← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 10641–10680 · переход к 10646.

стр. 10641

سمع الكثير، وروى الكثير، وتوفي في المحرَّم، ودفن بقاسيون، سمع الحافظ ابن عساكر، وروى عنه جميع ما عنده سوى "التاريخ"، فإنه ما سمع منه سوى ترجمة أبي سليمان الدَّاراني. وكان صالحًا، ثِقَةً. السنة السَّابعة والعشرون وست مئة فيها بعث الأشرف أخاه الصَّالح إسماعيل، فحصر بعلبك، وضربها بالمجانيق، وضايقها، وتوجَّه إليها الملك الأشرف، وكانوا قد ضربوا بيت الماء الذي للأشرف قريبًا من الشيخ عبد الله اليونيني ﵀، فقامت قيامةُ الأشرف، وضرب الفَرَّاشين، وطَرَدهم، وضرب خيمته ناحية، ودخل الصَّفي بن مرزوق بين الأشرف والأمجد صاحبها واتفقوا، وأخذوها منه، وجاء، فأقام بدمشق بداره. وفيها أخذ خوارزم شاه خِلاط بعد أن أكلوا الميتات والجيف، وبيعت قطعة من جلد بألف دِرْهم، فلما كان في جمادى الأُولى زحف عليها من كلِّ جانب، ونَصَبَ المجانيق، وطَمَّ الخنادق، وكان قد أقام عليها عشرة أشهر، فدخلها بالسَّيف، فنهبها، وهَتَكَ نساءها، وأخذ مجير الدين وتقي الدين ابني العادل وكانا بها، وأخذ الكُرْجية زوجة الأشرف، ودخل بها من ليلته، وكان عز الدين أيبك قد خنق الحاجب علي ومماليكه مع الخوارزمي، فقالوا له: هذا قتل أستاذنا. فقال: اقتلوه. فقتلوه، وبلغ الأشرف وهو بدمشق والكامل بالرَّقَّة، فخرج من دمشق، وجاء إلى الرقة، وكَتَبَ صاحبُ الرُّوم كيقباذ إلى الأشرف، يقول: هذا يستولي على البلاد، والمصلحة أن تجيء إلى عندي، فعندي المالُ والرِّجال، فشاور الكامل، فقال: مصلحة. وقطع الكاملُ الفرات إلى ناحية مِصْر في سبعة آلاف مقاتل، وليس له عدو، وسار الأشرف إلى حَرَّان في سبع مئة فارس وعدوُّه الخوارزمي، فأقام بحرَّان، وكتب إلى حلب والمَوْصِل والجزيرة، فجاءته العساكر، فرحل يريد الروم، ومعه من المقدَّمين أخواه شهاب الدين غازي، والعزيز عثمان، والجواد، وشمس الدين صواب والأمراء، واجتمع [الأشرف] (١) بصاحب الروم، وبلغ خوارزم شاه، فسار إليهم، فوقع في طريقه

стр. 10642

بسبعة آلاف من الروم جاؤوا نجدةً لصاحب الروم، وقد نزلوا في مرج يستريحون، فقتلهم. وحكى [لي الأمير] (١) عماد الدِّين بن موسك صورة الحال، فقال: لما وصلنا إلى الروم خرج عسكر أَرْزَنكان نجدةً لنا، وكانوا في اثني عشر ألفًا، فنزلوا في مرج، ورموا سلاحهم، وسيَّبوا دوابهم ترعى، ولم يعلموا بمسير الخوارزمي، فمرَّ بهم في طريقه فقتلهم وأسرهم، ولم يفلت منهم إلا اليسير، وكان في خامس عشرين رمضان نهار الأربعاء، فضعفت قلوب العساكر، وخافوا، وأقمنا مكاننا إلى عشية الخميس، فوصل الجاسوس، وأخبر أَنَّ العدو يصبحنا يوم الجمعة، فرتبنا الأطلاب الجاليشية في الأول، ثم بعدهم العرب، وبعدهم الحلبيون، ثم صواب، ثم الجواد، ثم العزيز، ثم شهاب الدين، ثم تبعهم أطلاب الروم، وصاحب الروم في طُلْب الخاص، والأشرف في طُلْب الخاص أيضًا، وكنَّا في أرض وَعْرة، فخرجنا إلى وطأة، وإذا بطلائع خوارزم شاه، فأخذ العرب منهم مئة فارس، وقتلوا مئة، ولم يتقدَّموا إلينا، ونزلوا ونزلنا، [وبيننا] (١)، وبينهم جبل، والى جانبه وادٍ عظيم، وخفنا خوفًا شديدًا، وليس معنا زاد ولا ماء ولا علف لدوابنا، وقال الأشرف: ما نحشر إلا من تحت حوافر خيولنا، أين المفر؟ فلما كان وقت السحر قبيل طلوع الفجر أمر خوارزم شاه بمن بقي من عسكر أرزنكان، وكانوا خمس مئة، فضرب رقابهم، فلما كان بكرة السبت ثامن عشرين شهر رمضان قطعوا إلينا الوادي، ووقف الخوارزمي على رأس الجبل، وسنجقه في الوادي، ووقع القتال، وأرسل الله ضبابًا، فلم يَرَ أحدٌ كفَّه، ونصرنا الله عليهم، فانكسروا، ووقع معظمهم في الوادي من الضباب، وانهزم الخوارزمي، ووقع العسكرُ في أصحابه قَتْلًا وأَسْرًا، وتفرَّق معظمهم في الجبال والأودية، فقاتل الرُّوم قتالًا شديدًا، وكان من وقع من رأس الجبل إلى الوادي أكثر، فأصبحوا بين قتيلٍ وأسير، وغَنِمَ النَّاس أموالهم وخيلهم وسلاحهم، وامتلأتِ الجبالُ والأودية منهم، وشبعت الطيور والوحوش من دمائهم ولحومهم، وقال الأشرف للرومي: لابُدَّ لي من خِلاط. فأعطاه ولأصحابه وإخوته وجميع الأعيان من الأموال والخِلَع والثِّياب والخيل

стр. 10643

والتحف ما قيمته ألفا ألف دينار، ورجع الرُّومي إلى بلاده، وجَرَّد مع الأشرف بعض عسكره، وسار الأشرف فنزل أرزن الروم، وكان صاحبها قد صار مع الخوارزمي، فأخذها منه، وبعث به إلى صاحب الروم، وسَلَّم أرزن إلى نواب صاحب الروم، وسار إلى خلاط، [ولما وصل الخوارزمي إلى خلاط] (١) أخذ جميع ما كان له فيها، والكُرْجية، ومجير الدين وتقي الدين، ونزل أَرْجيش، وجاء الأشرف، فنزل خِلاط، وسار خلف الخوارزمي، فأبعد عنه، وتراسلا، واصطلحا على أن يطلق الخوارزمي مَن عنده من الأسارى، فأطلق مجير الدين وتقي الدين، ولم يطلق الكرجية، وعاد الأشرف إلى دمشق مستهل ربيع الآخر سنة ثمان وعشرين وست مئة، فأقام شهرًا، وطلع إلى أخيه الكامل بمصر. [(٢) قلت: ومن العجائب أنه كان لي عادة أن أجلس الثلاثة أشهر بجامع دمشق، فلما كان يوم السبت ثامن عشرين رمضان اليوم الذي التقى فيه الخوارزمي نهار الضباب، وكان آخر مجالسي بجامع دمشق، وحضر الصالح إسماعيل، وكان نائب الأشرف بدمشق، فقال الصالح -وكان بالقبة- لنجم الدين بن سلام: قل للشيخ يدعو للسلطان بالنصر، فأشار إليَّ فدعوت، وأمَّن الجماعة، فثار [في ساعة الدعاء] (١) ضبابٌ عظيم، وغشي أهل المجلس ما غَيَّبهم، وغبتُ أنا [أيضًا] (١)، فلما أفقت، قلتُ: نُصِرَ الأشرفُ اليوم، فتعجب الجماعة، فوصل الخبر بعد عشرة أيام بالواقعة على ما ذكرنا، وأَنَّ الضَّباب الذي كان عندنا كان عندهم، وأنهم نُصِروا في السَّاعة التي دعونا فيها. وفيها استخدم شهاب الدين غازي صاحب مَيَّافارقين العز بن الجاموس، وقدمه على [ديوانه، وأعطاه الكوسات والأعلام، وقدمه على] (١) جماعةٍ، ودُعي بالصَّاحب الأمير، ومكَّنه غازي من البلاد والعباد، فبدا منه من الكبر والجبروت، والظُّلْم

стр. 10644

والعُدْوان [بحيث كان الجلندي الذي يأخذ كل سفينة غصبًا عند كسرى أنوشروان] (١)، وكان غازي قد اقترض من البَدْر بن المسجِّف الشَّاعر لما توجَّه إلى مكة عشرة آلاف دِرْهم، وكتب له بها توقيعًا على أنضِّ الجهات، فمطله ابن الجاموس، وأحاله على جهات منكسرة، [ولقي منه أمورًا عسرة] (٢)، فهجاه بأبياتٍ، وكتب بها إلى غازي، فمنها: [من الطويل] أبوه الذي أفتى قديمًا بسبِّكُمْ … جهارًا وهذا الابنُ من ذلك الصُّلْبِ فأَبْعِدْه وُقِّيتَ الرَّدى عن دياركُمْ … وقابِلْه بالإعراضِ والفَتْكِ والصَّلْبِ فقد قيل بيتًا سائرًا في مثاله … وسارَ مسيرَ الشَّمْسِ في الشَّرْق والغَرْبِ ومَنْ رَبَطَ الكلبَ العقورَ ببابه … فَعَقْرُ جميعِ النَّاسِ مِنْ رابطِ الكَلْبِ مات ابنُ الجاموس في هذه السنة، وهي سنة سبع وعشرين بميَّافارقين، فاستولى غازي على تركته [ودوابه وغلمانه] (٢)، ولعنه، وقال: لقد ظلم الرَّعية، ووسخ أعراضنا، فدعوا علينا بسببه. وجاء عمه من دمشق يطلب تركته، فسبَّه غازي، وقال: بأيش جاءني، بيننا أكثر من جُبَّة وبرطوش؟ وأعطى عَمَّه ألف دِرْهم. وفيها توفي الحسن بن محمد (٣) ابن الحسن بن هبة الله، أبو البركات زين الأمناء ابن عساكر، [أخو فخر الدين ابن عساكر. سمع الكثير، وروى "التاريخ" عن الحافظ، ولي منه إجازة، وكانت وفاته] (٢) ليلة الجمعة سابع عشر صفر، ودفن عند أخيه فخر الدين، قريبًا من مقابر الصوفية.

стр. 10645

الحاجب علي المَوْصلي كان خصَّاصًا أول [زمانه] (١)، ثم خدم الطُّغْدكيني بدمشق، وكان فقيرًا وأخوه عثمان، قال الزكي النَّحَّاس: كان الطغدكيني يقعد عندي على الدُّكَّان بسوق النَّحَّاسين بدمشق، والحاجب علي يحمل سرموزته وهو قائم، وكان أخوه عثمان يسوق على الدوابِّ من قاسيون إلى دمشق يبيع الحجارة، فكنتُ أقول له: بكم عملت اليوم؟ فيقول: بدرهمين، فتقلَّبَتْ به الأحوال حتى صار الحاجب نائب الملك الأشرف بالشرق وخِلاط، وكان شَهْمًا مِقْدامًا، جَوَادًا، بنى الخانات، ووقف عليها الأوقاف، وكان عادلًا، منصفًا، لا يحابي أحدًا، فكان الأُمراء وأرباب الدولة يخافونه ويتقونه، وكان مهيبًا، وساق خلف الخوارزمي، وأخذ البلاد منه، ونهب عياله، [وقد ذكرناه] (١). وكان سبب هلاكه أَنَّه لما جاء الأشرف إلى دمشق، واتَّفق مع أخيه الكامل على المقايضة بالشَّرْق بلغ الحاجب، فكتَبَ إلى الأشرف يقول له: الله الله، لا تفعل، وليس هذا مصلحة لوجوه: أحدها: لأَنَّك إنما قطعت الفرات لتنجد ابن أخيك النَّاصر، فإذا أخذتَ منه دمشق، فأيُّ حُرْمة تبقى لك عند الملوك؟ فإن كان قَصْدُك الماء والبساتين والفرجة، فهذه سنجار أصحُّ من دمشق وأطيب، وهي وسط البلاد، والثاني: أَنَّ الخوارزمي معاهد الملك المعظم، وما يتخلَّى عن ولده، وهو قريب منا، ومتى أخذ خِلاط أخذ جميع البلاد. والثالث: أَنَّك اليوم ملك الشَّرْق والشَّام، والخليفة والمواصلة والروم يخدمونك، تصبح مثل الأمراء، تصير تبعًا، وحكمك اليوم على عشرة آلاف فارس، ودمشق ما تقيم بأكثر من أربع مئة فارس. وذكر كلامًا في هذا المعنى، فوقع الكتاب في يد الكامل، فقال: ما كفى الخَصَّاص ما فعل، وأَخْذه لأهلِ الخوارزمي، وفتح علينا بابًا لا نقدر على سدِّه حتى يكتب مثل هذا الكتاب! ثم أمر كاتبه أن يكتب كتابًا إلى خِلاط إلى عِزِّ الدين أيبك مملوك الأشرف بقَتْل الحاجب، وكان أيبك عدوَّه، وبعث بالكتاب إلى الأشرف وقال: عَلِّمْ عليه. فعلَّم عليه، وقال بعد أيام: مسكين الحاجب عليّ كَتَبَ الكامل كتابًا لهلاكه، وعلَّمْتُ عليه.

стр. 10646

[قلت: سبحان الله، كيف سمحت نفس الأشرف بهلاك رجل مسلم قد خدمه مدة سنين، وحفظ بلاده من السلاطين، وكسر جيوش المخالفين! وكان الأشرف يكون تارة بمصر وتارة بالشام، والحاجب علي يسوس الملك بتدبيره على أحسن نظام، وما خان الحاجب في درهم ولا دينار، ولا قصَّر في خدمة ربّه آناء الليل وأطراف النهار، ولكن حبه لدمشق هو الذي هون عليه هلاك الحاجب، وأنساه خدمة المشفق الصَّاحب] (١). ولما وصل الكتاب إلى أيبك رمى الحاجب في جُبّ، وأَخَذَ جميع ماله، وبَعَثَ إليه بجماعة من الأرمن، فخنقوه. ولما فُتحت خِلاط عمد مماليك الحاجب إلى أيبك، فقطَّعوه، ثم اعتقل الأشرف أخا الحاجب في قلعة دمشق، واستأصله، ثم أطلقه، وسار الخوارزمي، فنزل في أعمال توريز. وفيها مات الحِلِّي الشَّاعر (٢)، [وقد ذكرناه لما أخذ المسلمون دمياط] (١). السنة الثَّامنة والعشرون وست مئة في جُمادى الأُولى ذَكَرَ التَّقيُّ بنُ الصَّلاح الدَّرْس في المدرسة الشَّامية [التي وقفتها بنت حسام الدين (٣) لاجين بن ست الشَّام على الشافعية بدمشق،] المجاورة لمارَسْتان نور الدين. وفي رجب ذكر النَّاصح بن الحنبلي الدَّرْسَ في المدرسة التي أنشأتها ربيعة خاتون بنت أيوب بقاسيون، وحبس الأشرفُ [عليًّا] (١) الحريريَّ بقلعة عَزَّتا. وفي رمضان ساق التَّتر خلف [جلال الدين] (١) خوارزم شاه من بلاد توريز، فانهزم بين أيديهم إلى دياربكر، وكان قد استحلف صاحب آمد متى قصده فَتَحَ له باب آمِد،

стр. 10647

وكان ظهرًا له، فجاء إلى آمِد، فلم يفتح له الباب، ورموه بالحجارة من السُّور، فأخذ على وَجْهه وحدَه في أطراف الجبال، فوصل إلى قرية من أعمال مَيَّافارقين، فَقُتِلَ فيها، وسنذكره إن شاء الله تعالى. وجاء التتر إلى باب مَيَّافارقين، وطلبوه، فقال شهاب الدين [غازي] (١): والله ما أعلم أين هو. فقاتلوا مَيَّافارِقِين أيامًا، فلم يقدروا عليها، فعادوا إلى إسْعِرد، فقتلوا نيفًا وعشرين ألفًا، وأخذوا من البنات المُسْتحسنات ما أرادوا، وأحرقوها، وعادوا إلى خِلاط، وكانت بوادر الشِّتاء، ووصلت طائفة منهم إلى نَصِيبين والجزيرة. وحج بالنَّاس من دمشق شِبْلُ الدولة كافور العادلي. وفيها قُتِلَ عِزُّ الدين أيبك الأشرفي بتوريز، وقيل: خنق في الجُبِّ كما فَعَلَ بالحاجب عليّ، رحمه الله تعالى. بهرام شاه بن فَرُّخْشاه (٢) ابن شاهنشاه بن أيوب، الملك الأمجد، صاحب بعلبك. [قد ذكرنا أن صلاح الدين] (١) أعطاه بعلبك عند وفاة أبيه سنة ثمان وسبعين وخمس مئة، فأقام بها إلى سنة سبع وعشرين وست مئة خمسين سنة حتى حصره الأشرف وأخرجه منها، وساعده عليه شيركوه صاحب حِمْص، وكان في قلبه عليه أحقاد قديمة [كما يكون بين الأهل] (١)، وكان المعظَّم يحبُّ الأمجد ويحترمه ويعظِّمه. قال المصنف ﵀: ولقد رأيته يقبِّلُ يده، وكان يتعزَّز على الكامل والأشرف والنَّاس بالمعظم، فلما مات المعظم ثارتِ الأحقاد (٣) [البدرية، والأضغان المخفية، وقد ذكرنا أنهم] أخرجوه من بَعْلَبَك، وجاء إلى دمشق.

стр. 10648

[(١) ذكر وفاته: ذكر لي جماعة أنه] سُرِقَتْ له حياصة، لها قيمة، ودواة تساوي مئتي دينار، فاتَّهم بها بعضَ مماليكه، فظهرت عليه وخبَّأها عند بعضِ المماليك، فأخذ [المملوك] (٢) السَّارق، وحبسه في خزانةٍ في دار فَرُّخْشاه، وكانت الخزانة خلف الأمجد، وتهدَّد المملوك بقَطْع اليد والصَّلْب، فلما كانت ليلة الأربعاء ثاني عشر شَوَّال جلس على عادته بين يدي الخزانة التي فيها المملوك على الحال التي يجلس أمثاله عليها، وعنده عبَّاس ابن أخي الشَّريف البهاء الكاتب، وابن فهيد اليهودي المنجم، وبيده الإسطرلاب ليأخذ له الطَّالع، وكان يلعب مع عَبَّاس بما جرت عادتهم بلعبه، فقال له ابن فهيد: يا مولانا انظر إليَّ، فهذه ساعةٌ سعيدة، لو أردتَ أَخْذَ دمشق لأخذتَها، فقال له: لا تكلِّمْني، فقد تعين لي الغلب. وكان مع المملوك [الذي في الخزانة] (٢) سكِّينٌ صغيرة، فعالج زردة باب الخزانة قليلًا قليلًا، فقلعها، وهجم، فأخذ سبف الأمجد، وجذبه، وضربه [به] (٢)، فصاح: لا والكْ يا مأبون. والمملوك يضربه، فَحَلَّ كتفه، ونَزَلَ السَّيف إلى بزِّه، ثم ضربه ضربة أُخرى، فقطع يده، وطعنه في خاصرته، وانهزم، فصَعِدَ إلى السَّطْح، فصَعِدُوا خلفه، فألقى نفسه إلى الدَّار، فماتَ، وقطَّعه الغِلْمان قِطَعًا، وغُيِّل الأمجد، وكُفِّن، وحُمل إلى تُرْبة أبيه التي على شرف الميدان الشّمالي، فدفن بها. وكان فاضلًا، شاعرًا، فصيحًا، كاتبًا، وله ديوان كبير (٣) وكان جَوَادًا ممدَّحًا؛ مدحه خَلْقٌ كثير، وأجازهم الجوائز السَّنية، [وقد ذكرنا مدح النقاش الحلبي له، وكان صديقي، كنت إذا صعدت جبل لبنان للزيارة أجتاز ببعلبك، فيخدمني، ويحسن إليَّ، واجتمعت به عند الشيخ عبد الله اليونيني، وأنشد] (٢) من شعره: كم يذهبُ هذا العُمْرُ في الخُسْرانِ … ما أغفلني فيه وما أنساني ضيَّعْتُ زماني كلَّه في لَعِبٍ … يا عُمُر فهل بعدك عمرٌ ثانِ

стр. 10649

وقال: يا ليتهم عادوا إلى الأوطان … كي تجتمع الأرواح بالأبدان كم رام لي العذول عنهم بدلًا … هذا غلط عمري قصير فاني ورآه بعضُ أصحابه في المنام، فقال له: ما فَعَلَ الله بك؟ فقال: [من المديد] كنتُ مِنْ ذنبي على وَجَلٍ … زال عنِّي ذلكَ الوَجَلُ أَمِنَتْ نفسي بوائِقَها … عِشْتُ لمَّا مِتُّ يا رَجُلُ [وكان الأمجد قد قتل ولدًا له شابًّا مليحًا، وقيل: خنقه، وقيل: بنى عليه بنيانًا، وسنذكره في ترجمة العزيز عثمان بن العادل في سنة ثلاثين وست مئة] (١) خوارزم شاه جلال الدين (٢) واسمه تُكُش، وقيل: محمود بن محمد بن تُكُش، [سمعت الملك المعظم يقول: ليس هو من بني سلجوق، وإنما] (١) هو من نسل طاهر بن الحسين، وجدُّه تكش هو الذي أزال مملكة السَّلْجوقية، وملك محمد أبو جلال الدِّين البلاد، وكان مآله [إلى ما ذكرنا،] (١) أَنَّه طلع إلى جزيرة، فمات بها، فقطع الخطا رأسه، وتمزَّقت ممالكه، وكان ابنُه جلالُ الدين هذا قد هَرَبَ إلى الهند، وعاد [منها] (١)، فنزل على هَمَذَان، وقَصَدَ بغداد، وجعل طريقه على دقوقا، فقتل أهلها، [وقد ذكرناه] (١)، ثم طلبه عسكره إلى تفليس، فسار على إربل، وعَزَمَ على حصارها، فصانعه ابنُ زين الدين، وعاهده أَنَّه من أصحابه، فجاء إلى بلاد الكُرْج، فاستولى عليها، وراسله المعظَّم باطنًا بالملق الصوفي، وظاهرًا بالركين مملوكه، [وجاء به] (١)، فأنزله على خِلاط، وزوجه ابنته الكبرى، ويقال لها: دار مرشد، وجهَّزها جهازًا لم يجهزه ملك [لابنته] (١)، واتَّفق موت المعظم، وأخذ خوارزم شاه خِلاط، وفعل فيها [ما فعل] (١) وآخر أمره مجيء التتر خلفه، وأَنَّه انهزم إلى بلاد مَيَّافارقين، وتاه في الجبال، فوقع به فلاحٌ من قرية يقال

стр. 10650

لها عين دارا، فرآه راكبًا على سرج مرصَّع باليواقيت، وعلى لجام فرسه الجواهر، وسلاحُهُ مجوهر، فقال له: مَنْ أنتَ؟ فقال: خوارزم شاه. وكان عسكره قد قتلوا لهذا الفلاح أخًا، وقيل: إنه شره إلى ما كان معه، فأنزله، وأطعمه، ونام [عنده] (١) آمنًا، فضربه بفأس، فقتله، وأخَذَ ما كان معه، وبلغ شهاب الدِّين غازي، فأرسل إلى الفلاح، فأنكر، فقرره فأقَرَّ، وأحضر القوس والسِّلاح وقال: دفنته إلى جانب القرية. وكان طَرْخان خال الخوارزمي قد وصل إلى شهاب الدِّين، فأنزله في قصره، وأمر بحملِ الخوارزمي ليلًا من القرية، وقال لخاله: أبصر، هل هو هذا؟ فلما رآه بكى، وقال: نَعَمْ. فدفنوه ليلًا، وأخفوا قبره مخافة أن يُنبش. [(٢) وبلغني في مقتل خوارزم شاه وجه آخر]، أَنَّه لما كَبَسَه التتر خرج من الخيمة ليلًا، ومعه جماعةٌ من أصحابه، وقصد مَيَّافارقين، وكان معه جواهرُ نفيسة، فبات بقريةٍ عند أرمن، فقال: أنا خوارزم شاه. وأعطاهم جواهر، وقال: احملوني إلى شهاب الدِّين غازي. فحملوه إلى سفينة، وكان تحته فرسٌ سرجه ولجامه ذهب مجوهر، وأنزلوه في السفينة، وبها رجلٌ كُرْدي كان خوارزم شاه قد قتل أهله، فضربه في صدره بحربة، فأخرجها من ظهره، فقتلوا الكرديَّ، وأخذوا ما كان على خوارزم شاه، وفرسه وحياصته، وكان فيها جوهرٌ عظيم، وألقوه في بئر، وبلغ شهاب الدين، فأرسل إليهم، فأخذهم، وأخذ ما أخذوه، وسألهم عن خوارزم شاه، فأخرجوه من البئر، فقتلهم شهاب الدين، وغَسَّله، وكفنه، ودفنه خارج ميَّافارقين تحت بُرْج الملك في جانب الميدان، وبلغ التتر فقصدوا ميَّافارقين، فعفَّى شهابُ الدين قبره. وقيل: قتل سنة تسعٍ وعشرين [وست مئة] (١)، ثم تفرَّقت عساكره أيدي سبا، [وكم فتك وقتل من المسلمين وسبى] (١)، وزالت أيامه [وبقيت آثامه] (١)، وكان كثيرَ الفساد، أهلك عسكرُه البلادَ والعباد. [وحكى خالي أبو محمد يوسف] (١) محيي الدين بن الجوزي [قال] (١): بعثني الخليفةُ إليه في رسالةٍ، وهو على خِلاط، فدخلتُ عليه، وبين يديه المُصْحف، وهو

стр. 10651

يقرأ فيه، ويبكي، فقلتُ: تقرأ في المُصْحف وتبكي، وأنتَ تفعل بالمسلمين ما تفعل، وقد قتلت في دقوقا عشرين ألف مُسْلم، وسَبَيت نساءهم، وفعلت وفعلت! فقال: هذا عسكرٌ عظيم، مسيرة خمسة أيام، ما لي عليهم طاعة ولا حكم، [ولا يلتفتون إليَّ] (١)، ومع هذا، فإنَّه كان سدًّا بين المسلمين والتتر، [وسندًا لأهل الإسلام من التجار، كان يدفع التتر عن المسلمين، فلما هلك انفتح السد. ولقد حكى لي] (١) الأمير عماد الدين بن موسك [قال] (١): لما كُسِرَ الخوارزمي دخل العزيز عثمان وغازي وجماعةُ الأعيان، فهنؤوا الأشرف بالكَسْرة، فقال: تهنئوني بهذا! سوف ترون غِبَّ هذا، والله لتكونَنَّ هذه الكسرة سببًا لدخول التتر إلى بلاد الإسلام، ما كان الخوارزمي إلا مثل السَّد الذي بيننا وبين يأجوج ومأجوج. فكان كما قال. وكان الخوارزمي إذا لقي التتر اقتتلوا عشرة أيام بلياليها، يترجَّلون عن خيولهم، ويلتقون بالسيوف، واحدهم يأكل ويبول، وهو يقاتل. وفيها توفي المَجْد البَهْنَسي (٢) وزير الملك الأشرف. من بيت الفَضْل والعلم، وكان [أبوه فاضلًا، كتب "شرح الحماسة" بخطه في ست مجلدات للتبريزي، والنسخة في وقف خانكاه السُّمَيساطي، ليس في الشَّام أصح منها، وكان] (١) المجد فاضلًا، وَزَرَ للملك الأشرف مُدَّة، لم يقطع رِزْقَ أحد، وكان حسنَ المحضر، عاقلًا، لم يكن فيه ما يعاب إلا استهتاره، والله يعفو عنه، وكان الأشرف قد عزله عن الوزارة، واستأصله، وأخذ جميع ماله.

стр. 10652

[(١) ولقد حكى لي المجد] في حران سنة ثلاث عشرة [وست مئة،] (٢) قال: رأيتُ بين يدي القاضي علاء الدين الكردي قاضي قضاة الأشرف دواةً كانت لي أخذت مني في المصادرة، قيمتها ألف دِرْهم، وهي مكفتة بالذهب والفضَّة، فقلت له: أنت قاضي المُسْلمين، وتدَّعي الورع، كيف تستحلُّ تكتب في دواة غصب، وهي مكفتة بالذهب؟! فقال لي: السُّلْطان أعطاني إياها. فقلتُ: أعطاك مالي. فقال: ما يلزمني البحث عن هذا. وكانت وفاة المجد بدمشق، ودفن بتربته التي أنشأها بقاسيون، ووقف عليها وقفًا، وأوصى بكتبه تكون بها. المهذَّب بنُ الدَّخْوار، الطَّبيب (٣) كان حاذقًا بعِلْم الطِّبّ، وما كان يرى في الدُّنيا غيره، وتقدَّم على الأطباء بدمشق، ومات بستة أمراض مختلفة، منها ريح اللقوة، ووقف داره وكتبه على الأطباء، ووقف عليها وقفًا، [وكان فاضلًا في علم الطب، وكان عاقلًا، يُقرَأ عليه الطب، وكان له بدمشق دار بظاهرها بستان، فوقف داره على من يقرأ فيها الطب، ووقف البستان عليها،] (٢)، ودفن بقاسيون عند تربة بدر الدين الشحنة، [شرقي قاسيون] (٢). العماد المَحَلَّي، الفقيه الشَّافعي (٤) كان مقيمًا بالمدرسة الأمينية، وقيل: اسمه حسام بن غُزِّي بن يونس، [وإنما اشتهر بالعماد] (٢). وكان فاضلًا، حافظًا للحكايات والأشعار والنَّوادر، وكان لا يأكل لأحدٍ شيئًا، وإذا حضر وليمة كان زاده في كُمِّه ولو أنه عند السُّلْطان، وكان على وسطه ألفُ دينار لا تفارقه [أبدًا] (٢).

стр. 10653

[حكى لي] (١) قال: دخلتُ ليلةً إلى العادل في قلعة دمشق، فخلع عليَّ خِلْعة بطَيْلَسان، فخرجت في الليل، وإذا بنفَّاط قائم، وبيده مشعل، فلما رأى طيلساني ظنَّ أنني القاضي، فمشى بين يدي بالمشعل، فمشيتُ إلى باب البريد أريد الأمينية، فلما وصلتُ إلى دار سيف أخذتُ الطَّيلسان، فجعلته في كُمِّي، وقصَّرت في المشي، فالتفت النفَّاط، فما رأى الطَّيلسان، فقال: يا سيدي أين مشى القاضي؟ فأشرتُ إلى ناحية مدرسة نور الدين، وقلتُ: داره عند المدرسة. فمضى عني، وخلصت منه [ودخلت الأمينية] (١). وكانت وفاته في ربيع الآخر، ودفن عند مقابر الصوفية. وقيل: مات سنة تسع وعشرين. شمس الدين بن اسفنديار الأمير [كان خازنًا في قاسيون، و] (١) كان كيِّسًا، متواضعًا، حَسَنَ العِشْرة، كريم الأخلاق، مليح الصورة، جَوَادًا، من بيت مشهور، وكانت داره مأوى الفضلاء والعلماء والفقراء والأعيان، ودفن بتربته بقاسيون المجاورة لتربة ابن تميرك. جمال الدَّوْلة بن زويزان (٢) رئيس قصر حَجَّاج. كان كيِّسًا، متواضعًا، صاحب مروءة وعصبية، وله صدقاتٌ في السِّرِّ، ودُفِنَ بتربته عند مسجد فلوس. السنة التَّاسعة والعشرون وست مئة فيها عاد التتر إلى الجزيرة وحران، ووصلوا إلى جسر بدايا، فقتلوا وأسروا، وسبوا، وخرج إليهم عسكر حَرَّان، فما رجع منهم إلا القليل، وخرج الكامل

стр. 10654

والأشرف من مِصْر لدفع التتر عن البلاد، وقُتِلَ في هذه النوبة [صديقنا] (١) عِزُّ الدِّين بن سَعْد بن كوجيا الحلبي، وكان شابًّا، حسنًا، دَيِّنًا، صالحًا، ورجع التتر إلى خِلاط، وعَبَرَ الكامل والأشرف الفرات، ونزلا على آمد في ذي الحِجَّة. وولى الأشرفُ القاضي عماد الدين عبد الكريم بن الحَرَسْتاني في قضاء القضاة بدمشق، وقرأ عهده بهاء الدين ابن أبي اليُسْر. وفيها فتح الكامل آمد، واستولى على قلاعها وذخائرها، وأخذ صاحبها معه إلى مِصْر، ثم خامر عليه، فاعتقله إلى أن مات الكامل، وقُتِلَ في السنة الآتية. وفيها توفي إسماعيل بن إبراهيم (٢) الفقيه الحنفي، شرف الدِّين. وهو ابن خالة شمس الدين بن الشِّيرازي، وكانا ينوبان في القضاء عن ابن الزكي، وكان شرف الدين فاضلًا عارفًا [بمذهب أبي حنيفة، قرأت عليه "الجامع الصغير"، وسمع الحديث الكثير، وكان] (١) زاهدًا عابدًا ورعًا، له تصانيف، منها "مقدِّمة في الفرائض" [(٣) قرأتُها عليه، وكان قد جرت له واقعة مع الملك المعظم، بعث إليه] يقول: أفتِ بإباحة الأنبذة، وما يعمل من الرُّمَّان ونحوه، فقال [شرف الدين] (١): لا أفتح هذا الباب على أبي حنيفة، وأنا على مذهب محمد في تحريمها، وإباحتها عند أبي حنيفة إنما هي رواية "النَّوادر"، وقد صح عن أبي حنيفة أنه ما شَرِبه قَطُّ، وحديث ابن مسعود لا يصح، وكذا ما يروى عن ابن عمر في إباحة شربه لا يثبت عنه. فغضب المعظم، وكان بيده مدرسة طَرْخان، وكان ساكنًا بها، فأخرجه منها، وأعطاها للزين ابن العَتَّال، وكان تلميذَ شرف الدين، [وقد قرأ عليه، وأحسن إليه] (١)، فلم يتأثَّر شرف

стр. 10655

الدين، وأقام في بيته يتردَّد إليه للقراءة الصَّغيرُ والكبير، ولا يغشى أحدًا من خَلْق الله، مقتنعًا باليسير، وتوفي في جُمادى الأُولى، ودفن بقاسيون، [سمع "غريب الحديث" لأبي عبيد القاسم بن سلام، وغيره] (١). الجمال عبد الله بن الحافظ عبد الغني (٢) كان فاضلًا كريمًا حسنًا، سمع الحديث الكثير، [وسمع ببغداد "مسند الإمام أحمد بن حنبل" بالحربية في سنة ست وتسعين وخمس مئة بقراءة أخيه عز الدين، وكانت] (١) أحواله حسنة حتى خالط الصَّالح إسماعيل وأبناء الدُّنْيا، فتغيَّرت أحواله، وآل أمره إلى أَنْ مَرِضَ في بُسْتان ابنِ شُكْر على ثورا، وكان للصَّالح إسماعيل، ومات فيه، فكفَّنه الصَّالح، وصلَّى عليه، ودُفِنَ بقاسيون [عند أهله] (١)، وقيل: توفي سنة ثمانٍ وعشرين [وست مئة] (١). محمد بن عبد الوهَّاب بن عبد الله (٣) الفخر، أبو بكر بن الشِّيرجي، الأنصاري. ولد سنة تسعٍ وأربعين وخمس مئة، وسمع الحديث، وشهد عند القضاة، وكان متعلِّقًا بستِّ الشَّام بنت أيوب، يتولى أمر ديوانها، وفوَّضت إليه السِّتُ أمرَ أوقافها، وكان ثِقَةً أمينًا، كَيِّسًا، متواضعًا، [وقد سمع الحديث من شيخنا تاج الدين، والحافظ ابن عساكر، وغيرهما، وكانت وفاته] (١) يوم السبت عاشر ذي الحِجَّة، ودُفِنَ بالباب الصَّغير. وولده شرف الدين وَزَرَ للنَّاصر داود مُدَّةً يسيرة، وعاد إلى دمشق، وتوفي فجأة في شعبان بقاسيون في سنة خمسٍ وثلاثين وست مئة.

стр. 10656

السنة الثَّلاثون والست مئة فيها فتح الكامل آمد، وكان قد ضربها بالمجانيق، وأنذر صاحبها [الملك] (١) المسعود مودود بن الصالح، وأعطاه إقطاعات كثيرة، فلم يلتفت، فلما رأى الغَلَبة خرج إلى الكامل، وفي رقبته منديلٌ، فوكل عليه، ودخل البلد، وتسلَّمه، واستولى على أمواله وذخائره، وطلب منه تسليم القِلاع، فَسَلَّم الجميع، وبقي حِصْن كيفا عاصيًا، فبعث الكاملُ الأشرفَ وشهابَ الدِّين غازي، ومعهما صاحبُ آمد تحت الحوطة، فلم يُسَلِّموا، فعذَّبه الأشرفُ عذابًا عظيمًا، وكان يبغضه. قال [لي] (١) الأشرف: وجدنا في قصره خمس مئة حُرَّة من بنات النَّاس للفراش. ثم سُلِّمت القلعة في صفر. وعاد الأشرفُ إلى دمشق، وسمع "البخاري" على الحسين بن المبارك بن الزَّبيدي، وتوفِّيت للأشرف ابنة، فدفنها في بُسْتان العلاء بن القلانسي بقاسيون عند دير الحنابلة ظَنًّا منه أن ابن القلانسي لا يتوقف في مثل هذا، [ولو دفنها في داره] (١) لأَنَّ الأشرف كان مُحسنًا إليه، فَشَقَّ على العلاء، وقال: هذا المكان وقفٌ. وشنَّع، وبلغ الأشرف، فاشترى تُرْبة الشَّرف يعقوب، ونقلها إليها، واشترى لها ملكًا، ووقفه عليها، وسأله المقادسة أن يكون وقفًا عليهم دون غيرهم، فأجابهم، [ثم اجتمعنا عنده بعد ذلك في النَّيرب، فقال] (١) له بعضُ أصحابه: قد خصصتَ بهذه الدار المقادسة، ولهم الضِّياع والأوقاف، فالغريب إذا وَرَدَ أين ينزل؟ قال المصنِّف ﵀: وكنتُ عنده بالنَّيرب، فالتفتَ إليَّ، وقال: قال هذا الصحيح، فهل يمكن أن يضاف إلى الوقف ما قال في حَقِّ الغرباء؟ فقلتُ: بعد أن حكم الحاكم لا يجوز تغييره بإجماع الفقهاء، أما قبل حكم الحاكم ففيه خلاف. وكان الكامل بدمشق، فأمر باستئصال ابنِ القلانسي وهلاكه، فقال الأشرف: لا حاجة إلى هذا، بلى لا يدخل عليَّ بعدها.

стр. 10657

وفيها فُتحت دارُ الحديث الأشرفية المجاورة لقلعة دمشق ليلة النِّصف من شعبان، وأملى بها ابنُ الصَّلاح الحديث، ووقف عليها الأشرف الأوقاف، وبها نعل النَّبي ﷺ . وفيها نزل ناصر الدين صاحب مارِدِين من قلعته، وجاءته عساكر الرُّوم، فحصروا حرَّان والرُّها والرَّقَّة، واستولوا على الجزيرة، وفعل الرُّوم في الجزيرة ما لا يفعله التتر، وكان القاضي علاء الدين الكردي في المستخدم يتوضأ، فجاءه حجر المنجنيق، فقتله، وكان بالرها. وفيها توفي عبد الله بن علي (١) صفي الدِّين، ابن شُكْر، وزير العادل. وأصله من الدَّمِيرة، قرية من أعمال مِصْر، كان وزيرًا، مهيبًا، عالمًا، فاضلًا، له معرفة بقوانين الوزارة، وعلى دولة العادل به جلالة، وعنايته مصروفة إلى العلماء والفقهاء والفضلاء والأدباء، والمدارس في أيامه عامرة، وآلاؤه عليها ظاهرة، والعِلْم نافق السُّوق، ومتجر الاشتغال يانع الأسوق، وأحواله جارية على النِّظام. ثم انقضتْ تلك السنون وأهلها (٢) وكان مالكيَّ المذهب، محبًّا لمن في العلم يرغب، وصنَّف كتابًا سماه "البصائر" بَرَّز فيه على الأوائل والأواخر، ومن جُمْلة ما ذكر فيه من فضائل دمشق: قال الصَّادق الذي استحال القول بمَيْنه: "قد وكل الله تعالى بكلِّ بلد ملكًا يحفظه إلا دمشق، فإنَّه يحرسها بعينه" (٣).

стр. 10658

وكان العادل قد انحرف عنه في آخر عمره، ونفاه إلى آمد، فأقام بها حتى توفي العادل، فأرسل الكامل وراءه، فجاء إلى دمشق، ولم يدخلها (١)، ونزل في بيت رانس عند المؤيَّد العقرباني، [وكان في أيام العادل يسير إليه ويجتمع عنده في درب الشَّعارين،] (٢) وكان قد قَلَّ نظره، ثم سار إلى مِصْر، ففوَّض إليه الكامل الأمور على عادته في أيام وزارته، فتوفي وهو على حُرْمته، وله بالقاهرة مدرسةٌ مشهورة. الملك العزيز عثمان بن العادل (٣) شقيق المعظم [لأبيه وأمه] (٢). كان صاحب بانياس وتبنين وهُونين، والحصون، وهو الذي بنى الصُّبيبة، وكان عاقلًا، قليل الكلام، مطيعًا لأخيه المعظم، وكان بعد موت المعظم قد عامل على قلعة بعلبك في سنة خمس وعشرين [وست مئة] (٢) وكتب إليه ولدُ الأمجد يقول: قد نشرتُ باب السِّرِّ، فَسِرْ إلينا وقت السَّحَر. وكان بالصُّبيبة، فساق منها أول الليل، والمسافة بعيدة، فجاءهم وقد طلعت الشمس، ففات الغرض، ونزل مقابل بَعْلَبَك، فبعث الأمجد إلى النَّاصر داود، يقول: قد عرفتَ ما كان بيني وبين المعظم، وكنتُ صديقَ مَنْ صادقه، وعدوَّ من عاداه، وأريد ترحِّل العزيز عني. فأنفذ النَّاصر الغرز خليل إلى العزيز يقول له: ارحل، وقال للغرز: إنْ لم يرحل، فارمِ الخيمة عليه. وعَلِمَ العزيزُ، فرحل إلى بانياس، وما عاد إلى دمشق إلا مع الكامل، فإنه [سار إليه، و] (٢) التقاه من القُدْس، وقال: أنا آخذ لك دمشق. فأعطاه مالًا، وأحسنَ إليه، وكان العزيز أحدَ الأسباب الموجبة لأخذ دمشق [من النَّاصر] (٢)، وكذا الصَّالح إسماعيل، وأيدمر. وأما صاحب بَعْلَبَك فعلم بما فعل ولده، ووقف على نَشْر الباب، فقال: إنَّه قتل ولده، وقيل: بنى عليه بُنْيانًا. وكانت وفاة العزيز يوم الاثنين عاشر رمضان ببُسْتانه بالنَّاعمة ببيت لهيا، وحمل تابوته، فدفن بقاسيون في تُرْبة المعظَّم [عند والدته وأهله] (٢).

стр. 10659

(١) [وفيها توفي أبو القاسم علي (٢) ابن جدي أبي الفرج، وهو خالي. ولد سنة إحدى وخمسين وخمس مئة، وسمع الحديث، وكتب الكثير من مصنفات جدي، وهو الذي أظهرها وباعها بثمن بخس، وكان جدي قد سخط عليه بهذا السبب، ومات وهو على ذلك، وكان] فقيرًا ليس له إلا ما ينسخ، ويتقوَّت منه، ومع هذا فإنَّ الخليفة كان يعرض عليه المال ولا يقبل منه شيئًا، [ويحكي عنه واقعات سمعها منه الناس وليس لها حقيقة، منها أنه بعث بعض الخلفاء إلى جدي مئة دينار، وأبو القاسم قاعد على الباب، فقال: دخولك اليوم خروجك متى؟ وبلغ جدي، فدعا بالتاجر والخباز والقصاب، وفرقها فيهم، وقال: قولوا لأبي القاسم: اليوم يوم سِباء، لا خِدْر ولا خِباء. وكانت وفاته في صفر، وتولى خالي أبو محمد تجهيزه وتكفينه، ودفن عند جدي بمقابر أحمد. سمع ابن البطي، ويحيى بن ثابت بن بُنْدار، وأبا زرعة طاهر بن محمد المقدسي، وغيرهم، ومعظم شيوخ أبيه، وسمعنا منه] (٣). عمر بن [حمد بن] عبد الله (٤) أبو حَفْص، شهاب الدين، السُّهْرَوَرْدي، وهو ابنُ أخي أبي النَّجيب. وقد ذكرنا نسبه إلى أبي بكر ﵁ في ترجمة أبي النَّجيب.

стр. 10660

ولد بسُهْرَوَرْد في رجب سنة تسع وثلاثين وخمس مئة، ونشأ بين الفقراء على التجريد والرِّياضات والمجاهدات. قال المصنف ﵀: ورأيته في سنة تسعين وخمس مئة يعظ برباط دَرْب المَقْبُرة، ومنبره طين، وعلى رأسه مئزر صوف، ثم تقلَّبت به الأحوال حتى أرسله الخليفةُ مرارًا إلى العادل وغيره، وقد أعرض عنه، و [قد ذكرنا أنه] (١) أخذ ما كان بيده من الرُّبُط، ومنعه الجلوس، وأقام مدَّة، ثم رضي عنه، وَرَدَّ إليه ربطه، وجلس في رباط عَمِّه أبي النَّجيب، وعاش حتى ضعف بصره، وقيل: ذهب [بمرَّة] (١)، فتوفي، ودفن في رباطه عند باب سور بغداد عن نيف وتسعين سنة، [سمع عمه أبا النجيب وابن البطي، ومن يحيى بن ثابت بن بُنْدار، وغيرهم] (١). وكان صالحًا، عابدًا، زاهدًا، ورعًا، جَوَادًا، سَمْحًا، ملجأ للمكروبين، وحِصْنًا للملهوفين، أقام بالشَّام مُدَّة، فكم أغاث من ملهوف، وكم فرَّج عن مكروب، وكان له قَبُولٌ حسن، وانتفع به خَلْقٌ كثير، وصنَّف كتابًا للصُّوفية، سماه "عوارف المعارف" [ذكر فيه من علومهم التَّالد والطَّارف] (١)، جلس يومًا ببغداد، فذكر أحوال القوم، وأنشد: [من البسيط] ما في الصِّحابِ أخو وَجْدٍ نطارِحُهُ … حديثَ نَجْدٍ ولا صبٌّ نجاريه وجعل يردِّدُ البيتَ ويطرب، فصاح شابٌّ من أطراف المجلس، وعليه قَبَاء وكلوتة، وقال: يا شيخ، إلى كم تشطح، وتنتقص بالقوم؟! والله إنَّ فيهم من لا يرضى أن يجاريك، ولا يصل فَهْمُك إلى ما يقول، هلا أنشدتَ: [من البسيط] ما في الصِّحابِ وقد سارتْ حُمولُهُمُ … إلا محبٌّ له في الرَّكْبِ محبوبُ كأنَّما يوسفٌ في كلِّ راحلةٍ … والحيُّ في كلِّ بيتٍ منه يعقوبُ فصاح الشيخ، ونزل من المنبر، وقَصَدَ الشَّابَّ ليعتذر إليه، فلم يجده، ووجد موضعه حُفْرةً فيها دم، مما فحص برِجْليه عند إنشاد الشَّيخ البيت.

стр. 10661

كُوكُبُري بن عليّ بن بُكْتِكِين (١) مُظَفَّر الدِّين بن زين الدين، صاحب إرْبِل. وقد ذكرنا مواقفه مع صلاح الدين، [وأنه خدم صلاح الدين] (٢)، وزوَّجه صلاح الدين أُخته، وملَّكه الشَّرْق، وأَنَّ أخاه زين الدِّين مات بالنَّاصرة، وطلب إربل عِوَض حَرَّان، وأعطاه إياها، وبعد موتِ صلاح الدِّين ما زال منتميًا إلى بيت العادل، مصافيًا لهم، حتى مال الأشرف إلى بدر الدين لؤلؤ، وعَزَمَ على أَخْذِ إربل منه، واستنجد عليه بالخليفة المستنصر، فنهاه عنه، فانتمى إليه، وقَدِمَ بغداد، ومعه مفاتيحُ إربل والقلاع، فالتقاه الموكب، وجلس له المستنصر جلوسًا عامًا في صحن السَّلام، وقعد في شُبَّاك المبايعة، وحضر أربابُ الدَّولة، وصَعِدَ على الدَّرْج، وبايع الخليفة، وطلب منه يده ليقبِّلَها، فناوله إياها، فجعل يقبِّلُها ويبكي، ويقول: الحمد لله، هذا مقامٌ ما وصل إليه غيري. وخاطبه الخليفة بأجمل خطابٍ، وقدَّم للخليفة الخيل والتُّحَف والهدايا، وأعطاه الخليفة أضعافَ ذلك، وخلع عليه خِلَع السَّلْطنة، وعاد إلى إرْبل، وقطع خُطْبة بني العادل، واقتصر على خُطْبة الخليفة. وكان كثيرَ الصَّدقات، غزير البِرِّ والصِّلات، [حكى جماعة عنه أنه كان يقول:] (٢) لما أخذتُ إربل آليتُ على نفسي أَنْ أقسم مغلّها ثلاثةَ أقسام: قسم أُنفقه في أبواب البر، وقسم للجُنْد وما يخصُّني، وقسم أَدَّخره لعدوٍّ يقصدني، وكان يعمل في كلِّ سنة مولد النَّبيِّ ﷺ في ربيع الأول، يجتمع فيه أهلُ الدُّنيا، ومن وراء جيحون العلماء والفقهاء والوُّعَّاظ والقُرَّاء والصُّوفية والفقراء، ومن كل صِنْف، وتضرب الخيام في المَيدان، وينزل من القلعة بنفسه، فيقرأ القُرَّاء، ويعظ الوعَّاظ، ويمدُّ سِماطًا أوله عنده وآخره في القلعة، ويحضر الخلائق، فلا يبقى إلا مَنْ يأكل ويحمل، [وحكى لي] (٢)

стр. 10662

مَنْ حَضَرَ بعض السِّنين: عددتُ على السِّماط مئة فرس قشلمش وخمسة آلاف رأس شواء وعشرة آلاف دجاجة، ومئة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلو، ثم يخلع فيه على الأعيان، وتفرق فيهم الأموال على أقدارهم، [ولا يحضر] (١) هذا السِّماط أحدٌ من عسكره، إلا أرباب الحرف، ثم يقوم من الميدان، فيدخل الخانقاه وقد اجتمع فيها من الصوفية ما بين ثمان مئة إلى ألف، فيأخذون في السَّماع من الظهر إلى الفجر وهو يرقص بينهم، فإذا كان من الغد بعث إليهم من يكتب أسماءهم، وكل شيخ ومعه جماعة، فيعطي المشايخ على قدر طبقاتهم من المئة دينار إلى الخمسين والثلاثين، ولأتباعهم على حدة، ومن شاء أن يسافر، ومن شاء أن يقيم أيامًا، وكان قد بنى دارًا للمضيف [يدخلها] (١) جميعُ الأجناس، لا يمنع منها أحد، ويعطي كل واحد على قدر حاله دائمًا، وبنى حيزًا عظيمًا، وقسمه أربعة أقسام: مكان للزمنى، ومكان للعميان، ومكان لليتامى، ومكان للمساكين، وأجرى عليهم الجرايات والجوامك والكساوي، وكان يركب كلَّ يوم بكرة، فيدخل إليهم، ويقعد اليتيمة والمسكينة على مخدَّة ويهبها، ويقول: أيش تريدين تأكلين؟ أيش تريدين تلبسين؟ فمهما طلبت أحضره، فإذا كبرت اليتيمة زوَّجها، وأقام لكل واحد من الزمنى من يخدمه، وكان في كلِّ سنة يبعث بالأموال والجواهر إلى الشام مع ديوان، فيشتري بها الأسارى من بلد الفرنج، ويعودون إلى إربل، فيقيمون في قرية على باب إربل [يقال لها بيت النار، فلا يدخلون إربل] (١) حتى يجهِّز غيرهم ليلًا، فيقطع عمله، وإذا خلص الأسير أعطوه كسوةً ونفقة توصله إلى أهله، فكان يخلص في كل سنة خلقًا كثيرًا، فلما توفي أُحصي ما خَلَّص من الأسارى فكانوا ستين ألف أسير ما بين رجل وامرأة، وكان يبعث في كلِّ سنة بمالٍ يفرق في الحرمين، وعشرة آلاف دينار تنفق في السبيل، وألف دينار برسم جر الماء إلى البرك التي بعرفات.

стр. 10663

وقالت زوجته ربيعة خاتون: كان ثوبه يساوي خمسة دراهم من خام، فقلت له: لو لبست ألين مِنْ هذا، فإن بدنك ما يحتمل الخشن. فقال: أيما أصلح وأكثر أجرًا أنني ألبس ثوبًا بعشرة دراهم أو ألبس ثوبًا بخمسة دراهم، وأتصدق بخمسة على فقير أو مسكين. وكانت أمواله قد استنفدتها الصدقات، فكان يرسل الجواهر فيبيعها بدمشق ويشتري الأسارى، وحُكي لي بإربل أنه ينفق على المولد في كلِّ سنة ثلاث مئة ألف دينار، وعلى الخانكات مئتي ألف، وعلى دار المضيف مئة ألف، وعلى الأسارى مئتي ألف دينار، وفي الحرمين وعرفات والسَّبيل ثلاثين ألف دينار، غير صدقة السِّرِّ. [قلت: (١)] ومع هذه المناقب فما سَلِمَ من ألسنة الناس. [(٢) ويقولون: هذا يصادر ديوانه ودواوينه وكتابه، ويستأصلهم، ولعله اطلع منهم على خيانات، فرأى أخذ الأموال وإنفاقها في أبواب البر والقربات أولى، وذكروا أشياء أُخر، ومن ذا من ألسنة الناس يسلم، اللهم غفرًا]. وكانت وفاته في رمضان بقلعة إربل، وأوصى أن يحمل إلى مكة، فيدفن في حرم الله تعالى، وقال: أستجير به، فحمل في تابوته إلى الكوفة، ولم يتفق رواح الحاج في هذه السنة إلى مكة، فدفن عند أمير المؤمنين علي ﵇. وكان أيوب بن الكامل في آمد، وإسماعيل بن العادل في سنجار، فسار كلُّ واحدٍ منهما إلى إربل ليأخذها لنفسه، [وجرى ما لا يليق بين الاثنين (١)]، فسبقهما عسكر الخليفة، فتسلمها، ورجعا بخفي حنين، وكانت قد عصت، وبالقلعة خادمان، ففتحت عَنْوةً، وجرى بها ما لا يجوز من النَّهْب والقَتْل، [والذل والهوان] (١).

стр. 10664

[وفيها توفي ابن العالمة الشاعر وهو القائل: [من الرمل] قلتمُ استَبْدَلَ منَّا ونقضْ … هل لظمآنٍ من الماء عوضْ شفَّني من بَعْدكم بُعْدكُمُ … فمتى يُشفى بكم هذا المرضْ ساءني الجرحُ الذي خلَّفتُمُ … كلما مُرْهِمَ بالذكر انتقضْ وقيل: إنها لغيره، وقيل إنه مات في سنة ثلاث وعشرين وست مئة] (١). السنة الحادية والثَّلاثون وست مئة فيها اجتمع الكاملُ وإخوته، وأسدُ الدين صاحب حِمْص، والعساكر المِصْريةُ والشَّامية، وساروا ليدخلوا بلاد الرُّوم من عند النهر الأزرق، فوجدوا العساكر الرُّومية قد حفظوا الدَّرْبَنْد، ووقفوا على رؤوس الجبال، وسدُّوا الطُّرق بالحجارة والأخشاب، فامتنعت العساكر من الدُّخول. وكان الأشرف ضيِّقَ الصَّدْر من ناحية الكامل، لأنه طلب منه الرَّقَّة برسم عليق دوابه إذا عَبَرَ الفرات، فامتنع، وقال: ما يكفيه كرسي بني أمية. واجتمع أسدُ الدين صاحب حِمْص بالأشرف، وقال: إن حكمَ على الرُّوم أَخَذَ جميع ما بأيدينا. فوقَعَ التَّقاعد، فلما رأى الكامل ذلك عَبَرَ الفرات، ونزل السُّوَيداء، وجاءه صاحب خَرْتَبَرْت، وهو من بني أَرْتُق، فقال: عندنا طريق سهلة تدخل منها. فجهَّز الكامل بين يديه ولده الصَّالح [أيوب] (١) والنَّاصر داود، وصواب الخادم، فما راعهم إلا علاء الدِّين بعساكر الرُّوم، وكان الناصر قد تأَخَّر، وتقدَّم صواب في خمسة آلاف فارس، وقاتل صواب ومن معه، والمُظَفَّر صاحب حماة، [فأسر صواب] (١) وقتل منهم جماعة، وانهزم الباقون، وعاد الكامل إلى آمد، ولم يتقدَّم، فأطلق الرُّومي صوابًا والأمراء، وأحسن إليهم، فجاؤوا إلى آمد، وأعطى الكامل ولده الصَّالح أيوب حِصْن كيفا، وأقام صواب بآمد، وعاد الكامل إلى الشَّام بالعساكر.

стр. 10665

وفيها عمر الأشرف مسجد جراح بظاهر باب الصَّغير. وقدم رسول الإنبرور معه هدايا، فيها دبّ أبيض، وشعره مثل شعر السَّبُع، ينزل البحر، فيصعد السَّمك، ثم يأكله، ومعه طاووس أبيض. وفيها توفي أتابك شهاب الدين طُغْريل (١) عتيق الملك الظَّاهر، صاحب حلب. كان صالحًا، عفيفًا، زاهدًا، عابدًا، [صحبني مدة، وأنزلني الخانكاة التي بناها بظاهر حلب على باب الأربعين عند القناة، وكان يبيت دائمًا عندي أول قدومي الشام من سنة ست مئة إلى سنة ست وست مئة، وكان] (٢) كثيرَ الصَّدقات والإحسان، يقسم الليل أثلاثًا: [الثلث] (٢) الأول يجري فيه حديث الصَّالحين، وأحوال النَّاس ومحاسنهم، وينام الثُّلُث الأوسط، ويحيي الثُّلُث الأخير قراءةً وصلاةً وبكاء، وكان واسطة خير عند الظَّاهر، ويحبُّ الصَّالحين ويزورهم، ولما توفي الظَّاهر قام بأمر العزيز ولده أحسن قيام، واستمال الأشرف، فحفظ عليه البلاد، ودفع عنهم الأعادي [والحساد] (٢)، ولما استعاد الأشرف تل باشر دفعها إليه، وقال: تكون هذه برسم صدقاتك، وما يمونك من المغارم، فإنَّك تكره أن تتصرف في أموال الصَّغير، فنقل إليها من الأموال والذخائر كل نفيس، وكان قد طَهَّرَ حلب من الفجور والفِسْق والخمور والمكوس، وكان الأشرف يقول [لي] (٢): إن كان لله في الأرض وليٌّ فهو هذا الخادم الذي فعل ما عَجَزَ عنه الفحول. فلما ترعرع الملك العزيز [بن الظَّاهر] (٢) في سنة تسعٍ وعشرين [وست مئة] (٢) تحدَّث عليه أقوام قصدوا أذى أتابك، وقالوا: قد رضيتَ لنفسك أَنْ تكون تحت حَجْر

стр. 10666

هذا الخادم؟ فأخذ منه تل باشر، [وأزال الحجر، والتحق بالأكابر] (١)، وأقام أتابك لا ينفذ له أمر، فمرض، وتوفي في هذه السنة، ودفن بباب الأربعين على الجادَّة. الشيخ طي المِصْري (٢) مريد محمد الفراء، وأبي الفَتْح الواسطي. قدم الشَّام، وأقام مُدَّة بزاويته منقطعًا إلى العبادة، وخدمة الفقراء، وكان يغشاه الأكابر، [ولازم مجلسي مدة إقامته بالشام إلى أن توفي، ودفن بزاويته بدمشق، وكان عابدًا زاهدًا كيسًا ظريفًا، ذا مروءة، وانتفع بصحبته جماعة، وكانت مجالسي تطيب بحضوره، وكانت عنده أيام سروره] (٣). الشَّيخ عبد الله الأرمني العابد (٤) الورع، المجاهد، [وما كان أرمنيًّا، بل روميًّا كما أذكر،] (١) سافر إلى الأقطار، ولقي الأبدال [والأبرار] (١)، وكان له مجاهدات ورياضات، وعبادات وسياحات، جوادًا [سمحًا] (١)، لطيفًا، طارحًا للتكلف، ملازمًا للتعفف، [موصوفًا بالتلطف. ذِكْرُ نبذة من كراماته وأخلاقه وصفاته وبداياته وسياحاته] (١): كان في بدايته لا يأوي إلا إلى البراري والقِفار، ويتناول من المباحات [من مباح السمك والثمار] (١)، منفردًا عن الخلائق، [قاطعًا لجميع العلائق] (١) قرأ القرآن، والقدوري، وتفقَّه على مذهب أبي حنيفة، وصحب رجلًا من الأولياء، فدَلَّه على الطريق، [وكانت سبقت له سوابق الحسنى بالتوفيق] (١) ولقي في سياحاته الأبدال، و [شاهد] (١) الأقطاب [والرجال] (١).

стр. 10667

وكان يحكي عن نفسه الحكايات [ويخبر بالواقعات] (١)، فمن ذلك قال: دخلت على الشيخ محمد بن قائد بأَوَانا، وبت تلك الليلة في رباطه، فعدا عليه اثنان من الحشيشة، [فقتلاه]، (١)، فأُخذا، وعُذِّبا بأنواع العذاب، وعُذِّبْتُ معهما، وقيل لهما: ما الذي جرأكما على قَتْل هذا العابد أو العَبْد الصَّالح؟ قالا: بلغ كبيرُنا عنه شيءٌ أوجب قتله، فقتلناه. قالوا: وهذا الفقير؟ فقالوا: والله ما نعرفه، ولا هو منا، نحن لنا ها هنا مُدَّة، وهذا البارحة وصل، فسألوني، فقلتُ: والله ما أنا منهم، إنما قصدتُ زيارة هذا الشيخ [وطلب بركته] (١)، فاتفق ما جرى، ورفع أمري إلى أمير المؤمنين النَّاصر، فأحضروني إلى حضرته، والوزير جالس، وبيننا وبين الخليفة سِتْرٌ، فسألني الوزير، وقال: أيش كان بينكم وبين هذا الرجل؟ فقلتُ: والله ما أنا منهم، وإنما أنا فقير، قصدتُ زيارة هذا الشيخ وأمثاله أطلب بركته، فكان ما ترى، والخليفة يسمع كلامي، فقال الوزير: فقد قلتَ: إنَّك فقير، فمن يعرفك من الفقراء المقيمين في البلد؟ فقلتُ: ما يعرفني إلا من هو خَلْف هذه السِّتارة. فأغلظ لي الوزير، فخرج إذْنُ الخليفة بأن أُبَيِّن ما قلتُ. فقلتُ: أنا ابنُ الدَّاية؛ خادمة المرحومة سلجوق خاتون، وكنتُ أتردَّد إلى خِدْمة مولانا أمير المؤمنين فيما يعرض لها من الحوائج. فأمر الخليفة بإخلاء المجلس، وخرج من داخل السِّتارة، وهو يمسحُ عينيه من البكاء لما ذكرتها، فلما رآني قال: لا إله إلا الله، وأنتَ في الدُّنيا، وانقطعت أخبارك عنا! وشرع يحدِّث حديثها، ثم قال: تكون في خدمة ضريحها، وتتولى ما أوقفنا عليها من الأوقاف. فقلتُ: يا مولانا، أنا رجلٌ قد خرجت من هذه الدنيا، ولزمتُ طريق الفقر، وما أقدر على الدخول في شيء من الدُّنيا. فعرض عليَّ شيئًا من المال، وقال: أَصْلِحْ به حالك وحال مَنْ معك، ومن يصحبك. فقلتُ: متى أخذت منه شيئًا فَسَدَ حالي، وتغيَّرت طريقي، وقَصْدي تخلية سبيلي. فسألني عمن لقيتُ من المشايخ، فأخبرته، وخرجت معزَّزًا مكرمًا، [وذكر كلامًا طويلًا] (١). [قلت: الإخلاطية توفيت في سنة أربع وثمانين وخمس مئة في السنة التي قتل فيها ابن قائد، وقد ذكرناها هناك] (١).

стр. 10668

وحكى أنَّ فقيرًا خرج من سياحته طالبًا للعمران، فاجتاز ببلدة، وغلبته نفسه على العبور، [فآلى على نفسه أن لا يذوق فيها طعامًا، ودخلها،] (١) فاجتاز برجلٍ غَسَّالٍ، يغسل الثياب في السوق، قال: فنظر إليَّ نظرة منكرة، اقشعرَّ لها جِلْدي، فأسرعتُ في المشي، وخرجتُ من البلد، وإذا بصوتٍ [خلفي] (١) يصيح: يا فقير يا فقير. فالتفتُّ، وإذا به الغَسَّال، ومعه طعام، فقال: قد خرجتَ من ذلك العَقْد الذي عقدت أَنَّك لا تطعم نفسك في البلد شيئًا، وقد خرجتَ من البلد، فَكُلْ. فقلتُ: وأنتَ في هذا المقام، وتغسل الثِّياب في السوق! فقال: لا ترفع رأسك، ولا تنظر إلى شيءٍ من عملك، وكُنْ عبد الله ولو استعملك في الحشِّ، فارْضَ [بما أراد لك] (١)، وأنشد: [من الطويل] ولو قلتَ لي مُتْ قلتُ سَمْعًا وطاعةً … وقلتُ لداعي الموتِ أهلًا ومرحبا [والظاهر أن الشيخ عبد الله كان ذلك الفقير، لأنه ما كان يخبر عن نفسه، وإنما يكني عن أبناء جنسه. قالوا] (١): وبَعَثَ إليه الأمجد بن العادل، وكان مقيمًا بالقُدْس، أربعين دينارًا ليقضي بها دَينه، فأخذها الرسول، ولم يوصلها إليه، فجاء الأمجد بعد ذلك إلى زيارته، وقال: بعثتُ إليك بأربعين دينارًا لتقضي بها دَينك، وصلتْ؟ قال: نَعَمْ، أكثر الله خيرك. ثم قام، وعَلِمَ الرجل، فجاء، فبكى عند الشيخ، وقال: الدَّينْ والعائلة. فقال: طَيِّبْ قلبك، قد قلتُ له: إنها وصلت، وأنتَ أَحقُّ منا. وحكى عن نفسه غير أنه لم يصرِّح، وقال: كان فقيرٌ يدور في جبل لبنان، فوقع عليه حرامية الفرنج، فأخذوه أسيرًا، وربطوه، وبات معهم تلك الليلة في أشدّ ما يكون من العذاب، فلما أصبحوا ناموا، وإذا بحرامية المُسْلمين يطلبون حرامية الفرنج، [(٢) فأيقظ الفقير حرامية الفرنج، وقال:] اقعدوا، فقد جاء حرامية المسلمين، [فدخلوا مغارة، ودخل معهم، فلم يرهم حرامية المسلمين،] (١) فلما بَعُدوا، قال الفرنج له: قد جاءك الفَرَج، فهلَّا دللتَ علينا، وتخلَّصت، أو تبعتَ المُسْلمين؟ فقال لهم: إني صحبتكم، وأكلتُ خبزكم، وفي طريقنا أَنَّ الصُّحبة عزيزة، فما رأيتُ خلاصَ نفسي

стр. 10669

بهلاككم. فشكروه، واعترفوا بجميله، وسألوه أن يقبل منهم شيئًا من الدُّنيا، فامتنع من ذلك، فأطلقوه. وكان قد تأذَّى من بعض الأصحاب بالقُدْس، فخرج منه إلى الدِّيار المِصْرية، ثم نظر إلى الأسوار وحُسْنها، فقال: كأنِّي بالمعاول تعمل فيها. فقيل له: معاول المسلمين أو معاول الفرنج؟ فقال: لا، بل معاول المسلمين. فكان كما قال. وقال المصنِّف ﵀: كان مقيمًا بالقدس قبل خرابه، وكنتُ أجتمع به، واتَّفق أنني يوم عيد الفطر أكلتُ سمكًا مالحًا، وصَعِدْتُ إلى زاويته، وقعدنا نتحدَّث، فجاءت الشمس عليَّ، وعطشت عطشًا شديدًا، وإلى جانبه إبريقٌ، فيه ماء بارد، فاستحييتُ أن أطلبه منه، فاحمرَّ وجهه، ومدَّ يده إلى الإبريق، فقال: اشرب، فكم تكاشر! وكان يفتح عليه بالدِّينار والمئة والدِّرْهم والألف، فيفرِّقها في الحاضرين، ولا يدَّخر منها شيئًا، وإذا دخل الحمام ومعه ذهب أو فِضَّة أعطاه للحَمَّامي والقوام. وقال: مررتُ براهبٍ في صومعة، فاطَّلع منها، وقال: يا فقير، أقسمتُ عليك بمن تعبده، أيُّ الطُّرُق عندكم أقرب إلى الله؟ فقلت: مخالفةُ النفس. فأغلق طاقته، ومضيتُ عنه، فلما كان بعد مُدَّة حججتُ، وإذا بالرَّاهب يطوف حول الكعبة، فلما رآني سَلَّم عليَّ، فقلت: مَنْ أنت؟ فقال: الرَّاهب الذي مررتَ به. فقلتُ: ما الذي أَوْصَلك إلى ها هنا؟ فقال: قولك: أقربُ الطُّرُق إلى الله مخالفةُ النفس. [وذكر حكاية طويلة. قلت: كان الشيخ عبد الله صاحبي وصديقي، أقمت بالقدس مدة سنين، وكان يحضر مجالسي دائمًا، لا ينقطع إلا من عذر، واتفق أنه سافر إلى مصر قبل خراب القدس، فأقام بها مدة،] (١) وسببُ سفره من القُدْس أَنَّه كان به رجلٌ شرير يبغض الفقراء، ويتَّبع عثراتهم، يقال له: ابن عروة، فاتفق أن الفقراء عملوا سماعًا في الحرم ليلة الوقفة، فأنكر عليهم ابن عروة، وجرت فتنة عظيمة، فشكا ابنُ عروة الشيخَ عبد الله إلى المعظَّم، وقال: هؤلاء قوم قد هتكوا حُرْمة الحَرَم، ويتعبدون بالرَّقص،

стр. 10670

ويوقعون الفِتَن. وبلغ الشيخ عبد الله عن المعظم كلامٌ، فخرج بأهله إلى مِصْر، وكان قد صاهر عبد الحق الواسطي، فأقام بمصر مُدَّة، فلم تطب له، فرجع إلى الشَّام. قال المصنف: وكنتُ أسمع الفقراء يقولون: إنَّه أَسْلَمَ على يد الشيخ عبد الله اليوناني، وليس كما قالوا، وإنما [(١) الشيخ عبد الله كان يدخل على المشايخ، فيتخير ما عندهم، دخل على اليوناني،] وعليه برنسٌ في زِيِّ الرُّهْبان، فقال له: أسلم. فقال: أسلمتُ لله رب العالمين ولم يكن أرمنيًّا، وإنما كان روميًّا من قونية، وكانت أمه داية الخِلاطية، فلما زوَّجها أبوها بصاحب حِصْن كيفا خرج مع أُمِّه وهو صغير، وأقام عندها، ولما تزوَّجها الخليفة كان ببغداد، وكانت الخِلاطية تُحْسِنُ فيه الظَّن، فلما حَجَبَها الخليفةُ ساح عبدُ الله في البلاد، ثم عاد إلى [بغداد] (٢)، وجرى له [مع الخليفة] (٢) ما ذكرنا، و [لما] (٢) عاد إلى الشام سكن قاسيون، [وكنا نتزاور، ويحضر مجالسي دائمًا في جامع دمشق وقاسيون، لا ينقطع أبدًا] (٢)، وكان على طريقةٍ عزيزة، لا يتعرَّض للدُّنيا، ولا يردُّ ما جاءه، ويؤثر به، وما زال مقيمًا بقاسيون حتى مرض في شوال، وتوفي يوم الجُمُعة تاسع وعشرين منه، ودفن بسفح قاسيون، وقد جاوز سبعين سنة، ﵀، [وكان يومًا مشهودًا] (٢). السَّيف الآمِدِي، وكنيته أبو القاسم (٣) لم يكن في زمانه من يجاريه في علم الكلام [والأصلين] (٢)، وكان ينبز بأشياء ظاهر [حاله] (٢) أَنَّه كان بريئًا منها؛ لأنه سريعُ الدمعة، رقيقُ القلب، سليمُ الصَّدْر، وكان مقيمًا بحماة، ثم سكن دمشق، و [من سلامة صدره أنه] (٢) مات له بحماة قِطٌّ، فلما أقام بدمشق، بَعَثَ إلى حماة، فنقلت عظامه في كيس، ودفنها في تُرْبته بقاسيون. وكان بنو العادل: المعظَّم والأشرف والكامل يكرهونه لما اشتهر عنه من الاشتغال بالمنطق وعلوم الأوائل، ومع كراهية المعظم له فإنَّه فوَّض إليه أمر المدرسة العزيزية،

стр. 10671

وكان إذا دخل على المعظم والمجلس غاصّ لا يتحرَّك له، [فكنت أخجل من الآمدي، حتى قلت للمعظم يومًا: عوض ما تقوم لي قُمْ للآمدي، فقال] (١): لا يقبله قلبي. وأقام مدرسًا بالعزيزية إلى أن توفي المعظم، وملك الأشرف، فأخرجه منها، ونادى في المدارس: مَنْ ذَكَرَ غير التَّفْسير والفِقْه، أو تعرَّض لكلام الفلاسفة نَفَيتُه. وأقام السيف [الآمدي] (٢) خاملًا في بيته، [قد طفئ نور سعادته] (٢) إلى أن توفي في صفر، ودُفِنَ بقاسيون في تُرْبته. منكورس، الركن الفَلَكي (٣) مملوك فلك الدِّين؛ أخي العادل لأُمه. كان من كبار الأُمراء، ولاه [العادل] (٢) بصرى والشَّام نيابةً عنه، وكان دَيِّنًا، صالحًا، عفيفًا، عادلًا، منصفًا، قليل الكلام، كثير الصدقات [والخيرات] (٢)، ملازمًا بجامع دمشق للصَّلوات الخمس، وكان يخرج في وقت السَّحر إلى الجامع وحده، وبيده طوافة، ولا يتبعه من غِلْمانه أحد، وبنى بقاسيون مدرسةً (٤) وتربة، وأوقف عليها الأوقاف الكثيرة، وتوفي بجرود؛ قرية من قرى دمشق، وحُمِلَ إلى قاسيون، فدفن في تربته إلى جانب مدرسته. وفيها توفي جماعة اشتهروا بألقابهم، منهم شهاب الدين بن المُطَهَّر بن شرف الدين بن أبي عَصْرون (٥) كان فقيهًا، فاضلًا، زاهدًا، محبًّا للصَّالحين، وتَرَسَّل من حلب إلى بغداد والأطراف، وجاء في آخر عمره إلى قاسيون، فانقطع به إلى أن مات.

стр. 10672

[وبلغني أنه] (١) كان عنده نيف وعشرون جاريةً للفراش، [بحيث] (١) يَبِسَتْ أعضاؤه من الجِماع، ومَرِضَ أمراضًا مختلفة، ودفن بقاسيون، وكان له من الولد قُطْب الدِّين وتاج الدِّين، [وهما فقيهان عالمان فاضلان] (١). حريم الدِّين الخِلاطي، الأمير كان كَيِّسًا، أديبًا، لطيفًا، حسنَ اللِّقاء، متعصبًا، ذا مروءة. وخَدَمَ الأشرف والمُعَظَّم والكامل، وحَجَّ بالنَّاس أميرًا من الشَّام، وتوفي بدمشق، ودفن بقاسيون عند مغارة الجوع، ﵀. الصَّلاح الإرْبلي خَدَمَ مظفَّر الدِّين [بن زين الدين] (١)، ثم انتقل إلى المغيث بن العادل، ثم خَدَمَ الكامل، وتقدَّم في دولته، وصار نديمه، ثم سخط عليه لأنه بعثه رسولًا إلى أخيه المعظم، فَنُقِلَ عنه أن المعظم استماله، فحبسه الكامل في الجُبِّ مدَّة سنين، ثم رضي عنه، وأخرجه، وقيل: سبب رضاه أَنَّ الصَّلاح عمل في وبيت، وغنَّى بهما بين يدي الكامل، وهما: افعل ما شئت أنت أنت المحبوب … ما لي ذنب بلى كما قلت ذنوب هل تسمح بالوصال في ليلتنا … تجلو صدأ القلب وتعفو وأتوب وقال: في يوم فراقنا على التحقيق … هذي كبدي أحقّ بالتمزيق لو دام لنا الوصال ألفي سنة … ما كان يفي بساعة التفريق وكان فاضلًا، شاعرًا، وتوفي في الرُّها. وفيها نُقل عز الدين أيدمر المُعَظَّمي من حَرَّان في تابوت إلى الشَّام، ودُفِنَ بجينين بوصيةٍ منه، لأَنَّها كانت مقدمه في الغزوات، وكان شجاعًا، له وقائعُ مشهورة، وهو الذي أخرج دمشق من يد النَّاصر داود.

стр. 10673

السنة الثانية والثلاثون وست مئة فيها شَرَعَ الأشرف في بناء خان الزنجاري الذي بالعُقَيبة [مسجدًا] (١)، وكان خانًا مشهورًا بالفجور والخواطئ وشُرْب الخمر. [فسبحان من بدَّل ذاك المكان بالذكر والصلوات وقراءة القرآن] (٢). وفيها خرجت عساكر الروم نحو آمد، فأقاموا عليها أيامًا، ثم نزلوا السُّوَيداء، فأخذوها، وقيل: في هذه السَّنة أخذوا الرُّها وحرَّان والرَّقَّة، ونزل إليهم صاحبُ مارِدِين، وأخذوا من الأموال ما لا يحصى. وفيها توفي [شهاب الدين] (٣) عبد السَّلام بن المُطَهَّر ابن عبد الله بن محمد بن أَبي عَصْرون (٣). وكان فقيهًا، فاضلًا، زاهدًا، عابدًا إلا أَنَّه كان مغرًى بالنِّكاح، [فبلغني عنه أنه] (٢) كان عنده نيفٌ وعشرون جارية للفراش مع علوِّ السن، [(٤) وقيل: إنهن] كُنَّ سببًا لأمراض اعترته مختلفة، أورثته يَبَسًا استولى عليه، فأتلفه، [وصلي عليه بجامع الجبل،] (٥)، ودفن بقاسيون، وهو والد قطب الدين وتاج الدين. [وقيل: مات في السنة المتقدمة] (٢). صواب مقدَّم عَسْكر العادل (٦) الذي أسره الروم، وكان خادمًا، عاقلًا، شجاعًا، جَوَادًا، وكان العادل والكامل يعتمدان عليه، وكان حاكمًا على الشرق.

стр. 10674

[فصل: وفيها توفي علي بن هبة الله بن مسعود (١) أبو الحسن البغدادي البزاز، من أهل باب البصرة. سمع الكثير ورواه، وتوفي في المحرم، ودفن عند جامع المنصور، وسمع قاضي المارستان، وأبا القاسم بن السمرقندي، وابن ناصر، وغيرهم، ولي منه إجازة. وكان يتغفَّل، خرج يومًا إلى السوق، ويداه مبسوطتان كأنه يريد أن يعانق شيئًا، فقيل له: ما الذي بك؟ ما تريد؟ فقال: طلبت مني أمي إجَّانة، وقالت: أريدها تكون بهذا القدر، وأنا أمضي لأشتريها لها. وفيها توفي علي بن المبارك (٢) ابن الحسن الواسطي، ويعرف بابن باسوية. سمع الكثير، وقدم الشام فأقام يُسمع الحديث بدمشق، توفي بها في شعبان، ودفن بالباب الصغير. فصل: وفيها توفي شرف الدين النهاوندي الصوفي شيخ خانكاه شبل الدولة كافور الحسامي بقاسيون، وكان رجلًا صالحًا، كريمًا، دَيِّنًا، عفيفًا، متواضعًا، حسن السَّمْت] (٣). السنة الثالثة والثلاثون وست مئة فيها قطع الكاملُ والأشرفُ الفرات، واستعاد الكامل حَرَّان والرُّها وغيرها من بلاد الشرق، وأخرب قلعة الرها، واندفعت عساكر الرُّوم قبل وصوله، ونزل على دُنَيْسر،

стр. 10675

فأخربها إلا الجامع، واستباحوا الفروج والأموال، وبينا هُمْ على دُنَيسر جاء كتاب بدر الدين لؤلؤ إلى الأشرف يقول: قد قَطَعَ التتر دِجْلة في مئة طلب، [كل طُلْب] (١) خمس مئة فارس، ووصلوا إلى سنجار، فخرج إليهم معين الدِّين بن كمال الدين بن مهاجر، فقتلوه على باب سنجار، فقطع الكامل والأشرف الفرات إلى ناحية دمشق، ورجع التتر، ولما قطعا الفرات عادت عساكر الرُّوم. وجاءت الخوارزمية إلى صاحب مارِدِين، فنزل إليهم، وأحرقوا نصيبين، وفعلوا فيها أعظم ما فعل الكامل بدُنَيسر، وتوجَّهت العساكر، فنازلوا آمد، وخرجت السنة والحصار عليها، وفتحت في السنة الآتية. وفيها توفي الحسن بن محمد القاضي، القَيْلويي (٢) وقيلوية؛ قرية من قرى بغداد، الكاتب الفاضل. ولد [بالنِّيل] (١) بالعراق سنة أربعٍ وستين وخمس مئة، وكان كثيرَ الأدب، مليح الخط، عارفًا بالتَّواريخ وأيام الناس، حَسَنَ العبارة، متواضعًا، دَيِّنًا، صالحًا، وكان الأشرف يحبُّه، ويعتقدُ فيه. [وحكى لي ولده نجم الدين أبو الحسن علي بقاسيون في سنة تسع وأربعين وست مئة، قال] (٣): سألتُ أبي: كم كتبتَ؟ فقال: مقدار ألفي مجلدة ما بين صغير وكبير، وكتبت "الصّحاح" ست نسخ، وذَيَّل على "تاريخ" أبي القاسم السِّمْناني، وكتابه أحسن، [وكان يسب القاضي شريح] (١)، وتوفي بالشَّام ثالث عشر ذي القَعْدة، ودفن بمقابر الصُّوفية عند المُنَيبع.

стр. 10676

محمد بن نَصْر بن عُنَيْن، الزُّرَعي (١) أصله من حَوْران، وكان خبيث اللِّسان، هجاءً، فاسقًا، متهتكًا، عمل قصيدًا سماها "مقراض الأعراض" خمس مئة بيت، لم يفلت أحدٌ من أهلِ دمشق منها بأقبح هَجْو، ونفاه صلاحُ الدِّين إلى الهند، فمضى، ومدح ملوكها، واكتسب مالًا، وعاد إلى دمشق، [وخدم في ديوان المعظَّم، وكان من أكبر سيئاته، وكانت مجالسه معمورة بقبائحه وَهَناته، وقد ذكرنا ذلك] (٢) ومن هجوه لصلاح الدِّين: [من المنسرح] سُلْطانُنا أعرجٌ وكاتِبُهُ … ذو عَمَشٍ والوزيرُ منحدبُ وصاحبُ الأمرِ خلْقُهُ شَرِسٌ … وعارضُ الجيش داؤه عَجَبُ والدَّوْلَعيُّ الخطيبُ مُعْتكِفٌ … وهو على قشر بيضةٍ يَثِبُ ولابن باقا وعظٌ يَغُرُّ به النَّا … سَ وعبدُ اللطيفِ محتسِبُ (٣) ولما نفي كتب من الهند إلى دمشق: [من الكامل] فعلامَ أبعدتم أخا ثقةٍ … لم يجترمْ ذنبًا ولا سَرَقا أنفوا الموذِّنَ من بلادكُمُ … إنْ كان يُنْفى كلُّ مَنْ صدقا (٤) وحضر يومًا بخراسان مجلسَ فخر الدين الرَّازي وهو يعظ، فجاءت حمامةٌ خَلْفها جارحٌ، فألقت نفسها على الفخر، فقال ابنُ عُنَين بديهًا: [من الكامل] جاءت سليمانَ الزَّمانِ حمامةٌ … والموتُ يلمعُ مِنْ جناحَيْ خاطفِ قَرِمٌ لواه الجوعُ حتى ظِلُّه … مِنْ تحته يمشي بقلب خائفِ مَنْ عَلَّم الورقاءَ أَنَّ محلَّكم … حَرَمٌ وأَنَّك ملجأٌ للخائفِ (٥) فرمى عليه فخر الدين جميعَ ما كان عليه، والحاضرون.

стр. 10677

ولما عاد إلى دمشق هجا العادلَ، فقال: [من الخفيف] إنَّ سُلْطاننا الذي نرتجيه … واسعُ المال ضيِّقُ الإنفاقِ هو سَيفٌ كما يقال ولكنْ … قاطعٌ للرُّسومِ والأرزاقِ (١) ولما استخدمه المعظم أقام مدة، ثم كتب إليه يستقيله [من ذلك، فأنشأ يقول] (٢): [من الطويل] أَقِلْني عِثاري وادَّخِرْها وسيلةً … يكونُ برُحْماها لكَ اللهُ جازيا كفى حَزَنًا أَنْ لستَ ترضى ولا أرى … فتىً راضيًا عني ولا اللهَ راضيا وكيف أُرَجِّي بعد سبعين حجةً … نجاةً وقد لاقيتُ فيها الدَّواهيا أخوضُ الأفاعي طول دهريَ خائفًا … وكم يتوفَّى مَنْ يخوضُ الأفاعيا (٣) [ولزم السجادة، وانقطع، فبعث له المعظم قنينة خمر وفصوص النرد، وقال: سبح بهذه،] (٣) ومات عن إحدى وثمانين سنة، وقيل: مات سنة إحدى وثلاثين وست مئة. أبو الخَطَّاب بن دِحْية، المغربي (٤) كان في المحدِّثين مِثْلَ ابن عُنَيْن في الشُّعراء، يَثْلِبُ علماء المُسْلمين، ويقع فيهم، ويتزيَّد في كلامه، فترك النَّاس الرِّواية عنه، وكذَّبوه، وكان الكامل مقبلًا عليه، فلما انكشف له حاله أَعْرَضَ عنه، وأخذ منه دار الحديث، وأهانه، فتوفي في ربيع الأول بالقاهرة، ودُفِنَ بقرافة مِصْر. وكان قد قَدِمَ دمشق، وسأل الوزير ابنَ شُكْر أن يجمع بينه وبين شيخنا تاج الدين، فاجتمعا، وتناظرا، وجرى بينهما البحث في قول العرب: لقيته من وراء وراء. فقال ابنُ دِحْية: لا يقال: وراءُ بالرفع، بل بالنَّصْب. فقال تاج الدين: أخطأتَ بل الصَّحيح

стр. 10678

وراء، بالرَّفع. فَسَفِهَ على شيخنا تاجِ الدين. فقال له: يَا مدَّعي، أَنْتَ تكتب: وَكَتَبَ ذو النَّسبين بين دِحية والحسين. ودِحية بإجماعِ المحدِّثين ما أعقب، فقد كذبتَ فِي نسبك. [قلت: والصَّحيح مع تاج الدين (١)، وقد ذكرها الجوهري، فقال: وراء بمعنى خلف، وقد يكون بمعنى قدام، وهو من الأضداد، وأنشد: [من الطَّويل] إذا أنا لم أُوْمَنْ عليك ولم يكن … لقاؤك إلَّا من وراءُ وراءُ] (٢) السنة الرَّابعة والثلاثون وست مئة فيها نزل التتر على إِرْبل بالفارس والرَّاجل، وحاصروها مُدَّة، ونصبوا عليها المجانيق، ونقبوا سورها، ودخلوها عَنْوةً، وقتلوا كلَّ مَنْ فيها، وَسَبْوا وفضحوا البنات، وأخذوا الأموال، وصارتِ الآبار والدُّور قبورَ أهلها، ونتنت المدينة من كَثْرة الجيف، وكان بادكين مملوك الخليفة فِي القلعة، فقاتلهم، ونقبوا القلعة، وجعلوها أسرابًا وطرقًا، وقلَّت عندهم المياه، وماتَ بعضُهم عطشًا، ولم يبق سوى أخذها فمنَّ الله على من بقي من أهلها، فرحلوا عنها فِي ذي الحِجَّة، وقد عَجَزوا عن حَمْل ما أخذوا من الأموال والغنائم، ثم هرب بعد ذلك بادكين إِلَى بغداد. وفيها استخدم الصَّالحُ أَيُّوب الخُوارَزْميةَ الذين بقوا من أصحاب جلال الدِّين، فانضمُّوا إليه، وانفصلوا عن الرُّومي. وفيها بَدَتِ الوَحْشة بين الكامل والأشرف، وسببه أَنَّ الأشرف طلبَ منه الرَّقَّة، وقال: الشَّرْق قد صار له، وأنا أطلب كل يوم فِي خِدْمته، فتكون هذه برسم عليق دوابي. وجعل الفلك ابن المسيري واسطةً، فكتب الفلك إِلَى الكامل يخبره، فكتب الكامل إِلَى الفلك كتابًا غليظًا شنيعًا. وكان الكامل لما عَزَمَ على أَخْذِ الرُّوم قال أسد

стр. 10679

الدِّين للأشرف: متى أخذ الرُّوم نبقى بين يديه يقلِّبُنا كيف شاء، واتفقا عليه، ولما عاد من الرُّوم إِلَى دمشق فهم الكامل ذلك، فخاف، وعجَّل الرَّواح إِلَى مِصْر، فبعث إليه الأشرف يقول: أخذت مني الشَّرْق، وقد افتقرتُ بهذه البواكير، ودمشق فبستان ما لي فيها شيء. فبعث إليه الكامل عشرة آلاف دينار، فردَّها، وقال: أنا أدفع هذه لأميرين! فغَضِبَ الكاملُ، وقال: أيش يعمل بالمُلْك؟ تكفيه عشرته للمغاني، وتعلمه لصناعتهم. فتنمَّرَ عليه الأشرف، وقال: والله لأُعَرِّفَنَّه قَدْرَه. وأرسل إِلَى حلب وحماة وبلاد الشَّرْق، وقال: قد عَرَفْتُم بُخْلَ الكامل، وطمعه فِي البلاد. فحلفوا واتفقوا، ولما وَصَلَ الكامل إِلَى قلعة القاهرة باسَ العتبة، وقال: رأيتُ روحي فِي قلعتي. فلما مات الأشرف [فِي سنة خمس وثلاثين وست مئة] (١) قال: والله لو لم يمت لراحت البلاد منَّا. فقيل له: لك من باب المَوْصل إِلَى اليمن، فأيش تلتفت عليه؟! فقال: اسكتوا، كان كريمًا، والكرم ما معه حديث. وكان النَّاصر قد اتفق مع الأشرف، ثم انحرف عنه، ومضى إِلَى الكامل. وفيها تُوفِّي النَّاصح عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهَّاب، الحنبلي (٢) ولد بدمشق، ونشأ بها، وقرأ القرآن، وقدم بغداد فتفقَّه على أبي الفَتْح بن المَنِّي، وسمع الحديث من شُهْدة وطبقتها، وعاد إِلَى دمشق، ووعظ، وصنَّف الكتب، [ورأيت بخط ابنه فهرسة تصانيفه: "الإنجاد فِي الجهاد"، و"المقامة الدمشقية"، و"الإجماع والنص والقياس فِي فضائل بني العباس"، و"المزوق فِي التفسير"، و"الفروق فِي اللغة"، و"الحدائق فِي الوعظ والجدل والأقيسة والخطب"، و"شرح أسماء الله تعالى"، و"أسباب الحديث"، و"مختارات من المسند والبخاري ومسلم"، وغير ذلك.

стр. 10680

وقد ذكرنا ما جرى بينه وبين العادل فِي فتح باب الفراديس، وسفر الناصح إِلَى حلب، وإقامته حتَّى مات العادل، وعاد إِلَى دمشق] (١)، ودرَّس بمدرسة ربيعة خاتون فِي الجبل، وكان يعظ فِي الأحايين، [وقد حضر مجالسي بحلب ودمشق، وكان قد جرى بيني وبين الأشرف بسبب الناصر، وجلوسي ذلك المجلس الذي ذكرت فيه القدس وحشة، ولما أخذ الأشرف دمشق لزمت زاويتي، ولم اجتمع به حياء منه، لأنه كان أحسن إليَّ إحسانًا كثيرًا، وتفضل علي فضلًا غزيرًا، وفوَّض إليَّ جميع الخوانك التي ببلاده شرقًا وغربًا، وبُعْدًا وقربًا، وجهزني إِلَى الحج على طريق العراق، فسرت عارفًا بإحسانه وجميله، وأقام لي سبيلًا مثل سبيله، ولما دخل دمشق، وانقطعتُ عنه صَعِدَ الناصح إِلَى القلعة، وسأل الأشرف أن يجلس بجامع دمشق، وذلك عقب جلوسي فِي نوبة القدس، وقال الناصح: أريد أذكر فضائل السلطان، وما أولى النَّاس من العدل. وكان مقصودة أن يأتي بعكس ما أتيت به ليتقدم عند الأشرف، ثم قال: وأريد السلطان يحضر عندي. فقال: أنا اشتغالي كثير، بلى السلطان الصالح إسماعيل يحضر عندك وعماد الدين بن موسك. وجلس بباب المشهد فِي المكان الذي يجلس فيه الصالح والعماد فِي القُبَّة، وشرع فِي الكلام وبالغ، وقال وأطال، ولم يخشع قلب، ولم تدمع عين، ووقع فِي شمل المجلس الشتات والبين، وكان من عادتي يوم الخميس أن لا أنزل حتَّى تصل الشَّمس إِلَى المنبر، وقد أَلْف النَّاس ذلك، فهم به أخبر، فقال عماد الدين للصالح: متى تنزل إِلَى موضعها؟ فقال الصالح: الشَّمس ترديه. وقاموا، وحكوا للأشرف صورة المجلس، فأعجبه جواب الصالح، وقال: والله صدقت. وحضر يومًا عند الأشرف فقال: قد ذكرت فِي "كتاب الجهاد" أنَّه ما اجتمع أَلْف من الْأَنصار فِي جيش إلَّا ونصر. فقال الأشرف: فقد خرج يوم أحد مع النَّبِيّ ﷺ أَلْف من الْأَنصار، وجرى ما جرى! قلت: ما حضر يوم أحد أَلْف من الْأَنصار، لأن الصحابة كانوا ست مئة، فيهم مهاجرون وأنصار، وكيف يكونون ألفًا!] (١). وكانت وفاته غُرَّة المحرم، ودفن بقاسيون.
следующие страницы →