← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومن مدائن الشرق عُمان، وقد ذكرها النبي ﷺ ، قال أحمد بإسناده عن الحسن بن هادية، قال: لقيتُ ابن عمر فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من أهل عُمان، فقال: من أهل عمان؟ قلت: نعم، قال: أفلا أُحدِّثك ما سمعتُ من رسول الله ﷺ ؟ قلت: نعم، قال: سمعته يقول: "إنِّي لأَعلَم أرضًا يقال لها: عُمان يَنْضَحُ بجانبها البحرُ، الحَجَّةُ منها أفضلُ من حَجَّتين من غيرها". أخرجه أحمد في "المسند" (١). وذكرها الجوهري فقال: وعُمانُ -بالتخفيف- بلد، وأما الذي بالشأم فهو عَمَّانُ -بالفتح والتشديد- بلد (٢). وسنذكر المدائن التي بناها الإسكندر والفرس بخراسان وغيرها. فصل في مدائن العراق قال الجوهري: العِراق بلاد، يُذكَّر ويُؤنَّث، قال: ويقال هو فارسي مُعرَّب. والعراقان البصرة والكوفة (٣). وقال الأصمعي: إنما سُمِّيَ عِراقًا لأنه سَفُل عن أرض العرب. قال: وقال أبو عمرو بن العلاء: سُمِّيَ عِراقًا لتواشُج عروق الشجر والنخل فيه (٤). وقال الخطيبُ بإسناده عن ابن عائشة قال: كتب عمر بن الخطاب إلى كعب الأحبار، يقول: اختَرْ لي المنازلَ، فكتب إليه: يا أمير المؤمنين: بلغنا أن الأشياء اجتمعت، فقال السخاء: أريد اليمن، فقال حسن الخلق: وأنا معك، وقال الجفاء: أريد الحجاز، فقال الفقر: وأنا معك، وقال البأس: أريدُ الشام، فقال السيف: وأنا معك، وقال العلم: أريد العراق، فقال العقل: وأنا معك (٥)، وقال الغنى: أريد مصر، فقال الذلّ: وأنا معك. فاخترْ لنفسك. فلما وردَ الكتاب على عمر قال: فالعراق إذًا (٦).

стр. 107

ومنها: حُلْوان، قال ابن الجواليقي: حلوان مدينة من مدن العجم. وقال ابن الكلبي: إنما سميت بذلك؛ لأنَّ بعضَ ملوكِ الأعاجم أقطعها حلوان بن الحاف بن قضاعة (١). وروي عن معاذ بن جبل قال، قال رسول الله ﷺ "اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وفي شامنا ويمننا، وفي حجازنا" فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، وفي عراقنا، فأمسك رسول الله ﷺ ، فلما كان في اليوم الثاني، قال مثل ذلك، فقام إليه الرجل وقال: يا رسول الله، وفي عراقنا، فأمسك رسول الله ﷺ ، فقام الرجل إليه في اليوم الثالث فقال مثل ذلك، فأمسك عنه، فولَّى وهو يبكي، فدعاه النبي ﷺ ، فقال: "أمِنْ أهل العراقِ أنت؟ " قال: نعم، قال: "إن أبي إبراهيم همَّ أنْ يدعوَ عليهم فأوحى الله تعالى إليه: لا تفعل، فإني جعلتُ خزائن علمي فيهم، وأسكنتُ الرحمةَ قلوبهم" (٢). فصل ومن مدن العراق مدينة بابل بناها نُمْرود بن كنعان، ومكانها معروف، وقد ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]. وقال الجوهري: بابِلُ اسم موضع بالعراق ينسب إليه السحر والخمر، ولا ينصرف لتأنيثه (٣). وقد أكثرت فيها الشعراء. وحكى لي جماعةٌ من مشايخنا: عن البلخي الواعظ أنه كان يعظُ بالنظامِيَّة، وبدت منه حركات أوجبت إخراجَهُ من بغداد، فجاءَ إليه بعضُ غلمان الديوان، وهو على المنبر فقال له: قد رُسِمَ بأن تخرجَ من البلد، فأنشد (٤): [من الطويل] أبابلُ لا واديكِ بالجودِ مُفْعَمٌ … لديّ ولا ناديكِ بالرفدِ آهلُ لئن ضِقتِ عني فالبلادُ فسيحةٌ … وحَسْبك عارًا أنَّني عنكِ راحلُ

стр. 108

وإن كنتِ بالسِّحرِ الحرامِ مُدِلَّةً … فعندي مِنَ السحرِ الحلالِ دلائلُ قَوافٍ تُعيرُ الأَعينَ النُّجْلَ حُسنَها … فأيُّ مكان خَيَّمَتْ فهو بابلُ وكان ببابلَ عجائب نذكرها في عجائب الدنيا. فصل ومنها الأَنبار، وهي مدينة قديمة ذكرها الجوهري، وقال: وأَنْبار اسم بلدٍ (١). وسنذكرها فيما بعدُ. ومن مدائن اليمن صَنْعاء، قال الجوهري: وصَنْعاء -ممدود- قَصَبةُ اليمن، والنسبة إليها صَنْعانيٌّ على غير قياس، كما قالوا في النسبة إلى حَرَّان: حَرْنانيٌّ (٢). قال: وحَضْرَمَوْتُ: اسم بلد وقبيلة أيضًا، وهما اسمان جُعِلا اسمًا واحدًا، والنسبة إليه: حَضْرَمِيٌّ، وتصغيره حُضَيرُمَوْتٍ، والجمعُ الحَضَارِمة (٣). قال: وظَفارِ مثل قَطامِ مدينةٌ باليمن، وجَزْعٌ ظَفاريٌّ منسوب إليها، وكذا عودٌ ظَفاريٌّ، للذي يُتبخَّر به، وفي المثل: من دخلَ ظَفارِ حَمَّر (٤). أي: تكلم بلغة حمير. وسنذكره في الأمثال إن شاء الله تعالى، ونذكر أيضًا عَدَن، ونذكر أيضًا مكة في قصةِ الخليل ﵇. فصل فأما مدينة النبي ﷺ ، فقال الجوهري: وَيَثْرِبُ مدينة النبي ﷺ (٥). وقال عكرمة: وقد سماها النبي ﷺ يَثْرب، ففي حديث الهجرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "رَأيتُ في مَنامي أنِّي أُهاجِر إلى أرضٍ بها نخلٌ فذهَبَ وَهَلي إلى أنَّها اليَمامةُ

стр. 109

أو هَجَر، فإذا هيَ المدينةُ يثربُ". متفق عليه (١). وسنذكره في الهجرة. وسماها: طابَةَ وطَيبَةَ، من الطِّيب، فأخرج مسلم عن جابر بن سَمُرَة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الله تعالى سمَّى المدينةَ طابَةَ" (٢). وسنذكر قصَّتَها، ومن بناها في باب التَّبابِعة من ملوك اليمن، وفضلَها في سيرة النبي ﷺ . وقال هشام بن الكلبي: لما أهلك الله قومَ عاد تفرقت القبائل، فنزل قوم بمكة، وقوم بالطائف، وسار يثربُ بن مَهْذيل بن إِرم بن عَبيل وقومُه فنزلوا موضع المدينة (٣)، فاستخرجوا العيون، وغرسوا النخيل، وأقاموا زمانًا، فأفسدوا، فأهلكهم الله ويبست النخيل، وغارت العيون، حتى مرَّ بها تُبَّع، فبناها لِما نذكر. فصل في مدائِن الجزيرة قال الجوهري: والمَوْصِلُ بلد (٤). واختلفوا في تسميتها بذلك على قولين، أحدهما: لأنها وصلت ما بين دِجلة والفرات، والثاني: لأنه كان في موضعها راهبٌ طليعةٌ للفرس، يوصل إليهم أخبار الروم. ومن شرقيه المدينة العظمى، ويقال لها: نِينَوىَ، نذكرها في قصة يونس ﵇. ومنها: نَصِيبين وهي قديمة، وذكرها الجوهري فقال: ونَصِيبِينُ بلد (٥). ومَيَّافارِقِين أعجمي مُعرَّب، وقد نطقت به العرب (٦).

стр. 110

وآمِدُ من قديم المدن، ولم تتكلم بها العرب، وقيل: تكلمت بها. ومنها حَرَّان، قال الجوهري: وحَرَّانُ اسمُ بلد (١). وذكرها ابن الجوَالِيقي فقال: وَحَرَّان اسم البلدة مُعرَّبة، وهي مسماة بـ: هاران بن آزر أخي إبراهيم (٢). وقال ابن الكلبي: لما خرج نوح من السفينة بناها، وقيل: إنما بناها هاران خال يعقوب ﵇، فأبدلت العرب الهاءَ حاءً، وكان بها معبدٌ لليونان. فصل في مدائن الشَّأم والسواحل فمنها: حَلَب، وقد ذكرها الجوهري فقال: وحَلبُ مدينة بالشأم (٣). وقال أبو الحسين ابن المنادي: الشامات خمس كُوَر: الأولى: قِنَّسْرِين، ومدينتها العظمى حَلَب، وقِنَّسْرِين أقدم منها، وبينهما أربعة فراسخ، وفيها آثار الخليل ﵇ ومقامه، وقد نزلها أكابر الملوك، كبني حمدان وغيرهم، قال: ومن رُسْداقِها مَنْبج وهي مدينة قديمة (٤). وذكرها الجوهري فقال: وَمنْبجُ اسم موضع (٥). وفي ساحل حلب مدن منها: أنْطاكِيَة، ذكرها ابن الجَواليقي في "المعرب"، وقد تكلمت بها العرب قديمًا، وكانوا إذا أعجبهم شيء نسبوه إليها (٦). واختلفوا في بانيها فقال قوم: بناها أَنْطُخُس أولُ ملوكِ اليونان، وصيَّرها دارَ ملكه، وحشد إليها الحكماءَ وأصحابَ الرَّصْدِ وأخذَ الطوالعَ بها، ومسافةُ سورها اثنا عشر ميلًا، وعدد أبراجها مئة وستة وثلاثون برجًا، وعدد شُرُفاته أربع وعشرون ألفًا، وهذا السور في السهل والجبل، وقال أبو معشر: بنيت بعد الإسكندر الثاني بمئة سنة، والنصارى تسميها دارَ الله؛ لأن النصرانية ظهرت منها بعدما دثرت.

стр. 111

وقال ابن المنادي: والشَّأم الثانية: حِمْصُ وأعمالها، وكانت مركز ملوك الروم، وكان زيتونها وقنواتها متصلة بتَدمُر وبَعْلَبك، ومن سواحلها طَرابُلُسُ وما والاها، وقد نزلها خَلْقٌ من الصحابة. قال: والشَّأم الثالثة: وهي الغوطة، ومدينتها: دمشق، واختلفوا في الذي بناها على أقوال: القول الأول: نوح ﵇، لما خرج من السفينة، أقام بثَمانِين (١) مدة، ثم جاء إلى الشام، فأشرف من جبال الغوطة على الغوطة فأعجبته، فشرع في بنائها واتخذها دارًا، وهي أولُ مدينةٍ خُطَّت بعد الطوفان. قاله النضر بن شميل. والقول الثاني: بيوراسب، وبنى بعدها صُورَ بالساحل. قاله مجاهد. والقول الثالث: عاد بن عوص، وأنها المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧]. قاله كعب الأحبار. والرابع: ذو القرنين الإسكندر الأول، لما عاد من المشرق صعد على عَقبة دُمَّر، ومعه غلام اسمه: دمشق، فرأى المياه ضائعة، لنقال له: يا دمشق، ابن هاهنا مدينة، ورسمها له فبناها. حكاه أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخ دمشق" وقال: كان الغلام يقال له: دمشقش بزيادة شين، قال: وكان وادي دمشق كله شجر الأرز، قال أبو القاسم: والأرزة التي وقعت في سنة ثلاث مئة وثلاث عشرة من ذلك الأرز، وبنى مكان الجامع معبدًا يَعبد الله فيه (٢). والقول الخامس: غلام للخليل ﵇، يقال له: العازَر، وهبه له نمرود لما خرج من النار سالمًا. حكاهُ وهب بن منبه (٣). والقول السادس: سليمان ﵇. وبَرِيد وجَيْرون اللذان ينسب إليهما باب البَرِيد وباب جَيرون، هما شيطانان في قول

стр. 112

أبي الحسن المدائني، كانا على عهد سليمان، وفي قول كعب الأحبار: هما أخوان، وأبوهما سعد بن لقمان بن عاد لما نذكر بعد هذا. وقيل: كان موضع جَيْرون وباب البَرِيد مدينة صغيرة، وهما من بعض أبوابها. وإنما سُمي: البابَ الصَّغير، لأنَّه كان أصغَرَ أبوابها لما بنيت. وباب كيسان: منسوب إلى كيسان مولى معاوية. وباب تُوما: ينسب إلى عظيم من الروم يقال له: تُوما. وباب الفَرادِيس: منسوب إلى محلة كانت في ظاهره يقال لها: الفَرادِيس. وباب الفَرَج: فتحه نور الدين محمود بن زَنْكي ﵀؛ تفاؤلًا باسمه وما فتح عليه من الفتوح ببلاد الفرنج. وباب الجابيَة: منسوب إلى قرية الجابيَة، وكانت مدينة عظيمة في الجاهلية (١). وفي السور أبوابٌ صغار تفتح عند الحاجة إليها (٢). وذكر أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن خُرْداذْبه: أنَّ أصحابَ الرَّسِّ كانوا باليمن، فأرسل الله تعالى إليهم حنظلةَ بن صفوان نبيًّا فقتلوه، فسار عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح بولده من الرَّسِّ، فنزل الأحقاف، وأهلك الله أصحابَ الرَّسِّ، وانتشر ولد عاد في بلاد اليمن، ثم خرجوا إلى الشام، فنزل جَيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح دمشق، وبنى مدينتها وسماها: جَيرون، وهي إرَم ذاتُ العماد، فبعث الله هود بن عبد الله بن رياح بن خالد بن الجلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح نبيًّا إلى قوم عاد بالأحقاف، فكذبوه فأهلكهم الله. وسنذكر قصتهم في موضعها إن شاء الله تعالى. وقال بعضُ الأوائل: إنها بنيت على الكواكبِ السبعة، وكان لها سبعة أبواب، على كُلِّ باب صورة (٣)، فالباب الشرقي للشمس، وباب توما للزُّهَرَةِ، وباب السَّلامة

стр. 113

للقمر، وباب الفَراديس لعُطاردِ، وباب الجابية للمِرِّيخ، والباب الصغير للمُشتَري، وباب كَيسان لزُحَل. وقال الجوهري: ويقال: إن صورة زُحَل باقية عليه إلى الآن (١). ودمشق قَصَبَةُ الشَّام، قال: ودمشق من صفات النُّوق (٢). واختلفوا في لفظة جِلِّق، فقال الجوهري: جِلِّقُ موضع بقرب دمشق (٣). وقد جاء في الشعر الفصيح، قال حسان (٤) [من الكامل]: للهِ دَرُّ عِصابةٍ نادمتُها … يومًا بِجِلِّقَ في الزَّمانِ الأولِ قال: وقيل إنه صورة امرأة، كان الماء يجري من فيها في قرية من قرى دمشق (٥). وقال الهيثم: بنيت دمشق في خمس مئة سنة، وأصل مياهها من عين في مرج الزَّبَدانيِّ عند قرية يقال لها: بَرَدى، ثم يجتمع من عين الفِيجة وينقسم سبعةَ أنهار، وفي بَرَدى يقول بعض القدماء (٦) [من البسيط]: وما ذَكرتكمُ إلا وَضَعتُ يَدِي … على حَرارةِ قَلبٍ قلَّ ما بَردا وما تَذكَّرْتكم والدمعُ يَشرَقُ بي … إلّا تحدَّر من عينيَّ ما بَرَدى فصل في فضل دمشق روى وهب بن منبِّه أنه قال: بلغني عن ابن عباس أنه قال: أقدمُ حائط على وجه الأرض حائط قبلةِ دمشق، وفيه قبرُ هود ﵇. وفي روايةٍ عن كعب أنه قال: أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حَرَّان ودمشق وبابِل (٧).

стр. 114

وذكر مجاهد عن ابن عباس في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] قال: هي دمشق (١)، وكذا في قوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٧] إنها دمشق. ورُوي عن ابن عباس موقوفًا عليه ومرفوعًا أنه قال: قد وكل الله بكلِّ بلد مَلَكًا يحرسه، إلَّا دمشق فإنه يتولاها بنفسه. والموقوف أصح (٢). وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن عبد الرحمن بن جبيرِ بن نفير عن أبيه، قال: حدثنا أصحابُ محمد ﷺ أنه قال: "سَتُفتح عليكم الشَّام، فإذا تَخيَّرتُم المنازلَ فيها، فعليكم بمدينةٍ يُقال لها: دِمشقُ، فإنَّها مَعقِلُ المُسلمين مِنَ الملاحِم، وفُسْطاطُهم بأرضٍ يقال لها: الغوطة" (٣)، إلا أنَّ جَدي ﵀ ضعَّف هذا الحديث وذكره في "الأحاديث الواهية" وقال: قال يحيى بن معين: في إسناده أبو بكر بن أبي مريم ليس بشيء (٤). قلت: وقد أخرج مسلم عن النَّوَّاس بن سمعان قال: قال رسول الله ﷺ : "ينزِل عيسى بنُ مريمَ عندَ المَنارةِ البيضاءِ، شرقيَّ دِمشقَ بين مَهْرودَتَين، واضعًا كَفَّيه على أجنحَةِ مَلَكَين" (٥). وهو حديث طويل. والمَهْرودَة: المصبوغة. وروى وَهب بن منبِّه قال: كان الخضِر ﵇ يطرقها، فأتاها مرة فوجدها بحيرةً، فغاب عنها خمس مئة سنة، ثم أتاها فإذا هي عامرة، فغاب عنها خمس مئة سنة أخرى وأتاها، فإذا هي مقصبة، ثم عاد إليها فوجدها عامرة، فعل ذلك مرارًا، وهذا يدل على أنها قديمة. وحكى الحافظُ أبو القاسم في "تاريخه": أنه كان بدمشق رجلٌ صالح، وكان يقصده الخضِر ﵇، وذلك في زمان معاوية بن أبي سفيان، فبلغ معاوية، فجاء إلى الرجل وقال له: اجمع بيني وبين الخَضِر عندك، قال: نعم، فجاء الخضر على

стр. 115

عادته، فأخبره بما قال معاوية، فقال: ليس لي إلى ذلك سبيل، فقال: فأخبر معاوية بما قال، فقال له معاوية: قل له: قد قعدنا مع من هو خير منك، وحدثناه وخاطبناه، وهو محمد ﷺ ، ولكن اسأله عن ابتداء بناء دمشق، كيف كان، فقال: نعم، وذكر بمعناه (١). وذكر الحافظ أيضًا عن أبي الحسين الرازي والد تَمَّام، ذكر في "تاريخه": أن عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس لما حاصر دمشق وهدم سورها، وقع منه حجر عليه منقوش باليوناني، فترجم بالعربية وكان: ويكِ إرم (٢) الجبابرة، من رامك بسوء قصمه الله، ويلك من خمسة أعين، ينقض سورك على يديه بعد أربعة آلاف سنة، فنظر فإذا هو عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ففعل بها ما فعل (٣). وقد ورد في فضائل دمشق أخبار، للمحدثين فيها نظر، فلذلك عَدَّينا عنها. وقد ذكرها أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخه" وليس فيها ما يثبت إلا النادر. وذكر الحافظ أبو القاسم أيضًا في أخبار دمشق: أن أبا الفتح المسلّم بن هبة الله، أَلَّفَ (٤) رسالة في تفضيلِ دمشق على الدنيا، وكان فاضلًا، وهو القائل: [من الطويل] وما ذقتُ طَعْمَ الماء إلا وَجدتُهُ … كأن ليس بالماءِ الذي كنتُ أعرفُ وما سرَّ صَدْري مذ تناءَتْ بيَ النوى … أنيسٌ ولا مالٌ ولا مُتَصَرَّفُ وما أحضرُ اللَّذَّاتِ إلَّا تكلُّفًا … وأيُّ سُرورٍ يَقتضيهِ التَّكلُّفُ وروي عن كعب الأحبار: أنه رأى رجلًا من أهل الشام، فقال: من أين أنت؟ فقال: من دمشق، فقال: أنت من الذين يُعرَفونَ في الجنَّةِ بالثيابِ الخضر (٥). وحكى جماعة عن مشايخ دمشق: أنَّ بالغوطة مئة ألف ونيفًا وثلاثين ألف بستان،

стр. 116

وسنذكر أنهارها فيما بعد. وقد أكثرت الشعراء في وصف دمشق، فمنهم أحمد بن منير الطرابلسي. أنبأنا أبو البركات الدمشقي عن جماعة من أشياخه، قالوا: أنبأنا ابن منير، قال: [من البسيط] حَيِّ الدِّيارَ على عَلْياءِ جَيْرون … مَهْوى الهوى ومغاني الخُرَّدِ العِينِ مُرادَ لَهْويَ إذْ كَفِّي مُصَرِّفةٌ … أَعِنَّةَ العيس في فِيحِ الميادينِ فالنَّيربَين فَمَقْرى فالرياض فَجَمْـ … رايا فَجَوِّ حواشي جسر جِسْرِينِ فالقَصْر فالْمَرْج فالمَيدان فالشَّرَف الـ … أعلى فسَطْرا فَجَرْمانا فقُلْبِينِ تلك المنازل لا وادي الأَراكِ ولا … رمْلُ المصلَّى ولا أَثْلاتُ يَبْرِينِ واهًا لطيبِ غُديَّاتِ الرَّبيعِ بها … وبردِ أنفاس آصالِ التشارينِ وَطابَ تَغْرِيدُ قَيناتِ الغُصون وأَغْـ … ـنَتْها الحَنَاجِر عن شَدِّ الدَّساتِينِ (١) وقد وازنها أبو عبد الله محمد بن محمد، الملقب بالعماد الكاتِب الأصبهاني، ولي منه إجازة، قال (٢): [من البسيط] أهدَى النَّسيمُ لنا ريَّا الرَّياحينِ … أم طيبَ أخلاقِ جيراني بِجَيرونِ هَبَّت لنا نفحةٌ في جِلَّقٍ سَحَرًا … باحتْ بِسرٍّ من الفردوسِ مكنونِ ومنها: [من البسيط] دمشقُ عنديَ لا تُحْصَى فضائلُها … عَدًّا وحَصْرًا ويُحْصَى رملُ يَبْرينِ وما أرى بلدةً أخرى تُماثِلُها … في الحُسنِ من مِصرَ حتى مُنتهى الصِّينِ وإنَّ من باع كلَّ العُمر مُقتنعًا … بساعةٍ في ذُراها غيرُ مَغْبونِ لما عَلَتْ هِمَّتي صَيَّرْتُها وطني … وليس يَقنعُ غيرُ الدُّونِ بالدُّونِ ترى جواسِقَها (٣) في الجوِّ شاهقةً … كأنَّهنَّ قصورٌ للسلاطينِ

стр. 117

دارُ النَّعيم ومِنْ أدنى محاسِنِها … ثمارُ تمُّوزَ في أيامِ كانونِ نَعيمُها غيرُ مَمنوعٍ لساكِنها … كالخُلْدِ والمنُّ فيها غيرُ ممنونِ أزهارُها أبدًا في الرَّوض مونِقَةٌ … فَحُسنُ نَيسانَ مَوصولٌ بتِشرينِ وللحمائمِ في الأسحارِ أدعيةٌ … مرفوعةٌ شُفِعَتْ منَّا بتأمينِ خافتْ على الرَّوضِ من عينِ مُطَوَّقة … أضحتْ تُعَوِّذُهُ منها بياسينِ مِن كلِّ مُطْرِبِ صوتٍ غيرِ مُضطَربٍ … وكلِّ مُعْربِ لفظٍ غيرِ ملحونِ وللبساتينِ أنهارٌ جَداولُها … تَسْتَنُّ في الجَرْي أمثال الثَّعابينِ وقد تراءَتْ بها الأشجارُ تحسِبُها … صفوفَ خَيلٍ صفونٍ (١) في الميادينِ يا صاحبيَّ أفيقا فالزَّمانُ صحا … ولانَ من بعد تشديدٍ وتخشينِ دارُ المقامةِ قد أضحت مَحَلَّكما … ونِلتُما العزَّ في أمنٍ من الهُونِ وقال ابن منير أيضًا (٢): [من البسيط] سَقى دمشقَ ومغنًى للهوى فيها … حَيًا تهزُّ له أعطافَها تِيها لا زال للدَّوحِ عطَّارًا يُراوحُها … وللسَّحائب خمَّارًا يُغاديها دارٌ هي الجنَّة المحبورُ ساكِنُها … فإن تَكُنْها وإلَّا فَهْيَ تَحْكيها تَباركَ الله كم مِن مَنظَرٍ بَهِجٍ … يَستوقِفُ الطَّرْفَ في بطحاءِ واديها من أبيات. وقال محمد بن القَيسَراني: [من البسيط]: أرضٌ تحلُّ الأماني من محاسنها … بحيث تَجتمعُ الدُّنيا وتَفترقُ إذا شدا الطَّيرُ في أغصانِها وقَفَتْ … على حدائقها الأَسماعُ والحَدَقُ وقال فيها أيضًا أشعارًا كثيرة. وقال القاضي أحمد بن كامل: لما قدِمها البُحتري مع المتوكِّل، وشاهد أنهارها وأشجارها وأطيارها وقصورها وولدانها وحورها، قال: ارتفعت دمشق عن الوصف فهي كما قيل:

стр. 118

في كلِّ ناحيةٍ من وجهها قمر (١) ثم قال (٢): [من البسيط] العيشُ في ليلِ داريَّا إذا بَرَدا … والرَّاحُ نَمزُجُها بالماء من بَرَدى أمَّا دمشقُ فقد أبْدَتْ محالسِنها … وقد وَفَى لك مُطريها بما وَعَدا من أبيات. وللعماد الكاتب في مدحها قصائد عديدة ذكرها في "الخريدة" (٣). وقال ابن الكلبي: دمشق كورة من كُوَرِ الشام، ومن أعمالها: البَلْقاء، منسوبة إلى بالق. وعَمَّان -بالتشديد- سميت بذلك لأن عَمَّان بن لوط عمرها وأقام بها. وزُغَر ومَآب باسم ابنتي لوطٍ ﵇، وقيل: مآب بن لوط والرية بنت لوط ﵇. وقيل: وسميت صَيْدا بصَيدون بن كنعان بن نوح ﵇. وأَريحا: بأرِيحا بن مالك بن أَرْفَخشذ بن سام بن نوح. وسميت: الكُسْوة، لأنَّ رسل ملك الروم باتوا بها، فسرقت ثيابهم، فأصبحوا عُراة، وقيل: لأن غسان قتلتهم واقتسمت ثيابهم وكسوتهم. والجابيَة: الحوض. قال: وصُور وعَكَّة من أعمال دمشق، وقال الجوهري: عَكَّه -بالهاء- قال: وهي اسم بلد بالثُّغور (٤). ويقال: عكَّا بالمَدّ، بدليل أنك إذا نسبت إليها قلتَ: رجل عَكَّاوي، وصُور من صار إذا مال، وهي مائلة في البحر.

стр. 119

ومنها: الرَّبْوَة، كان عيسى ﵇ وأمه يأويان إليها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]. ومنها: قاسِيُون، وسنذكره في الجبال. وبظاهر دمشق أماكن مباركة، منها: مقبرة باب الفَرادِيس، كان كعب الأحبار يقول: يبعث الله منها سبعين ألف شهيد، يشفعون في سبعين ألف إنسان (١). وقال كعب: بِطَرَسُوس عشرة من قبور الأنبياء، وبالمَصِّميصَة خمسة، وبأَنْطاكِيَة قبر حبيب النجار، وبِحِمْصَ ثلاثون نبيًّا، وبدمشق خمس مئة، وبالسواحل ألف نبي، وببيت المقدس ألف نبي، وبالعَرِيش عَشرة. وروى مكحول عن ابن عباس قال: من أراد أن ينظرَ إلى قبور الأنبياء فعليه بالشام (٢). قلت: وقد ذكر أبو القاسم ابن عساكر آثارًا في أماكن بظاهر دمشق، منها: قرية بَرْزَة، فروى بإسناده إلى ابن عباس: قال: ولد إبراهيم في غوطة دمشق، بقرية يقال لها: بَرْزَة، في جبل يقال له: قاسِيون (٣). ثم ذكر بعده: أن إبراهيم قدم إلى الشام، وجاهدَ ملك النَّبَط، وجاءَ فصلَّى في المقام (٤). قلت: لا خلاف بين علماء السير أن إبراهيم ولد بالعراق، ما اختلف فيه اثنان (٥). ثم روى بعد هذا: أن جبل بَرْزَة هو الذي رأى منه إبراهيم الكواكب، وقال: هذا ربي وهذا تناقض، ثم قال: والشقُّ الذي في المسجد هو الذي اختبأ فيه إبراهيم من نُمرود (٦)، ثم روى بعد هذا حديثًا عن النبي ﷺ ، أنه قال: "وبالغوطة جبلٌ يقال له:

стр. 120

قاسِيون، فيه قتل ابنُ آدَم أخاه" (١). وهذا الحديثُ لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ ، ولا قتل قابيل أخاه بالشام، بل في الهند، وسنذكره فيما بعد. وذكر أيضًا أن الدم الذي على قاسِيون دمُ هابيل، وأن الملائكة نزلت عَزَّتْ آدمَ في الكهف الذي بقاسِيون، وحكاه عن كعب الأحبار وغيره (٢). قلت: ما ورد عن كعب الأحبار في هذا الباب، فقد توقَّفَ الناسُ في رواية كعب، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يضربه بالدِرَّة ويقول: دعنا من يهوديتك، ومع هذا أجاز روايته بعضُهم إذا لم يرو عن النبي ﷺ ؛ لأنه أسلم على يدِ عمر، فالرواية عن رسول الله ﷺ في هذا الباب فيها وهنٌ عظيم إذا لم توافق السننَ والأصول. فروى أبو القاسم في فضل دمشق والغوطة حديثًا عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : "خلق الله جمجمة جبريل على قدر الغوطة" (٣). وهذا مما لا توافقه عليه قضايا العقول، لأنه قد ثبتَ في الصحيح أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "خلق الله تعالى الملائكة من نور" (٤). والنور روحاني فكيف يكون جسمًا، وفي رواية: "من نور العرش" (٥) ولما سأله رسول الله ﷺ أن يظهر له في صورته، ظهر فسدَّ أحدُ جناحيه ما بين المشرق والمغرب (٦)، وسنذكره في ليلة المعراج. عدنا إلى قول ابن المنادي: والشام الرابعة: الأُردُنُّ ومدينةُ طبريَّة على ساحل البحيرة، ويقال: إنها من بناء سليمان ﵇، وأن قبره على شاطئ البحيرة.

стр. 121

قال: والشام الخامسة: الرَّمْلَة، ومدينتها فلسطين والبيت المقدس وعَسْقَلان وغَزَّة والبلاد الساحلية. قلت: وقد أشار الجوهري إلى ما ذكر ابن المنادي، فإنه قال: الشام خمسة أجناد: دمشق، وحِمْص، وقِنسْرين، والأُردن، وفلسطين، يقال: لكل مدينة جند (١). وقال ابن الجَواليقي: وشَيْزَر اسم موضع لا أحسبه عربيًّا صحيحًا (٢). وقال في "الصحاح": وشيزر بلدٌ (٣). وقد ذكر امرؤ القيس حماة في شعره، فدلَّ على أنها قديمة، والشعر الذي ذكر حماة فيه (٤): [من البسيط] تَقَطَّعُ أَسبابُ اللُّبانةِ والهوى … عَشيَّةَ جاوزنا حماةَ وشَيْزَرا وقال أبو عبيد: ومن الناس من يبتدئ بالرملة فيجعلها للشام الأعلى وبعدها فلسطين، ثم دمشق، ثم حمص، ثم حلب. فصل في مدائن الروم منها قَيْساريَّة: وهي من المدن القديمة، وقد مرَّ بها امرؤ القيس لما دخل الروم. ويقال: إن قبره على جبل قريب منها يقال له: عَسِيب. وسنذكره في ترجمته (٥). عَمُّوريَّة: وكان ملكها يركب في مئة ألف فارس، وكان حولها ألف عمود ومئتا عمود، على كل عمود راهبٌ لا ينزل منه إلا بالموت، وكانت مركز قيصر، ومنها كان يستعدُّ للغارات على بلاد المسلمين: الشام والجزيرة وغيرهما، ففتحها المعتصم، لما نذكر. ومنها القُسطنطينية: وهي المدينة العظمى، بناها قسطنطين الملك، وهو أول من

стр. 122

أظهر دينَ النصرانية، لما نذكر، قالوا: ولها سبعة أسوار، وسُمك سورها الكبير أحد وعشرون ذراعًا، وفيه مئة باب، وسمك فصيلها (١) الصغير عشرة أذرع، وهي على خليج يصبُّ في البحر الرومي، وهي متصلة ببلاد رُومِيَة والأندلس، لما نذكر في باب البحار. وقد جاء في ذكرها (٢)، قال مسلم بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "سمعتُم بمدينةٍ جانبٌ منها في البرِّ، وجانبٌ منها في البحر"؟ قالوا: نعم، فقال رسول الله ﷺ : "لا تقومُ الساعةُ حتى يَغزوها سبعونَ ألفًا من ولدِ إسحاقَ، فإذا جاؤوها نزلوا، لم يقاتِلوا بسلاحٍ، ولم يَرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبَيها، ثم يقولون: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط الجانب الآخر، فيقولون الثالثةَ كذلك، فيفرَّج لهم، فيدخلونها فيغنمون ما فيها، فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخُ: أنَّ الدجّال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون". وهذا حديث طويل وفيه أمارات الساعة، وانفرد بإخراجه مسلم (٣). وقال ثور بن يزيد: هي القسطنطينية. قال أحمد بإسناده إلى أبي قَبيل قال: كنا عند عمرو بن العاص وسئل: أيُّ المدينتَين تُفتح أولًا: قسطنطينية أو رومِيَة؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : "مدينة هرقل" يعني القُسطنطينية (٤). قال: ومنها مدينة رومِيَة. ذكر ابن خُرْداذْبُه في كتاب "المسالك والممالك": أن طولها من الباب الغربي إلى الباب الشرقي ثمانية وعشرون ميلًا، ولها سوران من حجارة بينهما مقدار ستين ذراعًا فضاء، سمك السور الأول اثنان وسبعون ذراعًا، وسمك الثاني اثنان وأربعون ذراعًا، وبين السورين نهرٌ مُغطًّى ببلاطٍ من نحاس، طولُ كلِّ بلاطةٍ سبعة وأربعون ذراعًا.

стр. 123

قال: والنهر الذي يدخل فيها من البحر، تدخل فيه المراكب بقلوعها (١)، فتقف على حوانيتِ التجار تبيع وتشتري. وفي داخلها كنيسةٌ بُنيت على اسم بطرسَ وبولصَ الحوارِيَّيْنِ، وهما فيها في جُرنٍ من الرخام مدفونين، وطولُ هذه الكنيسة ثلاثة آلاف ذراع، وعرضها ثلاث مئة ذراع، وقيل: ألف ذراع، وهي مبنية على قناطِرَ من صُفْرٍ ونحاس، وكذا أركانها وسقوفها وحيطانها، وهي من العجائب. قالوا: وفيها كنيسة مثل البيت المقدَّس على عرضه وطوله، مُرصَّعةٌ باليواقيت والجواهر والزُّمرُّد، وطول مَذْبَحِها عشرون ذراعًا من الزمرد الأخضر، وعرضه ستة أذرع، يحملها اثنا عشر تمثالًا من الذهب الإبريز، طول كلِّ تمثالي ذراعان ونصف، ولكل تمثالٍ عينان من الياقوت الأحمر تضيء الكنيسة منهما، ولها ثمانيةٌ وعشرون بابًا، وطولُ الكنيسة ميلٌ، وأبوابها من الذهب. قالوا: ولرومِيَة ألفُ بابٍ من النحاس الأصفر، سوى العود والصنوبر والخشب والآبنوس المنقوش، الذي لا يُدْرَى ما قيمته، قالوا: وبها ألفٌ ومئتا كنيسة، وأربعون ألف حمام (٢). وفيها طِلَّسْماتٌ للحيات، والعقارب لا تدخل إليها، وطِلَّسْمٌ يمنع الغريبَ من الدخول إليها، وملكها يقال له: "الباب"، وهو الحاكمُ على دين النصرانية (٣)، بمنزلةِ الخليفة في المسلمين، وفي وسطها سوق يباع فيه الطير مقدار فرسخ، وقد ذكرنا أن مملكتها مسيرة ثلاثة آلاف فرسخ، وبها عجائب نذكرها في فصل العجائب. فصل في مدائن مصر وما والاها أما الفُسْطَاط فسنذكره عند فتوح مصر وكذا القاهرة عند بنائها. وذكر ابن حَوْقل في "كتاب الأقاليم" فقال: وأما مصر فلها حدٌّ يأخذ من بحر الروم

стр. 124

من الإسكندرية، إلى بَرْقَة في البرية، ثم إلى ظهر الواحات، ويمتد إلى بلاد النُّوبَة، ثم يعطف على حدِّ أسوان إلى أرض البجاة وينتهي إلى بحر القُلْزُم إلى طور سَيناء، ثم يعطف على تيه بني إسرائيل مارًّا في الجِفار إلى بحر الروم خلف العَريش إلى رَفَح، ثم يعود على ساحِل البحر الروميِّ إلى الإسكندرية (١). ومن مدائنها القديمة: مدينة فرعون، واسمها مَنْفُ، وقيل: عين شمس، وكان قد بالغ في بنائها وجعل لها سبعين بابًا، وبنى حيطانها بالصُّفر والنحاس، وزخرفها بالذهب والفضة، وأجرى الأنهار تحت قصورها، وأجرى الماء تحت سريره ونصبه على الماء، وافتخر وقال: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزحْرف: ٥١] وبالغ فيما فعل (٢). وسنذكره في قصته مع موسى ﵇. ومنها: الإسكندريَّة، واختلفوا في بانيها على أقوال: أحدها: شدَّاد بن عاد. قاله وهب. والثاني: الإِسكندر الأول ذو القرنين، وهو المقَدُوني. قال الهيثم بن عدي: ومَقَدُونية هي أرض مصر، وإنما سميت مصر بمصر بن حام بن نوح ﵇، وكان مصر بن حام لما انفصل عن بابل نزلها، فنسبت إليه، وقسمها بين أولاده الأربعة، وهم قفط وأشمون وأقرن وصا، وكان قفط هو الأكبر، وسمى كل مكان باسم ولد. وقال الهيثم: مرَّ بها ذو القرنين فأعجبه مكانها وصحةُ هوائها، فأمر بعمارتها، فلما شرع وجد أثر البنيان، ومرمرأ ورخامًا وعمودًا عليه بالقلم المسند من أقلام حِمير، فحلَّه فإذا هو: أنا الملك شدَّادُ بن عاد، شددت بساعدي البلاد، وقطعت الأطواد، وبنيت إرم ذات العماد، التي لم يكن مثلها في البلاد، وأردت أن أبني هنا مثل إرم، وأنقل إليها كل ذي قدم، من جميع الأمم، لا خوف ولا هرم، ولا غم ولا سقم، فرماني الدهر بسهمه، فأصاب مقتلي، وأخرجني من داري ووطني، فمن رآني فلا يغترَّ بالدنيا بعدي.

стр. 125

فلما قرأ الإسكندر ما على اللوح، قوي عزمه على بنائها، فجمع الحكماء والمهندسين وأربابَ الرصد، وهيَّأ الأخشاب والحجارة، وقال للمنجمين: خذوا طالع الوقت، وهيَّأ على الأخشاب أجراسًا عند الأساس، وقال للمنجمين: إذا أخذتم الطالع، فحرِّكوا الأجراس لتضعوا الأساس، وذلك برأي مني، واتفق أن الإسكندر نام في تلك الساعة والمنجمون يرصدون، فغفلوا فجاء غراب فقعد على الجرس الأكبر وحركه، فتحركت الأجراس دفعة واحدة، فوضع الصناع الأساس، وصاحوا صيحةً انتبه لها الإسكندر، فلما رأى الغراب قاعدًا على الجرس فهم القصةَ، فقال: أردنا أمرًا وأراد الله غيره، وأمر بإتمام البناء، فلما تمَّ السور خرجت في الليل من البحر دوابٌّ على صورة الشياطين فأخربته فأعاد البناء مرارًا وهي تهدم السور، فجمع الحكماء والمهندسين حتى تُحَقِّقَ صورهم وإذا بهم شياطين، فعملوا طِلَّسماتٍ من نحاس على صورهم، وجعلوها على أعمدة من نحاس، فلما خرجت الجن ورأت صورها على الأعمدة ولَّت منهزمة ولم تعد. وبنى عليها سبعةَ أسوارٍ بين كلِّ سورين خندقٌ، فتم بناؤها في مئة سنة. والثالث: أنَّ الذي بناها الملكة دلوكة لتجعلها مرقبًا من ناحية الروم، لأنَّ الروم إنما ملكت مصرَ منها. قاله النُّوبَختي. والرابع: أن الذي بنى الأهرام بناها، وإنما أُضيفتْ إلى الإسكندر لأنه سكنها. قال النُّوبَختي: مكث أهلها سبعين سنةً لا يمشون بالنهار إلا وعلى وجوههم خرقٌ سودٌ على عيونهم لشدة بياض حيطانها وصقالها. ذكر منارتها: ذكر صاحب "المسالك والممالك": أن المنارة على سرطان من زجاج في البحر صنعه الإسكندر (١). قلت: وليس كما ذكر، وإنما هي على جبل في البحر قد أكل الماءُ معظمَهُ وقد شاهدته في سنة أربعين وست مئة وصعدتُ على رأسها، والمنارة على خطر. وقيل: إن الإسكندر لما مات كسروا آنيةَ طعامِهِ وشرابه وجمعوا جواهره وذخائره

стр. 126

وجعلوا الجميع في سرطان من زجاج ودفنوه في أساس المنارة، وهذا أصح. وذكر جدي ﵀ في "المنتظم": أنه كان على رأس المنارة مرآة إذا نظر الناظر فيها قبل طلوع الشمس رأى مَنْ يَكونُ بالقسطنطينية وبينهما عرض البحر (١). قلت: وهذا إنما نقله من كتاب "المسالك والممالك" (٢) وليس كما ذكر صاحب المسالك، فإن مسافة ما بين القسطنطينية والإسكندرية نيفًا وأربعين يومًا إذا طابت الريح، على ما حكاه لي مشايخ الإسكندرية، وإن ما بين الإسكندرية وقبرس إذا طاب الهواء مسيرة ثلاثة أيام، فكأن الناظر قبل طلوع الشمس ينظر فيها إلى المراكب وقد أقلعت من قبرس فيخبر أهل البلد فيستعدُّون للحرب، فتحَيَّلَ ملوكُ الفرنج حتى قلعوا المرآة من المنارة. واختلفوا في أي زمانٍ قُلِعَتْ المرآة على قولين: أحدهما في زمان الوليد بن عبد الملك بن مروان، وكان الإسكندر صنع هذه المرآة حفظًا للبلد من العدوِّ، فكان في عزم ملوك الروم، قصد مصحر فلم يتأتَّ لهم ذلك، وكان لهم ملكٌ داهية فأظهر الغضب على خادم له وكان خصيصًا به وكان الخادم باقعة (٣) ذا مكرٍ وخديعة، فأعطاه أموالًا عظيمة وجواهر، وأسرَّ إليه ما يصنع، فخرج إلى بلاد الإسلام ودفن تلكَ الأموال والجواهر في أماكنَ متفرقة، وجاء إلى الوليد فأسلم على يده، وقال: أنا خادم الملك الفلاني، وقد رغبت في الإسلام، وقد وقع لي كتابٌ فيه أسماء المطالب التي بالشام ومصر فساعدني بالمال والرجالِ لترى ما أصنع، وكان الوليد شَرِهًا فأمدَّه بما طلب، فصار يحفر تلك الأماكن التي أودع فيها الأموال والجواهر ويحملها إلى الوليد، فسرَّ به واستولى عليه وملك قلبه وأخذ منه من الأموال أضعاف ما كان يحمل إليه، وكان يبعث بها إلى ملك الروم أولًا فأولًا سرًّا، فقال الخادم للوليد: إن تحت منارة الإسكندرية دفائنَ الإسكندر وذخائره وذخائر شداد بن عاد وملوك مصر لا يعلمها إلا الله، فابعثْ معي رجلًا لنهدمَ المنارة، وكان طولها ألف ذراع، والمرآة على رأسها،

стр. 127

فبعث معه الرجال فهدم جانبًا منها فثار المسلمون وأرادوا قتلَ الخادم وقالوا: تهدم هذه المنارة بقول علج؟! فأمهل الخادم إلى الليل وقد أعدَّ مركبًا للهرب، وصعد إلى المرآة نصف الليل وحده فقلعها ورمى بها في البحر، وركبَ المركبَ الذي أعَدَّهُ وتمَّتِ الحيلة، ذكره المسعودي (١). والثاني: أن الواقعة كانت في زمان الحاكم، بعث بعض ملوك الروم راهبًا فأظهر الإسلام وأقام يتعبد في المنارة حتى وجد فرصة فقلعها في الليل ورمى بها في البحر وهرب، ذكره أبو سعيد بن يونس (٢) في "تاريخ مصر". وذكر جدي ﵀ في "المنتظم" وقال: كان بالإسكندرية ست مئة ألف يهودي ونصراني خَوَلًا لأهلها (٣). قلت: وهذا يحتمل أنه كان في قديم الزمان، أما اليوم فلا يبلغ أهلها هذا العدد المذكور. وحكى ابن عساكر في "تاريخه" في حرف الهمزة في من اسمه أسامة بن زيد بن عدي أبو عيسى الكاتب التنوخي قال: كان بالإسكندرية صنم يقال له: شراحيل، على حَشَفَة من حَشَف البحر وهي في الجزيرة، وكان مستقبلًا بإصبعه القسطنطينية، لا يُدرى أكان مما عمله سليمان أو الإسكندر، فكانت الحيتان تجتمع عنده وتدور حوله فتصاد، فكتب أسامة إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان يخبره بخبر الصنم ويقول: الفلوس عندنا قليلة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يقلعَ الصنمَ ويضربَهُ فلوسًا، فأرسل إليه الوليد رجالًا أمناء، فأنزلوا الصنم من الحشفة، فوجدوا عينيه ياقوتتين حمراوين ليس لهما قيمة، فذهبت الحيتان فلم تعد إلى ذلك المكان، وضربه فلوسًا (٤). فصل في بلاد المغرب وأشهرها: طُلَيْطُلَة مدينة الأندلس العظمى، وهي قصبة الأندلس، ودار مملكة

стр. 128

الفِرَنج، وملكها يقال له: الفنش، كما يقال: كسرى وقيصر، ويشقها نهر عظيم يسمى باجه يخرج من بلاد الجلالقة، وهم أمَّة عظيمة يحاربون أهل الأندلس، وفي أرض طُليطلة قنطرة عظيمة على البحر يقال لها: قنطرة السيف (١)، من البنيان الموصوف، يقال: إن الإسكندر بناها، وقيل: سليمان ﵇. وكانت طُليطلة قد افتتحت في أيام الوليد بن عبد الملك، ثم عصى أهلُها، فلما دخل عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ويسمى: الداخل، افتتحها في سنة ست وثلاثين ومائة، فهدم بعضها، وجعل دار ملكه قُرطبة، وبنى بها جامعًا ضاهى به جامع دمشق. وكانت قرطبة في العلم واجتماع العلماء بها مثل دمشق وبغداد، وبين قرطبة وطُليطلة عشر مراحل، وبين قرطبة والبحر ثلاثة أيام. وقال هشام بن الكلبي: في جزيرة الأندلس نحو من أربعين مدينة، منها: إفراغة وطرطوشة ولشبونة ولاردة وغيرها (٢). * * *

стр. 129

فصل في ذكر الجبال والهضاب والقلاع والرمال (١) ذكر أبو الحسين بن المنادي، وقدامة الكاتب، وأبو معشر: أن عدد الجبال المشهورة مئة وثمانية وأربعون جبلًا. قال قدامة: ففي الإقليم الأول: تسعة عشر جبلًا، وفي الإقليم الثاني: سبعة وعشرون جبلًا، وفي الثالث: أحد وثلاثون جبلًا، وفي الرابع: أربعة وعشرون جبلًا، وفي الخامس: تسعة وعشرون جبلًا، وفي السادس: ستة وثلاثون جبلًا، وفي السابع: اثنان وثلاثون جبلًا. ولم يذكر قدامة أسامي جبال كلِّ إقليم، وقد ذكرتُ المشاهير التي في الأقاليم، وبينتها على الحروف، ميلًا إلى الاصطلاح المعروف. أجَأ: جبل طَيِّئ، ذكره الجوهري في أول "الصحاح" فقال: أَجَأ -على وزن فَعَلَ بالتحريك- أحد جبلي طَيِّئ والآخر سَلْمَى، وينسب إليها الأجَئيون، مثال: الأجعيون (٢). ووقع في عامة النسخ: أجأ، مصروف، ووقع في نسخة بخط الجوهري غير مصروف. أُحُد: وهو الذي كانت الوقعة عنده، من جبال المدينة، قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أُحُد جبل يُحبُّنا ونُحِبُّه". انفرد بإخراجه البخاري (٣)، وقد رواه أبو هريرة أيضًا (٤)، وقال الزُهْري: وإنما أراد أهلَ المدينة، وهم الأنصار، أي: أهلَ أُحد. إِضَم: جبل بالحجاز. ذكره الجوهري (٥). وقد ذكرته الشعراء في أشعارها. تِعار -بكسر التاء- من جبال الحجاز مشهور، والعرب تقول: ما أفعلُ كذا ما قام تِعار.

стр. 130

ثَبِير: وهو بمِنى، ويقال له: جبل الكَبْش، قال ابن عباس: فُديَ إسماعيل عنده، وفيه المَنْحَر، وكانت العرب تعظمه في الجاهلية، قال الجوهري: كانوا إذا انقضى الموسم، وقفوا عنده وقالوا: أَشْرِقْ ثَبِير كيما نُغير (١). الثنين: من جبال أنطاكية، ويقال له الأقرع، لأنه لا ينبت إلا في أماكن، وعليه حيَّات كبار. جبل الثَّلج: شامخ يُرى من مسيرة ثلاثة أيام في السَّهل، وهو من جبال الشام في أرض بانياس غربي دمشق، وعليه الثلج لا يذهب دائمًا، وكان مسكونًا وعليه آثار عمارة، وكان في المدينة رجل كبير قد قرأ الكتب، فقال لأهله: متى أصبح هذا المكان وعليه نداوةٌ فارحلوا، ومات، فأصبحوا ذات يوم وعلى ظهور دوابِّهم الندى، فارتحلوا، فنزل عليه الثلج في اليوم الثاني، فطمَّهُ واستمر. جبل ثَوْر: من جبال مكة، وفيه الغار الذي اختفى فيه رسول الله ﷺ ، وقد ذكره الجوهري فقال: وثور جبل بمكة، وفيه الغار المذكور في القرآن، ويقال له: ثور أَطْحَل، قال: وقال بعضهم: اسم الجبل أَطْحَل، نسب إليه ثور بن عبد مناة لأنه نزله (٢). وسنذكره في سيرة النبي ﷺ . ثَهْلان: من جبال الحجاز، وهو مشتق من الثَّهَل، وهو الانبساط على وجه الأرض، لأنه يمتد. جُمْدان: -بجيم- بين قُدَيْد والجُحْفَة. الجُوديُّ: وهو الذي رسَت عليه سفينة نوح ﵇، وذكره الجوهري فقال: والجودي جبل بأرض الجزيرة، استوت عليه السفينة (٣). وقال: وموضعه ببلاد ماسورين، وتحته ضيعة يقال لها: ثمانين، نزل بها نوح ومن كان معه في السفينة، وهي أول ضيعة بنيت على وجه الأرض بعد الطوفان، وسنذكرها

стр. 131

في قصة نوح ﵇، وهي من أعمال الموصل، وبين هذا الجبل ودجلة ثماني فراسخ، وآثار السفينة عليه باقية، إلى هَلُمَّ جرًّا على ما قيل. حُبْشي: قال الجوهري: وحُبْشي -بالضم- جبل بمكة أسفل منها، يقال: منه سمِّيَ أحابيش قريش، لأنهم اجتمعوا عنده، وتحالفوا في حِلْفِ الفُضول (١). لما نذكر. الحَجُون: وهو الجبل المشرف على مسجد البيعة عند العقبة، قال الجوهري: وهو مقبرة أهل مكة (٢). حِراء -بالمد- قال الجوهري: يذكَّر ويؤنَّث (٣). وكان ﷺ يتعبد في غار حراء ويخلو فيه (٤). وقال مسلم: وهو الجبل الذي تحرَّك لما صعد رسول الله ﷺ وأصحابه عليه (٥). وقال البخاري: إنما كان ذلك على جبل أحُد (٦)، لما نذكر. خَزازَى: من جبال الحجاز، وكانت عنده وقعة مشهورة بين نزار واليمن. حَضَن: هو بأعلى نجد قال الجوهري: وفي المثل: "أَنجدَ من رأى حَضَنًا"، قال ومعناه: من عاين هذا الجبلَ فقد دخل في ناحية نجد (٧). أي: ارتفع، ومن عظم هذا الجبل ضرب به المثل، فقالوا: "لو ركن حضن لا يحتضن". خِيَم: من جبال الحجاز، قال: جرير: [من الرجز] أَقبلنَ من نَجْرانَ أَو جَنْبَيْ خِيَمْ (٨)

стр. 132

جبل دُنْباوَنْد: وهو بالمشرق ببلاد طبرستان، يُرى من مئة فرسخ، لارتفاعه وذهابه في الجوِّ، ويرتفع من أعاليه دخان، والثلوجُ تترادف عليه، ويخرج من أسفله نهر عظيم أصفر كبريتي ذهبي اللون، ومسافة صعود هذا الجبل ثلاثة أيام ولياليها، ورأسه مُدوَّر مقدار ألف ذراع، يُرى من أسفله مثل القبة المخروطة، وفي أعلاه رمل أحمر تغوص فيه الأقدام، ولا يصل إليه شيء من الوحوش والطيور، لشدة الرياح به والبرد، وفي أعاليه ثلاثون نَقْبًا يخرج منها الدخان العظيم، يُسمع لخروجه دويٌّ شديد مثل الرعد، وذلك صوت تلهُّب النار في باطنه، وفي رأسه الكبريت الأحمر الذي يُعمل منه الكيمياء على ما قالوا، وبين هذا الجبل وَطَبرِسْتان عشرون فرسخًا، ويقال: إن الضحَّاك محبوسٌ فيه لما نذكر في سيرة الضحاك (١). دمان ووَرِقان (٢): جبلان مشهوران بالحجاز، وهما شامخان أسودان، وفيهما أنواع الثمر والسُّمَّاق والرُّمَّان والقَرَظ، وهما لمُزَينة، وهم قوم صدق. رأس الجُمْجُمَة: وهو جبل عظيم، أوله باليمن من ناحية الشِّحْرِ والأحقاف، ويمتد في البحر إلى الهند، ومنه تطلق المراكب من بحر فارس، ويمتد إلى المشرق، ولا يُدرى أين غايته في البحر. رَحْرَحان: قال الجوهري: هو قريب من عُكاظ (٣). رَضْوَى: من جِبال تِهامَة، بينه وبين المدينة سبع مراحل، وهو من اليَنْبُع على يوم، قال الجوهري: وهو من جبال المدينة، والنسبة إليه رَضَوي (٤). وهذا الجبل تزعم الكَيسانيَّة أن فيه محمد بن الحنفية، وأنه دخل في شِعب من شعابه ومعه أصحابه، وهم فيه أحياء يُرزقون. وسنذكره في ترجمة محمد بن الحنفية. وقال قُدامة بن جعفر الكاتب: وبحذاء رَضْوَى جبل يقال له: عَزْوَر، يضاهي

стр. 133

رَضْوَى في ارتفاعه ومياهه وشجره ومراعيه، ويسكن في الجبلين نَهْد وجُهَينَة، في الوَبَر دون المَدَر. ساتي دَما: واختلفوا فيه: فقال قُدامة: هو من جبال تِهَامة، وقيل: من اليمن، وقيل: من الشام. وقال الجوهري: وساتي دَما اسم جبل سُمي بذلك، لأنه ليس من يوم إلا ويُسفك عليه دم، كأنهما اسمان جُعلا واحدًا (١). جبل السِّتار -بالسين المهملة المكسورة-: في الحجاز، وقد ذكره الجوهري في شعر امرئ القيس وقال: هما جبلان، قال امرؤ القيس (٢): [من الطويل] علا قَطَنًا بالشَّيْمِ أَيمنُ صَوْبِهِ … وأيسرُهُ على السِّتارِ ويَذْبُلِ قلت: فصاروا ثلاثة، قَطَنًا والسِّتارَ وَيذْبُل. سَلْع: جبل بالمدينة. شَابَة -بالشين المعجمة-: جبل بنجد، ذكره الجوهري. شعبان: جبل من جبال اليمن، ويقال له: شَعْب، وقال الجوهري: ويقال له: ذو شَعَبين؛ نزله حسان بن عمرو الحِمْيَرِي وولده فنسبوا إليه، فمن كان منهم بالكوفة يقال لهم: شَعْبِيُّون، منهم عامر بن شَراحيل الشعبيّ، وعداده في همدان، ومن كان منهم بالشام يقال لهم: الشعبانيون، ومن كان منهم باليمن يقال: هم آل ذي شَعَبين، ومن كان منهم بمصر والمغرب يقال لهم: الأُشْعُوب (٣) وهم جميعًا بنو حسان بن عمرو، وهذا لفظ الجوهري. والشين مفتوحة في الجميع، وكذا ذكر محمد بن سعد وابن الكلبي وقدامة وغيرهم. قال ابن سعد بإسناده إلى أشياخ من شعبان منهم محمد بن أبي أمية: إن مَطرًا أصابَ اليمنَ فاسترقَّ موضعًا فأبدى عن أَزَجٍ عليه بابٌ من الحجارة، فكسر الغلق، ودُخِلَ فإذا بهوٌ عظيم فيه سرير من ذهب عليه رجل مسجًّى، فشبرناه فإذا طوله اثنا عشر

стр. 134

شبرًا، وعليه جباب من وشيٍ منسوجة بالذهب، وإلى جنبه مِحْجَنٌ من ذهب، وعلى رأسه تاج من ذهب فيه ياقوتة حمراء وهو أبيض الرأس واللحية له ضفيرتان. وإلى جانبه لوح من ذهب مكتوبٌ فيه بالحميرية "باسمك اللهم، ربَّ حمير، أنا حسان بن عمرو القَيْل، إذ لا قيلَ إلا الله، عشت بأملٍ ومت بأجل هلك فيه اثنا عشر ألف قَيل فكنت آخرهم، فأتيت جبل ذي شعبين ليجيرني من الموت فأخفرَني". قال: وإلى جانبه سيف عليه مكتوب بالحميرية: "أنا قُبار بي يُدْرَك الثار" (١). شَامة: جبل قريب من مكة وكذا طَفِيل، وقد أشار إليهما بلال، قال: وهل يبدون لي شامة وطَفيلُ (٢) شَمَام: من جبال الحجاز. شَعْران: -بفتح الشين- ذكره الجوهري، وقال: سمي بذلك لكثرة شجره (٣). وهو من جبال الموصل. ضَجَنان: قال الجوهري: هو جبل بناحية مكة (٤). وهو الذي كان يرعى عنده عمر بن الخطاب غنم أبيه. الظهران (٥): وهو أقرب إلى مكة، وقد نزله رسول الله ﷺ عام الحديبية والفتح. عاقِل: من جبال الحجاز بين بني جشم وجديلة، وقيل: بين جشم وبني حنظلة. ولهم عنده وقائع، وذكروه في أشعارهم. جبل العَرْج -بإسكان الراء-: من جبال الحجاز بين مكة والمدينة، قال الجوهري: هو منزل، وإليه ينسب العرجيُّ الشاعر، واسمه عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ﵁ (٦).

стр. 135

وقال قدامة الكاتب: وهذا الجبل يتصل بالشام، فبعضه يتصل بلبنان وبعضه بجبل الثلج من أرض دمشق ويمتدُّ إلى الروم. وقال النَّضْر بن شُمَيل: يأتي إلى الشام من ناحية أَيلة ثم إلى الطُّور ثم إلى بيت المقدس ثم إلى طبرية، ويمر بالبقاع وبَعْلَبَكَّ، ويمتد غربيَّ حمص وحلب حتى يتصلَ باللُّكَّام، ثم يمتد إلى مَلَطْيَة وإلى بحر الخزَر وفيه القلاع والحصون الكثيرة والمدن. عَسِيب: من جبال الحجاز، قال الجوهري: هو جبل بني هذيل (١). قلت: وقد رأيت ببلد الروم عند قيسارية جبلًا يقال له: عسيب، وعليه قبر يقال: إنه قبر امرئ القيس، وهو أقرب إلى الصحة لأنَّ امرأ القيس مات بالروم، لما نذكر في سيرته. فأما عُشَيب -بضم العين والشين معجمة- فجبل بالحجاز لقريش. عَيْر: جبل بالحجاز، والعين مفتوحة. وفي "الصحيحين" من حديث عليِّ بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: حرَّم رسول الله ﷺ ما بين عَيْرٍ إلى ثور (٢). وهذا يدلُّ على أن بالمدينة جبلًا اسمه ثور، وأرباب السير لا يعرفون ذلك، وإنما ثور جبل بمكة وفيه الغار، ولعله اشتبه على الكاتب أو على الراوي فجعل مكان أحد جبل ثور، وقد أشار بعضهم إلى هذا فقال: قال أبو عبيد: يرى أصل الحديث أنه حرم ما بين عَيْر إلى أحُد (٣). قال: وقال غيره: كأنه جعل المدينةَ مضافة إلى مكة في التحريم. قلت: هذا القول ضعيفٌ لأنَّ حدودَ مكة لا تدخل في حدود المدينة، لما نذكر، فكأنَّ القول الأول أصحُّ (٤). عَيْنَيْن (٥): من جبال المدينة، بات به رسول الله ﷺ ليلة وقعة أُحُد لما نذكر، وسنذكر جبل عرفات. غُرَّب -بغين معجمة- بين المدينة والشام في بلاد كلب، قال الجوهري: وعنده عينٌ

стр. 136

تسمى غُرَّبة (١). غَزْوان: جبل بالطائف وعليه ديار بني سعد، وليس بالحجاز مكان يبرد فيه الماء ويجمد سواه. جبل الفتح: وهو من أعظم جبال الدنيا، وفيه أمم كثيرة وممالك، وفيه اثنتان وسبعون أمة، كل أمة لها لسان وملك، وفيه شعاب وأودية، ومدينة باب الأبواب على أحد شعابه، بناها كسرى أنو شروان وجعلها حدًّا فاصلًا بينه وبين الخزر، وجعل حدَّ السور ومبدأه من البحر إلى أعالي الجبل وذلك نحوًا من أربعين فرسخًا حتى ينتهي إلى طبرستان، وجعل على كل ثلاثة أميال من هذا الجبل بابًا من الحديد وعنده حَفَظَة، وأسكن هناك أممًا مختلفة ليحفظوا الحدَّ من العدو، مثل: الخزر والترك واللَّان وغيرهم، ومسافة هذا الجبل على البحر مدة شهرين، وفيه قلعة باب الأبواب، وبينها وبين بغداد أربع مئة فرسخ، وهذه القلعة على وادٍ عظيم من هذا الجبل لا سبيل لأحدٍ على العبور إلا من تحتها، وهي على جبل مدوَّر يخرج من وسطها عينُ ماء، وفي جبلها قرود يقفُ القرد على رأس الملك فإن كان الطعامُ مسمومًا غمز القردُ الملكَ فامتنع منه، والذي بناها أنوشروان، وقيل: اِسفَنْديار من ولد لُهراسف من الفرس الأُول، ورتَّب فيها رجالًا. ويقال: إنَّ هذه القلعة فتحت في أيام عبد الملك بن مروان، ورتَّب فيها رجالًا مسلمين من العرب، وهم إلى هلم جرا يتوارثونها، وينقل إليهم الموادَّ من تَفْليس ونواحيها، وبينها وبين تفليس عشرةُ أيام، وأهل تفليس يساعدونهم خوفًا من العدوِّ على بلادهم. ووراء هذا السور قومٌ من العرب يتكلمون بالقحطانية، وبينهم وبين هذه القلعة ثلاثة أيام، ثم يلي هذا السور من ناحية المشرق أممٌ كثيرة خزر وترك ولان، ولهم ملوك، منهم ملك السرير ويدعى "قيلان شاه" نصراني، وإنما سمي ملك السرير لأنَّ يَزْدَجِرد لما أحسَّ بزوال دولتهم في آخر أيام عمر بن الخطاب ﵁ بعث سريرًا من الذهب وأموالًا عظيمة إلى تلك الناحية، وهلك يَزْدَجِرد في أيام عثمان ﵁ قبل أن

стр. 137

يصل إلى تلك الناحية، فأخذ السرير رجل من نسل بهرام جور وملك تلك الناحية، وفيها اثنا عشر ألف قرية؛ ثم يلي هذه المملكة ممكلة اللَّان، ويقال لملكهم: "كرجناح" وله مدينة يقال لها: "ماعص" وعسكره ثلاثون ألفًا، ومما يلي هذه الممالك جبالٌ فيها قرود على صور بني آدم. قاف: ذكر أبو إسحاق الثعلبي في تفسير قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] عن ابن عباس: أنه جبل من زمردةٍ خضراءَ محيطٌ بالدنيا، وخضرة السماء منه، وعليه كتف الدنيا، وما وجد الناسُ من الزمرد فهو مما يتساقط منه. وقال وهب بن منبه: لما مرَّ عليه ذو القرنين رأى حوله جبالًا صغارًا فناداه يا قاف ما هذه الجبال التي حولك؟ فقال: عروقي، ليس في الدنيا مدينة إلا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل أرضًا أمرني فحركت ذلك العرق فتتزلزل تلك الأرض، فقال له الإسكندر: فهل وراءك شيء؟ قال: نعم أرض طولها خمس مئة عام في خمس مئة عام، فيها جبال من ثلج تحطم بعضها بعضًا، ولولا ذلك الثلج لاحترقت من حرِّ جهنم (١). وقد ذكره الجوهري فقال: قاف جبل محيط بالدنيا (٢). قُدْس -بإسكان الدال-: جبل عظيم بأرض نجد، وقد ذكرته العرب. قاسِيُون: جبل شمالي دمشق فيه أثارات كثيرة: مغارة الدم، ومغارة الجوع، ومسجد الكهف، وقبور الزهاد والعلماء، والنفس ترتاح إلى المقام به، ومَنْ سَكَنَهُ لا يطيبُ له سكنى غيرِهِ غالبًا. وجاءت فيه آثار: منها ما حدثني به الشيخ الصالح أبو عمر المقدسي ﵀ قال: بلغني عن كعب الأحبار أنه قال: أوحى الله إلى قاسيون هَبْ ظِلَّكَ وبركتك لجبالِ بيت المقدس، ففعل، فأوحى الله إليه لن تذهَبَ الأَيامُ والليالي حتى أردَّ عليك خيرك

стр. 138

وظلَّك وبركتك، ويبْنَى لي في كنفك بيتٌ أُعبَدُ فيه بعد خراب الدنيا أربعين سنة قال: فقاسيون من الله بمنزلة العبد الخاضع المتواضع المستكين. وذكر أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخه" هذا الأثر عن القاسم بن عبد الرحمن ولم ينسبه، وذكر البيتَ وقال: هو جامع دمشق (١) وأن رجلًا سأل النبيَّ ﷺ عن دمشق فقال: "بها جبل يقال له: قَاسِيُون فيه قَتلَ ابنُ آدمَ أخاه، وفي أسفله غارٌ من الغربِ فيه وُلد إبراهيم ﵇". وذكر حديثًا فيه أماكن (٢). قلت: العجب من رواية مثل هذا الحديث الذي ألفاظه تنطق بوضعه على رسول الله ﷺ ، فإن أحدًا من العلماء لم يذهب إلى أن قابيل قتل هابيل بالشام، ولا أنَّ الخليلَ ﵇ ولد بالشام، وإنما ولد ببابل، لما نذكر في بابه. وإنما المنقول في هذا عن كعب الأحبار، فإن نوفًا البكالي روى أن كعبًا قدم الشام ومعاوية بن أبي سفيان أمير بها من قبل عثمان ﵁، وكان معاوية لما بلغه قدومُ كعبٍ إلى القدس في سنة ثلاثين قال: يا ليت لنا من يخبرنا بفضائل دمشق، وبلغ كعبًا، فلما نزل من عقبة شحورا نظر إلى قاسيون فقال: لا إله إلا الله، هذا مكان قتل فيه ابنُ آدمَ أخاه، كذا وجدته في التوراة، وهذا الكهف الذي عزَّتْ فيه الملائكة آدم، وهذا الغار الذي ولد فيه إبراهيم، وأشار إلى برزة، وهذا مكان كذا وكذا، وبلغ معاويةَ فبعث إليه بمالٍ كثير. ومعلوم أنَّ عمر بن الخطاب كان يعلو كعبًا بالدرة دائمًا ويقول: دعنا من يهوديتك. وإنما تزار هذه الأماكن بحسن الظن، فإن الأعمال بالنيات، وقد طرقها خلقٌ كثير من السادات. قَطَن: كانت عنده وقعة لعبس وذبيان بالحجاز، وقد ذكروه في أشعارهم. جبل القَمَر: الذي يخرج منه نيل مصر، يبتدئ من الظلمات ويقطع البحر الحبشيَّ ولا يعلم أين منتهاه، وليس في الدنيا بعد قاف جبل أكبر منه، وسنذكر النيل فيما بعد إن شاء الله.

стр. 139

جبل لُبْنان: وهو بالشام، من أعظم الجبال وأبركها، وأصله من الحجاز يأتي من العَرْج ويتصل بالجبال التي على ساحل البحر الشرقي على الطُّور وأَيلة، وبتصل بجبال بيت المقدس، ثم يمتدُّ على البقاع وبلد حمص وحلب والثغور، ويمتدُّ إلى الروم واللُّكَّام، وفيه العيون الباردة، والأشجار المثمرة، والمباحات الكثيرة، والحشائش التي تدخل في الدِّرياق. ويقال: إن فيه حشيشة الكيمياء، وفيه الصالحون والأبدال، وفيه جبل يقال له: جبل الدير مطلٌّ على ساحل بيروت، يقال: إنَّه الجبل الذي قال فيه كنعان بن نوح: ﴿قَال سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣] وبسفحه قرية يقال لها: الكَرْك، فيها قبر يقال: إنه قبر نوح ﵇، وفي سفحه أيضًا قبر شيبان الراعي، وقصته مع ذي النون المصري معروفة، وسنذكرها. وحكى ابن الكلبي عن كعب الأحبار قال: قدم الخليل ﵇ الشام فاشتاق إلى بيت المقدس فقال: يا رب أرني الأرضَ المقدسة، فقيل له: اصعدْ على لبنان وانظرْ إلى أيِّ مكان انتهى بصرك فهو مقدَّس. وروي عن شقيق البلخي أنه قال: ما اتخذ الله وليًّا حتى يسحب ذيله على لبنان. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: بنى إبراهيم الكعبةَ من خمسة أجبل: أبي قبيس، وطور سِينا، وطور زَيتا -وهو جبل ببيت المقدس- والجُودي، ولُبنان (١). وقد روينا عن جماعة من المشايخ أنهم شاهدوا الأبدال فيه، وسنذكر حكاية ذي النون المصري مع شيبان الراعي في ترجمة ذي النون المصري. وذكر الحافظ أبو القاسم ابن عساكر حكاية جرت فيه لبعض السياحين نذكرها في السنة الثامنة عشرة وثلاث مئة. لَعْلَع: من جبال الحجاز، ذكره الجوهري وقال: كانت عنده وقعة مشهورة، وأنشد: [من الطويل] لقَد ذاقَ منَّا عامِرٌ يَومَ لَعْلَعٍ … حسامًا إذا ما هُزَّ بالكفِّ صَمَّما (٢)

стр. 140

اللُّكَّام: وقد ذكره ابن حوقل في كتاب "الأقاليم" فقال: جبل اللُّكَّام هو الفاصل بين الثغرين، يعني: الشام والجزيرة، لأنَّ كلَّ ما كان وراء الفرات من الشام، ومن مَلَطْيَة إلى مرعش جزيرة؛ قال: واللُكَّام داخل في بلاد الروم، ويقال: إنه ينتهي إلى نحو من مئتي فرسخ ويمر على مَرْعش وعين زَرْبَة والهارُونيَّة وإلى ها هنا يسمى اللكام، إلى أن يجاوز اللاذقية، فيسمى جبل بهراء وتنوخ إلى حمص، ويتصل بلبنان ويمر على فلسطين حتى ينتهي إلى بحر القلزم ويتصل بالمقطَّم جبل مصر، قال: وأوله بالمشرق في بلد الصين خارجًا من البحر المحيط، فيقطع بلاد التُّبَّت وفَرغانة، ثم يمرُّ بسمرقَنْد على شمال الصُّغْد ويقطع نهر جَيحون إلى الخَزَر، ويكون عن يمين القاصد من خراسان إلى العراق، ومنه تتشعب جبال جُرجان وطَبَرِستان والدَّيلم، ويتصل بجبال أذْرَبيجان والرَّي ثم يعود إلى هَمَذان وخلوان وشَهرَزور، ويقطع دجلة بنواحي تكريت إلى حَديثة الموصل، ثم إلى الجُودي، ثم إلى آمد، ومنه تتشعب جبال أَرمينيَة، ثم يمرُّ إلى جبل الفتح (١) وباب الأبواب إلى بحر الخَزَر إلى بلاد يأجوج ومأجوج، ثم يتشعب منه جبل يأخذ إلى الفرات ويتصل بسُمَيساط إلى مَرْعش الذي ابتدأنا ذكره منها. قال: وإذا وصل إلى المقطَّم قطع النيل ثم مضى إلى بَرْقة وأقصى المغرب ثم البحر المحيط (٢). فالحاصل: أن ابن حوقل قال: إنه يخرج من البحر المحيط بالصين وينتهي إلى البحر المحيط بالغرب، وهذا تخليط ظاهر لأنه جعله أولًا الفاصل بين الشام والجزيرة فينبغي أن ينقطع عند الفرات بأرض مَلَطْيَة، ثم خلطه بجبال طَبَرِستان والشرق ولبنان ومصر، وأين جبال مصر من جبال الشام وما وجه الاتصال بها وإنما كلُّ جبل على حدةٍ له حدٌّ. وذكره غير ابن حوقل وقال: اللُّكَّام جبل مبارك، فيه الأبدال والمباحات والعيون، وحدُّه: من مَرْعش إلى مَلَطْيَة عرضًا، ويمتدُّ في بلاد الروم طولًا إلى حيث يعلم الله ، وأما الجبل الذي يقطع دجلةَ بنواحي تكريت فهو جبل حُمْرين (٣) مشهور بالعراق.

стр. 141

المُحَصَّب: هو من جبال مكة يشرف على ذي طُوَى؛ قال الجوهري: هو موضع الجمار بمنى (١). ويقال له: قوس قزح، لأنه أول ما رؤي عليه قوس قزح، والعامة تقول: قوس قَدَح -بالدال- وهو خطأ، وذكره الجوهري فقال: قوس قُزَح التي في السماء غير مصروفة، قال: وقُزَح أيضًا جبل بالمزدلفة (٢). مُخاشِن: جبل بالحجاز. المُقَطَّم -بالميم-: جبل بأرض مصر، والقرافة تحته، وهو مطلٌّ عليها ويمتدُّ إلى النُّوبة. جبلا نَعْمَان: ونَعْمان وادٍ في طريق الطائف يخرج إلى عرفات، ذكره الجوهري قال: يقال له: نَعْمان الأراك (٣). وقال ابن قتيبة: ونَعْمان جبل بالقرب من عرفة ويتصل بوادي القرى ونواحيه، قال: وفي الحديث: "خُلِق آدمُ من دَحْنا، ومَسَح ظَهْره بنَعْمان السَّحاب" (٤) ونسبه إلى السحاب لأنه يشرف على جبلي نعمان ويعلوهما (٥). وَاسِم: وهو جبل سَرَنْدِيب الذي أُهبط عليه آدم ﵇، ويقال له: برد، وعليه أثر قدم آدم، وشبيه البرق لا يذهبُ شتاء ولا صيفًا (٦)، ويرى في البحر من مسيرة ثلاثة أيام؛ ومسح موضع قدم آدم فكان سبعة أذرع، وقيل: سبعون ذراعًا، وحوله الياقوت المختلف الألوان، وفي واديه جميع الطيب من الورقة التي نزلت مع آدم، وفيه الطواويس ودابَّة الزباد، وسنذكره في سيرة آدم. يَذْبُل: جبل بين اليمامة والبصرة، كذا ذكره الجوهري (٧).

стр. 142

يَلَمْلَم: هو ميقات أهل اليمن في الإحرام. أبو قُبَيس: جبل مشهور بمكة، ذكره في "الصحاح" (١)، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: هو أول جبلٍ وضع في الأرض (٢). وكان يقال له في الجاهلية: الأمين، لأن ركن البيت كان مستودعًا فيه أيام الطوفان (٣). وهو أحد الأخشَبَين المطلَّين على مكة، هذا مشرفٌ على الصفا والآخر يقال له: الأحمر والأعرف (٤). وفي الحديث: "لا تزول مكة حتى يزول أخشباها" (٥)، والأخشب الجبل العظيم. قلت (٦): وفي الأقاليم جبال شوامخ وعرة في ناحية الشمال، النهار عند أهلها ساعة ونصف، لأن الشمس منحرفة عندهم. وفي المغرب جبال وعرة يسكنها البربر ويعصون فلا يقدر أحد عليهم. وفي الأندلس جبال فيها حجارة تتقد في الليل ويظهر منها الدخان في النهار. وذكر جدي ﵀ في "المنتظم" وقال: وفي اليمن جبلان عظيمان بينهما في السهل مسيرة ثلاثة أيام، ورأساهما متقاربان بحيث يناول الرجلُ الرجلَ من رأس الجبل ما يريد لضيق ما بينهما (٧). * * *

стр. 143

فصل في الهضاب والقلاع والرمال (١) حكى سيبويه عن الخليل بن أحمد أنه قال: الهضْبَة اسم لما دون الجبل، وقال في "الصحاح" هي الجبل المنبسط على وجه الأرض (٢). وكذا التّلْعَة، وذلك لا يحصى. وأما العقاب (٣) فكثيرة، منها: عَقَبَة سرنديب، الهند، الصين، عقبه ساوة وهمذان وحُلوان، وفي خراسان عقاب كثير، وفي الرّي والجبال، وفي الحجاز عقبة هَرْشَى، ذكرها الجوهري فقال: وهَرْشَى ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة يرى منها البحر، ولها طريقان، فكلُّ من سلكها كان مصيبًا (٤). وفي الشام عقبة فِيق وابريق (٥). وفي الحجاز أيضًا من ناحية مصر عقبة أَيلَة. وفي اليمن عقاب كثيرة، وفي لبنان أيضًا. وأما الرمال فكثيرة، ومنها الأحقاف، وهي ديار عاد وبها الرمل الكثير، قال الجوهري: الحِقْفُ: المعوجُّ من الرمل (٦). ومنها رمل عالِج، موضع بالبادية، وقد ذكره ابن عباس في مسألة العولِ فقال: والذي أحصى عدد رملِ عالج (٧). ومل زَرُود بين مكة والعراق. ومنها الرمل التي بين مصر والشام وتنتهي إلى تِيه بني إسرائيل، وتتصل بالطُّور

стр. 144

والبحر والحجاز، وقد ذكرها ابن حَوقل فقال: والرمل المعروف بالهَبير هو الذي طوله من وراء جبلي طييّء إلى أن يتصل بالجفار من أرض مصر، وعرضه من الشقوق إلى الأَجْفُر، ويقطع النيلَ إلى المغرب، ويمتد في أرض سِجِلْماسة إلى البحر المحيط، وله عرق يضرب إلى البحرين وعمان، ويقطع البحر الشرقي إلى جَيحون وخُوارِزم وسَمَرقند، ويتصل بالعين فيه ألوان من الرمل مختلفة: أصفر وأحمر وأبيض وأسود. وقال قدامة: وفي وسط البحر الشرقي يعني الحبشي كثيبُ رملٍ أحمر بعيد المسافة وفيه أمَّة سود الألوان عظام الأجسام. وأما القلاع فأبلغ من أن تحصى، فمن قلاع (١) المشرق قلعة سليمان ﵇ باصطخر، وقلعة بفارس بناها زياد بن أبيه، وقُفُّ، وانطرور وديول (٢) وكردكوه. وفي خراسان حصون كثيرة، وكذا في ما وراء النهر، ومن أحصَن قلاع خُراسان قلعة نيزك، وهي قلعة عظيمة فتحها يزيد بن المهلب بن أبي صُفْرة في سنة أربع وثمانين، وقد مدحها الشعراء. وليس في الشرق أحصَنَ من قلعة باب الأبواب، وقد ذكرناها في جبل الفتح، وفي بلاد أرمينية قلاع كثيرة. ومن قلاع الجزيرة قلعة ماردين، ذكر جدي في "المنتظم" عن أبي الحسين المنادي أنه قال: أُسستْ قلعةُ ماردين على مصابرة العدو أربعين سنة، فلو نزل عليها ملك بجيشه لما افتتحها عَنوة، قال: وفيها من العيون العذبة عشرة أعين (٣). قلت: وقد وهم ابن المنادي، فإن المعتضد افتتحها عَنوة في مدة يسيرة لما نذكر في أيامه (٤)، والعادل أبو بكر بن أيوب (٥) أقام عليها تسعة أشهر ولم يبقَ إلا أن يفتحها، فجاءه خبر وفاة ابن أخيه العزيز عثمان فرحل عنها (٦).

стр. 145

وأما قوله: إن فيها عشرة أعين، فإن في القلعة عينًا واحدة وهي يسيرة فإني شاهدتها. وقد ذكرها ابن حوقل فقال: وجبل ماردين من قرار الأرض إلى ذروته مسيرة فرسخين أو نحو فرسخين، وعليه قلعة لحمدان بن الحسن بن عبد الله بن حمدان تعرف بالبازي الأشهب لا يستطاع فتحها عنوة، وفي الجبل جوهر الزجاج وحيَّات عظام (١). وفي الجملة فهي أحصنُ قلاع الجزيرة وأمنعها وأعلاها وأرفعها. وبالشام قلاع كثيرة: منها قلعة حلب، وتسمى: الشهباء، فإن ملك الروم نزل عليها، وفتح البلد، ولم يقدر على فتحها وقتل عليها ابن أخته لما نذكر في زمان سيف الدولة (٢)، وكان سيف الدولة يفتخر بها ويقول: معقلي حلب وشاعري المتنبِّي. وبقلعة حلب آثار الخليل ﵇، ويقال: إنه أوى إليها عند دخوله إلى الشام. ومن قلاع الشام قلعة حمص وحماة وتدمر وبَعْلَبَك وصَرْخَد وعَجْلون والكَرْك والشَّوْبَك، وكان بالساحل قلاع أُخربت كالقدس وكَوْكَب والطُّور وتِبْنين وهُوْنين وبانيَاس وغير ذلك، لما نذكر إن شاء الله تعالى. * * *
следующие страницы →