أُيْدُغْمُش صاحب هَمَذَان (١)
ذكرنا أن الخليفة [خلع عليه، و] (٢) أمره بالتقدُّم إلى هَمَذَان، فسار، وأقام [عند بني ترجم] (٢) ينتظر عساكر الخليفة، فطال عليه الأمر، فرحل نحو هَمَذَان، فالتقاه عسكر منكلي، فقاتلوه وقتلوه، وحملوا رأسه إلى منكلي، وتفرَّق أصحابه.
وكان صالحًا، كثيرَ الصَّدقات، دَيِّنًا، صائمًا، قائمًا، عادلًا.
حكى لي الظَّهير غازي بن سُنْقُر الحلبي ﵀، قال: لما كسره منكلي اجتاز ببعض قلاع الإسماعيلية، فنزل تحتها، فبعث إليه مقدَّمها بالضِّيافات والإقامات، وقال له: أنا أنجدك بالأموال والرِّجال، فقال لرسوله: قل له: إنْ كنتَ مسلمان فأريد، وإن كنتَ كافران فما لك عندي إلا شمشير. فأرسل إليه يقول: أنا مسلمان. فقال: الآن فنعم.
شمشير: السَّيف.
وقيل: إنما اجتاز ببلاد جلال الدِّين، [وهو الذي بعث إليه الرسالة] (٢).
سعيد بن علي بن أحمد (٣)
أبو المعالي، ابنُ حديدة، [ولقبه معز الدين] (٢)، من ولد قُطْبة [بن عامر] (٢) بن حديدة الأنصاري الصَّحابي.
ولد بكَرْخ سامَرَّاء سنةَ ستٍّ وثلاثين وخمس مئة، ونشأ ببغداد، وكان [أحد الموسرين] (٢)، له مالٌ كثير، وجاه عريض، واستوزره الإمام النَّاصر سنة أربعٍ وثمانين وخمس مئة، وخَلَعَ عليه خِلْعة الوزارة الكاملة: القميص الأطلس، والفَرَجية الممزج، والعمامة القَصَب الكحلية بأعلام الذَّهب، وقلَّده سيفًا محلَّى، وقدَّم له فرسًا من خيل
стр. 10537
الخليفة، فركبه، وخرج أربابُ الدولة يمشون بين يديه من باب حُجْرة الخليفة إلى دار الوزارة، [وهو الذي كان جدي يجلس في داره، ويمدحه، وقد ذكرناه] (١)، ولم يَزُل [عن الوزارة] (١) حتى ولي ابنُ مهدي نقابةَ العلويين، فشرع فيه حتى عزله الخليفة، واعتقله، وطالبه بمال، [فالتجأ إلى التوبة الإخلاطية، فلم ينفعه،] (١) فأداه، وأقام في بيته حتى ولي ابن مهدي الوزارة، فَسُلِّم إليه، فاعتقله في داره بدرب المطبخ، وعَزَمَ على تعذيبه، فواطأ الموكلين به، وحَلَقَ رأسه ولحيته، وخرج في زِيِّ النِّساء، فما أخطأ مراغة، فأقام بها حتى عُزِلَ ابنُ مهدي، وعاد إلى بغداد، فنزل داره بالقيوئين، وأقام بها حتى توفي في جُمادى الأولى، وحمل إلى الكوفة، فدفن بها بمشهد أمير المؤمنين رضوان الله عليه. وكان جَوَادًا، سَمْحًا، كثيرَ الصَّدقات والمعروف، ومتواضعًا، سمع الحديث [من جدي، وأبي الخير القزويني، وغيرهما] (١).
سِنْجر بن عبد الله النَّاصري (٢)
صهر طاشْتِكِين. [وقد ذكرنا عصيانه على الخليفة وعفوه عنه (٣)، و] (١) كان ذليلًا، بخيلًا، ساقِطَ النَّفْس مع كثرة البلاد والأموال، تولَّى إمارة الحاجّ سنة تسعٍ وثمانين وخمس مئة، [وعاد في صفر سنة تسعين] (١)، فاعترض الحاجَّ رجلٌ بدوي [من غَزِيَّة، يقال له دهمش] (١) في نفرٍ يسير، ومع سنجر خمس مئة فارس، فلم يَلْقَه، وذل، وطلب منه البدوي خمسين ألف دينار، فجمعها سنجر من الحاج، وضيَّق عليهم، ولمَّا وَرَدَ بغداد وكل عليه الخليفة بذلك المال، وأخذه منه، ورَدَّه إلى أصحابه، وعزله عن إمرة الحاج، وولاها طاشْتِكِين.
وكانت وفاته في شوَّال، ففتح له جامع القصر، [وصلَّى عليه قاضي القضاة ابن الدَّامَغاني] (١)، ومشى أربابُ الدَّولة في جنازته، ودفن بالشُّونِيزيَّة.
стр. 10538
السنة الحادية عشرة وست مئة
[وفيها عزل الخليفة عماد الدين ابن الدَّامغاني، وولى الزنجاري القضاء] (١).
وفيها ملك أقسيس بن الكامل اليمن، ولقب بالملك المسعود، وكان جَبَّارًا فاتكًا، قيل: إنه قتل باليمن ثماني مئة شريف، وخَلْقًا من الأكابر والعظماء، ولو لم يحجَّ المعظم، وظَنَّ أهلُ اليمن أَنَّه وصل إليهم لَمَا قَدَرَ أقسيس على اليمن.
وفيها أخذ المعظم قلعة صَرْخد من ابنِ قَرَاجا، وعوَّضه عنها مالًا وإِقطاعًا.
وحج بالنَّاس من العراق أبو فراس بن ورَّام نائبًا عن محمَّد بن ياقوت، [ومن الشام العلم الفقيه نصر الله الجَعْبَرِي، إمامُ المعظم] (١).
وحج المعظم [في هذه السنة] (١) ومعه [جماعة من خواصِّه] (١): عز الدين أيبك، وعماد الدين موسك، والظَّهير بن سُنْقُر الحلبي، وغيرهم، وسلكوا طريق العُلا وتبوك، وجدَّد المعظم البِرَك والمصانع، وأحسن إلى النَّاس، وتلقاه سالم أمير المدينة، وخَدَمه، وقدَّم له الخيل والهدايا، وسلَّم إليه مفاتيح المدينة، وأنزله في داره وفتح الأهراء، وخدمه خدمةً عظيمة، وسار إلى مكة، فالتقاه قتادة أمير مكة، وحَضَرَ في خدمته.
قال المصنف ﵀: حكى لي المعظم ﵀، قال: قلتُ له -يعني أمير مكة-: أين ننزل؟ فأشار إلى الأبطح بسوطه، وقال: هناك. فنزلنا، وبعث له هدايا يسيرة.
وحجَّ المعظم على مذهب أبي حنيفة، وأتى بجميع المناسك، وأحرم قارنًا، وبات بمِنى ليلة عرفة، وصلَّى بها الصَّلوات الخمس، وسار إلى عرفة، وقضى نُسْكَه كما أمر الله تعالى، ولقد رأيتُ كتفه بعد ما عاد وقد أكلته الشمس وانقشط، وقيَّحَ، فقلتُ: ما هذا؟!، فقال: ما غطَّيتُ رأسي ولا كتفي مُدَّة ثلاثة عشر يومًا.
стр. 10539
وتصدَّق على فقراء الحرمين بمالٍ عظيم، وحَمَلَ المُنْقَطعين، وزوَّدهم، وأحسن إليهم، ولما عاد إلى المدينة شكا إليه سالمٌ من جَوْر قتادة، فوعده أن ينجده عليه.
ولما عاد [كنتُ مقيمًا بالكرك، فخرجتُ إلى لقائه مع جماعة من الأعيان والأمراء والفقراء والفقهاء، فما التفت إلى أحدٍ منهم، ولما رآني ترجَّل عن ناقته، وعانقني، وسقنا إلى زيزا، وكان لقاؤنا له على غدير الطرفاء في البرية، وشرع يحكي لي صفة حجه وما فعل، و] (١) كان والده على خربة اللَّصوص، فقال: أريد أبغته حتى لا يلتقيني أحد. وسار إليه، [واجتمع به] (١)، وحكى له خدمة سالم وتقصير قتادة، فجهَّزَ جيشًا مع النَّاهض بن الجرخي إلى المدينة، والتقاهم سالم وأكرمهم، وقصدوا مكة، فانهزم [قتادة عنهم] (١) إلى البرية، [ولم يقف بين أيديهم] (١).
وفيها توفي
إبراهيم بن علي (٢)
ابن محمَّد بن بَكْروس، الفقيه الحنبلي.
ولد سنة سَبْعٍ وخمسين وخمس مئة، وكان أبوه من الصَّالحين [وهو الذي زوَّجه جدي ابنته ست العلماء، وقد ذكرناه فيما تقدم، وإبراهيم هذا ليس من ست العلماء، بل من امرأة أخرى] (١)، وقرأ [إبراهيم] (١) القرآن، وتفقَّه على مذهب الإِمام أحمد ﵁[وسمع الحديث على أبيه وغيره، وشهد عند القاضي ضياء الدين بن الشهرزوري،] (١) وناظر وأفتى، ثم إنَّ الله مَكَرَ به، فصار صاحبَ خَبَرٍ بباب النوبي، ورمى الثَّوْب الواسع، ولبس المزند، وتقلَّد السيف، وفتك في المال والحريم، وضَرَبَ جماعةً بالخشب [ورماهم بدجلة، وما كانت تأخذه في أذى مسلم لومةُ لائم، وولي نيابة الباب، فكان مآله إلى أن ضرب بالخشب] (١) حتى مات تحت الضَّرْب، فكان يقول
стр. 10540
وهو يضرب ﴿مَا يَنْظُرُونَ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] فكان ذلك آخرَ كلامه، ورمي في دِجْلة ليلًا، وسُرَّ الناس بموته؛ [لأنه فتك بالمال والحريم] (١).
[فصل: وفيها توفي
عبد السلام بن عبد الوهَّاب بن عبد القادر (٢)
الذي أحرقت كتبه بالرحبة. كان الخليفة استأصله حتى طلب من الناس، ثم توصل حتى ولي وكالة الأمير الصغير علي ابن الخليفة.
وكان خالي أبو القاسم صديقه، وقد كانت عادته يوالي مَنْ يعادي أباه. قال لي خالي أبو القاسم يومًا بعد ما مات جدي بيسير: لي صديقٌ يشتهي أن يراك. ولم يعرِّفْني مَنْ هو، فمشيت معه، فأدخلني إلى دار شممت من دِهْليزها رائحة الخمر، ودخلنا، فإذا الركن عبد السَّلام جالسٌ وعنده صبيان مُرْدان، وهو في حالةٍ قبيحة، فلم أقعد، فصاح خالي والركن فلم ألتفت، فتبعني خالي، وقال: خجَّلْتني من الرجل. فقلت: لا جزاك الله خيرًا. وأسمعته غليظ الكلام.
ومرض عبد السَّلام بعِلَّة البطن، فَرمى كبده قِطَعًا، ومات في هذه السنة] (١).
عبد العزيز بن محمود بن المبارك (٣)
أبو محمَّد، البَزَّاز.
ولد سنة ست وعشرين وخمس مئة، وقيل: سنة أربع وعشرين، سمع الحديث الكثير، وصنَّف، وكانت وفاته في شوَّال، ودُفِنَ بباب حَرْب، وكان فاضلًا، صالحًا، دَيِّنًا، عفيفًا، لطيفًا، أنشد لغيره: [من الطويل]
ألا هل لأيام الصِّبا مَنْ يعيدُها … فيطرب صَبٌّ بالغضا يستعيدُها
стр. 10541
وهل عذباتُ الرَّمْلِ من أيمنِ النَّقا … تميلُ إلى نحوي مع الوُرْقِ عُودُها
سقى الله أيَّامي بها كلَّ مُزْنَةٍ … يصوبُ ثراها بالحيا ويجودُها
ورَدَّ ليالينا بجرعاءِ مالك … فقد طالما ابيضَّتْ من العَيشِ سودُها
أرى الأرضَ والأوطانَ فيها فسيحةً … وما يستميلُ القَلْبَ إلا زرودُها
السنة الثانية عشرة وست مئة
فيها خرج وجه السَّبع من بغداد بالعسكر إلى هَمَذَان للقاء منكلي، مملوك السُّلْطان أزبك، وكان قد عصى على مولاه وعلى الخليفة، وقطع الطَّريق، وسَفَكَ الدِّماء، وأخذ المال. وكَتَبَ الخليفةُ إلى ابن زين الدين، والظَّاهر، والعادل، وغيرهم، يطلب العساكر، فجاءته من كلِّ مكان، وجعل ابنَ زين الدين مقدَّمها، وجاء أزبك وجلال الدين مقدَّم الإسماعيلية، وجمع منكلي جموعًا كثيرة، والتقوا قريبًا من هَمَذَان، فكانت الدَّبْرة على منكلي، قُتِلَ من أصحابه ستة آلاف، ونهبوا أثقالهم، وحال الليل بينهم، فَصَعِدَ منكلي على جبل وابن زين الدين والعساكر في السهل، وأوقد منكلي نارًا عظيمة، وهرب في الليل، فأصبح النَّاس وليس له أثر، وقتل بعد ذلك.
وفيها أخذ خوارزم شاه محمَّد غَزْنة من تاج الدين مملوك شهاب الدين الغوري بغير قتال.
وفيها قدم مسعودي الجوادي رسولًا من الأشرف إلى الخليفة، فالتقاه الموكب، وكان معه نَسْرٌ رباه الملك الأشرف للخليفة، فعُلِّق النَّسْر بباب البَدْرية، ونُثِرَ عليه دنانير.
وفيها أخذ ابن لاوين أَنْطاكية من الفرنج في يوم الأحد رابع عشرين شوال [وكنت في ذلك اليوم قد جلست عند الملك بحلب في دار العدل، فلما انقضى المجلس نزلت من المنبر، فقام الظاهر والتقاني، وأجلسني إلى جانبه، ودفع إلى بطاقة جاءته من حارم تخبره بذلك] (١)، ثم عاد إبرنس طرابُلُس بعد ذلك أَخَذَها منه.
وحجَّ بالنَّاس ابن أبي فراس.
стр. 10542
وفيها توفي
عبد المنعم بن محمَّد بن الحسين (١)
ولد بباجِسْرى (٢) سنة تسع وأربعين وخمس مئة، وتفقَّه على ابن المَنِّي، وتوفي في جُمادى الأُولى، وحُمِلَ إلى النِّظامية ليصلَّى عليه، فثار عوام الحنابلة، وقالوا: لا تركناه يدخل إلى أماكن الأشاعرة. وحملوه إلى جامع السُّلْطان، فصلُّوا عليه فيه، ودفن بمقابر الإمام أحمد ﵁، وكان صالحًا وَرِعًا.
عبد الوهَّاب بن بُزْغُش بن عبد الله، أبو الفتح (٣)
قرأ القرآن بالرِّوايات، وبَرَعَ فيها، وسمع الحديث الكثير، وكان حَسَنَ الصَّوت، وله تصانيف في الخُطَب وأشعار ومواعظ ورسائل وغير ذلك، وفلج في آخر عمره، ودفن بباب حرب، وتوفي في ذي القَعْدة، سمع أبا الوقت وغيره، وكان دَيِّنًا، صالحًا، ثِقَةً.
قال المصنف ﵀: أنشدني لنفسه: [من الخفيف]
حَلَّ إحسانُه عِقال لساني (٤) … فانظروا الآن كيف نَظْمي ونَثْرِي
فسأُثْني عليه سِرَّا وجَهْرًا … وسأوليه شُكْرَ رَوْضٍ لِقَطْرِ
أيُّ عُذْرٍ إنْ صام عنه بياني … وأنا الدَّهْرَ منه في يومِ فِطْرِ
وأَتَمُّ الأشياءِ حُسْنًا ونورًا … بِكْرُ شُكْرٍ زُفَّتْ إلى صهر بِرِّ
стр. 10543
عليُّ بنُ الخليفة
أبو الحسن، الملك المعظم (١).
كان جَوَادًا، كثير الصَّدقات، وافرَ المعروف، كريمَ الأخلاق، حسن العِشْرة، مرض أيامًا، وتوفي في ذي القَعْدة، وصُلِّي عليه بتاج الخليفة، وأخرج التَّابوت، وبين يديه أربابُ الدَّولة، ولم يتخلَّف سوى الخليفة، وحُمِلَ إلى تُرْبة أم الخليفة، فدفن معها في القبة.
ومن العجائب أَنَّه يوم الجمعة دخل رأس منكلي على خشبة وقد زُيِّنت بغداد، وأظهر السُّرور والفرح، فلما وَصَلَ الرأس إلى باب دَرْب حبيب وافق في تلك السَّاعة وفاة ابنِ الخليفة، ووقع صراخٌ عظيم من دار الخليفة، فَرُدَّ الرأس إلى عقد اللكافين، ورُمي في بيتٍ في خان، وكوسات منكلي مشققة، وأعلامه منكسة، وانقلب ذلك السرور حُزْنًا، وأمر الخليفة بالنِّياحة عليه في أقطار بغداد، ففرشوا البواري والرَّماد، وخرج العواتق من خدورهن، ونَشَرْنَ شعورهُنَّ، ولَطَمْنَ، وقام النَّوائح في كلِّ ناحية، وعَظُمَ حُزْنُ الخليفة بحيث امتنع من الطَّعام والشَّراب، وغُلِّقَتِ الأسواق، وعُطِّلَتِ الحمامات، وبَطَلَ البيع والشراء، وجرى ما لم يجر في بلد آخر.
وكان الخليفةُ قد رَشَّحه للخِلافة، وشدَّ جميع فِتْيان بغداد إليه [من العلماء والأعيان والأجناد] (٢) ففعل الله في مُلْكه ما أراد. وخلَّف ولدين: أبا عبد الله الحسين، ولقبه المُؤَيَّد، ويحيى، ولقبه الموفَّق.
[وفيها توفي
الوجيه النحوي (٣)
واسمه] (٢) المبارك بن المبارك، أبو بكر، الواسطي، النحوي.
стр. 10544
ولد سنة أربع وثلاثين وخمس مئة، وكان حنبليًّا، ثم صار حنفيًّا، ثم صار شافعيًّا لأسبابٍ عَرَضَتْ له، وكان يقول: ما انتقلتُ عن مذهبي.
قرأ الأدب على ابنِ الخَشَّاب وغيره [(١) وبرع فيه، وكان يدرسه في النظامية، وله مقدمة قرأتها عليه، وأنشدني]، من شعره: [من السريع]
لا خيرَ في الخَمْرِ فمِنْ شأنها … إفقادُها العَقْلَ وجَلْبُ الجنونْ
أَوْ أَنْ ترى الأقبحَ مُسْتَحْسنًا … وتُظْهِرَ السِّرَّ الخَفِيَّ المَصُونْ
وكانت وفاته في شعبان، وصلي عليه بالنِّظامية، [ودفن بالوردية عند ابن فَضْلان] (٢).
منكلي بن عبد الله
[الخارج بهَمَذان] (٢): قد ذكرنا أنه هَرَبَ في الليل فضَلَّ عن أصحابه، وجاء إلى بيت صديقٍ له في بعض القرى، وكان رئيسها، فنزل عليه، وكان تحته فرسٌ سابق، وعليه سلاحٌ له قيمة، فأطعمه وسقاه، ونام، فقام الرَّجل فقتله، وأخذ رأسه، وقيل: قَيَّده، ثم قتله، وحمل رأسه إلى أزبك، فبعث به إلى زين الدين، فبعث به إلى الخليفة.
السنة الثالثة عشرة وست مئة
فيها جَهَّز الخليفةُ ولَدَيْ ولده إلى ششتر، وضمهما إلى بدر الدين محمَّد سبط العقاب، وخرج أربابُ الدَّولة بين أيديهما، وضُربت لهما خيمةٌ أطلس تغطى بأطناب خُضْر إبْرَيسم، ومثل ذلك السُّرادق، وعلى رؤوسهما الشَّمْسة، والمهود والأعلام خلفهما والكوسات، ومضى معهما نجاح الشَّرابي والمكين القُمِّي بالعساكر، وذلك في سابع المحرَّم، فأقاما بششتر، فلم تطب لهما، فعادا في ربيع الآخر، ولم يكن لهما هِمَّة الخلفاء، وكانَ قَصْدُ الخليفة أن يستولي على خوزستان ويستمر الحال، ويخرجا من تحت حكم الغير.
стр. 10545
قال المصنف ﵀: وفيها سافرتُ إلى خِلاط، وشرحت كتاب "روح العارفين" والنسخة بدار الحديث الأشرفية بدمشق.
وفيها توفي الملك الظَّاهر بحلب، ووَصَلَ أبو العَبَّاس عبد السَّلام ابن أبي عَصْرون رسولًا من الملك العزيز محمَّد إلى الخليفة يطلب تقريره على ما كان عليه أبوه.
[فصل (١): وفيها نزل الأشرف من خلاط إلى حَرَّان في شعبان، وسألني الجلوس بجامع حران، وقال: إلى الآن ما دخلت حران. فضربت له خركاة في الجامع، وحضر وكان يومًا مشهودًا، وجلس في الخركاة، وجاء الفخر بن تيمية الخطيب، فقعد عنده، وكتبوا إلى رقاعًا كثيرة، فجمعتُها وقلت: اتركوا هذه إلى يوم مجلس شيخكم يجيب عنها، فهو يطول روحه عليكم، أما هذا اليوم فالوقت ما يحتمل. فأعجب الأشرف، وانقضى المجلس، فقلت للأشرف: لا بد لي في هذه السنة من شيئين: الحج على بغداد، والثاني الاعتكاف بالرَّقَّة، فقال: مبارك.
وخرجت من حران في آخر شعبان أريد الرقة، وبينما أنا بين مسلة والرقة، وإذا بنجابين بينهم رجل عليه بغلطاق أحمر، فقلت لأصحابي: هذه شمائل الملك المعظم. فقالوا: المعظم في دمشق، أيش جابه إلى ها هنا! فلما قربوا منا إذا به المعظم وقد أعيت ناقته، فنزل، وتحدثنا، وأكلنا شيئًا كان معنا، وأعطانا ناقته، وأخذ فرسي، وقال: أين أخي؟ قلت: في الزَّرَّاعة. وساق] (٢)، واجتمعا في نواحي الرقة بالزَّرَّاعة، وفاوضه المُعَظَّم في أمر حلب، وكان الأشرف قد حلف لشهاب الدين طُغرْيل الخادم، وأَنَّه أتابك العزيز محمَّد ولد الظَّاهر، فَشَقَّ على المعظم، ولم يقل شيئًا، [وجاءا إلى الرقة وأنا معتكف بالخانكاة، وحضرا عندي، وسار المعظم إلى دمشق، وجهزني الأشرف إلى الحج، وعمل لي سبيلًا مثل سبيله، وتوجهت إلى بغداد] (٢).
وحجَّ بالنَّاس من العراق ابنُ أبي فراس، ومن الشَّام الفقيه علم الدين الجَعْبَرِي.
стр. 10546
[وعدت من الحج على تبوك والعلا، وجمعت بين زيارة النبي ﷺ وبين زيارة الخليل في المحرَّم، ولله المِنَّة، وفي الحديث: "من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له على الله الجنة" (١). وإن لم يتفق على نقل هذا الحديث الثقات، فالأعمال بالنيات] (٢).
وفيها توفي
أحمد بن علي بن مسعود الورَّاق (٣)
صنَّف كتابًا سماه "فاكهة المَجَالس وفاكهة المُجَالس" في عدة مجلدات، واختصر منه كتابًا سماه "سُلافة العنقود" ذكر فيه طُرَفًا، وكانت وفاته في رجب، ودفن بباب حَرْب.
قال المصنف ﵀: أنشدني في سنة خمس وست مئة: [من الطويل]
لئن قَرَّب الله النَّوى بَعْدَ بُعْدِهِ … وقرَّتْ لنا بعد العيونِ عيونُ
غَفَرْتُ لهذا الدَّهْرِ كلَّ عظيمةٍ … وما كان من زَلَّاتِهِ ويكونُ
زيد بن الحسن (٤)
ابن زيد بن سعيد بن عصمة بن حِمْيَر بن الحارث بن ذي رُعَين، أبو اليُمْن، تاج الدِّين الكِنْدي، البغدادي المولد والمنشأ، الدِّمَشْقي الدَّار.
ولد في شعبان سنة عشرين وخمس مئة، وقرأ القرآن بالرِّوايات وله عشر سنين على الشيخ أبي محمَّد عبد الله بن علي سِبْط الشيخ أبي منصور الخَيَّاط، وهو الذي رَبَّاه، وكان خصيصًا به، وقرأ عليه كتاب "المبهج" و"الكامل" تأليف أبي محمَّد، وكتاب
стр. 10547
"الحُجَّة في القراءات" لأبي علي الفارسي، وقرأ على أبي محمَّد من كُتُبِ العربية "كتاب سيبويه" و"المقتضب" و"الإيضاح" و"التكملة"، وقرأ العربية أيضًا على أبي السَّعادات ابن الشَّجَري، واللغة على أبي منصور بن الجواليقي، وسمع الحديث الكثير [من شيوخ جدي وغيرهم،] (١) وفارق بغداد في سنة ثلاثٍ وستين وخمس مئة، وأقام بدمشق، واختص بعِزِّ الدين فَرُّخْشاه ابن أخي صلاح الدين، وبولده الملك الأمجد صاحب بَعْلَبَك، وانتهت إليه القراءات والرِّوايات، وعلم النحو واللغة.
قال المصنف ﵀: [وقرأت عليه كتاب "الصّحاح" للجوهري] (١)، وكان يحضُرُ مجالسي بجامع دمشق وقاسيون، ويقول: أنا قد صِرْتُ من زبون المجلس.
وكان حسن العقيدة، [طيب الخُلُق،] (١) ظريفًا، لا يسأم الإنسان من مجالسته، وله النَّوادر العجيبة.
ولما خرجتُ في سنة سبعٍ وست مئة إلى الغَزَاة كَتَبَ إليَّ كتابًا بخطِّه إلى نابُلُس، [وكان يكتب مثل الدُّرِّ] (١) وفيه: [من الطويل]
جَزَى الله بالحُسْنى لياليَ أحسنَتْ … إلينا بإيناسِ الحبيبِ المُسَافِرِ
لياليَ كانتْ بالسُّرورِ قصيرةً … ولم تكُ لولا طِيبُها بالقصائر
[فيا لك وَصْلًا كان وَشْكُ انقضائه … كزورةِ طيف أو كنغمة طائرِ] (١)
وكتب إلى أيضًا: [من الطويل]
أيا ساكني قلبي على بُعْدِ دارهمْ … لقد عِيلَ صَبْرِي منذُ شَطَّتْ نَوَاكُمُ
سرى معكمْ نومي فأصبحتُ بعدكُمْ … ألومُ السُّرى منه وأبكي سُرَاكُمُ
رَضِيتُمْ بعادِي عنكُمُ فَرَضِيتُهُ … لأنيَ أهواكُمْ وأهوى هَوَاكُمُ
شجاني غَرَامٌ لو وَفَيتُمْ ببعضه … لقلبِ المُعَنَّى فيكُمُ لشجاكُمُ
أعيدوا لنا عِيدَ الوصَالِ على اللِّوى … سقى اللهُ أَيَّامَ اللِّوى وسَقَاكُمُ
وداووا بلُقياكم فؤادي من الضَّنى … فهيهاتِ أَنْ يَلْقى طبيبًا سواكُمُ
دَهَاني اشتياقٌ لم تُصِبْكُمْ سهامُهُ … فيا لَيتَهُ لما دَهَاني دهاكُمُ
стр. 10548
وإني لأخشى أَنْ أموتَ بغُصَّتي … عليكُمْ ولا أبقى إلى أن أراكُمُ
ولو كان قلبي كالقلوب لغيركُمْ … لقد كانَ لَما أَنْ سَلَوْتُمْ سلاكُمُ
[(١) وله ديوان شعر.
وحكى لي قال: كتبتُ] إلى الملك الأمجد إلى بَعْلَبَكَّ: [من البسيط]
لا تضجِرَنَّكُمُ كُتْبي إذا كَثُرَتْ … فإنَّ شوقيَ أضعافُ الذي فيها
واللهِ لو مَلَكَتْ كَفِّي مهادنةً … من اللَّيالي التي بَخْتي يعاديها
لَمَا تصرَّمَ لي في غيرِ دارِكُمُ … عُمْرٌ ولا مِتُّ إلا في نواحيها
عُدُّوا احتمالكُمُ لي حين أُضْجركُمْ … من الصِّلات التي منكم أُرجِّيها
[قال: فكتب إليَّ بخطه، وهي له] (٢): [من البسيط]
إنَّا لَتُتْحِفُنا بالشَّوْقِ كُتْبُكُمُ … وإنْ بَعُدْتُمْ فإنَّ الشَّوْقَ يُدْنيها
وكيف نَضْجَرُ منها وَهْيَ مُذْهِبَةٌ … مِنْ وَحْشةِ الشَّوْقِ لو عاتٍ نُعانيها
وإنْ ذكَرْتُمْ لنا فيها اشتياقَكُمُ … فعندنا مِنْكُمُ أضعافُ ما فيها
سَلُوا نسيمَ الصَّبا يُهْدي تحيَّتَنا … إليكُمُ فَهْيَ تَدْري كيف تُهْدِيها
وكان الملك المعظم عيسى ﵀ [(٣) يقرأ عليه دائمًا "كتاب سيبويه" نصًّا وشرحًا، و"الإيضاح" و"الحماسة"، وشيئًا كثيرًا، وكان يمشي راجلًا من القلعة إلى دار تاج الدين والكتاب تحت إبطه، وكنا نجتمع، وقد ذكرنا مآخذه على الخطيب ابن نباتة في سنة أربع وسبعين وثلاث مئة.
ذكر وفاته:
توفي يوم الاثنين سادس شوال، وأنا يومئذ متوجه إلى الحج إلى بغداد،] وصُلِّي عليه بجامع دمشق، وحُمِلَ إلى قاسيون، فدُفِنَ به، ولم يتخلَّف عن جِنازته أحدٌ، وعمره ثلاث وتسعون سنة وشهر وستة عشر يومًا.
стр. 10549
سمع أبا منصور القَزَّاز، وروى عنه "تاريخ الخطيب"، وروى "طبقات ابن سعد" بالإجازة عن قاضي المارَسْتان.
وسمع ابن ناصر، وابنَ السمرقندي، والأنماطي، ومحمد بن عبد الباقي الأنصاري، وأبا القاسم الحريري، وسعد الخَير الأندلسي، وخَلْقًا كثيرًا، وكان صدوقًا، ثِقَةً.
سعيد بن حمزة بن أحمد (١)
أبو الغنائم، [ويقال له] (٢) ابن ساروخ، الكاتب [النِّيلي] (٢) العراقي.
ولد بالنِّيل سنة ثماني عشرة وخمس مئة، [وسمع شيوخ ذلك العَصْر، وسافر إلى الشام والروم، ومدح الملوك والأمراء، وذكره العماد في "الخريدة" (٣)، وعاد إلى بغداد، فكبر وأسنّ، وانقطع في بيته إلى آخر عمره، وقد سمع ببغداد من أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الحَرَّاني الشاهد، وغيره، و] (٢) كان بارعًا، وله رسائلُ ومكاتباتٌ، وأشعارٌ [رائقة، وألفاظ فائقة شائقة، فمن شعره ما هو أرقّ من نسائم الأسحار إذا هزَّت أفنان الأشجار] (٢)، فمن شعره: [من البسيط]
يا شائمَ البَرْقِ من نجديِّ كاظمةٍ … يَبْدُو مرارًا وتُخْفيه الدَّياجِيرُ
إذا سُقِيتَ الحيا مِنْ كلِّ مُعْصِرَةٍ … وعاد مَغْناكَ خِصْبًا وهو ممطورُ
سَلِّمْ على الدِّوْحة الغَنَّاء من سَلَمٍ … وعَفِّرِ الخَدَّ إنْ لاح اليعافِيرُ
أَحِنُّ شَوْقًا إلى تلك الرِّياض وقد … ضاها بنفسجَها وَرْدٌ ومَنْثُورُ
ومالتِ السَّرْوُ في خُضْر الثِّيابِ كما … تمايلتْ في الحرير الأَخْضرِ الحُوْرُ
والغُصْنُ سكرانُ من طلِّ النَّدى فإذا … دعا ابنُ وَرْقاءَ أضحى وهو مخمورُ
وهاتفاتٍ على الأغصانِ قد رَقَدَتْ … عنهنَّ في غَسَقِ الدَّاجي النَّواطيرُ
فَظَلْنَ يَسْجَعْنَ حتى كِدْتُ مِنْ وَلَهي … أقضي ولكنَّما في العُمْرِ تأخيرُ
لكنَّ وَجْدِي بترجيع الهَدِيل وما … عرَّدْنَ باقٍ إلى أن يُنفخ الصُّوْرُ
стр. 10550
وكانت وفاته ببغداد في رمضان، [ولم يذكر العماد وفاته، لأن وفاة العماد تقدمت عليه.
وفيها توفي
عبد الله بن أبي بكر بن أحمد (١)
ويعرف بابن السِّنْدان، الحَرْبي.
خدمني في الحربية مُدَّة، وسمعت منه الحديث، وهو آخر من روى عن أبي القاسم عبد الله بن أحمد بن يوسف، وسمع ابن الطلاية وغيره، وعاش تسعين سنة، وبلغني أنه توفي في ذي الحجة، ودفن بباب حرب، وكان شيخًا، صالحًا، ثقة] (٢).
غازي بن يوسف الملك الظاهر صاحب حلب (٣)
ولد بالقاهرة سنة ثمانٍ وستين وخمس مئة، وكان قعددًا بالملك، مهيبًا، له سياسةٌ وفِطْنة، ودولتُه معمورةٌ بالعلماء والفُضَلاء، مزينةٌ بالملوك والأُمراء، وكان مُحْسنًا إلى الرَّعية والوافدين عليه، وحَضَرَ معظم غزوات والده.
ولما استقرَّ العادل بدمشق ضَمَّ إليه الأُمراءَ الصَّلاحية كميمون القَصْرِي، والمبارز بن يوسف بن خُطْلخ الحلبي، وسرا سُنْقُر الحلبي، وأيبك فُطَيس، وغيرهم.
وكان في دولته من أرباب العمائم: القاضي بهاء الدين بن شَدَّاد، والشريف الافتخار الهاشمي، والشريف النَّسَّابة، وبنو العَجَمي، والقَيسراني، وبنو الخَشَّاب وغيرهم.
وكان ملجأ للغُرَباء وكهفًا للفقراء، يزور الصَّالحين ويعتقدهم، ويغيث الملهوفين ويرفدهم، وكان يتوقَّد ذكاء وفِطْنة، سريعَ الإدراك.
стр. 10551
[(١) جلستُ عنده في سنة اثنتي عشرة وست مئة، وكان الأشرف قد أرسلني إليه في قضايا لا يطلع عليها كاتب، وكتب كتابًا بيده إلى الظاهر، وكان جلوسي في يوم أَخْذِ ابن لاون أنطاكية، وقد ذكرته.
وكان بحلب فقير يحضر مجالسي قبل ذلك في سنة ثلاث وست مئة وأربع وخمس، وكان ذلك الفقير يقوم في المجلس ويصيح: واه، واه، فيزعج الحاضرين، وكان صالحًا، والظاهر أنه تغيَّر حاله فيما بعد ذلك، فلما جلست في سنة اثنتي عشرة عند الظّاهر، بقي ذلك الفقير يحترق، ويقول: كيف أعمل. ويردِّدها. فقال الظاهر: قدموه إلى عندي. فقدموه، فقال له: هذا الذي يقوله الشيخ ما هو مليح؟ قال: بلى. قال: فإن أردت أن تصيح صيح. فعجب الحاضرون.
وحضر في ذلك المجلس رجل عجمي، يُقال له أبو بكر النصبة، وكان صالحًا، وكان يحمل عصا أبنوس، فطابت قلوب الجماعة في ذلك اليوم، وبكوا، فقام النصبة، وجاء إلى الظاهر، وقال له: أنت فرعون، ما تتحرك؟ وثار في وجه النصبة مثل التفاحتين، وخرج من المجلس، فمات بعد ثلاث.
وحضرنا] عنده يوم الخميس في دار العَدْل، فجيء بامرأةٍ قد كَذَبَتْ على شخص، واعترفت بالكذب، فقال لابنِ شداد القاضي: ما يجب عليها؟ قال: التأديب. قال: تضرب بالدِّرَّة شريعةً، ويُقطَع لسانها سياسةً، فقلت له: الشَّريعة هي السياسة الكاملة، وما عداها يكون تعاطيًا عليها. فأطرق، فأُدِّبَتِ المرأةُ، وسَلِمَتْ من قَطْع اللِّسان، [وله من هذا الجنس نوادر في الموارد والمصادر] (٢).
وتوفي ليلة الثلاثاء العشرين من جُمادى الآخرة بعِلَّة الذَّرَب، ودُفِنَ بقلعة حلب، ثم نُقِلَ بعد ذلك إلى مدرسته التي أنشأها، وقام بعده ولده الملك العزيز محمَّد، وشهاب الدين طُغْريل الخادم أتابكه، وقد اطَّرد هذا في قلعة حلب، قَلَّ أن يموت سُلْطان ويخلِّف ولدًا صغيرًا إلا ويكون أتابكه والقيِّم بأمره خادمًا، [وقد ذكرناه فيما تقدَّم] (٢)، وعزل وزيره
стр. 10552
شمس الدين بن أبي يعلى المَوْصلي، ومضى إلى الرَّوم، وقام طغريل بأمر الملك العزيز أحسن قيام [وأجمل نظام] (١)، واستمال الملكَ الأشرفَ، يُدنيه متى شاء، [ويقصيه متى شاء] (١)، فحفظ الممالك بحسن تدبيره، [ورَدَّ كيدَ الأعداء في نحورهم بتحريره] (١).
محمَّد بن عبد الغني الحافظ (٢)
المَقْدِسي، عِزُّ الدِّين.
ولد سنة ستٍّ وستين وخمس مئة، وسمع الحديث، ورحل إلى أَصْبهان، ثم عاد إلى بغداد، [وقرأ "مسند" الإِمام أحمد ببغداد، وسمع أبا الفرج ابن الجوزي وغيره،] (٣) وعاد إلى دمشق، وكانت له حَلْقةٌ بجامع دمشق، وصحب الملك المعظَّم عيسى، وسمع بقراءته الكثير، وكان حافظًا، دَيِّنًا، زاهدًا، وَرِعًا، وتوفي بقاسيون.
محمَّد بن علي بن المبارك (٤)
أبو الفتوح، الجَلاجلي، البغدادي، التَّاجر، ويلقَّب بالكمال.
ولد سنة إحدى وأربعين وخمس مئة، وقرأ القرآن، وسافر إلى الأقطار، وسمع الشُّيوخ، وكان يتردَّدُ من الخليفة إلى الأشرف في رسائل مخفية، وتوفي بالقُدْس، ودفن بماملَّه (٥)، وكان عاقلًا دَيِّنًا، صالحًا، ثِقَةً، صدوقًا، متواضعًا، بَسَّامًا.
محمَّد بنُ يحيى بن هبة الله (٦)
أبو نَصْر، ابن النَّخَّاس، الواسطي، وبها توفي، ومن شعره [من الطويل]:
стр. 10553
وقائلةٍ لمَّا عَمِرْتُ وصار لي … ثمانون عامًا عِشْ كذا وابْقَ واسْلَمِ
ودُمْ وانتَشِقْ روحَ الحياةِ فإنَّه … لأَطْيَبُ مِنْ بيتٍ بصَعْدَةَ مُظْلِمِ
فقلتُ لها عُذْري لديك مُمَهَّدٌ … ببيتِ زهيرٍ فاعْلَمي وتَعَلَّمي
سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومَنْ يعشْ … ثمانينَ حَوْلًا لا محالةَ يَسْأَمِ
يحيى بن محمَّد (١)
ابن محمَّد بن محمَّد بن محمَّد [أربع مرات] (٢)، أبو جعفر، العَلَوي، الحسني البَصْرِي [ويعرف بابن أبي زيد] (٢)، ولي نقابة الطَّالبيين بالبَصْرة بعد أبيه مُدَّة، وقرأ الأدب [على أبي عليّ بن الأحمر الحِمَّاني بالبَصْرة، وسمع الحديث من أبيه وغيره] (٢).
ومولده سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مئة، وقدم بغداد، ومدح الإِمام النَّاصر بقصائد [وكان رقيق الشِّعْر، مليحَ النَّظْم، وأجاز لي شعره] (٢)، وتوفي ببغداد في رمضان، ودفن بمقابر قريش، ومن شعره: [من البسيط]
هذا العقيقُ وهذا الجَزْعُ والبانُ … فاحبسْ فلي فيه أوطارٌ وأوطانُ
آليت والحُرُّ لا يلوي ألِيَّتَه … أنْ لا يَلَذَّ بطِيبِ النَّوْمِ أجفانُ
حتى تعودَ لياليَّ التي سَلَفَتْ … بالأَجْرَ عَينِ وجيراني كما كانوا
أيَّام أغصانِ وَصْلي غير ذاويةٍ … ورَوْضها خَضِلٌ والعُمْرُ ريعانُ
يا حبَّذا شجرُ الجَرْعاءِ من شَجَرٍ … وحبذا رَوْضُهُ المُخْضَلُّ والبانُ
إذا النسيمُ سرى مالتْ ذوائِبُهُ … كأنَّما الغُصُنُ الممطورُ سَكْرَانُ
فللنَّسيمِ على الأغصانِ هَينَمَةٌ … وللحَمَامِ على الأَفْنان أَلْحانُ
وبارقٍ لاحَ والظَّلْماءُ داجيةٌ … والنَّجْمُ في الأُفُقِ الغَرْبيِّ حَيرانُ
هفا فذكَّرَني هيفاءَ ضاحكة … فلم أَنَمْ وعرى هَمٌّ وأحزانُ
كتمتُ حُبَّكِ والأجفانُ تُظْهِرُهُ … وليس للحُبِّ عند العين كِتْمانُ
غادرتِ بالغَدْرِ في الأحشاءِ نار جَوًى … ومُذْ هجرتِ ففيضُ الدَّمْعِ غُدْرانُ
стр. 10554
[وكانت وفاته ببغداد، ودفن بمقابر قريش، وكان صدوقًا ثقة] (١).
السَّنة الرّابعة عشرة وست مئة
فيها قدم شيخ الشيوخ صدر الدين بن حَمُّويه إلى بغداد رسولًا من العادل، و [قدم بعده] (١) ولده فخر الدين رسولًا من الكامل، وخَلَعَ عليه خِلْعةً بطَيلَسان.
وذكر محيي الدِّين محمَّد بن يحيى بن فَضْلان الدَّرْس في النِّظامية.
وفيها زادت دِجْلة زيادةً عظيمة، وركب الخليفة في شَبَّارة، وخاطب النَّاس وتأوَّه لهم، وقال: لو كان هذا الماء يُرَدُّ بمالٍ أو حَرْبٍ دفعتُهُ عنكم، ولكنَّ أمرَ الله، ما لأحدٍ فيه حِيلة. وانهدمت بغدادُ بأَسْرها والمحالّ، ووصل الماء إلى رأس السُّور، وبقي مقدار أصبعين ويَطْفَحُ عليه (٢)، وأيقنَ النَّاسُ بالهلاك، ودام سبعَ ليالٍ وثمانية أيامٍ حسومًا، ثم نَقَصَ الماء، وبقيت بغداد [من الجانبين] (١)، تلولًا لا أثر لها (٣).
وفيها قدم محمَّد خوارزم شاه إلى هَمَذَان على قَصْدِ بغداد في أربع مئة ألف [على ما قيل] (١) وقيل: ست مئة ألف، واستعدَّ له الخليفة، وفرَّق الأموال والسِّلاح، وأرسل إليه الشِّهاب السُّهْرَوَرْدِي في رسالةٍ فأهانه، واستدعاه، وأوقفه إلى جانب تخته، ولم يأذن له في القعود، فحكى الشِّهاب قال: استدعاني، فأتيتُ إلى خيمةٍ عظيمة لها دِهْليز لم أر في الدُّنيا مِثْلَه، والدِّهْليز والشُّقَّة أطلس، والأطناب حرير، وفي الدِّهْليز ملوكُ المعجم على اختلاف طبقاتهم، [منهم] (١) صاحب هَمَذَان وأصبهان والرَّي وغيرها،
стр. 10555
فدخلنا إلى خيمةٍ أُخرى إبْرَيسَم وفي دِهْليزها ملوك خُرَاسان: مرو ونَيسابور وبَلْخ وغيرهم، ثم دخلنا خيمةً أخرى وملوك ما وراء النَّهر في دِهْليزها كذلك ثلاث خيام، ثم دخلنا عليه وهو في خركاة عظيمة من ذهب، وعليها سجافٌ مُرَصَّع بالجواهر وهو صبيٌّ له شعراتٌ قاعدٌ على تحت ساذج، وعليه قَبَاء بخاريٌّ يساوي خمسة دراهم، وعلى رأسه قطعةٌ من جلد تساوي دِرْهمًا، فَسَلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ، ولا أمرني بالجلوس، فشرعتُ، فخطبتُ خُطْبةً بليغة ذكرتُ فيها فَضْلَ بني العَبَّاس، ووصفتُ الخليفةَ بالزُّهْد والورع والتُّقى والدِّين، والتّرجمان يعيد عليه قولي، فلما فرغتُ قال للترجمان: قُلْ له هذا الذي تصفه ما هو في بغداد. قلتُ: نعم. قال: "أنا، (١) أجيء وأُقيم خليفةً يكون بهذه الأوصاف. ثم ردَّنا بغير جواب، ونزل الثَّلْج عليهم، فهلكت دوابُّهم، وركب خوارزم شاه يومًا، فعثرت به فرسه، فتطيَّر، ووقع الفساد في عَسْكره، وقلَّتِ الميرةُ، وكان معه سبعون ألفًا من الخطا، فردَّه الله، ونكب تلك النكبة العظيمة، وسنذكرها إنْ شاء الله تعالى.
وفيها انفسختِ الهُدْنة بين المُسْلمين والفرنج، وجاء العادل [من مصر بالعساكر فنزل على بيسان، والمعظم عنده في العساكر الشامية، وخرج الفرنج] (١) من عكا، ومقدَّمهم ملك الهنكر في خمسة عشر ألفًا، وكان شجاعًا مقدامًا، فنزلوا عين الجالوت، ومعه جميع ملوك السَّاحل، فلما أصبحوا ركب الهنكر في أوائلهم، وقَصَدَ العادل، [وكان العادل على تل بَيسان] (١)، فنظر، فرأى أَنَّه لا قِبَلَ له بهم، فتأخَّر، فقال له المُعَظَّم: إلى أين؟ فشتمه بالعجمية، وقال: بمن أقاتل؟ أقطعتَ الشَّام مماليكك، وتركتَ أولادَ النَّاسِ الذين يرجعون إلى الأُصول! [وذكر كلامًا في هذا المعنى] (١)، وساق، فعبر الشَّريعة عند برفا، وجاء الهنكر إلى بَيسان، وبها من الأسواق والغلال والمواشي شيء لا يعلمه إلا الله تعالى، فأخذ الجميع، وارتفع العادل إلى عَجْلُون، ومضى المعظم، فنزل بين نابُلُس والقُدْس على عقبة اللبن خوفًا على القُدْس، وأقام الفرنج على بَيسان ثلاثة أيام، ورحلوا طالبين قَصْرَ ابن معين
стр. 10556
الدِّين، وسار العادل، فنزل رأس الماء، وصَعِدَ الفرنج عقبة الكرسي إلى خربة اللصوص والجولان، وأقاموا ثلاثة أيام ينهبون ويقتلون ويأسرون، ثم عادوا، فنزلوا الغَوْر، وبَعَثَ العادل أثقاله ونساءَه إلى بُصْرى، وأقام على رأس الماء جريدةً، ولما نزل الفرنج الغَوْر جاء العادل، فنزل عالقين.
حديث صعودهم إلى الطُّور:
لما رجعوا من خربة اللصوص، ووصلوا إلى تَلِّ الفرس قريبًا من نوى، رجعوا نزلوا تحت الطُّور يوم الأربعاء ثامن عشرين شعبان، وأقاموا إلى يوم الأحد ثاني رمضان، وكان يومًا كثير الضَّباب، فما أحسَّ بهم أهلُ الطُّور إلا وهم عند الباب قد ألصقوا رماحهم بالسُّور، ففتح المسلمون الباب، وخَرَجَ إليهم الفارس والرَّاجل، وقاتلوهم حتى رَمَوْهُمْ إلى أسفل الطُّور، فلما كان [يوم الثلاثاء] (١) رابع رمضان طلعوا بأَسْرهم، ومعهم سُلَّمٌ عظيم، فزحفوا من ناحية باب دمشق، وألصقوا السُّلَّم بالسُّور، فقاتلهم المسلمون قتالًا لم يجر في الإِسلام مثله، ودخلتْ رماحُ الفرنج من المرامي من كلِّ ناحية، فضرب بعض الزَّرَّاقين السُّلَّم بالنِّفْط، فأحرقه، وقتل عنده جماعة من أعيان الفرنج منهم كند كبير، فلما رأوه مقتولًا صاحوا وبكوا، وكسروا عليه رماحهم. واستشهد في ذلك اليوم من أبطال المسلمين بدر الدين محمَّد بن أبي القاسم، وسيف الدين بن المَرْزُبان، وكانا من الصَّالحين الأجواد، وأغلق المسلمون بابَ الطُّور، وجبن جماعة منهم عن القتال، ونسبوا معن الحداثي إلى ذلك، ولم يكن كما قالوا، وإنما غُلب النَّاس لما رأوا ابن أبي القاسم وابن المَرْزُبان مقتولين، وبات النَّاس عشية الأربعاء يداوون جراحاتهم، وضربوا مشورة، واتفقوا على أنَّهم يقاتلون قتال الموت ولا يُسَلِّمون أنفسهم لئلا يجري عليهم ما جرى على أهل عكا. وكان في الطُّور أبطال المسلمين، وخيار عسكر الشام، فقال الأمين الحلبي (٢) في ذلك: [من البسيط]
قُلْ للخليفةِ لا زالتْ عساكِرُهُ … لها إلى النَّصْرِ إصْدارٌ وإيرادُ
إنَّ الفرنج بحِصْنِ الطُّور قد نزلوا … لا تَغْفُلَنَّ فحِصْنُ الطُّورِ بغدادُ
стр. 10557
[وأنشدني إياها الأمين الحلبي] (١) وبات النَّاس على عَزْمِ القتال، وأوقد الفرنج حول الطور النِّيران، فلما كان وقتُ السَّحَر يوم الخميس سادس رمضان رحلوا طالبين عكا، وجاء المُعَظَّم، فصَعِدَ الطُّور، وبكى على بدر الدين بن أبي القاسم وابن المَرْزُبان، ومَنْ قُتِلَ، وأطلقَ المال والخِلَعَ، وطيَّب قلوبَ النَّاس، ثم اتَّفق العادلُ والمعظم على خراب الطُّور في السنة الآتية، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وفيها وصل الفرنج جزِّين؛ ضيعة قريبة من مَشْغَرى، ولما عادوا من الطُّور، فقصد ابن أُخت الهنكر صيدا وقال: لا بُدَّ لي من أهل هذا الجبل. فنهاه صاحبُ صيدا، وقال: هؤلاء رماة، وبلدهم وَعْرٌ. فلم يقبل، وصَعِدَ في خمس مئة من أبطال الفرنج إلى جزّين ضيعة الميادنة، فأخلاها أهلُها، وجاء الفرنج، فنزلوا بها، وترجَّلوا عن خيولهم ليستريحوا، فتحدَّرَتْ عليهم الميادنة من الجبال، فأخذوا خيلهم، وقتلوا عامَّتهم، وأسروا ابنَ أُخت الهنكر، وهرب مَنْ بقي منهم نحو صيدا، وكان معهم رجلٌ يقال له الجاموس من المُسْلمين قد أسروه، فقال لهم: أنا أعرف إلى صيدا طريقًا سهلًا أوصلكم إليها. قالوا: إنْ فعلتَ أغنيناك. فسَلَكَ بهم أوديةً وعرة، والمسلمون خلفهم يقتلون ويأسرون، ففهموا أَنَّ الجاموس غَزَهم فقتلوه، ولم يُفْلت إلى صيدا سوى ثلاثة أنفس بعد أن كانوا خمس مئة، وجاؤوا إلى دمشق بالأسارى، وكان يومًا عظيمًا.
وحجَّ بالنَّاسِ من العراق ابنُ أبي فراس (٢).
وفيها توفي
إبراهيم بن عبد الواحد (٣)
ابن علي بن سرور، أبو إسحاق، الشيخ العماد المقدسي، [أخو الحافظ عبد الغني، الزاهد العابد الورع] (١) الحَنْبَلي.
стр. 10558
ولد بجمَّاعيل سنة ثلاثٍ وأربعين وخمس مئة [وكان الحافظ أسن منه بسنتين] (١)، وهاجر [من جمَّاعيل] (١) إلى دمشق سنة إحدى وخمسين وخمس مئة، ثم سافر إلى بغداد، وقرأ القرآن علي أبي الحسن علي بن عساكر بن المرحب البطائحي وغيره، وسمع الحديث الكثير [ببغداد ودمشق] (١) وكان معتدل القامة، شعره إلى أُذُنيه، مليحَ الوَجْه، بَسَّامًا، عابدًا، مجتهدًا، لا يدَّخر من الدُّنيا شيئًا، حَسَنَ الصَّلاة، كثيرَ السجود والدُّعاء، يُقْرئ القرآن والفِقْه دائمًا في الحَلْقة بجامع دمشق، ويجتمع إليه الطلبة كلَّ ليلة بعد العِشاء الآخرة، فيحملهم إلى بيته، ويُحْضر لهم من الطَّعام ما تيسَّر، وما تعرف إلى أحدٍ من أبناء الدُّنيا قَطُّ لا إلى سُلْطان ولا غيره.
ولا تحرَّك حركةً، ولا مشى خطوةً ولا تكلَّم كلمةً إلا لله تعالى، وكان يتعبَّد بالإخلاص، [(٢) ولقد رأيته مرارًا في الحَلْقة بجامع دمشق، والخطيب يوم الجمعة على المنبر، فيقوم عماد الدين، ويأخذ الإبريق]، ويضع بلبلته في فِيه على رؤوس الأشهاد يوهم النَّاس أَنَّه يشرب، وهو صائم.
[(٣) ذكر ثناء الشيخ الموفق عليه، كان يقول]: أعرفُ العماد من صِغَره، وما عرفتُ أَنَّه عصى الله تعالى قَطُّ، وكان من خِيار أصحابنا، وأعظمهم نَفْعًا، وأشدَّهم عبادةً وورعًا، وأكثرهم صَبْرًا على تعليم القُرْآن والفِقْه، داعيةً إلى السُّنَّة، أقام بدمشق يعلِّمُ الفقراء، ويُطْعِمُهُمْ، ويبذُلُ لهم ماله ونفسه [وطعامه] (١)، وما رأيتُ أشدَّ خوفًا منه لله تعالى، وكان من أشدِّ النَّاس تواضعًا، واحتقارًا لنفسه، كثير الدُّعاء والسؤال، طويلَ الركوع والسجود، يصوم يومًا، ويُفطر يومًا، وكان إذا سُمِعَ عليه جزءٌ، وكتبوا [على ظهره] (١): سُمِعَ على العالم الورع، ينهاهم عن ذلك.
وسافر إلى بغداد مَرَّتين: الأُولى في سنة تسع وستين وخمس مئة صحبةَ الشيخ موفق الدِّين ﵀ بعد أن حَفِظَ القرآن وغريب الحديث، والخِرَقي، وتفقَّه ببغداد على أبي
стр. 10559
الفَتْح بن المَنِّي، وأفتى وناظر. والسفرة الثانية سنة إحدى وثمانين صحبة عز الدين ابن أخيه، وصنَّف كتاب "الفروق بين المسائل الفقهية" وكتاب "الأحكام"، ولم يتمَّه.
[وكان يحضر مجالسي دائمًا بجامع دمشق وقاسيون، ولا ينقطع إلا من عذر، ويقول: صلاح الدين يوسف فتح الساحل وأظهر الإِسلام، وأنت يوسف أحييت السُّنَّة بالشام. وكان يزورني، ويتبسَّط إليَّ، ويحب مجالسي] (١).
ذِكْرُ وفاته:
لما كان عَشِيَّة الأربعاء سادس عشر ذي القَعْدة صَلَّى المغرب بجامع دمشق، وكان صائمًا، وأفطر في داره على شيء يسير، فجاءه الموتُ في الليل، فجعل يقول: يا حيُّ يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام. وتوفي، فَغُسِّل وقتَ السَّحَر، وأُخرجت جنازته إلى جامع دمشق، فما وسع النَّاسَ الجامعُ، وصلى عليه شيخنا موفق الدين بعد جهد [جهيد] (١)، وكان يومًا لم يُرَ في الإِسلام مِثْلُه؛ كان أَوَّلُ النَّاس عند مغارة الدَّم ورأس الجبل إلى الكهف، وآخرهم بباب الفراديس، ولولا [المبارز] (١) المعتمد ﵀ وأصحابه لقطعوا أكفانه، وما وصل إلى الجبل إلى آخر النَّهار.
قال المصنف ﵀: وتأمَّلْتُ النَّاس من أعلى قاسيون إلى الكهف إلى قريب الميطور لو رمى الإنسانُ عليهم إبرةً لما ضاعت، فلما كان في الليل نمتُ وأنا مفكِّر في جنازته، وذكرتُ أبيات سفيان الثَّوْري التي أنشدها في المنام [الذي من جملتها هذا البيت النفيس] (١): [من الطويل]
نظرتُ إلى ربي كِفاحًا وقال لي … هنيئًا رضائي عنكَ يا ابنَ سعيد
وقد ذكرتُ الأبيات في ترجمة سُفْيان، وقلت: أرجو أَنَّ العماد يرى رَبَّه كما رآه سُفْيان عند نزول حُفْرته، ونمتُ، فرأيتُ العماد في النوم، وعليه حُلَّة خضراء، وعِمامة خضراء، وهو في مكانٍ متَّسع كأَنَّه رَوْضة، وهو يرقى في دَرَج مرتفعة، فقلتُ: يا عمادَ الدِّين، كيف بِتَّ، فإني والله مفكِّرٌ فيك؟ فنظر إليَّ، وتبسَّم على عادته، وقال: [من الطويل]
стр. 10560
رأيتُ إلهي حين أُنْزِلْتُ حُفْرتي … وفارقتُ أصحابي وأَهْلي وجِيرَتي
فقال جُزِيتَ الخيرَ عنِّي فإنَّني … رضيتُ فها عَفْوي لديك ورَحْمتي
دأبتَ زمانًا تأمُلُ الفوز والرِّضى … فَوُقِّيتَ نيراني ولُقِّيتَ جَنَّتي
فانتبهتُ مرعوبًا، وكتبتُ الأبيات.
(١) [سمع ببغداد أبا محمَّد بن الخشَّاب النَّحوي، وشُهْدة الكاتبة، وعبد الحق بن عبد الخالق بن أحمد بن يوسف، وغيرهم، وبالشام أبا المكارم عبد الواحد بن محمَّد بن المُسَلَّم، وسلمان بن علي الدمشقي، وعبد الله بن صابر وغيرهم، وروى لنا عنهم]، ورثاه جماعةٌ، منهم الصَّلاح موسى بن الشِّهاب، [وكان الصَّلاح عارفًا، أديبًا، ذا معرفة بالشِّعْر والأدب، فاضلًا، عاقلًا، ظريفًا، حلو الشعر والمنطق] (٢)، فقال: [من البسيط]
الحمدُ لله في كلِّ الأمورِ فما … يقضي الإله علينا فَهْوَ مَقْبولُ
نرضى بما جاءنا منه ونشكره … على الرُّؤوسِ قضاءُ الله محمولُ
أُسائِلُ القَلْبَ عن صبري فنفقده … وأسألُ النَّوْمَ عَيني وهو تعليلُ
يا شيخنا يا عمادَ الدِّين قد قَرِحَتْ … عيني وقلبي منك اليوم مَتْبُولُ
أصبحتُ بعدك في هَمٍّ وفي حَزَنٍ … وإنَّني بسيوف الغَمِّ مَتْبُولُ
أوحشتَ والله رَبْعًا كنتَ تسكنه … لكنَّه الآن بالأحزانِ مأهولُ
كم ليلةٍ بتَّ تُحييها وتَسْهَرُها … والدَّمْعُ من خشيةٍ لله مَسْبولُ
وسجدةٍ طالما طال القنوتُ بها … قد زانَها منكَ تكبيرٌ وتهليلُ
فاليومَ بعدك ركنُ الدِّين منهدمٌ … وطالبُ العِلْم حيرانٌ ومخذولُ
قد كنتَ للسُّنَّةِ الغَرَّاء تنصرها … إذْ أنتَ سيفٌ على الأعداءِ مسلولُ
يا ذا الذي كان للدُّنيا يزيِّنُها … كأنَه في جبينِ الدَّهْرِ إكليلُ
وما يدومُ سوى وجه الإله وقد … جاءتْ بذلك آثارٌ وتنزيلُ
стр. 10561
أحمد بن أبي الفَضَائل بهاء الدِّين المِيهَني (١)
شيخ رباط الخِلاطية، [من بيت التصوف] (٢)، كان أبوه أبو الفضائل عبد المنعم شيخ المشايخ، وسيِّدَ الصُّوفية، وسَلَّم الخليفة إلى بهاء الدين رباط الخلاطية [وأوقافها] (٢) ثقةً به [من غير مُشْرف ولا عَمَل حساب، فأقام مدة، فقصده الناس من البلاد وأطراف بغداد وأرباب البيوت والفقراء والفقهاء والأعيان،] (٢) فما رَدَّ قاصدًا، ولا منع سائلًا، وكان له الجاه العظيم [والذكر الجميل] (٢).
وكان له عبدٌ أسود اسمه ريحان، فخان في المال، وبلغ الخليفة، فأخذه، فأقَرَّ، وقال: المال عند أُخت بهاء الدين، فعزل [بهاء الدين عما كان عليه] (٢)، ورأى الذُّلَّ [والهوان بعد العز والإمكان] (٢) ومرض [بهاء الدين في تلك الحالة، فولى الخليفة القاضي الزنجاني أمر الرباط،] (٢) وحُمل [بهاء الدين] (٢) إلى بيت أخته [على نهر عيسى] (٢)، فتوفي ثامن رجب، ودفن في الشُّونيزية في صُفَّة الجنيد عند أبيه.
[سمع شهدة الكاتبة وابن البطي وغيرهما، وصحب أباه، وأخذ عنه طريقة التصوف] (٢).
عبد الصمد بن محمَّد (٣)
ابن أبي الفَضْل بن علي بن عبد الواحد، أبو القاسم، القاضي جمال الدين، الحَرَسْتاني الأنصاري، شيخ القضاة.
ولد بدمشق سنة عشرين وخمس مئة، ونشأ بها، وسمع من مشايخها، ورحل إلى حلب، فسمع من الحافظ المُرَادي وغيره، وعاد إلى دمشق، وولي القضاء في زمن
стр. 10562
العادل، وكان زاهدًا عابدًا ورعًا عفيفًا [نَزِهًا] (١)، لا تأخذه في الله لومةُ لائم، [واتفق أهل دمشق على أنه] (٢) ما فاتته صلاةٌ بجامع دمشق في جماعة إلا إذا كان مريضًا، وكان ينزل من بيته في الحُوَيرة في سُلَّم طويل، فيصلِّي ويعود إلى داره، ومصلاه بيده، وكان مقتصدًا في ثيابه وفي عَيشه، وما كان يمكِّن أحدًا من غِلْمان القضاة يمشي معه. [بل كأَنَّه بعضُ الناس.
وحكى ولده عماد الدين قال] (١): كان أحد بني قوام يعاملُ الملكَ المُعَظَّم عيسى في السُّكَّر، ويتَّجر له (٣)، فمات [ابن قوام] (١)، فطرح ديوان المعظَّم يده على تركته، وبعث المعظَّم إلى القاضي يقول: هذا الرجل كان يتاجر لي بمالي والتركة لي، وأريد تسلُّمها. فأرسلَ إليه القاضي يقول: لا أُسَلِّم إليك تركته حتى تحلف أنك تستحقها. فقال المعظم: والله ما أحقق مالي عنده. فقال القاضي: وأنا والله ما أسلم إليك حتى تحلف، فما حلف، ولا أثبت له القاضي شيئًا.
[وحكى لي جماعة من الدماشقة أن العادل سيف الدين كتب لبعض خواصِّه كتابًا بالوصية في حكومة بينه وبين] (٤) رجل، فجاء إليه، ودفع إليه الكتاب، فقال: أيش فيه؟ قال: وصيةٌ بي. فقال: أحضرْ خَصْمك. فأحضره والكتاب بيده لم يفتحه، وادَّعى على الرجل، فظَهَرَ الرَّجلُ على حامل الكتاب، فقضى عليه، ثم فتح الكتاب وقرأه، ورمى به إلى حامله، وقال: كتاب الله قد حكم على هذا الكتاب. فمضى الرجلُ إلى العادل، وبكى بين يديه، وأخبره بما قال، فقال: صَدَقَ، كتابُ الله أَوْلى من كتابي.
وكان يقول للعادل: ما أحكم إلا بالكتاب والسنَّة، وأنا فما سألتك القضاء، فإن شئت وإلا فأبصر غيري.
стр. 10563
و [حكى لي الشمس بن خلدون قال] (١): أحضر له ولدهُ عماد الدِّين صحن حلوى سخنة، وقال: يا سيدي، كُلْ منه. فَغَضِبَ وقال: من أين هذا؟ أتريد أن تدخلني النَار؟ ولم يأكل منه.
وكانت وفاته يوم السبت رابع ذي الحجة عن نيف وتسعين سنة، ودفن بقاسيون.
[نقلت من خط ولده القاضي عماد الدين قال: سمع والدي أبو القاسم عبد الصمد بن محمَّد بن أبي الفضل بن علي الأنصاري كتاب "المعجم" لابن جُمَيع الغَسَّاني الصيداوي [من جمال الإِسلام علي بن المُسَلَّم بن محمَّد السُّلَمي الدمشقي] (٢) وهو يعرف بابن الشهرزوري، عن أبي نصر الحسين بن محمَّد بن أحمد بن طلاب، عن أبي الحسين محمَّد بن أحمد بن محمَّد بن جُمَيع بصيدا قراءةً عليه في سنة أربع وتسعين وثلاث مئة.
قال: وسمع عليه أجزاء كثيرة فيما بين سنة خمس وعشرين وخمس مئة إلى سنة ثلاثين.
وسمع أيضًا كتاب "مكارم الأخلاق" لأبي بكر الخرائطي، عن عبد الكريم بن حمزة بن الخضر السلمي، عن أبي الحسين أحمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد، عن جده محمَّد بن أحمد، عن الخرائطي.
قال: وسمع كتاب "الموطأ" لمالك بن أنس رواية يحيى بن بكير، عن أبي الحسن علي بن أحمد بن قبيس المالكي.
قال: ودخل حلب في سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة، فسمع على الحافظ المرادي "صحيح مسلم" عن الفراوي، عن الجُلُودي، عن [أبي إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن سفيان، عن] (٣) مسلم.
стр. 10564
قلت: وقد سمع خلقًا كثيرًا، وأجاز له جماعة من المشايخ بنيسابور، منهم أبو عبد الله محمَّد بن الفضل الفراوي، وابن عبد الكريم صاحب "الرسالة"، ومن أهل بغداد قاضي المارستان، وابن السمرقندي وابن الأنماطي وغيرهم، وسمع من الحافظ ابن عساكر، ومن عامة شيوخ الحافظ، وقد سمعت منه أجزاء في مقصورة الخضر ﵇] (١).
محمَّد بن أبي القاسم بن محمَّد (٢)
أبو عبد الله الهَكَّاري، الأمير بدر الدين.
استُشْهِدَ على الطُّور، وأبلى في ذلك اليوم بلاءً حسنًا، وكان من المجاهدين، له المواقفُ المشهورة في قتال الفرنج، وكان من أكابر أمراء المُعَظَّم، كان يستشيره، ويصدر عن رأيه، ويثق به لصلاحه ودينه، وكان سَمْحًا، لطيفًا، دَيِّنًا، وَرِعًا، بارًّا بأهله وبالفقراء والمساكين، كثيرَ الصَّدقات، دائم الصِّلات، بني بالقُدْس مدرسةً للشَّافعية، ووَقَفَ عليها الأوقاف، وبنى مسجدًا قريبًا من الخليل ﵇ عند قبر يونس ﵇ على قارعة الطَّريق، [وكان ملازمًا لمجالسي بالقدس] (١)، وكان يتمنَّى الشَّهادة دائمًا، ويقول: ما أحسنَ وَقْعَ سيوفِ الكُفَّار على أَنْفي وَوَجْهي. فاستجابَ الله له دعاءه، ورزقه الشهادة، ونُقِلَ من الطُّور إلى القُدْس، فدفن بتربته بمامَلَّه، ﵀.
يحيى بنُ عبد الملك بن إبراهيم (٣)
ابن إلْكِيَا الهَرَّاسي. كان فاضلًا، ومن شِعْره: [من المتقارب]
أتيتُ الوزيرَ فألفَيتُهُ … عزيزَ اللِّقاءِ منيعَ الحجابِ
وحاولت أني أرى لوصولٍ … إليه سبيلًا فأعيا طِلابي
فعدت وقد وقع اليأسُ لي … عسى فرجٌ لم يكن في حسابي
ومات في ذي القَعْدة، ودفن بالشُّونِيزِيَّة.
стр. 10565
السَّنة الخامسة عشرة وست مئة
[وفيها أعيد خالي أبو محمَّد يوسف إلى الحسبة] (١).
وفيها أفرج الخليفة عن ولده أبي نَصْر محمَّد، وأَذِنَ له في الركوب حيث شاء.
وفيها نزلتِ الفرنج على دِمْياط في ربيع الأول، وكان العادل بمرج الصُّفَّر، فبعث بالعساكر التي كانت عنده إلى مِصْر إلى الكامل، وأقام المعظَّم بالسَّاحل بعسكر الشَّام في مقابلة الفرنج.
وفيها استدعى العادل ولده المعظم عيسى، وقال له: قد بنيتَ هذا الطور، وهو يكون سببًا لخراب الشَّام، وقد سَلَّم الله مَنْ كان فيه من أبطال المسلمين وسلاح الدنيا والذخائر، وأرى من المصلحة خرابه ليتوفَّر مَنْ فيه من المسلمين والعُدَد على حِفْظ دمياط، وأنا أعوِّضُك. فتوقَّف المعظم، وبقي أيامًا لا يدخل إلى العادل، فبعث إليه فأرضاه بمالٍ، ووعده في مِصْر ببلادٍ، فأجاب، وبعث فنقل ما كان فيه من العُدَد والذَّخائر إلى القُدْس وعَجْلون والكَرَك ودمشق.
وفي يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر كسر الملكُ الأشرفُ ملكَ الرُّوم كيكاووس وسببه أَنَّ الأشرف جمع عساكر الشَّرْق وعسكر حلب، ودخل بلدَ الفرنج ليَشْغَلَهُمْ عن دمياط، ونزل على صافيتا وحِصْن الأكراد، وكان العادل بمرج صُفَّر، وتقدم إلى عالقين، فخرج ملكُ الرُّوم، ووصل إلى رَعْبان يريد أن يُلِمَّ بحلب، ونزل [إليه الأفضل من سميساط، وأخذوا رَعْبان وتل باشر وبلغ الأشرف،] (١) فعاد من صافيتا إلى حلب، وقد سَبَقَه ملكُ الرُّوم إلى مَنْبج، وتقدَّم بعضُ عسكرهم إلى بزاغة، [فرحل] (١) الأشرف [فنزل] (٢) بظاهر حلب، فقدَّم بين يديه المبارِزَين: ابن خُطْلخ وسُنْقُر الحلبي، وجماعةً معروفين، ورحل بعدهم فنزل باب بزاغة، وقدَّم العرب بين يديه، وجاء عسكر الرُّوم إلى السَّاجور، ووقع اليَزَك على اليزك، والعرب بين أيديهم، فكسروا الرُّوم، ورجع صاحبُ الروم إلى بلاده، والأفضل إلى سُمَيساط، وأكثر ما أنكى فيهم العرب. واستردَّ
стр. 10566
الأشرفُ رَعْبان وتل باشر، وأعطاهما لطُغْريل أتابَك، وبعث الأشرف سيف الدين بن كهدان والمبارز بن خُطْلخ إلى دمياط نجدةً للكامل.
وخطب الصَّالح محمود بن أُرْتُق صاحبُ آمِد للرُّومي، وقَطَعَ خُطْبة العادل.
وفي آخر جمادى الأُولى أخذ الفرنج بُرْج السِّلْسلة، وأرسل الكامل شيخَ الشيوخ صدر الدين إلى العادل يخبره، ويستصرخ به، فلما اجتمع بالعادل وأخبره، دَقَّ بيده على صَدْره، ومَرِضَ مَرَضَ الموت.
وفي جُمادى الآخرة التقى المُعَظَّم بالفرنج على القيمون فَنُصِرَ عليهم، وقَتَلَ منهم مقتلةً عظيمة، وأَسَرَ من الدَّاوية مئة فارس، وأدخلهم القدس منكَّسة أعلامُهم.
وفيها وصل رسول خوارَزْم شاه إلى العادل وهو بمرج الصُّفَّر، فبعث في الجواب الخطيبَ الدَّوْلعي والنجم خليل قاضي العسكر، فوصلا هَمَذَان، فوجدا الخوارزمي قد اندفع بين يدي الخَطَا، وقد خامر عليه عسكره، فسار إلى حَدِّ بخارى، فاجتمعا بولده جلال الدِّين، فأخبرهما بوفاة العادل، فرجعا إلى دمشق.
وحجَّ بالنَّاس من بغداد أقباش النَّاصري.
وفيها توفي
داود بن أبي الغنائم (١)
أبو سليمان المُلْهَمي، [من بني مُلْهَم] (٢)، الضَّرير.
كان على رأي الأوائل، ويتستَّر بمذهب الظَّاهرية، ويسكن رباط المأمونية، وكان فاضلًا إلا أنه يُسقِّف ويهذي [(٣) من جنس ابن الرَّاوندي. قال لي يومًا: قد بلغني أنك جميل الصورة، فصيح اللسان، واشتغل بعلوم الأوائل قال: فقلتُ له: أنشدني من فصاحتك، فأنشدني لنفسه: [من الوافر]
стр. 10567
إلى الرحمن أشكو ما ألاقي … غداةَ غَدَوا على هُوج النِّياقِ
نشدتُكُم بمنْ زمَّ المطايا … أمرَّ بكُمْ أمرّ من الفِراقِ
وهل داءٌ أشدُّ من التنائي … وهل عيشٌ ألذُّ من التلاقي
وكانت وفاته في المحرم، ودفن بالشونيزية، وقد جاوز سبعين سنة].
عبد الله بن الحسين (١)
أبو القاسم، عماد الدين الدَّامَغَاني، الحنفي، قاضي القضاة.
ولد في رجب سنة أربعٍ وستين وخمس مئة، وكان له سمتٌ ووَقَار، ودينٌ وعِفَّة، وتوفي في ذي القَعْدة، ودُفِنَ بالشُّونيزية.
عبد الله بن عبد الرحمن بن سُلْطان (٢)
أبو طالب القرشي، القاضي شرف الدين.
ولي القضاء بدمشق نيابةً عن ابن التركي، وكان فقيهًا فاضلًا، نَزِهًا لطيفًا عفيفًا، وتوفي في شعبان، وصُلِّيَ عليه بجامع دمشق، ودُفِنَ عند مشهد القدم.
علي بن أحمد بن روح (٣)
أبو الحسن.
كان نائبًا عن القضاة ببغداد، توفي في رمضان، وقد جاوز السبعين، ودُفِنَ في الشُّونِيزِيَّة، ومن شعره: [من الطويل]
وقد كنتُ أشكوك الحوادثَ بُرْهةً … وأستمرضُ الأيَّامَ وَهْيَ صحائحُ
إلى أن تَغَشَّتْني وُقِيتَ حوادثٌ … تُحقِّقُ أَنَّ السَّالفاتِ منائحُ
стр. 10568
كِيكَاووس، عِزُّ الدين، صاحب الروم (١)
كان جَبَّارًا، ظالمًا، سفَّاكًا للدِّماء، ولما عاد إلى بلده من كَسْرة حلب اتَّهم أقوامًا من أُمراء دولته أنهم قَصَّروا في قتال الحلبيين، فَسَلَقَ بعضَهم في القُدور، وجعل آخرين في بيتٍ وأحرقهم، فأخذه الله بغتةً؛ مات سكران فجأة، وقيل: بل ابتلي في بدنه، فتقطَّع.
وكان أخوه علاء الدِّين كَيقُباذ محبوسًا في قلعةٍ وقد أَمَرَ بقتله، فبادَرَ الأمراءُ فأخرجوه، وأقاموه في المُلْك، وكانت وفاة كيكَاووس في شوال، وهو الذي أطمع الفرنج في دِمْياط.
محمَّد بن أيوب (٢)
ابن شاذي بن مروان (٣)، أبو بكر، الملك العادل سيف الدين، وكنيته أشهرُ مِنْ اسمه.
قال المصنف ﵀: سأَلْتُه عن مولده، فقال: فتوح الرُّها، يعني سنة تسعٍ وثلاثين وخمس مئة. قد ذكرنا أحواله [(٤) مع أخيه صلاح الدين في إعطائه إياه مصر، ثم حلب، ثم الشرق والكرك والشوبك، وما يتعلق بذلك، وما جرى بينه وبين أولاد أخيه في ممر] السِّنين إلى أن استقرَّ له المُلْك، وامتدَّ من بلاد الكُرْج إلى هَمَذَان والجزيرة والشَّام ومِصْر والحجاز ومكَّة والمدينة إلى حَضْرموت، وكان ثَبْتًا، خليقًا بالملك، قُعْدُدًا، حسن التَّدْبير، حليمًا صَفُوحًا، مدبرًا للممالك على الوَجْه المرضي، عادلًا، مجاهدًا، دَيِّنًا، عفيفًا، متصدِّقًا، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، طَهَّر جميع ولاياته من الخمور والخواطئ والقمار والمخانيث والمكوس والمظالم، وكان الحاصل من هذه الجهات بدمشق على الخصوص مئة ألف دينار، فأبطل الجميع لله تعالى، وكان واليه المبارز المعتمد قد أعانه على ذلك؛ أقام رجالًا على عِقاب قاسيون وجبل الثلج، وحوالي دمشق بالجامكية والجراية يحرمون أحدًا يدخل دمشق بمنكر
стр. 10569
[فكان أهل الفساد يتحيَّلون ويجعلون زقاق الخمر في الطبول، ويدخلون بها إلى دمشق، فمنع من ذلك] (١).
قال المصنِّف: بلغني أَنَّ بعضَ المغاني دخلت على العادل في عُرْس، فقال لها: أين كنتِ؟ قالت: ما قدرت آجي حتى وفيت ما عليّ للضَّامن. فقال: وأيّ ضامن؟ قالت: ضامن القيان. فقامتْ عليه القيامة، وطلب المعتمد، [وعمل به ما لا يليق] (١) وقال: والله لئن عاد بلغني مثل هذا لأفعلن وأصنعنَّ.
ولقد فعل العادل في غلاء مِصْر عقيب موت العزيز ما لم يفعله غيره، كان يخرج في اللَّيل بنفسه ومعه الأموال يفزقها في أرباب البيوت والمساكين، [ولولاه لمات الناس كلهم] (١) وكفَّن تلك الأيام من ماله ثلاث مئة ألف من الغرباء (٢).
وكان إذا مَرِضَ أو تشوَّش مزاجُه خَلَعَ جميع ما عليه وباعه حتى فرسه، وتصدَّق به، وثَبَتَ له على زكي الدِّين قاضي دمشق [لبيت المال] (١) عشرين ألف دينار، وشَرَعَ القاضي يستدينها من النَّاس، فقالت له بعضُ حظاياه: رأيتُ النبيَّ ﷺ في المنام وهو يوصيك بالقاضي. فأسقطها عنه، ورَدَّه إلى القضاء (٣).
[وقد ذكرنا مواقفه مع أخيه وغزواته وتدبيره مع الانكتار، ولولاه ما انتظم الصُّلْح] (١).
ذِكْرُ وفاته:
قد ذكرنا وصول شيخ الشيوخ إليه بخبر بُرْج دِمْياط، وأنه انزعج، [ودَقَّ بيده على صدره] (١)، وأقام مريضًا إلى يوم الجُمُعة إلى سابع أو ثامن جُمادى الآخرة، فتوفي بعالقين، وكان المُعَظَّم قد كسر الفرنج على القيمون يوم الخميس خامس جمادى الآخرة، وقيل يوم الأربعاء.
стр. 10570
ولما توفي العادل لم يعلم بموته غير كريم الدِّين الخِلاطي، فأرسل الطَّيرَ إلى نابُلُس إلى المعظَّم، فجاء [المعظم] (١) يوم السبت إلى عالقين، فاحتاط على الخزائن، وصَبَّر العادل، وجعله في مِحَفَّة، وعنده خادم يروِّحُ عليه، وقد رَفَعَ طَرَفَ سِجافها، وأظهر أَنَّه مريض، ودخلوا به دمشق يوم الأحد، والنَّاس يسلِّمون على الخادم، وهو يومئُ إلى ناحية العادل، ودخلوا به إلى القلعة، وكتموا موته، [ومن العجائب أنهم طلبوا له] (٢) كفنًا، فلم يقدروا عليه، فأخذوا عمامة الفقيه ابن فارس، فكفَّنوه بها، وأخرجوا قُطْنًا من مِخَدَّة، فلفُّوه به، ولم يقدروا على فأس، فَسَرَقَ كريمُ الدِّين فأسًا من الخندق، فحفروا له به في القلعة، وصلَّى عليه ابنُ فارس، ودفنوه في القلعة.
قال المصنف: وكنتُ قاعدًا إلى جانب المعظَّم عند باب الدَّار التي فيها الإيوان، وهو واجمٌ، ولم أعلم بحاله، فلما دُفِنَ أبوه قام قائمًا، وشَقَّ ثيابه، ولَطَمَ على رأسه ووَجْهه، وكان يومًا عظيمًا، وعَمِلَ له العزاء ثلاثة أيام بالإيوان الشمالي، [ولما رأيت المعظم بلغ به الحال تكلمت في أول يوم، فلما انقضى العزاء عتبني المعظم، وقال: يا سبحان الله، أنت صاحب العزاء، أيش كان حاجة إلى كلامك مع ابن الحنبلي! وكان الناصح قد تكلم في ذلك اليوم، فقلت: لا بد من الكلام، فقال: إذا كان ولا بد فليكن في اليوم الثالث، ولا يتكلم معك أحد. فامتثلت ما أمر،] (١) وعمل له العزاء في الدنيا كلِّها، ونودي ببغداد: مَنْ أراد الصَّلاة على الملك العادل الغازي المجاهد في سبيل الله فليحضرْ إلى جامع القَصْر. فَحَضَر النَّاس، ولم يتخلَّف سوى الخليفة، وصَلُّوا عليه صلاة الغائب، وترحَّموا عليه، وتقدَّموا إلى خطباء الجوامع بأَسْرهم، ففعلوا ذلك بعد صلاة الجمعة.
[وفوَّض إليَّ الملك المعظم تربة بدر الدين حسن في اليوم الثالث، وكتب بها منشورًا، وبعث به إليَّ] (١).
وكان الصَّالح إسماعيل وأخوه قطب الدين أحمد بدمشق، فأمر الصَّالح، فتوجَّه إلى بُصْرى، وأحمد فتوجَّه إلى مِصْر.
стр. 10571
وبقي العادل بالقلعة إلى سنة تسع عشرة وست مئة، ثم نقل إلى تُرْبته التي أنشأها عند دار العقيقي ومدرسته.
ذِكْرُ أولاده: كان له عِدَّة أولاد، منهم: شمس الدين ممدود والد الجواد [يونس] (١)، والكامل محمَّد، والأشرف موسى، والمعظَّم عيسى، والأوحد أيوب، والفائز إبراهيم، وشهاب الدِّين غازي، والعزيز عثمان [شقيق المعظم] (١)، والأمجد حسن [شقيقهما أيضًا] (١)، والحافظ رسلان، والصَّالح إسماعيل، والمغيث محمود، ومجير الدِّين يعقوب، وتقي الدين عَبَّاس، وقُطْب الدين أحمد، والقاهر إسحاق، وخليل أصغرهم، وكان له عِدَّةُ بنات أفضلهن ضيفة خاتون صاحبة حلب أم العزيز، [وسنذكرها] (١).
ذِكْرُ ما تجدَّد بعد وفاته:
لما دَخَلَ رجب رَدَّ المعظم المكوس والخمور، وما كان أبوه أبطله.
قال المصنف ﵀: فقلتُ له: قد خلفت سيف الدين غازي ابن أخي نور الدين، فإنَّه كذا فعل لما مات نور الدين. فاعتذر بقِلَّة المال والفرنج.
وسار المعظَّم إلى بانياس، وأرسل الصَّارم التِّبْنيني وهو بتِبْنين في تسليم الحصون، فأجابه، فأخرب بانياس، وسار إلى تبنين، فأخربها وهَدَمها، وكانت قُفْل البلاد [وملجأ العباد] (١)، وأعطى بلاد شركس لأخيه العزيز، وزوَّجه بنت شركس، وبعث إليه الكامل بالخِلَع، وقال: أدركني. وجاءتِ الفرنج، فنزلوا على شِرْمَسَاح، وأخلى لهم المسلمون الخيام، فطمعوا، ثم رجع عليهم الكامل، فكسرهم، وقَتَلَ منهم خَلْقًا كثيرًا، وعادوا إلى دِمْياط.
ونزل الصَّارم وولده ناصر الدين وأصحابه من الحصون، فأكرمهم المعظَّم، وخلع عليهم وأحسن إليهم، وأظهر أنه ما أخرجه بانياس وتبنين إلا خوفًا من استيلاء الفرنج عليهما.
وقدم الصَّفي بن شُكْر وزير العادل دمشق من الشرق، وكان العادل قد نقم عليه ونفاه إلى الشرق، فمضى إلى آمد، فأقام بها، فلما مات العادل كتب الكامل إليه يطلبه، فَقَدِمَ دمشق، ونَزَل بظاهرها ببيت رانس على المُؤَيَّد العقرباني، فخدمه المؤيَّد، وكان قد قَلَّ نظره، فأقام أيامًا، ثم توجَّه إلى مِصْر.
стр. 10572
محمَّد بن تُكُش خوارَزْم شاه (١)
قصد العراق في أربع مئة ألف، ووصل هَمَذَان يريد بغداد، وقيل: كان معه ست مئة ألف تحت كل جتر ألف، وكان قد أفنى ملوك خراسان وما وراء النهر، وقَتَلَ صاحب سمرقند، وكان حسنَ الصُّورة، أخلى البلاد من الملوك، واستقلَّ بها، وكان ذلك سببًا لهلاكه.
ولما نزل هَمَذَان كان في عساكر سبعون ألفًا من الخطا، فكاتَبَ القُمِّيُّ عساكِرَه، ووعدَهم بالبلاد، فاتفقوا مع الخطأ على قَتْله، وبعث القمي] (٢) إليهم بالأموال والخيول والخِلَع سِرًّا، فكان ذلك سببًا لوَهْنه. ولما علم [خوارزم شاه] (٢) بذلك سار من هَمَذان طالبًا خُراسان، فنزل مرو، والتقى في طريقه الخيل والخِلَع والكُتُبَ المنفَّذة إلى الخطا، فلم يمكنه الرجوع لفساد عسكره، وكان خاله من الخطأ وقد حلَّفوه أن لا يطلعه على ما دَبَّروا عليه، فجاء إليه في الليل، وكَتَبَ في يده صورةَ الحال، ووقف بإزائه، فنظر إلى السطور وفهمها، وهو يقول: خُذْ لنفسك فالسَّاعة تقتل. فقام وخَرَجَ من تحت ذيل الشُّقَّة، ومعه ولداه جلال الدِّين وآخر، فركب، وسار بهما، ولما خرج من الخيمة دَخَلَ الخطا والعساكر من بابها ظَنًّا منهم أَنَّه فيها، فلم يجدوه، فنهبوا الخزائن والخيول والخيام والجواري، فيقال: إنه كان في خزائنه عشرة آلاف ألف دينار، وألفُ حِمْل قُماش أطلس وغيره، وعشرون ألف فرس وبغل، وكان له عشرة آلاف مملوك مثل الملوك، فتمزَّق الجميع ونهب، وأما خوارزم شاه فهرب إلى البحر، وركب في مركب صغير إلى جزيرة، وهرب ولده جلالُ الدِّين إلى الهند ومعه أخوه، وصَعِدَ خوارزم شاه إلى الجزيرة وبها قلعة، فتحصَّن بها، فأدركه الموت دون صعود القلعة، فدفنوه على ساحل البحر، وجاء الخطا، فدلوا عليه، فنبشوه، وقطعوا رأسه،
стр. 10573
وأخذوه وعادوا، وتفرقتِ الممالك بعده، وظهر التتر على الخطا بعد سنتين، وصار الخطا تبعًا لهم، وأخذوا البلاد.
نجاح بنُ عبد الله الشَّرابي (١)
نجم الدَّوْلة، مملوك الإِمام النّاصر.
كان جَوَادًا، سَمْحًا، عاقلًا، دَيِّنًا، كثيرَ الصَّدقات، حسنَ المحضر، مُحْسنًا إلى العالم، يحبُّ المساكين، ويعظِّمُ أهل الدِّين، ويأخذ للضَّعيف من القويِّ، وكان يسمَّى سَلْمان دار الخلافة، وكان ملازمًا للخليفة؛ لا يغيبُ عنه ساعةً واحدة، وكان أسمرَ اللون، جميلَ الصُّورة، فَحْلًا.
ولما توفي [في هذه السنة] (٢) أمر الخليفةُ أَنْ لا يتخلَّفَ عن جنازته لا وزير ولا غيره، وصلَّى الخليفةُ عليه تحت التَّاج، وحَزِنَ عليه حُزْنًا كثيرًا، وأُخرج تابوتُه من باب البَدْرية، ومشى العالم بين يديه إلى جامع القَصْر، وكان بين يدي جنازته مئةُ بقرة، وألفُ شاةٍ، ومئةُ قوصرة تمر، ومئة حَمَّال على رؤوسهم الخبز، وعشرون حَمَّالًا على رؤوسهم ماء الورد، ومماليكه قد جَزُّوا شعورهم، ولبسوا المسوح، والضَّجيج والبكاء قد ملأ بغداد، [ولم يُر في الإِسلام مثل ذلك اليوم] (٢) وعبروا به إلى تربة أم الخليفة بالجانب الغربي، فدفن بين يدي القُبَّة التي فيها أُمُّ الخليفة، وتصدَّق عنه الخليفة من مالِ نجاح بعشرة آلاف دينار على [المشاهد] (٢): مشهد علي ﵇، ومشهد الحسين، ومشهد موسى بن جعفر، وبعث بمثلها إلى مكة والمدينة، وأعتق الخليفةُ مماليكه، وكانت له خمس مئة مجلَّدة، فأوقفها في تُرْبة أُمِّ الخليفة، وكتب عليها اسم الشرابي.
[ومن العجائب أنه توفي في هذه السنة من الملوك الأكابر: العادل والخوارزمي (٣) وصاحب الروم.
стр. 10574
وتوفي أيضًا ببغداد من نواب القضاء نزل بهم القضاء المحتوم: ابن الرُّطَبي المحتسب، وابن البَنْدنيجي العَدْل، وابن الغُبَيري، والكل في شهرٍ واحد، فابن الرُّطَبي مات يوم الاثنين ثالث عشر رمضان، وابن البَنْدنيجي في رابع عشره، وابن الغبيري في خامس عشره] (١).
وفيها توفي
القاهر، صاحب الموصل (٢)
وترك ولدًا صغيرًا طفلًا اسمه محمود، فأخرج بدر الدين لؤلؤ زَنْكي أخا القاهر من المَوْصل، واستولى عليها.
السنة السادسة عشرة وست مئة
في أول المحرَّم أخرجه المُعَظَّم القُدْس؛ كان قد توجَّه إلى أخيه الكامل إلى دِمْياط، وبلغه أَنَّ طائفةً من الفرنج على عَزْمِ القُدْس، فاتَّفق الأمراء على خرابه، وقالوا: قد خلا الشَّام من العساكر، فلو أخذه الفرنج حكموا على الشَّام. وكان بالقُدْس العزيز عثمان، وعِزُّ الدِّين أيبك أستاذ الدَّار، فكتب إليهما المعظم بخرابه، فتوقَّفا، وقالا: نحن نحفظه. فكتبَ إليهما المعظم: لو أخذوه لقتلوا كلَّ مَنْ فيه، وحكموا على دمشق وبلاد الإِسلام، فألجأتِ الضرورة إلى خَرَابه، فشرعوا في السُّور أَوَّل يوم من المحرَّم، ووقع في البلد ضَجَّةٌ عظيمة [مثل يوم القيامة] (١)، وخرج النِّساء المخدَّرات والبنات، والشُّيوخ والعجائز، والشُّبان والصِّبْيان إلى الصَّخْرة والأقصى، فقطَّعوا شعورهم، ومزَّقوا ثيابهم بحيث امتلأتِ الصخرة ومحراب الأقصى من الشُعور، وخرجوا هاربين، وتركوا أموالهم وأثقالهم، وما شكُّوا أنَّ الفرنج تُصَبِّحُهُمْ، وامتلأت بهم الطُّرقات، فبعضهم إلى مِصْر، وبعضهم إلى الكَرَك، وبعضهم إلى دمشق، وكانت البنات المخدَّرات يمزقن ثيابهن، ويربطنها على أرجلهن من الحفا، ومات خَلْقٌ كثير
стр. 10575
من الجوع والعطش، [وكانت نوبة لم يكن في الإِسلام مثلها] (١) ونُهبتِ الأموالُ التي كانت لهم في القُدْس، وبلغ القنطار الزيت عشرة دراهم، والرطل النحاس نصف دِرْهم، وذم النَّاس المعظم، فقال بعضُ أهل العلم: [من مخلع البسيط]
في رَجَبٍ حَلَّلَ الحُمَيَّا (٢) … وأَخْرَبَ القُدْس في المُحَرَّمْ
[من أبيات، ولم يعذره أحد] (١).
وقال مجدُ الدِّين محمدُ بنُ عبد الله الحنفي؛ قاضي الطُّور: [من الطويل]
مررتُ على القُدْس الشَّريف مُسَلِّمًا … على ما تبقَّى مِنْ رُبوعٍ كأنْجُمِ
ففاضَتْ دموعُ العينِ منِّي صبابةً … على ما مضى من عَصْرِنا المتقدِّمِ
وقد رام عِلْجٌ أَنْ يعفِّي رسومَهُ … وشَمَّرَ عن كَفَّي لئيمٍ مُذَمَّمِ
فقلتُ له شَلَّتْ يمينُك خَلِّها … لمعتبرٍ أو سائلٍ أو مُسَلِّمِ
فلو كان يُفْدَى بالنُّفوس فَدَيتُهُ … بنفسي وهذا الظَّنُّ في كلِّ مُسْلِمِ
وفيها نفى المعظم بنَ المَشْطُوب من مِصْر؛ كان قد اتَّفق مع الفائز بن العادل على الكامل، واستحلف العساكر، وعَرَفَ الكاملُ، فرحل إلى أشمون، وعَزَمَ على التوجُّه إلى اليمن، ويئس من البلاد، وعَلِمَ المعظم، فقال له: لا بأس عليك. وركب آخر النهار، وجاء إلى خيمة ابنِ المَشْطوب، وقال: قولوا لعماد الدين يركب حتى نسير. فأخبروه، فخرج من الخيمة بغير صباغات، ولحق المِعظم، فأبعدَ به عن العساكر، وقال له: الملكُ الأشرف قد طلبك، وهو محتاجٌ إليك، فتسير إليه السَّاعة. فقال: ما في رجليَّ صباغات، ولا معي أحدٌ من غِلْماني، ولا قُماشي، فَوَكَل به جماعةً، وأعطاه خمس مئة دينار، وقال: كلُّ مالك يلحقك، والله ما يضيع لك خيط واحد. وسار به الموكَّلون، ورجع المعظم إلى خيمته، فوقف حتى جَهَّز خيله وغِلْمانه وثَقَلَه، ولم يُبْق له خيطًا واحدًا، وساروا خلفه، وعاد المعظم إلى خيمته، فجاء إليه الكامل، فقَبَّل الأرضَ بين يديه، وخاف الفائز خوفًا عظيمًا.