ولد سنة تسع وثلاثين وخمس مئة، وقرأ على جدي الحديث والفقه والوعظ، ثم حدثته نفسه بمضاهاته حتى كنى نفسه أبا الفرج، واجتمع إليه سفساف أهل باب البصرة، وانقطع عن جدي، ولما جاء من واسط ما جاء إليه ولا رآه، وكانت وفاته في صفر، وكان في عَشْر السبعين تزوَّج صبيَّةً، ثم اغتسل في يوم بارد، فانتفخ ذكره، ومات، سمع أبا الوقت وغيره.
وفيها توفي
عبد المجيب بن أبي القاسم عبد الله بن زهير (١)
أبو محمد، الحَرْبي، ابن أخي عبد المغيث الحربي.
ولد سنة سبع وعشرين وخمس مئة، وسمع الحديث الكثير، وكان يتردد من عند الخليفة إلى العادل في أمور خفية، فخرج في السنة الماضية، فاجتمع بالعادل، وعاد في هذه السنة، فتوفي بحماة، وسمع أحمد بن الطلاية، وعبد الله بن أحمد بن عبد القادر بن يوسف، وغيرهما، وكان صالحًا، ثقة] (٢).
قراجا الصَّلاحي (٣)
صاحب صَرْخَد، [ولقبه زين الدين] (٢).
كان شجاعًا، جَوَادًا، توفي بدمشق، ودفن بقاسيون، وقبره عند تربة ابن تميرك في قُبَّةٍ على الجادَّة.
محمود بن هبة الله (٤)
ابن أبي القاسم الحِلِّي، أبو الثَّناء البزَّاز.
стр. 10502
قرأ القرآن [على ابن عساكر البطائحي، والأدب على أبي محمد بن الخشاب] (١)، وسمع الحديث على [أبي الوقت، وعلى] (١) إسماعيل بن موهوب بن الجَوَاليقي وغيره، وحُكي عن إسماعيل بن موهوب، قال: كنتُ في حَلْقة والدي [أبي منصور موهوب] (١) يوم جُمُعةٍ بعد الصَّلاة بجامع القَصْر، [والناس يقرؤون عليه،] (١) فوقف عليه شابٌّ، فقال: [يا سيدي،] (١) ما معنى قول القائل: [من البسيط]
وَصْلُ الحبيبِ جِنَانُ الخُلْدِ أَسْكُنُها … وهَجْرُه النَّارُ يُصْليني به النَّارا
فالشَّمْسُ بالقَوْسِ أمست وهي نازِلَةٌ … إن لم يَزُرْني وبالجَوْزاء إنْ زارا
فقال له والدي: يا بُني: هذا شيءٌ يتعلَّق بسير الشمس في البروج، وما يتعلَّق بعِلْم الأدب، ثم قام والدي، وآلى على نفسه أن لا يعودَ إلى مكانه حتى ينظر في علم النجوم ويعرف تسيير الشمس والقمر، فنظر فيه وعَلِمه بحيثُ إذا سُئِلَ عن أبيِّ شيء منه أجاب. ومعنى الشِّعْر: أَنَّ الشمس إذا نزلت في القَوْس يكون الليل في غاية الطُّول، وإذا كانت في الجوزاء كان اللَّيل في غاية القِصَر.
[وفيها توفيت
ست الكتبة (٢)
واسمها نعمة بنت علي بن يحيى بن محمد بن الطَّرَّاح، شيختنا، سمعت عليها الحديث بدمشق في سنة ست مئة، وكانت صالحة زاهدة، عابدة، وتوفيت في ربيع الأول، ودفنت بباب الفراديس، روت "شمائل النبي ﷺ " للترمذي عن أبي شجاع عمر بن أبي الحسن البِسْطامي، وعن جدها أبي محمد يحيى بن محمد بن الطراح، وغيرهما.
فصل: وفيها حج بالناس من العراق ياقوت] (١).
стр. 10503
السنة الخامسة وست مئة
قال المصنف ﵀: فيها عدت إلى الشام.
وفيها تكاملت دار المضيف ببغداد بالجانب الغربي للحُجَّاج الواردين من البلاد، ورتَّب لهم [الخليفة] (١) فنون الأطعمة والزَّاد، وإذا عادوا من الحَجِّ فُرِّقَتْ فيهم الدَّنانير والثياب.
وفيها قَدِمَ الشِّهاب السُّهروردي من الشَّام، ومعه الشمس إلْدُكُز أُستاذ دار العادل، فتلقى الموكبُ إلْدُكُز، وكان معه الهدايا والتُّحف، وأعرض الخليفةُ عن الشِّهاب، ونُقِمَ عليه حيث مَدَّ يده إلى الأموال بالشَّام، وحضر دعوات الأُمراء سامة وغيره، وقد كان قَبْلَ الرِّسالة زاهدًا فقيرًا، وأُخذ منه رباط الزَّوْزَني والمَرْزُبانية، ومُنِعَ من الوعظ فقال: ما قَبِلْتُ هذه الأموال إلا لأفَرِّقها في فقراء بغداد. وشَرَعَ يفرِّق المال والثِّياب في الزَّوايا والرُّبُط، فأغنى خَلْقًا كثيرًا من فقراء الشَّام والعراق، وخَلَع الخليفة على إلْدُكُز، وعاد إلى الشَّام بالهدايا.
وزُلْزِلت نَيسابور زلزلةً عظيمة، ودامت عشرة أيام، فمات تحت الهَدْم خَلْقٌ عظيم.
وحجَّ الفخر ابن تيمية في السنة الماضية، وكَتَبَ مظفر الدِّين بنُ زين الدين معه كتابًا بالوصية إلى الخليفة، فلما عاد من مكَّة سأل الجلوس بباب بَدْر، ووعظ ابن تيمية، ومَدَحَ الخليفة، وأنشد في أثناء كلامه: [من البسيط]
وابنُ اللَّبون إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ … لم يَسْتَطِعْ صولةَ البُزْلِ القناعيسِ
فقال العوام: ما قَصَدَ إلا محيي الدين (٢)، يعني أَنَّه كان شيخًا، ومحيي الدِّين شاب.
وحج بالنَّاس من العراق ياقوت، ومن الشَّام حسام الدين قيماز والي القُدْس.
стр. 10504
وفيها توفي
الخَضِر بن محمد بن علي (١)
أبو العَبَّاس الجَزَري.
ولد [بجزيرة ابن عمر في] (٢) سنة خمس وعشرين [وخمس مئة، وقدم بغداد، وكانت له يَدٌ في تعبير الرؤيا،] (٢) وأنشدنا لنفسه: [من الوافر]
أَنِسْتُ بوَحْدتي حتى لو أنِّي … رأيتُ الإنْسَ لاستَوْحَشْتُ منه
وما ظَفِرَتْ يدي بصديقِ صِدْقٍ … أخافُ عليه إلا خِفْتُ منه
وما تَرَكَ التَّجارِبُ لي صديقًا … أميلُ إليه إلا مِلْتُ عنه
[وفيها توفيت
فاطمة بنت الفائز بن الطريزة البزَّاز
وتسمى ست الأعز، وهي أخت جدي أبي الفرج لأمه، سمعت الحديث، وعمرت طويلًا، وتوفيت في رجب، ودُفنت بقرب قبر أحمد، وكانت عفيفة، دَيِّنة، سمعت أبا الوقت وغيره] (٢).
محمد بن أحمد بن بختيار (٣)
أبو الفَتْح، الواسطي.
ولد سنة سبع عشرة وخمس مئة، وتوفي بها في شعبان، وأنشد لغيره -وكان صالحًا ثِقَةً صدوقًا، وولي القضاء بواسط-: [من الوافر]
أراك إذا نَأَيتَ بعينِ قلبي … كأنَّك نُصْبَ عَيني عن قريبِ
لئن بَعُدَتْ معاينةُ التَّلاقي … فما بَعُدَتْ معاينةُ القُلُوبِ
стр. 10505
محمد بن بختيار بن عبد الله (١)
أخو أُستاذ دار الخليفة.
كان فاضلًا، أُنشد يومًا: [من الكامل]
قَسَمًا بمن سَكَنَ الفؤادَ وإنَّه … قَسَمٌ به لو تعلمونَ عظيمُ
فأجاب بديهًا:
إنِّي به صَبٌّ كئيبٌ مُدْنَفٌ … قَلِقُ الفؤادِ مولَّهٌ مهمومُ
لا أستطيعُ مَعَ التَّنائي سُلْوَةً … حتى المماتِ وإنَّني لسليمُ
فتعطَّفُوا بالوَصْلِ بعد تهاجُرٍ … فالصَّبْرُ يَنْفَدُ والرَّجاءُ مقيمُ
محمد بن المبارك بن محمد (٢)
أبو بكر البَيِّع، ويعرف بابن مَشِّق، من أهل باب البَصْرة، ولد سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة، وسمع الكثير، وكان فهرست سماعاته في ستِّ مجلدات، وكانت وفاته في شعبان، ودفن بباب حَرْب، وكان عالمًا بالحديث وطُرُقه، ثِقَةً، دَيِّنًا، غيرَ أَنَّه مَرِضَ، فتغيَّر ذِهْنُه، ﵀.
نَصْر بن ناصر بن ليث (٣)
أبو البركات القوام، صاحب المَخْزن، من مدائن كسرى، كان فاضلًا، متواضعًا، إذا ركب ببغداد يُسَلِّم على الصَّغير والكبير، غير أنه وشى إلى الخليفة بالحسن بن زياد؛ ناظر نهر الملك، وشيخ البلد ابن رزيق، وقال: قد خانا في الأموال، فقال الخليفة له: اخرج إلى نهر الملك واصلبهما، ففعل، وحَزِنَ النَّاس عليهما لعَدْلهما وكرمهما
стр. 10506
وتواضعهما، ما ردَّا قاصدين ولا خانا، وعاد إلى بغداد، فَمَرِضَ، وأقام ثلاثة أشهر مريضًا، ومات، ودُفِنَ بمشهد موسى بن جعفر، فقال الناس: إنَّ في ذلك لعبرة، وكانت له جِنازةٌ عظيمة.
ورَّامُ بنُ أبي فراس (١)
أبو الحسين، الحِلِّي، فقيه الشِّيعة، كان الخليفةُ يمضي إلى الحِلَّة يزوره، ويحمل إليه الأموال، فما قبل منه شيئًا، وكان زاهدًا متعبِّدًا، ومات بالحِلَّة، وحُمِلَ إلى الكوفة، فدفن بمشهد أمير المؤمنين، رضوان الله عليه.
السنة السَّادسة وست مئة
فيها قدم الجمال المِصْري رسولًا من العادل، وخرج في مقابلته ابن الضَّحَاك أُستاذ دار وآقباش النَّاصري، فالتقيا العادل على رأس العين، وهو قاصدٌ سِنْجار.
ونزلتِ الكُرْج على خِلاط، وبها الملك الأوحد بن العادل في عسكر خِلاط، وجاء ملك الكُرْج -[ويقال له] إيواني- في خَلْقٍ عظيم، وتحضَّن الأوحد في القلعة، وحَصَرَ إيواني البلد، وضايقه، وأَشْرَفَ على أَخْذه، فاصبح ذات يوم، فقال له منجِّمُه: البشارة لي. قال: وكيف؟ قال: ما تبات الليلة إلا في قلعة خِلاط. فشرب الخمر حتى ثَمِلَ، وركب في جيوشه، وقصد باب أرْجِيش، فخرج إليه المسلمون، فقاتلوه، ورأوا ما لا قِبَلَ لهم به، فبينا هم كذلك عَثَرَ به حصانُه، فقُتِلَ عليه جماعةٌ من خواصِّه، وأُخذ أسيرًا، فحمل إلى القلعة، فما بات إلا بها، ورحل الكُرْج عن البلد، وفرَّج الله عن أهله، ثم اتَّفق مع الأوحد على أن يرد ما فَتَحَ من بلاد المسلمين، ويطلق الأُسارى ومئة ألف دينار، ويزوِّج ابنته للأوحد.
وقيل: [إنما كانت وقعة إيواني] (٢) بعد حصار سنجار في سنة سبع وست مئة.
стр. 10507
وفي ربيع الأول نَزَلَ العادل على سِنْجار بعساكر مِصْر والشَّام وديار بكر وحلب، ومعه أولاده من جُمْلتهم الأوحد، وأقام يضربها بالمجانيق إلى رمضان، ولم يبق إلا تسليمُها، فأرسل الظَّاهر أخاه المُؤَيَّد يشفع في السَّناجرة فلم يُشَفِّعْه، ومات المُؤَيَّد في هذه السفرة، وكره المشارقة مجاورة العادل، فاتَّفقوا عليه وصاحب إربل، وأرسل الخليفةُ ابن الضَّحَّاك وآقباش يشفع إلى العادل فيهم، وتقاعَدَ العساكرُ عن القتال، وخذله صاحبُ حِمْص، فرحل بعد أن أخذ نَصِيبين والخابور، ونزل حَرَّان، وفَرَّقَ العساكر، وعَزَمَ صاحبُ إرْبل والمَوْصل ومارِدِين والجزيرة وحلب على قتالِ العادل، ثم صالحهم، واتَّفقوا.
وحجَّ بالنَاس من العراق ياقوت، ومن الشَّام فخر الدين إياس الشَّمَّامي.
وفيها توفي
الحسن بن أحمد بن حِكِّينا (١)
من أهل الحريم الطَّاهري، كان فاضلًا، ومن شِعْره: [من الكامل]
قد بانَ لي عُذْرُ الكرام فَصَدُّهُمْ … عن أكثر الشُّعراء ليس بعارِ
لم يسأموا بذل النَّوال وإنَّما … جَمَدَ النَّدى لبرودةِ الأشعارِ
محمد بن عمر بن الحسين (٢)
أبو المعالي، فخر الدين الرَّازي، ابن خطيب الرَّيِّ، صاحب الكلام والمنطق، صنَّف "التفسير" و"المحصَّل" و"الأربعين" و"نهاية العقول" وغيرها. واعتنى بكُتُب ابنِ سينا في المنطق، وشَرَحَها، وكان يعظ وينال من الكَرَّامية وينالون منه، ويكفِّرهم
стр. 10508
ويكفرونه، وقيل: إنهم وضعوا عليه من سقاه السُّمَّ، فمات، ففرحوا بموته، وكانوا يرمونه بالكبائر، وكانت وفاته في ذي الحِجَّة.
ولا كلام في فَضْله، وإنّما الشَّناعات عليه قائمة بأشياء، منها: أَنَّه كان يقول: قال محمد التَّازي يعني [العربي، يريد] (١) النَّبيَّ ﷺ ، وقال: قال محمد الرَّازي يعني نفسه.
ومنها: أنه كان يقرِّرُ مذاهب الخصوم وشُبَههم بأَتّمِّ عبارة، فإذا جاء إلى الأجوبة اقتنع بالإشارة، ولعله قصد الإيجاز، لكن أينَ الحقيقةُ من المجاز.
وخالف الفلاسفة الذين أُخذ هذا الفن عنهم، واقتبسه منهم، [فقال في كتاب له يقال له "المعالم": أطبقت الفلاسفة على أن النفس جوهر وليست بجسم. قال: وهذا باطل عندي، لأن الجوهر يمتنع أن يكون له قرب أو بعد من الأجسام.
قلت: اتفاقهم على أنها ليست داخلة في البدن ولا خارجة عنه تدل على عدم الجسمية، وما ادعوا أن للجوهر قربًا ولا بعدًا عن الأجسام، وإنما ادعوا ذلك في ذات الجوهر لا في غيره، وليست النفس كذلك، ولهذا توقفوا عن الجواب في معنى الجوهر الفرد، ولهم في هذا مذاهب موصوفة، ومآرب معروفة] (٢).
وكان تلميذه الشيخ شمس الدين عبد الحميد الخُسْرُوشاهي ﵀ يحكي عنه من الفضائل وكَرَمِ الأخلاق، وحُسْن العشرة، واعتنائه بالمِلَّة الإسلامية ما يُبْطل قول الكَرَّامية.
قال المصنف ﵀: وكان صديقنا الخُسْرُوشاهي من كبار الأماثل، جَمَعَ أشتاتَ الفضائل، عاقلًا، رئيسًا، دَيِّنًا، صالحًا، مُحْسنًا، متمسِّكًا بالدِّين، سالكًا طريق السَّلف الضَالحين، تقلَّبت به الأحوال، تارةً بالشرق، وتارة بالكَرَك، وتارةً بمِصْر، وآخر قدومه دمشق في سنة ثلاث وخمسين وست مئة (٣)، فتوفي بها، ودُفِنَ بقاسيون، عند باب تُرْبة الملك المعظَّم عيسى ﵀، [وسنذكره هناك] (٢).
стр. 10509
المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم (١)
أبو السعادات، مجد الدين، ابنُ الأثير، المَوْصلي الجَزَري الكاتب.
ولد سنة أربعين وخمس مئة بجزيرة ابن عمر، وانتقل إلى المَوْصل، وكتب لأمرائها، وكانوا يحترمونه ويعظِّمونه، ويستشيرونه، وكان بمنزلة الوزير النَّاصح، إلا أنه كان منقطعًا إلى العِلْم، صنَّف الكُتُبَ الحِسان، منها "جامع الأصول" و"التَّاريخ" (٢) و"الغريب" (٣) وغير ذلك، وكان يَسْكُنُ في المَوْصل بدرب دراج.
قال المصنف ﵀: واجتمعتُ به في سنة ثلاثِ وست مئة بداره، وقرأتُ عليه شيئًا من تصانيفه، وأجاز لي الباقي، وكان به نِقْرس، فكان يُحمل في مِحَفَّة. وكانت وفاته بالمَوْصِل يوم الخميس سَلْخ ذي الحِجَّة، ودُفِنَ بدرب دراج -وهو أخو أبي الحسن علي الكاتب الجَزَري- قرأ النَّحو على ابنِ الدَّهَّان، ثم على أبي الحرم الضَّرير، وسمع الحديث من أبي بكر بن سَعْدون القُرْطُبي، وأبي الفَضْل عبد الله بن الطُّوسي وغيرهم، وروى الحديث، وانتفع به النَّاس، وكان عاقلًا مهيبًا، ذا بِرٍّ وإحسان.
السنة السَّابعة وست مئة
فيها أظهر الخليفةُ الإجازة التي أُخذت له من الشُّيوخ، وذكرهم في كتاب "روح العارفين".
قال المصنِّف ﵀: وقد شَرَحْتُ هذا الكتاب، وهو في وقف دار الحديث الأشرفية بدمشق، ودفع الخليفةُ إلى كلِّ مذهب إجازة عليها مكتوبًا بخطِّه: أجزنا لهم ما سألوا على شَرْط الإجازة الصَّحيحة، وكتبه العبدُ الفقير إلى الله تعالى أبو العَبَّاس أحمد أمير المؤمنين. وسُلِّمت إجازةُ الشَّافعية إلى ضياء الدين عبد الوهَّاب بن علي
стр. 10510
الصُّوفي، وإجازة الحنفية إلى الضياء أحمد بن مسعود التركستاني، وإجازة الحنابلة إلى أبي صالح نَصْر بن عبد الرَّزَّاق بن الشيخ عبد القادر، وإجازة المالكية إلى التقي علي بن جابر التَّاجر المغربي.
وفيها عصى قُطْبُ الدِّين سنجر النَّاصري (١) بششتر بعد موت طاشْتِكِين، وكان زوجَ ابنته، فبعثَ إليه الخليفةُ عِزَّ الدين نجاح الشَّرابي ومؤيَّد الدين القُمِّي نائب الوزارة، فلما قربوا من ششتر هرب سنجر بأمواله وأهله إلى صاحب شيراز أتابك نرسي وقيل: سَعْد، فحلف له على أن لا يسلمه، ثم نكث وغَدَرَ به، ونهب أمواله وأهله، وجميع ما كان معه، وارتكب من النساء الفواحش، وسَلَّمه إلى نواب الخليفة، فعادوا به إلى بغداد، فأدخل سنجر بعد الملك والسَّلْطنة على بغل في السنة الآتية.
قال المصنف ﵀: وفيها خرجتُ من دمشق إلى نابُلُس إلى الغَزَاة، وكان الملك المعظَّم عيسى ﵀ بها. جلستُ بجامع دمشق يوم السبت خامس ربيع الأول، وكان النَّاس من [باب] (٢) مشهد زين العابدين إلى باب النَّاطفانيين، وإلى باب السَّاعات، وكان القيامُ في الصَّحْن أكثر، بحيث امتلأ الجامع، وحُزروا بثلاثين ألفًا، وكان يومًا لم يُرَ بدمشق مثله [ولا بغيرها] (٢)، وكان قد اجتمع عندي شعور كثيرة، وقد وقفتُ على حكاية أبي قدامة الشَّامي مع تلك المرأة التي قَطَعَتْ شَعْرها، وبعثت به إليه، وقالت: اجعله قيدًا لفرسك في سبيل الله. فَعَمِلْتُ من الشُّعور التي اجتمعت عندي شُكلًا لخيل المجاهدين، وكرفسارات، ولما صَعِدْتُ المنبر أمرتُ بإحضارها، فحملت على أعناق الرِّجال، وكانت ثلاث مئة شكال، فلما رآها النَّاس صاحوا صيحةً عظيمة، وقطعوا مِثْلها، [وقامتِ القيامة،] (٢) وكان المبارز إبراهيم المعتمد ﵀ والي دمشق حاضرًا، وجَمَعَ الأعيان، فلما نزلتُ من المنبر قام المبارز [يُطَرِّقُ لي] (٢)، ومشى معي إلى باب النَّاطفانيين، [فتقدم إلى فرسي] (٢)، فأمسك بركاب فرسي، وأركبني، وخرجنا من باب الفرج إلى المُصَلَّى، [وجميع من كان بالجامع بين يدي] (٢)، وسرنا إلى الكُسْوة من الغد، ومعنا خلق [مثل التراب، وكان معنا من قرية
стр. 10511
واحدة يقال لها زَمْلَكا -من قرى دمشق- نحو] (١) ثلاث مئة رجل بالعُدَد والسِّلاح، وأما من غيرهم فَخَلْقٌ كثير، والكُلُّ خرجوا احتسابًا، [وجئنا] (٢) إلى عقبة فيق، والطير لا [يقدر أن] (٢) يطير من خوف الفرنج، فسرنا على الجادَّة إلى نابُلُس، ووصلت أخبارُنا إلى عكا، وخرج المعظَّم، فالتقانا، وسُرَّ بنا، وجلستُ بجامع نابُلُس، وحَضَرَ وأحضرنا الشُّعور، فأخذها، وجعلها على وَجْهه، وجعل يبكي، ولم أكن اجتمعتُ به قبل ذلك اليوم، وكان يومًا عظيمًا، وخَدَمنا وأكرمنا، وخرجنا نحو بلاد الفرنج، فأخربنا وهَدَمْنا، وقطَّعْنا أشجارهم، وأسرنا جماعة، وقُتِلَ جماعةٌ، ولم يتجاسروا أن يخرجوا من عكا، فأقمنا أيامًا ثم عُدْنا سالمين غانمين إلى الطُّور المطل على النَّاصرة، والمعظم معنا، فقال: أريد أن أبني عليه قلعةً. وطلب أخاه الملك الأشرف وعساكر الشَّرْق وحلب، وشَرَعَ في عمارة الطُّور، وأقام العسكر تحته من ذي الحِجَّة بهذه السنة إلى سنة ثمانٍ وست مئة، فكمل سوره ودار واستوى، وخاف الفرنج منه، فأرسلوا إلى العادل، فصالحهم، وأعطى العساكر دستورًا، فتفرَّقوا، وأقام المعظم يعمر الطور إلى قبيل وفاة العادل، فلا يحصى ما غَرِمَ عليه.
وحج بالنَّاس محمد بن ياقوت، وكان صبيًّا، ومعه ابنُ أبي فراس الحِلِّي، وكان الخليفةُ قد أقطع ياقوت ششتر، وحج ولده نيابةً عنه، وحجَّ من الشَّام سيف الدين علي بن عَلَم الدِّين سليمان بن جَنْدَر.
وفيها توفي
رسلان بن عز الدين مسعود (٣)
نور الدين أتابَك، صاحبُ المَوْصل.
وكان متكبِّرًا، جبَّارًا، بخيلًا، فاتكًا، سفَّاكًا للدِّماء، حبس أخاه علاء الدين، فمات في حَبْسه، وولَّى المَوْصل رجلًا ظالمًا يقال له: السَّرَّاج، فأهلك الحَرْثَ والنَّسْل.
стр. 10512
وكان نور الدين يسيئ التَّدْبير، وهو الذي كسره الأشرف على بوشرى، وعَرَضَ لنور الدِّين مرضُ السل، فأقام يذوب ذوبانًا، ومات في صفر، وخلَّف ولدين القاهر مسعود وزَنْكي، وأوصى إلى بدر الدين لؤلؤ أن يكون مسعود السُّلْطان، وزَنْكي في شَهْرُزور، وبعث بدرُ الدِّين العماد بن يونس إلى بغداد يطلب الخِلَع للقاهر، فبعثَ له الخليفةُ الخِلَع مع بدر الدِّين محمد سِبْط العقاب، فَخَلَعَ عليه.
عبد الوهَّاب بن علي بن علي (١)
أبو محمد الصُّوفي، ويعرف بابن سُكَينة، ضياء الدِّين، سِبْط شيخ الشيوخ إسماعيل بن أحمد النَّيسابوري.
ولد سنة تسع عشرة وخمس مئة، وقرأ القرآن، وسمع الحديث الكثير، وكانت وفاته في ربيع الآخر وقد قارب تسعين سنة، صُلِّي عليه بجامع القَصْر، وحضره أربابُ الدَّولة، ودُفِنَ عند جامع المنصور، وكان من الأبدال، وأنشد لمحمد الفارقي الواعظ: [من المتقارب]
تحمَّلْ أخاكَ على خُلْقِهِ … فما في استقامته مَطْمَعُ
وأنَّى له خُلُقٌ واحدٌ … وفيه طبائعُهُ الأَرْبَعُ
عمر بن محمد (٢)
أبو حفص الدَّارَقَزِّي، يعرف بابن طَبَرْزد.
ولد في ذي الحِجَّة سنة خمس عشرة وخمس مئة (٣)، وسمع الحديث الكثير، وكان ماجنًا خليعًا، وسافر مع حنبل إلى الشَّام، وحَصَلَ له مالٌ بسبب الحديث، وعاد إلى بغداد، فاستعمل الكاغَد والعَتَّابي، فمرض، وأقام مريضًا مُدَّة، وتوفي، ودفن بباب حَرْب، ولم يكن له وارثٌ، فرجع المال إلى بيت المال.
стр. 10513
قيل له بدمشق: لم تغرَّبْتَ؟ فأنشد أبيات ابنِ ماكولا: [من البسيط]
قوِّضْ خيامك عن دارٍ تُهانُ بها … وجانبِ الذُّل إنَّ الذلَّ مُجْتَنَبُ
وارحلْ إذا كانتِ الأوطانُ مضيعةً … فالمَنْدَلُ الرَّطْبُ في أوطانه حَطَبُ
قُثَم بن طلحة (١)
أبو القاسم، العَبَّاسي، نقيب الهاشميين.
تولى بيتَ النقابة يتوارثونها صاغرًا عن كابر، وصنَّف الكُتُبَ في فنون، وتوفي في رجب، وسمع ابنَ البَطِّي وغيره، وأنشد: [من المنسرح]
لا غَرْوَ من جَزَعي لبَينِهِمُ … يوم النَّوى وأنا أخو الفَهْمِ
فالقوسُ مِنْ خَشَبٍ تئنُّ إذا … ما كلَّفوها فُرْقة السَّهْمِ
قيصر بن كُمُشْتِكِين (٢)
حاجب الخليفة.
كان شيخًا، مليحَ الصُّورة، متواضعًا، مهيبًا، فاضلًا، ولد سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة، ومات في صفر، ودُفِنَ بمشهد موسى بن جعفر، وكان ثقة.
أنشد لغيره: [من الطويل]
أَزِيدُ إذا أَيسَرْتُ فَضْلَ تواضعٍ … وَيزْهُو إذا أَعْسَرْتُ بعضي على بعضي
فذلك عند اليُسْرِ أَكْسَبُ للثَّنا … وذلك عند العُسْرِ أصونُ للعِرْضِ
أرى الغُصْنَ يَعْرَى وهو يسمو بنفسه … ويَثْقُلُ حِمْلًا وَهْوَ يدنو من الأرضِ
محمد بن أحمد (٣)
ابن محمد بن قُدَامة، أبو عمر، شيخ الصَّالحية والمقادسة، الزَّاهد العابد.
стр. 10514
ولد سنة ثمانٍ وعشرين وخمس مئة بقرية جَمَّاعيل، وقيل: بقرية من أعمال بيت المقدس ونابُلُس، وكان معتدلَ القامة، حَسَنَ الوَجْه، عليه أنوارُ العبادة، لا يزال مُبْتَسِمًا، نحيلَ الجسم من كَثْرة الصِّيام والقيام، وهاجَرَ مع والده [الشيخ أحمد، فحدثني أبو عمر،] (١) قال: هاجَرْنا من بلادنا، فنزلنا مسجد أبي صالح بباب شَرْقي، فأقمنا به مُدَّة، ثم انتقلنا إلى الجبل، فقال النَّاس: الصَّالحية الصَّالحية، نسبونا إلى مسجد أبي صالح، لا أننا صالحون، ولم يكن بالجبل عِمارة إلا ديرُ الحوراني، وأماكنُ يسيرة.
ذِكْرُ اشتغاله وزُهْده وعبادته:
قرأ القرآن بحرف أبي عمرو، وحفظ الخِرَقي، وقرأ النَّحْو على ابنِ بَرِّي، وسمع الحديث بدمشق ومِصْر، واشتغل بالعبادة عن الرِّواية، وكتب "الحِلْية" لأبي نُعَيم و"تفسير البغوي" و"المغني" لأخيه شيخنا موفق الدِّين ﵀، و"الإبانة" لابن بَطَّة، ومصاحفَ كثيرة للنَّاس ولأهله، وكُتُبًا كثيرة، والكل بغير أجرة.
وكان يصومُ الدَّهر إلا من عُذْر، ويقوم الليل من صِغَره، وما كان يفطر إلا في يوم عيد، ويحافظ على الصَّلوات الخمس في الجماعات، ويخرج من ثُلُث الليل الأخير إلى المسجد في الظُّلْمة، فيصلِّي إلى الفجر، ويقرأ في كل يوم سُبُعًا من القرآن بين الظُّهْر والعَصْر، ويقرأ بعد العشاء الآخرة آيات الحرس وياسين والواقعة وتبارك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوِّذتين، وإذا ارتفعت الشمس لقَّن النَّاسَ إلى وقت الضُّحى، ثم يقوم فيصلي الضُّحى ثماني ركعات، ويقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ألف مرة، ويزور المقابر بعد العَصْر في كلِّ جُمُعة، ويَصْعَدُ يوم الاثنين والخميس إلى مغارة الدَّم ماشيًا بالقَبْقاب، فيصلِّي فيها ما بين الظُّهْر والعصر، وإذا نزل جمع الشِّيح من الجبل، وربطه بحَبْلٍ، وحمله إلى بيوت الأرامل واليتامى، ويحمل في الليل إليهم الدَّراهم والدَّقيق ولا يعرفونه، ولا ينام إلا على طهارة، ومتى فُتِحَ له بشيءٍ من الدُّنيا آثر به أقاربه وغيرهم، ويتصدَّق بثيابه، وربما خَرَجَ الشِّتاء وعلى جسده جُبَّة بغير ثوب، ويبقى مُدَّة طويلة بغير سراويل، وعِمامتُه قِطْعةٌ من بطانة، فإنِ احتاجَ أحدٌ إلى خِرْقة أو ماتَ صغيرٌ يحتاج إلى كَفَنٍ، قَطَعَ له منها قِطْعة.
стр. 10515
وكان ينام على الحصير، ويأكل خُبْزَ الشَّعير، وثوبه خام إلى أنصافِ ساقيه، وما نَهَرَ أحدًا، ولا أَوْجَعَ قَلْبَ أحد، وكان يقول: أنا زاهدٌ، ولكن في الحرام.
ولما نزل صلاحُ الدِّين ﵀ على القُدْس كان هو وأخوه الشيخ الموفق والجماعة في خيمة، فجاء العادلُ إلى زيارته وهو في الصَّلاة، فما قَطَعها، ولا التفتَ، ولا ترك ورْدَه.
وكان يصعد المِنْبر في الجبل، وعليه ثوبُ خام مهدول الجيب، وفي يده عصا، والمِنْبر ثلاث مراقي، وكان يجاهد في سبيل الله، ويحضر الغزوات مع صلاحِ الدين.
وكان الشيخ الموفق ﵀ يقول: أخي شيخنا ربَّانا وأحسنَ إلينا، وعلَّمنا، وحَرِصَ علينا، وكان للجماعة كالوالد، يقوم بمصالحهم، ومَنْ غاب منهم خَلَفَه في أهله. قال: وكان أبي أحمدُ قد تخلَّى عن أمور الدُّنيا وهمومها، وكان المرجعُ في مصالح الأهل إليه، وهو الذي هاجر بنا، وسفَّرنا إلى بغداد، وبنى الدَّير، وكفانا همومَ الدُّنيا، وكان يُؤْثِرُنا ويَدَعُ أهله محتاجين، وبنى المدرسة والمَصْنَع بعلو هِمَّته، وكان مجابَ الدَّعْوة، وما كَتَبَ لأحدٍ ورقة للحُمَّى إلا وشفاه الله تعالى.
[(١) ذِكْرُ نبذة من كلامه وكراماته: وكانت كراماته كثيرة، وفضائله غزيرة، فمنها ما شاهدته، ومنها ما أُخبرت به. فأما الذي شاهدته، فإني] صليت يوم الجمعة بجامع الجبل في أول سنة ستٍّ وست مئة، والشيخ عبد الله اليونيني إلى جانبي، فلما كان في آخر الخُطْبة وأبو عمر يخطب، نهضَ الشيخ عبد الله اليونيني مُسْرعًا، وصَعِدَ إلى مغارة توبة، وكان نازلًا بها، فظننت أَنَّه قد احتاج إلى الوضوء، أو آلمه شيء، فلما صلينا الجمعة صَعِدْتُ وراءه، وقلت: خير، ما الذي أصابك؟ فقال: هذا أبو عمر ما تَحِلُّ خلفه صلاة. قلت: ولمَ؟ قال: لأَنَّه يقول على المِنْبر ما لا يَصْلُح. قلتُ: وما الذي قال: قال: قال: الملك العادل، وهو ظالمٌ، فما يَصْدُق. وكان أبو عمر يقول في آخر الخُطْبة: اللهم وأَصْلِحْ عَبْدَك الملك العادل سيفَ الدِّين أبا بكر بن أيوب. فقلتُ له: إذا كانتِ الصلاةُ خلف أبي عمر لا تصح، فيا ليت شِعْري خَلْفَ مَنْ تصحّ! [وخطر لي قول عبد الرحمن
стр. 10516
ابن عوف لما رأى عمر بن الخطاب ليلة يمشي في أزقة المدينة، فأتى إلى بيت عجوز، فدخله، فقلت: لا أنصرف حتى انظر ماذا يصنع. فتواريت، وإذا به قد خرج من عندها، فدخلت بعده، وقلت: ما كان يصنع عندك؟ فقالت: يحمل إليَّ ما آكل، ويخرج عني الأذى. قال عبد الرحمن: فقلت في نفسي، ويحك يا عبد الرحمن، أعثرات عمر تتبع؟] (١) وبينا نحن في الحديث إذا بالشيخ أبي عمر [(٢) وقد صَعِدَ إلى مغارة توبة، فدخل، ومعه مئزر، فَسَلَّم، وحَلَّ المئزر، وفيه رغيفٌ وخيارتان، فكسر الجميع، وقال: بسم الله، الصَّلاة، ثم قال: ابتداءً قد جاء في الحديث أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ولدتُ في زمن الملك العادِل كِسْرى" (٣)، فنظر إليَّ الشيخ عبد الله وتبسَّم، ومدَّ يده فأكل، وقام أبو عمر، ونزل، فقال لي الشيخ عبد الله: يا سَيِّد، ماذا إلا رجلٌ صالح.
قال المصنف ﵀: وأصابني قُولَنْج، وعانيت منه شِدَّة، فدخَلَ عليَّ أبو عمر وبيده خَرُّوب شامي مدقوق، فقال: استفَّ هذا. وكان عندي جماعةٌ، فقالوا: هذا يزيد القولنج ويضرّه! فما التفتُّ إلى قولهم، وأخذتُه من يده، فأكَلْتُه، فبرأت في الحال، ومن هذا شيءٌ كثير.
[(٤) وأما ما أُخبرت به، فحكى] الجمال البُصْراوي، قال: أصابني قُولَنْج في رمضان، فاجتهدوا بي أَنْ أُفطر، فلم أفعل، وصَعِدْتُ إلى قاسيون، فقعدت موضعَ الجامع اليوم، وإذا بالشيخ أبو عمر قد أقبل من الجبل، وبيده حشيشةٌ، فقال: شُمَّ هذه تنفَعْك. فأخذتُها وشممتها، فبرأت.
وجاءه رجلٌ مغربي، فقرأ عليه القرآن، ثم غاب عنه مُدَّة وعاد، فلازمه، فَسُئِلَ عن ذلك، فقال: دخلتُ ديار بكر، فأقمتُ عند شيخٍ له زاوية وتلامذة، فبينا هو ذاتَ يوم جالسٌ بكى بكاءً شديدًا، وأُغمي عليه، ثم أفاق وقال: ماتَ القُطْب السَّاعة، وقد أقيم
стр. 10517
الشيخ أبو عمر شيخ الصَّالحية مقامه، قال: فقلتُ له: ذاك شيخي، فقال: فأيش قعودك ها هنا، قُمْ فاذهبْ إليه، وسَلِّمْ عليه عني، وقُلْ له: لو أمكنني السَّعي إليه لسعيتُ. ثم زوَّدَني وسافرتُ.
قال المصنف ﵀: قلتُ له يومًا أوَّلَ ما قَدِمْتُ الشَّام، وما كان يَرُدُّ أحدًا في شفاعةٍ إلى مَنْ كان، وقد كَتَبَ ورقةً إلى الملك المُعَظَّم عيسى بن العادل، وقال فيها: إلى الولد الملك المُعَظَّم، فقلتُ له: كيف تكتب هذا والملك المعظم على الحقيقة هو الله تعالى! فتَبَّسم ورمى إليَّ الورقة، وقال: تأَمَّلها. وإذا به لما كَتَبَ المعظم كسر الظَّاء، فصار المعظِّم، وقال: لا بُدَّ أن يكون يومًا عَظَّم الله تعالى. فتعجَّبْتُ من ورعه وتحفُظه في منطقه عن مِثْلِ هذا.
وقال يومًا للمبارز المعتمد: قد أكثرتُ عليك من الرِّقاع والشَّفاعات. فقال له: ربما تكتب إليَّ في حَقِّ أُناسٍ لا يستحقون الشَّفاعة، وأكره رَدَّ شفاعتك، فقال له الشيخ: أنا أقضي حَقَّ مَنْ قصدني، وأنت إن شئت أن تقبل، وإنْ شئت ألا تقبل، فقال: ما أَرُدُّ ورقتك أبدًا.
وكان على مذهب السَّلف الصَّالح، حسنَ العقيدة، متمسِّكًا بالكتاب والسُّنَّة، والآثار المَرْويَّة، ويُمِرُّها كما جاءت من غير طَعْنٍ على أئمة الدِّين وعلماء المُسْلمين، وينهى عن صُحْبة المبتدعين، ويأمر بصحبة الصَّالحين.
ذِكْرُ وفاته:
قال المصنِّف ﵀: كان سببُها أَنَّه حَضَرَ مجلسي بقاسيون في الجامع، وأخوه شيخنا الموفَّق ﵀ حاضر، والعمادُ والجماعة، وكان قاعدًا في الباب الكبير، وجرى الكلامُ في رؤية الله تعالى ومشاهدته، واستغرقتُ في ذلك، وكان وقتًا عجيبًا وأبو عمر جالسٌ إلى جانب أخيه الموفق، فقام، وطَلَبَ باب الجامع [ولم أره، فالتفتُّ، وإذا بين يديه شخص يريد الخروج من الجامع،] (١) فصحتُ على الرَّجل: اقعد. فَظَنَّ أبو عمر أنني أُخاطبه، فجلس على عَتَبة بابِ الجامع الجوَّانية إلى أن فَرَغَ
стр. 10518
المجلس، ثم حُمِلَ إلى الدَّير، فكان آخرَ العَهْدِ به، وأقام أيامًا مريضًا، ولم يترك شيئًا من أوراده، فلما أن كان عشية الاثنين ثامن عشرين ربيع الأول جمع أهله، واستقبل الِقبْلة، ووصَّاهم بتقوى الله ومراقبته، وأمرهم بقراءة "يس" وكان آخرَ كلامه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] وتوفي ﵀، وغُسل في وقت السَّحَر، [ومَنْ وصل إلى الماء الذي غُسِّل به نَشَّف به النِّساء مقانعهن، والرجال عمائمهم،] (١) ولم يتخلَّف عن جِنازته أحدٌ من القُضَاة والأمراء والعُلماء والأَعْيان وعامة الخَلْق، وكان يومًا مشهودًا، ولما خرجوا بجنازته من الدَّير كان يومًا شديدَ الحَرِّ، فأقبلت غمامةٌ، فأظلَّتِ النَّاسَ إلى قبره، وكان يُسمع منها دويٌّ كدويِّ النَّحْل، ولولا المبارز المعتمد وابن محارب وشِبْل الدولة الحُسَامي ما وصل إلى قبره مِنْ كفنه شيءٌ، فإنما أحاطوا به بالسُّيوف والدَّبابيس.
وكان قبل وفاته بليلةٍ رأى إنسان كانَ قاسيون قد وَقَعَ أو زال من مكانه، فأوَّلوه موته، ولما دُفِنَ رأى بعضُ الصَّالحين في منامه تلك الليلة النَّبيَّ ﷺ وهو يقول: مَنْ زار أبا عمر الليلة -وهي ليلة الجمعة- فكأنَّما زارَ الكعبة، فاخلعوا نعالكم قبل أَن تصلوا إليه. [ورئيت مناماتٌ كثيرة] (٢)، ومات عن ثمانين سنة، ولم يخلَّف دِينارًا ولا دِرْهمًا، ولا قليلًا ولا كثيرًا.
سمع بدمشق أبا المكارم عبد الواحد بن محمد بن مُسَلَّم بن هلال الأَزْدي، وأبا تميم سلمان بن علي الرَّحْبي، وأبا الفَهْم عبد الرَّحمن بن عبد العزيز الأَزْدِي وغيرهم [وبمصر] (٢) أبا محمد عبد الله بن بَرِّي بن عبد الجبار اللُّغوي المَقْدِسي، وأبا طاهر إسماعيل بن قاسم الزَّيَّات وغيرهما.
وروى لنا الحديث، وعَلَّمني دُعاء السَّنَة، فقال: ما زال مشايخنا يواظبون على هذا الدُّعاء في أوَّل كلِّ سنة وآخرها، وما فاتني طول عمري، وأما أوَّل السنة فإنَّك تقول: اللهم أنتَ الأبدي القديم، وهذه سَنَةٌ جديدة، أسألك فيها العصمة من الشيطان وأوليائه، والعَوْنَ على هذه النَّفْس الأمَّارة بالسُّوء، والاشتغال بما يقرِّبُني إليك يا ذا الجلال والإكرام، فإنَّ الشيطان يقول: قد آيسنا مِنْ نفسه فيما بقي، ويوكل الله به ملكين يحرسانه.
стр. 10519
وأما دعاءُ آخر السنة، فإنَّه يقول في آخر يوم من أيام السَّنة: اللهم ما عَمِلْتُ في هذه السنة مما نهيتني عنه، ولم تَرْضَه ولم تنسه، وحَلُمْتَ عني بعد قُدْرتك على عقوبتي، ودعوتني إلى التَّوبة من بعد جرأتي على معصيتك، فإني أستغفرك منه، فاغفرْ لي، وما عملت فيها مما ترضاه، ووعدتني عليه الثَّواب، فأسألك أن تتقبَّلَه مني، ولا تقطع رجائي منك يا كريم. فإنَّ الشيطان يقول: تعبنا معه طول السنة، فأفسد فِعْلَنَا في ساعة.
وأنشدني [أبو عمر] (١) لنفسه: [من الطويل]
ألم يكُ مَنْهاةً عن الزَّهْو أنني … بدا لي شَيْبُ الرَّأْسِ والضَّعْفُ والألمْ
ألمَّ بيَ الخَطْبُ الذي لو بَكَيتُهُ … حياتيَ حتَّى ينفَدَ الدَّمْعُ لم أُلَمْ
وأنشدني لنفسه: [من الرجز]
أوصيكُمُ بالقَوْلِ في القُرْآنِ … بقيلِ أَهْلِ الحَقِّ والإتْقانِ
ليس بمخلوقٍ ولا بفانِ … لكنْ (٢) كلامُ المَلِكِ الدَّيَّانِ
آياتُهُ مُشْرقةُ المعاني … متلوَّةٌ لله باللِّسانِ
محفوظة في الصَّدْرِ والجَنَانِ … مكتوبةٌ في الصُّحْفِ بالبَنانِ
والقولُ في الصِّفاتِ يا إخواني … كالذَّاتِ والعِلْم مع البيانِ
إمرارها من غيرِ ما كُفْران … من غيرِ تشبيهٍ ولا عُدْوان
وأنشدني لغيره: [مجزوء الكامل]
لي حيلةٌ فيمن ينمُّ … وليس في الكذَّاب حِيلَهْ
مَنْ كان يَخْلُقُ ما يقو … لُ فحِيلَتي فيه قليلَهْ
ورثاه [جماعةٌ، منهم] (١) شمسُ الدِّين محمد بن سَعْد، فقال: [من البسيط]
يا عاذليَّ أَفيقا مِنْ ملامِكُما … وعلِّلاني فإني اليومَ سكرانُ
أَبَعْدَ أَنْ فَقَدَتْ عيني أبا عُمَرٍ … يضُمُّني في بقايا العُمْرِ عُمْرانُ
ما للمساجِدِ منه اليوم مُقْفِرَةً … كأنَّها بعد ذاكَ الجَمْعِ قِيعانُ
ما للمحاريبِ بعد الأُنْس مُوْحِشَةً … كأنَّ لم يُتْلَ فيها الدَّهْرَ قُرْآنُ
стр. 10520
واللهِ واللهِ أَيمانٌ مؤكَّدةٌ … وحُقَّ أَنْ تتوالى فيك أَيمانُ
لو كان صَرْفُ الرَّدى بالمالِ مُفْتدَيًا … أُعطي فِداك كما أعطى سليمانُ
تبكي عليك عيونُ النَّاسِ قاطبةً … إذْ كانَ في كلِّ عينٍ منك إنسانُ
وكان في كلِّ قلبٍ منك نورُ هدى … فصارَ في كلِّ قلبٍ منك نيران
وكلُّ حيٍّ رأينا فَهْوَ ذو أسفٍ … وكلُّ مَيتٍ رآه فَهْوَ فَرْحانُ
والناس في حلباتِ السَّبق أنفسهم … هي النجائب والأحوال ميدان
لا زال يَسْقي ضريحًا أنت ساكِنُهُ … سحائِبٌ غَيثُها عَفْوٌ وغُفْرانُ
كم مَيِّتٍ ذِكْرُهُ حيٌّ ومتَّصِفٍ … بالحيِّ مَيت له الأثوابُ أكفانُ
وأنشدني أيضًا على لسان ولده عبد الرحمن -وكان إذ ذاك صغير السن، لأنَّ مولده سنة سبع وتسعين- من أبيات: [من البسيط]
لا تعجبوا مِنْ تباريحي ومِنْ فِكَرِي … هدَّ الأكابرَ ما لاقيتُ في صِغَرِي
لم يُبْقِ فيَّ الأسى والسُّقْمُ جارحةً … فكيف أُشْفِقُ مِنْ دَمْعي على بَصَرِي
لو حلَّ بالأرضِ ما قد حَلَّ بي خُسِفَتْ … والشَّمْسُ ما طَلَعَتْ والبَدْرُ لم يُنِرِ
فقدتُ روحي وراحاتي بفِقْداني … أبي المكارمِ والتَّقْوى أبي عمر
والله لو زِيدَ في عُمْرٍ بموهبةٍ … يومًا وهبتُ له يا سادتي عُمُري
وكنتُ أفديه من سُوءٍ أَلَمَّ به … بما قدرتُ ولو بالسَّمْعِ والبَصَرِ
لكنَّه القَدَرُ المحتومُ ليس له … من دافعٍ مِنْ جميعِ البَدْو والحَضَرِ
ذِكْرُ أولاده:
كان له [عِدَّة] (١) أولاد، منهم عمر، وأمه فاطمة بنت عبد الرَّحمن [عمة الضِّياء محمد] (١)، وكانت أسنَّ من أبي عمر، وتوفيت قبله بيسير، وكان له منها أولاد أُخر.
وعبد الله، ويلقب بالشَّرف، وهو الذي قام بعده، وأمه [فاطمة] (١)، بنت أبي المجد، دمشقية، توفيت في حياته.
وأحمد، أُمُّه آمنة بنت أبي موسى، توفيت بالبيت المقدس، وهو شابّ.
стр. 10521
وعبد الرَّحمن، ولقبه شمس الدين، وهو الخطيب بعد أخيه عبد الله، وهو شقيق أحمد [لأمه وأبيه] (١)، وكان لأبي عمر بنات كما قال الله تعالى: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥].
النِّظام الطُّغْرائي
وزير الظَّاهر صاحب حلب، واسمه حمد بن الحسين.
كان أديبًا كاتبًا مترسِّلًا، أقام في خِدْمة الظَّاهر عشرين سنة، وتوفي في صفر، وصلَّى عليه الظَّاهر تحت القلعة، وحُمِلَ إلى داره، فدفن بها إلى سنة تسع عشرة وست مئة، فأُخرج تابوته منها، ودُفِنَ في المقام عند تُرْبة مجد الدِّين ابن الدَّاية، وبيعت داره في الدَّين.
مظفر بن شاشير (٢)
[الواعظ] (١)، الصُّوفي، البغدادي.
ولد سنة ثلاثٍ وعشرين وخمس مئة [(٣) وكان يعظ في الأعزية، وترب الرصافة، والمساجد، والقُرى، وكان مطبوعًا كيِّسًا ظريفًا، وكان يسكن دار العميد عند الصوفية، فتوفي في المحرم، ودفن عند معروف الكرخي.
سمع أبا الوقت وغيره، جلس يومًا في مسجد القرية، فقام إليه إنسان، فقال: أنا مريض وجائع، فقال له: أحمد ربك، فقد عوفيت].
واجتاز يومًا بقصاب يبيع لحمًا هزيلًا، وهو ينادي: أين مَنْ حلف لا يُغْبَن؟ فقال له: حتى تُحْنِثَه!
[وقال: خرجت يومًا إلى بَعْقُوبا، فتكلمت بها في الليل في جامعها، فقال واحد: عندي نصفية، وقال آخر: وعندي نصفية، فعدُّوا نحوًا من خمسين نصفية، قال: فقلت في نفسي، استغنيت الليلة. فلما أصبحنا، وإذا في زاوية المسجد مقدار كارة شعير،
стр. 10522
فقلت: ما هذا؟ قالوا: النصافي، كل كيل نصفية. فقلت: ما جمع الله عليكم غير نصافيكم. وقد أنكرت أن تكون النصافي التي تحمل إليَّ إلا كرى] (١).
وقال: جلست بباجِسْرى، فجمعوا لي شيئًا ما أعلم ما هو، فلما أصبحنا إذا في جانب المسجد صوفُ الجاموس وقرونه، فقام واحدٌ ينادي عليه ويقول: مَنْ يشتري صوفَ الشَّيخ وقرونه؟ فقلت: رُدُّوا صوفكم وقرونكم إليكم، ما لي بها حاجة.
[قال: وذكر يومًا إذا مات العبد وهو سكران حُشِرَ وهو سكران، فقام واحد، فقال: يا مولانا، أين هذا الخمر؟ يساوي كل قدح منه دينار.
قال: وسمعته ليلة ينشد بقرية الرَّصافة في بعض المواسم وذكر فصلًا في الربح، ويقال: إن الأبيات لابن النيل الشاعر، وهي هذه] (١): [من البسيط]
عرائسُ الأرضِ تُجْلَى في غلائلها … وفي حُلِيٍّ عليها صاغه الدِّيَمُ
يسير في حُلَلِ الأنوار مُذْهبة … في كل ناحية من نَسْجِها عَلَمُ
دُرٌّ من الأقْحوانِ الغَضِّ زينته … حُمْرُ اليواقيتِ في المنثور يَنْتَظِمُ
كأنَّما بالسَّماء الأرضُ شامتةٌ … تبكي السماء وثَغْرُ الأرضِ مُبْتَسِمُ
توفي مُظَفَّر في المحرَّم، ودُفِنَ عند قبر معروف الكَرْخي.
الوجيه بن البُوني المَغْربي (٢)
إمام مقصورة الحنفية الغربية بجامع دمشق.
كان صالحًا دَيِّنًا، فقيرًا، قارئًا للقرآن بالسَّبْع، وأنشد: [من الطويل]
ومِنْ عادةِ السَّادات أَنْ يتفقَّدوا … أصاغرَهُمْ والمكْرُماتُ مصايدُ
سليمانُ ذو مُلْكٍ تفقَّدَ هُدْهُدًا … وإنَّ أَقَلَّ الطائراتِ الهداهِدُ
стр. 10523
[فصل: وفيها توفي
يحيى بن أبي الفَتْح (١)
ابن الطبَّاخ، الحرَّاني الضَّرير.
شيخنا، قدم بغداد، وأقام بها مدة يتفقه على مذهب أحمد بن حنبل، وسمع الحديث، وقرأ النحو على أبي البقاء العكبري وغيره، وعاد إلى حران، فأقام بها إلى أن توفي، وكان قد ابتلي في آخر عمره، فوقعت الأكلة في فِيه.
سمع شُهْدة، وعبد الحق بن يوسف، وابن الخشَّاب وغيرهم، وكان صالحًا، فقيرًا، صبورًا على قضاء الله تعالى، ديِّنًا، اجتزت بحران سنة ثلاث وست مئة، فسمعت عليه الحديث] (٢).
السنة الثامنة وست مئة
فيها عاد نجاح الشَّرابي والقُمِّي من ششتر إلى بغداد، وبين أيديهما سنجر مملوك الخليفة الذي عصى عليه، راكبًا على بغل ببرذعة، وفي رِجْله سِلْسِلَةٌ، وحُبِسَ، وجَمَع القُمي القضاةَ والفقهاءَ والأعيان، وأخرج كتبه إلى المخالفين للدَّوْلة وإلى نوابه يقول: من لقيتم من عسكر الخليفة [فاقتلوه] (٢) -وقرأها على الجماعة- فأفتَوْا بإراقة دمه، وأيس سنجر [والنَّاس] (٢) مِنْ نفسه، فقال القُمِّي: فإنَّ أمير المؤمنين قد عفا عن ذنبه، وصفح عن جُرْمه، فأفاضَ الخِلَعَ عليه، وجمع بينه وبين أهله في [الصَّاغة في] (٢) دار طاشْتِكِين بدار الخليفة.
وفيها قَدِمَ رسولُ جلال الدين حسن صاحب ألموت يخبر بأَنَّهم قد تبرؤوا من الباطنية، وبنوا الجوامع والمساجد، وأقيمت الجمعة والجماعات عندهم، وصاموا رمضان، فَسُرَّ الخليفةُ والنَّاسُ بذلك، وقدمت خاتون أم جلال الدين حاجَّة، فاحتفل لها الخليفة.
стр. 10524
وفيها بعث الخليفة خاتمه إلى وجه السَّبع إلى الشَّام، وبعث معه العادل رسولًا، فأكرمه الخليفة، وولى وجه السبع الكوفة إقطاعًا.
وفي شعبان قدم أيدغمش من هَمَذَان إلى بغداد، وكان منكلي مملوك أزبك قد طرده من هَمَذَان، فاحتفل له الخليفة، وأخرج جميع أرباب الدولة للقائه، وأقام له الضِّيافات العظيمة.
وفيها أمر الخليفة أن يُقرأ "مسند أحمد بن حنبل" -رحمة الله عليه- بمشهد موسى بن جعفر بحضرة صفيِّ الدِّين محمد بن مَعَدّ الموسوي بالإجازة عن الخليفة، وأول ما قُرئ منه مسند أبي بكر الصِّدِّيق -رضوان الله عليه- وحديث فَدَك، وما جرى فيها.
وفيها قُبِضَ على أبي جعفر محمد بن النَّاعم؛ حاجب الباب، وظَهَرَ أَنَّه خان في الأموال، فاستؤصل، وضُرِبَ بالخشب إلى أن مات تحت الضَّرب، ورمي بدِجْلة، وكان شيخًا جَبَّارًا ظالمًا، جبَّاهًا بالقبيح.
وحج بالنَّاس من العراق علاءُ الدين محمد بنُ ياقوت نيابةً عن أبيه، ومعه ابنُ أبي فراس يفقهه ويدئره، وفي الحج أُمُّ جلال الدين، وحَجَّ من الشَّام الصَّمصام أخو سياروخ على حَجِّ دمشق، ومن القدس الشُّجاع علي بن السَّلَّار أميرًا [على حج القدس] (١)، وكانت ربيعة خاتون بنت أيوب أخت صلاح الدين في الحج، فلما كان يوم النحر بمِنى بعدما رمى النَّاس الجمرة وَثَبَ الإسماعيلية على رجلٍ شريف من بني عم قتادة أشبه الناس به، وظنوه إياه، فقتلوه عند الجمرة، ويقال: إنَّ الذي قتله كان مع أُمِّ جلال الدين، وثار عبيد مكة والأشراف، وصَعِدُوا على الجبلين بمنى، وهلَّلوا، وكبَّروا، وضربوا النَّاس بالحجارة والمقاليع والنُّشَّاب، ونهبوا النَّاس يوم العيد والليلة واليوم الثاني، وقتل من الفريقين جماعة، فقال ابنُ أبي فراس لمحمد بن ياقوت: ارحلوا بنا إلى الزاهر منزلة الشَّاميين. فلما حصلت الأثقال على الجمال حَمَلَ قتادة أميرُ مكة والعبيد عليهم، فأخذوا الجميعَ إلا القليل، وقال قتادة: ما كان المقصود إلا أنا، والله لا أبقيتُ من حاجِّ العراق أحدًا، [وكانت ربيعة خاتون بالزَّاهر، ومعها ابن
стр. 10525
السلار، وأخو سياروخ، وحج الشام،] (١) فجاء محمد بن ياقوت [أمير الحاج العراقي،] (١) فدخل خيمة ربيعة خاتون مستجيرًا بها، ومعه خاتون أُمُّ جلال الدين، فبعثت ربيعة [خاتون] (١) ابن السَّلَّار إلى قتادة تقول: ما ذَنْبُ النَّاس، قد قتلت القاتل، وجعلتَ ذلك وسيلة إلى نَهْبِ المسلمين، واستحللت الدِّماءَ في الشهر الحرام في الحرم والمال، وقد عَرَفْتَ مَنْ نحن، ومَنْ أولاد أخي، والله لئن لم تنته لأفعلنَّ ولأفعلن. فجاء إليه ابنُ السَّلَّار وخوَّفه، وقال: ارجع عن هذا وإلا قَصَدَك الخليفةُ من العراق، ونحن من الشَّام. فكفَّ عنهم، وطلب مئة [ألف دينار، فجمعوا له ثلاثين ألفًا من أمير الحاج العراقي، ومن] (١) خاتون أُمِّ جلال الدين، وأقام النَّاس ثلاثة أيام حول خيمة ربيعة خاتون بين قتيلٍ وجريحٍ، ومسلوب وجائع وعُرْيان، وقال قتادة: ما فعل هذا إلا الخليفة، ولئن عاد قرَّب أحد من بغداد إلى ها هنا لأقتلن الجميع.
ويقال: إنه أخذ من المال والمتاع وغيره ما قيمته ألفا ألف دينار، وأَذِنَ للنَّاس في الدخول إلى مكة، فدخل الأصحاء والأقوياء، فطافوا وأيّ طواف! ومعظمُ النَّاس ما دخل، ورحلوا إلى المدينة، ودخلوا بغداد على غايةٍ من الفقر والذُّلِّ والهَوَان، ولم ينتطح فيها عَنْزان.
وفيها توفي
الحسن بن محمد بن الحسن (٢)
أبو سَعْد، تاج الدين بن حَمْدُون، مصنف كتاب "التذكرة" (٣).
قرأ اللغة على ابن العَصَّار، وولي المارَسْتان العَضُدي، وأُغري بجَمْعِ الكُتُب والخطوط المَنْسُوبة، وتوفي بمدائن كِسْرى، وحُمِلَ إلى مقابر قريش، فدفن بها، وكان فاضلًا، بارعًا.
стр. 10526
شركس بن عبد الله الصَّلاحي (١)
ويقال [أياز شركس، ويقال:] (٢) أياز جهاركس؛ يعني أنه اشتُري بأربع مئة دينار.
وكان من أُمراء صلاح الدين، شهد معه الغزوات كلها، كان منحرفًا عن الأفضل، وكان العادل قد أعطاه بانياس، وتبنين، وشقيف، وهُونين، وقلعة أبي الحسن، وتلك البلاد، فأقام بها، وكان يتردَّد إلى دمشق، فمرض، وتوفي في صفر، ودفن بقاسيون، وخلف ولدًا، فأقرَّه العادل على ما كان لأبيه، وقام بأمره الأمير صارم الدين خُطْلُبا التِّبْنيني أحسنَ قيام، وسدَّ تلك الثغور، وقوَّم الأمور على أحسن نظام، واشترى [صارم الدين] (٢) الكَفْر بوادي بردى، ووقَفَها على تُرْبة فخر الدين شركس، وعَمر له قُبة عظيمة على الجادة، [وقابل إحسانه إليه بالحسنى وزيادة] (٢) وأقام صارم الدين [بالحصون] (٢) إلى سنة خمس عشرة، وانتزعت منه.
عبد الواحد بن عبد الوهاب (٣)
ابن علي بن سُكَيْنة، ويلقب بالمعين.
ولد سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، وسافر إلى الشَّام في أيام الأفضل، وبسط لسانه في الدَّوْلة، فأُرسل إليه من بغداد ابنُ التكريتي ليقتله، فوثَبَ عليه مرارًا بدمشق، فلم يقدر عليه، فكتب إلى الخليفة كتابًا يتنصَّل فيه مما قيل عنه، ويعتذر، ويسأله العفو، فعفا عنه، وكتب له كتابَ أمانٍ، فقَدِمَ بغداد، فولاه مشيخة الشيوخ، وأُعطيَ رباط المشرعة، ثم بعثه بعد ذلك في رسالة إلى جزيرة كيش، ومعه جماعةٌ من الصُّوفية، فغَرِقَ في البحر ومَنْ معه.
стр. 10527
سمع جدَّه لأُمِّه شيخ الشيوخ عبد الرَّحيم وغيره، وأنشد لجدِّه عبد الرَّحيم: [من الوافر]
ولم أَخْضِبْ مشيبي وهو زَيْنٌ … لإيثاري جهالاتِ التَّصابي
ولكن كي يراني مَنْ أُعادي … فأُرْهبُهُ بوَثْباتِ الشَّبابِ
الشيخ عمر بن مسعود البزَّاز (١)
صحب سيدنا الشيخ عبد القادر الجِيلي، وجماعةً من المشايخ، وبنى رباطًا عند جامع بلهيقا، وكان يتكلَّم في الحقيقة والطَّريقة كلامًا حسنًا، سمع سعيد ابن البَنَّاء وغيره.
محمد بن النَّاعم كمال الدين (٢)
حاجب الباب.
كان حسنَ الصُّورة، قبيحَ الفِعال، صادَرَ جماعةً، وماتوا تحت الضَّرْب، فلما قُبِضَ عليه ضُرِبَ ضَرْبًا مُبَرِّحًا، فلم يُقِرَّ بشيء، فمات تحت الضَّرب، فظهر له بعد ذلك أموالٌ عظيمة ودفائنُ كثيرة، ورُمِيَ به في دِجْلة كما كان يفعلُ بالنَّاس.
محمد بن يونُس (٣)
الملقَّب بالعماد، الفقيه المَوْصلي.
ولد سنة خمس وثلاثين وخمس مئة، وتفقَّه [على مذهب الشافعي] (٤)، وانتهت إليه رياسة أصحاب الشَّافعي بالمَوْصل، وبُعث رسولًا إلى بغداد لما توفي نور الدين أتابك
стр. 10528
رسلان شاه، وكان به وُسْواسٌ في الطَّهارة، يبعث كلَّ يومٍ غلامه إلى الجسر، فيقف وَسْط الشَّطِّ، ويملأُ الأباريق، فيتوضأ بها، وكان على ما قيل: يعامل الناس (١)، فالتقاه قضيبُ البان المولَّه يومًا، فقال له العماد: سلامٌ عليك يا أخي، كيف أنتَ يا أخي؟ فقال: أما أنا فبخير، بلى قد بلغني عنك أَنَّك تغسل أعضاءَك بأباريقِ ماءِ كلّ يوم، فلم لا تشطف اللُّقْمة التي تأكلها! ففهم العمادُ قوله، فرجع عن ذلك، وكانت وفاته في رجب بالمَوْصِل.
مطفر التماشكي البغدادي (٢)
كان يقول "كان وكان"، [وهو أكثر أشعاره] (٣)، ومن قوله في امرأةٍ عجوز:
مع الكبر ما يقلع ضرس الصبي من ضرسها … وكل ضرس فيها من الكبر مقلوع
[وقد عزل ناظرها وقد غلقنا بابها … وصار ذاك الراتب من جانبي مقطوع] (٣)
قولوا لها لا تسألي الطبيب عن مرض الكبر … ذي علة ضاع فيها علاج بختيشوع
وقال [في أخرى] (٣):
ذي زوجها ماشطها وكل من جاحفها … قصده يرى النفس عنده في كفها ألوان
إن شندرت فلوجهه نصيب قبل كفوفها … ما صح ذاك النشادر إلا من الدخان
وقال:
لها على الخد كوكب يسوى السماء بنجومها … أنفع لها من أبوها وهي تسميه خال
ذا من خطاط الحاجب نقط فسمي خال … ما كيف ألحقه بنسبها وهو من البغال
السنة التاسعة وست مئة
فيها خلع الخليفة على أَيدُغْمُش الفَرَجية والعِمامة، وخِلَعًا تقارب خِلَع السَّلْطنة، وأعطاه مالًا، وأمره أن يبرز خيامه ليسير إلى هَمَذَان، وأعطاه الكوسات والأعلام.
стр. 10529
[وفيها صُرِف خالي أبو محمَّد يوسف من الحِسْبة والنظر في الوقف العام، وَرُدَّ ذلك إلى شرف الدين بن البخاري، فولى أبا البركات يوسف بن المبارك بن هبة الله الحِسْبة والوقف العام] (١).
[وفيها كانت نوبة سامة الجِيلي] (١)، اجتمع العادل وأولاده: الكامل والفائز والمُعَظَّم بدمياط، وكان سامة بالقاهرة قد استوحش منهم، واتهموه بمكاتبه الظاهر صاحب حلب، [وحكى لي المعظم أنه] (١) وَجَدَ له كُتُبًا إليه وأجوبة، فخرج سامة من القاهرة كأنَّه يتصيَّد [واغتنم اجتماع الملوك بدمياط،] (١) وساق إلى الشَّام في مماليكه يطلب قِلاعه: كوكب وعجلون، وكان ذلك يوم الاثنين سَلْخ جُمادى الآخرة، فأرسل والي بِلْبِيس الحَمَامَ إلى دِمْياط يخبرهم بذلك، فقال العادل: مَنْ ساق خَلْفه فله أموالُه وقلاعه، فقال المعظم: أنا. وركب من دمياط يوم الثلاثاء غُرَّة رجب.
قال المصنف ﵀: وكنتُ معه، فقال في: أنا أُريد أَنْ أسوق، فَسُقْ أنتَ مع قُماشي. ودفع لي بغلة، وساقَ ومعه نفرٌ يسير، وعلى يده حصان، فكان صباح يوم الجمعة بغَزَّة، [ساق مسيرة ثمانية أيام في ثلاثة أيام] (١)، فسبق سامة، وأما سامة فتقطَّع عنه مماليكه، وبقي وَحدَه، وبه نِقْرِسٌ، فجاء إلى بلد الدَّاروم، وكان المُعَظَّم قد مسك عليه من البحر إلى الزَّرْقاء، فرآه بعضُ الصَّيَّادين في برية الدَّاروم، فعرفه، فقال له: انزل، فقال: هذه ألفُ دينار وأوصلني إلى الشَّام. فأخذها الصَّيَّاد وجاء رفاقه، فعرفوه، فأخذوه على طريق الخليل ﵇ ليحملوه إلى عجلون، فدخلوا به القُدْس يوم الأحد سادس رجب، جاء بعد المعظم بثلاثة أيام. [(٢) فقال لي المعظم ﵀: ما كنتُ خائفًا إلا من غلمانه يصادفوني في الطَّريق، فيقتلوني، لو رماني إيدكين بسهم قتلني]، فملَّكه الله إيدكين والجميع.
فأنزل سامة في صِهْيَوْن، وبعث إليه بثيابٍ وطعام، ولاطفه وراسله، وقال: أنتَ شيخٌ كبير، وبك نِقْرِس، وما يَصْلُح لك قلعة، سَلِّمْ إليَّ كوكب وعجلون، [وأنا] (١) أحلف لك
стр. 10530
على مالك وملكك، وجميع أسبابك، وتعيش بيننا مثل الوالد. فامتنع، وشَتَمَ المعظَّم، [وذكر كلامًا قبيحًا،] (١) فلما أيس منه [المعظم] (١) بعث به إلى الكَرَك، فاعتقله، واستولى على قلاعه وأمواله وذخائره وخَيله، فكان قيمة ما أخذ منه ألف ألف دينار.
وحجَّ بالنَّاس من العراق حسام الدين ابن أبي فراس نيابةً عن محمَّد بن ياقوت، وكان معه مال وخِلَعٌ لقتادة حتى سكت عنهم، ومن الشَّام شجاع الدين بن محارب على أَيلَة.
[فصل: وفيها توفي
إبراهيم بن محمَّد بن أبي بكر (٢)
أبو إسحاق، القَفْصي، المحدّث.
سمع الكثير بدمشق وغيرها من مشايخنا، وكانت وفاته في ربيع الأول، ودفن عند المُنَيبع بمقابر الصُّوفية] (١).
وفيها توفي
أيوب بن أبي بكر بن أيوب (٣)
الملك الأوحد، نجم الدين صاحب خِلاط.
[قد ذكرنا سفكه لدماء المقدَّمين من أهل خِلاط، فلم يطل عمره، و] (١) ابتلي بأمراضٍ مُزْمنة كان يتمنَّى الموت معها، وكان قد استزار أخاه الأشرف من حَرَّان، فأقام عنده أيامًا، واشتدَّ مرضه، فطلب الأشرف الرجوع لئلا يتخيَّل منه الأوحد، فقال له الأوحد: يا أخي كم تَلِجّ، والله إني مَيِّت، وأنتَ تأخذُ البلاد.
стр. 10531
وكان الأوحد قد صاغ للأشرف طلعة من ذهب من خمس مئة دينار للسَّنْجق، وبقيت في الخزانة، [واشتغلوا بمرض الأوحد،] (١) فتوفي، ومَلَك الأشرف، وأول ركوبه في خلاط [بالسَّنْجَق كان] (١) بتلك الطلعة، وكانت وفاةُ الأوحد بملازكرد، فَدُفِنَ بها، وجاء الأشرف، فدخل خِلاط، فأحسنَ إلى أهلها، وخَلَعَ عليهم، وعَدَلَ فيهم، فأحبُّوه، وأطاعوه، وقدموا من البلاد، وسُرُّوا بموت الأوحد، فكانت مُدَّةُ ملكه خِلاط أقلَّ من خمس سنين، [لأنه ملكها في سنة أربع وست مئة] (١).
محمود بن عثمان بن مكارم (٢)
أبو الثَّناء، النَّعَّال الحَنْبَلي، الشيخ الزَّاهد.
ولد سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة ببغداد بالبَدْرية، وقرأ القرآن، وسَمِعَ الحديث، وكان آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، وكانت له رياضاتٌ ومجاهدات، وساح في بلاد الشَّام وغيرها، وبنى رباطًا بباب الأَزَج، يأوي إليه أهلُ العِلْم من المقادسة وغيرهم، وكان يُؤثرهم، وانتفعَ به خَلْقٌ كثير، [وقد رأيت هذا الرباط، وزرت الشيخ فيه] (١)، وكان شيخًا مهيبًا، لطيفًا [كيسًا، باشًّا،] (١) مبتسمًا، يصوم الدَّهر، ويختم القرآن كلَّ يومٍ وليلة، ولا يأكل إلا من غَزْل عمته [(٣) وكان يزور جدي، ويحبه ويحترمه.
وحكى لنا أنه كان ببغداد رجل عواني يقال له شروين، وكان فاتكًا ذا شر، إذا رأى امرأة أو صبيًّا مستحسنًا في طريق تبعهما، فإذا صادف رجلًا من أولاد الناس لزمه، وقال: كانت هذه عندك. ومقصوده يأخذ منه شيئًا، ويقول: امشِ إلى الحبس، فيأخذ ما معه. قال محمود: وكنت إذ ذاك صبيًّا، وضيء الوجه، فسألني جماعة من الأخيار أن نمضي إلى زيارة معروف الكرخي، واشتروا مأكولًا، وعبرنا دجلة، وقد تبعنا شروين، ولم نعلم، فدخلنا بستانًا، وقعدنا نأكل، وإذا به قد هجم علينا، وقعد بيننا، فخاف الجماعة منه، ومد يده، فأخذ لقمة، فصحت عليه صيحة عظيمة، وقلت له: ويلك، قم فنحن ما يأكل معنا إلا
стр. 10532
مَنْ هو وليٌّ لله تعالى. قال: فتغيَّر لونه، ورمى باللقمة من يده، وولى منصرفًا، وما عاد إلى مثلها، وكانت وفاته في صفر، ودفن برباطه، ﵀.
وكان له ولد صغير يعظ في الرباط، فلما كان في أربع وأربعين وست مئة قدمت بغداد، فجاء إلى عندي، وقد ساح، وحصل له فضل من فنون العلم، وسألته أن يعظ، فقال: إنه يعظ في الأحايين.
فصل: وفيها توفي
علي بن يحيى بن بركة القطان (١)
أبو الحسن، ابن أُخت جدتي فاطمة، المدعوة ست الأعز، وكان يحيى يدعى بالأعز.
سمع الحديث مع جدي على معظم شيوخه، مثل الأرموي وابن ناصر، وكانت له إجازة من قاضي المارَسْتان، وكانت وفاته في رمضان، ودفن بباب حرب، وسمعنا منه، وكان متكبرًا جدًّا، فكان جدي يقول: يا ليت شعري، من أين جاء بهذا التكبر، إنما يتميزوا بي، وأنا فما أنا متكبر!
وكان يقال له المورق، وتوفي في هذه السنة].
السنة العاشرة وست مئة
فيها ورد شمسُ الدِّين عبد المجيد بن التِّنَّبي (٢) رسولًا من العادل إلى بغداد، وكان قد أحسن إلى العادل لما حوصر بدمشق، واقترضَ له أموال التُّجار، وضمنها، فرأى العادل له ذلك، وأحبه وقرَّبه، فحسده الصَّفي بن شُكْر، فأبعده عنه، وكان شمسُ الدِّين سيدَ الأجواد، [وسند الأمجاد، والأَوْلى عند ذكرِهِ طيّ ذِكْرِ حاتم طي] (٣).
стр. 10533
وحجَّ بالنَّاس أبو فراس (١) نيابةً عن ابنِ ياقوت، ومن الشام الغرز صديق ابن تمرداش التُّرْكماني على أَيلة بحاج الكَرَك والقُدْس.
وحجَّ الملك الظَّافر خضر بن صلاح الدين على تَيْماء، ومعه حج الشَّام ويعقوب الخياط المغاري، كان مقيمًا بخلوة الجوع بقاسيون، وكان صديق الظَّافر، [فلما وَصَلَ الظَّافر] (٢) إلى بدر وجَدَ عسكر الكامل صاحب مِصْر قد سبقه خوفًا على اليمن منه، فقالوا: ترجع، قال: قد بقي بيني وبين مكة مسافة يسيرة، ووالله ما قَصْدِي اليمن، وإنما أريد الحج، فَقَيِّدوني واحتاطوا بي حتى أقضيَ المناسك، وأعودَ إلى الشَّام. فلم يلتفتوا إليه، فأراد أن يقاتلهم، فلم يكن له بهم طاقة، فرجع إلى الشَّام، وعاد يعقوب الخياط معه، ولم يحجَّ.
وفيها توفي
أحمد بن محمَّد بن عمر (٣)
[الأَزَجي، ويعرف بالموفَّق.] (٢)
نشأ بباب الأَزَجّ، [وسمع معنا الحديث من ابن كُلَيب، وابن بَوْش، وابن طَبَرْزَد، وغيرهم، وكانوا ينبزونه بشمس كلي عينه،] (٢) وكان فقيرًا، خَرَجَ إلى الشَّام، واجتمع بالظَّاهر صاحب حلب وقال له: قد بعث لك الخليفة معي إجازة [وتقوَّل على الخليفة] (٢)، فَخَلَعَ عليه، وأعطاه خمسين دينارًا، ودار على ملوك البلاد، فحصل له منهم ثلاث مئة دينار.
قال المصنِّف ﵀: اجتمعتُ به في دمشق وقد رَجَعَ من زيارة القُدْس، فقلت له: إلى أين انتهت زيارتك؟ فقال: إلى لوط، وكان مطبوعًا، وبلغني حديثه، فقلت له: قد فعلتَ ما فعلت، فلا تَقْرَبْ بغداد. فقال: أتتك بحائنٍ رِجْلاه. فقلت: ما أخوفني أن يصحَّ المَثَلُ فيك. فكان كما قلتُ؛ نَزَلَ إلى بغداد في سفينة من المَوْصل، وصَعِدَ بباب
стр. 10534
الأزج إلى بيت أُخته وقت المغرب، فلما كان بعد العشاء الآخرة طَرَقَ البابَ طارِقٌ، فقال: مَنْ هذا؟ فقال: كلِّمْ [من يطلبك] (١). فخرج، وإذا برَجُلٍ، فسحبه [عن الباب] (١)، وضربه بسكِّين حتى قتله، ثم صاحَ على الباب: اخرجي خُذِي أخاك وما معه. فخرجتْ أُخته، وإذا به مقتولٌ، فأخذتِ المال، ودفنته في اللَّيل.
[وفيها توفي
إسماعيل بن علي بن الحسين (٢)
أبو محمَّد، الملقب بالفخر غلام ابن المني، ويعرف بابن الرَّفَّاء، وبابن الماشطة، الحنبلي.
ولد سنة تسع وأربعين وخمس مئة، وقرأ المذهب والخلاف على أبي الفتح بن المني، وقرأ طريقة الشريف، وصنف له تعليقة، وكان فصيحًا، وله عبارة جيدة، وصوت رفيع، وكان له حلقة بجامع الخليفة يجتمع إليه الفقهاء فيها ويناظرهم، وولاه الخليفة ضياع الخاص، فظلم الرعية، وجبى الأموال من غير حِلِّها، فشكوه إلى الخليفة، فسخط عليه وعزله، فأقام في بيته خاملًا فقيرًا يعيش من صدقات الناس إلى أن توفي في ربيع الأول، ودفن في داره بدرب الجب، ثم نقل بعد مدة إلى باب حرب، وبيعت الدار.
وولده محمَّد بن إسماعيل الملقب بالشمس، قدم الشام بعد سنة عشرين وست مئة، وتعانى الوعظ، وكان فاسقًا مجاهرًا، هجّاءً، خبيث اللسان، وكان معه جماعة من المُرْدان من أبناء الناس ويقول: إنهم مماليكه، وسمى نفسه ابن المني، وإنما هو ابن غلام ابن المني، وبدت منه بدمشق ومصر والشام هَنَاتٌ قبيحة، وكان يضرب الزَّغَل مع هذه الهَنَات.
стр. 10535
وورد خالي أبو محمَّد يوسف رسولًا إلى الكامل، فكتب في حقه إلى بغداد أشياء، وشنَّع عليه، وكان الخليفة هو المستنصر، فلم يسمع منه، ونفاه الكامل من مصر، فجاء إلى دمشق، فهجا قاضيها شمس الدين بن الخويي، ومحتسبها، وشيخ شيوخها الصدر البكري، وأعيان الدماشقة، هجاهم بقصيدة يقول فيها: [من المنسرح]
شيخُ شيوخ الشآمِ مسخرةٌ … هذا وقاضي قضاتهم نَرْدِي
وكان نازلًا في مدرسة الحنابلة عند الناصح ابن الحنبلي، فهجا الناصح والمقادسة، وشكاه الناصح إليَّ، واتفق أنه مسك غلامه في السوق ومعه دراهم زغل، ووصل الخبر إلى المعظم، فأراد قطع يده، ثم نفاه، ومات المعظم وهو بدمشق، وأقام بالشام مدة، ثم خطر له الرحلة إلى بغداد، فقدمها في أيام المستنصر بالله، وتوصّل حتى جلس بباب بدر، ثم شرع في السِّعايات بالناس، وكان خالي ببغداد، وهو بها، واتفق أن غلامًا له تعرّض لبعض خدم الناس من السطح، فجاء زوجها إلى الباب، وشنع عليه، فمضى إلى أستاذ الدار ولبَّس عليه، وقال: أمرك الوزير أن تضرب زوجها مئة خشبة، وتحلق رأسه، ففعل بالرجل ذلك، وبلغ المستنصر، فقامت عليه القيامة، وبعث إلى الوزير شهاب الدين أحمد بن الناقد، وأنكر عليه، فأحضر أستاذ الدار، وسأله عن القضية، فأحاله على غلام ابن المني، فأمر الخليفة أن يخرج إلى باب النوبي، ويضرب مئة خشبة، ويقطع لسانه. ففعلوا به ذلك، وأعطوه لسانه في مداسه، ونادوا عليه: هذا جزاء من يكثر كلامه. وحمل إلى المارستان العضدي، فتكلم، وكان قد قطع لسانه من أصله، وبرأ، فأخرج من المارَسْتان، فعاد إلى السعاية بالناس، فقال المستنصر: لا يجيء من هذا خيرٌ أبدًا، يُحمل إلى واسط. فنفي إلى واسط، وألقي في مطمورة، فمات بها في أيام المستنصر، وكان ما فعل به المستنصر من أكبر حسناته وأجمل صفاته] (١).
стр. 10536
أُيْدُغْمُش صاحب هَمَذَان (١)
ذكرنا أن الخليفة [خلع عليه، و] (٢) أمره بالتقدُّم إلى هَمَذَان، فسار، وأقام [عند بني ترجم] (٢) ينتظر عساكر الخليفة، فطال عليه الأمر، فرحل نحو هَمَذَان، فالتقاه عسكر منكلي، فقاتلوه وقتلوه، وحملوا رأسه إلى منكلي، وتفرَّق أصحابه.
وكان صالحًا، كثيرَ الصَّدقات، دَيِّنًا، صائمًا، قائمًا، عادلًا.
حكى لي الظَّهير غازي بن سُنْقُر الحلبي ﵀، قال: لما كسره منكلي اجتاز ببعض قلاع الإسماعيلية، فنزل تحتها، فبعث إليه مقدَّمها بالضِّيافات والإقامات، وقال له: أنا أنجدك بالأموال والرِّجال، فقال لرسوله: قل له: إنْ كنتَ مسلمان فأريد، وإن كنتَ كافران فما لك عندي إلا شمشير. فأرسل إليه يقول: أنا مسلمان. فقال: الآن فنعم.
شمشير: السَّيف.
وقيل: إنما اجتاز ببلاد جلال الدِّين، [وهو الذي بعث إليه الرسالة] (٢).
سعيد بن علي بن أحمد (٣)
أبو المعالي، ابنُ حديدة، [ولقبه معز الدين] (٢)، من ولد قُطْبة [بن عامر] (٢) بن حديدة الأنصاري الصَّحابي.
ولد بكَرْخ سامَرَّاء سنةَ ستٍّ وثلاثين وخمس مئة، ونشأ ببغداد، وكان [أحد الموسرين] (٢)، له مالٌ كثير، وجاه عريض، واستوزره الإمام النَّاصر سنة أربعٍ وثمانين وخمس مئة، وخَلَعَ عليه خِلْعة الوزارة الكاملة: القميص الأطلس، والفَرَجية الممزج، والعمامة القَصَب الكحلية بأعلام الذَّهب، وقلَّده سيفًا محلَّى، وقدَّم له فرسًا من خيل
стр. 10537
الخليفة، فركبه، وخرج أربابُ الدولة يمشون بين يديه من باب حُجْرة الخليفة إلى دار الوزارة، [وهو الذي كان جدي يجلس في داره، ويمدحه، وقد ذكرناه] (١)، ولم يَزُل [عن الوزارة] (١) حتى ولي ابنُ مهدي نقابةَ العلويين، فشرع فيه حتى عزله الخليفة، واعتقله، وطالبه بمال، [فالتجأ إلى التوبة الإخلاطية، فلم ينفعه،] (١) فأداه، وأقام في بيته حتى ولي ابن مهدي الوزارة، فَسُلِّم إليه، فاعتقله في داره بدرب المطبخ، وعَزَمَ على تعذيبه، فواطأ الموكلين به، وحَلَقَ رأسه ولحيته، وخرج في زِيِّ النِّساء، فما أخطأ مراغة، فأقام بها حتى عُزِلَ ابنُ مهدي، وعاد إلى بغداد، فنزل داره بالقيوئين، وأقام بها حتى توفي في جُمادى الأولى، وحمل إلى الكوفة، فدفن بها بمشهد أمير المؤمنين رضوان الله عليه. وكان جَوَادًا، سَمْحًا، كثيرَ الصَّدقات والمعروف، ومتواضعًا، سمع الحديث [من جدي، وأبي الخير القزويني، وغيرهما] (١).
سِنْجر بن عبد الله النَّاصري (٢)
صهر طاشْتِكِين. [وقد ذكرنا عصيانه على الخليفة وعفوه عنه (٣)، و] (١) كان ذليلًا، بخيلًا، ساقِطَ النَّفْس مع كثرة البلاد والأموال، تولَّى إمارة الحاجّ سنة تسعٍ وثمانين وخمس مئة، [وعاد في صفر سنة تسعين] (١)، فاعترض الحاجَّ رجلٌ بدوي [من غَزِيَّة، يقال له دهمش] (١) في نفرٍ يسير، ومع سنجر خمس مئة فارس، فلم يَلْقَه، وذل، وطلب منه البدوي خمسين ألف دينار، فجمعها سنجر من الحاج، وضيَّق عليهم، ولمَّا وَرَدَ بغداد وكل عليه الخليفة بذلك المال، وأخذه منه، ورَدَّه إلى أصحابه، وعزله عن إمرة الحاج، وولاها طاشْتِكِين.
وكانت وفاته في شوَّال، ففتح له جامع القصر، [وصلَّى عليه قاضي القضاة ابن الدَّامَغاني] (١)، ومشى أربابُ الدَّولة في جنازته، ودفن بالشُّونِيزيَّة.
стр. 10538
السنة الحادية عشرة وست مئة
[وفيها عزل الخليفة عماد الدين ابن الدَّامغاني، وولى الزنجاري القضاء] (١).
وفيها ملك أقسيس بن الكامل اليمن، ولقب بالملك المسعود، وكان جَبَّارًا فاتكًا، قيل: إنه قتل باليمن ثماني مئة شريف، وخَلْقًا من الأكابر والعظماء، ولو لم يحجَّ المعظم، وظَنَّ أهلُ اليمن أَنَّه وصل إليهم لَمَا قَدَرَ أقسيس على اليمن.
وفيها أخذ المعظم قلعة صَرْخد من ابنِ قَرَاجا، وعوَّضه عنها مالًا وإِقطاعًا.
وحج بالنَّاس من العراق أبو فراس بن ورَّام نائبًا عن محمَّد بن ياقوت، [ومن الشام العلم الفقيه نصر الله الجَعْبَرِي، إمامُ المعظم] (١).
وحج المعظم [في هذه السنة] (١) ومعه [جماعة من خواصِّه] (١): عز الدين أيبك، وعماد الدين موسك، والظَّهير بن سُنْقُر الحلبي، وغيرهم، وسلكوا طريق العُلا وتبوك، وجدَّد المعظم البِرَك والمصانع، وأحسن إلى النَّاس، وتلقاه سالم أمير المدينة، وخَدَمه، وقدَّم له الخيل والهدايا، وسلَّم إليه مفاتيح المدينة، وأنزله في داره وفتح الأهراء، وخدمه خدمةً عظيمة، وسار إلى مكة، فالتقاه قتادة أمير مكة، وحَضَرَ في خدمته.
قال المصنف ﵀: حكى لي المعظم ﵀، قال: قلتُ له -يعني أمير مكة-: أين ننزل؟ فأشار إلى الأبطح بسوطه، وقال: هناك. فنزلنا، وبعث له هدايا يسيرة.
وحجَّ المعظم على مذهب أبي حنيفة، وأتى بجميع المناسك، وأحرم قارنًا، وبات بمِنى ليلة عرفة، وصلَّى بها الصَّلوات الخمس، وسار إلى عرفة، وقضى نُسْكَه كما أمر الله تعالى، ولقد رأيتُ كتفه بعد ما عاد وقد أكلته الشمس وانقشط، وقيَّحَ، فقلتُ: ما هذا؟!، فقال: ما غطَّيتُ رأسي ولا كتفي مُدَّة ثلاثة عشر يومًا.
стр. 10539
وتصدَّق على فقراء الحرمين بمالٍ عظيم، وحَمَلَ المُنْقَطعين، وزوَّدهم، وأحسن إليهم، ولما عاد إلى المدينة شكا إليه سالمٌ من جَوْر قتادة، فوعده أن ينجده عليه.
ولما عاد [كنتُ مقيمًا بالكرك، فخرجتُ إلى لقائه مع جماعة من الأعيان والأمراء والفقراء والفقهاء، فما التفت إلى أحدٍ منهم، ولما رآني ترجَّل عن ناقته، وعانقني، وسقنا إلى زيزا، وكان لقاؤنا له على غدير الطرفاء في البرية، وشرع يحكي لي صفة حجه وما فعل، و] (١) كان والده على خربة اللَّصوص، فقال: أريد أبغته حتى لا يلتقيني أحد. وسار إليه، [واجتمع به] (١)، وحكى له خدمة سالم وتقصير قتادة، فجهَّزَ جيشًا مع النَّاهض بن الجرخي إلى المدينة، والتقاهم سالم وأكرمهم، وقصدوا مكة، فانهزم [قتادة عنهم] (١) إلى البرية، [ولم يقف بين أيديهم] (١).
وفيها توفي
إبراهيم بن علي (٢)
ابن محمَّد بن بَكْروس، الفقيه الحنبلي.
ولد سنة سَبْعٍ وخمسين وخمس مئة، وكان أبوه من الصَّالحين [وهو الذي زوَّجه جدي ابنته ست العلماء، وقد ذكرناه فيما تقدم، وإبراهيم هذا ليس من ست العلماء، بل من امرأة أخرى] (١)، وقرأ [إبراهيم] (١) القرآن، وتفقَّه على مذهب الإِمام أحمد ﵁[وسمع الحديث على أبيه وغيره، وشهد عند القاضي ضياء الدين بن الشهرزوري،] (١) وناظر وأفتى، ثم إنَّ الله مَكَرَ به، فصار صاحبَ خَبَرٍ بباب النوبي، ورمى الثَّوْب الواسع، ولبس المزند، وتقلَّد السيف، وفتك في المال والحريم، وضَرَبَ جماعةً بالخشب [ورماهم بدجلة، وما كانت تأخذه في أذى مسلم لومةُ لائم، وولي نيابة الباب، فكان مآله إلى أن ضرب بالخشب] (١) حتى مات تحت الضَّرْب، فكان يقول
стр. 10540
وهو يضرب ﴿مَا يَنْظُرُونَ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] فكان ذلك آخرَ كلامه، ورمي في دِجْلة ليلًا، وسُرَّ الناس بموته؛ [لأنه فتك بالمال والحريم] (١).
[فصل: وفيها توفي
عبد السلام بن عبد الوهَّاب بن عبد القادر (٢)
الذي أحرقت كتبه بالرحبة. كان الخليفة استأصله حتى طلب من الناس، ثم توصل حتى ولي وكالة الأمير الصغير علي ابن الخليفة.
وكان خالي أبو القاسم صديقه، وقد كانت عادته يوالي مَنْ يعادي أباه. قال لي خالي أبو القاسم يومًا بعد ما مات جدي بيسير: لي صديقٌ يشتهي أن يراك. ولم يعرِّفْني مَنْ هو، فمشيت معه، فأدخلني إلى دار شممت من دِهْليزها رائحة الخمر، ودخلنا، فإذا الركن عبد السَّلام جالسٌ وعنده صبيان مُرْدان، وهو في حالةٍ قبيحة، فلم أقعد، فصاح خالي والركن فلم ألتفت، فتبعني خالي، وقال: خجَّلْتني من الرجل. فقلت: لا جزاك الله خيرًا. وأسمعته غليظ الكلام.
ومرض عبد السَّلام بعِلَّة البطن، فَرمى كبده قِطَعًا، ومات في هذه السنة] (١).
عبد العزيز بن محمود بن المبارك (٣)
أبو محمَّد، البَزَّاز.
ولد سنة ست وعشرين وخمس مئة، وقيل: سنة أربع وعشرين، سمع الحديث الكثير، وصنَّف، وكانت وفاته في شوَّال، ودُفِنَ بباب حَرْب، وكان فاضلًا، صالحًا، دَيِّنًا، عفيفًا، لطيفًا، أنشد لغيره: [من الطويل]
ألا هل لأيام الصِّبا مَنْ يعيدُها … فيطرب صَبٌّ بالغضا يستعيدُها