← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ثم انثنى نحو كسرى بعد سابِعةٍ … من السنين لقد أبعدْتَ إقفالا حتى أتى ببني الأحرار يقدمهم … هناك عمري لقد أسرعتَ إرقالا مَن مثلُ كسرى وبهرام الجنود له … ومثلُ وَهْرِز يوم الجيش إذ صالا لله درُّهم من عُصبةٍ خرجوا … ما إن رأينا لهم في الدهر أمثالا فاشرب هنيئًا عليك التاجُ مُرْتفِقًا … في رأس غُمدان دارًا منك مِحْلالا هذي المكارمُ لا قَعْبانِ من لَبَنٍ … شيبا بماءٍ فعادا بعدُ أَبْوالا (١) قالوا: وهذا البيت للنَّابغة الجَعْدي، ولعله وقع تَضْمينًا (٢) ذكر ملوك الحبشة وكانوا أربعة: أرياط، وأَبْرهة، ويَكْسوم بن أبرهة، ومسروق بن أبرهة، وأقاموا ثلاثًا وتسعين سنة، مَلَك أرياط عشرين سنة، وأبرهة أربعين سنة، ويَكْسوم عشر سنين، ومَسروق ثلاث سنين، وقتله الفرس، وكانت أيّامُه أشدَّ على حِمْير ممن تَقدَّمه مع قلَّتها، لأنه أذلَّ أَقْيال اليمن، وسلّط عليهم السُّودان، فنكحوا نساءهم، وسَبَوا أولادهم، وبقية جيش الفُرْس باليمن يُقال لهم: الأَبْناء. ذكر مقتل سيف ولمّا ملك أَمعنَ في قتل السُّودان، وبَقيت منهم بَقيَّة، فاستخدم منهم جماعة يَمشون بين يديه بالحِراب، فخرج يومًا إلى الصَّيْد وهم بين يديه فمالوا عليه فقتلوه، وبلغ كسرى، فبعث وَهْرِز في أربعة آلاف، وأمره أن لا يَبْقى من السّودان في اليمن أحدٌ إلا قَتَله، ففعل، وأقام بها وَهْرِز. وقال ابن قتيبة: أقام سيفٌ ملكًا باليمن من قِبَل كسرى، يُكاتبُه ويَصدُر عن رأيه في الأمور إلى أن قتله السودان، وبقي اليمن شاغِرًا بلا مَلك، وصاروا كملوك الطوائف، مَلك على كلِّ طائفة منهم رجلٌ (٣).

стр. 1087

وكان وَهْرِز مُقيمًا بصَنعاءَ، فمات، فولّى كسرى أَبرويز عليها ابنَه التينجان (١) بن وهرز، ثم غضب عليه فعَزله، وولّى عليها باذان، فلم يزل عليها حتى مات في صدر الإسلام، وبُعث رسول الله ﷺ وعاملُ أَبرويز عليها باذان، وفيروز، وداذَوَيْه، وقدموا على رسول الله ﷺ (٢)، وقيل: إن الذي خَلُصَت اليمن على يده مَعْدي كرب بن ذي يَزن، والله أعلم. فصل في قصّة أصحاب الفيل لما أقام أَبرهةُ بصنعاء، رأى النّاس يتجهّزون أيّامَ الموسم إلى مكة، فقال: أين يذهبون؟ قالوا: إلى البيت الحرام، قال: وما هذا البيت؟ قالوا: بيتٌ بناه إبراهيم وإسماعيل ﵉، قال: وبأي شيء هو مبنيّ؟ قالوا: بالطّين والحجارة، فقال: وحقِّ المسيح، لأبنينَ لكم بيتًا خيرًا منه، فبنى كنيسة بصَنْعاء؛ لم يُبْنَ في زمانها مثلُها، بناها بالرُّخام، وزَخرَفها بالذَّهب والفضة والجواهر واليواقيت، ولطّخ حيطانها بالمِسْك، وجعل في أعلاها قُبَّةَّ عَظيمةً من عجائب الدُّنيا، وجعل على رأسها ياقوتةً حمراءَ تُضيء تلك النّاحية في الليل منها، وجعل على أبوابها السُّتور والحَجَبة والسَّدَنة، وسمّاها: القُلَّيْس، وأمر الناس بحجِّها، وكتب إلى النجاشي: قد بَنيتُ لك كنيسة لم يُبْنَ مثلُها، ولسْتُ بمُنْتَهٍ حتى أَنقلَ إليها حَجَّ العرب. فدخل نُفَيلُ بن حبيب الخَثْعميُّ فلطَّخ القُلَّيْس بِعَذِرِه، ودخل أَبرهةُ ليصلّي، فرأى العَذِرة في القُبَّة، فقال: مَن فعل هذا؟ فقال السَّدنة: رجلٌ من العرب، من أهل البيت الذي أبطلت حجَّ النَّاس إليه، غضب لكَعبتهم. وكان أبرهةُ قد منع أهلَ اليمن من الحجِّ إلى مكة، فأقاموا سنين، فغضب أَبرهةُ، وقال: وحقّ المسيح لأَنقُضنَّ بيتَهم حَجرًا حجرًا، وكتب إلى النجاشيّ يطلُبُ فيلَه الأعظم، واسمه: محمود، ولم يكن في زمانه أقوى منه ولا أعظم، فبعث به إليه،

стр. 1088

ومعه ثلاثة عشر فيلًا، ثم خرج أَبرهةُ بجنوده ومعه مُلوك حِمْير والأَفيال، وبلغ العربَ فأعظموه، ورأوا جهادَه حقًّا عليهم. وخرج عليه ملكٌ من ملوك حِمْير، يقال له: ذو نَفر بمن أطاعه من قومه، فقاتله فهزمه، وأُخِذ ذو نفر فأُتي به إلى أَبرهة، ققال له: أيُّها الملك، لا تقتُلْني فإن بقائي لك خيرٌ، فاستحياه وأَوثقَه، وكان أَبرهةُ ذا أناةٍ. ثم مرَّ ببلاد خَثْعَم، فخرج إليه نُفَيل بن حبيب الخَثْعَميُّ في قبيلَي خَثْعَم ومَن اجتمع إليه من قبائل اليمن، فقاتلوه فهزمهم، وأَخذ نُفَيلًا، فقال له: أيُّها الملك، لا تقتُلْني فإني دليلٌ في أرض العرب، وهاتان يداي على قومي بالسَّمع والطَّاعة، فاستبقاه، وخرج معه يَدلُّه. فلما مرَّ بالطائف، خرج مسعود بن مُعَتّب الثقفيُّ في رجال من ثقيفٍ، فقال: أيُّها الملك، إنما نحن عبيدُك، ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتُنا هذا البيتَ الذي تُريد -يَعنون اللّات- إنما تُريد البيتَ الذي بمكَّة، نحن نَبعثُ معك من يدلُّك عليه، فبعثوا أبا رِغالٍ مولى لهم، فمات بالمُغَمَس، وهو الذي يُرجَم قَبرُه إلى هلمَّ جرّا. وقال البَلاذُري: كان أبو رِغال من العرب العاربة، وله سلطان بالطائف، وكان ظلومًا غشومًا، أتى يومًا على امرأة تُرَبّي طفلًا يتيمًا في عام جَدْبٍ بلبن عَنْز، لم يكن بالطائف شاةٌ لَبونٌ غيرَها، فأخذها منها، فمات الصبيُّ جُوعًا، فرماه الله بقارعة فأهلكه، فدفق بين مكة والطائف، فقبره هناك يُرجَم على وَجْه الدهر. ويقال: إنه كان عبدًا لشُعيب بن ذي مِهْدم (١) الحميري الذي قتله قومُه، وكان فيما يزعمون أنه مبعوث إليهم، فلما بلغه ما فعله بالصبي، أمر به شعيب فقُتِلَ، ورُجِم قبرُه. وقيل: كان جدُّ الحجّاج يَخدُم أبا رِغال، ولهذا قيل للحجاج: عبدُ بني رغال (٢). وأبو رِغال من بقيّة ثمود. قال جرير يهجو الفرزدق: [من الوافر] إذا مات الفرزدقُ فارجُموه. . . كما تَرمون قبرَ أبي رغالِ (٣)

стр. 1089

وبعث أَبرهة على مُقدّمته الأَسود بنَ مَقْصود من الحبشة، فجمع أموالَ أهلِ الحرم، وأصاب لعبد المطَّلب مئتي بعيرٍ. وبعث أَبرهةُ حُناطَةَ الحميريَّ إلى أهل مكّة، يَسأل عن شريفها، ويقول لهم: لم آتِ لقتالكم، وإنَّما جئتُ لأَهدم هذا البيت، فدلُّوه على عبد المطّلب، فقال عبد المطّلب: نحن لا نُقاتلُه، وليس لنا به طاقةٌ، وسنُخلي بينه وبين ما جاء له، فإن هذا البيتَ الحرام بيتُ الله، وبيتُ إبراهيم خليله، فإن يمنعه، فهو بيتُه وحرمُه، وإن يُخلِّ بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به طاقة. قال: فانطلِقْ معي إلى الملك، فأردفه على بغلةٍ له، وخرج به حتَّى قَدِم العسكر، وكان ذو نَفْرٍ صديقاً لعبد المطّلب، فأتاه فقال: يا ذا نَفْر، هل عندك من غَناءٍ فيما نزل بنا؟ فقال: وما غَناء أسير لا يَأمنُ أن يُقتلَ بُكرةً أو عشياً، ولكن سأبعثُ إلى أُنَيْس سائس الفيل، فإنَّه لي صديق، فأسأله أن يصنعَ لك عند الملك ما استطاع من خير، ويُعظّم خَطرَك ومنزلتك عنده. وأرسل إلى أُنيْس، فأتاه فقال: إن هذا سَيِّد قريش الذي يُطعم النَّاس في السَّهل، والوحوشَ في رؤوس الجبال، وصاحب عِير (١) مكّة، وقد أصاب له الملك مئتي بعيرٍ، فإن قدرت أن تنفعه عنده، فانفعه، فإنَّه صديقٌ لي، فدخل أُنَيس على أبرهة، وعرَّفه منزلةَ عبد المطّلب، وذكر له مثل ما ذكر ذو نَفْر، وقال: أحبُّ أن تأذنَ له في الدخول عليك. وكان عبد المطّلب وسيماً جسيماً عظيماً، فأذن له فدخل، فلما رآه أبرهة عظَّمه وأكْرمَه، وكرِه أن يُجلسه معه على سريره، أو يجلسه تحته، فهبط عن سريره، فجلس على البِساط، ثم أجلسه معه، وقال لترجُمانه: قل له: ما حاجتُك؟ فسأله التّرجُمان فقال: حاجتي أن يَردَّ علي الملك مئتي بعير لي أخذها أصحابُه، قال: قل له: لقد أعجبْتَني حين رأيتُك، والآن فقد زهِدْتُ فيك، قال: ولم؟ قال: جئتُ إلى بيتٍ هو شرفُك وشرفُ آبائك لأهدمَه لا تكلِّمني فيه، وتكلِّمُني في مئتي بعيرٍ أصبتُها، فقال عبد

стр. 1090

المطلب: أنا ربُّ هذه الإبل، ولهذا البيت ربٌّ سيمنعُه، فقال: ما كان لِيمنَعه منّي، قال: فأنت وذاك، وأمر بردِّ إبله، فرُدَّت إليه. قال أبن إسحاق: وذهب عبد المطلب إلى أبرهة بعَمْرو (١) بن نُفاثة بن عدي بن الدُّئل سيّد بني كنانة يومئذٍ، وخُوَيْلد بن واثِلة سيّد بني هُذَيل، فعرضا على أبرهة ثُلُث أموال تِهامة، على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم، فرجع عبدُ المطّلب إلى مكّة، وأخبر قريشاً الخبر، وأمرهم أن يتفرَّقوا في الشِّعاب، ويتحرَّزوا في رؤوس الجبال، تخوُّفاً عليهم من معرّة (٢) الجيش، ففعلوا، ثم أتى عبدُ المطَّلب إلى الكعبة، فأخذ بحَلْقة الباب وجعل يقول: [من مجزوء الكامل] لا هُمَّ إن المَرءَ يَمـ … ـنعُ رَحْلَه فامنع حِلالَكْ لا يَغْلبنَّ صَليبُهم … ومِحالُهم غَدْواً مِحالَكْ جَرُّوا جُموعَ بلادهم … والفيلَ كي يَسْبُوا عِيالَكْ عَمَدُوا حِماك بكَيدِهم … جَهْلاً وما رَقَبوا جَلالَكْ إن كنتَ تاركَهم وكعـ … بتنا فأمُر ما بدا لك (٣) ثم قال لهم: [من الرجز] يا ربِّ لا أرجو لهم سِواكا … إن عدوَّ البيت مَنْ عاداكا يا ربِّ فامنَعْ منهم حِماكاً … امنَعْهم أن يُخربوا قُراكا (٤) ثم ترك الحَلْقة، وتوجَّه مع قومه في بعض الوجوه، وأصبح أبرهة بالمُغَمَّس قد تهيَّأ للدُّخول، وعبّى الحبشة، وهيَّأ الفيلَ الأعظم، فأقبل نُفَيْل الخثْعَمي إلى الفيل، فأخذ بأُذنه وقال: ابْرُك محمود، أو ارجع راشداً حيث جئت، فإنَّك في بلد الله الحرام. وكان الفيل أَمام الجيوش مُزَيَّنا بالسلاح، والرجال حوله، فبوك، فبعثوه نحو مكّة فأبى، فضربوه بالمِعْوَل في رأسه، وأدخلوا تحت مَراقِّه مَحاجِنَهم، وضربوه ليقوم فأبى

стр. 1091

أن يتوجّه إلى الحرم، فوجَّهوه إلى اليمن فقام يُهروِل، فوجّهوه إلى الشام فتوجَّه، ثم إلى المشرق فتوجَّه، فصرفوه إلى الحرم فبرك، وخرج نُفَيْل يشتدُّ حتَّى صعد الجبل، وأرسل الله طيراً من البحر أمثالَ الخَطاطيف، مع كلّ طَيْرٍ منها حَجرٌ في منقاره، وحجران في رِجلَيْه، أمثالَ الحمّص والعَدَس، فلما غَشِينَ القومَ أرسلْنَها عليهم، فلم تُصبْ تلك الحجارةُ أحداً إلَّا هلك، وليس كلّ القوم أصابت، فخرجوا هاربين، يبتدرون الطريق الذي جاؤوا منه، ويسألون عن نُفَيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نُفيْل حين رأى ما أنزل الله بالقوم من النقمة: [من الرجز] أين المَفَرُّ والإلهُ الطَّالبْ … والأشرمُ المَغْلوبُ غيرُ الغالبْ ومَرِج أمرُ القوم، وماج بعضهم في بعض، فخرجوا يتساقطون في كلّ طريق، ويهلكون على كل مَنْهل، وبعث الله على أبرهة داء في جسده، فجعل تتساقط أناملُه وجسدُه، كما سقطت أُنملةٌ اتَّبعتْها أُنملة، فانتهى إلى صنعاء وهو مثل الفَرْخ، ثم انصدع قلبُه ومات. وقيل: كان أبو مسعود الثَّقفيُّ -وهو مكفوف البصر- يصيف بالطائف، وَيشتو بمكة، وكان رجلًا نبيهاً نبيلاً، وكان خِلّاً لعبد المطّلب، فقال له: يا أبا مسعود، ماذا عندك؟ هذا يوم لا يُستغنى فيه عن رأيك. فقال أبو مسعود: اصعَدْ بنا حِراء، فصعدا الجبل، فمكثا فيه، فقال أبو مسعود: اعْمِد إلى مئةٍ من الإبل، فاجعلها لله تعالى، وقلّدها، ثم بُثَّها في الحرم، لعلَّ بعضَ هذه السُّودان أن يَعقرَ منها، فيغضبَ ربُّ هذا البيت فيأخُذَهم، ففعلَ عبد المُطَّلب ذلك، فعمد القوم إلى تلك الإبل، فعقروا بعضها. فقال [أبو مسعود]: إن لهذا البيت ربّاً يمنعُه، فقد نزل تُبَّع وأراد هدمه، فمنعه الله وابتلاه، فكساه، وعظَّمه، ونَحَر له، فانظر نحو البحر، فنظر عبد المطّلب فقال: أرى طيراً بِيضاً، نشأت من شاطئ البحر، قال: فهل تعرفُها؟ قال: لا والله، وليست بنجديّة، ولا تِهامية، ولا عدنية، ولا شامية، وهي أمثال اليعاسيب، في مناقيرها حصًى مثلُ حصى الخَذْف، قد أقبلت كالليل، يَتبع بعضُها بعضاً، أمام كلِّ فرقةٍ طائرٌ أحمر يقودُها.

стр. 1092

فجاءت، حتَّى إذا حاذَت العسكرَ طارت فوق رؤوسهم، ثم هالَتْ عليهم ما في مناقيرها، وعلى كلِّ حَجَرٍ مكتوب اسمَ صاحبه، ثم إنَّها انصاعت راجعةً من حيث جاءت. فلما أصبحا نزلا من الجبل، وجاءا إلى العَسْكر فإذا هم خامدون، يقع الحجر على بَيْضة أحدهم فيخرقها، وتغيبُ في الأرض، فحفر عبد المطّلب حفرة له، وحفرة لصاحبه، وملأَهما ذهباً أحمر، ونادى في النَّاس فتراجعوا، وأصابوا من أموالهم ما ضاقوا به ذرعاً. وقال أبو الجَوزاء: خلقها الله في ذلك الوقت، فكان الحجرُ يَنفُذ في البيضة، وَيغيب في دماغ الرَّجل، ثم يَخرج فيغيب في الأرض من شدَّة وَقعه، وكذا فعلت بالدَّواب والفِيَلة، إلَّا محموداً فإنَّه سَلِم لكونه لم يَقدرْ على الكعبة، وأفلت أبو يَكسوم صاحبُ جيش أبرهة، ووزيرُه ونديمُه، فسار إلى الحبشة وعلى رأسه طائر لم يَشعر به، حتَّى دخل على النجاشي فأخبره بما أصابهم، فلما استتمّ كلامَه، رماه ذلك الطائر بحجر فقتله، فأرى الله النجاشي كيف كان هلاكهم. وامتلأت بهم الأوديةُ، وفِجاجُ مكّة، فبعث الله سيلاً، فحملهم فألقاهم في البحر، وعَظُمَت قريش في أعين النَّاس، وقالوا: هؤلاء أهلُ الله، قاتل عنهم، وكفاهم مؤونةَ عدوِّهم، وأكثر النَّاسُ الأشعارَ في ذلك، فقال أميَّة بن أبي الصَّلْت: [من الخفيف] إن آياتِ ربِّنا بيِّنات … ما يُماري فيهنَّ إلَّا الكَفُورُ حَبس الفيلَ بالمغَمَّس حتَّى … ظلَّ يَحبو كأنَّه مَعقورُ حوله من رجال كِندةَ فِتيا … نٌ مَصاليتُ في الحروب صُقورُ غادروه ثم ابْذَعَرُّوا سراعاً … كلُّهم عظمُ ساقِه مكسورُ كلُّ دِينٍ يومَ القيامة عند الـ … ـله إلَّا دين الحنيفة زُورُ (١) والنجاشي الذي كان في زمن رسول الله ﷺ -واسمه: أَصحمة- هو ابن ابنِ النجاشي الذي كانت في أيامه قصةُ الفيل، وكانت قصة الفيل في أيَّام كسرى أنوشروان

стр. 1093

العادل، وقالت عائشة ﵂: رأيتُ قائدَ الفيل وسائسَه بمكة أعميَيْن مُقعَدَين، يستطعمان الناس (١). وقَصَّ الله قصة الفيل على رسول الله ﷺ ، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾ السورة، واتَّفق أهلُ السِّيَر على أن أوّلَ يوم من المُحرَّم عام الفيل كان يوم الجمعة، وأن أبرهة وصل إلى مكّة يومَ الأحد سابع عشر مُحرَّم، وفيه هَلَك. فصل في قصة عبد الله بن الثامر قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: حدّثنا عفَّان بن مُسلم، حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كان مَلِكٌ فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فمرض الساحر، فقال للملك: إنِّي قد كَبِرت، وحضر أَجلي، فادفع إليَّ غلاماً أعلِّمُه السِّحْر، فدفع إليه غُلاماً، فكان يَختلفُ إليه، وكان في طريقه راهبٌ، فمرَّ به الغلامُ، فأعجبه كلامُه، فكان يُطيلُ القُعودَ عنده، فإذا أتى أهلَه ضربوه، وكان إذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الرّاهب، فقال: يا بني، إذا استبطأَك الساحر فقل: حَبَسني أهلي، وإذا استبطأك أهلُك، فقل: حبسني الساحر. فمرَّ ذات يوم بدابّةٍ قد حبسَت النَّاس، وكانت فظيعةً، فقال: اليوم أعلمُ أمرَ الراهب والساحر، الرّاهبُ أفضل أم السَّاحر؟ فأخذ حجراً وقال: اللَّهم إن كان أمرُ الراهب أحبَّ إليك من أمر الساحرِ، فاقتل هذه الدابة، فرماها، فقتلها، ومضى النَّاسُ، وأخبر بذلك الراهب، فقال له: يا بنيَّ، إنك ستُبتلى، فإن ابتُليت فاصبر، وفي روايةٍ: يا بني، أنت اليوم أفضلُ منّي، وقد بلغ من أمرك ما أرى، فإنَّك ستُبتلى، فإن ابتُليتَ، فلا تدلَّ عليّ. وكان الغُلام يبرئ الأكمه والأبرص، ويُداوي النَّاس، فبينا هو على ذلك إذ عَمِي جليسُ الملك، فأتاه بمالٍ عظيم، وقال: اشفني، ولك هذا، ولك ما ها هنا، فقال: إنِّي لا أشفي أحدًا، ولكنّ الله هو الشَّافي، فإن آمنت به دعوتُه فشفاك، فآمن بالله، فدعا له الله فشفاه.

стр. 1094

فجلس إلى الملك فقال: يا فلان، مَن شفاك؟ فقال: ربي. قال: أَولَك ربّ غيري؟ قال: نعم، ربي وربُّك الله. فأخذه فلم يزل يُعذّبه حتَّى دلّ على الغلام، فجيء به، فقال له الملك: قد بلغ من سِحرك أنّك تُبرئ الأَكمه والأبرص، وتفعل وتفعل، فقال: إنِّي لا أَشفي أحداً، إنَّما الله سبحانه الشَّافي، فلم يزل يعذبه حتَّى دلَّ على الراهب، فجيء به، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار، فوضعه على مفرقه، فشقّه نصفين، ثم جيء بجليس الملك، ففُعل به كذلك. ثم جيء بالغلام، فقال له: ارجع عن دينك فأبى، فدفعه إلى نَفَرٍ من أصحابه وقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فإذا بلغتم ذُروتَه، فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه، فذهبوا به إلى الجبل، فقال: اللَّهم اكْفِنيهم، بما شئت، فرَجفَ بهم الجبل، فسقطوا، وجاء الغلام يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابُك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفرٍ آخر وقال: اذهبوا به في قُرقُور -أي: سفينة- وتوسّطوا به البحر، فإن رجع عن دينه، وإلا فاقذفوا به في البحر، فذهبوا به، فقال: اللَّهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينةُ فغرقوا، وجاء يمشي، فقال له الملك: ما فعل أصحابُك؟ فقال: كفانيهم الله. ثم قال الغلام للملك: إنك لستَ قاتلي حتَّى تفعل ما آمُرك، قال: وما هو؟ قال: تَجمعُ النَّاس في صعيدٍ واحد، وتَصلِبُني على جذع، ثم تأخذ سهماً من كنانتي، وتضعه في كبد القوس، ثم قل بسم الله ربِّ الغلام، ثم ارمِ به، فإنَّك إذا فعلتَ ذلك قتلتَني، فجمع النَّاس في صَعيدٍ واحد، وصلبه على جِذْع، ثم أخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، وقال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه، فوقع السَّهمُ في صُدْغه، فوضع يده على صُدْغه ومات، فقال النَّاس: آمنّا بربِّ الغلام، فأتي الملك، وقيل له: أرأيْتَ ما كنتَ تَحذر، قد والله نزل بك حَذَرُك، قد آمن النّاس، فأمر بالأخاديد فخُدَّت بأفواه السِّكَك، وأَضرم فيها النيران، وقال: مَن رجع عن دينه، وإلا اقذفوه في النَّار وأَقْحموه، ففعلوا، وجاءت امرأةٌ ومعها صبيّ لها، فقيل: ارجعي عن دينك، فتقاعست أن تقع فيها؛ أي: توقَّفتْ، فتكلَّم ابنُها وقال: يا أمَّاه اصبري، فإنك على الحق". انفرد بإخراجه مسلم (١).

стр. 1095

وقال الضَّحَّاك: تكلَّم في المَهْد ستة: شاهدُ يوسف، وابنُ ماشطة فرعون، وعيسى، ويحيى ﵉، وصاحبُ جُرَيج، وصاحبُ الأُخدود. وقد اختلف العلماء فيمَنْ نزل قولُه تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤)﴾ [البروج: ٤]، فقال ابن عباس ﵄ وعامة المفسرين: نزلت في عبد الله بن الثامر وأصحابه، وقال ابن عباس: كان عبد الله بن الثامر في زمان ذي نواس، وعبد الله يومئذٍ بنجران، فسار إليه، فخدَّ له ولأصحابه الأخاديد قبل مولد النبي ﷺ بسبعين سنة. وقيل: إن بعض الملوك سكر، فوقع على أخته، فلما حدّثنا قال له النَّاس: ما صنعتَ؟ فندم، فقالت له أخته: ادْعُ النَّاس إلى إباحة مثل هذا، فدعاهم، فأبَوا، فقالت: خُدَّ لهم الأخاديد، ثم اقذِفْهم في النَّار، ففعل، فمَن وافقه تركه، ومن خالفه ألقاه في النَّار (١). * * *

стр. 1096

فصل في أيَّام العرب فمن ذلك يوم ذي الأَثْل: غزا صَخر بنُ عَمرو بن الشَّريد بني أسد بن خُزيمة، فساق إبلَهم، فنذروا به، فلحقوه، فطَعن ربيعةُ بن ثور صخراً في جنبه ونجا، وأقام مريضًا من تلك الطَّعنةِ سنةً، فسمع امرأتَه سلمى يومًا وهي تقول لأخرى وقد سألتْها عنه فقالت: لا حيٌّ فيُرْجى، ولا مَيْتٌ فيُسْلَى، ولقد لقيتُ منه الأمرَّين. وكانت أمُّ صَخْر إذا سُئلت عنه تقول: أرجو له السلامة والعافية إن شاء الله تعالى. فقال صخر: [من الطَّويل] أرى أمَّ صخرٍ ما تَمَلُّ عيادتي … ومَلَّتْ سُليمى مَضْجعي ومَكاني وأيُّ امرئٍ ساوى بأم حَليلةً … فلا عاش إلَّا في أذىً وهوانِ وما كنتُ أخشى أن أكونَ جِنازَةً … عليكِ ومَنْ يغترُّ بالحَدَثانِ لعَمري لقد أيقظْتُ مَن كان نائماً … وأسمعتُ مَنْ كانت له أُذنانِ أهمُّ بأمر الحَزْمِ لو أستطيعُه … وقد حِيل بين العَيْرِ والنَّزَوانِ (١) فلما طال عليه النبلاء، نَتأتْ قطعةٌ من جنبه مثل الكَبِد (٢) في موضع الطعنة، فقالوا له: لو قطعتَها رَجونا أن تبرأ، فقال: افعلوا، فقطعوها فمات، فرثتْه أختُه الخنساء بالمراثي المشهورة (٣). ومنها يوم أَقْرُن: غزا عمرو بن عمرو بن عُدَس الدَّارميُّ بني عبس، فاستاق الإبل والشاء والسّبايا، ثم أقبل فنزل عند ثَنيَّةِ أَقرُن، فلحقه أنسُ الفوارس فقتله، وانهزمت بنو مالك، فكان لبني عبس على بني دارم، وفيه يقول جرير: [من الكامل] هل تَذكُرون على ثَنِيَّة أَقْرُنٍ … أنسَ الفوارسِ يوم يَهوي الأَسْلَعُ أراد بالأسلع عمرو؛ لأنَّه كان أبرص (٤).

стр. 1097

ومنها يوم الإبل، قُتل فيه بِسْطامُ بنُ قَيْسٍ. ومنها يوم أُوارَة، هو اسمُ ماءٍ كانت به وقعةٌ بين عمرو بنِ هند وبني تميم، وفيه يقول بعض بني تَيْم الله بن ثعلبة: [من الكامل] ولقد شهِدتُ الخيلَ يوم طِرادِها … فطعَنتُ تحت كنانةِ المُتَمطِّرِ (١) ومنها يوم بَرْزَة لكنانةَ على بني سُلَيم، لما قتلت بنو سُليم ربيعةَ بنَ مُكَدّم -فارس كنانة- يوم الكَدِيد رجعوا، فأقاموا مدة، فملّكوا عليهم مالك بن خالد بن صَخر بن الشريد، وتوَّجوه، وكان يقال له: ذا التَّاج، وخرجوا معه، فعرفه بنو كِنانة، فأغار على بني فراس ببَرزَةَ، ورئيسُ بني فراس يومئذٍ عبد الله بن جِذْل، فدعا عبدُ الله إلى البِراز، فبرز إليه هندُ بن خالد بن صَخْر أخو مالك، فقال له عبد الله: مَن أنت؟ فقال: هند بن خالد، فقال: أخوك مالك أَسَنُّ منك، يزيد مالكاً، فرجع، فأخبر مالكاً، فبرز إليه مالكٌ فقتله عبدُ الله، ثم برز إليه كُرْز بنُ خالد أخو مالك، فقتله عبدُ الله (٢). ومنها يوم البِشْر، ويقال له: يوم الجَحَّاف، وفيه يقول الأخطل: [من الطَّويل] لقد أَوقعَ الجحَّافُ بالبِشْر وَقعةً … إلى الله منها المُشتكى والمُعَوَّلُ (٣) ومنها يوم بُعاث، كان قُبيل الإسلام بين الأوس والخزرج. ومنها يوم النُّتاءة (٤) لعبسٍ على بني عامر، خرجت بنو عامر لتدرك ثأرَها من عَبْس يوم الرَّقْم، فوصلوا النُّتاءة وهي في أرض عبس، وقد نذِروا بهم، فالتقَوْا، وعلى بني عامر: عامر بن الطّفَيلِ، وعلى عَبْس: الرَّبيعُ بن زياد، فاقتتلوا قتالاً شديدًا، وانهزمت بنو عامر، وطعن ضُبَيعةُ بنُ الحارث عامرَ بن الطُّفيلِ، فلم يَضُرَّه. ومنها يوم تَحلاق اللِّمَم، كان لتَغْلب (٥) على بَكر بن وائل، وكان الحَلْق شعار تغلبَ يومئذٍ، حلقوا رؤوسهم علامةً لهم.

стр. 1098

ومنها يوم جَبَلةَ، وهي هضبة حمراء بين الشُّرَيْف والشَّرَف، وهما ماءان: الشُّرَيف لبني نُمَير، والشَّرَف لبني كِلاب، وكان بين عبس وذُبيان ابنَي بَغيض، وفيه يقول الرَّاجز: لم أرَ يومًا مثلَ يومِ جَبَلَهْ يوم أتانا أسدٌ وحَنْظَلهْ وغَطَفان والملوكُ أَزْفَلَهْ (١) ويقال له: يوم شِعْب جَبَلة، وكان لعامرٍ وعبسٍ على ذُبيان وتميم، وسببه أنَّه لما انقضت وَقْعة رَحْرَحان، جمع لَقيط بنُ زُرارَة لبني عامر، وألَّب عليهم، وبين يوم رَحْرَحان ويوم جبلة سنة، وكان يوم جَبَلَة في العام الذي وُلد فيه رسولُ الله ﷺ . وكان لبني عَبس في بني عامر حُلَفاء لهم، فاستعدى لَقِيط بني ذُبيان لعداوتهم لبني عبس من أجل حرب دَاحِس، فأجابته غَطَفانُ كلّها غير [بني] بدر، وتجمّعت تميم كلها غير بني سَعد، وخرجت معه بنو أَسدٍ بحِلْفٍ كان بينهم وبين غطفان، ثم أتى لقيطٌ إلى الجَوْن الكَلْبي، وهو ملك هَجَر، فقال: هل لك في قوم غارِّين قد ملؤوا الأرض نَعَماً وشاءً، وترسلُ معي ابنَيْك، فما أصبنا من نَعَمٍ وشاءٍ فهو لهما، وما أصبنا من دَمٍ فعلينا؟ فأجابه الجَوْن إلى ذلك. ثم أتى لقيطٌ النُّعمان بنَ المُنْذر، فاستنجده ووعده بالغنائم، فأجابه، وكان لقيط وَجيهاً عند الملوك، فلما كان رأسُ الحَوْلِ من يوم رَحْرَحان، أقبلت الجيوش نحو لَقيط، وأقبل سِنانُ بن أبي حارثة المُرِّي في غَطَفان، وهو والد هَرِم الجَواد، وجاءت بنو أسد، وأرسل الجَوْنُ ابنَيْه معاوية وعَمْراً، فقال الأَحوص بنُ جعفر -وهو يومئذٍ رَحَا لهوازن (٢) - لقيس بن زهير: ما ترى؟ فإنَّك تَزعم أنَّه ما عَرَض لك أمر أن إلَّا وجدتَ في أحدهما المخرجَ، فقال قيس: الرأيُ أن نَرتحلَ بالأموال والعيال، فندخلَ شِعبَ جَبَلة فنقاتل القومَ من وجه واحد، فإن لَقيطَ بن زُرارة رجل فيه طَيشٌ، وسيقتحم عليك

стр. 1099

الجبل، فأرى لك أن تأمرَ بالإبل فلا تُسقى ولا تَرعى وتُعْقَل، وتجعلَ الذَّراري وراء ظهورنا، وتأمرَ الرَّجَّالة يأخذون بأذناب الإبل، فإذا دخلوا الشَّعب، حلَّت الرَّجالةُ عُقل الإبل، ثم لزمت أذنابها فتنحدِر عليهم، وتحنُّ إلى مرعاها وورودِها الماءَ، فلا يردُّ وجوهَها شيء، وتخرج الفرسانُ في إثْر الرجَّالةِ الذين خلف الإبل، فتَحطِمُ ما لَقيتْ، فقال: نِعْمَ ما رأيت. وأقبل لقيطٌ والملوكُ معه، فوجد بني عامر قد دخلوا شِعبَ جَبَلة، فنزلوا على فم الشِّعب، فقال لهم رجل من بني أَسد: خُذوا عليهم فمَ الشِّعْب حتَّى يجوعوا ويعطشوا، فإنهم يتساقطون عليكم تساقُطَ البَعر من اسْت الجمل، فأبَوْا، ودخلوا، وكانوا قد عَقَلوا الإبلَ اثنتي عشرة ليلةً لم تَطعَم، ولم تشرب، وحلَّت الرَّجَّالة عُقُلَها، فأقبلت تهوي، فسمع القوم دويَّها في الشعْب، فظنوا أنَّ الشِّعَب قد تَدَهْدى عَلَيهم، والرَّجَّالةُ خلفَها، والفرسانُ في إثْرِهم، فانهزمَ القومُ لا يَلْوُون على شيء، وقُتِل لقيطُ بن زُرارة، وأُسِر أخوه حاجب، أسره ذو الرُّقَيْبَة، وأَسر عروةُ الرَّحَّال سنانَ بنَ أبي حارثة، فجزَّ ناصيته، وأَطلقه، وقُتل معاوية بن الجَوْن، وأَسر قيس بنُ المُنتَفِق عمرو بنَ أبي عمرو ابن عُدُس، فجزَّ ناصيتَه، وأطلقه طَمعاً في المكافأة، فلم يفعل، وقُتل جماعةٌ من سَرَوات النَّاس منهم: مُنْقذ بن طَريف الأَسدي، ومالك بن رِبْعي بن جندل بن نَهشل، وأكثر الشعراء في يوم جبلة، قال جرير: [من الطَّويل] كأنَّك لم تَشهد لقيطاً وعامراً … وعَمرو بنَ عَمرو إذ دعا يا لَدارِم ويومَ الصَّفا كنتُم عَبيداً لعامرٍ … وبالحَزْن أصبحتُم عبيدَ اللَّهازمِ (١) وقال المعَقِّر البارِقي: [من الطَّويل] أَمِن آلِ شَعثاءَ الحُمولُ البَواكرُ … مع الصُّبح أم زالَتْ قُبَيلُ الأَباعِرُ وحلَّتْ سُليمى (٢) في هِضاب وأيْكةٍ … فليس عليها يومَ ذلك قادِرُ وصَبَّحها أملاكُها بكتيبةٍ … عليها إذا أمسَتْ من الله ناظِرُ معاويةُ بنُ الجَوْن ذُبْيانُ حولَه … وحسَّانُ في جَمْع الرِّباب مُكاثِرُ

стр. 1100

وقد زحفَتْ دُوْدانُ تَبغي ثُؤورَها … وجاشت تميمٌ كالفحول تُخاطِرُ وقد جمعوا جمعاً كأنّ زُهاءَه … جَرادٌ هَفا في هَبْوةٍ مُتَطايرُ ومرُّوا بأَطنابِ البيوتِ فردَّهم … رجالٌ بأطرافِ البيوت مَساعرُ فباتوا لنا ضَيفاً وبتْنا بنِعمَةٍ … لنا مُسمِعاتٌ بالدُّفوف وسامِرُ وصبَّحهم عند الشُّروق كتائبٌ … كأركان سلْمى سَيرُها مُتواتِرُ كأن نَعامَ الدَّوِّ باض عليهم … وأعينُهم تحت الحَبِيك خَوازِرُ أظنَّ سَراةُ القوم أن لن يُقاتِلوا … إذا دعمت بالصدر (١) عَبْسٌ وعامرُ ضَربْنا حَبيكَ البَيْض في غَمْر لُجَّةٍ … فلم يَنْجُ في النَّاجِين منهم مُفاخِرُ ومنها: فأَلقَتْ عصاها واستقرَّتْ بها النَّوى … كما قَرَّ عيناً بالإياب المُسافرُ وقيل: إن هذا البيت لراشد بن عبد رَبّه، وكان رسول الله ﷺ قد ولّاه المظالمَ بنَجران، فقال: [من الطَّويل] حدّثنا القلبُ عن سَلْمى وأَقصَر شَأوُه … ورَدَّت عليه ما بَعَتْه (٢) تُماضِرُ وحَلَّمَه شَيبُ القَذال عن الصِّبا … وللشَّيبُ عن بعض الغِوايةِ زاجرُ فأقصر جَهلي اليوم وارتَدَّ باطلي … عن اللهو لمّا ابيضَّ مني الغَرائرُ وخبَّرها الواشون أن ليس بينها … وبين قُرى بُصرى وحوران كافرُ فأَلقَتْ عصاها واستقرَّت بها النَّوى … البيت ومنها يوم جَدُود، وهو موضع فيه ماء يُسمّى الكُلاب، كان الحَوْفَزان بنُ شَريك على بني سعد، طعنه قيسُ بن عاصم فبقي الحوفزان أيامًا ومات. وقال أبو عبيدة: غزا الحوفزان وهو الحارث بن شَرِيك، فأغار على مَنْ بالقاعةِ من بني سعد بن زيد مَناة، فأخذ نَعَماً وشاءً، وأخذ الزَّرقاء من بني رُبيْع بن الحارث، فأُعْجِبَ بها، وأُعْجِبت به، فلم يتمالك أن وَقعَ عليها، فلما انتهى إلى جَدود منعتْه بنو يَربوع أن يَرد الماء، ورئيسُهم عُتيبة بنُ الحارث بن شهاب فقاتلهم، فلم يكن له بهم

стр. 1101

طاقةٌ، فصالحهم على أن يُعطيهم بعضَ الغنائم. ووَرد الماء، وأجازوه ومَن معه من بَكْر (١)، وبلغ قيسَ بن عاصم فركب في آثارهم، ومعه بنو سعد، وقال: [من الطَّويل] جَزى الله يَرْبوعاً بأسوأ سَعيِها … إذا ذُكرت في النّائباتِ أُمورُها ويومَ جَدُودٍ قد فَضحتُم أباكمُ … وسالمْتُم والخيلُ تَدمى نُحورُها (٢) فأدركه قيسٌ وقد أَرْدَفَ الزَّرقاءَ خلفَه على فرسه، وعَقَدَ شَعْرها بصدره، فناداه قيسٌ: يا [أبا] حِمار أنا لك خير من البيداء والعطش، فقطع قرونَ الزَّرقاء وأَلْقاها عن الفرس، وأدركَه قيسٌ فطعنه فأصاب وَرِكَه، ومضى، فمات بعد أيَّام، وَردَّ قيسٌ الزَّرقاء إلى بني رُبَيع، وفيه يقول سَوَّار بن حيَّان المِنقريّ: [من الطَّويل] ونحن حَفَزْنا الحَوْفَزان بطَعنةٍ … سَقَتْه نَجيعاً من دم الجَوْفِ أَشكَلا (٣) ومنها يوم الحاجِزْ، قُتِلَ فيه وائل بن صُرَيم اليَشْكُري، قتله بنو أُسَيِّد بن عمرو بن تميم، كانوا يَغْمسونه في الماء، ويقولون: [من الرجز] يا أيُّها الماتِحُ دَلْوي دُونَكا حتَّى مات، فغزاهم أخوه باعِثُ بنُ صُرَيْم، فاقتل منهم مئة سَيِّدِ من ساداتهم (٤). ومنها يوم حُسا، لمّا أصاب بنو عَبْس من ذُبيان يوم المُرَيْقِب، اجتمعوا والتَقوا بذي حُسا، وهو وادي الصَّفا من أرض اليَعْمَريّة، فهربت بنو عَبْس خوفاً أن لا يقوموا ببني ذُبْيان فقالوا: الفِداء أو الفَناء، فأشار قيسُ بن زهير على الرَّبيع بن زياد أن لا يناجزَهم، وأن يعطوهم رهائنَ من أبنائهم حتَّى ينظروا في أمرهم، فاتفقوا أن يكون الرَّهْنُ عند سُبَيع بن عمرو، أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذُبْيان، فدفعوا إليه ثمانيةً من أبنائهم وانصرفوا. وكان من رأي الرَّبيع مناجزتُهم، فصرفه قيس عن ذلك، وحضرت سُبَيْعاً الوفاةُ، فقال لابنه مالك بن سُبَيْع: إنّ عندك مَكرمةً لا تَبيد إن أنت حَفظتَ هؤلاء الغِلْمةَ،

стр. 1102

وكأني بخالِك حُذيفة بنِ بدر قد جاءك، وعَصر عينيه وقال: هلك سيّدُنا، ثم خدعك حتَّى تدفعَهم إليه فيقتلَهم، ولا تَشْرُفُ بعدها أبداً، فلما مات سُبَيع، جاء حُذيفة، فخدع مالكاً، وأخذ الغِلْمة فقتلهم، فكان كل يوم يُخرج واحدًا واحدًا، ويقول: نادِ أباك، فيناديه، فينصبه غَرَضًا ويقتله (١). ومنها يوم حَليمة، وحَليمة بنتُ الحارث بن أبي شمِر الغساني، وكان بين الحارث وهو ملك الشام، وبين المُنذر بن ماء السماء ملك العراق، سار المُنذرُ بعرب العراق إلى الشام، فالتقيا بمشاريق الشام، وكان يومًا عظيماً لم يكن في أيّام العرب مثلُه، ارتفع الغبارُ حتَّى سدَّ عين الشَّمس، وظهرت الكواكبُ في وَسط النهار، وزاد الفريقان على أربع مئة ألف، فخرجت حليمةُ كاشفةً رأسَها في المعركة تُحرِّض النّاس. وفي هذا اليوم للعرب أمثالٌ منها: ما يوم حَليمةَ بسِرّ، أي: ليس بمخفيّ، ومنها: لأُرينَّك الكواكبَ نهارًا، ومنها: أعزُّ من حَليمة (٢). وفي المثل: ما يوم حليمة بسرّ؛ يُضرَب لكلِّ أمرٍ متعالَمٍ مشهور، وجَّه أبوها جيشاً إلى المُنذر بن ماء السماء، فأخرجتْ لهم طِيْباً في مِرْكَن، فطيَّبَتْهم، فنُسب اليوم إليها، وكانت الدائرةُ على المُنذر قُتل في ذلك اليوم، وانهزمت جيوشُ العراق، ولم يتبعهم الحارث، فماتوا في البرية عطشاً وجوعاً. ومنها يوم حَوْزة، كان بين معاوية بن عمرو بن الشَّريد السُّلَمِي وبين هاشم بن حَرْمَلة أحد بني مُرَّة بن غَطفان كلام بعُكاظ، فقال له مُعاوية: والله لوَدِدتُ أني لو سمعتُ الظَّعائنَ يَندُبْنَك، فقال له هاشم: وأنا والله وَدِدتُ أني قد تَرَّبتُ الرَّطْبة، وهي جُمَّة معاوية، وكانت تَنْطِفُ دُهْناً وإن لم تُدهَن، ثم تهيَّأ معاوية ليغزو هاشماً، فقال له أخوه صخر: كأني والله بك وقد تَعلقَ بجُمَّتك حَسَكُ العُرْفُط، فلم ينته، وغزاهم يوم حَوْزةَ الأول، فخرج إليه هاشم وكان ناقِهاً من مرض، فقتل معاوية. وأمَّا اليومُ الثَّاني؛ فإنَّه لما قُتِل معاويةُ، قتل خُفاف بن نُدْبَة مالكَ بنَ حمار الفَزاري بمعاوية وقال: [من الطَّويل]

стр. 1103

فإن تكُ خَيلي قد أُصيبَ صَميمُها … فعَمْداً على عَينٍ تيمَّمتُ مالِكاً وكان هاشم على فرسه الشمَّاء، فوقع منها، وعادت، ومشى، فلقيه عمرو بن قيس الجُشَمي فقتله بمعاوية وقال: [من الرجز] أنا قتلتُ هاشمَ بنَ حَرْمَلَهْ … أَقتلُ ذا الذَّنبِ ومَنْ لا ذَنبَ له (١) ومنها يوم الخابور بالجزيرة، قَتل فيه عميرُ بن الحُباب نُفَيْعَ بن سالم، وفيه يقول الشاعر: [من الكامل] وَلَوَقْعةُ الخابورِ إن تكُ خِلْتَها … خلقتْ فإن سَماعَها لم يخْلَقِ (٢) ومنها يوم خَو، فيه قَتل ذُؤاب بنُ رُبَيِّعة الأسدي عُتَيبةَ بن الحارث بن شهاب صيَّادَ الفوارس، وسببُ ذلك: أغارت بنو أَسد على بني يَرْبوع، فاستاقوا إبلَهم، وأتى الصَّريخُ إلى الحيِّ، فلم يتلاحقوا إلى آخر النَّهار، وجاء الليل وكان ذُؤابٌ على فرس أُنْثى، وعُتَيبةُ على حصان، فجعل الحصان يَستَنشق ريحَ الأُنثى في سَواد الليل، ولم يعلم عُتَيْبَة إلَّا وقد أُقْحم حصانُه على فرس ذُؤاب، وكان عُتَيبة قد لبس دِرْعَه، وغفل عن جَيْبها فلم يشدَّه لِعجلته، ورآه ذؤاب، فطعنه في ثُغرة نَحْره فقتله، وشد الربيعُ بن عتيبة على ذؤاب فأسره، ولم يعلم أنَّه قاتلُ أبيه، فكان عنده أسيراً، حتَّى فاداه أبوه رُبَيِّعةُ على إبل معلومة، وأن يوافيه بها إلى سوق عُكاظ في الأشهُر الحُرُم، ويوافيه الرَّبيع بذؤاب، وأقبل رُبَيِّعةُ بالإبل، وشُغِل الربيعُ فلم يَحضر بالأسير، فلم يشك أبوه أنهم قد قتلوه بعتيبة، فقال يرثيه بأبيات منها: [من الكامل] إن يَقتلوك فقد ثَلَلْتَ عُروشَهم … بعُتَيبةَ بنِ الحارث بن شِهابِ (٣) وسمعه رجل من يَرْبوع، فجاء إلى بني عُتَيبة فقال: هل تدرون من قتل أباكم؟ قالوا: لا، قال: ذؤاب أسيركم، وأنشدهم الشعر، فقالوا له: أنت قاتلُ أبينا، فقال: لا والله، لا أَقَر عيونكم بها، فأخرجوه فقتلوه.

стр. 1104

ومنها يوم داحِس، وهو فرس مشهور لقَيْس بن زُهَير العَبْسي، وداحِس بن ذي العُقّال، فرسُ حَوْط بن [أبي] جابر بن حَنْظَلة (١)، وكانت أمُّ داحس لقِرْوَاش بن عوف ابن عاصم، ويقال لها: جَلْوى، وإنَّما سُمّي: داحساً؛ لأنَّ ذا العُقَّال نزا على جَلْوى من غير علم صاحبه حَوْط، فلما علم شَقَّ عليه، وقال: والله لا أرضى حتَّى آخذ ماء فَحْلي، فكرهت بنو ثعلبة الشرَّ، وقالوا: دونَك ماء فَحْلك، فأدخل يده في رَحِم جلوى، ودسّها حتَّى كاد أن يفتح رَحِمَها، فلم يلقَ شيئًا، ونَتِجَتْ جلوى داحساً، فرآه حَوْط فقال: ابن فَحْلي، لا أتركُه، فكرهوا الشرّ، فبعثوا به إليه ومعه قلائص، فاستحيا، فردَّه عليهم. وتلخيصُ القصة: أنَّه كان من حديث داحِس والغَبْراء، أن رجلًا من بني عَبْس يُقال له: قِرْواش بن هُنَيّ بارى حَمَل بن بدر، فقال: داحِس أجودُ من الغَبْراء، وقال حَمَل: الغَبْراء أجود، وكانت الغبْراء لحُذَيفة بن بدر، وداحِس لقيس بن زهير، وتَراهنا على عَشْر قَلائص، فأتى قِرواش إلى قيس بن زهير فأخبره بالرّهان، فقال قيسٌ: راهِن من شئت، وجنِّبني بني بَدر فإنَّهم قومٌ يظلمون، فقال قِرواش: قد أَوجَبْنا الرهان، فقال: والله لتُشعِلَنَّ علينا شرّاً، ثم أتى قيس حملَ بنَ بدر وحذيفةَ بن بدر، فقال: إنما أتيتُك لأُواضِعك الرّهان عن صاحبي، فقال: لا والله، أو تجيءَ بالعَشْر قلائص، فأحْفَظ ذلك قيساً، وغضب، وتزايدا حتَّى بلغا مئةَ قَلُوص، ووضعا الرهان على يَدَيْ غَلّاق بن سعد أحد بني ثعلبة (٢)، وجعلا الغاية مئة غُلْوَة، وجعلا الغُلْوَةَ من ذات الإِصاد إلى هَضْب القَليب (٣)، ثم قادوا الفرسين إلى الغاية، فجعل حَمَلُ بنُ بَدر حَيْساً في دِلاء، ووضعه في شِعْب من شعاب هَضْب القَليب، على طريق الفرسين، وأَكمن فيه فتياناً، وأمرهم إن جاء داحِسٌ سابقاً أن يَرُدُّوا وجهَه إلى الغاية، فسَبق داحس، فلما دنا من الفِتية، وثب زهير بنُ عبد عمرو فلَطم وجهَه، ورَدَّه إلى الغاية، وجاءت الغَبْراء، وعَلم

стр. 1105

قيس بن زهير والذي على يده الرّهان بذلك، فقال قيس لحُذيفة: يا حُذيفة أعطني سَبَقي، وقال الذي على يده الرِّهان: يا حذيفة أعطه سَبَقه، فقد سبق داحس، فأعطاه السَّبَق، فقال قيس بن زهير (١): [من الوافر] كما لاقيتَ من حَمَلِ بن بدرِ … وإخوتِه على ذات الإصادِ همُ فَخَروا علي بغير فَخْرِ … وَرَدُّوا دون غايتِه جَوادي ثم إن جماعةً من قوم حُذَيفة نَدَّموه على دَفْعه السَّبَق إلى قيس، ونهاه آخرون عن الشَّرِّ، وقالوا: إن قيساً لم يسبقك إلى مَكْرُمَة، وإنَّما سبقت دابَّةٌ دابةً فأبى، وبعث ابنَه مالك بنَ حُذيفة، وكنيتُه أبو قِرْفة إلى قيس يطلب منه السَّبَق، فقال له: هذا سبقي، فكيف أُعطيكم إياه، فتناول ابنُ حذيفة من عِرْض قيس وشَتمه، وأَغلظ له، وكان إلى جانب قيس رمح، فطعنه فدق صُلْبه، واجتمع الحيّان فأدَّوا دِيَةَ المقتول مئةً من الإبل، دفعًا للشر، فأخذها حذيفةُ، وسكن النّاس، ثم إن قوم حذيفة ندَّموه فعاد القتال بينهم، حتَّى تفانَوْا. وفي هذه القصة يقول بِشر بن أُبَيّ [بن] حُمام العَبسيّ: [من الطَّويل] إنّ الرِّباط النُّكْدَ من آل داحِسٍ … أَبَيْنَ فما يُفْلِحْن يومَ رِهانِ جَلَبْنَ بإذن الله مَقتَلَ مالك … وطَرَّحْنَ قيساً من وراء عُمانِ لُطِمنَ على ذات الإصادِ وجَمعُكُم … يَرَونَ الأذى من ذِلَّة وَهوانِ سيُمنَعُ منك السَّبْقُ إن كنتَ سابقًا … وتُقْتَلُ إن زَلَّت بك القَدمانِ (٢) وحَمَل الحارث بنُ عَوف المُرِّي الدماءَ بين القبيلتين، وصالح بين عَبْس وذُبيان، فقال قيسٌ: والله لا نَظَرْتُ إلى غَطَفانيّة، قَتلتُ أباها أو أخاها، ومضى إلى عُمان فأقام ببُرْقَة عُمان حتَّى مات. ومنها يوم الذَّنائب، ظفر دُرَيد بن الصِّمة فيه بغَطَفان، فأخذ ثأرَ أخيه عبد الله، وفيه يقول: [من الطَّويل]

стр. 1106

جَزيْنا بني عَبْسٍ جَزاءً موفَّراً … بمقتل عبد الله يومَ الذَّنائبِ ولولا سَوادُ الليلِ أَدْرَكَ رَكْضُنا … بذي الرِّمْثِ والأَرطى عِياض بنَ ناشبِ قَتَلْنا بعبد الله خير لِدَاته … ذُؤابَ بنَ أسماءَ بن زيد بن قاربِ وبلغ قوله عبد الملك بن مروان، فقال: كاد ينسُبه إلى آدم، وليت أن الشمس لم تَغب له قليلاً حتَّى يُدركَه. وقالت رَيحانة أمُّ دريد: يا بُني إذ عَجزت عن أخذ الثأر ممن قتل أخاك، فاستعن بأخوالك من زبيد، فأنف من كلامها، وغزاهم بنفسه، فأَسر ذؤابَ بنَ أسماء، وجاء به إلى فِنَائها فقتله بعبد الله ابنها (١). ومنها يوم الرَّقَم، عُقِر فيه قُرْزُل فرسُ عامر بن الطُّفَيل (٢). قال أبو عبيدة: أغارت بنو عامر على بلاد غَطفان بالرَّقم، وعليّ بني مُرَّة عامرُ بن الطفَيل، فركب عُيينة بن حِصْن في بني فَزارة، ويزيد بنُ سنان في بني مُرَّة، والتقَوا فانهزمت بنو عامر، وجعل عامر بن الطفيل يقول: [من الرجز] يا نفسُ إن لم تُقتلي تموتي … هذي حِياضُ الموتِ قد صَليتِ (٣) فيقال: إن غَطفان أصابت من بني عامر أربعة وثمانين رجلًا فقتلوهم، وانهزم الحكم بن الطفيل في نفر من أصحابه فعطشوا، فخنق الحكمُ نفسَه تحت شجرة خوفًا من المُثْلة، فقال فيه عُروة بن الوَرْد: [من الطَّويل] عَجِبتُ لهم إذ يَخنُقون نفوسَهم … ومَقتلُهم تحت الوَغى كان أَعذَرا (٤) ومنها يومِ الزُّوَيْرَين، وهما جَملان مَقرونان. أغارت بنو تميم على بَكْر، وأقبلتْ بجمَلَين مَقْرونين، وقالوا: لا نُولّي حتَّى يولِّي هذان الجملان، واقتتلوا، فانهزمت بنو

стр. 1107

تميم، وأخذت بَكْر الجملين فنحروهما، وأكلوهما. قال شاعرهم: [من البسيط] نحن الذين هَزَمْنا يوم صبَّحنا … جيشَ الزوَيْرَين في جمع الأحاليفِ (١) ومنها يوم السُّوبان، أغارت بنو عامر على تميم وضَبَّة، وكان على ضَبَّة حسَّان بن وَبرة، أخو النّعمان بن المُنذر لأمّه، فأسره يزيد بنُ الصَّعِق، وانهزمت تميم، وفدى حسّان نفسَه بألف بعير، وهي ديَةُ المُلوك، وكان عامر بنُ مالك بن جعفر يَنتقل من سَرْج الفرس إلى جانبه، ومن جانبه إلى ظهره، فسُمِّي ملاعب الأَسِنَّة (٢). ومنها يوم الشَّقيقة، كان بِسطام بن قيس قد أغار على بني ضَبَّة، فاسْتاق ألفَ بعير لمالك بنِ المُنْتَفِق الضَّبِّي، وكان مالك في الإبل، فرَكض فرسَه، وأنذرَ قومَه، فركبوا وركب فيهم عاصم بنُ خَليفةَ الصّباحي، فقال عاصم: مَن رئيسُ القوم؟ قالوا: بِسطام ابن قيس، وأشاروا إلى بسطام، وكان على فرس أَدْهَم، فحمل عليه عاصم، فطعنه في أُذنه فأنفَذَه. ووَلتْ بنو شيبان، فهم بين قتيل وأسير، وجريح وكسير، وأُسِر بجاد بنُ قيس أخو بِسطام، وقتلوا تسعين من أعيان بني شَيبان (٣)، وكان بِسطام عظيماً في بني شيبان، وفيه يقوله عبد الله بنُ عَنَمة الضَّبّي: [من الوافر] لك المِرْباعُ منها والصفايا … وحُكمُكَ والنَّشيطَةُ والفُضول (٤) المِرْباع: ما يأخذُه الرئيس، وهو رُبع الغنيمة. والنَّشيطة: ما يَغنمُه الغُزاةُ في الطريق قبل البلوغ إلى المَوضِع الذي قصدوه، والفُضول: ما يَفضُل من السَّبْي. وكان عاصم بن خليفة يُضعَّفُ في عقله، زار يومًا أمَّه وبيده حديدة، وهو يصْقُلُها، فقالت له: ما تصنعُ بها؟ قال: أصقُلُها لأقتُلَ بها بِسْطام بن قيس، فقالت مستخفة به: اسْت أمِّك أضيقُ من هذا. وأدرك عاصم أَوَّل الإسلام فأسلم. وكان إذا طلب الإذن على عُمر ﵁، يقول:

стр. 1108

ائذنوا لعاصم قاتل بِسْطام، يفتخر بذلك. ومنها يوم الشَّيِّطين، كان في أوّل الإسلام، سارت بكر إلى السَّواد، وقالوا: نُغير على تميم، فإن في دين ابنِ عبد المُطَّلب: مَن قتل نَفْساً قُتل بها، فنشنُ هذه الغارة ثم نُسلِم، فساروا من لَعْلَع إلى الشّيّطين في أربع ليال، وبينهما مسيرة أيَّام، فسبقوا أخبارهم، وصبّحوا بني تميم وهم غارُّون، فقتلوا فيهم قَتْلاً ذَريعاً، فيقال: إنّهم قتلوا منهم ست مئة رجل، وسَبَوْا، واستاقوا الأموال، ثم بعثوا وافِدَهم إلى رسول الله ﷺ ، وأسلموا بعد ذلك (١). ومنها يوم عاقل، قُتِل فيه خالدُ بن جعفر، وذلك لأنَّ خالداً وعُروة الرَّحّال قَدِما على الأسود بن المُنذر أخي النّعمان، وعند الأسود الحارثُ بنُ ظالم الذُّبياني، فوضع الأسود بين أيديهم تمرًا على نِطْع، وجلسوا يأكلون، فقال خالد للحارث: يا حارث، لي عندك يدٌ، قتلتُ سيّدَ قومك زهيرًا وتركتُك، وكان مع زهير يوم قُتِل، وجعل خالد يكرّر عليه القول، فقال الحارث: سأُخبِرك بشُكْر ذلك (٢)، ثم قام الحارث وخرج، فقال الأسود لخالد: ما دعاك إلى أن تتحرّشَ بهذا الكلب وأنت ضَيْفي؟ فقال خالد: إنَّما هو عبدٌ من عبيدي، ولو رآني نائماً ما أيقَظني، وانصرف خالدٌ إلى قُبَّته، ولامه عُروةُ الرَّحّال، وناما فلما هدأت العُيون، أخرج الحارث ناقتَه، وقال لخراش: كن لي بمكان كذا، فإن طلع كوكبُ الصّبح، ولم آتك، فاذْهب حيثُ شِئتَ، ثم دخل القُبة، فقتل خالداً وخرج، وانزعج عروةُ الرَّحّال، وصاح، فاجتمع النَّاس، وهرب الحارث، وبلغ الأسود، وعنده امرأةٌ من بني عامر، يقال لها: المُتَجرِّدة، فشقَّت جيبَها وصرخت، فقال عبد الله بن جَعْدة يرثيه: [من الكامل] شَقَّت عليه العامريَّةُ جَيبَها … أسفاً وما تبكي عليه ضَلالا يا حارِ لو نَبَّهتَه لوجدتَه … لا طائشاً رَعِشاً ولا مِعْزالا ولَنَقتُلَنَّ بخالد سَرَواتِهم … ولنجعلَنْ للظالمين نَكالا ومنها يوم الغَبيط، ويُقال له: يوم الثّعالب، غزا بِسْطام بن قيس، ومفروق بن عمرو، والحارث بن شَريك، وهو الحَوْفَزان، بلادَ بني تميم، فأغاروا على بني ثَعْلبة ابن يَربوع، وثعلبة بن سعد بن ضَبَّة، وثعلبة بن عديّ بن فَزارة، وثعلبة بن سعد بن

стр. 1109

ذبيان، وكانوا متجاورين بصحراء فَلْج، فاقتتلوا، فانهزمت الثّعالب، وساقوا أموالَهم، ولم يشهد عُتَيبة بنُ الحارث بن شهاب هذه الوقعةَ، لأنَّه كان نازلاً في بني مالك بن حَنْظلة، ثم أغار بِسْطام بن قيس وأصحابه -في وجههم ذلك- على بني مالك بن حَنْظَلة، وهم بصحراء فَلْج والغَبيط، فأخذوا إبلَهم، فركب عُتيبة بن الحارث بن شِهاب وراءهم في بني مالك، ومعه فرسان بني يَرْبوع، فأدركهم بغَبِيْط المَدَرة فقاتلوهم، فظهروا عليهم، ولحق عُتيبةُ ببسطام بن قيس، فقال له: اسْتَأسِر أبا الصَّهباء، فأنا لك خيرٌ من الفَلاة والعطش، فقال: من أنت؟ فقال: عتيبةُ بنُ الحارث، فاستأسر له، ففَدى نفسَه بأربع مئة بعير، وثلاثين فرسًا، وكان عظيمَ القَدْر، لم يكن عربيّ عُكاظيّ أعلى منه قَدْراً، وجَزَّ عتيبةُ ناصيتَه، وعاهده أن لا يغزوه أبداً، وردَّ عُتيبةُ الأموالَ والسَّبايا، وقال: [من البسيط] أَبْلِغْ سَراةَ بني شَيبانَ مَألُكَةً … أنّي أَبَأتُ بعبد الله بِسْطاما قاظَ الشَّرَبةَ في قَيْدٍ وسِلْسِلةٍ … صوتُ الحديد يُغنّيه إذا قاما (١) ومنها يوم قُحقُح (٢)، لبني يَرْبوع على بكر، قَتل المِنهالُ بنُ عِصْمَة المُجَبَّه بنَ ربيعة، فقال ابن نِمْران الرِّياحي: [من الكامل] وإذا لَقيتَ القومَ فاطعنْ فيهمُ … يومَ اللِّقاء كطعنةِ المِنهالِ تَرك المُجبَّهَ للضِّباع مُجَنْدلاً … والقومُ بين سَوافلِ وعَوالِ ومنها يوم فيحان، لما فدى نفسَه بِسطامُ بنُ قيس من عُتيبةَ بأربع مئة ناقة، وثلاثين فرسًا، قال وَلَده: لأُدركنَّ بثأر أبي، فأغار فأسر الربيعَ بن عتيبة، واسْتاق مالَه، فلما سار يومين، اشتغل ابنُ بِسطام عن الرَّبيع بالشُّرْب، وكان الرَّبيع قد بال (٣) على قِدّه حتَّى لان، فحَلَّه وركب [ذات] النُّسوع (٤) -فرسَ بِسْطام- وهرب، ونذروا به فركبوا خلفه، فلم يدركوه، وجاء إلى الحيّ فنزل عن الفرس، فماتت في الحال، فدَفنها،

стр. 1110

فسمّي ذلك المكان: قبر (١) الفرس، وأخلف له أبوه مالَه. ومنها يوم قِضَة، وهو من حرب البسوس، كانت بَكْر قد قتلت بُجَير بنَ الحارث بن عُباد، فخرج أبوه في قبائل تَغْلب، يطلب ثأرَ ابنه من بَكْر، وكان له فرس يقال لها: النَّعامة، فقال: [من الخفيف] قَرِّبا مَرْبَطَ النَّعامة منِّي … لَقِحتْ حربُ وائلٍ عن حِيال (٢) وركبها، وكان معه مُهَلْهِل التغلبي والتقوا، فانهزم الحارث بن عباد، فنجا، وهرب مُهلهل، فنزل على جشم في مكان يقال له: جَنْب، فخطبوا إليه ابنتَه، فأبى، فساقوا إليه المَهْر، وفيه جلود من أَدَم، فقال: [من المنسرح] أَعزِزْ على تَغْلب بما لَقِيَتْ … أختُ بني الأكرمين من جُشَمِ أَنكحها فَقدُها الأراقمَ في … جَنْبٍ وكان الحِباءُ من أَدَمِ لو بأبانَيْن جاء يخطُبُها … زُمِّل ما أنْفُ خاطبٍ بدَمِ (٣) ومنها يوم قَطَن، وهو من أيَّام عَبْس وذُبيان، وذلك لأنَّ عَبْساَ لما مَثَّلوا بحُذيفة بنِ بدر يوم الهَباءة، أعظمت غَطَفانُ ذلك، وتجمّعت، وعلمت بنو عَبْس أنهم لا طاقةَ لهم بهم، فرحلوا عنهم فنزلوا اليمامةَ على أَخْوالهم من بني حَنيفة، ثم رحلوا عنهم، فنزلوا على بني سَعْد بن زيد مناة، فغدر بهم بنو سعد، واستجاشوا عليهم بمعاوية بن الجَوْن (٤)، ورحل بنو عَبس عنهم لما علموا بذلك، وقدَّموا ظُعُنَهم، ووقفت فرسانُهم بمكان يقال له: الفَروق، وأغارت بنو سَعْدٍ عليهم ومن معهم من جنود الملِك ابنِ الجَوْن، فلم يجدوا في منازلهم إلَّا مَواقِد النَّار، فاتَّبعوهم إلى الفَروق، وإذا بالفرسان

стр. 1111

والرّجَّالة والظُّعُنِ، فانصرفوا عنهم، ومضى بنو عَبْس إلى بني ضَبَّة فأقاموا فيهم (١)، ثم رجعوا إلى قومهم بني ذُبيان فصالحوهم، ثم جرى بينهم أمر فالْتَقَوا، ثم اصطلحوا. وسببُ ما جرى بينهم أن حَرْمَلَة بن الأَشْعَر بن صِرمَة بن مُرَّة سعى لهم في الحَمالة بينهم، فمات، فسعى ابنُه هاشم بن حَرْملة، فلما توافقوا على الصلح، وقفت بنو عَبْس بقَطَن، فأقبل حُصين بن ضَمْضم، فطعن تَيْحان المخزومي، فقتله بأبيه ضمضم، فقالت بنو عبس: لا نصالحهم أبداً، والتقوا بقطن، فسفر بينهم السُّفَراء، فاصطلحوا. ومنها يوم الكَدِيْد، قُتل فيه ربيعة بنُ مُكَدم فارس كِنانة، قتلته بنو سُلَيم، وهو من بني فِراس بن غَنْم، وهو أنْجد العرب، كان الرجل منهم يُعَدّ بعشرة من غيرهم، وقد مدحهم عليٌّ ﵇، فقال: يا أهل الكوفة، وَدِدتُ والله أن لي بجميعكم، وأنتم مئةُ ألف، ثلاثَ مئة من بني فِراس بن غَنْم. وكان يُعْقَر على قبر ربيعة بن مكدم في الجاهلية، ولم يُعْقَر على قبر أحدٍ سواه (٢). ومنها يوم الكُلَاب الأول، لما غلب سُفهاء بَكْر بن وائل على كُبَرائها، اجتمع رؤساؤهم، وقالوا: الرأي أن نُمَلكَ علينا ملِكاً يُنْصِف المظلومَ من الظالم، ويَردع القويَّ عن الضعيف، فأتوا تبَعاً، وعَرفوه أمرَهم، فولى عليهم الحارث بن عَمرو الكِنْدي، آكل المُرار، فقدم عليهم، ونزل ببَطْن عاقل، فغزا ببكرٍ، حتَّى انتزعَ ما في أيدي ملوك الحيرة اللخمييْن، وما في أيدي الغسانيين، وردَّهم إلى أقصى أعمالهم، ثم طُعِنَ في بطنه ببطن عاقل، فمات. وخلّف ابنيه شُرَحْبيل وسلمة، فاختلفا [في المُلك] وتواعدا الكُلاب، وأقبل شُرَحبيل في ضَبة والرباب وبني يربوع وبكر بنِ وائل، وأقبل سَلمةُ في النَّمِر (٣)، ومالك ابن حنظلة، وعليهم سفيان بن مُجاشع، وتَغلب، وعليها السَّفَّاح لأنَّه سفح أَسْقِيَةَ قومه، وقال: اسبقوهم إلى الكُلاب، فسبقوا ونزلوا عليه، والتقوا واستحرَّ القتلُ في

стр. 1112

بني يربوع، فشدَّ أبو حَنش على شُرحبيل فقتله، وكان شُرحبيل قد قتل ابنَه حَنشاً، وبعث أبو حَنش برأس شُرحبيل إلى سلمة مع عَسيف له، وخاف أبو حَنش من سلمة أن يَحمله بنفسه، فلما حصل الرأسُ بين يَدَيْ سلمة، دمعت عيناه وقال للعَسيف: أنت قتلتَه؟ قال: لا، وإنَّما قتله أبو حَنش، فقال سلمة: أنا أدفع الثَّواب إلى قاتِله، وجاء العَسيفُ فأخبر أبا حنش، فخاف فهرب، فقال سلمة: [من الوافر] تَعلَّم أن خير النّاسِ طُرّاً … قتيل بين أحجارِ الكُلاب تَداعتْ حوله جُشَمُ بنُ بَكر … وأَسلَمَه جَعاسيسُ الرِّبابِ (١) وأمَّا الكُلاب الثَّاني: أغار بنو تميم على لَطِيمة (٢) لكِسْرى، فيها مِسْك وعَنْبر وجوهر كثير ومالٌ عظيم، فأخذوها، فأوقع بهم كِسْرى في هَجَر، فأخذ الأموال وسبى الذريّة، فاجتمع رؤساؤهم: أَكثم بن صَيْفي الأُسيِّدي، وقيس بن عاصم المِنْقري، والزّبْرقان بن بدر السَّعدي وغيرهم، وقالوا: قد أَغْضبنا الملك، ولا نأمن ذِئاب العرب أن تتخطَّفنا، فماذا ترون؟ فمسح أكثم بن صيفي يده على صدره وقلبه وقال: إنِّي قد نَيَّفْت على التسعين، وإنَّما قلبي مُضْغةٌ من جَسدي، وقد نحل كما نحل جسدي، وأخاف أن لا يُدركَ ذهني الرأيَ لكم، فاعرضوا عليَّ آراءكم، فإني متى ما أسمع الحَزْمَ أعرفه، فقال النُّعمان بن جِساس: الرأي أن تنزلوا الكُلاب، وتنظروا في أمركم، ولا تخبروا أحداً بحالكم، فقال أكثم: هذا الرأي فاكْتُموه، وساروا إلى الكُلاب فنزلوه، وبين أدناه وأقصاه مسيرة يوم، [وأعلاه] ممَّا يلي اليمن، وأسفله ممَّا يلي العراق، فنزلت سعدٌ والرّباب بأعلى الوادي، ونزلت حَنْظلة بأسفله. وكانوا لا يُغيرون في القَيْظ لبُعْد المسافات، وقِلّةِ المياه بها، وشِدَّة الحرّ، فأقاموا مكانهم، ولم يَعلم بهم أحد، فلما انقضى القَيْظ مَرَّ بهم رجل من هَجَر، فرأى الشاء والنَّعم، فرجع إلى ملوك هَجَر فقال: هل لكم في جارية عَذْراء، ومُهْرة سوداء (٣)، وبَكرةٍ حمراء ليس دونها مانع؟ قالوا: وكيف؟ قال: تميم بقِدَّة، مُطَرحين غارّين، فسار

стр. 1113

إليهم أربعةُ أَملاك يُقال لهم: اليزيديّون، وهم: يزيد بن عبد المَدَان، ويزيد بن المأمور، ويزيد بن هَوْبر، ويزيد بن المُخَرّم، ومعهم عبد يغوث الحارثي، وساروا حتَّى إذا كانوا ببلاد باهِلَة، قال جَزْء بن جَزْء الباهلي لابنه: يا بُنيّ، هل لك في أُكرومة لا يُصاب مثلُها؟ قال: وما هي؟ قال: هذا الحي من تميم، قد لجأوا إلى هذا المكان خوفًا من العرب، وهذا الجيش يأخذهم، فارْكَبْ جملي الأَرْحَبيّ، وسِرْ سيراً رويداً، عُقْبَةً من الليل، ثم أَنِخْه وحُلَّ حَبْلَه، وتوسَّد ذِراعَه، فإذا سمعتَه قد أفاض بجِرَّته (١)، فشُدَّ حبلَه، ثم احْمِلْ السوط عليه، فإنَّك لا تسأله شيئًا من السير إلَّا أعطاكه، فحَذر القوم من الجيش، وكان جيشاً عظيماً، لم يجتمع مثله إلَّا في يوم ذي قار ويوم جَبَلة ويوم الحارث بن أبي شَمر الغَسَّاني، ففعل ابنه ما أمره، ووافاهم قُبَيْل الصُّبح، وصاح يا صباحاه، وحَذَّرهم الجيش، ودَهَمَهُمْ القَوْم، فساقوا النَّعَم، وإذا قد أقبل رجل منهم ينادي: واصباحاه، قالوا: ما الخبر؟ قال: أُتيَ على النَّعم، وكَرَّ راجعاً نحو الجيش، ولقيه عبدُ يَغُوث الحارثي فطعنه على رأس مَعِدِته، فسبق اللَّبَنُ الدمَ، ثم تقدم عبد يغُوث إلى الجيش وقال لهم: يا قوم أطيعوني، وامْضُوا بالنَّعَم، وخَلّوا عجائزَ تميم ساقطةً أفواههن، فقالوا: لا بُدَّ من نكاح بناتهن، فقال ضَمْرةَ بنُ لبيد المَذْحجيّ الكاهن: انظروا إذا سُقتم النَّعم، إنْ أتتْكُم الخيلُ عُصَباً -العصبة تنتظر الأخرى حتَّى تلتحق بها- فإن أمرهم هَيِّن، وإن لحقوكم فردُّوا النَّعمَ ولم ينتظر بعضُهم بعضاً، فإن الأمرَ شديد (٢). وتقدمت سعد والرِّباب في أوائل الخيل، فالتَقَوا بالقوم ولم يلتفتوا إليهم، واستقبلوا النَّعم، ولم ينتظر بعضهم بعضاً، ورئيسُ الرباب النُّعمان بن جِساس (٣)، ورئيس سعد قيس بن عاصم، والتقى القومُ، فكان النّعمانُ أولَ قتيل؛ طعنه عبد يغوث الحارثي فقتله (٤)، وحَجَزَ بينهم الليلُ، وأصْبحوا على راياتهم، وتنادَوْا، واعْتَزَتْ كلُّ

стр. 1114

طائفة، فنادى قيس بن عاصم: يا آل سعد، ونادى عبد يغوث: يا آل سعد، وقيل ينادي بسعد بن زيد مَناة، وعبد يغوث ينادي بسعد العشيرة، ونادى قيس بن عاصم: يا آل مقاعس، وكان وَعلة بن عبد [الله] الجَرْمي بيده لواءُ اليمن، فلما سَمِعَ صوت قيس، طرح اللواء وانهزم القوم، وصاح قيس: يا بني تميم لا تقتلوا إلَّا فارساً، فالرجّالة لكم، فتبعوهم يقتلون ويأسرون، وأَسر عِصْمةُ بن أُبَير عبدَ يَغوث الحارثي، وكان عصمةُ غُلاماً، فوضع عَبْدَ يغوث عند الأَهْتَم، وكانت عنده امرأتُه العَبْشَميّةُ، فأعجبها خَلْق عبد يغوث وجمالُه، فقالت: مَن أَسر هذا؟ فقال: أسرني عِصمة، فقالت: من أنت؟ فقال: سيد القوم عبد يغوث، فضحكت، وقالت: قَبَّحَك الله من سَيِّدٍ أسره مثل هذا الغلام، واجتمعت الرّباب إلى الأهتم، وقالوا: ثَأرُنا عندك، وكان قد قتل النُّعمان ابن الجِساس ومَصاد بن ربيعة بن الحارث، فامتنع من تسليمه، وقال: لا أُسلِمُه إلَّا إلى مَن دَفعه إليّ، وكادت الفِتْنة أن تقع بين سعد والرِّباب، حتَّى أقبل قيس بنُ عاصم فصْرب الأَهْتَم بقوس فهَتَمَه، فسُمي الأهتم، وأَتَوا عِصْمة، فقالوا: ثأرُنا عندك، قتل سيّدنا النُّعمان وفارسنا مَصاد، فقال: إني مُمْلِق، وقد أصبتُ الغِنى، فباعهم إيّاه، فأخذوه فشدّوا لسانَه بنِسْعةٍ، فقال: أنتم قاتليّ لا محالة، فدعوني أنوحُ على نفسي، وأَذُمُّ أصحابي، فقالوا: أنت شاعرٌ ونخاف أن تَهجوَنا، فعاهدهم أن لا يفعلَ، فأطلقوا لسانه فقال أبياتاً منها: [من الطويل] فيا راكباً إمّا عَرضْتَ فبَلِّغَن … ندامايَ من نَجرانَ أن لا تَلاقِيا وتَضحكُ مني شيخةٌ عَبْشمية … كأن لم تَرى قبلي أسيراً يمانيا يعني امرأة الأهتم، فضربوا عُنقَه (١). ومنها يوم اللوى، غزا عبد الله بن الصمَّة، واسمه معاوية الأصغر، من بني غَزِيّةَ، فأغار على غطفان، فأَطرَدَ إبلاً عظيمةً، فقال له أخوه دريد: النَّجاءَ فقد ظَفِرْتَ، فقال: لا أَبرح حتَّى أنحر ناقة، وأَطبخ منها طعاماً لي ولأصحابي، فنحرها بمكان يقال له: اللوى، وقسم الإبلَ بين أصحابه، وأَدركه القومُ، وقُتِل عبدُ الله، وارتُثَّ دريد (٢)، وقام

стр. 1115

من بين القتلى يمشي، فنزل على امرأة من هَوَازن فأقام عندها، فداوتْه حتَّى برئ، فعاد إلى أهله، وقال أبياتاً أوّلُها: [من الطَّويل] أَعاذِلَ إن الرُّزْءَ في مثل خالدٍ … ولا رُزْءَ فيما أهلك المرءُ عن يدِ ومنها: أَمرتُهمُ أمري بمُنْعَرَج اللِّوى … فلم يَسْتبينوا الرُّشْدَ إلَّا ضُحى الغَدِ عَلانيةً ظُنُّوا بألفَي مُدَجَّج … سَراتُهمُ في الفارِسيِّ المسرَّدِ فلمَّا عَصَوْني كنتُ منهم وقد أَرى … غَوايَتَهم وأنّني غيرُ مُهتَدي وهل أنا إلَّا من غَزِيَّةَ إن غَوَت … غَوَيْتُ وإن تَرْشُد غَزيَّةُ أَرْشُدِ ومنها: فإن يَكُ عبدُ الله خلَّى مكانَه … فما كان وَقَّافاً ولا طائشَ اليَدِ قليلُ التَّشَكِّي للمصائب حافِظٌ … من اليوم أعقابَ الأحاديث في غدِ كَميشُ الإزارِ خارجٌ نصفُ ساقِه … بَعيدٌ من الآفاتِ طَلَّاعُ أَنْجُدِ صبا ما صبا حتى على الشَّيبُ رأسَه … فلما عَلاه قال للباطلِ ابعُدِ (١) ومنها يوم مُبايض، كانت الفرسانُ إذا كانت أيَّام عُكَاظ في الشَّهر الحرام، وأمن بعضُهم بعضاً، تقَنَعوا لئلا يُعْرَفوا، وكان طَرِيف بن تَميم لا يَتقنَّع، وكان قد قَتل شَراحيل الشَّيبانيّ، فوافى سوق عُكاظ، فرآه حَمَصيصةُ بن شَراحيل، فقال: مَن هذا؟ قالوا: قاتلُ أبيك، فصار كلّما مرَّ به يتأمَّلُه، فقال له طَريف: مالك تنظرُ إليّ؟ قال: أَتَوسَّمُك لأعرفك، فلله عليَّ إن لقيتُك لأقتُلنَّك أو تقتلني، فقال طريف: [من الكامل] أوكلّما وردتْ عُكاظَ قبيلةٌ … بَعثتْ إلي عَريفَها يَتوسَّمُ فتَوسَّموني إنني أنا ذاكُمُ … شاكٍ سلاحي في الحوادثِ مُعْلِمُ ومضت على ذلك مُدّة، فأغار حَمَصيصة على بني تميم وهم غارّون، فخرج إليه طريف فقتله حمصيصة، وفيه يقول الشاعر: [من الكامل]

стр. 1116

خاض الغَداةَ إلى طريف في الوْغى … حَمَصيصةُ المِعْوانُ في الهيجاءِ (١) ومنها يوم مَنْعِج، قُتل فيه شَأسُ بن زهير، وكان قد أقبل من عند النّعمان بن المنذر وقد حباه بمالٍ وطِيبٍ كثير، وفيه قَطيفةٌ حمراء ذاتُ أهداب، فورد مَنْعِج، وهو ماءٌ لغَنيّ، فأناخ راحلتَه إلى جانب الرَّدْهَة، وعليها خِباءٌ لرِياح بن الأَسَل الغَنويّ، فجعل يغتسل، وامرأةُ رِياح تنظر إليه، وهو مثل الثّور الأبيض، فرماه رياح بسهم فقتله، ونَحر ناقتَه فأكلها، وضمَّ متاعَه، وغَيَّب أثرَه، وفُقِد شأس، حتَّى وجدوا القطيفةَ الحمراء تُباع في سوق عُكَاظ، قد باعتها امرأةُ رياح، فطلبوا رياحاً ليقتلوه، فأفلت إلى قومه فنجا (٢). ومنها يوم المُرَيْقِب، كان لبني عَبْس على فَزارة، اقتتلوا فانهزمت فَزارة، وقَتَل عوفَ بنَ بدر عنترةُ، وقَتل أيضاً ضَمْضَماً المُرِّي، وبلغ عنترة أن حُصينَ بن ضَمضم وأخاه يَتواعدانِه ويشْتُمانه، فقال: [من الكامل] يا دارَ عَبْلَةَ بالجِواءِ تَكَلَّمي … وعمِي صباحاً دارَ عَبْلَة واسلمي إلى أن قال: ولقد خَشيتُ بأن أَموتَ ولم تَدُرْ … للحربِ دائرةٌ على ابنَي ضَمضَمِ الشَّاتِمَيْ عِرضي ولم أَشُتُمهُما … والنَّاذِرين إذا لَقيتُهما دَمي إن يَفعلا فلقد تَركتُ أباهما … جَزَرَ السِّباع وكلِّ نَسرٍ قَشْعَمِ (٣) ويُقال: إن عَنترة لم يَقتل عوفَ بن بدر، وإنَّما قتل ضَمْضَماً المُرِّي في ذلك اليوم. ومنها يوم النَّفْراوات، قُتِل فيه زُهير بن جَذيمة بن رَواحة العَبْسيّ، وكانت هَوازن تؤدي إليه الإتاوَة، فجاءته عجوزٌ بعُكَّةِ سَمْن، فذاقها فلم يَرْضها، فقال: ما هذا؟ فقالت: تتابعُ السنين والقَحْط، فضربها بقوس في صَدْرها، فوقَعَتْ على ظَهْرها، وبدت عورتُها، وبلغ خالد بنَ جَعْفر الكلابي فقال: والله لأقتلنّه، ثم غزاه، فخرج زُهير إليه فقاتله، فجُرِح زهير، وأقام ثلاثة أيَّام لا يَسقونه ماءً خوفاً عليه، فعطش. فقال: اسقُوني، فسَقَوه فمات، فقال خالد بن جعفر: [من الكامل]

стр. 1117

وقَتلتُ ربَّهم زُهيراً بعد ما … جَدَعَ الأُنوفَ وأكثرَ الأوتارا وجعلتُ مَهرَ بناتِهم ودياتِهم … عَقْلَ الملوكِ هَجائناً وبِكارا (١) ومنها يوم وارِدات، وهو من أيّام حرب البَسوس، ظهرت فيه بنو تَغْلب على بَكْر، وقتلت فيهم هَمَّامَ بن مُرَّة، أخو جَسَّاس لأبيه وأمه، فمرَّ به مُهَلهل فقال: والله ما قُتل بعد كليب قتيل أعزُّ منك (٢). ومنها يوم الوَقيط، كان في الإسلام بين تميم وبَكْر بن وائل، تجمّعت اللهازمُ ليغيروا على تميم وهم غارُّون، وكان ناشِبُ بن بَشامة العَنْبريّ أسيراً في بني سَعْد بن مالك، وكان أعورَ، وكان حَنْظلة بنُ الطُّفيل أسيراً في بني سعد بن مالك أو في بني العَنْبر، فقال ناشب: أعطوني رسولاً إلى بني العَنْبر، أوصيهم بصاحبكم خيراً، كما تفعلون معي من الإحسان، فقالوا: على أن تُوصيه ونحن حُضور، قال: نعم، فأحضروا رجلًا، فقال له ناشب: اذهب إلى بني العَنْبر، وقل لهم يُحسنوا إلى أسيرهم، وملأ كفَّه من الرمل، وأشار إلى الشَّمس، وقال: قل لهم يُعْروا جَملي الأَصْهب، ويركبوا ناقتي العَيْساء، و [يَرْعَوا] حاجتي في بني مالك، وأن العَوْسَجَ قد أَورَق، وأن النّساء قد اشتكت، ولْيَعْصوا همّام بنَ بَشَامة فإنَّه مَشؤوم، ويُطيعوا [هُذَيل ابن] الأَخْنَس فإنَّه حازمٌ مَيمون. فمضى الرَّسولُ إليهم وأدَّى الرِّسالة، فلم يَفهموا ما قال، وقالوا: والله لا نَعرفُ له ناقةً عَيْساء، ولا جَملاً أَصهب، ومضى الرَّسول، فقال رجل من بني العَنْبَر: ويحكم! والله إنه يقول حقّاً لو فَهمتُم، أما الرَّمْلُ الذي قَبض عليه، فإنَّه يقول: أتاكم عدوّكم كعدد الرمل، وأمَّا إشارتُه إلى الشَّمس فإنَّه قال: يُوافونكم عند طُلوع الشَّمس، وأمَّا الجملُ الأَصْهب فهو الصَّمَّان، والنّاقة العَيْساء هي للدَّهْناء، وهو يأمرُكم أن تَحترِزوا [فيها] وأما بنو مالك فهو يأمرُكم أن تُنذروهم، وأن تتمسكوا بالحِلف الذي بينكم وبينهم، وأمَّا العَوْسَج فيقول: إنهم قد لَبِسوا السِّلاح، وأمَّا اشْتكاءُ النساء فيقول: قد عَمِلْن لهم كلَّ ما يَحتاجون إليه حتَّى أسقيةَ الماء، وأمَّا هَمّام بن بَشَامَة فكان جَباناً يَأمرُهم

стр. 1118

بالقُعود، و [هُذَيل بن] الأَخْنَس كان حازماً يأمرهم بالرَّحيل، وأنذرت بنو عَمروٍ بني مالك، فخالفوهم، وقالوا: ما نَدري ما يقول صاحبكم، وما نحن بمتحوِّلين، وصَبَّحَتْهم اللهازمُ، فوجدوا بني عَمْرو قد ارتحلوا، فاجتاحوا بني مالك (١). قال المصنف ﵀: وقد روي أن الأسير حَمّل الرسول رسالة بغير محضر من اللهازم، وهو الأصح لأنَّ هذا الكلام ظاهرٌ في التحذير من الرسول، فكيف كانوا يمكِّنونه من أداء هذه الرسالة. ومنها يوم الهَباءة، لقيس بن زهير العَبْسي على حُذَيفة بن بدر الفَزَاري، قتله قيس في جَفْر الهَباءة، وهو مستنقعٌ بها، وقال أبو عبيدة: كانت الدائرة لبني عَبْس على ذُبْيان، قُتِلَ حذيفةُ وحَمَل ابنا بدر الذُّبْيانيّان، التقوا في يوم شديدِ الحَرِّ، فاقتتلوا إلى جانب جَفْر الهَباءة من أوّل النهار حتَّى اشتدّ الحَرُّ وحَجَز بينهم، وركض حُذَيفة وحَمَل ومالك بنو بدر، وكان حُذيفة على فرس يقال له: صارف، وأخوه حَمَل على الحَنْفاء، فنزلوا الجَفْر، فقال قَيس بن زُهير: يا بني عَبْس احْذَروا أن يَفوتوكم، فساقوا خَلفهم، فأدركوهم في الجَفْر، فرآهم حَمَلُ بنُ بدر، فقال لحُذيفة ومَن معه: مَن أَبغضُ إليكم أنْ يقفَ على رأس الجَفْر؟ فقالوا: قيس بن زهير والرَّبيع بن زياد، قال: فهذا قيس والرَّبيع، فصاح قيس: لبَّيكُم لبَّيكُم، أشار إلى الغِلْمة الذين أوصى بهم سُبَيع بن عمرو ولدَه مالك بنَ سُبَيع وقال: لا تُسلمهم إلى حُذيفة، وأنه سلّمهم إليه فقتلهم حذيفة، وقد ذكرناه (٢)، وإنَّما صاح قيس: لبّيكم لبّيكم، لأنهم كانوا يُنادونه: يا أبه يا أبه، وحذيفةُ يَقْتلهم، قال حُذيفة: يا قيس ناشدتُك الله والرَّحِم، فقال قيس: لبّيكم لبّيكم، فعلم حذيفةُ أنَّه قاتلُه، فقال: والله لئن قتلتَني لا تنصلحُ غطفانُ أبداً، فقال قيس: أبعَدَها الله ولا أَصلَحها. ثم تَوافت فرسانُ بني عَبْس، وكان معهم في الجَفْر وَرْقاءُ بنُ هلال الثّعلبيّ وحَنَش ابنُ وَهْب، وحمل عليهم شَدَّاد بنُ معاوية العَبْسي، فحال بينهم وبين خيولهم، وقتلوا الجميع، ومثّلوا بحذيفة كما فعل بالغِلْمة، وقطعوا مذاكيرَه وجعلوها في فِيه، ودَسُّوا

стр. 1119

لسانَه في اسْتِه، ولهم في يوم الهَباءة أشعارٌ كثيرة، منها قول قَيس بن زُهير: [من الوافر] تَعلَّم أن خيرَ الناس مَيْتٌ … على جَفْرِ الهَباءةِ لا يَريمُ ولولا ظُلْمُه مازلتُ أبكي … عليه الدَّهرَ ما طَلع النجومُ بغى حَمَلُ بنُ بدر مع أخيه … وإن البَغْيَ مَصرَعُه وَخيمُ (١) أظنُّ الحِلْمَ دَلَّ عليَّ قومي … وقد يُستَضْعَفُ (٢) الرَّجلُ الحليمُ ومارستُ الرِّجالَ ومارَسوني … فمُعوَجٌّ عليَّ ومُستقيمُ ومنها يوم اليَعْمريَّة، لما بلغ عَبْساً ما فعل حُذَيفة بالغِلْمان، اجتمعوا والتَقَوا، فقتلوا مالك بن سُبيع الذي سَلَّم الغِلْمة إلى حُذيفة، وأخاه يزيد بنَ سُبيع، وعامر بن لَوْذان وغيرهم، وانهزم حُذيفة بن بدر، ثم قُتل بعد ذلك على ما ذكرنا (٣). * * *

стр. 1120

فصل في ذكر ما سار من الأمثال قد ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه القديم، وعلى لسان رسوله الكريم، فأمَّا أمثال القرآن العظيم فنيِّفٌ وثلاثون مثلًا، وأمَّا ما جاء عن رسول الله ﷺ فكثير. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: حدّثنا عبد الرَّزاق، حدّثنا مَعْمَرٌ، حدّثنا همّام، عن حَفْص بن عاصم، عن النَّوَّاس بن سَمْعان قال: قال رسول الله ﷺ : "ضرب الله مثلًا صِراطاَّ مَستقيماً، وعلى جانبي الصِّراط سُوران فيهما أبواب مُفَتَّحة، وعلى الأبواب سُتورٌ مُرخاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: أَيُّها النَّاس، ادْخُلوا الصِّراط ولا تَعوجوا، وداعٍ يدعو من جَوْف الصراط، فإذا أراد العبد أن يفتحَ شيئًا من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تَفْتحه، فإنَّك إنْ تَفتحْه تَلِجْه، فالصّراط: الإسلام، والسُّتور: حدودُ الله، والأبواب: محارمُ الله، والدّاعي على رأس الصّراط: كتابُ الله، والدَّاعي من جَوْفه: واعظُ الله في قَلب كُلِّ مُسلم" (١). وقد تكلَّمت العربُ العاربةُ بفنون الأمثال، وقد عُنِيَ بجمعها علماءُ اللغة، كأبي عُبَيدٍ القاسمِ بن سلّام، وأبي عُبَيْدة مَعْمَر بن المُثَّنى، والميداني وغيرهم، فمن ذلك: أَبْلَغ من قُسّ، هو قُسُّ بن ساعدة الإياديّ، كان من حُكماء العرب، وهو أوَّلُ مَن أقرَّ بالبعث منهم، وأول مَن قال: أما بعد، بعد داود ﵇، وأول مَن كتب: من فلان إلى فلان، وأول مَن قال: البَيِّنةُ على المدَّعي، واليمينُ على مَن أَنكَر، وأوّل مَن اتّكأ على سيف أو عصا عند خُطبته (٢). أَبْخَل من مادِر، وهو رجل من بني هلال بن عامر بن صَعْصَعة، سقى إِبلَه، فبقي في أسفل الحَوْض ماءٌ قليل، فسَلَح فيه، ومَدَرَ به الحوض (٣)، بُخلاً أن يُشرَب من فَضْله، قال الشاعر: [من الطَّويل]

стр. 1121

لقد جَلَّلَتْ خِزْياً هلالُ بنُ عامرٍ … بني عامرٍ طُرّاً بسَلْحَة مادِرِ واسم مادِر: مُخارِق (١). أبصر من زرقاء اليمامة، من نُمَير، وكانت تبصر الشَّعْرة البيضاء في اللبن (٢). أبله من باقِل، هو رجل من ثَعْلبة (٣)، اشترى ظَبياً بأحد عشر دِرْهماً، فقيل له: بكم اشتريتَه؟ ففتح كفّيه وفرَّق أصابعَه، وأخرج لسانه، يشير بذلك إلى أحد عشر درهماً، فانْفلتَ الظَّبيُ، فضربوا به المثل في العِيِّ، قال حُمَيْد يهجو ضيفاً له: [من الطَّويل] أتانا وما داناه سَحْبانُ وائلٍ … بَياناً وعِلْماً بالذي هو قائلُ فما زال عنه اللَّقْمُ حتَّى كأنه … من العِيِّ لما أن تكلَّمَ باقِلُ وقال ابن الكلبيّ: لمّا نَسبوه إلى العِيّ قال: [من المتقارب] يَلومون في حُمقِه باقِلاً … كأنّ الحَماقَةَ لم تُخْلَقِ فلا تُنكِروا العِيَّ في فِعله … فلَلْعِيُّ أَجْمَلُ بالأَمْوقِ خُروجُ اللّسانِ وفَتْحُ البَنانِ … أَحبُّ إليَّ من المَنطِقِ (٤) وقال أبو العلاء المَعَري: [من الطَّويل] إذا سَفّه الطَّائيَّ بالبُخلِ مادِرٌ … وعَيَّر قُسّاً بالفَصاحةِ باقِلُ وقال السُّها للشّمس أنت خَفيَّة … وقال الدُّجى للصُّبح لَونُكَ حائلُ فيا مَوتُ زُرْ إن الحياةَ ذَميمةٌ … ويا نفسُ جِدِّي إنَ دَهرَك هازِلُ (٥) أسرعُ من نكاح أمِّ خارجة، وهي عَمْرة بنت سعد بن عبد الله بن قُداد بن ثَعْلبة، كانوا يقولون لها: خِطبٌ، فتقول: نِكْحٌ، وخارجةُ ابنها لا يعلم ممّن هو، ويُقال: هو خارجة بن بَكْر بن يَشْكُر بن عَدْوان، وَلَدت أمُّ خارجة لبَكْر بن عبد مناة الدُّئِل، وهو:

стр. 1122

العَنْبر، والهُجَيم (١). وكانت تسير يومًا في الهَوْدَج وابن لها يَقودها، فرأت رجلاَّ فَقالت: أظنّه خاطِبًا، أتراه يُعْجِلُنا أن نَحِلَّ الهودج، يا بنيَّ أَنِخ أنخ، فنكحها، وكانت ذوّاقة للرجال، تزوّجت نيفاً وأربعين زوجاً، وولدت عدّةَ قبائل: الهُجَيم، وثعلبة، وبَهْراء، وهلالاً، وغيرهم (٢). وقال أبو عمرو بن العلاء: ولدت نيّفاً وعشرين حيًّا مَن آباء متفرِّقين، وابنها خارجة كان يَصدُر في كل سنة من المَوسم وقد رحل النَّاس، فيرفع صوتَه وهو واقفٌ على ناقته، ويقول: [من الطَّويل] ولمّا قَضَيْنا من مِنىً كلَّ حاجةٍ … ومسَّحَ بالأركان مَن هو ماسِحُ وقد قَلِقَتْ خُوصُ الرِّكاب لبَيْنِنا … ولم يَعلم الغادي الذي هو رائحُ أَخَذْنا بأطراف الأحاديث بيننا … وسالت بأعناق المَطيِّ الأباطِحُ (٣) أَتْيَمُ من المُرَقِّش، وهو من بني سَعْد بن مالك، كان عاشقاً لفاطمة بنت المنذر بن ماء السماء، مُتَيَّماً بها، وله معها قصص، وبلغ من وَجْده بها أنَّه قطع إبهامه، وبعث بها إليها (٤). أتْيَهُ من أحمق ثَقيف، وهو يوسف بن عُمر، ولّاه هشام بن عبد الملك العراق، فضربت العربُ المثَل بحُمْقه، حجمه حجَّامٌ، فارتَعدت يداه خوفاً منه، فقال يوسفُ لحاجبه: قل له: لا بأس عليك. وكان قصيراً ذميماً، فإذا فصّل الخياط له ثَوْباً، وقال: يحتاج إلى زيادة خِرقة أكرمه، وإن قال: هذه الخِرقة تكفيك أهانه (٥).

стр. 1123

أثقل من ثَهْلان، وأُحُد، وشَمام، ونَضاد، وعَمايَة، وهذه جبال (١). أثقل من الزَّواقي، وهي الدُّيوك، كانت العرب تَسْمُرُ ليلاً، فإذا زَقَت استثقَلَتْها؛ لأنها تُؤْذِنُ بالصبح (٢). أَجْرأُ من ذُباب، إنَّما ضربوا به المَثَل لأنَّه يقع على أَنْف الملك والأسد، ويُطْرَد فيَعود (٣). أجود من كعب بن مامَة بن إياد، خرج مع رِفْقة في سفر فعَطِشوا، وكان معه ماءٌ فسقاهم إياه، ومات عطشاً (٤). أَجْبَن من صافِر، وهو طائرٌ يتعلَّق في الشجر برجليه، ويُنكّس رأسَه خوفاً أن يَنام فيؤخذ، فلا يزال يَصفِر إلى السَّحَر (٥). أجبن من هِجْرِس، وهو الثعلب (٦). أجول من قُطْرُب، وهو دُويبَّة تجولُ الليلَ لا تنام (٧). أَجْوَع من زُرْعَة، وهي كَلْبة لبني يَرْبوع أماتوها جوعاً (٨). أجْمَعُ من نملة (٩). وأَجْرَدُ من جراد (١٠). وأَجْرَأ من أُسامَة، وهو الأسد (١١).

стр. 1124

أحمق من أبي غُبْشان، وهو الذي اشترى منه قُصيّ [مفاتيح] الكعبة بزِقِّ خمر، وكان قد سقاه الخمر فأسكره، فلما أفاق نَدِم، فقال النَّاس: أَحْمَقُ من أبي غُبْشان، أو أندم، وفيه يقول الشاعر: [من الوافر] إذا افتَخَرت خُزاعَةُ في قديمٍ … وَجَدْنا فَخرَها شُرْبَ الخُمورِ وباعوا كعبةَ الرحمن بَخْساً … بزِقٍّ بئس مُفْتَخَر الفَخُور (١) أحْمَقُ من عِجْل، وهو ابن لُجَيْم بن صَعْب بن علي بن بكر بن وائل، قيل له: ما سَمَّيتَ فرسَك؟ فقام ففقأ عينَه، وقال: سمَّيتُه الأعور، وفيه يقول الشاعر: [من الطَّويل] رَمتْني بنو عِجل بداءِ أبيهمُ … وأيُّ امرئٍ في النّاسِ أَحمقُ من عِجْلِ أليس أبوهم عارَ عينَ جوادِه … فصارت به الأمثالُ تُضربُ في الجَهْلِ (٢) أَحْمَقُ من هَبَنَّقَة، وهو ذو الوَدَعات، يزيدُ بنُ ثَرْوان، ضَلَّ له بعيرٌ فجعلَ ينادي: مَن رأى بعيري فهو له، فقيل له: فأيُّ فائدةٍ لك؟ فقال: تستتمُّ فائدةُ حلاوةِ الوِجْدان (٣). أحمق من رَجْلَة، وهي بَقْلةٌ تَنبُتُ في مجاري السيول، فتمرُّ بها فتَقْلَعها (٤). أحْلَمُ من الأحْنَف بن قيس، سنذكره (٥). أَحْمى من مُجير الجراد، وهو مُدْلِج بن سُوَيْد الطَّائي، وقيل: حارثة بن أبي حَنْبل، كان يمنع أحدًا أن يتعرّض للجراد إذا نزل بأرضه (٦). أَحْذَرُ من غُراب، في المثل قال [الغراب لابنه]: يا بُنيّ إذا رُميت فتَلَوَّص [أي: تَلَوَّ] قال: أنا أَتَلَوَّص قبل أن أُرْمى (٧).

стр. 1125

أحْذَرُ من ذِئب، لأنَّه ينام وإحدى عينيه مفتوحة، خوفاً من مُغْتال، قال حُمَيد بن ثَور: [من الطَّويل] ينامُ بإحدى مُقْلَتَيْه ويَتَّقي … بأُخرى المَنايا فهو يَقْظانُ نائِمُ (١) وذكروا في الخواصّ أن العين التي ينام الذئبُ وهي مفتوحة، إذا علقت على شخص لا ينام حتَّى تُزَالَ عنه، والعين التي تنام وهي مضمومة إذا عَلَّقها عليه لا يزال نائماً حتَّى تزال عنه (٢). أَحْيَرُ من ضبٍّ، لأنَّه إذا فارق جُحْرَه لا يَهتدي إلى الرجوع إليه (٣). وفي المثل: أَعَقُّ من ضَبّ، لأنه ربّما أكل حُسولَه (٤). ومن كلامهم: لا أَفعل حتَّى يَرِدَ الضَّبُّ؛ لأنَّه لا يَرِدُ الماء ولا يَشربُه (٥). أَخْطَبُ من سَحْبان وائل (٦)، كان لَسِناً يُضْرَب به المَثَل في البيان، خَطيبٌ مِصْقَعٌ شاعر، وهو القائل: [من الطَّويل] لقد عَلم الحَيُّ اليَمانون أنّني … إذا قلتُ أمّا بعدُ أنِّي خطيبُها دخل على معاوية فقال له: قُمْ فاخطُب، فقال: عليَّ بعصا، فقيل له: ما تَصنَعُ بها وأنت بحضرة أمير المؤمنين؟ فقال: كما صنع موسى ﵇ بعصاه وهو يخاطب ربَّه، فجيء بها، فقام فتوكّأ عليها، وخطب من الظُّهر إلى العصر، فما تَنَحْنَح، ولا سَعَل، ولا أعاد كلمة، ولا شرع في معنى فخرج عنه وقد بَقيتْ منه بَقيَّة، ولما جاءت صلاةُ العصر، قال معاوية: الصلاةَ الصلاةَ، فقال: الصلاةُ أمامَك، أَلَسْنا في تَحميدٍ
следующие страницы →