سمع الشيخ عبد القادر، [وأبا الفتح محمَّد بن عبد الباقي بن أَحْمد بن سَلْمان، وأبا زرعة] (١) طاهر بن محمَّد بن طاهر المقدسيّ وابن النَّقور، وغيرهم خلقًا كثيرًا.
قال المصنف ﵀: وقرأتُ عليه كتاب "التوابين" و"الاعتقاد"، وغير ذلك، وأنشدني لنفسه: [من الطَّويل]
أبعدَ بياضِ الشَّعْر أَعْمُرُ مَسْكنًا … سوى القبر إنِّي إنْ فَعَلْتُ لأحمقُ
يخبِّرني شَيبي بأنيَ مَيِّتٌ … وشيكًا وينعاني إليَّ فَيَصْدُقُ
تخرَّق عُمْري كلَّ يومٍ وليلةٍ … فهل مستطيعٌ رَفْوَ ما يتخرَّقُ
[كأني بنفسي فوق نعشي ممددًا … فمن ساكتٍ أو مُعْولٍ يتحرَّقُ] (١)
إذا سألوا عنِّي أجابوا وأَعْوَلُوا … وأَدْمُعُهُمْ تنهلُّ هذا الموفَّقُ
وغُيِّبْتُ في صَدْعٍ من الأرض ضَيِّقٍ … وأُوْدِعْت لحدًا فوقه التُّرْب مُطْبِقُ
فيا رَبِّ كُنْ لي مُؤنسًا يوم وَحْشتي … فإنِّي بما أَنْزَلْتَهُ لمصدِّقُ
وما ضَرَّني أَني إلى الله صائِرٌ … ومَنْ هو مِنْ أَهْلي أَبَرُّ وأَشْفَقُ
وكان له أولاد: أبو الفَضْل محمَّد، وأبو العز يحيى، وأبو المجد عيسى، ماتوا كلهم في حياته، ولم أُدرك منهم غير عيسى -فرضي الله عنه رضي الأبرار، فلقد كان قُرَّة عين الصَّالحين الأخيار- وأُمُّ الجميع مريم بنت أبي بكر بن عبد الله بن سَعْد المقدسيّ، وكان له منها بنات: صفية وفاطمة، ولم يُعْقِبْ من ولد شيخنا الموفق رحمة الله عليه سوى عيسى، خَلَّف ولدين صالحين ماتا، وانقطع عَقِبُه.
عبد الرَّحْمَن بن محمَّد (٢)
ابن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين، أبو منصور، فخر الدين بن عساكر، ابن أخي الحافظ [ابن عساكر] (١) صاحب "التَّاريخ".
ولد فخر الدين في سنة خمسين وخمس مئة، وتفقَّه على مذهب الشَّافعي -رحمة الله عليه- وبَرَعَ فيه، ودرَّس بالجاروخية بدمشق، وبالصَّلاحية بالقُدْس، وسمع الحديث، وكان
стр. 10607
زاهدًا، عابدًا، ورعًا، منقطعًا إلى العلم والعبادة، سخيًّا، حَسَنَ الأخلاق، قليلَ الرَّغْبة في الدُّنيا، وكانت وفاتُه يوم الأربعاء عاشر رجب، ودُفِنَ على الشَّرف القِبْلي عند مقابر الصّوفية، [وكانت له جنازة عظيمة] (١)، وقبره ظاهر يُزَار، وصلَّى عليه العزيز بن العادل، ولم يتخلَّف عن جنازته إلَّا القليل، سمع عمَّيه [أَبا القاسم الحافظ، والصائن أَبا الحسين هبة الله] (١)، والقُطْب النَّيسابوري، وعليه تفقَّه، وزوَّجه القُطْبُ ابنته.
عبد الرَّحْمَن اليمني (٢)
كان مقيمًا في المنارة الشَّرقية بجامع دمشق، وكان زاهدًا [عابدًا] (١)، ورعًا، فاضلًا، منقطعًا عن النَّاس، وكان العادل يبعث إليه المال فلا يقبله، تُوفِّي في المحرَّم، ودفن بالمنيبع [عند مقابر الصوفية] (١).
مظفر بن المجد (٣)
عزُّ الدِّين بن القلانسي.
مِنْ رؤساء دمشق، وجدُّه أبو يعلى حمزة صاحب "الذَّيل" [إليه ينتهي نسبه] (١) صحب مظفر [شيخنا] (١) تاج الدين الكندي ولازمه، وانتفع به، وتوفي في رمضان، ودفن بقاسيون، سمع [الحافظ] (١) أَبا القاسم بن عساكر وغيره، [وكان يحضر السماع معنا في دار تاج الدين] (١). وكان كَيِّسًا متواضعًا.
محمَّد بن سَلْمان (٤)
ابن قُتُلْمِش بن تركانشاه، أبو منصور السَّمَرْقَنْدِي.
ولد سنة ثلاثٍ وأربعين وخمس مئة، وبَرَعَ في علم الأدب، وولي حِجْبة الباب للخليفة، وتوفي في ربيع الآخر، ودفن في الشُّونيزية، ومن شعره: [من المتقارب]
стр. 10608
سَئِمْتُ تكاليفَ هذي الحياةِ … وكَرَّ الصَّباحِ بها والمساءِ
وقد صِرْتُ كالطِّفْلِ في عَقْلِهِ … قليلَ الصَّواب كثيرَ الهُرَاءِ
أنام إذا كنتُ في مجلسٍ … وأَسْهَرُ عند دخول الفِناءِ
وقَصَّرَ خَطْويَ قَيدُ المشيبِ … وطال على ما عَنَاني عَنَائي
وما جَرَّ ذلك غيرُ البقاءِ … فكيفَ ترى سوءَ فِعْلِ البقاءِ
الضِّياء بن الزَّرَّاد (١)
الدِّمَشْقي، المقرئ.
كان عالمًا بالقراءات السَّبْع، صَيِّتًا، طَيّب النَّغمة، وكان فقيرًا، سافر من دمشق إلى مَيَّافارقين، واتَّصل بشهاب الدين غازي [بن الملك العادل] (٢)، وأقام عنده، ثم اتصل بالملك الأشرف [موسى بن العادل] (٢).
قال المصنِّف ﵀: اجتمعنا بخِلاط سنة ثلاث عشرة [وست مئة] (٢)، وكان يتردَّد إلينا، ويقرأ طيبًا صحيحًا، ثم خَلَّط، ودخل معهم فيما هم فيه.
جاءني يومًا وهو نادمٌ حزين [يبكي] (٢)، فسألته عن حالة، فقال: البارحة حضرتُ عند الأشرف، وناولني قدحًا من الخَمْر، فامتنعتُ من شُرْبه، والأشرفُ ساكتٌ ينظر إليَّ، وما زالوا بي حتَّى شربته، فلما حصل في جوفي عَضَّ الأشرف على يده [بحيث كاد أن يقطع أصابعه] (٢)، وقال لي: والك، فَعَلْتَها! حطَّيتَ الخمر على مئة وأربع عشرة سورة! والله لو خُيِّرْتُ بين أن أحفظ القرآن كما تحفظه وأدع مُلْكي لاخترت حِفْظ القرآن. ثم تُرِكَتْ حُرْمتُه بعد ذلك، فكان يدور البلاد على أصحاب القلاع لرسومٍ كانت له عليهم، فخرج من حَرَّان في هذه السنة قاصدًا إلى السُّويداء، ومعه غِلْمان مُرْدان ثلاثة، فنام في وادٍ وقت الظهر، فقتلوه، وأخذوا خَيلَه وقُماشه وماله، وبلغ الحاجب عليًّا، فأرسل خلفهم، [فجيء بهم] (٣)، فقتلهم.
стр. 10609
الشَّرف محمَّد بن عروة المَوْصِلي (١)
كان مقيمًا بالقُدْس، ويداخل المعظم وغلمانه ويعاملهم (٢)، ويؤذي الفقراء والمشايخ خصوصًا الشيخ عبد الله الأرمني، فإنَّه انتقل عن القُدْس بسببه، ولما خُرب القدس نزل ابنُ عروة دمشق، فأقام بها يسيرًا، ومات، فدفن عند قِباب أتابك طُغْتِكِين، وأوقف كُتُبَه بجامع دمشق.
السنة الحادية والعشرون وست مئة
فيها قصد الأشرف خِلاط لينتزعها من أخيه غازي، وكان غازي قد حَشَدَ، فخرج، وقاتل قتالًا شديدًا، وكان أهل خلاط يحبُّون الأشرف، فكان غازي يقاتل من باب، وأطلع أهل خِلاط سناجق الأشرف: يَا منصور، فصَعِدَ غازي القلعة، وأقام يومين، ثم نزل إلى أخيه، فقال له: أَنْتَ ما لك ذنب، أنا أعرف من حَمَلك على هذا، وأعطاه ميَّافارِقِين وديار بكر، وأقام الأشرف بخلاط ثلاثة أيام، ثم أعطاها لمملوكه أيبك والحاجب علي، ورجع إلى رأس عين، ونَزَلَ غازي إلى ميَّافارقين مريضًا من جراحاتٍ كانت فيه، فأقام يداويها، وكان المعظَّم قد خرج من دمشق، فنزل العطنة لينجد غازي، وبعث إليه في السر عيسى الدماهي، فوصل وقد مات الأمير (٣)، ورجع المعظَّم إلى دمشق.
وفيها ظهر جلال الدين خوارزم شاه في أَذْربيجان، واستولى عليها، فبعث المعظم إليه [رجلًا صوفيًّا يقال له] (٤) الملق الصوفي في رسالةٍ، واتَّفق المعظم وابن زين الدين معه على الأشرف، وبعث المعظم ولده [الناصر داود إلى ابن زين الدين رهينة، وعبر الفرات عند الحديثة، ومضى] (٤) إلى إربل.
واستولى بدر الدين لؤلؤ على المَوْصِل، وأظهر أَنَّ محمود بن القاهر قد مات.
وحجَّ بالنَّاس من بغداد ابنُ أبي فراس، ومن الشَّام الشجاع عليّ بنُ السَّلَّار.
стр. 10610
[وجرت بالعراق واقعة عجيبة ببغداد بقرية يقال لها بعقوبا، فيها نخل كثير، تولاها ناظر يتشيع، وكان بها رجل من أهلها له نخل، فصادره الناظر] (١)، وأخذ منه ألفي نخلة، فجعل يسبُّ النَّاظر، ويدعو عليه، وبلغ النَّاظر فأحضره، وأمر بضَرْبه، فقال له: بالله عليك، أنصفني. فقال: قُلْ. فقال: أنتم تسبُّون أَبا بكر وتقولون: أخذ فَدَك من فاطمة، وإنما في فدك نخلاتٌ يسيرة، تأخذ مني أَنْتَ ألفي نخلة وأسكت! فضحك النَّاظر، ورد عليه نخله.
وفيها قدم المسعود أقسيس من اليمن على أَبيه الكامل بالقاهرة، طامعًا في أَخْذ دمشق والشَّام، وكان معه من الهدايا شيءٌ عظيم، من جُمْلة ذلك ثلاثة أفيلة، أحدهم كبير يدعى الملك، وعليه مِحَفَّة ودرابزين يقعد فيها عشرة أنفس، وفيَّاله راكبٌ على رقبته، وبيده كُلَّاب حديد يضربه به، ويصرفه كيف أراد، وخَرَجَ الكامل للقاءِ ولده، فلما قربوا من الكامل أمرهم سُوَّاسهم، فوضعوا رؤوسهم على الأرض بين يدي الكامل خدمةً له، وكان في الهدية مئتا خادم، وأحمال عود، ونَدّ ومِسْك، وعنبر، وتُحَف اليمن.
وفيها بني الكامل دار الحديث التي بين القَصْرين.
وفيها تُوفِّي
أَحْمد بن محمَّد بن عليّ (٢)
أبو العَبَّاس، القادسي الضَّرير، الحَنْبلي، والد صاحب "الذَّيل" (٣).
قرأ القرآن وسمع، وكان حنبليًّا خشنًا؛ طلب المستضيء من يصلّي به التراويح في رمضان، فأحضروه، وقالوا: أي شيء مذهبك؟ قال: حنبلي، قالوا: ما يمكن أَنْ يصلي
стр. 10611
بدار الخلافة حنبلي، فقال القادسي: أنا حنبلي، وما أريد أن أصلِّيَ بكم. وسمعه الخليفة، فصاح: صلِّ على مذهبك. وكانت وفاته في شوَّال، ودُفِنَ بباب حَرْب.
المُظَفَّر بن المبارك بن أَحْمد (١)
أبو الكرم، البغدادي، الفقيه الحنفي.
ولد سنة ستٍّ وأربعين وخمس مئة، وتفقَّه، ودرَّس بمشهد أبي حنيفة، وولي حِسْبة بغداد، وكان فاضلًا، أمينًا، ثِقَةً.
السنة الثَّانية والعشرون وست مئة
في ربيع الأول وَصَلَ خوارزم شاه جلال الدِّين إلى دقوقا، ففتحها عَنْوَةً، وأوقع السَّيف في أهلها، ونَهَبَ أموالهم، وسبى حريمهم، وهتك نساءهم، وأحرق البلد، وهَدَمَ سوره، وكانوا قد عَصَوْا عليه، وسبُّوه من الأسوار، وبالغوا في شَتْمه، وعَزَمَ على قَصْد بغداد، فانزعج الخليفةُ، وأخرج المال، وفَرَّق في العساكر أَلْف أَلْف دينار، ونَصَبَ المجانيق على الأسوار، وفرَّق السِّلاح، وفتح الأهراء، [وحكى لي المعظم قال: كتب إليَّ يقول:] (٢) تحضر أَنْتَ ومن عاهدني، واتَّفِقْ معي حتَّى نقصد الخليفة، فإنَّه كان السبب في هلاك أبي، ومجيء [الكفار] (٣) إلى البلاد، وجدنا كُتُبه إلى الخطا، وتواقيعه لهم بالبلاد والخيل والخِلَع. قال المعظم: فكتبتُ إليه: أنا معك على كلِّ أحدٍ إلَّا على الخليفة، فإنَّه إمامُ المُسْلمين.
[قال] (٣): وبينا هو على عَزْمِ بغداد، وكان قد جهَّز جيشًا إلى الكُرْج إلى تِفْليس [فكتبوا إليه: أدركنا، فما لنا بالكُرْج طاقة، وبغداد ما تفوت. فسار إلى تفليس،] (٣) فخرج إليه الكُرْج، فضرب معهم مصافَّ، فَقَتَلَ منهم سبعين ألفًا، وفتح تفليس عَنْوَةً، وقتل منها ثلاثين ألفًا، [فصاروا مئة أَلْف، وذلك] (٣) في سَلْخ ذي الحِجَّة.
стр. 10612
وفيها صَلَبَ المعظَّم ابنَ الكعكي ورفيقًا له منكَّسين على رؤوسهما، وكان ابنُ الكعكي رأسَ حزب وخَلْفه جماعةٌ، كانوا ينزلون على النَّاس في البساتين، ويقتلون وينهبون، والمعظَّم في الكَرَك، وبلغه أَنَّ ابنَ الكعكي قال للصَّالح إسماعيل وكان ببُصْرى: أنا آخذ لك دمشق. فَكَتَبَ المعظَّم إلى والي دمشق بأن يصلب ابن الكعكي ورفيقه منكَّسين، فصلبهما في العَشْر الأواخر من رمضان، فأقاما أيامًا لا يتجاسر أحدٌ أن يُطْعمهما ولا يسقيهما، فماتا، وكان رفيقُ ابنِ الكعكي رجلًا خيّاطًا، شهد له أهلُ دمشق بالصَّلاح والبراءة مما كان فيه ابن الكعكي، وقدم المعظم دمشق بعدما ماتا، فمرض مرضًا عظيمًا أشفى منه، ثم أَبَلَّ، ولم يزل ينتفض عليه حتَّى مات.
وحجَّ بالنّاس من العراق ابنُ أبي فراس، ومن الشَّام علي بن السَّلَّار.
وفيها تُوفِّي
الإِمام النَّاصر لدين الله (١)
أبو العَبَّاس أَحْمد بن الإِمام المستضيء بالله.
قد ذكرنا سيرته مفرَّقة في السنين، وأَنَّه ولد عاشر رجب سنة ثلاثٍ وخمسين وخمس مئة، وبويع بالخِلافة غُرَّة ذي القَعْدة سنة خمس وسبعين، وكانت وفاته ليلة الأحد سَلْخ رمضان عن تسع وستين سنة، وكانت خلافته سبعًا وأربعين سنة إلَّا شهرًا وأيامًا، ولم يبلغ أحدٌ من بني أمية ولا من بني العَبَّاس هذا العدد إلا المستنصر من المِصْريين [فإنه] (٢) ولي ستين سنة، ومن الملوك سنجر، وكان للنَّاصر خادم اسمه رشيق قد استولى على الخلافة، وأقام مُدَّة يوقع عن الخليفة، وكان [قد] (٢) قَلَّ بصره وقيل: ذَهَبَ [مرة] (٢)، وكانت به أمراضٌ مختلفة، منها عسر البول والحصى، ولقي منه شِدَّة، وشَقَّ ذَكَرَه مرارًا، وما زال يعتريه حتَّى قتله، وغَسَّله [خالي] (٢) أبو محمَّد يوسف بن الجوزي، وكان قد عَمِلَ له ضريحًا عند موسى بن جعفر، فأمر الظَّاهر بحمله إلى
стр. 10613
الرُّصافة، فَحُمِلَ في تابوت، ودُفِنَ عند أهله، وقيل: تُوفِّي في سابع وعشرين رمضان، وبويع أبو نَصْر محمَّد.
الباب الخامس والثَّلاثون
في بيعة الإِمام الظَّاهر بأمر الله.
[(١) قد ذكرنا أن أباه خطب له بولاية العهد في سنة خمس وثمانين وخمس مئة، وعمره إذ ذاك أربع عشرة سنة، لأنه ولد في المحرم سنة سبعين وخمس مئة، وخطب له على المنابر] وعزل في سنة إحدى وست مئة، ثُمَّ أُعيد إلى العهد في سنة ثماني عشرة وست مئة، ولما مات أبوه استدعى المكينَ القُمّي وقشتمر والأنباري والأعيانَ إلى البَدْرية، فشاهدوا النَّاصر ميتًا مسجًى، فبايعوا أَبا نَصْر محمدًا، ولقَّبوه بالظَّاهر بأمر الله، وهذه البيعة الخاصَّة، ثم بويع البيعة العامة؛ حَضَرَ القضاةُ مع الأعيان فبايعوه.
وكان جميلَ الصُّورة، أبيضَ مُشْربًا حُمْرةً، حلو الشمائل، شديد القُوَى، أفضت الخلافةُ إليه وله اثنتان وخمسون سنة إلَّا شهورًا، فقيل له: ألا تتفسَّح؟ فقال: قد قاش الزَّرْع، فقيل له: يبارك الله في عُمُرك، فقال: مَنْ فَتَحَ دُكَّانًا بعد العَصْر أَيش يكسب؟ ولما بُويع أحسنَ إلى النَّاس، ولم يؤاخذ أحدًا ممن سعى في خَلْعه، وكان النَّاس يظنُّون خِلافَ ذلك، وخاف الخونة واستعدُّوا للمهالك، وكتبوا وصاياهم، فقابل الإساءة بالإحسان [والتجاوز بالامتنان] (٢)، وصلَّى على أَبيه بالتَّاج، وعمل العزاء ثلاثة أيام، وفَرَّق الأموال، وأَبْطَلَ المكوس، وأزال المظالم.
ذِكْرُ وزراء النَّاصر، ونحو ذلك:
وَزَرَ له عبد الله بن يونس، وابن حديدة، وابن القَصَّاب، وابن مهدي، وكَتَبَ له محمَّد بن الأنباري، وولده علي، ثم اسفنديار، ثم ابن القَصَّاب، ثم يحيى بن زبادة، ثم القُمّي.
стр. 10614
[ذِكْرُ فتوحاته] (١):
وفتح خوزستان وششتر، وتشتمل على أربعين قلعة، وهَمَذَان، وأصبهان -وحُمِلَ إليه خَرَاجُها- وتكريت، ودقوقا، والحديثة.
[ذِكْرُ عماراته] (١):
وعمر رباط الأخلاطية والتربة، ورباط الحريم، ومشهد عبد الله، وتربة عون ومعين، وتربة والدته التي إلى جانبها، والرباط المقابل لها الذي كان دار والدته، ومسجد سوق السُّلْطان، ورباط المَرْزُبانية، ودور المضيف في جميع المحالّ، ودار ضيافة الحافي [ودار المسناة، ودار الملك وجعلها رباطًا، والدار البيضاء التي كان يسكنها عند التاج] (١)، وغَرِمَ على هذه الأماكن أموالًا جليلة، ونقل الكُتُبَ النفيسة بالخطوط المنسوبة والمصاحف الشَّريفة إلى النِّظامية، ورباط الخلاطية، والرباط الذي إلى جانب تربة والدته، ورباط الحريم، وغير ذلك.
عليُّ بنُ سليمان بن جَنْدَر (٢)
سيف الدين بن علم الدين.
كان من أكابر أمراء حلب، كثيرَ الخير والصَّدقات الدَّارَّة، والبِرّ الوافر، وبنى بحلب مدرسةً للشَّافعية، وبظاهرها مدرسة للحنفية، ووَقَفَ عليهما الأوقاف، وبنى الخاناتِ في الطُّرقات، وكان حنفيَّ المذهب، وله الغَزَوات المشهورة، والمواقف المذكورة، [وكان صديقي، خدمني مدة إقامتي بحلب] (١)، وكانت وفاته بحلب في العَشْر الأواخر من جُمادى الأولى.
عليُّ بنُ صلاح الدين، الملك الأفضل (٣)
ولد بمِصْر سنة خمس وستين وخمس مئة، وكان فاضلًا، شاعرًا، حسنَ الخَطِّ، تقلَّبتْ به الأحوالُ حتَّى ألقاه الدَّهْر بسُمَيساط، وكانت وفاتُه يوم الجمعة في ربيع الأول، ونُقِلَ إلى حلب، فدفن بظاهرها.
стр. 10615
ومما يُعْزى إليه من الشِّعْر أَنَّه كَتَبَ إلى الخليفة لما أُخرج من دمشق، واتَّفق عليه العادلُ والعزيز: [من البسيط]
مولايَ إنَّ أَبا بكر وصاحِبَه … عثمان قد غصبا بالسَّيفِ حَقَّ علي
فانْظُرْ إلى حَظِّ هذا الاسم كيف لقي … من الأواخر ما لاقى من الأُوَلِ
[وبلغني أنَّه كان ينكر هذا الشعر أنَّه له، وقد ذكرنا من شعره لما قصده العزيز من مصر] (١).
عليّ الكُرْدِي المولَّه (٢)
[(٣) الذي كان بباب الجابية، واختلفوا فيه، فبعض الدماشقة يزعم] أَنَّه كان صاحب كرامات، وأنكر ذلك آخرون، وقالوا: ما رآه أحدٌ يصلي [ولا لبس مداسًا] (١)، وكان يدوس النَّجاسات، ويدخل المسجد على حالة، وقيل: كان له تابعٌ من الجن [يتحدَّث على لسانه] (١).
قال المصنف ﵀: حكت لي امرأةٌ صادقة، قالت: ماتت [أمي باللاذقية، ولم أُصدِّق] (١)، وجاء قوم فقالوا: ماتت، وجاء آخرون فقالوا: ما ماتت. فخرجتُ إلى باب الجابية وهو قاعدٌ عند المقابر، فوقفتُ عنده، فرفع رأسه، وقال: ماتت ماتت، أيش تعملي؟ وكان كما قال.
وحكى لي عبد الله صاحبي، قال: جعتُ يومًا وما كان معي شيء، فاجتزتُ به، فدفع إليَّ نِصْفَ دِرْهم، وقال: يكفي هذا للخبز والقَنْبَرِيس.
ودخل يومًا على [محمد] (١) الدَّوْلعي -خطيب دمشق- المقصورة، وكان يغشاه، فقال له الدَّوْلعي: يَا شيخ علي، قد أكلتُ اليوم كسيراتٍ يابسةً، وشربتُ عليها الماء، وكفتني. فقال له: وما تطلب نفسك شيئًا آخر؟ قال: لا، فقال: يَا مسكين! مَنْ يقنع بكِسَرٍ يابسة يحبسُ نفسه في هذه المقصورة، ولا يقضي ما فرضه الله عليه من الحج، وخلفه مئة أَلْف دينار، وكل هذا لأجلِ المحراب لا يزاحمك علبه أحد، والله لا كَلَّمْتُك أبدًا.
стр. 10616
محمَّد بن أبي القاسم بن محمَّد، الفخر (١)
أبو عبد الله بن تيمية، الحَرَّاني.
خطيب حَرَّان وفقيهها، وبها ولد، وقدم بغداد، وتفقه، ووعظ، وسَمِعَ الحديث الكثير، وصنَّف الخُطَب والتَّفْسير وغير ذلك، وكان فاضلًا، فصيحًا، أنشد على المنبر: [من السريع]
أحبابَنَا قد نَذَرَتْ مُقْلَتي … ما تلتقي بالنَّوْم أو نلتقي
رِفْقا بقَلْبٍ مُغْرَمٍ واعطُفوا … على سَقَامِ الجَسَدِ المُعْرَقِ
كم تَمْطُلوني بليالي اللِّقا … قد ذَهَبَ العُمْرُ ولم نلتقِ
وقال الجمال بن دبوقة، كاتب الملك الأشرف: كنت بحرَّان سنة مات ابنُ تيمية، فجلس يوم عاشوراء ومدح معاوية بنَ أبي سفيان على المنبر، وبالغ وأطنب، فاختلط على المنبر، ونزل مريضًا، فأقام إلى يوم الخميس خامس صفر يعاني أمراضًا صعبة، ومات فيه، وكان يقول: ما قتلني إلَّا يومُ عاشوراء.
السنة الثالثة والعشرون وست مئة
فيها قدم محيي الدِّين بن الجوزي دمشق رسولًا إلى المعظم، ومعه الخِلَعُ لأولاد العادل من الخليفة الظَّاهر، ومضمون رسالته رجوع المعظم عن الخوارزمي.
قال المصنف ﵀: قال لي المعظم: قال خالك: المصلحة رجوعك عن هذا الخارجي إلى إخوتك، ونُصْلح بينكم. وكان المعظَّم قد بَعَثَ الرَّكين مملوكه إلى الخوارزمي، فرحَّله من تفليس، وأنزله على خِلاط، والأشرف بحرَّان. قال: فقلتُ لخالك: إذا رجعتُ عن الخوارزمي وقَصَدني إخوتي، تنجدوني؟ قال: نَعَمْ، فقلتُ: ما لكم عادة تنجدون أحدًا، هذه كُتُبُ الخليفة الناصر عندنا، ونحن على دِمْياط، ونحن نكتب نستصرخ به، فيجيء الجواب بأَنْ قد كتبنا إلى ملوك الجزيرة، ولم يفعلوا. قال:
стр. 10617
قلتُ له: مثلي معكم كمثل رجل كان يخرج من وقت السَّحَر من داره يصلِّي في المسجد، وبيده عُكَّازٌ خوفًا من الكلاب التي للمحلَّة، فقال له بعضُ أصدقائه: أنتَ شيخٌ كبير، وهذا العكاز يثقلك، وأنا أُعَلِّمك شيئًا يغنيك عن حمله، قال: وما هو؟ قال: تقرأ سورة يس عند خروجك من الدَّار، وما يقربك كلب. وأقام مُدَّة، فرأى الشيخ في بعض اللَّيالي حاملَ العكاز، فقال له: ما قد علمتك ما يُغْنيك عن حمله؟! فقال: هذا العكاز لكلبٍ لا يعرف القرآن. وقد اتَّفق إخوتي عليَّ، وقد أنزلتُ الخوارزمي على خِلاط، إنْ قصدني الأشرفُ مَنَعَه، وإنْ قصدني الكامل فيَّ له.
وفيها قَدِمَ الأشرفُ [دمشق] (١)، وأطاع المُعَظَّم، وسأله أن يسأل الخوارزمي أن يرحل عن خِلاط، وقال: نحن مماليكك، وما أثبت الشَّعَرَ على رؤوسنا إلَّا أنتَ. فبعثَ المعظَّم، فرحل الخوارزمي عن خلاط، وكان قد أقام عليها أربعين يومًا، ونزل الثلج، وأقام الأشرف عند المعظم بدمشق، وكان المعظَّم يَلْبَس خِلْعة الخوارزمي، ويركب فرسه، وإذا جلسوا على تلك الحال يحلف المعظَّم برأس خوارزم شاه، وعند الأشرف من هذا المُقْعد المقيم، وهو ساكت.
[(٢) وفيها توجه خالي إلى مصر إلى الكامل، وهذه أول سفرة سافرها خالي إلى الشَّام ومصر].
وفيها تُوفِّي الجمال المِصري القاضي، وولَّى المعظَّمُ الخُوَيِّي، واسمه أَحْمد بن خليل بن سعادة، [وكنيته أبو العباس] (١)، استدعاه، وعَرَضَ عليه القضاء، فامتنع، وقال: أنا رجلٌ غريب، والدَّماشقة فيهم كَثْرة، فقال: لا بُدَّ. فولاه قضاء القضاة في ربيع الآخر، وخَلَعَ عليه.
قال المصنف ﵀: وفيها فَوَّض إليَّ المعظم التدريس بمدرسة شِبْل الدولة بقاسيون، وحضر أعيان دمشق، [ولم يتخلف منهم أحد] (١).
وحج بالنَّاس من العراق ابنُ أبي فراس، ومن الشَّام عليّ بن السَّلَّار.
стр. 10618
وفيها تُوفِّي
إبراهيم بن موسى المبارز المعتمد (١)
ولد بالمَوْصِل، وقدم الشَّام، وخَدَمَ فَرُّخْشاه بن شاهنشاه [ابن أخي صلاح الدين] (٢)، وتقلبتْ به الأحوال، واستنابه بدر الدين الشحنة بدمشق، ثم ولاه العادل مستقلًا، فأحسن السِّياسة، ولَطَفَ بالرَّعية، [فكان للكبير منهم ولدًا، وللصغير والدًا، وللمتوسط أخًا، وله واقعات عجيبة.
ذكر طرف من أخباره:] (٢)
وكان دَيِّنًا، ورعًا، عفيفًا، نَزِهًا، اصطنع عالمًا عظيمًا من النساء والرجال، [(٣) وسَتَرَ عليهم كبائر الأحوال، وكانت دمشق في أيام ولايته حُرَّة طاهرة، ودلائل الخيرات بها ظاهرة، ومما جرى له أنَّه كان في دمشق] رجلٌ فاتك، وإلى جانب بيته قومٌ لهم ولدٌ صغير، في آذانه حَلَقٌ من ذهب، فاغتاله الرَّجل يومًا، فخنقه، وأخذ الحَلَق من أذنيه، وأخرجه في قُفَّة، ودفنه بالباب الصَّغير، وفقدته أمه، فاتهمتِ الرَّجلَ به، فعذَّبه المبارز عذابًا أليمًا، فلم يُقِرَّ بشيء، فأطلق، وفي قلب المرأة النَّار [من فقد ولدها] (٢)، فطلَّقَتْ زوجَها، وتزوَّجتِ القاتل، وأقامت معه مُدَّة، فقالت له يومًا وهي تداعبه: قد مضى الابنُ وأبوه، وكان منهما ما كان، -[وكان الزوج قد مات] (٢) - أنتَ قتلتَ الصَّغير؟ فقال: نَعَمْ، وأخذت الحلق، ودفنته بالباب الصَّغير. فقالت: قُمْ، فأرني قبره. فخرج بها إلى المقابر، وحفر القبر، فرأت ولدها، فلم تتمالك أَنْ ضربتِ القاتلَ بسكِّين أَعَدَّتْها له، فشقَّتْ بطنه، ودفعته، فألقته في القبر، وجاءت إلى المبارز، فحكت له الحكاية، فقام، وخرج معها إلى القبر، فكشفته له، فقال: أحسنتِ والله، ينبغي لنا أن نَشْرب لكِ فُتوَّةً (٤).
стр. 10619
[(١) وحكى لي قال: لما حَرَّم العادل الخمر]، ركبتُ يومًا، وخرجتُ من باب الفرج، وإذا برجل في رقبته طَبْلٌ، وهو يتمايل تحته، فقلتُ: أمسكوه، وشقُّوا الطبل. فَشَقُّوه، وإذا فيه زُكْرةُ خَمْر، فبدَّدْتُها، وضرَبْتُه الحَدَّ، فقلتُ له (٢): من أين علمتَ؟ قال: رأيتُ رِجْلَيه وهي تلعب، فعلمت أنَّه قد حَمَلَ شيئًا ثقيلًا.
وكان لداره بابان: الباب الكبير عليه الغِلْمان والنُّواب، وباب السِّرِّ في زُقاقٍ آخر، فكان النواب إذا أمسكوا في الليل امرأةً من بيت معروف، وحملوها إليه يقول: انزلوا حتَّى أقرّرها، ثم يقول لها: [يا بنتي] (٣)، أنتِ من بيتٍ كبير، ورجالك معروفين (٤)، فما الذي حملك على هذا؟ فتعتذر بما يتفق، فيقول لها: سَتَرَ الله عليك. ويبعث معها الخدم من باب السِّرِّ إلى بيتها. فأقام على هذا نحوًا من أربعين سنة.
وكان في قلب المعظم له شحناء، لأَنَّه كان يُشْفِقُ عليه، ويحفظه في أماكن يدخل إليها بدمشق في الليل، وهو شابٌّ، فيأمر غِلْمانه أن يتبعوه من بعيد، وكان العادل من مِصْر يكتب إليه بذلك، فلما مات العادل [أظهر ما كان في قلبه منه، و] (٣) اعتقله مُدَّة في القلعة، فلم يظهر عليه ولا على أحدٍ من أولاده وحاشيته أَنَّه أخذ من الرَّعية ما مقداره مِثْقال حبَّة خَرْدل، [ولا غيَّر ما كان عليه من العفة والأمانة والصلاح والديانة، ولا غيَّر ولا بدَّل] (٣) فأنزله من القلعة إلى داره، وحَجَرَ عليه، وبالغ في التَّشديد [والعجب من الحجر على الحُر البالغ العاقل الرشيد] (٣)، وكانت وفاته في حادي عشرين ذي القَعْدة يوم السبت، ودفن بقاسيون في التربة التي أنشأها بالجبل عن ثمانين سنة.
وحكى أنَّه ولي دمشق نيابةً عن بدر الدين الشحنة أول ولاية صلاح الدين، ثم استقلَّ بالولاية إلى أن عُزِلَ سنة سبع عشرة وست مئة، [وصلاح الدين فتح دمشق سنة سبعين أو إحدى وسبعين] (٣) فكانت ولايته نيابةً واستقلالًا قريبًا من خمسين سنة، ولم يُؤْخذ عليه شيءٌ إلَّا أَنَّه كان يحبس وينسى، فعُوقب بمثلِ ذلك؛ أقام محبوسًا خمس سنين إلَّا أيامًا.
стр. 10620
قال المصنف ﵀: [وجرت لي معه واقعة عجيبة] (١)، كنتُ ليلةَ كلّ جُمُعة أزوره، وانقطعتُ عنه مُدَّة [بسبب غلق داره في بعض الأوقات] (١)، فرأيتُ في المنام كأَنَّ قبره في رَوْضةٍ خضراء، وهو معمول بالفَصِّ الأخضر، وليس هو من جنس فصوص الدُّنْيا، فطربتُ لحُسْنه ورونق المكان، فَهَتَفَ بي هاتفٌ، وقال: لو رأيتَ ما في باطن القَبْر. قلتُ: وما في باطنه؟ قال: الدُّرُّ والياقوت والمَرْجان، وما يستغني عن قراءة كتاب الله تعالى، فانتبهتُ وفهمتُ الإشارة، فأنا في كلّ ليلة أقرأ ما تيسَّر من القرآن، وأهديه إليه، وإلى أَهْلي وأصحابي ومعارفي. فرضي الله عنه رضي الأبرار، وجمعني وإياه في دار القرار، فقد كان محسنًا إليَّ، [ومتفضلًا عليَّ، خدمني بنفسه وجاهه وماله، وجمع لي بين خيري الدنيا بتفضله وإفضاله] (١).
[فصل: وفيها تُوفِّي
البدر الجَعْبري (٢)
والي قلعة دمشق، أقام واليًا لها مدة، وكان ذا مروءة، خدم الظاهر بحلب وغيره، وحمل إلى بالس، فدفن عند أهله].
كافور بن عبد الله (٣)
شِبْل الدَّوْلة، الحسامي، خادم سِتّ الشَّام.
كان عاقلًا، دَيِّنًا، صالحًا، له حرمة وافرة في الدَّوْلة، ومنزلة عالية عند الملوك، بني مدرسة على نهر ثورا لأصحابِ أبي حنيفة وتُرْبة، ووَقَفَ عليهما الأوقاف، ونقل إليهما الكُتُبَ الكثيرة، وفَتَحَ للنَّاس طريقًا من الجبل إلى دمشق قريبة عند العقارات على طريق عين الكرش، وبنى المصنع الذي على باب الزُّقاق وخانكاه الصُّوفية إلى جانب مدرسته، ومصنعًا آخر عند المدرسة، وله صدقاتٌ دارَّة، وإحسان كثير، وتوفي في
стр. 10621
رجب، ودفن بتربته [إلى جانب مدرسته] (١)، وقد سمع الحديث [على شيخنا تاج الدين الكندي، وروى "اعتقاد الطحاوي" (٢) وغيره] (١).
محمَّد بن أَحْمد الإِمام الظاهر، أمير المُؤْمنين (٣)
قد ذكرنا ما جرى عليه من الشَّدائد والتعصُّب [الوافر الزائد] (١)، وما تجرَّع من الغُصَص [في أوقاته، وما وفت ولايته مدة يسيرة بوفاته] (١)، فكانت ولايته تسعة أشهر وأيامًا، فيا ليتها دامتْ أعوامًا، ولي سَلْخ رمضان، وتوفي في رجب، ومع هذا فإنَّه قام بأوامر الله بما وجب عليه، وغسله محمَّد الخَيَّاط الشَّاعر، [وحصل له مال وافر، وحُكي لي أنَّه] (١) دخل يومًا إلى الخزائن، فقال له خادمٌ: في أيامك تمتلئ. فقال: ما جعلتِ الخزائنُ لتمتلئ بل لتفرغ، وتنفق في سبيل الله، فإنَّ الجمع شُغْلُ التُّجَّار.
الباب السَّادس والثَّلاثون
في خلافة ولده أبي جعفر [منصور بن محمَّد، ولقبه] (١) المستنصر بالله.
بويع يوم ماتَ أبوه البيعة العامة، واستبشر النَّاس بطلعته، وسَعِدُوا بولايته، فإنَّه ظهرت منه مخايل الكرم والإحسان، والعَدْل [والامتنان] (١)، وتوفي سنة أربعين وست مئة، وسنذكره [هناك] (١) إنْ شاء الله تعالى.
يونس بن بَدْران، ويلقب بالجمال المِصْري (٤)
كان وكيل بيت المال في أيام العادل، فلما مات العادل وألبس المعظَّمُ القاضي زكي الدين الكلوتة والقَبَاء ولَّى الجمال المِصْري قضاءَ القُضاة بدمشق، وكان فاضلًا، عفيفًا، مهيبًا، ورعًا نَزِهًا، ودُفِنَ بداره.
стр. 10622
هبة الله أبو القاسم بن رواحة، أحد العدول (١)
بنى المدرسة الشَّافعية المجاورة لمدرسة الحنابلة بباب الفراديس، وأوقف عليها الأوقاف، وتوفي في رجب، ودفن بمقابر الصُّوفية.
السنة الرابعة والعشرون وست مئة
فيها عاد الأشرفُ إلى بلاده، وقَدِمَ رسول الإنبرور على المعظَّم بعد اجتماعه بالكامل، فطلب الفتوح، فأغلظ له المعظم، وقال: قُلْ لصاحبك: ما أنا مثل الغير، ما له عندي سوى السَّيف.
وفي شعبان أمر المعظم الجمال عبد الله بن الحافظ عبد الغني أن يرتّب "مسند الإِمام أَحْمد" -رحمة الله عليه- على أبواب الفِقْه، فقعد في الكلَّاسة، ومعه جماعةٌ من المحدِّثين، منهم الشرف الإربلي، فرتَّبوه، فمات المعظم وهم على ذلك.
وحجَّ بالنَّاس من الشَّام الشجاع ابن السَّلار، ومن مَيَّافارقين الشِّهاب غازي بن العادل، وكان ثَقَلُه على ستِّ مئة جمل، ومعه خمسون هجينًا، كلُّ هجين عليه مملوك، وجهَّزه الملك الأشرف جَهازًا عظيمًا، وسار غربيّ الفُرَات على قرقيسيا وعانة والكبيسات والغمر والعين وشفاثا، وكلُّها قرى فيها عيونٌ جارية ونخل كثير، ومنها يجلب التَّمْر إلى الشَّام، وعلى كربلاء، فزار المشهد، ثم دخل الكوفة، وزار مشهد أمير المُؤْمنين علي، رضوان الله عليه.
وحجَّ بالنَّاس من العراق شمس الدين قيران مملوك الخليفة، وبَعَثَ الخليفة لشهاب الدِّين فرسين وبغلة وألفي دينار، وقال: هذه من مِلْكي، أَنْفِقْها في طريق الحج، وأوصى أمير الحاج بخِدْمته، وتصدَّق في مكة والمدينة، وعاد إلى العراق، ولم يَصِلِ الكوفة، بل سار غربيَّ الطريق التي سلكها، فكاد يَهْلِك ومن معه عطشًا حتَّى وصل إلى حَرَّان.
стр. 10623
وفيها تُوفِّي
البهاء عبد الرَّحْمَن بن إبراهيم بن أَحْمد، أبو محمَّد المقدسيّ (١)
كان إمامًا بمسجد الحنابلة بنابُلُس، ثم انتقل إلى دمشق، قرأ القرآن، وسَمِعَ الحديث الكثير، وسافر إلى بغداد والعراق، وكان صالحًا ورعًا، زاهدًا، غازيًا، مجاهدًا، جوادًا، سَمْحًا، وتوفي ليلة الجمعة ثامن ذي الحجة، ودفن بقاسيون عند أهله.
عيسى بن [العادل] (٢) أبي بكر بن أَيُّوب (٣)
الملك المعظم، العالم الفقيه، الفاضل المجاهد في سبيل الله، المغازي، النَّحويّ، اللغوي.
[ذِكْرُ طرف من أخباره] (٢):
ولد بالقاهرة سنة ستٍّ وسبعين وخمس مئة، ونشأ بالشَّام، وقرأ القرآن، وتفقَّه على مذهب أبي حنيفة على جمال الدين الحَصِيري (٤)، وحَفِظَ المَسْعودي، واعتنى بـ"الجامع الكبير"، وقرأ الأدب على تاج الدِّين الكندي، فأخذ عنه "كتاب" سيبويه، وشَرْحَه للسِّيرافي، و"الحُجَّة في القراءات" لأبي علي الفارسيّ، و"الحماسة"، وقرأ عليه "الإيضاح" لأبي علي حِفْظًا، وسمع "مسند الإِمام أَحْمد" -رحمة الله عليه- بدمشق، وعلى ابن طَبَرْزَد أشياء من مسموعاته، وسمع "السِّيرة" لابن هِشام على ابن المُجْلي بمِصْر، وغير ذلك، وشَرَحَ "الجامع الكبير"، والرَّد على الخَطيب، والعَرُوض، وله ديوان شعر، ومع تصنيفه العروض ما كان يقيم وزن الشِّعْر في بعض الأوقات، [فكنت أقول له: فيك ضرب من النبوة ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾] (٢) [يس: ٦٩]، وكان شجاعًا، مقدامًا، كثير الحياء، متواضعًا، مليحَ الصُّورة،
стр. 10624
ضحوكًا، غيورًا، جوادًا، حَسَنَ السيرة والعِشْرة، محافظًا على الصحبة والمودة، [وكان بالبلقاء رجل من بني مهدي يقال له نُضار، يشعر على عادة العرب، مدح المعظم بقصيدة يقول: [من الطَّويل]
حمى من أوهام الزمان علامه (١) … عزيز إذا ما الدهر كر جفاه
فكان يتعجب من قوله: كرَّ جفاه] (٢).
وكان قد توجَّه إلى أخيه الكامل في سنة سبع أو تسع وست مئة، والكامل في الإسكندرية، فركب فرسًا واحدًا، ووصل من دمشق إلى الإسكندرية في ثمانية أيام، فخرج الكامل، فالتقاه، وترجَّلا، واعتنقا، وركب الكامل وبقي المعظم واقفًا، فقال له الكامل: بسم الله، اركب. فأشار إلى الفرس الذي كان تحته، وأنشد: [من الكامل]
وإذا المَطِيُّ بنا بَلَغْنَ محمدا (٣)
فطرب الكامل.
وكان البهاءُ بن التقي على دار الزَّكاة، فقدم البَدْ بن المسجِّف الشَّاعر من الشَّرْق، ومعه قُماش، فعسفه ابن التِّنَّبي، فكَتَبَ إلى المعظم [يقول] (٢): [من الوافر]
أيا ملكًا أبادَ عِداه قهرًا … وأحيا كل منقبةٍ وفَضْلِ
ومن هو كالمسيحِ اسْمًا وفِعْلًا … ونصبًا للحياة وجَزْمَ فِعْلِ
يكلِّفُني البهاءُ زكاةَ مال … حرام كلُه من غيرِ حِلِّ
وكيف يجودُ بالزَّكوات من لا … يحجُ ولا يصومُ ولا يصلِّي
فَجُدْ بهباتِ ذلكُمُ فإنِّي … أجِلُّ زكاتكمْ عن مال مِثْلي
فكتب المعظم على رأسها: يؤخذ منه العُشْر، جعله بمنزلة الحَرْبي.
стр. 10625
وكان إذا خرج إلى الغَزَاة لا ينام إلَّا على جل الطرح، وزرديته مخدته، ولا يقطع الاشتغال بالقرآن والجامع الكبير وسيبويه، وكان دائمًا يركب، فإذا نزل مَدَّ السِّماط، فإذا أكل النَّاس قضى الحوائج إلى الظهر، وكان في أيام الفَسْخ مع الفرنج يرتِّب النِّيران على الجبال من باب نابُلُس إلى عكا، وعلى عكا جبلٌ قريب منها يقال له الكرمل، كان عليه المنوِّرون، وبينهم وبين الجواسيس علاماتٌ، وكان له في عكا أصحاب أخبار، وأكثرهم نساء الخيالة، وكانت طاقاتهن في قبالة الكرمل، فإذا عَزَمَ الفرنج على الغارة فتحت المرأة الطاقة، فإن كان يخرج مئة فارس أوقدتِ المرأةُ شمعةً واحدة، وإن كانوا مئتين شمعتين، وإن كانوا يريدون قَصْدَ حوران وناحية دمشق أشارت إلى تلك النَّاحية، وكذا إلى نابُلُس، فكان قد ضيَّق على الفرنج الطرق إذا قصدوا جهة سَبَقَ إليها بعسكره، وكان يعطي النِّساء والجواسيس في كل فسخ جملةً كبيرة.
قال المصنِّف ﵀: فقلتُ له في بعض الأيام: هذا إسرافٌ في بيوت الأموال. فقال: أنا استفتيك، لما عَزَمَ الإنبرور على الخروج إلى الشَّام أراد أن ينزل عكا بغتةً، ويسير إلى باب دمشق، فبعث فارسًا عظيمًا وقال له: اخفِ مجيئنا إلى البلاد لنغير بغتةً، وكان بعكا امرأة مستحسنة، فكتبتْ إليَّ تخبرني، فبعثت لها ثيابًا ملونة وعنبر ومقانع حرير، فلبستها، واجتمعتْ بالفارس، فدهش، وقال: من أين هذا؟ فقالت: من عند صديقٍ لنا من المُسْلمين، فقال: مَنْ هو؟ فقالت: الكريدي، فصلَّب على وجهه، وقام، فخرج من عندها، فما زالت تلك المرأة تتلطَّف بالفارس وأهاديه حتَّى صارت كتب الإنبرور تجيء إليه مختومةً، فيبعثها إليَّ، وأقول له يكتب ما أُريد، فلو لم أدارِ عن المسلمين جاء الإنبرور بغتةً، وساق من أهل الشَّام ومواشيهم وأموالهم ما لا يُعَدُّ ولا يحصى، فأنا أفدي المسلمين بالشيء اليسير، وأحفظ الخطير بالحقير.
وكان المعظم قد أمر الفقهاء أن يجرِّدوا له مذهب أبي حنيفة دون صاحبيه، فجرَّدوا له المذهب في عشر مجلَّدات، وسماه "التذكرة"، فكان لا يفارقه سَفَرًا ولا حضرًا، يطالعه دائمًا، فكتب على ظهر كل مجلدة: أنهاه حِفْظًا عيسى بن أبي بكر بن أَيُّوب، فقلتُ له: ربما يؤخذ هذا عليك، لأن أكبر مدرِّس في الشَّام يحفظ القدوري مع تفرُّغه،
стр. 10626
وأنتَ مشغولٌ بتدبير الممالك تكتب خطك على عشر مجلَّدات أنك قد حفظتها! فقال: ليس الاعتبار بالألفاظ، وإنما الاعتبار بالمعاني، سلوني عن جميع مسائلها، فإن قصرت كان الصحيح معكم، وإلا فسلموا لي ما قلت.
[وحكى لي] (١) سعد الدِّين مسعود والي الجولان [قال] (٢): كنت واليًا بالشَّوْبك، وكان بها راهبٌ منفرد في بعض الجبال، فجاءني كتابُ المعظَّم بنفيه، فنفيته، فغاب سنة، وجاءني بكتاب المعظم يقول: أعده إلى مكانه، وتوصَّى به. فبحثتُ عن قِصَّته وإذا به قد بَعَثَ به إلى البحر كشف له أخبار الإنبرور على وَجْهها، وإنما نفاه لئلا يتَّهم فيتأذَّى، وأطلق له أرضًا يعيش منها، وأعطاه مئة دينار.
وقال المصنِّف ﵀: لما قدم خالي أبو محمَّد يوسف إلى دمشق سنة ثلاثٍ وعشرين بخِلْعة الخليفة كان رسول الخوارزمي قد سبقه بيومين، ومعه خِلْعة الخوارزمي وفرسه وحربتان، وبلغ خالي، فقال لي: أبصر أيش يعمل، إنْ لبس خلعة الخوارزمي قبل خِلْعة الخليفة كان وَهْنًا علينا. فكتبتُ إليه ورقة أعرِّفه ما يجب من طاعة الإِمام، وفي جملة ما قلت: إن خالي قد سألني في هذه القضية، فَبَيِّضْ وَجْه هذه الشَّفاعة، وكلامًا هذا معناه، فكتب إليَّ: السمع والطَّاعة، مهما أمرت ما أخالف.
وأصبح فَلَبِسَ خِلْعة الخليفة ساعةً، وأعطاها للملك الجواد، فركبتُ بعد يومين لأشكره، فوجدته عند مشهد القدم، وقد رجع التسيير، فبينا هو يحدِّثني لاحت غبرة من ميدان الحصى، فقال: فلان الدِّين تقدم، فلي إليك شغل، وهذا خالك أريد أن أضيفه. وكان إلى جانبي جماعةٌ من الأعيان، فساقوا بين يديه، وشَرَعَ يحدِّثني، ووصل خالي، فَسَلَّم عليه، وسقنا إلى تحت القلعة فقال: لي شغل، فبالله ادخل معنا، واقعد ساعة. فدخلتُ، وعمل سماطًا عظيمًا، فلما أكل خالي وخرج، وتفرَّق النَّاس، وأذن الظهر. فقلتُ: أيش قعودي؟ فقال: وأيش تَمَّ من الحوائج؟ قلتُ: فأنت من مشهد القدم تقول: تقدَّم، وتقول السَّاعة: وأيش تّمَّ من الحوائج؟ فقال: هذا وأنتَ بغدادي! ما أردتُ إلَّا أن يرى خالك منزلتك عندي، فيحكي للخليفة ذلك. فدمعت عيني، وقلت: حرامٌ عليَّ صحبة غيرك.
стр. 10627
ولما عاد خالي من مصر وقد جاءت كُتُبُ الخوارزمي يعتبه على لبس خِلْعة الخليفة، فخاف، وقال: غدًا يدخل خالك من مِصْر. قلتُ: وأين ينزل؟ فقال: أين أراد. فقلتُ: الله، الله لا تغتر بالخوارزمي فما يدوم، والخلافة في بني العباس باقية، ومعاداة الخلفاء ما هي هيِّنة. فأنزلهم، وأكرمهم، وخَلَعَ عليهم، وخرج جاء إلى حماة، فجاءته وفاةُ الظَّاهر بها.
ولما توقف النَّاس عن الخروج إلى الغَزَاة كَتَبَ إليَّ بخطه كتابًا يقول فيه: قد عرفتُ عزيمةَ الأخ التي جَرَّدها في سبيل الله ابتغاءً لرضاه، وشكرتُ ما يقصد من المساعي في ذات الله ويتوخَّاه، فليقدِّم حضوره إلى أخيه، ومحبِّه المشار إليه، ليقوم من خدمته بما يجب عليه.
وكان يحبُّ الفقهاء، ويحرِّضهم على الاشتغال [بالعلم] (١)، فيقول: مَنْ حفظ نصَّ "الجامع الكبير" للكرماني أعطيته مئة دينار، ومن حفظ "الإيضاح" لأبي عليٍّ في النحو أعطيته ثلاثين دينارًا، فحفظ الكتابين جماعة، ووفى لهم بما شرط.
ذِكْرُ وفاته:
كان قد جهَّز العساكر إلى نابُلُس خوفًا من اتِّفاق الكامل مع الإنبرور، ومرض في نصف شَوَّال، وكان عنده رُسُل الخوارزمي، [فحكى لي نجم الدين بن سلَّام (٢) قال] (١): وقد غَرِمَ عليهم في تسعة أشهر تسع مئة أَلْف دِرْهم، واشتدَّ مرضه، وأصابه ذَرَبٌ عظيم بحيث إنَّه رمى قطعةً من كبده ومصرانًا، وكَثُرَتِ الأقوالُ أَنَّه سُقي السُّمَّ، واتُّهم به جماعة، وربك الخبير.
قال المصنِّف ﵀: وآخر عهدي [به] (١) ليلة الجمعة تاسع [عشرين] (١) ذي القَعْدة دخلت عليه آخر النَّهار، وعنده ولده الملك النَّاصر داود، وكريم الدين الخِلاطي، ويعقوب الحكيم وقد تغيرت أحواله، وطلع الموتُ في محاسن وجهه المليح، فبكيتُ، فقال: حاشاك حاشاك. وتحته طراحة خفيفة بندقي ومخدة ولحاف من جنسها، وعلى رأسه كوفية، وعند رأسه صينية اسباذروه فيها تراب، فقلتُ لكريم الدين: ما هذه؟ قال: يتيمَّم لكلِّ صلاة، وكان المعظم يقول: والله ما فاتتني صلاةٌ قط. قال كريم الدين بعد ذلك: باتَ الليلة التي مات في صبيحتها ساهرًا، فغفت عينه قبل الفجر، وكان قد قام قيامًا عظيمًا، ففتح عينيه وقد كادتِ الشَّمس أن تطلع، فلم يقدر على التيمُّم، فصلَّى
стр. 10628
بالإيماء، وكان [دائمًا يقول: ما أظن يدخل ملك إلى الجنة، و] (١) يقول: الموتُ خيرٌ من الحاجة إلى النَّاس، ويقول: قد صَحَّ عن النَّبي ﷺ أنه قال: "لا يجتمع غُبارٌ في سبيل الله ودخانُ جهنم في منخري عبد أبدًا" (٢). وكم في منخري من ترابٍ في سبيل الله.
وتوفي ثالث ساعة من نهار الجُمُعة أَوَّل يوم من ذي الحِجَّة، وغَسَّله النَّجْم خليل، وكريم الدِّين يَصُبُّ عليه، وكان قد أوصى أن لا يدفن في القلعة، ويخرج إلى الميدان، ويظهر تابوته، ويصلِّي عليه المُسْلمون، ويحمل إلى قاسيون، فيدفن على باب تُرْبة والدته تحت الشجرة، فلم تنفذ وصيته، ودُفِنَ في القلعة، ثم أُخرج بعد ذلك بمدَّة (٣) لما ملك الأشرف دمشق على حال غير مرضي، بين يديه نصف شمعة، والغرز خليل معه، [(٤) وبلغني أَنَّ الحمالين طلبوا ما يربطوه به على النعش، فقيل لأحدهم،: اربطه بعمامتك. ودُفِنَ مع والدته في القُبَّة عند الباب، وفيها أخوه المغيث، وعمل له العزاء ثلاثة أيام في جامع دمشق.
وجرى على الرَّعية [في وفاته] (١) ما لم يجرِ عليهم عند موت أحد من الملوك، [رأيت بنات البيوت اللواتي لم يخرجن قط من خدورهن من أوائل الليل يأتين إلى تحت القلعة، وقد شققن ثيابهن، ونشرن شعورهن، ومعهن الدرادكه فيلطمن عليه، ثم يمشين في الأسواق، ويلطمن إلى الصباح، أقمن على ذلك شهرًا، وكذا في الميادين طول النهار، وتكلمت أول يوم في عزائه، فغلبني البكاء،] (١) وكان محسنًا إلى الرَّعية، ذابًا عن حريمهم، رفيقًا بهم، يعرف صغيرهم وكبيرهم.
قال المصنف ﵀: وكان يحضر مجالسي بالقُدْس وبجامع دمشق، فيبكر، ويقعد عند المنبر الذي عند باب المشهد بين العامة، ولما رَجَعَ من الحجِّ في سنة إحدى عشرة وست مئة
стр. 10629
حضر مجلسي بجامع دمشق، فأنشدتُ قصيدًا لجدِّي، أَوَّلها: [من الطويل]
سلامٌ على الدَّار التي لا نزورُها … على أَنَّ هذا القلب فيها أسيرُها
إذا ما ذكرنا طِيبَ أيامنا بها … تَوَقَّدَ في نَفْسِ المشوقِ سعيرُها
رحلْتُمْ وفي سِرِّ الفؤادِ ضمائرٌ … إذا هَبَّ علويُّ الصَّبا يستثيرُها
أتنسى رياضَ الغَوْرِ بعد فِراقِها … وقد أخذ الميثاقَ منكَ غديرُها
مَحَتْ بعدكُمْ تلك العيونُ دموعَها … فهل من دُموعٍ بعدها نستعيرُها
تجعِّدُهُ مرَّ الشمالِ وتارةً … تغازله كَرُّ الصَّبا ومرورُه
ألا أَيُّها الرَّكْبُ الحجازيُّ بَلِّغوا … رسالةَ محزونِ جَوَاهُ سطورُها
إذا كَتَبَتْ أنفاسُهُ بعضَ وَجْدِهِ … على صَفْحة الذِّكْرى محاه زفيرُها
إلى هنا لجدِّي. قلتُ: [من الطويل]
سقى الله أيامًا مَضَتْ ولياليا … تَضَوَّع رَيَّاها وفاحَ عبيرُها
لياليَ بِتْنا نَجْتلي للمُنَى بها … عرائسَ حبَّاتُ القلوبِ مهورُها
فيا حبَّذا جَنَّاتُها وهْيَ غضَّةٌ … ويا حبَّذا من سائر النَّاس حُورُها
ويا حبَّذا للنَّفْس والعِيس عَزْمةٌ … يكون إلى عيسى المليكِ مصيرُها
هو الشَّمْسُ إنْ غابتْ ففي كلِّ ناظرٍ … يقينٌ وعِلْمٌ أَنْ سيشرقُ
تجلَّتْ به الدُّنيا وطالت بفَضْلِهِ … وإحسانِهِ أجيادُها وصدورُها
له حَقُّها إذْ كان عالمَ سِرِّها … وللنَّاس منها زُورُها وغُرورُها
كريمٌ إذا ما جئتَ ترجو أياديًا … له فاضَ مِنْ قبلِ السُّؤالِ غزيرُها
فما تُدْركُ الأشعارُ بعضَ صفاتِهِ … ولو حاكها بشَّارُها وجريرُها
لِيَهْنِك يا عيسى مساعٍ تضاعَفَتْ … لديكَ بإجزاءِ الإله أجورُها
سَبَقْتَ بها الزُّهَّاد إذ طُويتْ بها … لك الأرضُ في شِبْرٍ وهانَ عَسِيرُها
وقفتَ بها للحجِّ وقْفَتَك التي … وقفتَ ونارُ الحربِ بادٍ سعيرُها
وكنت إمامَ المَوْقِفَين عظيمةٌ … مساعيك عند الله جَمٌّ غفيرُها
فلا زلتَ تكسو الدِّين حُسْنًا ورَوْنَقًا … وتُوضحُ مخفيَّاتِهِ وتنيرُها
ودانتْ لك الدُّنيا ودُمْتَ مليكَها … ولا رجعتْ إلا إليكَ أمورُها
стр. 10630
ولما قلتُ: وكنتَ إمام الموقفين عظيمة مساعيك، وعنيت موقف الجهاد والحج بكى، وقال: مَنْ أنا حتى يكون لي مساعٍ؟ وزاد بكاؤه، فخفتُ عليه لا يفتضح بين العامة، فقلتُ: لا ينسى الله لك مواقفك في رضائه، وسهرك الليالي في جهاد أعدائه.
ذِكْرُ ما بنى [من المدارس وغيرها] (١):
بنى مدرسةً بقاسيون، ودفن فيها والدته، وأخاه المغيث، ومدرسةَ القُدْس، ودار المضيف، واعتنى بأرضِ الحجاز، فبنى حَمَّامين بمعان للرِّجال والنِّساء، وأقام لهم الضيافة عند رواحهم إلى مكة ومجيئهم، وأباحهم الحمامين، وذَرَعَ طريق الحجاز من باب الجابية إلى مكة، وحفر البرك والمصانع، وأوقف على ذلك ضياعًا من السَّاحل وعلى المدارس، ولو عاش لسار النَّاس إلى مكة بغير دليل، [وكان قد حجَّ في سنة إحدى عشرة على طريق تبوك والعُلا، ففعل ما ذكرناه في طريقه،] (١) وكانت العُلا لبني صخر، وهي قلعة، فأخذها منهم، ورتَّب فيها جماعة، وعَمَرَ المساجد عند جعفر الطَّيَّار ﵁، وأقام الضِّيافات للزُّوَّار، وبنى سور دمشق، والطارمة التي على باب الحديد، والطَّيَّارة التي عند باب السِّرِّ المشرفة على دار الطُّعْم العتيقة، وبنى الخان على باب الجابية، وبنى الدَّار والقصر والقَيسارية، وغير ذلك.
ذِكْرُ ثناء الخلفاءِ والملوكِ عليه:
لما قدم [خالي] (١) محيي الدين بن الجوزي عليه سنة ثلاثٍ وعشرين وست مئة، قال [لي] (١): قد أُمرت من الدِّيوان ألا أخاطبه إلَّا بشهريار الشَّام، وهو الملك.
[(٢) ولما اجتمعت بالملك الظاهر في سنة اثنتي عشرة وست مئة قال لي:] والله هو واسطة العقد، وعين القلادة، ولولا هِمَّتُه، وأَنَّه مشغولٌ بجهاد الأعداء لما فَرَّ لي بحلب قرار.
وكان الملك الكامل (٣) يقول: وهل أنبت الشَّعْر على رؤوسنا إلا الملك المعظم، [وقال لي الكامل في مصر:] (١) ومن حفظ عليَّ البلاد، وأحياني بعد الموت غيره. يشير إلى نوبة ابنِ المَشْطوب.
стр. 10631
وكان الأشرف يقول: الله بيني وبين الساعة التي ولدت فيها. ومعناه أَنَّه ولد قبل المعظم بليلةٍ أو أكثر، فكان يقف في خدمة العادل فوق المعظم على ما جرت به عادتُهم في كبر السِّنِّ.
ذِكْرُ طَرَفٍ من شجاعته: قد ذكرنا أنه [التقى بالفرنج على القيمون، وقتل منهم مئة فارس، وأسر منهم مئة فارس، ودخل بهم القدس منكسة أعلامهم، و] (١) كسر الفرنج غير مَرَّة، وأخرب قيسارية [والنقر ودعوق] (١) وحصونًا كثيرة في السَّاحل، وكان بالغَوْر حرامي يقال له: قنديل، معه مئةُ رجل، فكان يقطع الطَّريق بين بَيسان وأريحا.
قال المصنف: فحكى لي المعظم، قال: بلغني أَنَّ الفرنج قاصدين القُدْس، فخرجتُ من دمشق بعد الظُّهر، وما معي غير ركبدار وقلاوز مملوكي، وقلتُ للجماعة: اتبعوني، وسقتُ، فبتُ بالمطوق، وقمتُ في الليل، فأصبحت ببَيسان، فتغديت، وساق معي والي بَيسان، وأُنسيت قنديل، فسقتُ أريد أريحا، فبينا أنا في غدرة بَيْسان، وإذا بقنديل قد خرج، ومعه رجاله، ولم يكن معي عشرة خيالة، فوقفتُ وصحت فيه: والكْ أنت قنديل؟ قال: نَعَمْ. وبيده قوس، لو ضرب سهمه في الجبل لنفذ فيه، فقلتُ لبعض المماليك: انزل إليه، فنزل، فقلتُ: اكتِفْهُ بوتر قوسه، فكتَّفَه، وانهزمَ أصحابه، وأخذتُ وتر القوس بيدي، وسقتُ إلى قراوى، وهو ساكتٌ، فالتقاني رؤساء قراوى وهو معي، فخافوا، ونزلتُ عندهم، وقلتُ لهم: هذا برؤوسكم، ما أعرفه إلا منكم في القُدْس. ونمتُ عندهم إلى السَّحَر، وركبتُ، فدخلتُ القُدْس، وكانت عادته أن يبيت من دمشق إلى القدس في الطريق ليلة واحدة وبعض أخرى، فلما كان من الغد جاؤوا وهو معهم، فقلتُ: [اخرجوا و] (١) اشنقوه. وكان شابًّا مليحًا شجاعًا، فقال: يا خوند، عوض ما تشنقني ما تستبقيني أحمي بلادك، وأجاهد الكُفَّار بين يديك؟ [قال:] (١) فرقَّ له قلبي، وخلعتُ عليه، واستحلفته، وأطلقته، فنزل الغَوْر، فأقام فيه الخفراء، فأمنَتِ الطرق، وحُفظت الأموال، ولما نزلتِ الفرنجُ على الطّور جاهدهم جهادًا عظيمًا، وحفظ الباب، فلما رأى الغلبة خرج إليهم، فقتل منهم جماعةً، ثم استشهد، [﵀] (١).
стр. 10632
ذِكْرُ أولاد المعظم:
[كان له ثلاثة أولاد من الذكور] (١) النَّاصر داود، والمغيث عبد العزيز، والقاهر عبد الملك، ومن البنات تسع، وقيل: إحدى عشرة.
السنة الخامسة والعشرون وست مئة
فيها نزل جلال الدين الخوارزمي على خِلاط مرَّةً ثانية، وهَجَمَ عليه الشِّتاء، فرحل عنها إلى أذربيجان، وخرج الحاجب علي من خلاط بالعسكر، فاستولى على خُوَي وسَلَمَاس ونَقْجوان، وتلك النَّواحي، وأخذ خزائن الخوارزمي وعائلته، وعاد إلى خلاط، فقيل له: بئس ما فعلتَ، وهذا يكون سببًا لهلاك العباد والبلاد. فلم يلتفت.
وفيها نجزت مدرسة الركن الفلكي بقاسيون، وذكر فيها ملك شاه الدرس.
ووصل عماد الدين بن الشيخ من مِصْر، ومعه ابن جلدك بالخِلَع والتقليد إلى الملك الناصر داود، وأقام ابن الشيخ بدمشق.
وفي ربيع الأول كانت الوقعة على باب صور بين العزيز عثمان وصارم الدين التِّبْنيني والفرنج، كمنوا لهم قريبًا من صور، فلما تعالى النهار خرج الفارس والرَّاجل بأغنامهم ومواشيهم، وخرج عليهم المسلمون، فقتلوا وأسروا منهم سبعين فارسًا، وساقوا الجميع، ولم يسلم من الفرنج سوى ثلاثة أنفس، [وكانت وقعة عظيمة] (١).
وحجَّ بالنَّاس من الشَّام علي بن السَّلَّار.
وفيها توفي
عبد الرحيم بن علي (٢)
ابن إسحاق بن شِيث القاضي، جمال الدين، القُرشي، العالم الفاضل.
كأنَّ الله تعالى قد جَمَعَ له بين الفَضْلِ والمروءة، والكرم [والفتوة] (١)، والإحسان إلى الخَلْق، ما قصده أحد في شفاعةٍ فردَّه خائبًا، وكان يمشي بنفسه مع النَّاس في قضاء
стр. 10633
حوائجهم، وكان كثيرَ الصَّدقات، واسعَ المعروف، غزير الإحسان، وكان القاضي الفاضل يحتاج إليه في عِلْم الرَّسائل، وكان إمامًا في فنون العلوم [من المنظوم والمنثور] (١)، مات له ولدٌ صغير، فخرج في جنازته يبكي ويقول: [من مجزوء الرمل]
ما الذي أطمعُ في الدُّنـ … ـيا وقد فارقتُ بعضي
هكذا تنفلتُ الدُّنـ … ـيا من الأيدي وتمضي
قال المصنف ﵀: كتبتُ إليه كتابًا أتشوَّق إليه فيه، فكتب جوابًا بخطِّه: [من البسيط]
وافى كتابُك وَهْوَ الرَّوْضُ مُبْتسمًا … عن ثَغْرِ دُرٍّ طفا مِنْ بحرك الطَّامي
وكان عنديَ كالماءِ الزُّلال وقد … تناولَتْهُ يمينُ الحائمِ الظَّامي
لله نفحةُ فَضْلٍ منه رحتُ بها … نشوانَ أسحبُ أذيالي وأكمامي
يا يوسفَ الفَضْلِ إني بعد فُرْقتنا … يعقوبُ أرجو بشيرًا لي بإلهامي
وما كتابُكَ لي إلا القميصُ إذا … وافى نفى عن جفوني دَمْعَها الهامي
ورد الكتاب الفلاني لا زال سحائب بركاته يحيي النفوس بعد موتها، وهِمَّته العالية تنيل بالهمم شوارد المطالب بعد فوتها، وأياديه تجيب الآمال قبل رفع صوتها، فتلقاه قائمًا، وقام بحقِّه وكان عاجزًا لنفسه لائمًا، وأكبَّ على عنوانه مقبِّلًا، وأطلق به خاطره الذي كان الوجد له مقيدًا ومكبلًا، وافتتحه كما يفتتح عن الأزهار أكمامها، وشاهد منه الجواهر التي رقَّ نثارها وراق نظامها، وتمثل منه جنة على الله تحيتها وسلامها، فشكر الله لتلك الأنامل التي هي بحار الفَضْل، هذه الجواهر الشَّفَّافة الجامعة بين الجزالة واللَّطافة، وابتهج بما دَلَّ عليه من سلامة سيدنا أدامها الله وأكملها، واستأنف الأدعية التي ما أَخَّر وظائفها قَطُّ ولا أهملها. وذكر كلامًا آخر.
وله تصانيفُ كثيرة، ورسائل وأشعار [لطيفة] (١)، وكانت وفاته بدمشق سابع المحرَّم، ودفن بقاسيون، وكان [سبب وفاته أنه كان] (١) محترمًا عند المعظم مُكَرَّمًا، وقد جعل له راتبًا يقوم بأَوَده، فلما مات المعظم قطع [ذلك] (١) الرَّاتب، [الذي كان بصدده] (١) ووقع التقصير في حَقِّه، وكانت له نفس شريفة، وهِمَّة عالية [منيفة] (١)،
стр. 10634
فمرض أيامًا، ثم أسكت، [فبلغني أنه] (١)، سأل الله أن يريحه من الدنيا، فاستجاب دعاءه، [وسمع نداءه] (١) ﵀.
وفيها توفي الشَّريف البهاء الكاتب، وشمس الدين القواس.
السنة السادسة والعشرون وست مئة
في صفر ولَّى الملكُ النَّاصر محيي الدِّين يحيى بن الزكي قضاء القضاة بدمشق، وقرأ عهده بهاء الدين بن أبي اليُسْر [بالكلاسة] (١).
وفيها أعطى الكامل بيت القدس للإنبرور، ووصل [الإنبرور] (١) إلى يافا، وخرج الكامل من مِصْر، فنزل تل العجول، وكان النَّاصر داود قد بعث الفخر بن بصاقة إلى الأشرف يستدعيه إلى دمشق، فوصل إلى النَّيرب، ونزل ببُسْتانه، وكان عز الدين أيبك قد أشار على النَّاصر بمداراة الكامل، وقال [له: لا] (١) تبعثْ إلى الأشرف وداو الأخطر. فخالفه، وقال الأشرف للنَّاصر: أنا أمضي إلى الكامل، وأصلح حالك معه. ومضى إليه، فوجده قد دفع القدس إلى الإنبرور، فشقَّ عليه، ولام الكامل، فقال: ما أحوجني إلى هذا إلا المعظم. أشار إلى أَنَّ المعظم أعطى الإنبرور من الأردن إلى البحر، وأعطاه الكامل الضِّياع التي من باب القُدْس إلى يافا وغيرها، ولما اجتمع الأشرف والكامل اتَّفقا على حصار دمشق، ووصلت الأخبار بتسليم القُدْس إلى الفرنج، فقامت القيامة في بلاد [الإسلام، واشتدت العظائم بحيث إنه] (١) أقيمت المآتم.
قال المصنف: وأشار الملك النَّاصر داود بأن أجلس بجامع دمشق، وأذكر ما جرى [على البيت المقدس، فما أمكنني مخالفته، ورأيت من جملة الديانة والحمية للإسلام موافقته] (١)، فجلستُ [بجامع دمشق] (١) وحضر النَّاصر داود على باب مشهد عليٍّ، وكان يومًا مشهودًا، [لم يتخلف من أهل دمشق أحد] (١) ومن جُمْلة الكلام: انقطعتْ عن بيت المقدس وفود الزَّائرين، يا وَحْشَة المجاورين، كم كان لهم في تلك الأماكن
стр. 10635
من ركعة، كم جَرَتْ لهم على تلك المساكن من دمعة، تالله لو صارت عيونهم عيونًا لما وَفَتْ، ولو تقطَّعت قلوبُهم أسفًا لما شفت، أحسن الله عزاء المسلمين، يا خجلة ملوك المسلمين، لمثل هذه الحادثة تسكب العبرات، لمثلها تنقطع القلوب من الزَّفرات، لمثلها تعظم الحسرات، [وذكر كلامًا طويلًا، وأكثر الشعراء في حديث القدس،] (١) وكان بعض أصدقائي نظم أبياتًا، فاقتضى الحال إنشادها، وهي هذه الأبيات (٢): [من الطويل]
أَعَينَيَّ لا تَرْقَي من العَبَرَاتِ … صِلِي بالبُكا الآصال بالبُكُراتِ
وأَذْرِي دموعًا كالشَّرار يطيره … لهيبُ الحشا من عاصفِ الزَّفراتِ
لعلَّ سيولَ الدَّمْع يُطفئ فَيضُها … تَوَقُّدَ ما في القلب من جمراتِ
ويا فَمُ بُحْ بالشَّجْو منك لعلَّه … يروِّحُ ما ألقى من الكُرُباتِ
على المسجدِ الأقصى الذي جَلَّ قَدْرُه … على موطنِ الإخْباتِ والصَّلواتِ
على منزل الأملاكِ والوحي والهُدَى … على مَشْهَدِ الأبدال والبَدَلاتِ
على سُلَّمِ المعراجِ والصَّخْرة التي … أنافَتْ بما في الأرضِ من صَخَراتِ
على عَرْشِ ملك الله في الأرض قبل أَنْ … يرى العَرْشَ والكرسيَّ ذا الدَّرجاتِ
على القِبْلة الأُولى التي اتَّجهتْ لها … صلاةُ البرايا في اختلافِ جهاتِ
على خيرِ معمورٍ لأكرمِ عامرٍ … وأشرفِ مبنيٍّ لخيرِ بُناةِ
ومعمار داود ذو الأَيد وابنه … سليمان ربّ المُلْك والزّلفاتِ
عفا المسجدُ الأقصى المباركُ حَوْله الرَّ … فيعُ العمادِ العالي الشُّرفاتِ
عفا بعدما قد كان للخير مَوْسمًا … وللبِرِّ والإحسانِ والقُرُباتِ
يوافي إليه كلُّ أشعثَ قانتٍ … لمولاه بَرٌّ دائمُ السَّجداتِ
خلا من صلاةٍ لا يَمَلُّ مقيمُها … تُوَشَّحُ بالآياتِ والسُّوَرَاتِ
خلا من جسومٍ بالعبادة نُحَّلٍ … ومن أَوْجُهٍ بالخوفِ مُمْتَقِعاتِ
خلا من عيونٍ شُرَّهٍ ببكائها … وأفئدةٍ من رَبِّها وَجِلاتِ
стр. 10636
خلا من أنين النَّادمين على الذي … بدا منهمُ من سالفِ الفرطاتِ
خلا من صلاة العارفين لربهم … وتسبيحهمْ في حالك السُّدَفاتِ
لتبك على القدس البلادُ بأَسْرِها … وتعلنُ بالأحزان والتَّرَحاتِ
ويلبسن أثوابَ الحِداد تأسُّفًا … يرحن بها ما عشن متشحات
فقد كُنَّ منه في خفارة رحمةٍ … زمانًا من الأسواء محتمياتِ
لِتَبْكِ عليه مكة فَهْيَ أُخته … وتشكو الذي لاقت إلى عرفاتِ
لِتَبْكِ على ما حَلَّ بالقُدْس طيبة … وساكنها المدفون في الحُجُراتِ
لعلَّ رسولَ الله يسألُ رَبَّه … تداركها من هذه الهلكاتِ
لِتَبْك بلادُ الشَّام للقُدْس خاصَّة … وتصبحُ من أمثالها حَذِراتِ
لقد طَرَقَ الإسلام يا حار بغتةً … وشَرُّ البلايا طارقُ البغتاتِ
لقد هدموا مجدَ الصَّلاح بهدمه … وقد كان مجدًا باذخ الغُرُفاتِ
وقد أخمدوا صوتًا وصيتًا أثاره … لهمْ عُظْمُ ما نالوا من الغَزَواتِ
أما عَلِمَتْ أبناءُ أيوبَ أَنَّهمْ … بمَسْعاتِهِ عُدُّوا من السَّرَواتِ
وأنَّ افتتاحَ القُدْس زهرةُ مُلْكهمْ … وهل ثمرٌ إلا من الزَّهَراتِ
فمن لي بنُوَّاحٍ يَنُحْنَ على الذي … شَجَانا بأصواتٍ لهنَّ شُجَاةِ
يُرَدِّدْنَ بيتًا للخُزَاعيِّ قاله … يُؤَبِّنَّ فيه خِيرَةَ الخِيَرَاتِ
مدارسُ آياتٍ خَلَتْ من تِلاوةٍ … ومَنْزِلُ وَحْي مُوْحِشُ العَرَصاتِ
من أبيات.
وأكثر الشعراء في ذلك، وحكي أَنَّ فقيرًا بات بالقدس، فسمع قائلًا يقول في الليل: [من الخفيف]
إنْ يكنْ بالشَّآمِ قَل نصيري … وتهدَّمْتُ ثُمَّ دامَ هلوكي
فلقد أصبح الغداةَ خرابي … سمةَ العارِ في حياةِ الملوكِ
ومضى عز الدين أيدمر إلى الكامل من نابُلُس، وكان النَّاصر قد أهانه، فأعطاه عشرين ألف دينار، وغرَّقه بالإنعام، وكذا العزيز، وكان الكامل قد عَزَمَ على العَوْد إلى
стр. 10637
مِصْر، فقال: قد جاءني مفتاح الشَّام. وسار إلى دمشق، [(١) ونمي (٢) إلى الأشرف والكامل أني قد أفتيت بقتالهما على المنبر، فأرعدا وأبرقا، وتواعدا عليَّ (٣) وتهدَّدا، ولذكر الله أكبر، فتوكلت على الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، واعتمدت عليه، ومن يعتمد عليه يصفو له شربه، وأحيط بدمشق من كل جانب]، وحَلَّ بها من الخراب والفساد والعجائب، وقبض النَّاصر على الفخر بن بصاقة، وابن عمه المكرم، وقيدهما ورماهما في الجُبِّ، واستأصلهما، وكان قد اتَّهم الفخر بالأشرف، وأنه لما مضى إليه في الرِّسالة واطأ على النَّاصر، وقال: هذا صبيٌّ لا يصلح للملك، وأنت أَوْلى، [(٤) فبلغني أنهما] تعاتبا في الجُبِّ، فقال الفخر للمكرم: بعد الأمر والنهي والجاه أصارنا الدَّهر إلى الحبوس والقيود، فسبحان مزيل النعم! فقال له المكرم: سبحانك! أي: أنت كنتَ السبب.
وفيها دخل الإنبرور إلى القُدْس، والحصار على دمشق، [وجرى له عجائب، منها أَنَّه] (٥) لما دخل الصخرة رأى قسيسًا قاعدًا عند القدم، يأخذ من الفرنج القراطيس، فجاء إليه كأَنَّه يطلب [منه] (٥) الدعاء ولكمه، فرماه إلى الأرض، وقال: يا خنزير، السُّلْطان تصدَّق علينا بزيارة هذا المكان تفعلوا فيه هذه الأفاعيل! لئن عاد دخل واحد منكم على هذا الوجه لأقتلنه. [وحكى صورة الحال قوام الصخرة، قالوا] (٥)، ونظر إلى الكتابة التي في القُبَّة: وقد طَهَّر هذا البيت المقدَّس صلاحُ الدين من المُشْركين. فقال: ومَنْ هم المشركون!
وقال للقوام: هذه الشِّباك التي على أبواب الصَّخرة من أجل أيش؟ قالوا: لئلا تدخلها العصافير. فقال: قد أتى الله إليها بالخنازير.
стр. 10638
[قالوا] (١): ولما دخل وقت الظهر، وأَذَّن المؤذن قام جميعُ مَنْ كان معه من الفَرَّاشين والغِلْمان ومعلمه -وكان من صِقِلِّية يقرأ عليه المنطق- فصلُّوا، وكانوا مسلمين.
[قالوا] (١): والظَّاهر من كلام الإنبرور أَنَّه كان دهريًّا، وإنما كان يتلاعب بالنَّصْرانية.
[قالوا] (١): وكان الكامل قد تقدَّم إلى القاضي شمس الدين قاضي نابُلُس أن يأمر المؤذنين ما دام الإنبرور بالقُدْس لا يصعدوا المنابر، وإنما يؤذنوا في الحرم، فأنسي القاضي أن يُعْلم المؤذنين، فصعد عبدُ الكريم المؤذن في تلك الليلة وقت السَّحر، والإنبرور نازل في دار القاضي، فجعل يقرأ الآيات التي تختصُّ بالنصارى مثل قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ٣٤] ونحو هذا، فلما طلع الفجر استدعى القاضي عبدَ الكريم وقال له: أَيش عملت؟ السُّلْطان رسم كذا وكذا. قال: ما عَرَّفتني والتوبة. فلما كانت الليلة الثَّانية ما صعد [عبد الكريم المئذنة] (١)، فلما طلع الفجر استدعى الإنبرور القاضي، وكان قد دخل القدس في خدمته، وهو الذي سلَّمه إليه، فقال له: يا قاضي، أين ذاك الرجل الذي طلع بارحة أمس المنارة وذكر ذاك الكلام؟ فعَرَّفه أَنَّ السلطان أوصاه. فقال الإنبرور: أخطأتم يا قاضي، تغيرون شعاركم وشرعكم ودينكم لأجلي! فلو كنتم عندي في بلادي هل كنت أبطل ضرب النَّاقوس لأجلكم؟ الله الله لا تفعلوا، هذا أول ما تنقصون عندنا. ثم فَرَّق في القوام والمؤذنين والمجاورين جملة، أعطى كلَّ واحد عشرة دنانير، ولم يقم بالقُدْس سوى ليلتين، وعاد إلى يافا، وخاف من الدَّاوية، فإنهم عزموا على قَتْله، وكان أشقر أمعط، في عينيه ضعف، لو كان عبدًا ما ساوى مئتي دِرْهم.
وفيها اشتدَّ الحصار على دمشق، فألجأتِ الضرورة أَنَّ النَّاصر خرج إلى [عمه] (١) الكامل، وأعطاه الكَرَك وعجلون والصَّلت ونابُلُس والقدس والخليل، وأخذ منه الشوبك، وسلَّم إليه دمشق، [وكان نزوله على دمشق] (١) في ربيع الآخر من هذه السنة، وتسلمها غُرَّة شعبان، أقاموا عليها أربعة أشهر، وسَلَّم الكاملُ دمشق إلى الأشرف.
стр. 10639
ونزل الخوارزمي على خِلاط، وضايقها، وأقام عليها إلى السنة الثانية، ونزل عليه الثلج، وحفروا سرابًا له ولأصحابه، ولم يزل حتى أخذها عنوة في السنة الآتية.
وسار الكامل إلى حماة، فحصرها، وأخذها من النَّاصر قليج رسلان، وأعطاها لمحمود بن المنصور، ولقبه المُظَفَّر، وكلاهما ابنا أُخته.
وسار النَّاصر داود إلى الكَرَك، وكان قد بكى بين يدي الكامل على الشَّوْبك، فقال الكامل: أنا ما لي حصن يحمي رأسي، وَهَبْ أنك وهبتني إياه. فسكت.
وأقام الأشرف بدمشق، فدخل عليه ابنُ عُنَين، فلم ير منه ما كان يعهده من مجالس المعظم، [وما كان يجري فيها من الهنات، وقذف المحصنات، فإنَّ ابن عنين كان هجاءً، خبيث اللسان،] (١) فَشَرَع فيما كان يفعله، فنهاه الأشرف، وقال: ما مجالسي كما عهدت، يكفيني ما أنا فيه حتى أضيف إليه ثلب [أعراض] (١) المسلمين! فخرج من عنده، [وكان شاعرًا لبيبًا كثير الكلام، فأخذ يصنف هجاءه، وقد] (١) عمل فيه: [من الطويل]
وكنا نرجِّي بعد عيسى محمدًا … لينقذنا من شِدَّة الضُّرِّ والبَلْوى
فأوقعنا في تِيه موسى كما ترى … حيارى فلا مَنٌّ لديه ولا سَلْوى (٢)
وبلغ الأشرف، فقال: هذا الملعون، إذا لم يكن عندي مَنٌّ ولا سلوى، فعند مَنْ! وأمر بقَطْعِ لسانه، فدخل على جماعة، وحلف أنه ما قال هذا. فقال الأشرف: هذا ما أفلت من لسانه أحد، ولا بُدَّ من قطعه. فهرب إلى بلاده ازرع وحوران، وسكت الأشرفُ عنه.
وفيها توفي
أقسيس (٣)
الملك المسعود بن الكامل، صاحب اليمن.
بلغه موت المعظم [في سنة خمس وعشرين وست مئة] (١)، فطمع في الشَّام، فتجهَّز من اليمن بجهاز لم يسبقه إليه أحدٌ من الملوك، ونادى في بلاد [اليمن في] (١) التُّجَّار:
стр. 10640
من أراد صحبة السُّلْطان إلى الدِّيار المِصْرية، فليتجهز. فجاء التُّجَّار من الهند بأموال الدُّنيا والأقمشة والجواهر، فلما تكاملتِ المراكب بزبيد جَمَعَ التجار، وقال: اكتبوا لي بضائعكم وما معكم لأحميها من الزكاة والمؤن. فكتبوها له، فصار يكتب لكلِّ تاجرٍ برأس ماله إلى بعض بلاد اليمن، وششولي على ماله، ففعل بالجميع كذا، فاجتمعوا، فاستغاثوا، وقالوا: نحن قد جئنا من بلدان شتى، وفينا مَنْ أهله بإسكندرية والقاهرة ومِصْر والشَّام والرُّوم، ولنا مُدَّة سنين [ونحن بعيدون] (١) عن أهلنا، وقد اشتقنا إليهم، فخُذْ أموالنا، وأَطْلِقْنا نروح إلى أهلنا. فلم يلتفت إليهم، وأخذ الجميع [فبلغني أنه كان] (٢) ثَقَلُه في خمس مئة مركب، ومعه ألفُ خادم، ومئة قنطار عنبر وعود ومسك، ومئة ألف ثوب، ومئة ألف صندوق أموال وجواهر، وركب الطريق إلى مكة، ولما وصل بعض الطريق مَرِضَ مرضًا مزمنًا، فما دخل مكة إلا وقد فلج، ويبست يداه ورِجْلاه، ورأى في نفسه العِبر، فلما احْتُضر بعث إلى رجل مغربي بمكَّة، فقال: والله ما أرضى لنفسي مِنْ جميع ما معي كفنًا [أتكفن به] (٣)، فتصدَّق عليَّ بكفن، فبعث له بنصفيتين بغدادي، ومئتي دِرْهم، فكفنوه فيهما، ودفن بالمعلى. وقيل: إنَّ الهواء ضرب بعضَ المراكب، فرجعت إلى زبيد، فأخذها أصحابها. [وبلغني عن الكامل أنه سر بموته] (٤)، ولما جاء خزنداره إليه ما سأله كيف مات، بل قال: كم معك من المال والتُّحف. [وقد ذكرنا ما فعل أقسيس وضربه الحرم بالبندق، فعوقب سريعًا، وضربه القدر ضربًا وجيعًا] (٣).
الحسين بن هبة الله (٥)
ابن محفوظ بن صَصْرى، أبو القاسم، الدمشقي.
стр. 10641
سمع الكثير، وروى الكثير، وتوفي في المحرَّم، ودفن بقاسيون، سمع الحافظ ابن عساكر، وروى عنه جميع ما عنده سوى "التاريخ"، فإنه ما سمع منه سوى ترجمة أبي سليمان الدَّاراني. وكان صالحًا، ثِقَةً.
السنة السَّابعة والعشرون وست مئة
فيها بعث الأشرف أخاه الصَّالح إسماعيل، فحصر بعلبك، وضربها بالمجانيق، وضايقها، وتوجَّه إليها الملك الأشرف، وكانوا قد ضربوا بيت الماء الذي للأشرف قريبًا من الشيخ عبد الله اليونيني ﵀، فقامت قيامةُ الأشرف، وضرب الفَرَّاشين، وطَرَدهم، وضرب خيمته ناحية، ودخل الصَّفي بن مرزوق بين الأشرف والأمجد صاحبها واتفقوا، وأخذوها منه، وجاء، فأقام بدمشق بداره.
وفيها أخذ خوارزم شاه خِلاط بعد أن أكلوا الميتات والجيف، وبيعت قطعة من جلد بألف دِرْهم، فلما كان في جمادى الأُولى زحف عليها من كلِّ جانب، ونَصَبَ المجانيق، وطَمَّ الخنادق، وكان قد أقام عليها عشرة أشهر، فدخلها بالسَّيف، فنهبها، وهَتَكَ نساءها، وأخذ مجير الدين وتقي الدين ابني العادل وكانا بها، وأخذ الكُرْجية زوجة الأشرف، ودخل بها من ليلته، وكان عز الدين أيبك قد خنق الحاجب علي ومماليكه مع الخوارزمي، فقالوا له: هذا قتل أستاذنا. فقال: اقتلوه. فقتلوه، وبلغ الأشرف وهو بدمشق والكامل بالرَّقَّة، فخرج من دمشق، وجاء إلى الرقة، وكَتَبَ صاحبُ الرُّوم كيقباذ إلى الأشرف، يقول: هذا يستولي على البلاد، والمصلحة أن تجيء إلى عندي، فعندي المالُ والرِّجال، فشاور الكامل، فقال: مصلحة. وقطع الكاملُ الفرات إلى ناحية مِصْر في سبعة آلاف مقاتل، وليس له عدو، وسار الأشرف إلى حَرَّان في سبع مئة فارس وعدوُّه الخوارزمي، فأقام بحرَّان، وكتب إلى حلب والمَوْصِل والجزيرة، فجاءته العساكر، فرحل يريد الروم، ومعه من المقدَّمين أخواه شهاب الدين غازي، والعزيز عثمان، والجواد، وشمس الدين صواب والأمراء، واجتمع [الأشرف] (١) بصاحب الروم، وبلغ خوارزم شاه، فسار إليهم، فوقع في طريقه
стр. 10642
بسبعة آلاف من الروم جاؤوا نجدةً لصاحب الروم، وقد نزلوا في مرج يستريحون، فقتلهم.
وحكى [لي الأمير] (١) عماد الدِّين بن موسك صورة الحال، فقال: لما وصلنا إلى الروم خرج عسكر أَرْزَنكان نجدةً لنا، وكانوا في اثني عشر ألفًا، فنزلوا في مرج، ورموا سلاحهم، وسيَّبوا دوابهم ترعى، ولم يعلموا بمسير الخوارزمي، فمرَّ بهم في طريقه فقتلهم وأسرهم، ولم يفلت منهم إلا اليسير، وكان في خامس عشرين رمضان نهار الأربعاء، فضعفت قلوب العساكر، وخافوا، وأقمنا مكاننا إلى عشية الخميس، فوصل الجاسوس، وأخبر أَنَّ العدو يصبحنا يوم الجمعة، فرتبنا الأطلاب الجاليشية في الأول، ثم بعدهم العرب، وبعدهم الحلبيون، ثم صواب، ثم الجواد، ثم العزيز، ثم شهاب الدين، ثم تبعهم أطلاب الروم، وصاحب الروم في طُلْب الخاص، والأشرف في طُلْب الخاص أيضًا، وكنَّا في أرض وَعْرة، فخرجنا إلى وطأة، وإذا بطلائع خوارزم شاه، فأخذ العرب منهم مئة فارس، وقتلوا مئة، ولم يتقدَّموا إلينا، ونزلوا ونزلنا، [وبيننا] (١)، وبينهم جبل، والى جانبه وادٍ عظيم، وخفنا خوفًا شديدًا، وليس معنا زاد ولا ماء ولا علف لدوابنا، وقال الأشرف: ما نحشر إلا من تحت حوافر خيولنا، أين المفر؟ فلما كان وقت السحر قبيل طلوع الفجر أمر خوارزم شاه بمن بقي من عسكر أرزنكان، وكانوا خمس مئة، فضرب رقابهم، فلما كان بكرة السبت ثامن عشرين شهر رمضان قطعوا إلينا الوادي، ووقف الخوارزمي على رأس الجبل، وسنجقه في الوادي، ووقع القتال، وأرسل الله ضبابًا، فلم يَرَ أحدٌ كفَّه، ونصرنا الله عليهم، فانكسروا، ووقع معظمهم في الوادي من الضباب، وانهزم الخوارزمي، ووقع العسكرُ في أصحابه قَتْلًا وأَسْرًا، وتفرَّق معظمهم في الجبال والأودية، فقاتل الرُّوم قتالًا شديدًا، وكان من وقع من رأس الجبل إلى الوادي أكثر، فأصبحوا بين قتيلٍ وأسير، وغَنِمَ النَّاس أموالهم وخيلهم وسلاحهم، وامتلأتِ الجبالُ والأودية منهم، وشبعت الطيور والوحوش من دمائهم ولحومهم، وقال الأشرف للرومي: لابُدَّ لي من خِلاط. فأعطاه ولأصحابه وإخوته وجميع الأعيان من الأموال والخِلَع والثِّياب والخيل
стр. 10643
والتحف ما قيمته ألفا ألف دينار، ورجع الرُّومي إلى بلاده، وجَرَّد مع الأشرف بعض عسكره، وسار الأشرف فنزل أرزن الروم، وكان صاحبها قد صار مع الخوارزمي، فأخذها منه، وبعث به إلى صاحب الروم، وسَلَّم أرزن إلى نواب صاحب الروم، وسار إلى خلاط، [ولما وصل الخوارزمي إلى خلاط] (١) أخذ جميع ما كان له فيها، والكُرْجية، ومجير الدين وتقي الدين، ونزل أَرْجيش، وجاء الأشرف، فنزل خِلاط، وسار خلف الخوارزمي، فأبعد عنه، وتراسلا، واصطلحا على أن يطلق الخوارزمي مَن عنده من الأسارى، فأطلق مجير الدين وتقي الدين، ولم يطلق الكرجية، وعاد الأشرف إلى دمشق مستهل ربيع الآخر سنة ثمان وعشرين وست مئة، فأقام شهرًا، وطلع إلى أخيه الكامل بمصر.
[(٢) قلت: ومن العجائب أنه كان لي عادة أن أجلس الثلاثة أشهر بجامع دمشق، فلما كان يوم السبت ثامن عشرين رمضان اليوم الذي التقى فيه الخوارزمي نهار الضباب، وكان آخر مجالسي بجامع دمشق، وحضر الصالح إسماعيل، وكان نائب الأشرف بدمشق، فقال الصالح -وكان بالقبة- لنجم الدين بن سلام: قل للشيخ يدعو للسلطان بالنصر، فأشار إليَّ فدعوت، وأمَّن الجماعة، فثار [في ساعة الدعاء] (١) ضبابٌ عظيم، وغشي أهل المجلس ما غَيَّبهم، وغبتُ أنا [أيضًا] (١)، فلما أفقت، قلتُ: نُصِرَ الأشرفُ اليوم، فتعجب الجماعة، فوصل الخبر بعد عشرة أيام بالواقعة على ما ذكرنا، وأَنَّ الضَّباب الذي كان عندنا كان عندهم، وأنهم نُصِروا في السَّاعة التي دعونا فيها.
وفيها استخدم شهاب الدين غازي صاحب مَيَّافارقين العز بن الجاموس، وقدمه على [ديوانه، وأعطاه الكوسات والأعلام، وقدمه على] (١) جماعةٍ، ودُعي بالصَّاحب الأمير، ومكَّنه غازي من البلاد والعباد، فبدا منه من الكبر والجبروت، والظُّلْم
стр. 10644
والعُدْوان [بحيث كان الجلندي الذي يأخذ كل سفينة غصبًا عند كسرى أنوشروان] (١)، وكان غازي قد اقترض من البَدْر بن المسجِّف الشَّاعر لما توجَّه إلى مكة عشرة آلاف دِرْهم، وكتب له بها توقيعًا على أنضِّ الجهات، فمطله ابن الجاموس، وأحاله على جهات منكسرة، [ولقي منه أمورًا عسرة] (٢)، فهجاه بأبياتٍ، وكتب بها إلى غازي، فمنها: [من الطويل]
أبوه الذي أفتى قديمًا بسبِّكُمْ … جهارًا وهذا الابنُ من ذلك الصُّلْبِ
فأَبْعِدْه وُقِّيتَ الرَّدى عن دياركُمْ … وقابِلْه بالإعراضِ والفَتْكِ والصَّلْبِ
فقد قيل بيتًا سائرًا في مثاله … وسارَ مسيرَ الشَّمْسِ في الشَّرْق والغَرْبِ
ومَنْ رَبَطَ الكلبَ العقورَ ببابه … فَعَقْرُ جميعِ النَّاسِ مِنْ رابطِ الكَلْبِ
مات ابنُ الجاموس في هذه السنة، وهي سنة سبع وعشرين بميَّافارقين، فاستولى غازي على تركته [ودوابه وغلمانه] (٢)، ولعنه، وقال: لقد ظلم الرَّعية، ووسخ أعراضنا، فدعوا علينا بسببه. وجاء عمه من دمشق يطلب تركته، فسبَّه غازي، وقال: بأيش جاءني، بيننا أكثر من جُبَّة وبرطوش؟ وأعطى عَمَّه ألف دِرْهم.
وفيها توفي
الحسن بن محمد (٣)
ابن الحسن بن هبة الله، أبو البركات زين الأمناء ابن عساكر، [أخو فخر الدين ابن عساكر.
سمع الكثير، وروى "التاريخ" عن الحافظ، ولي منه إجازة، وكانت وفاته] (٢) ليلة الجمعة سابع عشر صفر، ودفن عند أخيه فخر الدين، قريبًا من مقابر الصوفية.
стр. 10645
الحاجب علي المَوْصلي
كان خصَّاصًا أول [زمانه] (١)، ثم خدم الطُّغْدكيني بدمشق، وكان فقيرًا وأخوه عثمان، قال الزكي النَّحَّاس: كان الطغدكيني يقعد عندي على الدُّكَّان بسوق النَّحَّاسين بدمشق، والحاجب علي يحمل سرموزته وهو قائم، وكان أخوه عثمان يسوق على الدوابِّ من قاسيون إلى دمشق يبيع الحجارة، فكنتُ أقول له: بكم عملت اليوم؟ فيقول: بدرهمين، فتقلَّبَتْ به الأحوال حتى صار الحاجب نائب الملك الأشرف بالشرق وخِلاط، وكان شَهْمًا مِقْدامًا، جَوَادًا، بنى الخانات، ووقف عليها الأوقاف، وكان عادلًا، منصفًا، لا يحابي أحدًا، فكان الأُمراء وأرباب الدولة يخافونه ويتقونه، وكان مهيبًا، وساق خلف الخوارزمي، وأخذ البلاد منه، ونهب عياله، [وقد ذكرناه] (١).
وكان سبب هلاكه أَنَّه لما جاء الأشرف إلى دمشق، واتَّفق مع أخيه الكامل على المقايضة بالشَّرْق بلغ الحاجب، فكتَبَ إلى الأشرف يقول له: الله الله، لا تفعل، وليس هذا مصلحة لوجوه: أحدها: لأَنَّك إنما قطعت الفرات لتنجد ابن أخيك النَّاصر، فإذا أخذتَ منه دمشق، فأيُّ حُرْمة تبقى لك عند الملوك؟ فإن كان قَصْدُك الماء والبساتين والفرجة، فهذه سنجار أصحُّ من دمشق وأطيب، وهي وسط البلاد، والثاني: أَنَّ الخوارزمي معاهد الملك المعظم، وما يتخلَّى عن ولده، وهو قريب منا، ومتى أخذ خِلاط أخذ جميع البلاد. والثالث: أَنَّك اليوم ملك الشَّرْق والشَّام، والخليفة والمواصلة والروم يخدمونك، تصبح مثل الأمراء، تصير تبعًا، وحكمك اليوم على عشرة آلاف فارس، ودمشق ما تقيم بأكثر من أربع مئة فارس. وذكر كلامًا في هذا المعنى، فوقع الكتاب في يد الكامل، فقال: ما كفى الخَصَّاص ما فعل، وأَخْذه لأهلِ الخوارزمي، وفتح علينا بابًا لا نقدر على سدِّه حتى يكتب مثل هذا الكتاب! ثم أمر كاتبه أن يكتب كتابًا إلى خِلاط إلى عِزِّ الدين أيبك مملوك الأشرف بقَتْل الحاجب، وكان أيبك عدوَّه، وبعث بالكتاب إلى الأشرف وقال: عَلِّمْ عليه. فعلَّم عليه، وقال بعد أيام: مسكين الحاجب عليّ كَتَبَ الكامل كتابًا لهلاكه، وعلَّمْتُ عليه.