← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 10571–10610 · переход к 10576.

стр. 10571

وبقي العادل بالقلعة إلى سنة تسع عشرة وست مئة، ثم نقل إلى تُرْبته التي أنشأها عند دار العقيقي ومدرسته. ذِكْرُ أولاده: كان له عِدَّة أولاد، منهم: شمس الدين ممدود والد الجواد [يونس] (١)، والكامل محمَّد، والأشرف موسى، والمعظَّم عيسى، والأوحد أيوب، والفائز إبراهيم، وشهاب الدِّين غازي، والعزيز عثمان [شقيق المعظم] (١)، والأمجد حسن [شقيقهما أيضًا] (١)، والحافظ رسلان، والصَّالح إسماعيل، والمغيث محمود، ومجير الدِّين يعقوب، وتقي الدين عَبَّاس، وقُطْب الدين أحمد، والقاهر إسحاق، وخليل أصغرهم، وكان له عِدَّةُ بنات أفضلهن ضيفة خاتون صاحبة حلب أم العزيز، [وسنذكرها] (١). ذِكْرُ ما تجدَّد بعد وفاته: لما دَخَلَ رجب رَدَّ المعظم المكوس والخمور، وما كان أبوه أبطله. قال المصنف ﵀: فقلتُ له: قد خلفت سيف الدين غازي ابن أخي نور الدين، فإنَّه كذا فعل لما مات نور الدين. فاعتذر بقِلَّة المال والفرنج. وسار المعظَّم إلى بانياس، وأرسل الصَّارم التِّبْنيني وهو بتِبْنين في تسليم الحصون، فأجابه، فأخرب بانياس، وسار إلى تبنين، فأخربها وهَدَمها، وكانت قُفْل البلاد [وملجأ العباد] (١)، وأعطى بلاد شركس لأخيه العزيز، وزوَّجه بنت شركس، وبعث إليه الكامل بالخِلَع، وقال: أدركني. وجاءتِ الفرنج، فنزلوا على شِرْمَسَاح، وأخلى لهم المسلمون الخيام، فطمعوا، ثم رجع عليهم الكامل، فكسرهم، وقَتَلَ منهم خَلْقًا كثيرًا، وعادوا إلى دِمْياط. ونزل الصَّارم وولده ناصر الدين وأصحابه من الحصون، فأكرمهم المعظَّم، وخلع عليهم وأحسن إليهم، وأظهر أنه ما أخرجه بانياس وتبنين إلا خوفًا من استيلاء الفرنج عليهما. وقدم الصَّفي بن شُكْر وزير العادل دمشق من الشرق، وكان العادل قد نقم عليه ونفاه إلى الشرق، فمضى إلى آمد، فأقام بها، فلما مات العادل كتب الكامل إليه يطلبه، فَقَدِمَ دمشق، ونَزَل بظاهرها ببيت رانس على المُؤَيَّد العقرباني، فخدمه المؤيَّد، وكان قد قَلَّ نظره، فأقام أيامًا، ثم توجَّه إلى مِصْر.

стр. 10572

محمَّد بن تُكُش خوارَزْم شاه (١) قصد العراق في أربع مئة ألف، ووصل هَمَذَان يريد بغداد، وقيل: كان معه ست مئة ألف تحت كل جتر ألف، وكان قد أفنى ملوك خراسان وما وراء النهر، وقَتَلَ صاحب سمرقند، وكان حسنَ الصُّورة، أخلى البلاد من الملوك، واستقلَّ بها، وكان ذلك سببًا لهلاكه. ولما نزل هَمَذَان كان في عساكر سبعون ألفًا من الخطا، فكاتَبَ القُمِّيُّ عساكِرَه، ووعدَهم بالبلاد، فاتفقوا مع الخطأ على قَتْله، وبعث القمي] (٢) إليهم بالأموال والخيول والخِلَع سِرًّا، فكان ذلك سببًا لوَهْنه. ولما علم [خوارزم شاه] (٢) بذلك سار من هَمَذان طالبًا خُراسان، فنزل مرو، والتقى في طريقه الخيل والخِلَع والكُتُبَ المنفَّذة إلى الخطا، فلم يمكنه الرجوع لفساد عسكره، وكان خاله من الخطأ وقد حلَّفوه أن لا يطلعه على ما دَبَّروا عليه، فجاء إليه في الليل، وكَتَبَ في يده صورةَ الحال، ووقف بإزائه، فنظر إلى السطور وفهمها، وهو يقول: خُذْ لنفسك فالسَّاعة تقتل. فقام وخَرَجَ من تحت ذيل الشُّقَّة، ومعه ولداه جلال الدِّين وآخر، فركب، وسار بهما، ولما خرج من الخيمة دَخَلَ الخطا والعساكر من بابها ظَنًّا منهم أَنَّه فيها، فلم يجدوه، فنهبوا الخزائن والخيول والخيام والجواري، فيقال: إنه كان في خزائنه عشرة آلاف ألف دينار، وألفُ حِمْل قُماش أطلس وغيره، وعشرون ألف فرس وبغل، وكان له عشرة آلاف مملوك مثل الملوك، فتمزَّق الجميع ونهب، وأما خوارزم شاه فهرب إلى البحر، وركب في مركب صغير إلى جزيرة، وهرب ولده جلالُ الدِّين إلى الهند ومعه أخوه، وصَعِدَ خوارزم شاه إلى الجزيرة وبها قلعة، فتحصَّن بها، فأدركه الموت دون صعود القلعة، فدفنوه على ساحل البحر، وجاء الخطا، فدلوا عليه، فنبشوه، وقطعوا رأسه،

стр. 10573

وأخذوه وعادوا، وتفرقتِ الممالك بعده، وظهر التتر على الخطا بعد سنتين، وصار الخطا تبعًا لهم، وأخذوا البلاد. نجاح بنُ عبد الله الشَّرابي (١) نجم الدَّوْلة، مملوك الإِمام النّاصر. كان جَوَادًا، سَمْحًا، عاقلًا، دَيِّنًا، كثيرَ الصَّدقات، حسنَ المحضر، مُحْسنًا إلى العالم، يحبُّ المساكين، ويعظِّمُ أهل الدِّين، ويأخذ للضَّعيف من القويِّ، وكان يسمَّى سَلْمان دار الخلافة، وكان ملازمًا للخليفة؛ لا يغيبُ عنه ساعةً واحدة، وكان أسمرَ اللون، جميلَ الصُّورة، فَحْلًا. ولما توفي [في هذه السنة] (٢) أمر الخليفةُ أَنْ لا يتخلَّفَ عن جنازته لا وزير ولا غيره، وصلَّى الخليفةُ عليه تحت التَّاج، وحَزِنَ عليه حُزْنًا كثيرًا، وأُخرج تابوتُه من باب البَدْرية، ومشى العالم بين يديه إلى جامع القَصْر، وكان بين يدي جنازته مئةُ بقرة، وألفُ شاةٍ، ومئةُ قوصرة تمر، ومئة حَمَّال على رؤوسهم الخبز، وعشرون حَمَّالًا على رؤوسهم ماء الورد، ومماليكه قد جَزُّوا شعورهم، ولبسوا المسوح، والضَّجيج والبكاء قد ملأ بغداد، [ولم يُر في الإِسلام مثل ذلك اليوم] (٢) وعبروا به إلى تربة أم الخليفة بالجانب الغربي، فدفن بين يدي القُبَّة التي فيها أُمُّ الخليفة، وتصدَّق عنه الخليفة من مالِ نجاح بعشرة آلاف دينار على [المشاهد] (٢): مشهد علي ﵇، ومشهد الحسين، ومشهد موسى بن جعفر، وبعث بمثلها إلى مكة والمدينة، وأعتق الخليفةُ مماليكه، وكانت له خمس مئة مجلَّدة، فأوقفها في تُرْبة أُمِّ الخليفة، وكتب عليها اسم الشرابي. [ومن العجائب أنه توفي في هذه السنة من الملوك الأكابر: العادل والخوارزمي (٣) وصاحب الروم.

стр. 10574

وتوفي أيضًا ببغداد من نواب القضاء نزل بهم القضاء المحتوم: ابن الرُّطَبي المحتسب، وابن البَنْدنيجي العَدْل، وابن الغُبَيري، والكل في شهرٍ واحد، فابن الرُّطَبي مات يوم الاثنين ثالث عشر رمضان، وابن البَنْدنيجي في رابع عشره، وابن الغبيري في خامس عشره] (١). وفيها توفي القاهر، صاحب الموصل (٢) وترك ولدًا صغيرًا طفلًا اسمه محمود، فأخرج بدر الدين لؤلؤ زَنْكي أخا القاهر من المَوْصل، واستولى عليها. السنة السادسة عشرة وست مئة في أول المحرَّم أخرجه المُعَظَّم القُدْس؛ كان قد توجَّه إلى أخيه الكامل إلى دِمْياط، وبلغه أَنَّ طائفةً من الفرنج على عَزْمِ القُدْس، فاتَّفق الأمراء على خرابه، وقالوا: قد خلا الشَّام من العساكر، فلو أخذه الفرنج حكموا على الشَّام. وكان بالقُدْس العزيز عثمان، وعِزُّ الدِّين أيبك أستاذ الدَّار، فكتب إليهما المعظم بخرابه، فتوقَّفا، وقالا: نحن نحفظه. فكتبَ إليهما المعظم: لو أخذوه لقتلوا كلَّ مَنْ فيه، وحكموا على دمشق وبلاد الإِسلام، فألجأتِ الضرورة إلى خَرَابه، فشرعوا في السُّور أَوَّل يوم من المحرَّم، ووقع في البلد ضَجَّةٌ عظيمة [مثل يوم القيامة] (١)، وخرج النِّساء المخدَّرات والبنات، والشُّيوخ والعجائز، والشُّبان والصِّبْيان إلى الصَّخْرة والأقصى، فقطَّعوا شعورهم، ومزَّقوا ثيابهم بحيث امتلأتِ الصخرة ومحراب الأقصى من الشُعور، وخرجوا هاربين، وتركوا أموالهم وأثقالهم، وما شكُّوا أنَّ الفرنج تُصَبِّحُهُمْ، وامتلأت بهم الطُّرقات، فبعضهم إلى مِصْر، وبعضهم إلى الكَرَك، وبعضهم إلى دمشق، وكانت البنات المخدَّرات يمزقن ثيابهن، ويربطنها على أرجلهن من الحفا، ومات خَلْقٌ كثير

стр. 10575

من الجوع والعطش، [وكانت نوبة لم يكن في الإِسلام مثلها] (١) ونُهبتِ الأموالُ التي كانت لهم في القُدْس، وبلغ القنطار الزيت عشرة دراهم، والرطل النحاس نصف دِرْهم، وذم النَّاس المعظم، فقال بعضُ أهل العلم: [من مخلع البسيط] في رَجَبٍ حَلَّلَ الحُمَيَّا (٢) … وأَخْرَبَ القُدْس في المُحَرَّمْ [من أبيات، ولم يعذره أحد] (١). وقال مجدُ الدِّين محمدُ بنُ عبد الله الحنفي؛ قاضي الطُّور: [من الطويل] مررتُ على القُدْس الشَّريف مُسَلِّمًا … على ما تبقَّى مِنْ رُبوعٍ كأنْجُمِ ففاضَتْ دموعُ العينِ منِّي صبابةً … على ما مضى من عَصْرِنا المتقدِّمِ وقد رام عِلْجٌ أَنْ يعفِّي رسومَهُ … وشَمَّرَ عن كَفَّي لئيمٍ مُذَمَّمِ فقلتُ له شَلَّتْ يمينُك خَلِّها … لمعتبرٍ أو سائلٍ أو مُسَلِّمِ فلو كان يُفْدَى بالنُّفوس فَدَيتُهُ … بنفسي وهذا الظَّنُّ في كلِّ مُسْلِمِ وفيها نفى المعظم بنَ المَشْطُوب من مِصْر؛ كان قد اتَّفق مع الفائز بن العادل على الكامل، واستحلف العساكر، وعَرَفَ الكاملُ، فرحل إلى أشمون، وعَزَمَ على التوجُّه إلى اليمن، ويئس من البلاد، وعَلِمَ المعظم، فقال له: لا بأس عليك. وركب آخر النهار، وجاء إلى خيمة ابنِ المَشْطوب، وقال: قولوا لعماد الدين يركب حتى نسير. فأخبروه، فخرج من الخيمة بغير صباغات، ولحق المِعظم، فأبعدَ به عن العساكر، وقال له: الملكُ الأشرف قد طلبك، وهو محتاجٌ إليك، فتسير إليه السَّاعة. فقال: ما في رجليَّ صباغات، ولا معي أحدٌ من غِلْماني، ولا قُماشي، فَوَكَل به جماعةً، وأعطاه خمس مئة دينار، وقال: كلُّ مالك يلحقك، والله ما يضيع لك خيط واحد. وسار به الموكَّلون، ورجع المعظم إلى خيمته، فوقف حتى جَهَّز خيله وغِلْمانه وثَقَلَه، ولم يُبْق له خيطًا واحدًا، وساروا خلفه، وعاد المعظم إلى خيمته، فجاء إليه الكامل، فقَبَّل الأرضَ بين يديه، وخاف الفائز خوفًا عظيمًا.

стр. 10576

وأما ابنُ المشطوب، فاجتازَ بظاهر دمشق، ومضى إلى حماة، فأقام بها، فبعث إليه الأشرف منشورًا بأَرْجيش وزيادة، وبعث إليه بالخِلَع، فسار إلى الأشرف، فأكرمه وأحسن إليه، فصار يركب بالشَّبابة، ويعمل له سلطنة أعظم من الأشرف، وتجبَّر وطغى وبغى، وخامر على الأشرف، وطلع إلى ماردين، ثم قصد ناحية سِنْجار، [وجرى عليه ما سنذكره] (١). وفيها في شعبان أخذ الفرنج دمياط، وكان المعظم قد جَهَّز إليها النَّاهض بنَ الجرخي [(٢) في خمس مئة راجل، فهجموا على الخنادق، فَقُتِلَ ابن الجرخي] ومَنْ كان معه، وصفُّوا رؤوس القتلى على الخنادق، وكان قد طَمُّوها، وضَعُفَ أهلُ دِمْياط، وأكلوا الميتات، وعَجَزَ الكاملُ عن نُصْرتهم، ووقع فيهم الوباء والفَنَاء، فراسلوا الفرنج على أن يُسَلِّموا إليهم البلد، ويخرجوا منه بأهليهم وأموالهم، واجتمع الأقساء، وحلَّفوهم على ذلك، فركبوا في المراكب، وزحفوا في البحر والبر، وفتح لهم أهلُ دِمْياط الأبواب، فدخلوا، ورفعوا أعلامهم على السُّور، وغدروا بأهل دمياط، ووضعوا فيهم السَّيف قَتْلًا وأَسْرًا، وباتوا تلك الليلة في الجامع يَفْجُرون بالنِّساء، ويفضحون البنات، وأخذوا المنبر، والمصاحف ورؤوس القتلى، وبعثوا بها إلى الجزائر، وجعلوا الجامعَ كنيسةً. وكان أبو الحسن بن قُفْل بدمياط، فسألوا عنه، فقيل: هذا رجلٌ صالح، من مشايخ المسلمين، يأوي إليه الفقراء، فما تعرَّضوا له. ووقع على الإِسلامِ كآبةٌ عظيمة، وبكى الكاملُ والمعظَّم بكاءً شديدًا، ثم تأخرتِ العساكر عن تلك المنزلة، [فكان المعظم يقول لي بعد ذلك: لو كان الدعاء الآن يسمع لسمع دعاء أهل دمياط، فإن الله تعالى أخبرنا أنه يستجيب دعاءنا في عدة مواضع من كتابه، وإنما أهل دمياط لما كثر فسقهم وفجورهم سلَّط الله عليهم من انتقم منهم ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً … ﴾ (١) [الإسراء: ١٦]. ثم قال الكاملُ للمعظَّم [وقد سُقِطَ في يده] (١): قد فاتَ ما ذُبح، وجرى المقدور بما هو كائنٌ، وما في مقامك ها هنا فائدة، والمصلحة أن تنزل إلى الشَّام تَشْغَل خواطر الفرنج، وتستجلب العساكر من الشرق.

стр. 10577

قال المصنف ﵀: فكَتَبَ المعظم إليَّ وأنا بدمشق كتابًا بخَطِّه يقول في أوله: أخوه عيسى الكاملي، قد علم الأخ العزيز [-وذكر ألقابًا كثيرة-] (١) بأَنْ قد جرى على دِمْياط ما جرى، وأريد أن تحرِّض النَّاسَ على الجهاد، وتعرِّفهم ما جرى على إخوانهم أهل دِمْياط من الكَفَرة أهل العِناد، وإني كشفتُ ضياع الشَّام فوجدتها ألفي قرية، منهما ألف وست مئة أملاك لأهلها، وأربع مئة سُلْطانية، وكم مقدار ما تقوم هذه الأربع مئة من العساكر! وأريد أن يخرج الدَّماشقة ليذبُّوا عن أملاكهم الأصاغر منهم والأكابر، ويكون لقاؤنا وهم بصحبتك إلى نابُلُس في وقت سَمَّاه. فجلستُ بجامعِ دمشق، وقرأتُ كتابه عليهم، فأجابوا بالسَّمْع والطَّاعة، [وقالوا: نمتثل أمره بحسب الاستطاعة] (١)، وتجهَّزوا، فلما حَلَّ رِكابُه بالسَّاحل وقع التقاعد [من الأماثل، لأن لكل مقامٍ مقالًا، وللحرب رجالًا،] (١) وكان تقاعدهم سببًا لأخذه الثُّمْن والخُمْس منهم، وكتب إلى يقول: إذا لم يخرجوا فَسِرْ أنتَ إلينا. فخرجتُ إلى السَّاحل، وهو نازلٌ على قيسارية، فأقمنا حتى فتحها عَنْوَةً، ثم سرنا إلى الثَّغر، ففتحه، وهدمه، وعاد إلى دمشق بعد أَنْ أخربَ بلاد الفرنج. وفيها أَلْبَسَ [المعظمُ] (٢) زكيَّ الدِّين القاضي القَبَاء والكلوتة، وكان في قلبه منه حزازاتٌ، يمنعه من إظهارها حياؤه من العادل [وخوفه من الشناعات،] (١) وكان يشكوه [إليَّ مرارًا] (١) ويقول: إنه لا ينفذ [(٣) الأحكام ولا يقيم معالم الإِسلام]، وكنتُ أقول له: يا قاضي، أما قد ثبت عندك هذا الأمر؟ فيقول: بلى. فأقول: فَلِمَ لا تحكم به؟ فيقول: ما أحكم. واتَّفق موتُ [العادل، ومرضُ] (١) ستِّ الشَّام عَمَّةِ المعظم، وكانت [قد أوصت] (١) بدارها مدرسةً، وأحضرت زكيَّ الدين والشهود، وأشهدتهم عليها، وأوصت إلى القاضي، وبَلَغَ المعظم، فعزَّ عليه، فقال: يحضر إلى دار عمتي من غير إِذْني، ويسمعُ كلامها هو والشهود!

стр. 10578

ثم اتَّفق أَنَّ القاضي أحضر جابي المدرسة العزيزية، وطلب منه حسابَها، فأغلظ له في القَوْل، فأمر بضَرْبه، فَضُرِبَ بين يديه كما يفعل الولاة، فوَجَدَ المعظَّمُ سبيلًا إلى إظهار ما كان في نفسه، وكان الجمالُ المِصْري وكيلُ بيت المال عدوًا للقاضي، فجاء، فجلس عند القاضي في مجلس الحكم، والشهود حاضرون والنَّاس، فبعث المعظَّم مع صديقٍ غلام عماد الدين بن موسك بقجةً فيها قَبَاء وكلوتة، وأمره أن يحكم بين النَّاس وهما عليه، فقام من خوفه فلبسهما، وحكم بين اثنين، وكان أضرَّ ما عليه حضور الجمال المِصْري عنده، [وكان هذا القاضي قد سلب التوفيق، وإلا فلو قال اشهدوا علي أنني قد عزلت نفسي عن الحكم، وما ألبس هذه، لتخلص، والقتل أهون مما جرى عليه،] (١) ثم إنَّ القاضي مرض، ورمى كبدَه قِطَعًا، وكانت [(٢) حركة شنيعة وواقعة قبيحة لم يجر في الإِسلام أقبح منها، وكانت من غلطات المعظم، ولقد قلت له: ما فعلت إلَّا بصاحب الشرع، ولقد وجبت عليك دية القاضي. فقال: هو الذي أحوجني، ولقد ندمت. قلت: بعد أن سارت بفعلك الركبان، وتحدث النَّاس في البلدان]. وقال ابنُ عُنَيْن في ذلك: [من الكامل] يَا أَيُّها الملك المعظَّم سُنَّةٌ … أَحْدَثْتَها تبقى على الآبادِ تجري الملوكُ على طريقِكَ بعدها … خِلَعُ القُضَاة وتُحْفَةُ الزُّهَّادِ (٣) وكان ابنُ عُنَيْن قد تزهَّد، فبعث له المعظم قنينة خمر ونَرْد، وقال: سَبِّح بهذا. وحج بالنَّاس من العراق أقباش النَّاصري، ومن الشَّام مملوك المعظم، ويقال له: شقيفات، [وكنت في الحج، ومعنا عز الدين بن القَيسراني جاء من حلب، والصفي بن مرزوق] (١).

стр. 10579

وفيها تُوفِّي ريحان بن تِيكان بن موسك (١) أبو الخير، المقرئ، الحَرْبي. كان صالحًا، سليمَ الصَّدْر، أقام بالحَرْبية سبعين سنة يُقْرئ النَّاس القرآن، فختَّم ألوفًا، وكان من الأبدال، [وقرأت عليه القرآن، وسمعت الحديث] (٢)، وأضر في آخر عمره، وكانت وفاته في صفر، ودفن بمقابر الإِمام أَحْمد رحمة الله عليه، [وروى عن أبي الوقت وغيره] (٢). ستُّ الشَّام بنت أَيُّوب (٣) [أخت صلاح الدين والعادل، وشقيقة الملك المعظم شمس الدولة] (٢)، سيدة الخواتين، كانت عاقلة، كثيرة البِرّ والصّلات، [(٤) والإحسان والصدقات، وكان] يُعْمل في دارها من الأشربة والمعاجين والعقاقير في كلِّ سنةٍ بألوف دنانير تفرّقها على النَّاس، و [كان] (٢) بابها ملجأ للقاصدين، ومفزعًا للمكروبين، وهي أُمُّ حسام الدين لاجين، وتزوَّجها ناصر الدين محمَّد بن شيركوه صاحب حِمْص، وَبَنَتْ لها مدرسةً وتُرْبة بالعُوَينة على الشَّرف الشمالي من دمشق، ثم أوقفت دارها قبيل وفاتها بدمشق مدرسةً، وأوقفت على التُّرْبة والمدرسة الجوانية أوقافًا كبيرة، وكانت وفاتها في ذي القَعْدة، ودفنت بتربتها في العوينة، وكانت لها جِنازةٌ عظيمة، وكان شِبْلُ الدولة كافور الحسامي خادِمَها، فتولى أمرها. [قلت] (٢): وقد اجتمع لها ولأُختها ربيعة خاتون ما لم يجتمع لأحد، [لأنا ذكرنا فيما تقدم أن فاطمة بنت عبد الملك بن مروان كان لها ثلاثة عشر محرمًا، كل واحد منهم خليفة، وأمها عاتكة بنت يزيد بن معاوية حرمت على عشر من الخلفاء، وذكرناهم، وبنت صاحب ماردين

стр. 10580

كان لها عدة محارم، وست الشَّام وأختها] (١)، كان لهما نيف وثلاثون محرمًا من الملوك سوى أولادهم وأولاد أولادهم، فأخوتها صلاحُ الدين، والعادل، وسيف الإِسلام، وولده الذي ادَّعى الخلافة، وشمس الدولة، فمن أولاد صلاح الدين: العزيز وولده محمَّد، والأفضل، والظَّاهر وولده محمَّد العزيز، وابنه النَّاصر يوسف، والزاهر أخو الظَّاهر، ومن أولاد العادل: الكامل محمَّد وأولاده [الثلاثة] (١) أقسيس صاحب اليمن، والعادل صاحب مِصْر وولده المغيث صاحب الكَرَك، والصَّالح أَيُّوب وولده تورانشاه، والمعظم عيسى وولده النَّاصر داود، والأشرف بن العادل، والصَّالح إسماعيل، والأوحد صاحب خلاط، وشهاب الدين غازي، وولده العزيز عثمان، وولده الحافظ صاحب قلعة جعبر، وفُرُّخْشاه، وولده الأمجد، وغيرهم. عبد الله بن الحسين بن عبد الله (٢) المحب، أبو البقاء، العكبراوي، الضَّرير، النَّحويّ، الحَنْبلي. ولد سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة، وقرأ القرآن، والأدب، والأصولين، والفِقْه، وفنون العلم، وصنَّف ستين مصنفًا في فنون، منها: "إعراب القرآن" و"شرح المقامات" و"المتنبي" (٣) ومقدّمة في النحو، و"الحساب"، وسمع الحديث الكثير، وكانت وفاته في ربيع الآخر، ودفن بباب حَرْب، وكان دَيّنًا صالحًا. عبد المطَّلب بن الفَضل (٤) افتخار الدِّين، الهاشمي، البَلْخيّ، نزيل حلب. كان عارفًا بمذهب أبي حنيفة، وشرح "الجامع الكبير" وغيره، وتوفي بحلب، وكان سَيِّدًا، عارفًا، فاضلًا، ورعًا، دَيِّنًا.

стр. 10581

عثمان بن مُقْبل بن قاسم (١) أبو عمر، من الياسرية؛ قرية ببغداد. تفقَّه، وسَمِعَ الحديث، وكان سليم الصَّدْر، وكان يعظ في بعض المساجد، ذكر يومًا قصة موسى ﵇، وقال: أي موسى جئتني بخرقة تأخذ فيها نارًا، ليت شعري كناسة البيت (٢)، من أين لك هذه الجسارة حتَّى تقول: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟ وتوفي في ذي الحِجَّة، ودُفِنَ بباب حَرْب. عليُّ بن القاسم (٣) ابن عليّ بن الحسن بن هبة الله بن عساكر، ابن (٤) صاحب "تاريخ دمشق". قدم بغداد، ثم توجَّه إلى خراسان، وسَمِعَ بها، وعاد إلى بغداد، فوقع عليه قُطَّاع الطريق، فأخذوا ما كان معه وجرحوه، فأقام ببغداد يداوي جراحاته، فمات بها يوم السبت ثالث جُمادى الآخرة، ودفن بالشُّونيزية. مُحَمَّد بن جميل (٥) صاحب مخزن الخليفة. ولد سنة ستٍّ وستين وخمس مئة بهِيت، وقرأ النحو، وسمع الحديث، وكان فاضلًا بارعًا، ومن شعره: [من الوافر]

стр. 10582

إذا طُبِعَ الزَّمانُ على اعْوجاجٍ … فلا تَطْمَعْ لنفسكَ في اعتلالِ فلولا أَنْ يكون الزَّيغُ طبعًا … لما مال الفؤادُ إلى الشمال مُحَمَّد بن زَنكي (١) المنصور بن عماد الدين، صاحب سنجار، كان ملكًا عادلًا عاقلًا جوادًا (٢)، [قدم [العادل عليه] (٣) سنجار في سنة ست وست مئة (٤)، وجلس بالمدرسة العمادية ظاهر سنجار [ثم رحل عنه] (٥) بشفاعة الخليفة، وقد ذكرناه، وكانت وفاته في هذه السنة، وهي سنة ست عشرة وست مئة، وخلف عدة أولاد: سلطان شاه] (٦)، وزنكي، ومُظَفَّر الدِّين، وعِدَّة بنات. محمَّد بن بدر الدين سِبْط العقاب [وهو الذي] (٦) ضَمَّ الخليفةُ ولدي ولده إليه [لما] (٦) أُخرجا إلى ششتر، وأرسله [الخليفة] (٦) إلى الأشرف مرارًا، وكان فقيرًا، فحصل له مالٌ عظيم، فبعثه [الخليفة] (٦) إليه في هذه السنة، فبدا منه عند الأشرف دناءة نفس وسقوط هِمَّة، وبلغ الخليفة، وكان قد حظي عنده، [وبلغ] (٦) أعلى المراتب، فلما عاد من الرِّسالة اعتقله في داره، وقال له: بعثناك إلى ششتر، فخنتَ في المال، فاعملْ حسابك. فأصبح في داره مصلوبًا، فقيل: إنه صَلَبَ نفسه، وقيل: بل غِلْمانُه صلبوه، وقيل: بل الموكلون به، ولم يُغَسَّل، ولم يكفن، ولم يُصَلَّ عليه، وحمل إلى مقابر المُقَتَّلين، فدفن بها، [وقال النَّاس: إن في ذلك لعبرة] (٦).

стр. 10583

محمَّد بن محمَّد بن محمود الكُشْمِيهني (١) كان صالحًا، صاحبَ مجاهدات ورياضات، وأوصى أن يكتب على كفنه: [من الطَّويل] يكون أُجاجًا دونكم البيت (٢). يحيى بن القاسم بن المفرّج (٣) أبو زكريا، التكريتي. ولي قضاء تكريت، وقَدِمَ بغداد، وولي تدريس النّظامية، وتوفي في رمضان، ودُفِن بالشُّونِيزِيَّة، وكان فاضلًا، [ولي منه إجازة،] (٤) ومن شعره: [من البسيط] كم يأمُلُ المَرْءُ أمالًا وتُخْلِفُهُ … وكم يُرى آمنًا والموت يُرْدِفُهُ وطالما سَلَكَ الإنسان شاكلةً … يظنُّ فيها نجاةً وهي تُتْلِفُهُ السنة السابعة عشرة وست مئة فيها نافق ابنُ المشطوب على الأشرف، وعاث في أرض سِنْجار، وساعده صاحب ماردين، وكان نجمُ الدّين بن أبي عَصْرون مع ابنِ المشطوب وقد وَزَرَ له، فسار الأشرف، ونزل على دُنَيسر، وجاء [الملك] (٤) الصَّالح، فأصلح بين صاحب ماردين والأشرف، ودخل ابن المَشْطوب تل أَعْفر، وسار إليه فارسُ الدّين بن صبرة من نَصِيبين وبدر الدين لؤلؤ من المَوْصل، وحصراه في تل أعفر، فأنزله بدر الدين لؤلؤ بالأمان، وحمله معه إلى المَوْصِل، ثم قيَّده، وبعث به إلى الأشرف، فألقاه الحاجب عليّ في الجُبّ، فمات بالقَمْل والجوع.

стр. 10584

وكان نورُ الدين بن عماد الدين صاحب قرقيسيا مع الأشرف، وقد كاتَبَ عليه، واتَّفق مع ابن المشطوب، فاعتقله [الأشرف، وبعث به مع العلم تعاسيف إلى قرقيسيا وعانة، وعلِّق نورُ الدين] (١) بِرجْليه تحت القلعتين وعُذب، فَسُلِّمت إلى تعاسيف جميعُ بلاده، وأراد الأشرف أن يرميه في الجُبِّ، فشفع فيه المعظَّم، فأطلق، وسار [نور الدين] (١) إلى دمشق، فأحسن إليه المعظم، واشترى نور الدين بُسْتان ابن حَيُّوس في العُقَيبة، وأقام به. وفيها قَتَلَ صاحبُ سنجار أخاه، فسار الأشرف إليها، فأخذها، وعوَّض صاحبها الرَّقَّة. وفيها قصد زين الدين المَوْصل، فخرج إليه بدر الدين لؤلؤ، فهزمه ابن زين الدين، فأُفْلت لؤلؤ وحده. وفي رجب كانت وقعة البرلس بين الكامل والفرنج، قتل الكامل منهم عشرة آلاف، وغنم خيولهم وسلاحهم، ورجعوا إلى دِمْياط مهزومين. وفيها نَزَلَ الأشرفُ على المَوْصل نجدة لبدر الدين على ابن زين الدين، وعَزَمَ على قَصْدِ إربل، فبعث الخليفةُ بهتام الأمير وابن عَطَّاف وسعد الدين الحاجب، فردُّوه عن إربل، وأصلحوا بينهما. وفيها عزل المعظم المبارز المعتمد عن ولاية دمشق، وولَّى الغرزَ خليلًا. وفيها كان أَوَّلُ ظهور التَّتر وعبورهم جَيحون، وكان أول ظهورهم من وراء النهر سنة خمس عشرة وست مئة، وقبل عبورهم جيحون قصدوا بخارى وسَمَرْقند، فقتلوا أهلها وسبوهم، وحصروا خوارزم شاه، وعبروا النهر، فوجدوا الخطا قد كسروا خوارزم شاه، فانضمَّ إليهم الخطا، وصاروا تبعًا لهم، وكان خوارزم شاه قد أخلى البلاد من الملوك، فلم يجدوا أحدًا يردُّهم، ووصل [التتر إلى] (١) الري وقزوين وهَمَذَان في هذه السنة، فقتلوا أهلها، وأحرقوا مساجدها، وسبوا، ثم توجهوا إلى بلاد أذربيجان ففعلوا كذلك.

стр. 10585

وحج بالنَّاس من بغداد أقباش النَّاصري، وقُتِلَ بمكة، ولم يحجَّ أحدٌ من العجم بسبب التتر. وحج من الشَّام المبارز المعتمد، وعاد حاجُّ العراق على الشَّام. وفيها تُوفِّي الملك الفائز إبراهيم بن العادل (١) كان قد حالف ابنَ المشطوب والأُمراء بمصر على الكامل، ولولا المعظم لتمَّ لهم ما أرادوا، ولما كانت وقعة البرلس قال له الكامل: هؤلاء الفرنج قد استولوا على البلاد، وقد أبطأ علينا الملك المُعَظَّم، وما لملوك الشرق غيرك، فتوجَّه إلى الأشرف، وعَرِّفْه ما نحن فيه من الضَّائقة. فسار إلى الشرق، وكان الأشرف على المَوْصل، فمرض الفائز بين سِنْجار والمَوْصل، وقيل: إنه سُمَّ، فمات، فردُّوه إلى سِنْجار، فدفن عند تُرْبة عماد الدين زنكي. أقباش بن عبد الله النَّاصري (٢) اشتراه الخليفة وهو ابنُ خمس عشرة سنة بخمسةِ آلاف دينار، ولم يكن بالعراق أجمل صورةً منه، ثم قرَّبه الخليفةُ إليه ولم يكن يفارقه، فلما ترعرع ولَّاه إمرة الحج والحرمين، وكان [عاقلًا] (٣)، متواضعًا، محبوبًا إلى القلوب، حَجَّ ومعه خِلَعٌ وتقليدٌ لحسن بن قتادة، وكان قتادة قد مات، فلما وصل أقباش إلى عرفات جاءه راجح بن قتادة [أخو حسن] (٣)، وسأله أن يوليه إمارة مكة، وقال: أنا أكبرُ ولد قتادة. فلم يجبه، وظَنَّ حسن أَنَّ أقباش قد ولاه، فأغلق أبوابَ مكة، وجاء أقباش، فنزل بالشبيكة بعد أيام مِنى، ووقعتِ الفتنةُ بين حسن وأخيه، ومنع حسنٌ النَّاس من الدخول إلى مكة، فركب أقباش ليسكِّن الفِتْنة، ويُصْلح بين الأخوين، فخرج عبيد [مكة] (٣) وأصحابُ حسن من باب المُعَلَّى يقاتلونه، فقال: ما قَصْدي القتال. فلم يلتفتوا [إليه] (٣)، وانهزم

стр. 10586

أصحابه، وبقي وحده، وجاء عبدٌ، فَعَرْقَبَ فرسه، فوقع إلى الأرض، فقتلوه، وحملوا رأسه إلى حسن [بن قتادة] (١) على رُمْح، فنصبه بالمسعى عند دار العَبَّاس، ثم رُدَّ إلى جسده، ودُفِنَ بالمُعَلَّى، وأراد حسن نَهْبَ الحاجِّ العراقي، فمنعه [المبارز] (١) المعتمد، وخوَّفه الكاملَ والمعظم، فأجابه، ووصل الخبر إلى الخليفة، فحزن حُزْنًا عظيمًا، ولم يخرج الموكب للقاء الحاجّ، وأدخل الكوس والعلم في اللَّيل، ولم تنتطح فيه عنزان [وقد كان أَوْلى أن تتناطح الكباش] (١)، وكان قَتْلُه سادس عشر ذي الحِجَّة. الحسين بن أَحْمد بن الحسين (٢) أبو عبد الله، الخِيَاري، من أهل باب البَصْرة. ولد سنة خمسٍ وثلاثين وخمس مئة، وسمع الحديث، وكان حُفَظَةً للحكايات والأشعار والمُلَح، [وكان يتردَّد إلى جدّي، ويعجبه كلامه، وسمعته يومًا يحكي له] (١)، قال: سُئِلَ ابنُ عقيل، فقيل له: إنَّ الحمارَ يبرد له (٣) في السنة في ليلة واحدة، فإنما هي هذه الليلة، فقال ابنُ عقيل: ما يعرف هذه الليلة إلَّا مَنْ قد كان حمارًا. قال: ودخل رجلٌ إلى الكَرْخ، فلقيته امرأةٌ، فقالت له: أبو بكر، كيف أنتَ؟ فقال: أهلًا يَا عيشة. قالت: فأنا اسمي عيشة! فقال: أفأقتل أنا وَحْدي؟ وكانت وفاته في رمضان، سمع شُهْدَة وطبقتها، كان ثِقَةً. عبد الله اليونيني أسد الشَّام (٤) أصله من قريةٍ من قرى بَعْلَبَك يقال لها: يونين، كان صاحبَ رياضاتٍ ومجاهدات، وكرامات وإشارات، لم يَقُمْ لأحدٍ من النَّاس تعظيمًا لله تعالى، ويقول: لا ينبغي القيام لغير الله، [صحبته مدة،] (١) وما كان يدَّخر شيئًا، ولا يَمَسُّ بيده دينارًا ولا دِرْهمًا،

стр. 10587

وكان زاهدًا ورعًا عفيفًا، وما لبس طول عمره سوى الثَّوْب الخام وقَلَنْسُوة من جلد الغنم تساوي نصف دِرْهم، وفي الشتاء يبعثُ له بعضُ أصحابه فروةَ قرظ يَلْبَسُها، ثم يُؤثر بها في البَرْد، وكان إذا لَبِسَ الثَّوْب [يقول:] (١) هذا لفلان، وهذا لفلانة. قال المصنف ﵀: قال لي يومًا: يَا سيد، أنا أبقى أيامًا في هذه الزَّاوية -وكنا ببعلبك- ما آكل شيئًا، فقلتُ له: فأنتَ صاحب القَبُول، كيف تجوع؟ فقال: يَا سيد، لأَنَّ أهل بَعْلَبَكّ يتَّكل بعضُهم على بعض، فأجوعُ أنا. قال: وحدثني عبد الصمد خادمه، قال: كان يأخذ ورق اللَّوْز فَيَفْرُكُه ويستفُّه، وكان الملك الأمجد يزوره ويحبه، وكان الشيخ يُهينه، فما قام له يومًا قط، وكان يقول: يَا مجيد، أَنْتَ تظلم وتفعل وتصنع، وهو يعتذر إليه. وأظهر العادل قراطيس سود، فقال الشيخ عبد الله: يَا مُسْلمين، انظروا إلى هذا الشيخ الفاعل الصَّانع يُفْسِدُ على النَّاس معاملاتهم، وبلغ العادل، فأبطلها. [ذِكْرُ طرف من أخباره وكراماته] (٢): كنتُ قد اجتمعت به في الشَّام من سنة ست مئة إلى سنة ثلاث وست مئة، وكان له تلميذ اسمه توبة، وكان من الصَّالحين الأجواد، وسافرتُ إلى العراق سنة أربعٍ وست مئة، وحججتُ، فلما كان يوم عرفة صَعِدْتُ جبل عرفات، وإذا بالشيخ عبد الله قاعدٌ على الجبل مستقبلٌ الكعبة، وعليه الثَّوب الخام، وعلى رأسه القَلَنْسُوة السَّوْداء، فسلَّمْتُ عليه، فرحَّب بي، وسألني عن طريقي، وقعدت عنده إلى قريب الغياب، ثم قلتُ له: ما تقوم نروح إلى المزدلفة؟ فقال: اسبقني أنتَ، فلي رفاقٌ. فنزلتُ من الجبل، وأتيت المزدلفة، ووقفتُ بها، وجئت إلى منى، فدخلت مسجد الخَيف، وإذا بالشيخ توبة خارجٌ من المسجد، فسلَّم عليَّ، فقلتُ له: أين نزل الشيخ؟ ظنًّا مني أنَّه قد حَجَّ معه، فقال: أيما شيخ؟ قلتُ: عبد الله. قال: خَلَّفْتُه ببَعْلَبَكّ. فَفَطِنْتُ، فقلتُ: مبارك. [ففهم] (١)، فلزم بيدي وبكى، وقال: بالله حَدِّثْني أيش معنى هذا؟ فقلتُ: رأيته البارحة على عرفات. وحدَّثْتُه الحديث، ثم رجعتُ أنا على بغداد، وجاء توبة إلى

стр. 10588

دمشق، وحدَّث الشيخ عبد الله الحديث، فحدَّثني توبة قال: قال لي الشيخ: ما هو صحيح منك، فلان فتى، والفتى ما يكون غَمَّازًا. فلما عدتُ إلى الشَّام عَتَبني الشيخ، فقلت: توبة تلميذُك، فقال: لا تَعُدْ إلى مِثْلها [(١) كأنه كره أن يُتحدَّث له بكرامة في حال حياته. وحدثني القاضي جمال الدين بن يعقوب، قاضي كرك البقاع، قال:] كنتُ يومًا عند الجسر الأبيض في مسجدٍ هناك وقت الحَرِّ، وإذا بالشَّيخ عبد الله قد جاء، فنزل ثورا يتوضأ، وإذا بنَصْراني عابر على الجسر، ومعه بغلٌ عليه حِمْلُ خَمْرٍ، فعَثَرَ البغل عند الجسر، [ووقع حِمْلُ الخمر] (٢)، وليس في الطريق أحد، فَصَعِدَ الشيخ من النَهر، وصاح بي: يَا فقيه، تعال. قال: فجئتُ فقال: عاوني. فعاونته حتَّى رَفَعْنا الحِمْلَ على البغل، وراح النَّصْراني، فقلتُ في نفسي: مثل الشيخ يفعل كذا! ثم مشيت خلف البغل إلى العُقَيبة، فجاء إلى دُكَّان الخَمَّار، فَحَطَّ الحِمْلَ، وفتح الزُّقاق، وقلب ليكيله، فإذا به قد صار خَلًّا، فقال له الخَمَّار: ويحك هذا خَلٌّ. فبكى، وقال: والله ما كان إلَّا خمرًا من ساعة، وإنما أنا أعرف العِلَّة، ثم ربط البغل في الختان، وعاد إلى الجبل، وكان الشيخ قد صلَّى الظهر في المسجد الذي عند الجسر، وقعد يسبِّح، فدخل عليه النَّصْراني وقال: يَا سيدي، أنا أشهد أَنْ لا إله إلَّا الله، وأَسْلَمَ، وصار فقيرًا. [وحكى لي جماعة من أهل بعلبك قالوا: كان جالسًا يومًا في زاويته، وإذا بامرأة طالعة، وبين يديها دابة تسوقها، عليها نحاس وثياب، فربطتها، وجاءت إليه، فسلمت عليه، فقال لها: من أين أَنْتَ؟ فقالت: نصرانية من جبة المنيطرة. قال: وما الذي جاء بك إلى عندي؟ قالت: رأيت السيدة مريم في المنام فقالت: اذهبي فاخدمي الشيخ عبد الله اليوناني إلى أن تموتي. قالت: فقلت لها: يَا سيدتي، فذاك مسلم. فقالت: صحيح أنَّه مسلم، ولكن قلبه [نصراني] (٢)، فقال لها الشيخ: أجادت مريم، ما عرفني غيرها. فأعطاها بيتًا في الزاوية، فأقامت تخدمه ثمانية أشهر، فمرضت، فقال لها الشيخ: أيش تشتهين؟

стр. 10589

قالت: أموت على دين السيدة مريم. فقال: صيحوا بالقسيس، فجاء فقال: خذ هذه إليك، وخذ قماشها، وكان [يساوي] (١) خمس مئة درهم، فماتت عند القسيس. وحكى بعضُ أهل بَعْلَبَكّ أنها ما ماتت إلَّا مسلمة، وتصدَّق بما خلفت] (٢). وكان يأتي في الشِّتاء إلى عيون الفاسريا؛ ظاهر دمشق لأجل سخونة الماء والوضوء، وبنى له على رأس العين مسجدًا صغيرًا يأوي إليه، [وكان الدماشقة يخرجون من دمشق إلى زيارته] (٢)، قال المصنف ﵀: فحكت لي امرأةٌ صالحة، قالت: خرجتُ من دمشق بعد العَصْر، فوصلتُ إلى العيون بعد العِشاء الآخرة، فتوضَّأْتُ وطلعت إلى باب الزَّاوية، وكانت ليلةً مُقْمرة، وإذا بالسَّبُع نائمٌ على باب الزَّاوية، ورأسه على عتبتها، فَيَبِسْتُ، ولم أقدر أتحرَّك، فسحَبْتُ رُكَبي نحو القرية، فلما كان وقت السَّحر هرول السَّبُع ومضى، وخرج الشيخ، فرآني، فقال: ويلك، وأيش كان عليك منه؟! [ومن هذا كثير] (٢). وكان الشيخ ﵀ شجاعًا لا يبالي بالرِّجال قَلُّوا أو كثروا، وكان قوسه ثمانين رطلًا، وما فاتته غزاةٌ بالشَّام قط، وكان يتمنَّى الشَّهادة، ويُلْقي نفسه في المهالك، [(٣) وحكى لي عنه خادمه عبد الصَّمد قال:] لما دَخَلَ العادل إلى بلد الفرنج، ووصل إلى صافيتا والعُرَيمة كان الشيخ في الزَّاوية ببعلبك، فقال لي: انزل إلى الثّقة عبد الله اطلب بغلته، فأحضرتُها، فركبها وخرجتُ معه، فبتنا في يُونين، وقمنا نصف الليل، فجئنا إلى المحدثة قبل الفجر فقلتُ له: لا تتكلَّم ها هنا، فهذا مكمن الفرنج، [قال:] (٢) فرفع صوته، وقال: الله أكبر، فجاوبته الجبال، [فمتُّ من الفزع] (٢)، ونزل، فصلَّى الفجر، وركب، وطلعتِ الشَّمس، والطَّير لا يطير في تلك الأرض، وإذا قد لاح من ناحية حصن الأكراد طُلْبٌ أبيض، فظنَّهم الاسبتار، فقال: الله أكبر، ما أبركك من يوم، وساق إليهم وقد شَهَرَ سيفه، فقلتُ في نفسي: شيخٌ وتحته بَغْلة، وبيده سيفٌ يسوق إلى طُلْب إفرنج! فلما كان بعد بساعة، وإذا بهم قد قربوا إلينا، وهم عانة حمير وحش، [قال:] (٢) فانكسر،

стр. 10590

وفترتْ هِمَّتُه، فقلتُ له: احْمد رَبَّك، فإنَّ الله قد نظر إليك، أَنْتَ وحدك تريد تلاقي مئة على بَغْلة! [قال:] (١) وجئنا إلى حِمْص، فجاءنا الملك المجاهد أسد الدِّين، وقَدَّم له حصانًا من خيله، فركبه، ودخل [معهم،] (١) فعمل العجائب. [وكان يقول لصاحبه الفقيه محمَّد (٢): فيَّ وفيك نزل ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: ٣٤] أنا من الرهبان، وأنت من الْأَحبار. ذكر أخلاقه: قد ذكرنا أن الملك الأمجد كان يزوره ويحبه. وكان الشيخ يهينه، فما قام له قط، وكان يقول له: يَا مجيد، أَنْتَ تظلم وتفعل وتصنع، وهو يعتذر إليه. وقد ذكرنا أن العادل أظهر قراطيس سود، فقال الشيخ عبد الله: انظروا يَا مسلمين إلى هذا الشيخ الفاعل الصانع يفسد على النَّاس معاملاتهم، وبلغ العادل، فأبطلها. وقد ذكرنا أخباره وكراماته وحكاياته، وقد ذكرنا حكايته مع النصراني، ومع المرأة التي كان معها الدابة وعليها النحاس والثياب] (١). ذِكْرُ وفاته: قال عبدُ الصَّمد: لما كان يوم الجمعة نزل، فصلَّى الجُمُعة بجامع بَعْلَبَك، وهو صحيحٌ ليس به شيءٌ، ودخل الحَمَّام قبل الصَّلاة واغتسل، وكان عليه ثوبان: ثوب قد سماه لأُمِّ أيدمر، والآخر لأُمِّ مهجة، وجاءه داود المؤذن، وكان يُغَسِّل الموتى، فقال له: ويحك يَا داود، انظر كيف تكون غدًا. فما فهم داود، وقال: يَا سيِّدي، كلُّنا غدًا في خِفارتك. ثم صَعِدَ الشيخ إلى المغارة، وكان قد أمر الفقراء أن يقطعوا صخرةً عند اللَّوْزة التي كان ينام تحتها، ويقعد عندها، وعندها قُبِرَ، وكان في نهار الجمعة قد نَجِزَتِ الصَّخرة، وبقي منها مقدار نصف ذراع، فقال لهم: لا تطلُعُ الشَّمْس إلَّا وقد فَرَغْتُمْ منها، [قال:] (١) وبات طول الليل يذكُرُ أصحابه ومعارفه، ويدعو لهم، ويقول:

стр. 10591

يَا سيّدي، فلانة اجتزتُ بها في الموضع الفلاني أعطتني شَرْبَةَ ماء فشرِبْتُها، وقليل ماء فتوضأتُ به، اغفرْ لها، وفلان أحسن إليَّ فأحسِنْ إليه. وطَلَعَ الصُّبْح، فصلّى بي، وخرج إلى صخرة كان يجلس عليها، فجلس وبيده سُبْحته، وقام الفقراء يتمِّمون الصخرة، وطلعتِ الشَّمس وقد فرغوا منها، والشيخ قاعدٌ نائم والسُّبْحة بيده، وجاء خادمٌ من القلعة إليه في شُغْل، فرآه نائمًا قاعدًا بحاله، فما تجاسر أن يوقظَه، فقعد ساعة، فطال عليه، فقال: يَا عبد الصَّمد، ما أقدر أقعد أكثر من هذا. فتقدمتُ إليه وقلت: يَا سيدي، سيدي، فما تكلَّم، فحركتُهُ، فإذا به ميتٌ، وقد فرغوا من الصخرة، وعملوا فيها ساعة وهو ميت، وارتفع الصّياح، وكان صاحبُ بَعْلَبَكّ في الصَّيد، فأرسلوا وراءه، فجاء، فرآه على تلك الحال، لا وَقَعَ ولا وقعت السُّبْحة من يده، [وهو كأنه نائم، فقال: دعونا نبني عليه بنيانًا، وهو على حاله ليكون أعجوبة الدنيا أن الإنسان يموت وهو قاعد ولا يتغير] (١)، فقالوا: اتِّباعُ السُّنَّة أَوْلى. وطلع داود، فغسله، ودفع الثَّوبين إلى المرأتين، ولما ألحدوه قال له الحَفَّار: يَا شيخ عبد الله، اذكر ما عاهدتنا عليه. قال: فَفَتَحَ عينيه، ونظر إلي شَزْرًا، ودفن عند اللَّوْزة يوم السبت في العشر الأول من ذي الحِجَّة، وقد جاوز ثمانين سنة، ﵀، ونفعنا به. قال المصنف ﵀: اقتصرنا على هذه اللُّمْعة من فضائله، وكان يستوحش من النَّاس، لما حصل له من الإيناس، فتارةً يكون بجبل لبنان، هاجرًا للأوطان، وتارة بالغسولة وثنية العقاب، يفر من الأسباب، وتارة بضمير، يستنشق روائح الغوير، ولسان حالة يقول: [من الكامل] وإذا رجعتَ إلى الصَّحيح فَنَجْدُها … قلبي وبين جوانحي أغوارُها قَتَادة بنُ إدريس (٢) أبو عزيز، الحسني الزَّيدي، أمير مكة.

стр. 10592

كان شيخًا، مهيبًا، طُوالًا، عادلًا، منصفًا، نِقْمةً على عبيد مكة والمُفْسدين، والحاجُّ في أيامه مطمئنون آمنون على أموالهم ونفوسهم، [ولقد رأيتُهُ لما حججنا] (١)، وكان يُؤذَّن في الحرم بحي على خير العمل، وما كان يلتفت إلى أحدٍ من خلق الله، ولا وطئَ بساط الخليفة ولا غيره، ويُحمل إليه في كلِّ سنة من بغداد الخِلَع والذَّهب، وهو في داره بمكة، وكان يقول: أنا أَحقُّ بالخلافة. ولم يرتكب كبيرة على ما قيل، وكَتَبَ إليه الخليفة يستدعيه، ويقول: أنتَ ابنُ العَمِّ والصَّاحب، وقد بلغني شهامتُك وحِفْظُك للحاجِّ، وعَدْلُك، وشَرَفُ نفسك، وعِفَّتُك، ونزاهتُك، وقد أحببتُ أَنْ أراك وأشاهِدَك، وأحسنَ إليك، [وأتبرك بقدومك عليَّ،] (١) فكتب إليه: [من الطويل] ولي كَفُّ ضِرْغامٍ أُدِلُّ ببطشها … وأَشْرِي بها بين الورى وأبيعُ تَظَلُّ ملوكُ الأرضِ تلثمُ ظَهْرَها … وفي وَسْطها للمُجْدبين ربيعُ أأجعلها تحت الرَّحى ثم أبتغي … خلاصًا لها إنِّي إذًا لرقيعُ وما أنا إلَّا المسْكُ في كل بقعةٍ … يَضُوعُ وأما عندكم فيضيعُ وكانت وفاته في جُمادى الأولى بمكَّة. محمَّد بن عمر بن حَمُّوية (٢) أبو الحسن، صَدْر الدِّين، شيخ الشيوخ. كان صلاح الدِّين ﵀ قد ولَّاه المشيخة مكان أَبيه عند وفاة أَبيه سنة سبعٍ وسبعين وخمس مئة، ولما ولي العادل مصر ولاه تدريس الشَّافعي ومشهد الحسين والنظر في الخانكاة. وكان فاضلًا، فقيهًا، سِكِّيتًا، لا يتكلم فيما لا يعنيه، وكانت له الحُرْمة الوافرة عند العادل وأولاده، وكان كثيرَ الخير، ولما استولى الفرنج على دِمْياط بعثه الكامل إلى

стр. 10593

الخليفة يستنجده، فمرض بين حَرَّان والمَوْصِل، ووصل الموصل في منتصف جُمادى الآخرة، فتوفي بها يوم الاثنين رابع عشرين منه بعِلَّة الذَّرَب، وعمره ثلاثٌ وسبعون سنة، ودُفِنَ إلى جانب قضيب البان. وكان له من الأولاد: عماد الدين عمر، وفخر الدين يوسف، وكمال الدين أَحْمد، ومعين الدِّين حسن، وأمهم بنت شهاب الدِّين بن أبي عصرون. مُحَمَّد بن عمر (١) ابن شاهنشاه بن أَيُّوب، الملك المنصور، صاحب حماة. كان شجاعًا، محبًّا للعلماء والفُضَلاء، وكان عنده جماعةٌ من المُعَمَّمين لهم الرَّواتب مثل السيف الآمِدِي، ومن يجري مجراه، وصنَّف كتابًا سماه "المضمار" (٢)، فيه جملةٌ من التَّواريخ، وأسامي مَنْ وَرَدَ عليه في عشر مجلدات، وكانت وفاته في شوال بحماة، ودفن عند أَبيه. وقام بعده ولده الأكبر الملك النَّاصر قليج رسلان، وجرى له مع الكامل بعد ذلك عجائب، وأخذ منه حماة، وأعطاها لأخيه الملك المُظَفَّر، واعتقل قليج رسلان في الجُبِّ بمِصْر، ومات على أقبح حال. محمود بن محمَّد (٣) ابن قرأ رسلان بن أُرْتُق، الملك الصَّالح، ناصر الدِّين، صاحب آمد. كان شجاعًا، عاقلًا، جَوَادًا، محبًّا للعلماء، وكان الأشرف يحبه، وجاء غير مرة إلى خدمة الأشرف إلى دُنَيْسر وغيرها، ومات بآمد في صفر.

стр. 10594

وقام بعده ولده المسعود، وكان ضد اسمه بخيلًا فاسقًا، حَصَره الكامل بعد ذلك في آمِد، ووجد في قصره خمس مئة امرأة من الحرائر من بنات النَّاس بغير كتاب، وأخذه الكامل إلى مِصْر وأحسن إليه، فكاتَبَ الرُّوم، وسعى في هلاك الكامل، فحبسه في الجُبّ مُدَّة، ثم أطلق، ومضى إلى التتر، وكان معه الجواهرُ العظيمة والأموال، وأخت مستحسنة، فقتلوه، وأخذوا الجميع. ناصر بن مهدي (١) وزير الخليفة. وقد طعنوا في نسبه (٢)، ولما عُزِلَ أمر الخليفةُ الشُّعراءَ أن يغمزوه في أشعارهم، وكان جَبّارًا قاسيًا، وكانت وفاته بدار طاشْتِكِين في جُمادى الأولى، وفُتِحَ له جامع القَصْر، ومشى بين يديه أربابُ الدَّولة بأَسْرهم والحاشية، ودفن بمقابر موسى بن جعفر. السنة الثامنة عشرة وست مئة فيها توجه المعظَّم عيسى إلى أخيه الأشرف، واجتمعا على حَرَّان، وكتب صاحبُ ماردين ناصر الدِّين إلى الأشرف يسأله أن يُصْعِدَ المعظم إليه، فسأله، فسار إلى ماردين، فتلقَّاه صاحب ماردين في دُنَيْسر، وأصعده إلى القلعة، وخدمه خدمةً عظيمة، وقدَّم له التُّحف والجواهر، واتَّفقا وتحالفا على ما أرادا، وزوَّج المعظم إحدى بناته ناصرَ الدِّين، وزوَّج ابنه بابنته الأخرى، وخَلَعَ على جميعِ أصحابه، وأعطاهم أموالًا، ورجع المعظَّم إلى حَرَّان. ووصلت الأخبار بوصول التَّتر إلى [كرماشاهان] (٣) قريب بغداد، فانزعج الخليفة، وأمر النَّاس بالقنوت في الصَّلاة، وحَصَّن بغداد، واستخدم العساكر. وفي جُمادى الآخرة فتحت دمياط.

стр. 10595

ذِكْرُ السبب: كان المعظم من أحرص النَّاس على خلاص دِمْياط و [على] (١) الغَزَاة، وكان مصافيًا لأخيه الكامل، وكان الأشرف مقصِّرًا في حَقّ الكامل، مباينًا له في الباطن، فلما اجتمعتِ العساكرُ على حَرَّان، قطع بهم المعظَّم الفرات، وسار الأشرف في آثاره، ونزل المعظم حمص، والأشرف سَلَمِيَّة. قال المصنف ﵀: وكنتُ قد خرجتُ من دمشق إلى حِمْص لطلب الغَزَاة، فإنَّهم كانوا على عَزْمِ الدُّخول إلى طرابُلُس، فاجتمعتُ بالمُعَظَّم على حِمْص في ربيع الآخر، فقال لي: قد سحبتُ الأشرف إلى ها هنا بأسناني وهو كاره، وكل يوم أعتبه في تأخُّره، وهو يكاشر، وأخاف من الفرنج أن يستولوا على مِصْر، وهو صديقك، فأشتهي تقوم تروح إليه، فقد سألني عنك [مرارًا] (٢)، ثم كَتَبَ إليه كتابًا بخطِّه نحو ثمانين سطرًا، فأخذته، ومضيتُ إلى سَلَمِيَّة، وبلغ الأشرف وصولي، فخرج من الخيمة، والتقاني، وعاتبني على انقطاعي عنه، وجرى بيني وبينه فضول، وقلتُ له: المسلمون في ضائقة، وإذا أخذ الفرنج الدِّيار المِصْرية ملكوا إلى حَضْرَ موت، وعَفُّوا آثار مكة والمدينة والشَّام [وأنت تلعب!] (٢)، قم السَّاعة وارحل، فقال: ارموا الخيام [والدِّهليز] (٢)، وسبقته إلى حِمْص [(٣) والمعظم عينه إلى الطريق، فلما قيل له: وصل فلان، ركب، والتقاني] وقال: ما نمتُ البارحة، ولا أكلتُ اليوم شيئًا. فقلتُ: غدًا يصبح أخوك على حِمْص. فلما كان من الغد أقبلتِ الأطلاب، وجاء طُلْبُ الأشرف، والله ما رأيتُ أجملَ منه ولا أحسنَ رجالًا، ولا أكمل عُدَّة، وسُرَّ المعظم سرورًا عظيمًا، وجلسوا تلك الليلة يتشاورون، فاتَّفقوا على الدُّخول في السَّحَر إلى طرابُلُس [يشوشون على الفرنج] (١)، وكانوا على حالٍ، فأنطق الله الأشرف من غير قَصْد، وقال للمعظَّم: يَا خوند، عِوَض ما ندخل السَّاحل ونضعف خيلنا وعساكرنا ونضيع الزَّمان ما نروح إلى دمياط ونستريح؟ فقال له المعظم: قولَ رُماة البُنْدُق؟ قال: نعم، فقبَّل المعظَّم قدمه، ونام الأشرف، فخرج المعظم من الخيمة كالأسد الضَّاري يصيح: الرَّحيلَ الرَّحيل إلى

стр. 10596

دِمْياط. وما كان يظن أَنَّ الأشرف يسمح بذلك، وساق المعظَّم إلى دمشق وتبعته العساكر، ونام الأشرف في خيمته إلى قريب الظُّهْر [وانتبه، فدخل الحَمَّام، فلم يَرَ حول خيمته أحدًا، فقال: وأين العساكر؟] (١)، فأخبروه الخبر، فسكت، وساق إلى دمشق، فنزل القُصَير يوم الثلاثاء رابع جمادى الأُولى، فأقام إلى سَلْخه، وعَرَضَ العساكر تحت قلعة دمشق، وكان هو وأخوه المعظم في الطَّيَّارة بالقلعة، وساروا إلى مِصْر غُرَّة جمادى الآخرة. وأما الفرنج فإنَّهم خرجوا بالفارس والرَّاجل، وكان البحر زائدًا جدًّا، فجاؤوا إلى تُرْعة، فأرسوا إليها، وفتح المسلمون عليهم التُّرع من كلِّ مكان، وأحدقتْ بهم عساكرُ الكامل، فلم يبق لهم وصولٌ إلى دمياط، وجاء أسطول المُسْلمين، فأخذوا مراكبهم، ومنعوهم أن تصل إليهم ميرةٌ من دِمْياط، وكانوا خَلْقًا عظيمًا، وانقطعت أخبارُهم عن دمياط، وكان فيهم مئة كند، وثماني مئة من الخَيَّالة المعروفين، وملك عكا، والدوك، واللوكات نائب البابا، ومن الرَّجَّالة ما لا يحصى، فلما عاينوا الهلاك أرسلوا إلى الكامل يطلبون الصُّلْح والرهائن، ويسلِّمون دمياط، فمن حِرْصِ الكامل على خلاص دمياط أجابهم، ولو أقاموا يومين أخذوا برقابهم، فبعث إليهم الكامل ابنه الصَّالح أَيُّوب، وابن أُخته شمس الملوك، وجاء ملوكهم إلى الكامل ممن سمينا، فالتقاهم، وأَنْعَمَ عليهم، وضَرَبَ لهم الخيام، ووَصَلَ المعظَّم والأشرف في تلك الحال إلى المنصورة في ثالث رجب، فجلس الكامل مجلسًا عظيمًا في خيمةٍ كبيرةٍ عالية، ومدَّ سماطًا عظيمًا، وأحضر ملوك الفرنج، ووقف المعظم والأشرف والملوك في خدمته، وقام الحِلِّي الشَّاعر، وأنشد: [من الطَّويل] هنيئًا فإنَّ السَّعْدَ راحَ مُخَلَّدا … وقد أنجز الرَّحْمَن بالنَّصْر مَوْعدا حبانا إلهُ الخَلْقِ فتحًا بدا لنا … مبينًا وإنعامًا وعزًا مؤبَّدا تهلَّل وَجْهُ الدَّهْرِ بعد قطوبه … وأصبحَ وَجْهُ الشِّرْكِ بالظُّلْمِ أسودا ولما طغى البحرُ الخِضَمُّ بأَهْله الـ … ـطغاةِ وأضحى بالمراكب مُزْبدا أقام لهذا الدِّين مَنْ سَلَّ عزمه … صقيلًا كما سُلَّ الحسامُ مجرَّدا فلم ينجُ إلا كلُّ شِلْوٍ مجدَّلٍ … ثوى منهمُ أو مَنْ تراه مقيَّدا

стр. 10597

ونادى لسان الكون في الأرض رافعًا … عَقيرتَهُ في الخافِقَينِ ومُنْشدا أَعُبَّاد عيسى إنَّ عيسى وحزْبه … وموسى جميعًا يخدمون محمَّدا (١) من أبيات. ووقع الصُّلْح بين الكامل والفرنج يوم الأربعاء تاسع عشر رجب، وسار بعضُ الفرنج في البر، وبعضهم في البحر إلى عكا، وتَسَلَّم الكامل دمياط، ووصلتِ العساكرُ الشَّرقية والشَّامية، وقد أخذ الكامل دمياط. وحَجَّ بالنَّاس ابنُ أبي فراس، ومعه كتابٌ إلى مكَّة والمدينة بإعادة وليِّ العَهْد أبي نَصْر إلى العهد، وكَتَبَ إلى الآفاق بذلك. وعاد المعظم إلى الشَّام، وأقام الأشرف بمِصْر عند الكامل، فغيَّر الله القلوب، وصارا متصافيين، واتَّفقا على المعظم. وولى المعظم الجمال المِصْري قضاء دمشق، وقرأ منشوره بهاءُ الدِّين بنُ أبي اليُسْر [في شهر رجب] (٢). وفيها تُوفِّي إسماعيل بن عبد الله (٣) أبو طاهر، الأنماطي المحدِّث. سمع الكثير، ولقي الشيوخ، وتوفي بدمشق ثالث عشر رجب، ودُفِنَ بمقابر الصُّوفية عند المُنَيْبع، وصلَّى عليه شيخنا موفق الدِّين ﵀ بجامع دمشق، والفخر بن عساكر بباب النَّصر، والجمال المصري عند قبره. أسمع الأنماطي بمصر البوصيري، وابن المقدسيّ شيخنا، وبدمشق من بركات بن إبراهيم الخشوعي، ورحل إلى العراق، فسمع بواسط أَبا الفتح بن المندائي، وابن عبد السميع الهاشمي وغيره، وقرأ على

стр. 10598

شيخنا الشيخ تاج الدين الكندي "تاريخ الخَطيب"، و"طبقات" ابن سعد، وشيئًا كثيرًا،] (١) وكان ثِقَة. وقيل: مات سنة تسع عشرة [وست مئة] (١). محمَّد بن خَلَف بن راجح (٢) المَقْدِسي، ويلقب بالشِّهاب، والد القاضي نجم الدين، [وموسى الصلاح] (١). كان زاهدًا، عابدًا، ورعًا، فاضلًا في فنون العلوم، سافر إلى بغداد، وسمع الكثير، وحفظ "مقامات" الحريري في خمسين ليلة، [فتشوَّش خاطره] (١)، وكان يغسل باطن عينيه فقلَّ نظره، وكان سليم الصَّدْر، من الأبدال، ما خالف أحدًا قط. قال المصنِّف ﵀: رأيتُه يومًا وقد خَرَجَ من جامع الجبل، فقال له إنسان: ما تروح إلى بَعْلَبَكّ؟ فقال: بلى، ومشى من ساعته إلى بعلبك بالقَبْقاب. وكانت وفاته سَلْخ صفر، ودفن بقاسيون عند أهله، [سمع شهدة وابن البطي ومشايخ الشَّام وغيرهم، وروى لنا الحديث] (١). محمَّد بن محمَّد، النَّحْوي التكريتي (٣) أقام ببغداد، وقرأ الأدب، وبرع فيه [وأجاد] (١)، ومن شعره: [من مخلع البسيط] من كان ذَمَّ الرقيبَ يومًا … فإنَّني للرَّقيبِ شاكِرْ لم أر وَجْهَ الرَّقيبِ وَقْتًا … إلَّا ووَجْه الحبيبِ حاضِرْ السنة التاسعة عشرة وست مئة فيها ظهر جَرَادٌ بالشَّام لم يُرَ مثله، فأكل الزَّرعْ والشجر والثَّمر، فأظهر المُعَظَّمُ أَنَّ ببلادِ العجم طيرًا يقال له السمرمر يأكلُ الجراد، فأرسل الصَّدْر البكري محتسب دمشق، ورتَّب معه صوفية، وقال: تمضي إلى العجم، فهناك عينٌ يجتمع فيها السمرمر، فتأخذ من مائها في

стр. 10599

قوارير، وتعلِّقه على رؤوس الرماح، وكلما رآه السمرمر تَبِعَك، وكان مقصودة أن يبعث البكري إلى [جلال الدين] (١) خوارزم شاه، فيتفق معه لما بلغه اتِّفاق الكامل والأشرف عليه، فاجتمع البكري بالخوارزمي، وقرَّر معه الأمور، وجعله سندًا له، وكان الجراد قد قَلَّ، فلما عاد البكري كَثُرَ [الجراد] (١)، فقال النَّاس في ذلك الأشعار، وظهر فِعْلُ المعظَّم للنَّاس، وعلم الكاملُ والأشرف، [وجرى هذا الحديث وشاع، فقيل للمعظم: لو كنت أرسلت وما له مع بعض التجار الذين يسافرون إلى خراسان كان أَوْلى،] (١) ولما عاد البكري [من الرسالة] (١) ولاه المعظم مشيخة الشيوخ مضافة إلى الحِسْبة. وحجَّ من العراق ابنُ أبي فراس مستقلًا، ومن الشَّام الركن الفلكي وكريم الدِّين الخِلاطي، [(٢) وكنت على عزم الحج، فخرجت على هجين إلى مشهد القدم، فجاء حوراني عليه فروة ليصافحني، فنفر بي الهجين، فرماني، فأقمت شهرين أداوي ظهري. وحج بالنَّاس] من اليمن أقسيس بن الكامل [ولقبه الملك المسعود] (١) في عسكرٍ عظيم، فجاء إلى الجبل [وقد لبس أصحابه السلاح، ومنع علم الخليفة أن يُصعد به إلى الجبل] (١)، وأَصْعَدَ علم الكامل وعلمه، وقال لأصحابه: إنْ أَطْلَعَ البغاددة علم الخليفة فاكسروه، وانهبوهم. ووقفوا تحت الجبل من الظُّهْر إلى غروب الشَّمس يضربون الكوسات، ويتعرَّضون للحاجِّ العراقي، وينادون: يَا ثارات ابن المقدم. فأرسل ابنُ أبي فراس أباه، وكان شيخًا كبيرًا إلى أقسيس، وأخبره بما يجب من طاعة الخليفة، وما يلزمه من ذلك من الشَّناعة، فيقال إنه أَذِنَ في صعود العلم قبيل الغروب، وقيل: لم يأذن، وبدا من أقسيس في تلك السنة جبروتٌ عظيم. [(٣) وحكى لي شيخنا جمال الدين الحَصِيري، قال: رأيت أقسيس] قد صَعِدَ على قُبَّة زمزم، وهو يرمي حمام مكَّة بالبُنْدُق، ورأيت غِلْمانه في المسعى يضربون النَّاس بالسيوف في أرجلهم، ويقولون: اسعوا قليلًا قليلًا، فإنَّ السُّلْطان نائمٌ سكران في دار

стр. 10600

السَّلْطنة التي في المسعى. والدَّم يجري من ساقات النَّاس. وفيها نُقِلَ العادل من قلعة دمشق إلى مدرسته التي عند دار العقيقي. وفيها تُوفِّي مسمار بن عمر بن محمَّد (١) أبو بكر بن العُوَيْس، البغدادي، في شعبان بالمَوْصل، وكان ثِقَةً. نصر بن أبي الفرج (٢) إمام الحنابلة بمكة، أقام بمكَّة مجاورًا مُدَّة، ثم خرج إلى اليمن، فمات بالمَهْجَم، ودفن به (٣)، وكان متعبِّدًا لا يفتر من الطَّواف، صالحًا، ثِقَة. وتوفي قطب الدين بن العادل (٤) بالفيوم، ونُقِلَ إلى القاهرة. السنة العشرون وست مئة فيها عاد الأشرف من مِصْر إلى الشَّام [قاصدًا إلى الشرق] (٥)، والتقاه المعظَّم، وعرض عليه النزول بالقلعة، فامتنع، ونزل بجوسق أَبيه، وبدت الوحشة بين [الأخوة] (٥) الأشرف والكامل والمُعَظَّم، وأصبح الأشرف في وقت السَّحَر، فساق،

стр. 10601

ونزل ضُمَيْر، ولم يعلم المعظم برحيله، وسار يطوي البلاد إلى حَرَّان. وكان [الأشرف] (١) قد استناب أخاه شهاب الدِّين غازي صاحب مَيَّافارقين على خِلاط لما سافر إلى مِصْر، وجعله وليَّ عهده [بعد عينه] (١)، ومكَّنه في جميع البلاد، فسوَّلت له نفسه العِصْيان، وأعانه عليه قومٌ آخرون، [وهم] (١): ابنُ زين الدين والمشارقة والمُعَظَّم، وقالوا: نحن من ورائك. قال المصنِّف ﵀: ولما وصل الأشرف إلى حَرَّان، قال لي المعظم: أما عندك خبر ما قد شنَّع عليَّ أخي أنني أردتُ أن أمسكه، فقد كان في الجوسق، لو أردت أن أمسكه أمسكته، والله ما خَطَرَ هذا أبدًا. ولما وصل الأشرف حَرَّان سار إلى سِنْجار، وكَتَبَ إلى أخيه غازي يطلبه، فامتنع من المجيء إليه، فكتب إليه: يَا أخي لا تفعل، أَنْتَ وليُّ عهدي، والبلاد والخزائن بحكمك، فلا تخرب بيتك بيدك، وتسمع كلام الأعداء، فوالله ما ينفعونك. فأظهر العِصْيان، فجمع الأشرف عساكر الشَّرْق وحلب، وتجهَّز للمسير إلى خِلاط، وكان صاحب حمص قد مال إلى الأشرف، فسار المعظَّم إلى حِمْص، ووصل حماة، ونزل على نقيرين -ضيعة على بابها - باتِّفاقٍ كان بينه وبين صاحبها، فلم ينزل إليه، ولا فَتَحَ له الباب، فأَقْطَعَ بلاد حماة، وعاد إلى حِمْص، وخرج إليه العسكر، فظهروا عليه، ونهبوا أصحابه، فعاد إلى دمشق، ولم يظفر بطائل. وحجَ [بالنَّاس] (١) من العراق ابنُ أبي فراس، ومن الشَّام الشَّرف يعقوب صاحب شركس. وفيها تُوفِّي أَحْمد بن ظَفَر (٢) ابن الوزير يحيى بن محمَّد بن هبيرة، كمال الدين.

стр. 10602

صاحب باب الخليفة، كان كاتبًا، مترسِّلًا، مليحَ الخَطِّ، فاضلًا، ولد سنة اثنتين وأربعين وخمس مئة، ومات في المحرَّم. سُنْقُر الحلبي الصَّلاحي (١) الأمير مبارز الدين، [والد الظهير] (٢). كان مقيمًا بحلب، ثم انتقل إلى مارِدِين، فخاف الأشرف منه، فبعث إلى المعظم، وقال: ما دام المبارز في الشَّرق ما آمن على نفسي. فأرسل المعظم الظَّهير غازي بن المبارز إلى أَبيه، وقال: أنا أعطيه نابُلُس وأيش أراد، [فجاء الظهير إلى ماردين، وعرَّف المبارز رغبة المعظم فيه، وأنه يقطعه من الشَّام أيش أراد] (٢)، فقال له صاحب ماردين: لا تفعل، فهذه خديعة، وأنا والقلعة والخزائن لك. [فأبى] (٢)، فسار إلى الشَّام سنة ثماني عشرة، ووصل إلى دمشق، وخَرَجَ المعظَّم للقائه ولم يُنْصِفْه، وجاء، فنزل في دار شِبْل الدَّوْلة الحُسامي بقاسيون التي انتقلت إلى الصُّوفية، [وأقام بها] (٢)، والمعظَّم مُعْرِضٌ عنه، ويماطله [باليوم وغدًا] (٢) حتَّى تفرَّق عنه أصحابه، وكان معه [جملة] (٢) من المال والخيل المنسوبة العربية، والجمال، والبغال، والسِّلاح والمماليك شيء كثير، ففرَّق الجميعَ في الأُمراء والأكابر. قال المصنِّف ﵀: وكان جاري؛ لأني كنتُ مقيمًا بتربة بدر الدين حسن على ثورا، وكان يزورني وأزوره، ويشكو إليَّ إعراض المعظَّم عنه، وما فعل به ولده الظَّهير، وكيف خدعه، وأنا أُسليه وأهوِّن عليه، [(٣) وأقول كل الأشياء فضلتك، ولقد وقع لي كتاب فيه حديث ملوك اليمن، وبينما أنا قاعد اقرأه، فدخل] فقال: أيش تقرأ؟ قلتُ: أخبار ملوك اليمن. فقال: اقرأ عليَّ، فقرأتُ: فلان [الملك] (٢) عاش أَلْف سنة وماتَ بالغَمِّ، وفلان عاش سبع مئة سنة ومات بالغَمِّ، وذكرتُ من هذا الجِنْس، فقال: وأنا أموت بالغم. وكان طول النهار يجلس مغمومًا مهمومًا، وما يفيد فيه العَذْل حتَّى

стр. 10603

انقطع أكله، فأقام عشرين يومًا لا يدخل في فِيه إلا الماء، ومات كمدًا في شعبان في دار شِبْل الدولة، فقام [شبل الدولة] (١) بأمره أحسنَ قيام، وجهَّزه أجمل جهاز -وكان صديقَه من أيام شمس الدَّولة أخي ستِّ الشَّام، ويقال: إن المبارز كان مملوك شمس الدولة- واشترى له كافور تربةً على رأس زقاق شبل الدولة بألف دِرْهم عند المصنع، وحضر جنازتَه خَلْقٌ عظيم لأَنَّه كان مُحْسنًا إلى النَّاس، ولم يكن في زمانه من الصَّلاحية وغيرهم أكرم ولا أشجع منه، وكانت له المواقف المشهورة مع صلاح الدِّين وغيره، وما كانت الدنيا تساوي عنده قليلًا ولا كثيرًا، ولما مات وجدوا في صندوقه دُسْتورًا فيه جملة ما أنفق في نعال الخيال [وذلك] (١) ثمانية عشر أَلْف دِرْهم، فسألتُ كاتبه عن ذلك فقال: ما يتعلق هذا بنعال دوابِّه، وإنما كان يستعرض الفرس الثمين [بخمس مئة دينار فأكثر، فينعله أولًا قبل أن يركبه] (٢)، فإن صَلُحَ أعطى صاحبه ثمنه وخلع عليه، وإن لم يصلح أعطى صاحبه مئتي دِرْهم، واعتذر إليه. ولقد اعترض بعضُ الأمراء فرسًا وأنعله ثم ركبه، فلم يصلح، وجاء صاحبه يطلبه فقال الأمير لغلامه: اقلع نعاله، وأَعْطه لصاحبه. ولقد حكى لي الظهير [ولده] (١) قال: وصل مع أبي إلى الشَّام ذَهَبٌ وجمال وخيلٌ وغيرها ما قيمته مئة أَلْف دينار، ومات وليس له كفن، ما كفَّنه إلَّا شِبْلُ الدولة. عبد الله بن أَحْمد (٣) ابن محمَّد بن قدامة، أبو محمَّد، شيخنا موفق الدين، المقدسيّ. ولد بجمَّاعيل في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمس مئة، وقرأ القرآن [(٤) وقد ذكرنا أنَّه قدم مع الحافظ عبد الغني إلى] بغداد سنة إحدى وستين، وسنة سبع وستين، وحج سنة ثلاثٍ وسبعين، وسمع خَلْقًا كثيرًا، وتفقَّه على مذهب الإِمام أَحْمد رحمة الله عليه، وعاد إلى دمشق، وصنَّف المصنفات الحسان، منها: كتاب "البرهان في علوم

стр. 10604

القرآن"، وكتاب "المغني" في شرح الخِرَقي سبع مجلدات، و"الكافي "مجلَّدان، و"المقنع" مجلد، و"مختصر الهداية" مجلد، و"العمدة"، و"أصول الفقه"، و"الفرائض"، و"أنساب القرشيين"، و"التَّوَّابين"، و"الرقة"، و"الاعتقاد"، و"فضائل الصَّحابة"، و"القدر"، و"ذم التأويل"، و"فضائل عاشوراء"، و"ذم الوسواس"، و"قنعة الأريب" في اللغة، و"إثبات جهة العلو"، وغير ذلك. وكان إمامًا في التَّفاسير والفِقْه والحديث والفنون، ولم يكن في زمانه مثله بعد أخيه أبي عمر، والعماد أزهد منه ولا أورع منه، وكان كثيرَ الحياء، عَزُوفًا عن الدُّنيا وأهلها، هَيِّنًا لينًا متواضعًا، محبًا للمساكين، حَسَنَ الأخلاق، جَوَادًا، سخيًّا، مَنْ رآه كأنما رأى بعضَ الصَّحابة، كأَنَّ النور يخرجُ مِنْ وَجْهه، كثيرَ العبادة، يقرأُ كلَّ يوم وليلة سُبْعًا من القرآن، ولا يصلِّي ركعتي السُّنَّة في الغالب إلَّا في بيته اتباعًا للسُّنَّة، وكان صحيح الاعتقاد، مبغضًا للمُشَبِّهة، وقال: من شَرْط التَّشْبيه أن يرى الشيء ثم يشبهه، مَنْ رأى الله تعالى حتَّى يشبِّهَه لنا! قال المصنف ﵀: قوله: مَنْ رأى الله تعالى حتَّى يشبهه لنا؛ كلامٌ حسن في غاية الجودة، لأَنَّ الذي رآه بعيني رأسه ﷺ قال: "رأيت ربي" (١) وسكت عن التشبيه، فيسعنا ما وسعه. وكان يحضر مجالسي [دائمًا] (٢) في جامع دمشق وقاسيون، ويفرح بي ويقول: قد أحيا الله بك السُّنَّة، وقَمَعَ البِدْعة، [وهذه البلاد فتوحك كما فتح القدسَ يوسف سميُّك. ذِكْرُ نبذة من كراماته: حكى] (٣) أبو عبد الله بن فَضْل الأعناكي [قال:] (٢) قلتُ في نفسي: لو كان لي قُدْرة لبنيت للموفق مدرسةً، وأعطيته كلَّ يوم أَلْف دِرْهم، [قال:] (٢) ثم جئت بعد أيام، فسلَّمْتُ عليه، فنظر إلى وتبسَّم، وقال: إذا نوى الشَّخص نيةً كُتِبَ له أَجْرُها.

стр. 10605

[وحكى أبو الحسن علي بن حمدان الجرائحي، قال:] (١) كنتُ أبغض الحنابلة لما شاع عنهم من سوء الاعتقاد، فمرضت مرضًا شنَّج أعضائي، وأقمتُ سبعة عشر يومًا لا أتحرَّك، وتمنيتُ الموت، فلمَّا كان وقت العشاء جاءني الموفق، وقرأ عليَّ آياتٍ ورقاني، وقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] ومَسَحَ على ظهري، فأحسستُ بالعافية، وقام، فقلت: يَا جارية، افتحي له الباب. فقال: أنا أروح من حيثُ جئت. وغاب عن عيني، وقمتُ من ساعتي إلى بيت الوضوء، فلما أصبحتُ دخلتُ الجامع، فصلَّيتُ الفجر خلفَ الموفق وصافحته، فعصر يدي، وقال: احذر أن تقول شيئًا، فقلتُ: أقول وأقول. وقال قوَّام جامع دمشق: كان ليلة يبيت بالجامع تُفتح له الأبواب، فيخرج، ويعود فَتُغْلق على حالها. ذِكْرُ وفاته: [وحكى] (٢) إسماعيل بن حماد الكاتب البغدادي [قال:] (٣) رأيتُ ليلة عيد الفطر كأَنَّ مُصْحَف عثمان قُد رُفِعَ من جامع دمشق إلى السَّماء، فلحقني غَمٌّ شديد، فتوفي الموفق يوم العيد. ورأى أَحْمد بن سَعْد [أخو محمَّد بن سَعْد الكاتب] (٣) المقدسيّ، وكان من الصَّالحين، قال: رأيتُ ليلة العيد ملائكة ينزلون من السماء جُمْلة، وقائل يقول: انزلوا بالنوبة. فقلتُ: ما هذا؟ قال: يتلقون روح الموفق الطَّيّبة في الجسد الطَّيِّب. وقال عبد الرَّحْمَن بن محمَّد العلوي: رأيتُ كأَنَّ النبيَّ ﷺ مات وقُبِرَ بقاسيون يوم عيد الفِطْر، [قال] (٣): وكنا بجبل بني هلال، فرأينا على قاسيون ليلة العيد ضوءًا عظيمًا، فظننَّا أَنَّ دمشق قد احترقت، وخَرَجَ أهلُ القرية ينظرون إليه، فوصل الخبر بوفاة الموفق، ودفن بقاسيون. وكانت وفاته بدمشق، وحُمِلَ إلى قاسيون، وكان له جَمْعٌ عظيم.

стр. 10606

سمع الشيخ عبد القادر، [وأبا الفتح محمَّد بن عبد الباقي بن أَحْمد بن سَلْمان، وأبا زرعة] (١) طاهر بن محمَّد بن طاهر المقدسيّ وابن النَّقور، وغيرهم خلقًا كثيرًا. قال المصنف ﵀: وقرأتُ عليه كتاب "التوابين" و"الاعتقاد"، وغير ذلك، وأنشدني لنفسه: [من الطَّويل] أبعدَ بياضِ الشَّعْر أَعْمُرُ مَسْكنًا … سوى القبر إنِّي إنْ فَعَلْتُ لأحمقُ يخبِّرني شَيبي بأنيَ مَيِّتٌ … وشيكًا وينعاني إليَّ فَيَصْدُقُ تخرَّق عُمْري كلَّ يومٍ وليلةٍ … فهل مستطيعٌ رَفْوَ ما يتخرَّقُ [كأني بنفسي فوق نعشي ممددًا … فمن ساكتٍ أو مُعْولٍ يتحرَّقُ] (١) إذا سألوا عنِّي أجابوا وأَعْوَلُوا … وأَدْمُعُهُمْ تنهلُّ هذا الموفَّقُ وغُيِّبْتُ في صَدْعٍ من الأرض ضَيِّقٍ … وأُوْدِعْت لحدًا فوقه التُّرْب مُطْبِقُ فيا رَبِّ كُنْ لي مُؤنسًا يوم وَحْشتي … فإنِّي بما أَنْزَلْتَهُ لمصدِّقُ وما ضَرَّني أَني إلى الله صائِرٌ … ومَنْ هو مِنْ أَهْلي أَبَرُّ وأَشْفَقُ وكان له أولاد: أبو الفَضْل محمَّد، وأبو العز يحيى، وأبو المجد عيسى، ماتوا كلهم في حياته، ولم أُدرك منهم غير عيسى -فرضي الله عنه رضي الأبرار، فلقد كان قُرَّة عين الصَّالحين الأخيار- وأُمُّ الجميع مريم بنت أبي بكر بن عبد الله بن سَعْد المقدسيّ، وكان له منها بنات: صفية وفاطمة، ولم يُعْقِبْ من ولد شيخنا الموفق رحمة الله عليه سوى عيسى، خَلَّف ولدين صالحين ماتا، وانقطع عَقِبُه. عبد الرَّحْمَن بن محمَّد (٢) ابن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، أبو منصور، فخر الدين بن عساكر، ابن أخي الحافظ [ابن عساكر] (١) صاحب "التَّاريخ". ولد فخر الدين في سنة خمسين وخمس مئة، وتفقَّه على مذهب الشَّافعي -رحمة الله عليه- وبَرَعَ فيه، ودرَّس بالجاروخية بدمشق، وبالصَّلاحية بالقُدْس، وسمع الحديث، وكان

стр. 10607

زاهدًا، عابدًا، ورعًا، منقطعًا إلى العلم والعبادة، سخيًّا، حَسَنَ الأخلاق، قليلَ الرَّغْبة في الدُّنيا، وكانت وفاتُه يوم الأربعاء عاشر رجب، ودُفِنَ على الشَّرف القِبْلي عند مقابر الصّوفية، [وكانت له جنازة عظيمة] (١)، وقبره ظاهر يُزَار، وصلَّى عليه العزيز بن العادل، ولم يتخلَّف عن جنازته إلَّا القليل، سمع عمَّيه [أَبا القاسم الحافظ، والصائن أَبا الحسين هبة الله] (١)، والقُطْب النَّيسابوري، وعليه تفقَّه، وزوَّجه القُطْبُ ابنته. عبد الرَّحْمَن اليمني (٢) كان مقيمًا في المنارة الشَّرقية بجامع دمشق، وكان زاهدًا [عابدًا] (١)، ورعًا، فاضلًا، منقطعًا عن النَّاس، وكان العادل يبعث إليه المال فلا يقبله، تُوفِّي في المحرَّم، ودفن بالمنيبع [عند مقابر الصوفية] (١). مظفر بن المجد (٣) عزُّ الدِّين بن القلانسي. مِنْ رؤساء دمشق، وجدُّه أبو يعلى حمزة صاحب "الذَّيل" [إليه ينتهي نسبه] (١) صحب مظفر [شيخنا] (١) تاج الدين الكندي ولازمه، وانتفع به، وتوفي في رمضان، ودفن بقاسيون، سمع [الحافظ] (١) أَبا القاسم بن عساكر وغيره، [وكان يحضر السماع معنا في دار تاج الدين] (١). وكان كَيِّسًا متواضعًا. محمَّد بن سَلْمان (٤) ابن قُتُلْمِش بن تركانشاه، أبو منصور السَّمَرْقَنْدِي. ولد سنة ثلاثٍ وأربعين وخمس مئة، وبَرَعَ في علم الأدب، وولي حِجْبة الباب للخليفة، وتوفي في ربيع الآخر، ودفن في الشُّونيزية، ومن شعره: [من المتقارب]

стр. 10608

سَئِمْتُ تكاليفَ هذي الحياةِ … وكَرَّ الصَّباحِ بها والمساءِ وقد صِرْتُ كالطِّفْلِ في عَقْلِهِ … قليلَ الصَّواب كثيرَ الهُرَاءِ أنام إذا كنتُ في مجلسٍ … وأَسْهَرُ عند دخول الفِناءِ وقَصَّرَ خَطْويَ قَيدُ المشيبِ … وطال على ما عَنَاني عَنَائي وما جَرَّ ذلك غيرُ البقاءِ … فكيفَ ترى سوءَ فِعْلِ البقاءِ الضِّياء بن الزَّرَّاد (١) الدِّمَشْقي، المقرئ. كان عالمًا بالقراءات السَّبْع، صَيِّتًا، طَيّب النَّغمة، وكان فقيرًا، سافر من دمشق إلى مَيَّافارقين، واتَّصل بشهاب الدين غازي [بن الملك العادل] (٢)، وأقام عنده، ثم اتصل بالملك الأشرف [موسى بن العادل] (٢). قال المصنِّف ﵀: اجتمعنا بخِلاط سنة ثلاث عشرة [وست مئة] (٢)، وكان يتردَّد إلينا، ويقرأ طيبًا صحيحًا، ثم خَلَّط، ودخل معهم فيما هم فيه. جاءني يومًا وهو نادمٌ حزين [يبكي] (٢)، فسألته عن حالة، فقال: البارحة حضرتُ عند الأشرف، وناولني قدحًا من الخَمْر، فامتنعتُ من شُرْبه، والأشرفُ ساكتٌ ينظر إليَّ، وما زالوا بي حتَّى شربته، فلما حصل في جوفي عَضَّ الأشرف على يده [بحيث كاد أن يقطع أصابعه] (٢)، وقال لي: والك، فَعَلْتَها! حطَّيتَ الخمر على مئة وأربع عشرة سورة! والله لو خُيِّرْتُ بين أن أحفظ القرآن كما تحفظه وأدع مُلْكي لاخترت حِفْظ القرآن. ثم تُرِكَتْ حُرْمتُه بعد ذلك، فكان يدور البلاد على أصحاب القلاع لرسومٍ كانت له عليهم، فخرج من حَرَّان في هذه السنة قاصدًا إلى السُّويداء، ومعه غِلْمان مُرْدان ثلاثة، فنام في وادٍ وقت الظهر، فقتلوه، وأخذوا خَيلَه وقُماشه وماله، وبلغ الحاجب عليًّا، فأرسل خلفهم، [فجيء بهم] (٣)، فقتلهم.

стр. 10609

الشَّرف محمَّد بن عروة المَوْصِلي (١) كان مقيمًا بالقُدْس، ويداخل المعظم وغلمانه ويعاملهم (٢)، ويؤذي الفقراء والمشايخ خصوصًا الشيخ عبد الله الأرمني، فإنَّه انتقل عن القُدْس بسببه، ولما خُرب القدس نزل ابنُ عروة دمشق، فأقام بها يسيرًا، ومات، فدفن عند قِباب أتابك طُغْتِكِين، وأوقف كُتُبَه بجامع دمشق. السنة الحادية والعشرون وست مئة فيها قصد الأشرف خِلاط لينتزعها من أخيه غازي، وكان غازي قد حَشَدَ، فخرج، وقاتل قتالًا شديدًا، وكان أهل خلاط يحبُّون الأشرف، فكان غازي يقاتل من باب، وأطلع أهل خِلاط سناجق الأشرف: يَا منصور، فصَعِدَ غازي القلعة، وأقام يومين، ثم نزل إلى أخيه، فقال له: أَنْتَ ما لك ذنب، أنا أعرف من حَمَلك على هذا، وأعطاه ميَّافارِقِين وديار بكر، وأقام الأشرف بخلاط ثلاثة أيام، ثم أعطاها لمملوكه أيبك والحاجب علي، ورجع إلى رأس عين، ونَزَلَ غازي إلى ميَّافارقين مريضًا من جراحاتٍ كانت فيه، فأقام يداويها، وكان المعظَّم قد خرج من دمشق، فنزل العطنة لينجد غازي، وبعث إليه في السر عيسى الدماهي، فوصل وقد مات الأمير (٣)، ورجع المعظَّم إلى دمشق. وفيها ظهر جلال الدين خوارزم شاه في أَذْربيجان، واستولى عليها، فبعث المعظم إليه [رجلًا صوفيًّا يقال له] (٤) الملق الصوفي في رسالةٍ، واتَّفق المعظم وابن زين الدين معه على الأشرف، وبعث المعظم ولده [الناصر داود إلى ابن زين الدين رهينة، وعبر الفرات عند الحديثة، ومضى] (٤) إلى إربل. واستولى بدر الدين لؤلؤ على المَوْصِل، وأظهر أَنَّ محمود بن القاهر قد مات. وحجَّ بالنَّاس من بغداد ابنُ أبي فراس، ومن الشَّام الشجاع عليّ بنُ السَّلَّار.

стр. 10610

[وجرت بالعراق واقعة عجيبة ببغداد بقرية يقال لها بعقوبا، فيها نخل كثير، تولاها ناظر يتشيع، وكان بها رجل من أهلها له نخل، فصادره الناظر] (١)، وأخذ منه ألفي نخلة، فجعل يسبُّ النَّاظر، ويدعو عليه، وبلغ النَّاظر فأحضره، وأمر بضَرْبه، فقال له: بالله عليك، أنصفني. فقال: قُلْ. فقال: أنتم تسبُّون أَبا بكر وتقولون: أخذ فَدَك من فاطمة، وإنما في فدك نخلاتٌ يسيرة، تأخذ مني أَنْتَ ألفي نخلة وأسكت! فضحك النَّاظر، ورد عليه نخله. وفيها قدم المسعود أقسيس من اليمن على أَبيه الكامل بالقاهرة، طامعًا في أَخْذ دمشق والشَّام، وكان معه من الهدايا شيءٌ عظيم، من جُمْلة ذلك ثلاثة أفيلة، أحدهم كبير يدعى الملك، وعليه مِحَفَّة ودرابزين يقعد فيها عشرة أنفس، وفيَّاله راكبٌ على رقبته، وبيده كُلَّاب حديد يضربه به، ويصرفه كيف أراد، وخَرَجَ الكامل للقاءِ ولده، فلما قربوا من الكامل أمرهم سُوَّاسهم، فوضعوا رؤوسهم على الأرض بين يدي الكامل خدمةً له، وكان في الهدية مئتا خادم، وأحمال عود، ونَدّ ومِسْك، وعنبر، وتُحَف اليمن. وفيها بني الكامل دار الحديث التي بين القَصْرين. وفيها تُوفِّي أَحْمد بن محمَّد بن عليّ (٢) أبو العَبَّاس، القادسي الضَّرير، الحَنْبلي، والد صاحب "الذَّيل" (٣). قرأ القرآن وسمع، وكان حنبليًّا خشنًا؛ طلب المستضيء من يصلّي به التراويح في رمضان، فأحضروه، وقالوا: أي شيء مذهبك؟ قال: حنبلي، قالوا: ما يمكن أَنْ يصلي
следующие страницы →