من ابن الحُصَين، فقيل له: لو سافرت إلى الشَّام. فخرج من بغداد، فأسْمَعَ "المُسْنَد" بإرْبِل، فسمعه ابنُ زين الدين، وبالمَوْصِل وبدمشق، فسمعه الملك المعظَّم عيسى في الكلَّاسة، [وألحق الصِّغار بالكبار] (١)، وكان كثيرَ الأمراض بالتُّخَم، لأَنَّ المعظم كان يُطْعِمُهُ ألوان الطعام، وأشياء ما رآها [ولا في المنام، وكان معوَّدًا ببغداد أكل الهرطمان وتلك الألوان، وبلغني أن الشيخ تاج الدين الكندي حضر يومًا عندهم في السماع، ولم يحضر حنبل، فقال تاج الدين: وأين حنبل؟ فقال المعظم: هو متخوم. فقال تاج الدين: أطعمه عدس. فضحك المعظم والجماعة] (١). وكان عمر بن طَبَرْزَد قد رافقه من بغداد إلى الشَّام، وحصَّلا مالًا طائلًا، وعادا إلى بغداد، فاشترى حَنْبل العَتَّابي والكاغَد، وعَزَمَ على العود إلى الشَّام في تجارة، فأدركته المنيةُ رابع عشر محرَّم عن تسعين سنة، ودُفِنَ بباب حَرْب ولم يكن له وارثٌ، فحمل المال إلى بيت المال، ومات ابنُ طَبَرْزد في السنة السَّابعة [وست مئة] (١). [فصل: وفيها توفي عبد الرحمن بن عيسى بن أبي الحسن (٤) البزوري الواعظ، من أهل باب البصرة.

стр. 10501

ولد سنة تسع وثلاثين وخمس مئة، وقرأ على جدي الحديث والفقه والوعظ، ثم حدثته نفسه بمضاهاته حتى كنى نفسه أبا الفرج، واجتمع إليه سفساف أهل باب البصرة، وانقطع عن جدي، ولما جاء من واسط ما جاء إليه ولا رآه، وكانت وفاته في صفر، وكان في عَشْر السبعين تزوَّج صبيَّةً، ثم اغتسل في يوم بارد، فانتفخ ذكره، ومات، سمع أبا الوقت وغيره. وفيها توفي عبد المجيب بن أبي القاسم عبد الله بن زهير (١) أبو محمد، الحَرْبي، ابن أخي عبد المغيث الحربي. ولد سنة سبع وعشرين وخمس مئة، وسمع الحديث الكثير، وكان يتردد من عند الخليفة إلى العادل في أمور خفية، فخرج في السنة الماضية، فاجتمع بالعادل، وعاد في هذه السنة، فتوفي بحماة، وسمع أحمد بن الطلاية، وعبد الله بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف، وغيرهما، وكان صالحًا، ثقة] (٢). قراجا الصَّلاحي (٣) صاحب صَرْخَد، [ولقبه زين الدين] (٢). كان شجاعًا، جَوَادًا، توفي بدمشق، ودفن بقاسيون، وقبره عند تربة ابن تميرك في قُبَّةٍ على الجادَّة. محمود بن هبة الله (٤) ابن أبي القاسم الحِلِّي، أبو الثَّناء البزَّاز.

стр. 10502

قرأ القرآن [على ابن عساكر البطائحي، والأدب على أبي محمد بن الخشاب] (١)، وسمع الحديث على [أبي الوقت، وعلى] (١) إسماعيل بن موهوب بن الجَوَاليقي وغيره، وحُكي عن إسماعيل بن موهوب، قال: كنتُ في حَلْقة والدي [أبي منصور موهوب] (١) يوم جُمُعةٍ بعد الصَّلاة بجامع القَصْر، [والناس يقرؤون عليه،] (١) فوقف عليه شابٌّ، فقال: [يا سيدي،] (١) ما معنى قول القائل: [من البسيط] وَصْلُ الحبيبِ جِنَانُ الخُلْدِ أَسْكُنُها … وهَجْرُه النَّارُ يُصْليني به النَّارا فالشَّمْسُ بالقَوْسِ أمست وهي نازِلَةٌ … إن لم يَزُرْني وبالجَوْزاء إنْ زارا فقال له والدي: يا بُني: هذا شيءٌ يتعلَّق بسير الشمس في البروج، وما يتعلَّق بعِلْم الأدب، ثم قام والدي، وآلى على نفسه أن لا يعودَ إلى مكانه حتى ينظر في علم النجوم ويعرف تسيير الشمس والقمر، فنظر فيه وعَلِمه بحيثُ إذا سُئِلَ عن أبيِّ شيء منه أجاب. ومعنى الشِّعْر: أَنَّ الشمس إذا نزلت في القَوْس يكون الليل في غاية الطُّول، وإذا كانت في الجوزاء كان اللَّيل في غاية القِصَر. [وفيها توفيت ست الكتبة (٢) واسمها نعمة بنت علي بن يحيى بن محمد بن الطَّرَّاح، شيختنا، سمعت عليها الحديث بدمشق في سنة ست مئة، وكانت صالحة زاهدة، عابدة، وتوفيت في ربيع الأول، ودفنت بباب الفراديس، روت "شمائل النبي ﷺ " للترمذي عن أبي شجاع عمر بن أبي الحسن البِسْطامي، وعن جدها أبي محمد يحيى بن محمد بن الطراح، وغيرهما. فصل: وفيها حج بالناس من العراق ياقوت] (١).

стр. 10503

السنة الخامسة وست مئة قال المصنف ﵀: فيها عدت إلى الشام. وفيها تكاملت دار المضيف ببغداد بالجانب الغربي للحُجَّاج الواردين من البلاد، ورتَّب لهم [الخليفة] (١) فنون الأطعمة والزَّاد، وإذا عادوا من الحَجِّ فُرِّقَتْ فيهم الدَّنانير والثياب. وفيها قَدِمَ الشِّهاب السُّهروردي من الشَّام، ومعه الشمس إلْدُكُز أُستاذ دار العادل، فتلقى الموكبُ إلْدُكُز، وكان معه الهدايا والتُّحف، وأعرض الخليفةُ عن الشِّهاب، ونُقِمَ عليه حيث مَدَّ يده إلى الأموال بالشَّام، وحضر دعوات الأُمراء سامة وغيره، وقد كان قَبْلَ الرِّسالة زاهدًا فقيرًا، وأُخذ منه رباط الزَّوْزَني والمَرْزُبانية، ومُنِعَ من الوعظ فقال: ما قَبِلْتُ هذه الأموال إلا لأفَرِّقها في فقراء بغداد. وشَرَعَ يفرِّق المال والثِّياب في الزَّوايا والرُّبُط، فأغنى خَلْقًا كثيرًا من فقراء الشَّام والعراق، وخَلَع الخليفة على إلْدُكُز، وعاد إلى الشَّام بالهدايا. وزُلْزِلت نَيسابور زلزلةً عظيمة، ودامت عشرة أيام، فمات تحت الهَدْم خَلْقٌ عظيم. وحجَّ الفخر ابن تيمية في السنة الماضية، وكَتَبَ مظفر الدِّين بنُ زين الدين معه كتابًا بالوصية إلى الخليفة، فلما عاد من مكَّة سأل الجلوس بباب بَدْر، ووعظ ابن تيمية، ومَدَحَ الخليفة، وأنشد في أثناء كلامه: [من البسيط] وابنُ اللَّبون إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ … لم يَسْتَطِعْ صولةَ البُزْلِ القناعيسِ فقال العوام: ما قَصَدَ إلا محيي الدين (٢)، يعني أَنَّه كان شيخًا، ومحيي الدِّين شاب. وحج بالنَّاس من العراق ياقوت، ومن الشَّام حسام الدين قيماز والي القُدْس.

стр. 10504

وفيها توفي الخَضِر بن محمد بن علي (١) أبو العَبَّاس الجَزَري. ولد [بجزيرة ابن عمر في] (٢) سنة خمس وعشرين [وخمس مئة، وقدم بغداد، وكانت له يَدٌ في تعبير الرؤيا،] (٢) وأنشدنا لنفسه: [من الوافر] أَنِسْتُ بوَحْدتي حتى لو أنِّي … رأيتُ الإنْسَ لاستَوْحَشْتُ منه وما ظَفِرَتْ يدي بصديقِ صِدْقٍ … أخافُ عليه إلا خِفْتُ منه وما تَرَكَ التَّجارِبُ لي صديقًا … أميلُ إليه إلا مِلْتُ عنه [وفيها توفيت فاطمة بنت الفائز بن الطريزة البزَّاز وتسمى ست الأعز، وهي أخت جدي أبي الفرج لأمه، سمعت الحديث، وعمرت طويلًا، وتوفيت في رجب، ودُفنت بقرب قبر أحمد، وكانت عفيفة، دَيِّنة، سمعت أبا الوقت وغيره] (٢). محمد بن أحمد بن بختيار (٣) أبو الفَتْح، الواسطي. ولد سنة سبع عشرة وخمس مئة، وتوفي بها في شعبان، وأنشد لغيره -وكان صالحًا ثِقَةً صدوقًا، وولي القضاء بواسط-: [من الوافر] أراك إذا نَأَيتَ بعينِ قلبي … كأنَّك نُصْبَ عَيني عن قريبِ لئن بَعُدَتْ معاينةُ التَّلاقي … فما بَعُدَتْ معاينةُ القُلُوبِ

стр. 10505

محمد بن بختيار بن عبد الله (١) أخو أُستاذ دار الخليفة. كان فاضلًا، أُنشد يومًا: [من الكامل] قَسَمًا بمن سَكَنَ الفؤادَ وإنَّه … قَسَمٌ به لو تعلمونَ عظيمُ فأجاب بديهًا: إنِّي به صَبٌّ كئيبٌ مُدْنَفٌ … قَلِقُ الفؤادِ مولَّهٌ مهمومُ لا أستطيعُ مَعَ التَّنائي سُلْوَةً … حتى المماتِ وإنَّني لسليمُ فتعطَّفُوا بالوَصْلِ بعد تهاجُرٍ … فالصَّبْرُ يَنْفَدُ والرَّجاءُ مقيمُ محمد بن المبارك بن محمد (٢) أبو بكر البَيِّع، ويعرف بابن مَشِّق، من أهل باب البَصْرة، ولد سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة، وسمع الكثير، وكان فهرست سماعاته في ستِّ مجلدات، وكانت وفاته في شعبان، ودفن بباب حَرْب، وكان عالمًا بالحديث وطُرُقه، ثِقَةً، دَيِّنًا، غيرَ أَنَّه مَرِضَ، فتغيَّر ذِهْنُه، ﵀. نَصْر بن ناصر بن ليث (٣) أبو البركات القوام، صاحب المَخْزن، من مدائن كسرى، كان فاضلًا، متواضعًا، إذا ركب ببغداد يُسَلِّم على الصَّغير والكبير، غير أنه وشى إلى الخليفة بالحسن بن زياد؛ ناظر نهر الملك، وشيخ البلد ابن رزيق، وقال: قد خانا في الأموال، فقال الخليفة له: اخرج إلى نهر الملك واصلبهما، ففعل، وحَزِنَ النَّاس عليهما لعَدْلهما وكرمهما
следующие страницы →