محمد بن نَصْر بن عُنَيْن، الزُّرَعي (١)
أصله من حَوْران، وكان خبيث اللِّسان، هجاءً، فاسقًا، متهتكًا، عمل قصيدًا سماها "مقراض الأعراض" خمس مئة بيت، لم يفلت أحدٌ من أهلِ دمشق منها بأقبح هَجْو، ونفاه صلاحُ الدِّين إلى الهند، فمضى، ومدح ملوكها، واكتسب مالًا، وعاد إلى دمشق، [وخدم في ديوان المعظَّم، وكان من أكبر سيئاته، وكانت مجالسه معمورة بقبائحه وَهَناته، وقد ذكرنا ذلك] (٢) ومن هجوه لصلاح الدِّين: [من المنسرح]
سُلْطانُنا أعرجٌ وكاتِبُهُ … ذو عَمَشٍ والوزيرُ منحدبُ
وصاحبُ الأمرِ خلْقُهُ شَرِسٌ … وعارضُ الجيش داؤه عَجَبُ
والدَّوْلَعيُّ الخطيبُ مُعْتكِفٌ … وهو على قشر بيضةٍ يَثِبُ
ولابن باقا وعظٌ يَغُرُّ به النَّا … سَ وعبدُ اللطيفِ محتسِبُ (٣)
ولما نفي كتب من الهند إلى دمشق: [من الكامل]
فعلامَ أبعدتم أخا ثقةٍ … لم يجترمْ ذنبًا ولا سَرَقا
أنفوا الموذِّنَ من بلادكُمُ … إنْ كان يُنْفى كلُّ مَنْ صدقا (٤)
وحضر يومًا بخراسان مجلسَ فخر الدين الرَّازي وهو يعظ، فجاءت حمامةٌ خَلْفها جارحٌ، فألقت نفسها على الفخر، فقال ابنُ عُنَين بديهًا: [من الكامل]
جاءت سليمانَ الزَّمانِ حمامةٌ … والموتُ يلمعُ مِنْ جناحَيْ خاطفِ
قَرِمٌ لواه الجوعُ حتى ظِلُّه … مِنْ تحته يمشي بقلب خائفِ
مَنْ عَلَّم الورقاءَ أَنَّ محلَّكم … حَرَمٌ وأَنَّك ملجأٌ للخائفِ (٥)
فرمى عليه فخر الدين جميعَ ما كان عليه، والحاضرون.
стр. 10677
ولما عاد إلى دمشق هجا العادلَ، فقال: [من الخفيف]
إنَّ سُلْطاننا الذي نرتجيه … واسعُ المال ضيِّقُ الإنفاقِ
هو سَيفٌ كما يقال ولكنْ … قاطعٌ للرُّسومِ والأرزاقِ (١)
ولما استخدمه المعظم أقام مدة، ثم كتب إليه يستقيله [من ذلك، فأنشأ يقول] (٢): [من الطويل]
أَقِلْني عِثاري وادَّخِرْها وسيلةً … يكونُ برُحْماها لكَ اللهُ جازيا
كفى حَزَنًا أَنْ لستَ ترضى ولا أرى … فتىً راضيًا عني ولا اللهَ راضيا
وكيف أُرَجِّي بعد سبعين حجةً … نجاةً وقد لاقيتُ فيها الدَّواهيا
أخوضُ الأفاعي طول دهريَ خائفًا … وكم يتوفَّى مَنْ يخوضُ الأفاعيا (٣)
[ولزم السجادة، وانقطع، فبعث له المعظم قنينة خمر وفصوص النرد، وقال: سبح بهذه،] (٣) ومات عن إحدى وثمانين سنة، وقيل: مات سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
أبو الخَطَّاب بن دِحْية، المغربي (٤)
كان في المحدِّثين مِثْلَ ابن عُنَيْن في الشُّعراء، يَثْلِبُ علماء المُسْلمين، ويقع فيهم، ويتزيَّد في كلامه، فترك النَّاس الرِّواية عنه، وكذَّبوه، وكان الكامل مقبلًا عليه، فلما انكشف له حاله أَعْرَضَ عنه، وأخذ منه دار الحديث، وأهانه، فتوفي في ربيع الأول بالقاهرة، ودُفِنَ بقرافة مِصْر.
وكان قد قَدِمَ دمشق، وسأل الوزير ابنَ شُكْر أن يجمع بينه وبين شيخنا تاج الدين، فاجتمعا، وتناظرا، وجرى بينهما البحث في قول العرب: لقيته من وراء وراء. فقال ابنُ دِحْية: لا يقال: وراءُ بالرفع، بل بالنَّصْب. فقال تاج الدين: أخطأتَ بل الصَّحيح
стр. 10678
وراء، بالرَّفع. فَسَفِهَ على شيخنا تاجِ الدين. فقال له: يَا مدَّعي، أَنْتَ تكتب: وَكَتَبَ ذو النَّسبين بين دِحية والحسين. ودِحية بإجماعِ المحدِّثين ما أعقب، فقد كذبتَ فِي نسبك.
[قلت: والصَّحيح مع تاج الدين (١)، وقد ذكرها الجوهري، فقال: وراء بمعنى خلف، وقد يكون بمعنى قدام، وهو من الأضداد، وأنشد: [من الطَّويل]
إذا أنا لم أُوْمَنْ عليك ولم يكن … لقاؤك إلَّا من وراءُ وراءُ] (٢)
السنة الرَّابعة والثلاثون وست مئة
فيها نزل التتر على إِرْبل بالفارس والرَّاجل، وحاصروها مُدَّة، ونصبوا عليها المجانيق، ونقبوا سورها، ودخلوها عَنْوةً، وقتلوا كلَّ مَنْ فيها، وَسَبْوا وفضحوا البنات، وأخذوا الأموال، وصارتِ الآبار والدُّور قبورَ أهلها، ونتنت المدينة من كَثْرة الجيف، وكان بادكين مملوك الخليفة فِي القلعة، فقاتلهم، ونقبوا القلعة، وجعلوها أسرابًا وطرقًا، وقلَّت عندهم المياه، وماتَ بعضُهم عطشًا، ولم يبق سوى أخذها فمنَّ الله على من بقي من أهلها، فرحلوا عنها فِي ذي الحِجَّة، وقد عَجَزوا عن حَمْل ما أخذوا من الأموال والغنائم، ثم هرب بعد ذلك بادكين إِلَى بغداد.
وفيها استخدم الصَّالحُ أَيُّوب الخُوارَزْميةَ الذين بقوا من أصحاب جلال الدِّين، فانضمُّوا إليه، وانفصلوا عن الرُّومي.
وفيها بَدَتِ الوَحْشة بين الكامل والأشرف، وسببه أَنَّ الأشرف طلبَ منه الرَّقَّة، وقال: الشَّرْق قد صار له، وأنا أطلب كل يوم فِي خِدْمته، فتكون هذه برسم عليق دوابي. وجعل الفلك ابن المسيري واسطةً، فكتب الفلك إِلَى الكامل يخبره، فكتب الكامل إِلَى الفلك كتابًا غليظًا شنيعًا. وكان الكامل لما عَزَمَ على أَخْذِ الرُّوم قال أسد
стр. 10679
الدِّين للأشرف: متى أخذ الرُّوم نبقى بين يديه يقلِّبُنا كيف شاء، واتفقا عليه، ولما عاد من الرُّوم إِلَى دمشق فهم الكامل ذلك، فخاف، وعجَّل الرَّواح إِلَى مِصْر، فبعث إليه الأشرف يقول: أخذت مني الشَّرْق، وقد افتقرتُ بهذه البواكير، ودمشق فبستان ما لي فيها شيء. فبعث إليه الكامل عشرة آلاف دينار، فردَّها، وقال: أنا أدفع هذه لأميرين! فغَضِبَ الكاملُ، وقال: أيش يعمل بالمُلْك؟ تكفيه عشرته للمغاني، وتعلمه لصناعتهم. فتنمَّرَ عليه الأشرف، وقال: والله لأُعَرِّفَنَّه قَدْرَه. وأرسل إِلَى حلب وحماة وبلاد الشَّرْق، وقال: قد عَرَفْتُم بُخْلَ الكامل، وطمعه فِي البلاد. فحلفوا واتفقوا، ولما وَصَلَ الكامل إِلَى قلعة القاهرة باسَ العتبة، وقال: رأيتُ روحي فِي قلعتي.
فلما مات الأشرف [فِي سنة خمس وثلاثين وست مئة] (١) قال: والله لو لم يمت لراحت البلاد منَّا. فقيل له: لك من باب المَوْصل إِلَى اليمن، فأيش تلتفت عليه؟! فقال: اسكتوا، كان كريمًا، والكرم ما معه حديث.
وكان النَّاصر قد اتفق مع الأشرف، ثم انحرف عنه، ومضى إِلَى الكامل.
وفيها تُوفِّي
النَّاصح عبد الرحمن بن نجم بن عبد الوهَّاب، الحنبلي (٢)
ولد بدمشق، ونشأ بها، وقرأ القرآن، وقدم بغداد فتفقَّه على أبي الفَتْح بن المَنِّي، وسمع الحديث من شُهْدة وطبقتها، وعاد إِلَى دمشق، ووعظ، وصنَّف الكتب، [ورأيت بخط ابنه فهرسة تصانيفه: "الإنجاد فِي الجهاد"، و"المقامة الدمشقية"، و"الإجماع والنص والقياس فِي فضائل بني العباس"، و"المزوق فِي التفسير"، و"الفروق فِي اللغة"، و"الحدائق فِي الوعظ والجدل والأقيسة والخطب"، و"شرح أسماء الله تعالى"، و"أسباب الحديث"، و"مختارات من المسند والبخاري ومسلم"، وغير ذلك.
стр. 10680
وقد ذكرنا ما جرى بينه وبين العادل فِي فتح باب الفراديس، وسفر الناصح إِلَى حلب، وإقامته حتَّى مات العادل، وعاد إِلَى دمشق] (١)، ودرَّس بمدرسة ربيعة خاتون فِي الجبل، وكان يعظ فِي الأحايين، [وقد حضر مجالسي بحلب ودمشق، وكان قد جرى بيني وبين الأشرف بسبب الناصر، وجلوسي ذلك المجلس الذي ذكرت فيه القدس وحشة، ولما أخذ الأشرف دمشق لزمت زاويتي، ولم اجتمع به حياء منه، لأنه كان أحسن إليَّ إحسانًا كثيرًا، وتفضل علي فضلًا غزيرًا، وفوَّض إليَّ جميع الخوانك التي ببلاده شرقًا وغربًا، وبُعْدًا وقربًا، وجهزني إِلَى الحج على طريق العراق، فسرت عارفًا بإحسانه وجميله، وأقام لي سبيلًا مثل سبيله، ولما دخل دمشق، وانقطعتُ عنه صَعِدَ الناصح إِلَى القلعة، وسأل الأشرف أن يجلس بجامع دمشق، وذلك عقب جلوسي فِي نوبة القدس، وقال الناصح: أريد أذكر فضائل السلطان، وما أولى النَّاس من العدل. وكان مقصودة أن يأتي بعكس ما أتيت به ليتقدم عند الأشرف، ثم قال: وأريد السلطان يحضر عندي. فقال: أنا اشتغالي كثير، بلى السلطان الصالح إسماعيل يحضر عندك وعماد الدين بن موسك. وجلس بباب المشهد فِي المكان الذي يجلس فيه الصالح والعماد فِي القُبَّة، وشرع فِي الكلام وبالغ، وقال وأطال، ولم يخشع قلب، ولم تدمع عين، ووقع فِي شمل المجلس الشتات والبين، وكان من عادتي يوم الخميس أن لا أنزل حتَّى تصل الشَّمس إِلَى المنبر، وقد أَلْف النَّاس ذلك، فهم به أخبر، فقال عماد الدين للصالح: متى تنزل إِلَى موضعها؟ فقال الصالح: الشَّمس ترديه. وقاموا، وحكوا للأشرف صورة المجلس، فأعجبه جواب الصالح، وقال: والله صدقت.
وحضر يومًا عند الأشرف فقال: قد ذكرت فِي "كتاب الجهاد" أنَّه ما اجتمع أَلْف من الْأَنصار فِي جيش إلَّا ونصر. فقال الأشرف: فقد خرج يوم أحد مع النَّبِيّ ﷺ أَلْف من الْأَنصار، وجرى ما جرى!
قلت: ما حضر يوم أحد أَلْف من الْأَنصار، لأن الصحابة كانوا ست مئة، فيهم مهاجرون وأنصار، وكيف يكونون ألفًا!] (١).
وكانت وفاته غُرَّة المحرم، ودفن بقاسيون.
стр. 10681
القاضي التكريتي، واسمه عبد الرَّحمن (١)
ولي ديوان المعظم بالقُدْس، ثم ولي قضاء الكَرَك، وكان قد دَرَّس بمدرسة الزبداني، فلما أُخذ وَقْفُها عاد إِلَى القُدْس، ثم عاد إِلَى دمشق لما أخذها الأشرف، فناب بها عن القضاة، وتوفي بها، ودفن بقاسيون، وكان فاضلًا، نَزِهًا، عفيفًا.
الشِّهاب أَحْمد، الأمير (٢)
كان شجاعًا، جَوَادًا، كَيِّسًا، متواضعًا، حَسَنَ المحضر، من خواصِّ الكامل وأرباب سِرِّه.
الشجاع علي بن إيداش بن السَّلَّار، أمير الحاج (٣)
حجَّ بالنَّاس نيفًا وعشرين حجة، وكان صالحًا، سخيًّا، عابدًا، صاحب أوراد، كريم النفس، حسنَ الأخلاق، [وكان يحضر مجالسي، فيبكي من أول المجلس إِلَى آخره] (٤)، وكان المعظَّم يحبه ويحترمه، ويعتمد عليه.
[ذِكْرُ وفاته] (٤):
وكان مقيمًا بالكَرَك عند النَّاصر، فنقل الحُسَّاد عنه ما لا يليق، فأحضره النَّاصر، وأحضر شمس الدين قاضي نابُلُس، وأسمع الشُّجاع كلامًا خشنًا، وقال: قلتَ عني كذا وكذا؟ فأنكر، فقال القاضي للنَّاصر: يَا مولانا، شجاع الدين ما يُفَرَّط فيه، وقد كان له عند المعظم المكانة الرفيعة، وما يحسن هذا بك.
[(٥) وكنت يومئذ بدمشق، فقد دمشق، وجاء إِلَى عندي، وحكى لي صورة ما جرى، فقلت له: هو عندك مثل الولد. فقال:] والله ما قلتُ إلَّا أَنَّه يقرأ المنطق، والفقه
стр. 10682
أَوْلى، مثلما كان أبوه. و [بعد يومين] (١) مرض، فأصابه ذَرَبٌ عظيم، فرمى كبده قطعًا، ومات بعد ثمانية أيام من قدومه دمشق، وذلك فِي جُمادى الآخرة، ودفن بقاسيون.
الملك العزيز محمَّد بن الملك الظاهر صاحب حلب (٢)
ولد فِي ذي الحجة سنة تسع أو عشر وست مئة (٣)، وتوفي والده وهو طفل، ونشأ تحت حَجْر شهاب الدِّين الخادم، فرتَّب أموره أحسن ترتيب، وقام بدولته [القيام العجيب] (١) إِلَى أن ترعرع فِي سنة تسعٍ وعشرين، فاستقلَّ بالأمر، وفكَّ عن نفسه الحَجْر، وتوفي بحلب، ودفن فِي القلعة، وكان حسنَ الصُّورة، كريمًا، عفيفًا، ولم يبلغ أربعًا وعشرين سنة، وحكى الحلبيون أن أحواله تغيَّرت، [وأقاموا ولده الملك الناصر يوسف بعده] (١).
كَيْقُباذ، علاء الدين، صاحب الروم (٤)
كان عاقلًا، شجاعًا، ميمون النقيبة، كَسَر الخُوارَزْمي، وعسكر الكامل، واستولى على بلاد الشرق، وزوَّجه العادل ابنته، وأولدها، وكان عادلًا، مُنْصفًا، مهيبًا، ما وَقَفَ له مظلوم إلَّا وكشف ظُلامتَهُ، وتوفي فِي شوَّال.
الكمال بن مهاجر (٥)
كان كثيرَ المال والصَّدقات والخير، مات بدمشق فِي جُمادى الأولى فجأة، ودُفِنَ بقاسيون، وأخذ الأشرف جميعَ ما وجد له بدمشق مما تبلغ قيمته ثلاث مئة أَلْف دينار، [أراني الأشرف] (١) من ذلك سبحة [فيها] (١) مئة حبَّة مثل بيض الحَمَام.
стр. 10683
السنة الخامسة والثلاثون وست مئة
فيها تُوفِّي الأشرف والكامل، وولي الجَوَاد دمشق.
وفيها اختلفت الخُوارَزْمية على الصَّالح أَيُّوب [بن الكامل] (١)، وأرادوا القَبْضَ عليه، وكان على الفرات، فهرب إِلَى سِنْجار، وترك خزائنه وأثقاله، وعَبَرَ الفرات من عند دير يسير، فنهبوا الجميع، ولما صار فِي سِنْجار سار إليه بدر الدين لؤلؤ، فحصره فِي ذي القَعْدة، فأرسل [الصالح] (١) إِلَى لؤلؤ يسأله الصُّلْح، فقال: لا بُدَّ من حَمْله إِلَى بغداد فِي قفص، وكان لؤلؤ والمشارقة يكرهون مجاورته، وينسبونه إِلَى التكبر والتجبر والظُّلْم، فألجأت الضَّرورة إِلَى أن بَعَثَ الصَّالح إِلَى الخُوارَزْمية وهم على حَرَّان يستنجدهم، فألجأت الضرورة إِلَى أن بَعَثَ الصَّالح إليهم بدر الدين قاضي سنجار، وحَطَّه من السُّور فِي حبل، فشرط للخوارزمية كل ما أرادوا، فساقوا جرائد من حَرَّان، فكبسوا بدر الدين لؤلؤ على سنجار، فنجا وحده على فرسٍ سابق، ونهبوا أمواله وخزائنه، والخيل والخيام، وجميع ما كان فِي عسكره، حتَّى بِيعت الدَّواة المفضضة التي تساوي مئتي درهم بخمسة دراهم، والطِّسْت والإبريق يساوي ثلاث مئة دِرْهم بِيعَ بعشرين درهمًا، واقتسموا الكُوسات والنقارات من ذلك اليوم، واستغنَوْا إِلَى الأبد.
وفيها خَطَبَ الكمال عمر بن أَحْمد بن هبة الله بن طلحة النَّصِيبي بجامع دمشق فِي شعبان بعد وفاة الدَّوْلعي.
وفيها تُوفِّي
خُطْلُبا بن عبد الله، صارم الدِّين التِّبْنيني (٢)
المجاهد، المرابط، الدَّيِّن، الصالح، [العاقل] (١)، تُوفِّي يوم الاثنين، ثالث شعبان، ودفن فِي تُرْبته التي أنشأها بقاسيون، ودَفَنَ بها شركس، [وهو الذي أنشأ هذه التوبة، ووقف عليها الأوقاف] (١)، وكان كثيرَ الصَّدقات والمعروف والصِّلات،
стр. 10684
عاقلًا، طاهرَ اللِّسان، غزير الفضل [والإحسان] (١)، أقام فِي الثغور مُدَّة سنين يجاهد العدو، ويحفظ البلاد على المُسْلمين.
محمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب، الملك الكامل (٢)
ولد سنة ثلاثٍ وسبعين وخمس مئة (٣)، وكان أكبر أولاد العادل بعد ممدود، وكان العادل قد عهد إليه لما رأى من ثباته وعقله وسَدَاده [فِي إصداره وإيراده] (١)، وقد ذكرنا سيرته فِي السِّنين، وكان شجاعًا، ذكيًّا [مهابًا] (١)، فطنًا، يحبُّ العلماء والأماثل، ويلقي عليهم المُشْكلات [من المسائل] (١)، وتكلَّم على "صحيح مسلم" بكلامٍ مليح، ولفظ فصيح، وثبت بين يدي العدو لما نَزَلَ الفرنج على دمياط مدة، ما أبقى قلمًا فِي خزائنه وذخائره.
وأما عدله فإليه المنتهى، [وفَضْله هو المشتهى] (١)، وبَلَغَ من عَدْله أَنَّ بعض الركبدارية استغاث إليه يومًا، وقال: استخدمني أُستاذي ستة أشهر بغير جامكية، فأحضر أُستاذه، وأنزله من فرسه، وخلَّعه ثيابه، وألبسها الركبدار، وأركبه الفرس، وألبس الجندي ثياب الركبدار، وقال له: احمل مداسه، واخدمه ستة أشهر كما خدمك.
وكان إذا سافر لا يتجاسر أحدٌ أن يأخذ من فلاحٍ علاقة شعير، ولا دجاجة [وإن دعت إِلَى ذلك الحاجة، ولقد بلغني أنَّه] (١) شنق جماعةً من الأجناد على آمِد؛ لكونهم أخذوا أكيال شعير لشخصٍ.
وكانت الطُّرق فِي أيامه آمنة بحيث يسير الراكب وحده، ولا يحتاج إِلَى حمل عُدَّة.
стр. 10685
[وجلست عنده بدار الوزارة فِي القاهرة سنة تسع وست مئة] (١).
وقال فخر الدين بن شيخ الشيوخ: لما حَضَرَ الفرنج دمياط صَعِدَ الكاملُ على مكان عالٍ، وقال لي: ما ترى ما أكثر الفرنج! ما لنا بهم طاقة. [قال] (١): فقلتُ: أعوذ بالله من هذا الكلام. قال: ولمَ؟ قلتُ: لأنَّ السَّعد موكل بالمنطق. فأخذتِ الفرنجُ فِي دمياط بعد قليل، فلما طال الحصار صَعِدَ يومًا على مكانٍ عالٍ، وقال: يَا فلان، ترى الفرنج ما أقلهم! والله ما هم شيء. فقلتُ: أخذْتَهُمْ والله. قال: وكيف؟ قلتُ: قلتَ فِي يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فأخذوا دمياط، وقد قلتَ اليوم: كذا، فالملوك منطَّقون بخيرٍ وشر. فأخذ دمياط بعد قليل.
وكان الملك الأشرف قد تُوفِّي فِي أول هذه السنة، واستولى الصَّالح إسماعيل على دمشق، وجاء الكامل، فحصره، وكان [خالي] (١) محيي الدِّين بن الجوزي بدمشق، فدخل بينهما فِي الصُّلْح، وأعطاه الكامل بَعْلَبَكَّ مضافةً إِلَى بُصْرى بعد أن حوصرت دمشق حصارًا شديدًا، وقُتِلَ عليها جماعة، وزحفَ النَّاصر داود بعسكره من باب توما، وتعلقوا بالنُّقوب، ولم يبق إلَّا أخذها، فأرسل الكاملُ فخر الدِّين بنَ شيخ الشيوخ، فرحَّله إِلَى أرض برزة، وكان الصَّالح قد أرسل إِلَى الكامل يقول: قد بلغني أنك تعطيها للنَّاصر، وأنتَ أحق. وسلَّمها إِلَى الكامل فِي أواخر جُمادى الأولى، فأقام بها إِلَى ثاني عشرين رجب، فتوفي فِي بيتٍ صغير بدار الفِضَّة فِي مكان مات صلاح الدين، ولم يعلم أحدٌ بموته، ولا حضره أحدٌ من شِدَّة هيبته، وإنما دخلوا عليه، فوجدوه مَيتًا، وكان مرضه نيفا وعشرين يومًا بالإسهال والسُّعال، ونزلةٍ فِي حَلْقه، ونِقْرس فِي رِجْله، [ودفن بالقلعة بعدما صلوا عليه] (١)، وأظهروا موته يوم الجمعة، ولم يحزن عليه أحد، ولا لبسوا ثياب الحُزْن، ولحق النَّاس بهتة، واتفقوا فِي الحلقة فِي ذلك النَّهار باتفاق الجَوَاد وسيف الدين بن قليج، والخدام، وعز الدين أيبك، وعماد الدين بن الشيخ، وسنذكر القصة.
стр. 10686
ذِكْرُ ما جرى بعد وفاته:
اجتمع الأمراء [وفيهم سيف الدين بن قليج، وعز الدين أيبك، والركن الهيجاوي،] (١) وعماد الدين وفخر الدين ابنا الشيخ، وتشاوروا، وانفصلوا على غير شيء، وكان النَّاصر داود بدار سامة، [فجاءه] (١) الركن الهيجاوي (٢) فِي الليل، وبيَّن له وجه الصَّواب، وأرسل إليه عِزُّ الدِّين أيبك يقول: أخرجِ المال، وفَرِّقْه فِي مماليك أبيك، والعوامُ معك وتملك البلد، ويبقوا فِي القلعة محصورين. فما أنفق، وأصبحوا يوم الجمعة فِي القلعة، فحضر مَنْ سَمَّينا، وذكروا النَّاصر والجَوَاد، وكان أضرَّ ما على النَّاصر عماد الدين بن الشيخ، لأَنَّه كان يجري فِي مجلس الكامل مباحثات، فيخطئه فيها ويستجهله، فبقي فِي قلبه، وكان فخر الدين يميل إِلَى النَّاصر، فأشار عمادُ الدين بالجواد، ووافقوه، وأرسلوا الهيجاوي يوم الجمعة إِلَى النَّاصر، وهو فِي دار سامة، فدخل عليه، وقال له: أيش قعودك فِي بلد القَوْم؟ قُمْ وأخرج. فقام، وركب وجميع مَنْ فِي دمشق من باب دار سامة إِلَى القلعة، وما شك أحدٌ أَنَّ النَّاصر طالع إِلَى القلعة، وساق، فلما تعدَّى مدرسة العماد الكاتب، وخرج من باب الزُّقاق عَرَّج إِلَى باب الفرج، فصاحت العامة: لا لا لا. وانقلبتْ دمشق، وخرج النَّاصر من باب الفرج إِلَى القابون، ووَقَعَ بهاء الدِّين بن بركيشوا وغِلْمانه فِي النَّاس بالدَّبابيس، فأنكوا فيهم، فهربوا.
وأما الجَوَاد، فإنَّه فتح الخزائن، وأخرج المال، [فبلغني أنَّه] (١) فَرَّق ستة آلاف أَلْف دينار، وخلع خمسة آلاف خِلْعة، وأبطل المكوس والخمور، ونفى الخواطئ، فأقام الناصر بالقابون أيامًا وعزموا على قَبْضه، فرحل، وبات بقصر أُم حكيم، وخرج خَلْفه أيبك الأشرفي ليمسكه، وعَرَفَ عمادُ الدين بن موسك، فبعث إليه فِي السِّرِّ، فسار فِي الليل إِلَى عجلون، ووصل أيبك إِلَى قصر أم حكيم، وعاد إِلَى دمشق.
стр. 10687
ذِكْرُ ما جرى بين النَّاصر والجَوَاد:
سار النَّاصر من عجلون إِلَى غَزَّة، فاستولى على السَّاحل، فخرج إليه الجواد فِي عسكرِ مِصْر والشَّام، [فبلغني أنَّه] (١) قال للأشرفية: كاتبوه وأطمعوه. فكاتبوه وأطمعوه، فاغترَّ بهم، وساق من غَزَّة فِي سبع مئة فارس إِلَى نابُلُس بأثقاله وخزائنه وأمواله، وكانت على سبع مئة جمل [على ما بلغني] (١)، وترك العساكر مقطعة خلفه، وضرب دِهْليزه على سَبَسْطِيَة، والجواد على جيتين، فساقوا عليه، وأحاطوا به، فساق فِي نفرٍ يسير نحو نابُلُس، وأخذوا الجمال بأحمالها والخزائن والجواهر والجنائب، واستغنَوْا غِنى الأبد، وافتقر هو فقرًا ما افتقره أحد، و [بلغني أن عماد الدين بن الشيخ] (٢) وقع بسَفَطٍ صغير، فيه اثنتا عشرة قطعة من الجوهر، وفصوص ليس لها قيمة، فدخل على الجواد، وطلبه منه، فأعطاه إياه.
وهذه الأموال التي كانت على الجمال قالوا: هي التي جَهَّز بها المعظَّم دار مرشد ابنته لما زَوَّجها بالخُوارَزْمي، أخذها الناصر منها ظنًّا منه أنَّه يعوِّضها إذا فتح البلاد، [ففعل الله فِي ملكه ما أراد] (١)، وسار النَّاصر لا يلوي على شيء إِلَى الكَرَك، [وكانوا قد أشاروا عليه فِي غزة أن يبعث الأموال والخزائن والأثقال إِلَى الكرك (١)] على الرَّوية، ويجمع عسكره، ويسيير جريدةً، فإنْ ظَهَرَ عليهم وإلا سَلِمَتْ خزائنه وأمواله وأموال عسكره، فاغترَّ بمكاتبة الأشرفية، [ولله فِي خلقه أسرار خفية] (١).
وحكي لي أَنَّ الكامل لما تُوفِّي اختلف أصحابه فيمن يولون، فقالوا لفخر الدِّين بن الشيخ: ما تقول فِي الجواد، فقد اتفق الأُمراء عليه؟ فقال: المصلحة أن نولي بعضَ الخُدَّام نيابةً عن ابنِ أُستاذنا العادل، متى شاء عزله، ومتى شاء أبقاه، ولا تولوا أحدًا من بيت الملك، ما يقدر أحدٌ بعد ذلك عليه، ويحكم علينا. وبلغ الجواد، فجاءه، وقال: يَا فخر الدين، أنا وأنت ربينا فِي خِدْمة الكامل، وبيننا خبز وملح، وأنا مملوكك. ووعده أَنْ يعطيه خبز مئة وخمسين فارسًا وعشرة آلاف دينار، فقال: والله لا وافقت إلَّا على ما فيه مصلحة ابن أُستاذي. فلما يئس منه فَرَّق ضياع الشَّام على
стр. 10688
الأمراء، وخَلَعَ عليهم، وفرَّق الخزائن، وكان فيها تسع مئة أَلْف دينار، وتوجَّه فخر الدين إِلَى مِصْر ومعه جماعةٌ من الأمراء بعد أن تردَّد إِلَى النَّاصر بالقابون دفعات.
محمَّد بن هبة الله بن محمَّد بن هبة الله بن مَمِيل (١)
أبو نَصْر، شمس الدين بن الشِّيرازي.
ولد بدمشق سنة تسعٍ وأربعين وخمس مئة، وسمع الحديث الكثير، وناب فِي القضاء مدَّة سنين، ودرَّس بمدرسة ست الشَّام بالعوينة، وتوفي ليلة الخميس ثالث جمادى الآخرة، ودفن بقاسيون فِي تربته، [وسمع من الحافظ ابن عساكر قطعة من التاريخ وغيره، وأبا يعلى حمزة بن عليّ الحُبُوبي، وأبا البركات الخضر بن شبل ويعرف بابن عبد، خطيب جامع دمشق، وأبا المعالي مسعود بن محمَّد ويلقب بالقطب النَّيسَابُورِيّ، وخلقًا كثيرًا] (٢)، وكان إمامًا، فقيهًا، عالمًا، فاضلًا، كَيِّسًا، لطيفًا، حَسَنَ الأخلاق، كريمَ الطِّباع، حميدَ الآثار، حُفَظَةً للحكايات الحِسان وأيام العرب، والأخبار والأشعار، ﵀.
محمَّد بن أبي الفَضْل (٣)
ابن زيد بن ياسين، الخَطيب، الدَّوْلَعي، ويلقب بالجمال.
أقام خطيبًا بعد موت عمِّه الدَّوْلَعي إِلَى هلم جرَّا، وكان حريصًا على المنصب، ولم يحجَّ حجة الإِسلام خوفًا على المحراب، وكان المعظَّم قد منعه من الفتوى.
قال المصنف ﵀: فقلتُ له: لم مَنَعْتَه؟ فقال: ما مَنَعْتُه، وإنما منعه شيوخ مذهبه وأكابرهم، كتبوا إليَّ يقولون: هذا رجلٌ جاهل، غليظُ الطَّبْع، وفتاويه كلُّها خطأ، ولا يحلُّ لك أن تمكنه من الفتوى فِي الفروج والأموال.
стр. 10689
وحكى [لي] (١) عماد الدِّين بن موسك وجماعة من أصحاب الأشرف، قالوا: لما مَرِضَ الأشرفُ المرضَ الذي مات فيه دخل علينا فِي النَّيرب والأشرفُ على خُطَّة، فقال له: طَيِّب قلبك، فقد رأيتُ النَّبيَّ ﷺ فِي المنام، وهو يقول: قُلْ لموسى: والله ما تموتُ فِي هذه المرضة. قال: فقُلْنا: بَشَّرك الله بالخير، فقال: إنْ مات، فارْجموني. قال عماد الدين: فمات بعد سبعة أيام، وما رجمناه. تُوفِّي رابع عشر جُمادى الأولى، ودُفِنَ بالمدرسة التي أنشاها بجيرون، [وكان قليل سماع الحديث، سمِع عمه عبد الملك بن زيد بن ياسين الدَّوْلعي، ومحمَّد بن صدقَة الحراني] (١)، وكان له أخٌ جاهل، فولي الخطابة بعده.
موسى بن أبي بكر، أبو الفَتْح، الملك الأشرف (٢)
ولد بالقاهرة سنة ستٍّ وسبعين وخمس مئة، وكان فِي مبدأ أمره بالقُدْس تحت حكم ابن الزَّنْجيلي عثمان. قال [لي] (١) المعظم: أنا أخذتُ له حَرَّان والرُّها والشَّرق من أبي، وجهَّزته من عندي بالخيل والعُدَّة والمماليك. وتقلبت به الأحوال حتَّى صار شاه أرمن، وكسر المواصلة، والرُّوم، والخوارزمي، وأخاه شهابَ الدين، وكان جَوَادًا، حسنًا، عادلًا [عاقلًا] (١) منجبًا؛ لو كانت الدُّنيا بيده، ودفعها إِلَى أقلِّ النَّاس ما استكثرها له، وكان ميمونَ النَّقيبة؛ ما كسرت له رايةٌ قَطُّ، ولما أيقن بالموت أخذ بعضُ مماليكه سنجقه ليكسره، وقال: ما يحمله غيره. فقال له: لا تفعل، فوالله ما كُسِرَ قط. [وحضر مجالسي بخلاط وحران، ودمشق فِي ذي الحجة يوم عرفة بعد العصر بجامع التوبة الذي أنشأه، وبكى بكاء شديدًا، وأعتق مماليكه وجواريه،] (١) وكان عفيفًا عن المحارم، ما خلا بامرأةٍ قَطُّ إلَّا أن تكون زوجةً أو جارية.
قال المصنف ﵀: ولما صَعِدْتُ إِلَى خِلاط، واجتمعت به فِي القلعة جلسنا يومًا فِي منظرةٍ، فعتَبَ على أخيه المعظَّم فِي قضيةٍ بلغته عنه، ثم قال: والله ما مددتُ عيني إِلَى حُرَمِ أحدٍ؛ لا ذكرٍ ولا أُنثى، ولقد كنتُ يومًا قاعدًا ها هنا فِي هذه الطَّيَّارة،
стр. 10690
فدخل الخادم، وقال: على الباب امرأةٌ عجوز تذكر أنها من عند بيت شاه أرمن صاحب خِلاط. فأذِنْتُ لها، فدخلت ومعها ورقةٌ من بنت شاه أرمن صاحب خِلاط تذكر أَنَّ الحاجب عليًّا قد قصدها، وأخذ ضيعتها، وقَصْدُه هلاكها، وما تتجاسر أَنْ تظهر خوفًا منه. قال: فكتبتُ على الورقة بإطلاقِ القرية، ونَهْي الحاجب عنها. فقالتِ العجوز: فهي تسأل الحضورَ بين يديك، فعندها سِرٌّ ما يمكن ذكره إلَّا للسُّلْطان. فقلت: بسم الله. فقامت، وغابت ساعة، ثم جاءت، فدخلت ومعها امرأةٌ ما رأيتُ فِي الدُّنيا أحسنَ من قَدِّها، ولا أَظْرَفَ من شَكْلها، كأنَّ الشَمْسَ تحت نِقابها. فَخَدَمَتْ ووقفتْ، فقمتُ لها لكونها بنت شاه أرمن، وقلتُ لها: أنتِ فِي هذه البلد، وما علمتُ بك! فَسَفَرَتْ عن وجه أضاءتْ به المنظرة. فقلتُ لها: غَطِّ وجهك، وأخبريني حالك. فقالت: أنا بنتُ شاه أرمن صاحب هذه البلاد، مات أبي، واستولى بكتمر على الممالك، وتغيَّرت الدُّول، وكان لي ضيعة أعيشُ منها، أخذها الحاجب عليّ، وما أعيش إلَّا من عمل النقش، وأنا ساكنة فِي دور الكِراء، قال: فبكيت، وَرَقَّ قلبي لها، وأمرتُ الخادم بأن يكتب لها توقيعًا بالضّيعة والوصية، وأمرتُ لها من الخزانة بقُماش، وأمرت لها بدارٍ تَصْلُحُ لسُكْناها، وقلت: بسم الله، فِي حِفْظ الله وَدَعتِهِ. فقالت العجوز: يَا خوند، ما جاءت إِلَى خِدْمتك إلَّا حتَّى تحظى بك الليلة. قال: فساعةَ سمعتُ كلامها أوقعَ الله فِي قلبي تغيُّرَ الزَّمان، وأن يملك خِلاط غيري، وتحتاج بنتي إِلَى أن تقعد مثل هذه القعدة بين يديه. فقلتُ: يَا عجوز، معاذ الله، والله ما هو شيمتي، ولا خلوتُ بغير محارمي، فَخُذيها وانصرفي وهي العزيزة الكريمة، ومهما كان لها من الحوائج فهذا الخادم ينفذ إليها. فقامتْ وهي تبكي، وتقول بالأرمنية: صانَ الله عاقبتك كما صنتني. قال: [فلما خرجت افتتنتني نفسي وقالت: ففي الحلال مندوحة عن الحرام، تزوَّجْها] (١)، فقلتُ: ويحك يَا نفس خبيثة، فأين الحياء والكرم والمروءة؟ والله لا فعلته أبدًا.
وقال ﵀: ماتَ لي مملوكٌ بالرُّها، وخلَّف ولدًا لم يكن فِي زمانه أحسنَ منه صورة، ولا أظرف، وكان من لا يفهم باطن حالي يتَّهمني به، وكنتُ أحبه، وهو عندي
стр. 10691
أعز من الولد، وبلغ عشرين سنة، فضرب غلامًا له، فمات، فاستغاث أولياؤه، فقلتُ: أَثْبتوا أَنَّه القاتل. فأثبتوا، وجاؤوا يطلبون الثَّأر، فاجتمعَ عليهم مماليكي وخواصي، وقالوا: نحن نعطيكم عشر دِيَات. فأَبَوْا، وقالوا: لا بُدَّ من الاستيفاء. فطردوهم، فوقفوا لي، وقالوا: قد ثَبَتَ حقُّنا. فقلتُ: سَلِّموه إليهم. فسلموه، فقتلوه، ولو طلبوا ملكي دفعته إليهم، ولكن خفت من الله أن أمنعهم حَقَّهم لغرض نفسي.
وقال المصنف ﵀: كنتُ عنده بخِلاط، فقدم عليه النِّظام بن أبي الحديد، ومعه نَعْلُ النَّبيِّ ﷺ ، فَعَرَّفْتُه بقدومه، فقال: يحضر. فلما دخل عليه، ومعه النَّعل، قام قائمًا، ونزل من الإيوان، وأخذ النَّعل، فقبَّله، ووضعه على عينيه، وبكى، وخلع على النِّظام، وأعطاه نفقة، وأجرى عليه جرايةً، وقال: تكون فِي الصُّحبة نتبرك به. وانفصلتُ عن خِلاط، فأقام النِّظام عنده، فبلغني أَنَّه قال: هذا النِّظام يطوف البلاد، وما يقيم عندنا، وأنا أوثر أن يكون عندي قطعة من النَّعْل أتبرك به. وعَزَمَ على أخذ قطعةٍ منه، ثم بات مفكِّرًا، ورجع عن ذاك الخاطر، ولما أَخَذَ دمشق حكى لي، قال: عزمتُ على أَخْذِ قطعةٍ منه، ثم فكرتُ، فقلتُ: ربما يجيء بعدي مَنْ يفعل مِثْل فعلي، فيتسلسل الحال، ويؤدي إِلَى استئصاله بمرَّة، فتركتُه، وقلتُ: "مَنْ تَرَك شيئًا لله عَوَّضه الله خيرًا منه" (١). ثم أقام عندي النِّظام شهرًا، واتَّفق أَنَّه مات، فأوصى لي بالنَّعْل، فأخذتُ النَّعْل بأَسْره.
ولما فتح دمشق اشترى دار قَيماز النَّجْمي، وجعلها دار حديث، وتَرَكَ النَّعل فيها، ونقل إليها الكُتُبَ الثمينة، وأوقف عليها الأوقافَ الكثيرة.
ذِكْرُ ما بنى من الأماكن:
بنى مسجد أبي الدَّرْداء ﵁ بقلعة دمشق، وَزَخْرفه، وكان عامّة مقدمه فيه. والمسجد الذي عند باب النَّصر، وخان الزنجاري، ومسجد جراح بالباب الصَّغير، ومسجد القصب بالعُقَيْبة، وجامع بيت الإِبر، ووقف عليها الأوقاف، وبنى بُسْتان النَّيرب بُنْيانًا عظيمًا.
стр. 10692
وكان فَطِنًا، ذكيًّا، حَسَنَ الظَّنِّ بالفقراء، يحسن إليهم ويزورهم، ويتفقدهم بالمال والأطعمة، وقضيته مع أصحاب الشيخ حياة لما بدَّدوا المُسْكر من بين يديه مشهورة، وكان يقول: وبها نُصِرْت.
وكان طول ليالي رمضان لا يغلق باب القلعة، وجِفان الحلاوات خارجة إِلَى الجامع، والزَّوايا، والرُّبُط، وبيت الإبر، والمِزَّة إِلَى أبي القاسم السعردي، وعمر الخلخال والي الجبل، وغيره، وكان إنعامه العامُّ شاملًا للخاصِّ والعام.
[ولمَّا فارقت دمشق بسبب ما جرى فِي حديث القدس طلعت إِلَى الكرك، وأقمت عند الملك الناصر، وكنت أتردد إِلَى القدس ونابلس من سنة ست وعشرين (١) إِلَى سنة ثلاث وثلاثين، ثم جرت أسباب أوجبت قدومي إِلَى دمشق، فَسُرَّ بقدومي، وزارني، وأحسن إليّ، وفصل لي خلعة سنية، فامتنعت من لبسها، فقال: لا بالله، ولو ساعة، ليعلم النَّاس بأنك قد رضيت، وزال ما كان بيننا من الوحشة. وبعث لي بغلته الخاص، وعشرة آلاف درهم. وجلست فِي جامع التوبة ليلة عرفة، وحضر، وبكى، وأعتق مماليكه وجواريه، وقال لي: قد رجع الحق إِلَى نصابه، ومثلك يصلح أن يكون فِي خرائب نابلس والقدس والكرك! والله إن دمشق تغار عليك أن تكون فِي غيرها. وأقمنا معه من سنة ثلاث وثلاثين إِلَى أن تُوفِّي فِي سنة خمس وثلاثين وست مئة فِي أرغد عيش، وأحسن حال، وأهنا بال] (٢).
ذِكْرُ وفاته، رحمه الله تعالى:
مرض فِي رجب مرضين مختلفين، [فِي الأعالي والأسافل، وكنت كل يوم أعوده أنا والأماثل] (٢)، فكان الجرائحي يُخرج العِظام من رأسه، وهو يسبِّحُ الله ويحمده، ويقدِّسه ويوحده، ثم اشتدَّ به الذَّرَب، فكان يتحاملُ إِلَى أَنْ غُلب، فلما يئس من نفسه قال لوزيره جمال الدين بن جرير: يَا جمال الدِّين، فِي أيش تكفنوني؟ فقال: حاشاك [من ذلك] (٢)، فقال: دَعْني مِنْ هذا، فما بقي فيَّ قوة تحملني أكثر من نهار غد، [وتواروني] (٢) فقال: عندنا فِي الخزانة نصافي. فقال: حاشا لله أن تكفني من هذه
стр. 10693
الخزانة [التي لا تخلو من الخيانة] (١). وكان عماد الدين بن موسك حاضرًا، فقال له: قُمْ، وأحضرِ الوديعة التي لي عندك. فقام عماد الدين، ومضى، وعاد، وعلى رأسه مئزر صوف أبيض، [تلوح منه أنوار الرِّضى] (١)، ففتحه، وإذا فيه خِرق الفقراء، وطاقيات الأولياء مثل الشيخ مسعود الرُّهاوي، والشيخ يونس البيطار، وعلي الفارسيّ، وجماعة الشيوخ، وكان فِي الثياب إزارٌ عتيق ما يساوي خمسة قراطيس، فقال: هذا يكون على جسدي، [أتقي به حر الوطيس] (١)، فإنَّ صاحبه كان من الأبدال، [وسادات الرجال] (١)، وكان حبشيًّا أقام بجبل الرُّها يزرع قطعةَ زعفران، يتقوَّت بها [برهة من الزمان] (١)، وكنتُ أصعد إِلَى زيارته، وأعرض عليه المال، فيمتنع، فقلتُ له يومًا: أنا أعرض عليك الدُّنيا، ولا تقبل، فأريدُ من أثرك ما أجعله فِي كفني [فقال: أفعل.] (١) فأعطاني هذا الإزار، [وقال] (١): قد أحرمت فيه عشرين حجة.
وكان آخر كلام الأشرف ﵀: لا إله إلَّا الله. ثم مات يوم الخميس رابع المحرم، ودفن بالقلعة، ثم نقل إِلَى تُرْبته بالكلاسة فِي جمادى الأولى (٢).
ولما كان بعد موته بأيام قَدِمَ رجلٌ من أهل حَرَّان، كان له عليه فِي كلِّ سنة شقاق قطن ولأولاده، ومئتا دِرْهم، فجاء إِلَى قبره، وجعل يبكي، ويقول: كان لي عليه رسم. فقال له بعضُ النَّاس: هو ذا يسمعك، [فإن أراد يعطيك فهو يعطيك] (١). فانكسر قلبه، وخرج إِلَى السُّوق، فالتقاه تاجرٌ من أهل بلده، وقال له: كم أنتظرك، خبأتُ لك من الزكاة مئتا درهم، وشقاقًا لأولادك. وأعطاه إياها، وقال: هذه رسم فِي كلِّ سنة لك عليّ.
قال المصنِّف ﵀: وحكى لي الشيخ الفقيه أبو محمَّد محمَّد اليونيني ببَعْلَبَك فِي سنة خمس وأربعين [وست مئة] (١) عند عودي من بغداد، قال: حكى لي فقيرٌ صالحٌ من جبل لبنان، قال: لما ماتَ الأشرف رأيتُه فِي المنام، وعليه ثياب خُضْر، وهو يطير بين السماء والأرض مع جماعةٍ من الأولياء، فقلت له: يَا موسى أيش تعمل مع هؤلاء، وأنتَ كنتَ تفعل فِي الدُّنيا وتصنع؟ فالتفتَ إِلَى وتبسَّم، وقال: الجسدُ الذي
стр. 10694
كان يفعل تلك الأفاعيل تركناه عندكم، والرُّوح التي كانت تحبُّ هؤلاء قد صارت معهم. فرحمه الله، ورضي عنه رضي الأبرار، وجمعنا وإياه فِي دار القرار.
وكان الأشرف لما أحسَّ بوفاته فِي آخر سنة أربعٍ وثلاثين، وكنت أغشاه فِي مرضه، فقلت له: استعدَّ للقاء الله، فما يضرّك. قال: لا والله بل ينفعني. ففرَّق البلاد، وأعتق مئتي مملوك وجارية، ووقف دار فَرُّخْشاه التي يقال لها: دار السَّعادة، و [بستان] (١) النَّيرب على ابنته، وأوصى لها بجميع الجواهر.
ذِكْرُ ما جرى بعد وفاته:
لما انقضى عزاؤه ركب أخوه الملك الصَّالح إسماعيل ركوبَ السَّلْطنة، وترجَّل النَّاس فِي ركابه، وصاحبُ حِمْص إِلَى جانبه، وعِزُّ الذين أيبك [قدامه] (١) قد حمل الغاشية بين يديه، وعاد أسدُ الدِّين إِلَى حِمْص، وعز الدين إِلَى صرخد، وجاءت نجدة حلب، ووصلتِ الأخبار بوصول التتر إِلَى دقوقا، وصادر الصَّالح إسماعيل جماعةً من دمشق اتهمهم بالكامل، منهم العلم تعاسيف، وأولاد ابن مزهر، وابن عريف البدوي، وأخذ جميع مالهم، وحَبَسَ أولاد ابن مزهر ببُصْرى مقيَّدين، فأقاما مدة سنين، ومات أحدهما فِي الحبس مقيدًا، وأخرج الحريريَّ من قلعة عزَّتا، ومنعه من دخول دمشق، وجاء عسكر الكامل إِلَى قريب دمشق، وقَسَمَ الصَّالح الأبراج على الأمراء، وحصَّنها، وغلقت أبوابها، ووصل عِزُّ الدين أيبك من صرخد، وأمر بفَتْح أبوابها ففتحت، وجاء النَّاصر داود، فنزل المِزَّة، ونزل مجير الدين وتقي الدين القابون، وأحدق العسكر بالبلد، وجاء الكامل، فنزل عند مشهد القدم، وقطع المياه عن دمشق، واشتدَّ الحصار، وغلتِ الأسعار، ونصبوا على الأبواب المجانيق، وسدُّوا الأبواب بمرَّة إلَّا بابَ الفرج وباب النَّصْر، ورَدَّ الكامل ماء بردى إِلَى ثورا، وأخرب الصَّالح العُقَيبة والطَّواحين خرابًا شنيعًا، وأحرق قَصْر حجاج، والشَّاغور، وبدَّع بظاهر المدينة، وأخربه خرابًا لم يُعهد مثله، وأصبح أهل هذه الأماكن على الطرق يُكْدُون، واحترق جماعةٌ فِي دورهم.
стр. 10695
وحُكي [لي] (١) أَنَّ الصَّالح [أو ابنه] (١) وقف على العُقَيبة، وقال للزَّرَّاقين: أحرقوها. فضربوها بالنَّار، وكان لرجلٍ عشر بنات، فقال لهن: أخرجن. فقلن: لا والله، النَّار ولا العار، ما نفتضح بين النَّاس. فاحترقت الدَّار وهُنَّ فيها، [فاحترقن] (١) ولم يخرجن، وجرت فيها قبائح [وفضائح] (١).
وزحف النَّاصر إِلَى باب توما، وعلَّق النقوب فيه، ولم يبق إلَّا فتح البلد، ثم تأخَّر إِلَى أرض برزة، ثم آل الأمر إِلَى أن أعطى الكامل لأخيه بَعْلَبَك مع بُصْرى، وتسلَّم دمشق، وكان الفلك المسيري قد حبسه الأشرف فِي حبس الحيات بالقلعة، فأخرجَ، ونُقِلَ الأشرف إِلَى الكلاسة إِلَى تربته، وعَبَرَ الكامل إِلَى القلعة.
يحيى بن هبة الله بن الحسن (٢)
أبو البركات، القاضي شمس الدين بن سنين الدَّوْلة.
كان فقيهًا، إمامًا، فاضلًا، نَزِهًا، عفيفًا، عادلًا، مُنصفًا، حافظًا لقوانين الشَّريعة، لا تأخذه فِي الله لومة لائم، ولي القضاء زمانًا بالبيت المقدس، ثم وليه بدمشق مُدَّة، [وكان صاحبي وصديقي، يزورني، ويحضر مجالسي] (١)، وكان الأشرف يحبُّه، ويثني عليه [عندي] (١)، ويقول: ما ولي دمشق مثله.
تُوفِّي يوم الأحد سادس ذي القَعْدة، وصلَّى عليه ولده القاضي صدر الدين بجامع دمشق، وحمل إِلَى قاسيون، وكانت جنازته عظيمة، وتأسَّف النَّاس عليه. [سمع الحديث من جماعة، منهم أبو عبد الله محمَّد بن صدقة الحراني، وكان له إجازة من الصائن أخي الحافظ ابن عساكر] (١).
السنة السادسة والثلاثون وست مئة
فيها قَبَضَ الجوادُ على الصَّفي بن مرزوق، وأخذ منه أربع مئة أَلْف دينار، وحبسه فِي قلعة حِمْص، فأقام ثلاث سنين لا يرى الضوء. وكان ابنُ مرزوق يقيم بالجواد، ويكتب إليه الجواد: مملوكه يونس.
стр. 10696
وفيها اتَّفق الجواد والصَّالح أَيُّوب على مقايضة دمشق بسنجار وعانة، وسببه ضيقُ عَطَن الجواد، وعَجْزه عن القيام بمملكة الشَّام، وكان يقول [لي] (١): أنا أيش أعمل بملك باز، وكلب أحبُّ إليَّ من المُلْك.
وكان أسدُ الدِّين قد جاء إِلَى دمشق، فأقام بها، وقُتِلَ عماد الدِّين بن الشيخ فِي قلعة دمشق، وكان الجواد يُظْهر أَنَّه النَّائب بدمشق عن العادل صاحب مِصْر، فلما قُتِلَ ابنُ الشيخ، وأقام أسد الدين بدمشق خاف الجَوَاد من صاحب مِصْر، وظن أَنَّ صاحب حِمْص يأخذ منه دمشق، فخرج إِلَى البرية، وكاتَبَ الصَّالح أَيُّوب، واتَّفقا على المقايضة، وعَلِمَ صاحبُ حمص، فتوجَّه إِلَى حمص، وكان فِي قلب الصَّالح منه لما جرى بينه وبين الكامل، ودخل الصَّالح دمشق غُرَّة جمادى الأولى، والجَوَادُ بين يديه قد حَمَل الغاشية من تحت القلعة، وحملها المُظَفَّر صاحب حماة من باب الحديد، واتفق أَنَّ سنجق الصَّالح انكسر عند باب القلعة، ونزل الصَّالح فِي القلعة، والجواد فِي دار فَرُّخْشاه، ثم نَدِمَ الجوادُ، فاستدعى المقدَّمين والجند، واستحلفهم، وجمع الصَّالح أصحابه عنده فِي القلعة، وأراد أن يحرق دار فَرُّخْشاه، فدخل ابنُ جرير فِي الوسط، وأصلحَ الحال، وخرج الجَوَاد إِلَى النَّيْرب، واجتمع الخَلْق على باب النَّصر يدعون عليه، ويسبُّونه فِي وجهه، وكان قد سَلَّط عليهم خادمًا لبنت كُرْجي يقال له: النَّاصح، فأخذ أموال النَّاس وصادرهم، وعلَّقهم، وضربهم، فيقال: إنَّه أخذ من النَّاس ست مئة أَلْف دِرْهم، وأرسل الصَّالح أَيُّوب إِلَى الجواد ليعطي النَّاس أموالهم، فما التفتَ، وسافر، ومات، ولم يعطِ أحدًا شيئًا، وبقيت فِي ذِمَّته.
وأما النَّاصح الخادم، فإنَّه أقام بحماة، وتوصَّل -لما أخذ الصَّالح أَيُّوب مصر- إِلَى مِصْر، وخدم الصَّالح، وكان لما قُتِلَ ابنُ الشيخ عماد الدين قد أخذ الجوادُ ثيابه، وفيها فَرَجية حمراء، فأعطاها للنَّاصح، وعلم معين الدِّين، فقال للصَّالح: هذا النَّاصح الذي فَعَلَ بالنَّاس ما فعل، ومالأ على قَتْلِ أخي ولبس فَرَجيته! فرماه الصَّالح فِي الجُبِّ، واستأصله، فمات فِي الجُبِّ على أقبح صورة من [الفقر و] (١) القِلَّة والقمل، واستوزر الصَّالحُ جمال الدين بن جرير، فأقام أيامًا، ومات.
стр. 10697
وفي رمضان توجَّه الصالح [أَيُّوب] (١) إِلَى خربة اللصوص على عَزْم ديار مِصْر، وكاتَبَ عمه الصَّالح إسماعيل صاحب بعلبك ليسير إليه، وكان أَيُّوب لما دخل دمشق جاء إليه إسماعيل [من بعلبك] (١)، واجتمعا، وتحالفا، وتعاهدا، ورجع إسماعيل إِلَى بَعْلَبَك، وسار أَيُّوب إِلَى نابُلُس فِي شوَّال، فاستولى عليها، وعلى بلاد النَّاصر، وتوجَّه النَّاصر إِلَى مِصْر إِلَى العادل، وأقام أَيُّوب بنابُلُس ينتظر وصول عَمِّه إسماعيل [وكان ولده وعسكره عنده، وكتبه واردة إِلَى نابلس يقول للصالح أَيُّوب: إنني واصل.] (١) وكان ناصر الدِّين يغمور مع ابنِ الصَّالح إسماعيل بنابُلُس دائرٌ على الأُمراء والجند يحلِّفهم على أَيُّوب، والدسائس تعمل فِي دمشق، و [بلغني أن] (١) الأموال [كانت] (١) تفرَّق فِي دار النجم ابن سلام، [وحكى لي الصالح أَيُّوب بمصر القضية، وقال: إن فتح الله على يدي دمشق لأفعلن به وأصنع] (١)، ومن تكبُّر أَيُّوب [وتجبره] (١) لا يتجاسر أحدٌ أن يخبره، [وخرجت السنة على هذا] (١).
وفيها تُوفِّي
محمود بن أَحْمد (٢)
جمال الدِّين، الحَصِيري، الشيخ، الإمام، العلامة.
أصله من بُخارى من قريةٍ يقال لها: حَصِير (٣). تفقَّه فِي بلده، وسمع الحديث [صحيح مسلم وغيره] (١) وقدم الشَّام، ودرَّس بالنُّورية، وانتهت إليه رياسة أصحاب أبي حنيفة، وصنَّف الكُتُبَ الحِسان، وشرح "الجامع الكبير"، وقرأ عليه المعظم "الجامع الكبير" وغيره، [وقرأت عليه "الجامع الصغير" والقدوري، وكتب لي خطه عليهما بالاعتراف لي بفنون العلوم ومعرفة الأحاديث والمذاهب،] (١) وكان كثير الصدقات، غزير الدمعة، عاقلًا، نزهًا عفيفًا، [وكان يحضر مجالسي، وحجَّ من الشَّام] (١)، وتوفي يوم الأحد ثامن صفر، ودفن بمقابر الصوفية عند المُنَيْبع، وكان المعظَّم يحترمه ويكرمه، وكذا ولده النَّاصر.
стр. 10698
عماد الدِّين بن شيخ الشيوخ (١)
قد ذكرنا أَنَّه كان السبب فِي إعطاء دمشق للجواد، فلما مضى إِلَى [مصر لامه العادل على ذلك، وتهدده، فقال: أنا أمضي إِلَى] (٢) دمشق، وأنزل فِي القلعة، وأبعث بالجواد إليك، وإن امتنع أقمتُ نائبًا عنك. فسار إِلَى دمشق وذلك قبل المقايضة، ونزل بقلعة دمشق، وأَمَرَ ونهى، وقال: أنا نائب السُّلْطان، وقال للجواد: تسيرُ إِلَى مِصْر. وكان أسد الدِّين صاحب حِمْص بدمشق، [قالوا] (٢): فاتَّفق هو والجواد على قَتْلِ ابنِ الشيخ، فاستدعى صاحبُ حِمْص بعضَ نصارى قارة، وأمره بقَتْله، فركب ابنُ الشيخ يومًا من القلعة وقت العَصْر، فوثَبَ عليه النَّصْراني، فضربه بالسَّكاكين حتَّى قتله، وذلك فِي جمادى الأولى.
ودخل الصَّالح أَيُّوب دمشق فِي جمادى الآخرة، وحَبَسَ النَّصراني أيامًا ثم أطلق.
[قلت: وأسد الدين لما قُتل ابنُ الشيخ كان فِي حمص، وإنَّما شنَّعوا عليه] (٢).
وذكر سَعْد الدِّين مسعود بن تاج الدين شيخ الشيوخ ابن عم عماد الدين، وهو كان حاضر القضية، قال: خرجنا من القاهرة فِي ربيع الأول (٣) [وذكر أن عماد الدين لما توجه ودعه إخوته، فقال له أخوه] فخر الدين: ما أرى رواحك مصلحة، وربما آذاك ابنُ ممدود. فقال: أنا ملَّكْتُه دمشق، فكيف يخالفني؟ فقال: صدقتَ، أَنْتَ فارقته أميرًا، وتعود إليه وقد صار سُلْطانًا، فتطلب منه تسليم دمشق، وتعوضه الإسكندرية، ويقيم عندكم، فكيف تسمح نفسه بهذا؟ وإذا أبيت، فانزلْ على طبرية، وكاتِبْه، فإنْ أجابَ وإلا فتقيم مكانك، وتعرِّف العادل. فلم يلتفت، وسار إِلَى دمشق. [قال سعد الدِّين] (٢): فنزل المصلَّى، وجاء الجواد للقائه، قال سعد الدين: وكنتُ أفتح شيش علم الدِّين، فأخذه الجَوَاد، وقال: هذا شيءٌ يلزمني خِدْمة المولى عماد الدين، لأَنَّه
стр. 10699
جعلني من النَّاس، وملَّكني دمشق. وسار معنا، فأنزل عماد الدين فِي القلعة بدار المَسَرَّة، وعاد أسد الدين [صاحب حمص] (١) إِلَى دمشق، وبعث الجواد لعماد الدِّين الذهب [والخلع] (١) والخيل (٢) والقُماش، [قال سعد الدين] (١): وما وصلني من مطرها رِشاش مع ملازمتي لعماد الدِّين لمرضه، فإنَّه ما خرج من القاهرة إلَّا فِي مِحَفَّة، فكنت كما قيل: [من البسيط]
إنْ يطبخوا يوسعونا من دخانهمُ … وليس يبلغنا ما تنضج النَّارُ
وكان عماد الدِّين قد فرَّق الخِلَع فِي أصحابه، ولما تحقق الجواد أنَّ رسالةَ عماد الدين أَنْ يخرج من دمشق، ويعوَّض عنها إسكندرية، رَسَمَ عليه فِي الدَّار، ومنعه من الرُّكوب، وجاء إِلَى عماد الدين، وقال: إذا أخذتم مني دمشق، وأعطيتموني الإسكندرية، فلا بُدَّ ما يكون لكم بدمشق نائب، فاحسبوني ذلك النَّائب، وإلا فقد بَعَثَ إليَّ الصَّالح [نجم الدين] (١) أَيُّوب أُسَلِّم إليه دمشق، وآخذ منه سِنْجار. فقال له ابنُ الشيخ: إذا فعلتَ هذا أصلحتَ بين الصَّالح والعادل، وتبقى أنتَ بغير شيء. فقام، وخَرَجَ مُغْضَبًا، وحكى [الجواد] (١) لأسد الدِّين ما جرى [بينهما] (١). فقال: والله لئن اتَّفق الصَّالح والعادل ليتركونا نشحذ فِي المخالي. وجاء أسدُ الدّين إِلَى ابنِ الشيخ، وقال له: المصلحة أن تكتب إِلَى العادل، وتستنزله عن هذا. فقال ابنُ الشيخ: حتَّى أروح إِلَى برزة، وأُصلي صلاة الاستخارة. فقال له أسد الدين: تريد أن تروح إِلَى برزة، وتهرب إِلَى بَعْلَبَك. فغضب، وانفصلا على هذا، ودَسَّ الجوادُ إِلَى عماد الدِّين ابنَ قاضي بَعْلَبَك ليسقيه سُمًّا، فلم يفعل، وكان ابن الشيخ مريضًا، فاتّفقوا على قَتْله، وتوجَّه أسدُ الدِّين إِلَى حِمْص، فلما كان يوم الثلاثاء سادس وعشرين ربيع الأول بَعَثَ الجواد إِلَى عماد الدِّين يقول: إنْ شِئْتَ أَنْ تركب وتتنزَّه، فاركبْ إِلَى ظاهر البلد. فاعتقد أَنَّ ذلك بوادر رضي، فلبس فَرَجية كان الجَوَاد بَعَثَ إليه بها، وشدُّوا له حِصانًا بَعَثَ به إليه، فلما خَرَجَ من باب الدَّار قابله [واحد] (١) واقف، وبيده قِصَّة، فاستغاثَ،
стр. 10700
فأراد حاجبه أن يأخذها منه، فقال: لي مع الصَّاحب شغل. فقال عماد الدين: دعوه. فتقدَّم إليه، وناوله القِصَّة، وضربه بسكِّين على خاصرته بَدَّد مصارينه، وجاء آخر، فضربه بسكِّين على ظهره، فمات، فردُّوه إِلَى الدَّار ميتًا، وبعث الجواد، فأخذ جميع ماله وخَيله ومماليكه، وكَتَبَ محضرًا أنَّه ما مالأَ على قَتْله، فامتنع مماليكُ عماد الدِّين من خِدْمة الجواد، وقالوا: أنتَ تدَّعي أنك ما قتلته، وهذا له إخوة وَوَرَثَة، فبأيِّ طريق تأخذ ماله؟ فحبسهم. قال سعد الدين: وبَعَثَ الجواد إِلَى والدي [تاج الدين] (١)، وقال: اطلع، فَجهِّزْ ابنَ أخيك. فجهزناه، وأخرجناه، وكانت له جِنازةٌ عظيمة، لأَنَّه قُتِلَ مظلومًا، وحملناه إِلَى قاسيون، فدفناه فِي زاوية الشيخ سَعْد الدِّين، وخيَّطْنا جراحاته، [وصلى عليه سعد الدين ابن عمه] (١). وقال سعد الدين [بن تاج الدين] (١): ورثيته [ببيتين] (١)، فقلتُ: [من الوافر]
فبعدكَ لا رَقَتْ عبراتُ عينٍ … بأحزانٍ ولا سَكَنَ الغرامُ
ولا هَدَأَتْ جوانحنا قليلًا … على فقدان مثلك والسَّلامُ
[قال] (١): وكان له يوم مات ستّ وخمسون سنة، وكان قد كَتَبَ على تقويم: [من الطويل]
إذا كان حُكْمُ النَّجْمِ لا شكَّ واقعًا … فما سَعْيُنا فِي دَفْعه بنجيحِ
وإنْ كان بالتَّدْبير يمكن رَدُّه … عَلِمْنا بأَنَّ الكُلَّ غيرُ صحيحِ
جمال الدِّين بن جرير، وزير الأشرف (٢)
أصله من الرَّقَّة، [وكان يتردَّد إليَّ فِي خانكاه الرقة فِي سنة اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة وست مئة،] (١) وكان له بُسْتان، ومُلْك يسيرٌ يعيش منه، ولم يكن يعرف الأشرف حينئذٍ، فما زال يتوصَّل إليه حتَّى استوزره بدمشق، ولما مات الأشرف استوزره أَيُّوب أيامًا قلائل دون الشهر، وكانت وفاته يوم الجمعة سابع وعشرين جمادى الآخرة بالخوانيق، ودفن بمقابر الصُّوفية عند المُنَيبع، وكان يتردَّد إِلَى زيارة الصَّالحين، وفيه
стр. 10701
يقول نَصْر بن محمَّد الحنفي: [من الكامل]
مَنْ قال أهل الشَّام قومٌ كلُّهمْ … بَقَرٌ فليسَ عليه فيه جُناحُ
لو لم يصحَّ مقالُهم فيه لما … أضحى يسوسُ أمورَهُمْ فلَّاحُ
[قلت: ما كان ابن جرير فلاحًا، وعامة الوزراء كانوا فلاحين مثل ابن هبيرة وغيره] (١).
أبو عبد الله، البِرْزالي، المحدِّث (٢)
توفِّي بحماة رابع وعشرين رمضان، ودُفِنَ بها.
السَّنة السَّابعة والثَّلاثون وست مئة
فيها هَجَمَ الصَّالح إسماعيل دمشق، ومعه أسد الدين صاحب حمص يوم الثّلاثاء سابع وعشرين صفر، وكان الصَّالح أَيُّوب مقيمًا بنابلس، وإسماعيل ببَعْلَبَك يكاتبه، ويَعِدُه أَنَّه واصل إِلَى خِدْمته، وكان أسدُ الدِّين قد جاء إِلَى الزراعة، واجتمع بإسماعيل، واتَّفقا على أَيُّوب، وأن تكون البلاد بينهما مناصفة، وكان ابن إسماعيل وابن يغمور بنابُلُس كما ذكرنا، وكان عِزُّ الدِّين أيبك مقيمًا بصَرْخد، لم ينزل إِلَى خدمة أَيُّوب، واتَّفق مع إسماعيل على أَيُّوب، وكتب إسماعيل [إِلَى أَيُّوب] (١) يطلب ولده ليصل إليه، ويقيم عوضه ببعلبك. فبعَثَ إليه به، وكل هذا وأم عام نائمة، وكان ذلك بترتيب [السَّامري] (١) أبي الحسن بن غزال المتطبّب؛ وزير إسماعيل، وكان الصَّالح أَيُّوب قد سيَّر سعدَ الدِّين الحكيم من نابُلُس، ومعه الطُّيور إِلَى بَعْلَبَك يعرِّفه أخبار الصَّالح إسماعيل كل وقت ومسيره، فكان سعد الدين يكتُبُ الكُتُبَ، ويربطها على جناح الطَّير، فيسرق ابن غزال الطَّير، ويكتُبُ إِلَى أَيُّوب بما يريد، فاطمأنَّ إليهم، [وما كان عنده دهاء] (١) وكان سليم الصَّدْر، وإسماعيل يبعث الدَّراهم والخِلَع إِلَى دار ابنِ سلام -على ما قالوا- تفرَّق فِي المقدَّمين، وخرج إسماعيل من بَعْلَبَك بالفارس
стр. 10702
والرَّاجل على أنَّه متوجِّه إِلَى نابُلُس على بانياس، فبات بالمجدل، وكتب بطاقةً إِلَى أَيُّوب يخبره بوصوله إليه، وقام وقت السَّحَر، وقَصَدَ دمشق، ووصل عقبة دمر، ووقف، وجاء صاحب حِمْص من وادي منين، وقصدوا إِلَى باب الفراديس، ففتحوه فِي ساعةٍ واحدة، وما كان عليه أحد، ودخلوا، فنزل الصَّالح فِي داره بدرب الشعارين، وأول من دخل عليه، ورَقَصَ بين يديه وهنَّأه، وقال: إِلَى بيتك جِئْتَ نجمُ الدِّين بنُ سلام، ونزل صاحبُ حمص فِي داره، وأصبحوا يوم الأربعاء ثامن وعشرين صفر، فزحفوا على القلعة، ونقبوها من ناحية باب الفرج، وهتكوا حُرْمتها، ودخلوها، وبها المغيث عمرُ بنُ الصَّالح أَيُّوب، فاعتقله إسماعيل فِي بُرْج، واستولى على ما فِي القلعة، ولم يكن بها ذخائر ولا عُدَّة، [وكان الصالح أَيُّوب قد ركن إِلَى أيمان إسماعيل وعهوده ومواثيقه، وما ظن أنَّه ينكث أيمانه، ولا يفكر فِي عواقبه، وضيَّع أَيُّوب الحَزْم] (١)، فبلغ الصالح أَيُّوب ما جرى، وقيل له: لم تؤخذ القلعة، فخلع على عمَّيه مجير الدِّين وتقيِّ الدِّين والركين وألتميش وغيرهم، وأعطاهم الأموال، وقال: ما الرأي؟ قالوا: نسوق إِلَى دمشق قبل أن تؤخذ القلعة. فخرجوا من نابلُس، ونزلوا القصير، وبلغهم أخذ القلعة، [فساروا] (١) عن أَيُّوب بأسرهم، وخافوا على [أثقالهم و] (١) أولادهم وأهلهم بدمشق، وكان الفساد قد لعب فيهم، فرحلوا إِلَى دمشق، وبقي أَيُّوب فِي مماليكه وغِلْمانه، ومعه جاريته أُمُّ خليل، فرحل من القصير يريد نابُلُس على طريق جينين، وطمع فيه أهلُ الغور والقبائل، وكان مقدَّمهم شيخٌ جاهل يقال له قبل من أهل بَيْسان -قد سَفَك الدِّماء، والتقتِ الجيوشُ بسببه-[ورأيته بمصر بعدما تملكها أَيُّوب، وقد عفا عنه، وأحسن إليه] (١) - فتَّبعوه، وما زالوا وراءه وهو يحمل عليهم، فيفرِّق جَمْعهم، وأخذوا بعضَ ثَقَلَه، ووصل إِلَى سَبَسْطية، فنزل عليها، وكان الوزيري قد عاد إِلَى نابُلُس، فأرسل إليه يقول: قد مضى ما مضى، وما زالت الملوكُ كذا، وقد جئتُ مستجيرًا بابن عمِّي. ونَزَلَ فِي الدَّار بنابُلُس، واتَّفق عَوْدُ النَّاصر من مِصْر على غير رضي، فوصل [إِلَى] (١) الكرك، وكَتَبَ الوزيريُّ إليه يخبره الخبر، فبعث النَّاصرُ عمادَ الدِّين بن موسك، والظَّهير بن سُنْقُر الحلبي فِي ثلاث مئة
стр. 10703
فارس إِلَى نابُلُس، فركب أَيُّوب، والتقاهم، فخدموه، وقالوا: طَيِّبْ قلبك، إِلَى بيتك جِئْتَ. فقال: لا ينظر ابنُ عمي إِلَى ما فعلت، فما زالت الملوك كذا، وقد جئتُ إليه أستجير به. فقالوا: قد أجارك، وما عليك بأس. وأقاموا أيامًا حول الدَّار، فلما كان فِي بعض الليالي ضربوا بوق النَّفير، وقيل: جاءتِ الفرنج. فركب النَّاس، ومماليكُ الصَّالح، ووصلوا إِلَى سَبَسْطية، وجاء عماد الدين والظهير والعسكر إِلَى الدَّار، ودخل عليه الظَّهير، وقال: تطلع إِلَى الكَرَك، فإنَّ ابنَ عَمِّك له بك اجتماع. وأخذ سيفه، [(١) وبلغني] أَنَّ جاريته كانت حاملًا، فأسقطتْ، فأخذوه، وتوجَّهوا إِلَى الكَرَك.
قال المصنِّف ﵀: ولما اجتمعتُ به فِي سنة تسع وثلاثين بالقاهرة حكى لي صورةَ الحال، قال: أركبوني بغلةً بغير مهماز ولا مقرعة، وساروا بي إِلَى البرية فِي ثلاثة أيام، والله ما كلَّمْتُ أحدًا منهم كلمة، ولا أكلتُ لهم طعامًا حتَّى جاءني خطيبُ البرية، ومعه ثردة عليها دجاجة، فأكلتُ منها، وأقاموا بي فِي البرية يومين، ولم أعلم أيش كان المقصود، وإذا بهم يريدوا يأخذوا طالعًا نحسًا، يقتضي أنني لا أخرج من الكَرَك، ثم أدخلوني الكَرَك ليلًا على الطَّالع الذي كان سبب سعادتي ونحوسهم، ووكل بي مملوكًا له فَظًّا غليظًا، يقال له: زريق، فكان أَضَرَّ عليَّ مِنْ كلِّ ما جرى، فأقمت عندهم إِلَى رمضان؛ سبعة أشهر، ولقد كان عندي خادمٌ صغير، فاتَّفق أَنَّه أكل ليلة كثيرًا، فأتخم، وبال على البسط، فأخذت البساط بيدي والخادم، وقمتُ من الإيوان إِلَى قريب الدِّهْليز، وفي الدِّهْليز ثمانون رجلًا يحفظوني، وقلتُ: يَا مقدَّمين، هذا الخادم قد أتلف هذا البساط، بالله انزلوا به إِلَى الوادي، واغسلوه. فَنَفَر فيَّ زريق، وقال: أيش جاء بك إِلَى ها هنا. وصاحوا عليَّ، فعدتُ إِلَى موضعي. وحكى لي أشياء من هذا الجنس.
ثم إنَّ الوزيريَّ أطلع خزائنه وخيله وأسبابه إِلَى الصَّلْت، وأقام مماليكه بنابُلُس، ووصل العلاء بن النَّابلسي من مِصْر من عند العادل إِلَى النَّاصر يطلب الصَّالح، ويعطيه مئة أَلْف دينار، فما أجاب، وكاتبه إسماعيل وصاحب حِمْص فِي هذا المعنى، فما أجاب، ولما طال مقامه أشار عمادُ الدِّين بنُ موسك وابن قليج والظَّهير على النَّاصر بالاتفاق معه وإخراجه، فتحالفا واتَّفقا، وأخرجه فِي آخر رمضان.
стр. 10704
وقال [لي] (١) الصَّالح لما أخذ مِصْر: حَلَّفني على شيء ما تقدر عليه ملوكُ الأرض؛ وهو أن آخذ له دمشق وحمص وحماة وحلب والجزيرة والمَوْصل وديار بكر وغيرها، ونصف ديار مِصْر، ونصف ما فِي الخزائن من المال والجواهر والخيل والثِّياب وغيرها. فحلفتُ من تحت القَهْر والسَّيف.
ولما عَلِمَ العادلُ والصَّالح إسماعيل والملوك بإخراجه من الحبس رموا النَّاصر عن قوسٍ واحدة، وعزموا على قَصْده، واتَّفقوا عليه، وأَوَّل من برز العادل إِلَى بِلْبيس بالعساكر يريد الشَّام، واختلف العسكر عليه، وقبضوه، وأرسلوا إِلَى الصَّالح يعرفونه، ويسألونه الإسراع، فسار، ومعه الملك النَّاصر، وجماعة من أمرائه ابن موسك وغيره، وكان وصول الصَّالح إِلَى بِلْبيس يوم الأحد رابع عشرين ذي القَعْدة، فنزل فِي خيمة العادل، والعادل معتقل فِي خركاة، وكان [خالي] (١) محيي الدين بن الجوزي بمصر قد خلع على العادل والفلك بن المسيري، فأُخبر بمسكه، فأخرج إِلَى بلبيس وقد خاف.
قال المصنف ﵀: وحكى لي الصَّالح واقعاتٍ جَرَتْ فِي مسيره إِلَى مِصْر، منها أَنَّه قال: [والله] (١) ما قصدتُ بمجيء النَّاصر معي إلَّا خوفًا أَنْ تكون معموله عليّ، ومنذ فارقنا غَزَّة تغيَّر عليَّ، ولا شك أَنَّ بعضَ أعدائي أطمعه فِي الملك، فذكر لي جماعةٌ من مماليكي أَنَّه تحدَّث معهم فِي قَتْلي.
قال: ومنها أَنَّه لما أخرجني نَدِمَ وعَزَمَ على حبسي، فرميتُ روحي على ابن قليج، فقال: ما كان قَصْدُه إلَّا أَنْ يتوجَّه إِلَى دمشق أولًا، فإذا أخذناها عُدْنا إِلَى مِصْر.
قال: ومنها أَنَّ ليلة وصلنا [إِلَى] (١) بلبيس شَرِبَ، وشَطَحَ إِلَى العادل، فخرج من الخركاة، وقَبَّل الأرض بين يديه، فقال له: كيف رأيتَ ما أشرتُ عليك، ولم تقبل مني؟ فقال: يَا خوند، التوبة. فقال: طَيِّبْ قلبك، السَّاعة أطلقك، [ثم قال الصَّالح] (١): وجاء، فدخل علينا الخيمة، ووقف، فقلتُ: بسم الله، اجلسْ، فقال:
стр. 10705
ما أجلس حتَّى تطلق العادل. فقلتُ: اقعد، وهو يكرِّرُ الحديث. فسكت، ولو أطلقته لضرب رقابنا كلَّنا، ونام، فما صدَّقتُ بنومه، وقمت فِي باقي الليل، أخذت العادل فِي مِحَفَّة، ودخلتُ به القاهرة، ولما دخلنا القاهرة بعثتُ إليه بعشرين أَلْف دينار، فعادت إليَّ مع غِلْماني. [وذكر قول الناصر له: بُسْ يدي ورجلي. فقلت: ما أظنه يبدو منه هذا، وهو رجل عاقل. فأقسم بالله إن هذا وقع منه.
فصل: وفيها أخذ بدر الدين لؤلؤ سنجار من الجواد بموافقة من أهلها لسوء سيرته، فإنَّه صادرهم، وأخذ أموالهم، وخرج يتصيد، ولجَّجَ فِي البرية، فبعثوا إِلَى بدر الدين، فجاء، ففتحوا له الأبواب، ومضى الجواد إِلَى عانة، فأقام بها، ثم باعها للخليفة.
وفي ربيع الأول ذكر الرفيع القاضي الدرس فِي مدرسة ست الشَّام، واسم الرفيع عبد العزيز بن عبد الواحد الجيلي، وكنيته أبو حامد.
وفي ربيع الأول أُنزل الكامل من القلعة إِلَى تربته بجامع دمشق.
وولي الخطابة العز عبد العزيز بن عبد السلام بجامع دمشق فِي ربيع الآخر.
وخطب الصالح إسماعيل لصاحب الروم بجامع دمشق وغيره.
وفيها تُوفِّي
القاضي شمس الدين الخُوَيي (١)
واسمه أَحْمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر بن عيسى، أبو العباس.
كان فاضلًا فِي كل فن، فقيهًا، مناظرًا، عالمًا بعلم الكلام وغيره، وكان لطيفًا، حسن العشرة، كريم الأخلاق، طيب النفس، عفيفًا، وكانت وفاته يوم السبت سابع شعبان، ودفن بقاسيون، وكان قد تيقن الموت لأنه علق به مرض السل، وكان متواضعًا، يمضي إِلَى جامع دمشق، ويجلس بين يدي محمود الضَّرير عند مقصورة الخطابة، فيقرأ عليه القرآن، ومات مديونًا.
стр. 10706
ثم ولي الرَّفيع بعده قضاء القضاة، والتدريس بالعادلية.] (١)
أُرْتُق (٢)
ناصر الدين، صاحب ماردين، [قد ذكرنا قتله للنظام ولؤلؤ، واستيلاءه على ماردين، وطلوع المعظم إليه، واتفاقه معه، ومصاهرته إياه، و] (١) كان المعظَّم قد تزوَّج أُخته، وهي التي بنت المدرسة والتربة عند الجسر الأبيض بقاسيون، ولم يقدَّر لها أن تدفن بها، لأنها انتقلت لما مات المعظم إِلَى ماردين، فتوفيت بها.
وكان ناصر الدين شجاعًا، شهمًا، جَوَادًا، ما قصده قاصد وخيَّبه، وقصده الأشرف غير مرة ولم يلتفت، وكانت وفاته بماردين؛ قتله ولده خنقًا وهو سكران، ثم بعث إِلَى أَبيه (٣) وكان محبوسًا، فجاء إِلَى مارِدِين، فملكها.
شيركوه بن محمد (٤)
ابن [أسد الدين] (١) شيركوه بن شاذي، الملك المجاهد، أسد الدين، صاحب حمص.
أعطاه صلاح الدِّين ﵀ حمص عند موت والده محمَّد سنة إحدى وثمانين [وخمس مئة] (١)، وأقام بها إِلَى هذه السنة [ستًّا وخمسين سنة، وكان شجاعًا شهمًا مقدامًا، يباشر الحرب بنفسه،] (١) وحفظ المسلمين من الفرنج والعرب.
أما من [ناحية] (١) الفرنج، فإنَّه بنى الأبراج على مخائض العاصي، وركز فيها
стр. 10707
الرِّجال والطُّيور، فكان الفرنج إذا خرجوا أطلق الرِّجالُ الطيورَ، فيخرج بنفسه فيسبق الفرنج إِلَى المخاضة، فيقتل ويأسر، ويردُّ القافلة، وما أخذوا منها [شيئًا] (١)، وكذا كان يفعل بالعرب من ناحية البرية، ويركب بنفسه ويقاتل، ولم يزل كذلك إِلَى أن تُوفِّي [وكانت بلاده طاهرة من الخمور والخواطئ والمكوس، فكانت تعبر على بلده قوافل الدنيا، فلا يتعرض لها، وكان بنو أَيُّوب يخافونه، لأن كان يرى أنَّه أحق بالملك منهم لأجل جده أسد الدين، وفتحه مصر. وكان الكامل قد استوحش منه، واتهمه بأنه هو الذي أوقع بينه وبين الأشرف، فلما ملك الكامل دمشق، ونزل جوسق أَبيه اجتمعنا، فقال لي: ما أفسد أحوالنا إلَّا صاحب حمص، ووالله لأمحونَّ آثاره. فقلت: ابن عم وقريب، وهو خير من الغريب. وطلب منه مالًا عظيمًا، فبعث أسد الدِّين نساءه إِلَى دمشق، يسألن الكامل فيه، فما أجاب، وقال: لا بد من المال. وأيقن أسد الدين بوزن المال، فحكى لي جماعة أنَّه كان فِي قلعة حمص قاعدًا يزن المال، ويعبيه في الأكياس، وإذا بطاقة من دمشق قد وصلت على جناح طائر، فأخذها البراج، ودخل بها يقرؤها، وفيها وفاة الكامل، فردَّ المال إِلَى الخزائن، وجاء بعد ذلك إِلَى دمشق، وجلس عند قبر الكامل، وتصرف فِي أمواله وخيله ودولته.
وكان أسد الدين ديِّنًا، عاقلًا، يعاشر العلماء والفقهاء، جوادًا، متصدِّقًا، قالوا: إلَّا أنَّه كان إذا حبس إنسانًا أقام مدة محبوسًا، وكان قد منع النساء أن يخرجن من باب حمص أيام ولايته، وكانت وفاته، (١) بحمص يوم الثُّلاثاء العشرين من رجب، ودفن بها.
يعقوب الخياط (٢)
كان يسكن مغارة الجوع بقاسيون، وكان شيخًا صالحًا، لقي المشايخ، وعاشر الرِّجال، وعادل خُضْر بن صلاح الدين لما سافر إِلَى الحج، ورَدُّوه من الصَّفراء إِلَى دمشق، ورجع يعقوب [معه] (١)، ولم يَحُجَّ.
стр. 10708
ومات ليعقوب ولدٌ اسمه صالح قد بلغ خمسًا وعشرين سنة، وكان ولدًا حسنًا، فخرج يعقوب فِي جِنازته، ولم يبكِ عليه، [والناس يبكون، وهو صابرٌ محتسب،] (١) وكان يحكي [لي] (١) عن مغارة الجوع العجائب، وأنه يرى فيها الرجال في الليل، وأن باب المغارة يفتح ويخرج منه أشخاصٌ عجيبة، وكانت وفاته بقاسيون، ودفن عند المغارة.
السنة الثامنة والثلاثون وست مئة
فيها سَلَّم الصَّالح إسماعيل الشَّقيف لصاحب صيدا، وعزل ابن عبد السَّلام من الخطابة وحبسه، وحبس أَيضًا أَبا عمرو بن الحاجب، لأنَّهما أنكرا عليه فِعْلَه، فحبسهما مُدَّة، ثم أطلقهما، وأمرهما بملازمة بيوتهما، وولَّى العمادَ ابنَ خطيب بيت الآبار الخطابة.
وفيها سَلَّم الحافظ قلعة جَعْبر إِلَى الحلبيين، وعوَّضوه أعزاز، وكان قد ضربه الفالج، وكان ولده قد مضى إِلَى الخُوارَزْمية يطلب منهم عسكرًا ليحاصره، فخاف، وجاء إِلَى حلب.
وفيها ظهر بالرُّوم رجلٌ تركماني يقال له: البابا، وادَّعى النُّبوة، وكان يقول: قولوا: لا إله إلَّا الله، البابا وليُّ الله. واجتمع إليه خَلْقٌ عظيم، فجهَّز إليهم صاحب الرُّوم جيشًا، والتقوا، فقتل منهم أربعة آلاف، وقتلوا البابا.
وفيها وصل رسول خاقان ملك التَّتر إِلَى شهاب الدين غازي بميَّافارِقِين، ومعه كتابٌ إليه وإلى ملوك الإِسلام يأمرهم بالدُّخول فِي طاعته، وكان فِي عنوان الكتاب: من نائبِ رَبِّ السَّماء، ماسح وَجْه الأرض، ملك الشَّرْق والغرب قاقان، وقال لشهاب الدِّين: وقد جعلك سلحداره، وأمرك أن تخرب أسوار بلادك جميعها. فقال له شهاب الدين: أنا من جُمْلة الملوك، وبلادي حقيرة بالنسبة إِلَى الرُّوم والشَّام ومِصْر، فتوجَّه إليهم، فمهما فعلوه فعلته.
стр. 10709
وكان هذا الرَّسول شيخًا، لطيفًا، مُسْلمًا، من أهل أَصبهان، حكى لشهاب الدِّين عجائب، منها: أنَّه قال: بالقرب من بلاد قاقان، قريبًا من بلد يأجوج ومأجوج على البحر المحيط أقوام، ليس لهم رؤوس، وأعينهم فِي مناكبهم وأفمامهم، وإذا رأوا النَّاس هربوا، وعيشهم من السَّمك.
ومنها: أَنَّ هناك طائفة تزرع فِي الأرض بزرًا، فيتولَّد منه غنم كما يتولَّد دود القز، ولا يعيش الخروف أكثر من شهرين أو ثلاثة مثل بقاء النَّبات فِي الأرض، وهذا الغنم لايتناسل.
ومنها: ذكر أَنَّ بمازَنْدران عين ماء يطلع منها فِي كلِّ ستة وثلاثين سنة حَيَّة عظيمة مثل المنارة، فتقيم طول النَّهار، فإذا غربت الشَّمس غاصت فِي العين، فلا تُرى إِلَى مثل ذلك الوقت، وقيل: إنَّ بعضَ ملوك العجم جاء بنفسه إليها فِي مثل ذلك اليوم، وربطها بسلاسل وحِلَق عِظام إِلَى أساطين حولها، واستوثق منها، فلما جاء وقت الغروب قطعتِ السلاسل، وغارت فِي العين، وهي إِلَى الآن إذا طلعت رأوا السلاسل فِي وسطها (١).
وفيها جاء عسكر حلب إِلَى حَرَّان، ومعهم المنصور إبراهيم صاحب حمص، والتقوا، فانكسرتِ الخُوارَزْمية، وأنكى فيهم الحلبيون قَتْلًا وأَسْرًا، وهرب بركة خان إِلَى الخابور، وأخذ المنصور حَرَّان، وعصت عليه القلعة.
وفيها اختلف عسكرُ مِصْر على الصَّالح أَيُّوب، فقبض على جماعة.
وفيها تسلَّم الرُّوم آمِد بعد حصارٍ شديد، فيقال: إنَّهم اشتروها بثلاثين أَلْف دينار.
[وفِي هذه السنة -وهي سنة ثمان وثلاثين وست مئة - قدمت دمشق من القدس، فأشار السامري وزير إسماعيل الصَّالح عليه بإخراجي من دمشق، وكان لما قدمنا دسّ السامري صبيًّا يقال له يوسف بن يعقوب المؤذن، وكان جامكية أَبيه عندنا بمدرسة شبل الدولة شيئًا يسيرًا، فالتجأ يوسف إِلَى السامري، وصار صاحب خبر له، فتقدَّم عنده،
стр. 10710
وصار مدرسًا بالشِّبْلية، فلما قدمت دمشق حضر إِلَى عندي يوسف، وجرى حديث إخراج نجم الدين أَيُّوب، وأنه لما خرج من الحبس بالكرك اجتمعنا بالقدس، وجرى بيننا مفاوضات، فمضى يوسف إِلَى السامري، وكذَّب، وقال: ما أخرج نجم الدين من الحبس إلَّا فلان. عني، فأخرجونا فِي حر شديد إِلَى حماة، فصعد بخار عظيم إِلَى رأسي، وأتلف عيني، وكادت تذهب، وما حكم أحد بسلامتها، فمنَّ الله بالعافية، وعدت إِلَى دمشق على رغم أنف السامري، وأحياني الله حتَّى رأيت يوسف بن يعقوب فِي باب الحبس الصغير، حبسه الملك الناصر صاحب حلب، وأقام شهورًا ومات، وشنق السامري عدو الله، وعجل الله بروحه إِلَى عذاب السعير، وذهب الخمير والفطير] (١).
وفيها كانت الوقعة بين الحلبيين والخُوارَزْمية، وكان الجواد والصَّالح ابن صاحب حمص مع الخُوارَزْمية، فقصدوا حلب، ونزلوا على باب بُزَاغة فِي خمسة آلاف، فخرج إليهم عسكر حلب فِي أَلْف وخمس مئة، فكسروهم كسرةً عظيمة، وأسروا أمراءهم، ونهبوا أثقالهم، وساقوا إِلَى حَيلان، وقطعوا الماء عن حلب، وضايقوها، ثم عادوا إِلَى مَنْبج، فنهبوها، وقتلوا أهلها، وفضحوا نساءها، وعادوا إِلَى حَرَّان، وكان المنصور صاحب حمص نازلًا على شَيزَر، فاستدعاه الحلبيون، فجاء إِلَى حلب، ونزل بظاهرها، ومعه عسكر حمص ودمشق.
وفيها تُوفِّي
أَحْمد بن محمَّد (٢)
ابن خلف بن راجح، المقدسيّ.
القاضي نجم الدين الحنبلي، ثم انتقل إِلَى مذهب الشَّافعي، وولي القضاء بدمشق نيابةً، وكان فقيهًا، صالحًا، فاضلًا، مات فِي شوَّال، ودفن بقاسيون.
стр. 10711
مُحَمَّد بن عربي (١)
الشيخ المشهور.
كان فاضلًا فِي علوم الحقائق، وله المصنَّفات الكثيرة، و [حُكي لي أنَّه] (٢) كان يقول: أعرف الاسم الأعظم، وأعرف الكيمياء بطريق المنازلة لا بطريق الكتب، وكانت وفاته بدمشق فِي دار القاضي محيي الدين [بن زكي الدين] (٢)، وغسله الجمال بن عبد الخالق، ومحيي الدِّين (٣)، وكان العماد بن النحاس يصُبُّ [الماء عليه] (٢)، وحمل إِلَى قاسيون، فدفن بتربة القاضي محيي الدِّين.
[فصل: وفيها تُوفِّي
نور الدولة بن القواس
وكان عدلًا، خيِّرًا، غزير المروءة، واحتاط الصالح إسماعيل على تركته] (٢).
السنة التاسعة والثَّلاثون وست مئة
فيها قَصَدَ الجوادُ ديارَ مِصْر ملتجئًا إِلَى الصَّالح أَيُّوب، ومهاجرًا إِلَى بابه، فعبر الرمل، فخاف أَيُّوب منه، وعَزَمَ على قَبْضه، فرجع إِلَى النَّاصر داود، والتجأ إليه، وجاء كمال الدِّين بن شيخ الشيوخ، فنزل غَزَّة، وكان النَّاصر بالقدس، فجاء إليه الجواد، واتفقا، وأقام النَّاصر بالقدس، وجَهَّز العسكر مع الجواد، وجاء الكمال، والتقوا على مكانٍ يقال له: بيت فوريك، فكسره الجواد، وأخذ الكمال [بن الشيخ] (٢) أسيرًا، فجيء به إِلَى النَّاصر فوبَّخه، فقال له الجواد: لا توبخه. وأقام الجواد عند النَّاصر، فتخيَّل منه، فاعتقله، وبعث به إِلَى بغداد فِي البرية تحت الحوطة، فنزل قريبًا من الأزرق، فعرفه بطن من العرب، فأطلقوه، فعاد إِلَى دمشق، وأقام فِي خدمة
стр. 10712
الصَّالح إسماعيل، ثم أتى إِلَى الفرنج، وأقام معهم مُدَّة، وعاد إِلَى دمشق، واعتقله الصَّالح فِي عزَّتا، ثم هلك فِي سنة إحدى وأربعين [وست مئة] (١).
وسار المنصور صاحب حمص وعسكر حلب إِلَى حَرَّان، فالتقوا مع الخُوارَزْمية، فكسروا الخوارزمية، ومزَّقوهم كل ممزَّق.
وفيها شَرَعَ الصالح أَيُّوب فِي عمارة المدارس بين القَصْرين، وقلعة الجزيرة، وأخذ أملاك النَّاس، وأخرب نيفًا وثلاثين مسجدًا، وقطع أَلْف نخلة، وغَرِمَ عليها دَخْلَ مِصْر سنين كثيرة، فأخربها الترك سنة إحدى وخمسين وست مئة.
وفيها تخلَّص الصَّفي إبراهيم بن مرزوق من حبس حمص بعد اليأس منه، وكان الجواد وأسد الدين قد اتَّفقا عليه، وأخذا منه أربع مئة أَلْف دينار، وبقي محبوسًا ثلاث سنين.
وفيها اتَّفق شهابُ الدِّين غازي مع الخُوارَزْمية، ومضوا إِلَى ميَّافارِقِين، ونزلوا بها، وجاءه عسكر حلب، ونزل الجزيرة بالخوارزمية، فنهبوا وقتلوا، وجرت حروبٌ كثيرة مع المواصلة، وصاحب مارِدِين.
السنة الأربعون وست مئة
فيها عَزَمَ الصَّالح أَيُّوب على التوجُّه إِلَى الشَّام، فقيل له: البلاد مختلفة، والعساكر مختلفة. فجهَّزَ العساكر، وأقام [أيامًا، ولم يتهيأ له سفر] (١).
وفيها كانت وقعة عظيمةٌ بين الحلبيين والخُوارَزْمية، وكان غازي صاحب مَيَّافارقين مع الخوارزمية، وقد أخربوا بلاد المَوْصِل، ومارِدِين، وحلفوا لغازي وحلف لهم، ووافقهم صاحبُ ماردين، وجمع غازي الخانات، وشاورهم، فقالوا: لا بُدَّ من اللقاء. فقال: المصلحة أن نمضي ونخرب بلد الموصل. فلم يلتفتوا إليه، فلما كان ثامن وعشرين المحرم ركبوا، وطلبوا (٢) من جبل ماردين إِلَى الخابور، وساقوا إِلَى المَجْدَل،
стр. 10713
ووقف الخانات ميمنةً وميسرةً، وغازي فِي القلب، واقتتلوا، فصدمهم عسكر حلب صدمةَ رجلٍ واحد، فانهزموا لا يلوون على شيء، وتبعهم الحلبيون يقتلون ويأسرون، وأُخذت أثقال غازي وعسكره وأغنام التركمان وخيلهم ونساؤهم، وكانوا خلقًا عظيمًا، وبِيعَ الفرس بخمسة دراهم، ورأس الغنم بدِرْهم، ونُهبت نَصِيبين، وسُبي نساؤها، وكانت قد نهبت مرارًا مقدار سبع عشرة مرة من المواصلة والخوارزمية وعسكر ميافارقين وماردين، وعاد غازي إِلَى مَيَّافارقين، وتفرقت الخوارزمية، ثم اجتمعوا على نَصِيبين، ثم رحلوا، فنزلوا رأس عين، فقتلوا أهلها ونهبوا الأموال وسبوا النِّساء، وفعلوا بالخابور كذلك، ونهبوا أغنام التركمان.
وفيها جاء إِلَى غازي منشور بخِلاط وأعمالها مع شمس الدِّين النَّائب بالرُّوم، فتسلَّم غازي خِلاط وما فيها.
وفيها تُوفِّي
كمال الدِّين، أَحْمد (١)
ابن صدر الدين شيخ الشيوخ بغَزَّة فِي صفر عن ستٍّ وخمسين سنة، وبنى عليه أخوه معين الدين قُبَّة على جانب الطَّريق، وكان قد كسره الجواد بعسكر النَّاصر داود، وقيل: إنه سُمَّ، وكتب إِلَى ابنِ عمه سعد الدين: [من البسيط]
لو أنَّ فِي الأرض جنَّاتٍ مزخرفةً … تحُفُّ أركانَها الولْدان والخَدَمُ
ولم تكن رَأْيَ عَيني فالوجودُ بها … إذْ لا أراكَ وجودٌ كلُّه عَدَمُ
الإِمام المستنصر بالله (٢)
أبو جعفر منصور بن محمَّد الظَّاهر.
стр. 10714
كان جَوَادًا، سَمْحًا، عادلًا، قريبًا من النَّاس، رحوم القلب، متصدِّقًا سرًّا وجهرًا، عمر المدرسة الشَّاطئية (١)، ووقفها على المذاهب الأربعة، ووقف عليها الأوقاف الكثيرة، ونَقَلَ إليها المخطوط المنسوبة بخطِّ ابنِ البواب، وابن مُقْلة وغيرهما، ورتَّب للفقهاء جميع ما يحتاجون إليه من الأطعمة والأشربة والجامكيات والفواكه فِي حينها، حتَّى المارَسْتان والحمام فيها، ولم يكن عنده تعصُّب على مذهب، وليس فِي الدنيا مثل هذه المدرسة، ولا بني مثلها [فِي سالف الأعوام، فهي] (٢) فِي العراق كجامع دمشق وقُبَّة الصخرة بالشَّام، وبنى المساجد والمشاهد، وعمر الخانات فِي الطُّرقات، وكان يزور الصَّالحين ويبرهم، ويحسن إليهم، ويتفقدهم، ويزور المشهدين: مشهد علي والحسين ﵄، ويحسن إِلَى العلويين، ويُنْعم على المجاورين، ولم يكن للمال عنده قدر، [(٣) ولما وردت بغداد فِي سنة أربع وأربعين وست مئة حكى لي الثِّقات عنه أَنَّ له الأحوال الجليلة؛ منها أنَّه] كان يزور الشيخ عبد العزيز النَّاسخ بالحريم الطَّاهري، ويغشاه كثيرًا، فقال له يومًا: أنا لا أثاب على ما أفعله. فقال له عبد العزيز: الله الله يَا مولانا، إذا لم تثاب (٤) أَنْتَ مَنْ يثاب! فقال: لأَنَّ المال الذي أنفقه فِي أبواب البر ما له عندي قدر بل مثل التُّراب، والثواب إنما يكون على قدر المشقة.
و [منها أنَّه] (٢) كان يَمضي إِلَى العَلْث؛ قرية من دُجَيْل، بينها وبين بغداد مسيرة يومين حتَّى يزور إسحاق العَلْثي الحَنْبلي.
و [منها أنَّه] (٢) لما كان النَّاصر فِي الحياة كان قد بنى عنده فِي الدَّار بركة للمال، فكان يقول: ترى أعيش حتَّى أملأها ذهبًا؟ فلما ولي المستنصر وقف عليها، وقال: ترى أعيش حتَّى أفرغها؟
стр. 10715
و [منها أنَّه] (١) ركب يومًا للصَّيد فِي رمضان، فاجتاز بين الحربية ودار القز -محلَّتين بالجانب الغربي من بغداد- فرأى شيخًا كبيرًا، معه قدحٌ فيه طبيخ قد أخذه من العتَّابيين، وهو يريد أن يدخل الحربية، وكان فِي كلِّ محلة دار مضيف [فِي رمضان، فقال له: يَا شيخ، ممن أَنْتَ؟ قال: من الحربية. قال: أما عندكم دار مضيف؟ قال: بلى] (١). قال: فلِمَ تأخذ من الموضعين؟! فبكى الشيخ، وقال: والله ما أخذتُ من المحلَّتين، وإنما أنا رجلٌ كان لله عليَّ نعمة، وكان لي مال كثير، فافتقرت، وذهب المال والولد وأستحيي من أهل محلَّتي أن آخذ من دار المضيف، فأنا أمضي إِلَى المحلَّة التي لا أعرف فيها، فآخذ الطَّعام فِي القدح، وآتي إِلَى باب الحربية، فإذا أذن المغرب، ودخل النَّاس فِي الصَّلاة دخلتُ بيتي ولا يراني أحد. فبكى الخليفة، وقال لنفسه: ويحك يَا منصور! ما جوابك غدًا إذا سألك الله عن هذا الفقير المحتاج؟ ثم أعطاه أَلْف دينار، وقال: إذا نفدت، فتعال إِلَى باب البَدْرية. فأخذ المال، ومن فرحته انشقَّ قلبه، فعاش عشرين يومًا، ومات، وطولع الخليفة، فقيل له: ما نقص منه غير دينار واحد، فقال: إن كان له ورثة، فادفعوه إليهم، وإلا فأذنت لكم أن تتصدَّقوا به فِي الحربية على الفقراء، فهذا مال أخرجناه لله فلا نرجع [فيه، ولا يدخل] (١) إلينا.
وكانت وفاته [فِي هذه السنة]، وحمل إِلَى الرّصافة، وحزن عليه الخَلْقُ حُزْنًا عظيمًا لإحسانه إليهم، وعمل له العزاء ببغداد والبلاد كلها ثلاثة أيام، وولي ولده عبد الله.
الباب التَّاسع والثلاثون فِي خلافته، ولقبه المستعصم بالله
السنة الحادية والأربعون وست مئة
فيها تردَّدت الرُّسُل بين الصَّالح أَيُّوب وعمه الصَّالح إسماعيل فِي الصُّلْح، وقدم الشَّرف بن التِّبْنِيني، والأصيل الإسعردي الخَطيب، وأُطلق المغيث بن الصالح أَيُّوب، وركب، وخُطِبَ للصَّالح أَيُّوب بدمشق، ولم يبق إلَّا أن يتوجَّه المغيث إِلَى مِصْر، ورضي الصَّالح أَيُّوب ببقاء دمشق على عَمِّه الصَّالح بعد أن يسلِّم إليه ولده عمر