المُحَصَّب: هو من جبال مكة يشرف على ذي طُوَى؛ قال الجوهري: هو موضع الجمار بمنى (١). ويقال له: قوس قزح، لأنه أول ما رؤي عليه قوس قزح، والعامة تقول: قوس قَدَح -بالدال- وهو خطأ، وذكره الجوهري فقال: قوس قُزَح التي في السماء غير مصروفة، قال: وقُزَح أيضًا جبل بالمزدلفة (٢).
مُخاشِن: جبل بالحجاز.
المُقَطَّم -بالميم-: جبل بأرض مصر، والقرافة تحته، وهو مطلٌّ عليها ويمتدُّ إلى النُّوبة.
جبلا نَعْمَان: ونَعْمان وادٍ في طريق الطائف يخرج إلى عرفات، ذكره الجوهري قال: يقال له: نَعْمان الأراك (٣). وقال ابن قتيبة: ونَعْمان جبل بالقرب من عرفة ويتصل بوادي القرى ونواحيه، قال: وفي الحديث: "خُلِق آدمُ من دَحْنا، ومَسَح ظَهْره بنَعْمان السَّحاب" (٤) ونسبه إلى السحاب لأنه يشرف على جبلي نعمان ويعلوهما (٥).
وَاسِم: وهو جبل سَرَنْدِيب الذي أُهبط عليه آدم ﵇، ويقال له: برد، وعليه أثر قدم آدم، وشبيه البرق لا يذهبُ شتاء ولا صيفًا (٦)، ويرى في البحر من مسيرة ثلاثة أيام؛ ومسح موضع قدم آدم فكان سبعة أذرع، وقيل: سبعون ذراعًا، وحوله الياقوت المختلف الألوان، وفي واديه جميع الطيب من الورقة التي نزلت مع آدم، وفيه الطواويس ودابَّة الزباد، وسنذكره في سيرة آدم.
يَذْبُل: جبل بين اليمامة والبصرة، كذا ذكره الجوهري (٧).
стр. 142
يَلَمْلَم: هو ميقات أهل اليمن في الإحرام.
أبو قُبَيس: جبل مشهور بمكة، ذكره في "الصحاح" (١)، وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: هو أول جبلٍ وضع في الأرض (٢). وكان يقال له في الجاهلية: الأمين، لأن ركن البيت كان مستودعًا فيه أيام الطوفان (٣).
وهو أحد الأخشَبَين المطلَّين على مكة، هذا مشرفٌ على الصفا والآخر يقال له: الأحمر والأعرف (٤). وفي الحديث: "لا تزول مكة حتى يزول أخشباها" (٥)، والأخشب الجبل العظيم.
قلت (٦): وفي الأقاليم جبال شوامخ وعرة في ناحية الشمال، النهار عند أهلها ساعة ونصف، لأن الشمس منحرفة عندهم. وفي المغرب جبال وعرة يسكنها البربر ويعصون فلا يقدر أحد عليهم. وفي الأندلس جبال فيها حجارة تتقد في الليل ويظهر منها الدخان في النهار. وذكر جدي ﵀ في "المنتظم" وقال: وفي اليمن جبلان عظيمان بينهما في السهل مسيرة ثلاثة أيام، ورأساهما متقاربان بحيث يناول الرجلُ الرجلَ من رأس الجبل ما يريد لضيق ما بينهما (٧).
* * *
стр. 143
فصل في الهضاب والقلاع والرمال (١)
حكى سيبويه عن الخليل بن أحمد أنه قال: الهضْبَة اسم لما دون الجبل، وقال في "الصحاح" هي الجبل المنبسط على وجه الأرض (٢). وكذا التّلْعَة، وذلك لا يحصى.
وأما العقاب (٣) فكثيرة، منها: عَقَبَة سرنديب، الهند، الصين، عقبه ساوة وهمذان وحُلوان، وفي خراسان عقاب كثير، وفي الرّي والجبال، وفي الحجاز عقبة هَرْشَى، ذكرها الجوهري فقال: وهَرْشَى ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة يرى منها البحر، ولها طريقان، فكلُّ من سلكها كان مصيبًا (٤).
وفي الشام عقبة فِيق وابريق (٥). وفي الحجاز أيضًا من ناحية مصر عقبة أَيلَة. وفي اليمن عقاب كثيرة، وفي لبنان أيضًا.
وأما الرمال فكثيرة، ومنها الأحقاف، وهي ديار عاد وبها الرمل الكثير، قال الجوهري: الحِقْفُ: المعوجُّ من الرمل (٦).
ومنها رمل عالِج، موضع بالبادية، وقد ذكره ابن عباس في مسألة العولِ فقال: والذي أحصى عدد رملِ عالج (٧).
ومل زَرُود بين مكة والعراق.
ومنها الرمل التي بين مصر والشام وتنتهي إلى تِيه بني إسرائيل، وتتصل بالطُّور
стр. 144
والبحر والحجاز، وقد ذكرها ابن حَوقل فقال: والرمل المعروف بالهَبير هو الذي طوله من وراء جبلي طييّء إلى أن يتصل بالجفار من أرض مصر، وعرضه من الشقوق إلى الأَجْفُر، ويقطع النيلَ إلى المغرب، ويمتد في أرض سِجِلْماسة إلى البحر المحيط، وله عرق يضرب إلى البحرين وعمان، ويقطع البحر الشرقي إلى جَيحون وخُوارِزم وسَمَرقند، ويتصل بالعين فيه ألوان من الرمل مختلفة: أصفر وأحمر وأبيض وأسود. وقال قدامة: وفي وسط البحر الشرقي يعني الحبشي كثيبُ رملٍ أحمر بعيد المسافة وفيه أمَّة سود الألوان عظام الأجسام.
وأما القلاع فأبلغ من أن تحصى، فمن قلاع (١) المشرق قلعة سليمان ﵇ باصطخر، وقلعة بفارس بناها زياد بن أبيه، وقُفُّ، وانطرور وديول (٢) وكردكوه.
وفي خراسان حصون كثيرة، وكذا في ما وراء النهر، ومن أحصَن قلاع خُراسان قلعة نيزك، وهي قلعة عظيمة فتحها يزيد بن المهلب بن أبي صُفْرة في سنة أربع وثمانين، وقد مدحها الشعراء. وليس في الشرق أحصَنَ من قلعة باب الأبواب، وقد ذكرناها في جبل الفتح، وفي بلاد أرمينية قلاع كثيرة.
ومن قلاع الجزيرة قلعة ماردين، ذكر جدي في "المنتظم" عن أبي الحسين المنادي أنه قال: أُسستْ قلعةُ ماردين على مصابرة العدو أربعين سنة، فلو نزل عليها ملك بجيشه لما افتتحها عَنوة، قال: وفيها من العيون العذبة عشرة أعين (٣).
قلت: وقد وهم ابن المنادي، فإن المعتضد افتتحها عَنوة في مدة يسيرة لما نذكر في أيامه (٤)، والعادل أبو بكر بن أيوب (٥) أقام عليها تسعة أشهر ولم يبقَ إلا أن يفتحها، فجاءه خبر وفاة ابن أخيه العزيز عثمان فرحل عنها (٦).
стр. 145
وأما قوله: إن فيها عشرة أعين، فإن في القلعة عينًا واحدة وهي يسيرة فإني شاهدتها.
وقد ذكرها ابن حوقل فقال: وجبل ماردين من قرار الأرض إلى ذروته مسيرة فرسخين أو نحو فرسخين، وعليه قلعة لحمدان بن الحسن بن عبد الله بن حمدان تعرف بالبازي الأشهب لا يستطاع فتحها عنوة، وفي الجبل جوهر الزجاج وحيَّات عظام (١). وفي الجملة فهي أحصنُ قلاع الجزيرة وأمنعها وأعلاها وأرفعها.
وبالشام قلاع كثيرة: منها قلعة حلب، وتسمى: الشهباء، فإن ملك الروم نزل عليها، وفتح البلد، ولم يقدر على فتحها وقتل عليها ابن أخته لما نذكر في زمان سيف الدولة (٢)، وكان سيف الدولة يفتخر بها ويقول: معقلي حلب وشاعري المتنبِّي. وبقلعة حلب آثار الخليل ﵇، ويقال: إنه أوى إليها عند دخوله إلى الشام.
ومن قلاع الشام قلعة حمص وحماة وتدمر وبَعْلَبَك وصَرْخَد وعَجْلون والكَرْك والشَّوْبَك، وكان بالساحل قلاع أُخربت كالقدس وكَوْكَب والطُّور وتِبْنين وهُوْنين وبانيَاس وغير ذلك، لما نذكر إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 146
فصل في ذكر المعادن التي هي كالخزائن
قال الجوهري: سمي المعدِن مَعْدِنًا -بكسر الدال- لأنَّ الناس يقيمون فيه الصيف والشتاء، ومركز كلِّ شيء معدنه (١). وقال الخليل بن أحمد: ومنه قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: مواضع إقامة (٢). وقال الهيثم بن عدي: المعادن كثيرة غير أن المشهور منها سبع مئة منها: معادنُ الذهب والفضة، والنحاس والصُّفْر، والزِّئبَق والرَّصاص، والنِّفط والقارُ والزِّفت، والمُرْداسَنْج (٣) والزِّرْنيخ، والجصُّ والنُّورة والملح ونحوه، قال: ولا ينعقد الملح إلا في السَّبَخ، ولا الجصُّ إلا في الرمل، يعني في الغالب.
وهذه المعادن مفرقة في الأقاليم، والغالب على معادن الذهب والفضة أن يكونا بالمغرب وبجزائر الفرَنْج، والغالب على الياقوت والجوهر واللآلئ بالمشرق، والنحاس والصُّفر والزِّفت والقارُ بالجزيرة.
فصل في حكم المعدن
قال محمد ﵀: معدن ذهب أو فضة أو حديد أو رصاص أو صفر وُجِد في أرض خَرَاجٍ أو عُشْر، ففيه الخُمُس (٤). ولا بد من تفسير هذا فنقول:
المال الموجود في الأرض له ثلاثة أسامي: الكنزُ والمعدنُ والرِّكاز، فالكنز: اسمٌ لما دفنه بنو آدم، والمعدِن اسم لما خلقه الله تعالى في الأرض يومَ خلقَها، والرِّكاز اسمٌ لهما جميعًا.
فإن وجد معدِنًا فلا يخلو إما أن يجده في دار الإسلام أو في دار الحرب، فإن وجد في دار الإسلام في أرض غير مملوكة فهو للواجد كائنًا من كان، غيرَ الحربيِّ فإنه يُستردُّ منه إلا إذا كان الإمام قد قاطعه عليه، فإن كان الموجود مما يذاب بالإذابة وينطبع
стр. 147
بالحيلة كالذهب والفضة والنحاس ونحوه ففيه الخُمُس، قليلًا كان أو كثيرًا، لقوله ﵇: "وفي الرِّكازِ الخُمُسُ" متفقٌ عليه (١). وأراد به المعدن.
وإن كان مما لا يذوب بالإذابة كالفصوص والجواهر واليواقيت، فلا خُمُسَ فيه عندنا لأنه حجر، ولا خمس في حجر، بالحديث (٢).
وإن وجد المعدن في أرض مملوكة فهو لمالكِ الأرض لأنه جزء من أجزائها وقد ملكها بأجزائها. واختلفت الروايات في وجوب الخمس فيه: فروي عن أبي حنيفة أنه لا يُخَمَّس، سواء وجده في أرضٍ أو دار، وهي رواية كتاب الزكاة من "الأصل". وذكر في "الجامع الصغير" عنه: أنه إن وجده في الدار لا يُخَمّس وإن وجده في الأرض يخمّس، وعند أبي يوسف ومحمد يخمَّس في الأحوال كلها (٣). وهو قول باقي الفقهاء لقوله ﵇: "وفي الرِّكازِ الخُمُسُ" من غير فصل.
وجه رواية كتاب الزكاة: أن المعدن من تراب الأرض وجزء من أجزائها فلا يخمَّس، والحديث محمولٌ على ما إذا وجده في أرض غير مملوكة. ووجه الفرق بين الدار والأرض على رواية "الجامع": أن الدار ملكها بشرط قطع الحقوق عنها، ولهذا لا يجب فيها عشر ولا خراج، والأرض لم تملك بشرط قطع الحقوق عنها، ولهذا يجب فيها العشر، فجاز أن يجب فيها الخمس، وعلى رواية كتاب الزكاة: لا فرق بين الأرض والدار عنده.
* * *
стр. 148
فصل في ذكر البحار وما فيها من عجائب الآثار
قال أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا العوَّام بن حَوْشَب، حدثنا شيخٌ كان مرابطًا بساحل البحر قال: لقيت أبا صالح مولى عمرَ بنِ الخطاب ﵁ فقال: حدثني عمرُ عن النبي ﷺ أنه قال: "ليسَ مِن ليلَةٍ إلَّا والبحرُ يُشرِفُ على الأرضِ، يَسْتأذِنُ رَبَّه ثلاثًا هل يَنْفَضِخُ على الأرضِ فيَكفُّه الله تعالى" (١). قلت: وقد ذكر جدي ﵀ هذا الحديث في "الواهية"، وقال: العوَّام بن حَوْشب ضعيف، والشيخ الذي في الحديث مجهول (٢).
قلت: أما العوَّام بن حَوْشب فهو شيخ شيخ أحمد بن حنبل وقد أخرج عنه في "المسند" أحاديثَ، وأما الشيخ المجهول فلا يقدح في الحديث، فقد أخرج الحُميديُّ في آخر "الجمع بين الصحيحين" عن رجلٍ مجهول وغيره، وإنما الحديث الذي ضعَّفوه رواه أبو هريرة وغيره: "إنَّ الله تعالى كلَّمَ البحرَ الشاميَّ فقال: يا بَحرُ، ألم أخلقْكَ، وأكثرتُ ماءَكَ" وهو حديث طويل، قال جدي في "الواهية": في طريقه عبد الرحمن العمري اتفقوا على تركه. وذكر غيره وقال: إنما هو من كلام كعب الأحبار (٣).
فإن قيل: فلم سمي بحرًا؟ قلنا: لعمقه وسعته، وقال الجوهري: البحر خلاف البر، قال: وكلُّ نهرٍ عظيم بحرٌ، ويسمَّى الفَرَسُ الواسعُ الجري بحرًا بالحديث (٤).
واختلفوا في عدد البحار على أقوال:
أحدها: أنها سبعة أبحر، منها ستة ظاهرة وواحد محيط بالدنيا مظلم ومنه تستمد، قاله ابن عباس.
стр. 149
والثاني: أنها خمسة أبحر، قاله مقاتل.
والثالث: أربعة، قاله مجاهد.
والأول أصح لقوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] لأن السموات سبع، والأرضين سبع، والنجومَ السيارةَ سبعٌ، والأيام سبع، وخلق الإنسان من سبع لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ الآية [المؤمنون: ١٢] ورزق من سبع لقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ الآية [عبس: ٢٤]، ومن قال بالأربع والخمس فهي داخلة في السبع.
وذكر في "جغرافيا": أنها مختلفة المقادير، فمنها ما هو على صورة الطيلسان، ومنها ما هو على هيئة الشَّابورَة (١)، ومنها ما هو على صورة التدوير، والغالب عليها الاستدارة.
وقال ابن حوقل في "كتاب الأقاليم": وأشهرها بحر فارس والروم، وهما خليجان متقابلان يأخذان من البحر المحيط، وأفسحهما طولًا وعرضًا بحر فارس، يعني الشرقي. قال: والمحيط يقال له: "قنطش" والبحار تستمد منه، وهي بالنسبة إليه كالخلجان، ولا يتأتَّى فيه الركوب، ولا يعيش فيه حيوان إما لشدة برد مائه أو لحرارته، ولا تجري فيه المراكب لما فيه من حجارة المغناطيس، ومن القلزم إلى الصين على خط مستقيم، يعني على وجه الأرض، نحو من مئتي مرحلة، وأما من أراد قطع هذه المسافة من القلزم إلى الصين في البحر طالت عليه المسافة لكثرة المعاطف في البحار والتواء الطرق (٢).
فصل في البحر الشرقي
قال علماء الهندسة: إنه يأخذ من البحر المحيط الكبير المظلم بالمغرب وينتهي إلى أقصى الهند والصين، وذلك ثمانية آلاف ميل، وعرضه ألفان وسبعمائة ميل، وقد يختلف عرضه باختلاف الأماكن في الضيق والسعة.
стр. 150
وقال أبو الحسين بن المنادي: طول هذا البحر من القُلْزُم إلى الواق واق أربعة آلاف وخمس مئة فرسخ، وفيه خلجان عظيمة، منها خليجٌ يتصل بأرض الحبشة ويمتد إلى بلاد الزَّنج إلى مكان يقال له: بربرا، طوله خمس مئة ميل وعرضه مئة ميل، وليس هذا "بربرا" الموضع المعروف بالمغرب من أرض إفريقية، وإنما هو مكان آخر في أقصى الحبشة يسمى بهذا الاسم.
وقال أبو معشر: وليس في البحار أعظم من موجه، يرتفع مثل الجبال ثم ينخفض حتى يصير أوديةً عميقة.
وذكر أحمد بن محمد بن إسحاق في كتاب "البلدان" وقال: ليس في العالم أكبر من هذا البحر، يعني غير البحر المحيط، قال: فإنه يأخذ من المغرب وينتهي إلى الصين، فيمرُّ على النُّوبة والحَبَشة ثم على القُلْزُم ثم إلى وادي القرى وجُدَّة وزَبيد وعَدَن والشِّحْر وحَضْرَمَوت وعُمان والدَّيْبُل وفارس إلى المشرق (١). وجميع بلاد السند والهند عليه، صيفهم شتاؤنا وشتاؤنا صيفهم، فكانون وكانون وشباط مثل حَزِيران وتَمُّوز وآب عندنا، وعللوا ذلك بقرب الشمس من الأقاليم وبُعدها. قال: وذَكَر مَنْ له خبرة به أنَّ عمق الماء فيه في مواضع مئة باع وأكثر.
وقال أبو معشر: قد قسم أرباب الهيئة هذا البحر الشرقي في سبعة أقسام:
فالأول: بحر القلزم، ويمرُّ على النُّوبة والحبشة واليمن إلى عُمان، وطول هذا الخليج ألف وأربع مئة ميل، وعليه القُصَير وعَيذاب، وبين مدينة القُلْزم والفُسطاط ثلاثة أيام.
والقسم الثاني: بحر فارس، وأوله من الأُبُلَّة والبَصرة والبَحرين عند الخشبات، وهي علامات منصوبة من خشب في البحر يستدل بها أهل المراكب، وطول هذا الخليج أربع مئة فرسخ حتى يتصل ببحر الهند عند جبل يقال له: رأس الجُمْجُمة، وأول هذا الجبل من اليمن من ناحية الشِّحْر الأحقاف وآخره في الهند، وقد ذكرناه في الجبال، ولا يدرى أين غايته في البحر، وعلى هذا الخليج الذي يسمى بحر فارس من
стр. 151
البلاد: البَحرين وعُمان وسيراف وكرمان، ومن عُمان إلى سِيراف ستون ومئة فرسخ، ومن سِيراف إلى البصرة أربعون ومائة فرسخ، وفيه من الأمم والجزائر ما لا يحصى، وفيه مغاص اللؤلؤ في جزيرة كِيْش، ولا يكون ذلك في جميع السنة بل في أول يوم من نَيسان إلى آخر أَيلول لا غير.
وقد اختلفوا في اللؤلؤ على قولين (١):
أحدهما: أنه من حيوان يقال له: البلبل وفيه لحم، ويخاف على ما فيه من الدّر من الغاصة كما تخاف المرأة على جنينها.
القول الثاني: أنه يتولَّد من الأمطار إذا وقع المطر في نَيسان ارتفع الصدف إلى وجه الماء فتفتح أفواهها فيقع فيها القطر، فمن الصدف ما يضمُّ على ما وقع فيه فيغوص ويقيم طول السنة يحفظ نفسه من استنشاق الهواء حتى يأتي نَيسان وقد انعقد اللؤلؤ في باطنه، ومن الصدف ما يشتاق إلى النسيم فيصعد على وجه الماء فيفتح فاه ويستنشق الهواء فيفسد ما فيه.
والأول أصحُّ، لأن الغواصين يستخرجون هذا الحيوان من البحر ويأكلون لحمه ويأخذون اللؤلؤ من جوفه، ويحتمل أن اللؤلؤ يتولَّد من هذا الحيوان والمطر جميعًا.
والقسم الثالث من هذا البحر يقال له: بلاذري، وليس في البحر الحبشي أعظم مجرًى للماء منه.
والرابع: كندرلاوي، وفيه العنبر، والخامس: كلاه بار. والسادس: كرديج، وهو بحر الصين، والسابع: مملكة المهراج.
وقال في "المسالك": ووراء بحر الصين مفاوز ورمال تجري فيها السفن.
وقال النُّوبختي: إن بين الهند والصين على هذا البحر ثلاثين مَلِكًا، أصغر ملك منهم يملك مثل ملك العرب.
وفي هذا البحر الشرقي عجائب، منها: أن فيه سمكًا طول كل سمكة خمس مئة ذراع وأقل وأكثر، بذراع أهل البحر، ويقال له: العُمَري، وهو ذراع طويل، ترفع
стр. 152
السمكة جناحها فيكون كالقلع العظيم، وتخرج رأسها من الماء ثم تنفخ فيذهب الماء في الهواء أكثر من السهم، وأهل المراكب يخافونها فيضربون الدبادبَ لتنفر، وتبلع السمك الصغار فيُسمع لها دويّ، ولهذه السمكة آفة وهي سمكة صغيرة مقدار الذراع يقال لها: الكشنك، فإذا أراد الله هلاك الكبيرة جاءت الصغيرة فالتصقت بأصل أذنها وعضَّتها، فتغوصُ الكبيرة في الماء من شدَّة العضة إلى قرار البحر، وتضربُ نفسها بالأرض حتى تموت، وتطفو على رأس الماء كالجبل العظيم (١).
ونظير هذه السمكة الصغيرة الدويبةُ التي تقتل التمساح، لما نذكره (٢).
ومنها: أنَّ في هذا البحر سمكًا يبلع المراكبَ، وفيه سمك طيار وسمك على صور الجمال وجوههم كأنها البوم، وسمكٌ على صُوَرِ البقر يعمل من جلودها الدَّرَق، وفيه سمك في بطن كل سمكة مثلها وفي بطن الأخرى مثلها إلى عدة طبقات. وفيه سلاحف، استدارةُ ظهرِ السلحفاة عشرون ذراعًا وأكثر، وفي بطنها ألف بيضة، وفيه المعادن بأسرها.
قال ابن المنادي: وعليه مدينة في الهند يقال لها. مل، تنبت الفلفل، وعلى كل عنقود من عناقيد الفلفل ورقة تُكِنُّه من المطر، فإذا مضى زمان المطر ارتفعت الورقة وإذا عاد عادت.
فصل في البحر الرومي (٣)
ذكر ابن حوقل في كتاب "الأقاليم" قال: وأما بحر الروم فإنَّه يأخذ من البحر المحيط من المغرب في الخليج الذي بين المغرب والأندلس حتى ينتهي إلى الثغور الشامية، ومقداره في المسافة نحو من أربعة أشهر، وهو أحسن استقامةً واستواء من بحو فارس، وذلك لأنَّك إذا أخذت من فم هذا الخليج أَدَّتْكَ ريحٌ واحدةٌ إلى أكثر هذا البحر. قال: وبين القُلْزم الذي هو لسان بحر فارس وبين بحو الروم على سمت الفَرَمَا أربع مراحل (٤). قال: ويزعم بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿بَينَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾
стр. 153
[الرحمن: ٢٠] أنه هذا الموضع. والله أعلم (١).
وقال أبو معشر: بحر الرومي يأخذ من خليج يخرج من البحر المحيط، ويسمى ذلك البحر: قنطش، وأضيق مكان في الخليج من ساحل طَنْجَة ويعرف بالزُّقاق عند سَبْتة. قال: وبدايةُ البحر الرومي من مكان يقال له: أصنام النحاس، ليس وراءه شيء، وعرض الزُّقاق ستة أميال، وقيل: إنَّ هذا البحر مثل البِركة، ولهذا إن ما بين الأندلس وبين القُسطنطينية مئة ميل، وهذا البحر يمتدُّ إلى أقصى المغرب وبلاد الفِرَنجِ وعليه طَرابُلُس الغرب، ثم يمتدُّ إلى الإسكندريَّة، ودِمياط، والفَرَما، وغَزَّة، وعَسْقَلان، ويافا، وقَيسَاريَّة، وحَيفا، وعَكَّة، وصُور، وصَيدا، وبَيروت، وجبَيْل، وأطْرابُلُس الشام، وأَنْطَرطُوس، وأَذَنَة، والمَصِّيصة، وجَبَلة، واللَّاذِقِيَّة، وبلد أنْطاكِيَّة، ثم يمرُّ على بلد الأرمن والروم إلى خليج القُسطنطينية. وقيل: طوله ستة آلاف ميل وعرضه من الست مئة إلى مئة بحسب اختلاف الأماكن في الضيق والسعة، وفيه جزائر نذكرها.
وقيل: إنَّ ذا القرنين هو الذي فتح هذا الزُّقاق عند سَبْتة لأنَّ مكان البحر كان واديًا عظيمًا فيه أمم كثيرة، ومدن وحصون، ومزارع وقرى، وآثارها باقية فيه، وكان أهلها عصاةً على الإسكندر، فأقام ينذرهم أربعين سنة فلم يطيعوه فأرسل عليهم الماء من الزقاق فغرقوا.
ويتشعب منه خليج طوله خمس مئة ميل، ويتصل بمدينة روميَة، ويسمى: أروس.
وقد زعم قوم أن البحر الرومي متصل بالبحر الشرقي، واحتجوا بأنه وصل في الزمان القديم قوم إلى جزيرة الأندلس في مراكب، فأغاووا عليها ووجدوا في مراكبهم النَّارَجيل (٢)، وهو شجر لا يكون إلا في البحر الشرقي يشبه شجر المُقْل، وليفُه يعمل به مراكب البحر الشرقي، لأنَّ مراكب البحر الرومي مسمَّرة بالمسامير، والبحر الشرقي كثير جبال المغناطيس فيشدون المراكبَ بليف النَّارَجيل.
قلت: وهذا القول بعيد لما بين البحر الشرقي والغربي من المسافات والبحار والجبال وغير ذلك.
стр. 154
فصل في خليج القُسْطَنطِينيَّة
قد توهم قوم أنَّ خليج القُسطنطينية إنما يأخذ من البحر الرومي ويصبُّ في بحر باب الأبواب، والأمر بالعكس، لأنَّ علماء الهيئة ذكروا أنَّ في ناحية الشمال بحرًا يقال له: نيطس (١)، طوله ألف ميل وعرضه ثلاث مئة ميل، وهو أحد البحور السبعة، ومصبه من ناحية الشمال من بحر آخر أكبر منه، وعلى سواحله خلق عظيم من ولد يافث بن نوح، يمتدُّ إلى خليج القُسطنطينية، وطول خليج القُسطنطينية ثلاث مئة ميل وعرضه عشرة أميال، والقسطنطينية على جانبه من ناحية الشمال، وهو خليج عسر كثير الأمواج سريع العَطَب.
وقال أبو الحسين بن المنادي: البحر المعروف بنيطس من وراء القُسطنطينية يجيء من بحر الخَزَر، وعرض فُوَّهته ستة أميال، يمرُّ على القُسطنطينية ثم يصبُّ في بحر الروم، ويمرُّ ببلاد الأندلس فإذا انتهى إليها صار بين جبلين، ويضيقُ حتى يصير عرضه مقدار السهم.
فصل في بحر باب الأبواب
قال علماء الهيئة: هذا البحر مستدير الشكل، إلا أنَّه إلى الطول أقرب. وطوله ثمان مئة ميل وعرضه ست مئة ميل، وعليه الخَزَر والدَّيلَم وجُرْجان وطَبَرِسْتان والتُّرك وأمم كثيرة، وفيه التِّنِّين، واختلفوا فيه على قولين: أحدهما أنه دابة تكون في البحر فتعظم فتؤذي دوابَّ البحر، فيبعث الله عليها ريحًا فتخرجها إلى وجه الماء، فتتعلق بها السحب فتلقيها إلى الأرض. والثاني: أنها ريح سوداء تكون في قعر البحر فتظهر إلى ظاهر البحر ثم ترتفع إلى الجو وتلحق بالسحاب كالزوبعة إذا ثارت من الأرض واستدارت وثار معها الغبار، فيتوهم الناس أنها حيات سود خرجت من البحر، والله أعلم.
стр. 155
فصل في مبادي البحار (١)
واختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: أنها من الاستقصَّات (٢) الأربع، خلقها الله تعالى يوم خلق السموات والأرض كما في جميع المياه.
والثاني: أنها بقية طوفان قوم نوح ﵇. قاله ابن عباس والمفسرون.
والثالث: أنها من عَرَقِ الأرض لما ينالها من حرارة الشمس.
والرابع: أنها من مياه الأرض، فالملح ينحدرُ إلى الأماكن المنخفضة فينعقد غليظًا كدرًا وتختلط به الأجزاء النارية. فأما المياه العذبة فترتفع في أيام الشتاء إلى الجو فيحدثُ منها المطر بإذن الله تعالى، فلا تزال العينُ قائمة أبدًا، وهذا قول علماء الهيئة.
وأما ابن عباس فقد روى عنه عكرمة أنه قال: البحر المظلم من ورائه بحر آخر يقال له: الباكي، وماؤه عذب، وإنما سمي الباكي، لأنه يبكي من خشية الله تعالى، وليس بعده شيء.
وقال علماء الهيئة: هذه البحار بأسرها داخلة في الفَلَك، لأنَّه محيط بالأرض كلها.
فصل
ثم هذه البحار ينتقل بعضها على ممر السنين والدهور، فيصير موضع البحر برًّا وعلى العكس، وعلَّةُ ذلك جريانُ الماءِ، فإنَّ لموضع جريانه شبابًا وهرمًا، وحياة وموتًا، ونشأة، كما يكون في الحيوان والنبات، وقد رأينا ذلك عِيانًا في الأنهار العظام كالنِّيل والفُرات ودِجلةَ والنَّجَف بالكوفة، فإنَّه كان بحرًا تأتي فيه السفن من الهند، فاستحال الماء عنه إلى موضع آخر، وكذا ببغداد في دجلة العَوْراء فإنها استحالت فراسخَ فأخربت قرًى كثيرة، وهي اليوم قد استحالت أيضًا، والله أعلم.
стр. 156
فصل في ذكر الجزائر وما فيها من الغرائب والجواهر (١)
فصل في جزائر البحر الشرقي: وهي أبلغ من أن تحصى، فنذكر الجزائر المشهورة فنقول:
ذكر العلماء بأخبار الأوائل أن جزائر الوقواق ستة آلاف، فيها جزيرة يستوي فيها الليل والنهار.
وجزيرة يقال لها: جزيرة الراهب يخصى بها الخدم، وملكتها امرأة تجلس على سرير من الذهب، وعلى رأسها تاج من ذهب مرصع بالجواهر، وهي عريانة، وعلى رأسها أربعة آلاف وصيفة كلهن عراة، وقد شاهدهنَّ التجارُ الذين يسلكون تلك البلاد.
ومنها: جزيرة قنبلو (٢)، يركب الناس منها إلى صُحار، وصُحار قصبة عمان، قال الجوهري: وصُحار -بالضم- قصبة عمان مما يلي الجبل، وتُؤَام قصبتها مما يلي الساحل (٣).
ومنها: جزيرة سَرَنْدِيب، وهي ثمانون فرسخًا في ثمانين، إذا مات لهم أحد أحرقوه بالنار، وإن كان ملكًا تهافت خواصُّهُ وأهله حتى يحرقوا نفوسهم معه، وفيها الياقوت والبِلَّور وسائر أنواع الطيب.
ومنها: جزيرة أهلها سود عراة حفاة، مأواهم رؤوس الشجر، لا يُفهم كلامهم، يهربون من الناس.
ومنها: جزيرة فيها أشجار يسيل منها الكافور مثل الصمغ، تُظل الشجرةُ منها مئةَ فارس.
ومنها: جزيرة لهم أليات كليَّات (٤) الغنم، وهم سود يأكلون الوجال دون النساء،
стр. 157
وجزيرة يأكلون النساء دون الرجال.
ومنها: جزيرة الرَّامي (١)، وبها البَقَّم (٢) وعرقه ينفع من سمّ ساعة.
ومنها: جزيرة فيها الرصاص القَلْعي، وجزيرة فيها قرود مثل الجواميس، وسنانير لها أجنحة، وفي هذه الجزائر الكَرْكَدنّ، وهو دابة دون الفيل وفوق الجاموس، يأكل الحشيشَ، وله قرن واحد طوله ذراع وغلظه قبضتان، وفيه صورة من أول القرن إلى آخره، فإذا انشقَّ القرنُ ظهرت الصورة بيضاء في سواد كالشبح: صورة إنسان أو دابة أو طاووس أو طائر أو سمكة ونحو ذلك (٣). يتخذ أهل الصين من ذلك القرن مناطق تبلغ المنطقة أربع مئة دينار، وملوك جزائر الكَرَكَدَّن مخرمو الآذان.
وقال في "جغرافيا": وحصى هذه الجزائر الياقوت والمَرْجان وأصناف الجواهر، وبين الجزيرة والجزيرة ميل وأقل وأكثر، يعني: جزائر الوقواق، وعندهم النارَجيل، لا يفقد من النخل غير الثمر، وقيل: هو المقل، قالوا: والنارَجيل فيه خاصية، وذلك لأنَّ بيوت أموال ملكة جزائر الوقواق الوَدَع، فإذا قلَّ قطعوا من سعف النارَجيل بخُوصه فيطرحونه على وجه الماء فيخرج منه حيوان فيتراكب فيتولَّد منه الوَدَع، فيطرحونه على ساحل البحر ويلقون عليه الرمل فتحرق الشمسُ ما فيه من الحيوان، ويبقى الوَدَع وحده فيملؤون منه بيوتَ الأموال.
وقال النُّوبختي: وآخر هذه الجزائر جزيرة سَرَنْديب، وبين هذه الجزائر خليج فيه حيات تبلع المراكب، قال: وبعد سَرَنْديب مما يلي المشرق ألف جزيرة في ألف فرسخ فيها ممالك ومعادن، ثم يليها جزائر فَنْصورة، وهي مملكة المهراج، ولا تضبط جنوده لسعة مملكته، وفي مملكته خمسون ألف فيل يقاتل عليها، ومعنى المهراج: ملك الملوك، وعنده الكافور الفنصوري، وقيل: هو عيون في الجزيرة.
стр. 158
ومنها: جزيرة يسمع منها صوت الطبول والملاهي والرقص دائمًا والتصفيق، واسم هذه الجزيرة: برطاييل، يقال: إنَّ الدَّجَّال فيها. وفي مملكة المهراج جزيرة دورها أربع مئة فرسخ، عمائر متصلة، وفيها البُزاة والصقور والشواهين.
قال: وفيها جزيرة فيها عين يقال لمائها: ماء العقل، من شرب منه ازداد عقله وفهمه.
وفيها: جزيرة يقال لها: سُقُطْرَى، لا يوجد الصَّبِر الأُسقطوي إلّا فيها.
وذكر في "المسالك": أنه ليس وراء الصين مسلك إلا رمال تجري فيها السفن، وبعدها مدينة قوم موسى الذين يقضون بالحقِّ وبه يعدلون.
وقد ذكر أبو إسحاق الثعلبي عن السُّدي قال: هم قوم بينك وبينهم نهر من شهد، وحكى أيضًا عن ابن جريج قال: لما قَتل بنو إسرائيل أنبياءهم وكفروا كانوا اثني عشر سِبطًا، تبرأ منهم سِبط مما صنعوا واعتذروا إلى الله تعالى وسألوه أن يفرق بينهم، ففتح لهم نفقًا في الأرض فساروا فيه سنة ونصفًا حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا (١).
وحكى أيضًا عن الربيع والضحاك وعطاء فيما رواه عنهم الكلبي قال: هم قوم خلف الصين على نهر يجري الرمل فيه يسمى نهر: أوداف، وليس لأحدٍ منهم مال دون صاحبه، يُمْطَرون بالليل ويصحون بالنهار ويزرعون، لايصل إليهم منا أحد ولا منهم إلينا، وهم على الحق.
قال الكلبي: وذكر أنَّ جبريل ﵇ مرَّ بالنَّبي ﷺ عليهم ليلة الإسراء فسلَّم عليهم فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، قال: هذا محمد ﷺ النبيّ الأمي، فآمنوا به وقالوا: يا رسول الله إن موسى أوصانا وقال: من أدرك منكم أحمد فليقره مني السلام، ثم أمرهم بالصلاة والزكاة، وكانوا يسبتون فأمرهم بترك السبت وإقامة الجمعة، والله أعلم.
стр. 159
فصل
وفي بحر باب الأبواب جزائر كثيرة فيها بُزاة بيض وهي أفخر البُزاة، وهذه الجزيرة قريبة من جُرجان، والبُزاة الشهب هناك كثيرة لكثرة الثلج بها.
وأول من لعب بالبُزاة والشواهين والصقور من العرب، الحارث بن معاوية الكندي، ومن ملوك الروم قُسْطنطين الذي بنى القسطنطينية، ومن الفرس يَزْدَجِرد.
فصل في جزائر البحر الرومي
قال النُّوبختي: فيه جزائر كثيرة أعظمها جزيرة الأندلس، ولا يعلم مساحتها إلا الله تعالى، وهي مجاورة لأمم كثيرة من الفَرَنج والجلالقة وغيرهم.
وقد ذكرها الحكيم بن زهر المغربي وقال: فيها معادن الذهب والفضة والزئبق والنحاس والصفر وجميع ما يوجد في المعادن، وفيها الكافور والمسك والعنبر ومعادن الياقوت والجوهر، وفي أرضها غابة تنبت الذهب، وفيها جميع ما يوجد في بلاد الهند والصين من الطيب ونحوه.
وذكرها ابن حوقل في "كتاب الأقاليم" وقال: وأما الأندلس فجزيرة كبيرة فيها عامر وغامر، وطولها دون الشهر وعرضها نيف وعشرون مرحلة، وفيها المياه الجارية والأشجار المثمرة، وتنتهي إلى الجلالقة، ومدينتهم يقال لها: سَمُّورَة، وتنتهي إلى البحر المحيط، وذكر ما فيها وما حولها من الأمم، قال: ومن أعظم مدائنها قرطبة وكانت مقرُّ الخلائف من بني مروان، وبها جامع مثل جامع دمشق، وبمثل بغداد ودمشق ومصر في اجتماع العلماء بها (١). وقد ذكرناه.
ومنها: جزيرة صِقِلِّيَّة وكانت لبني عبَّاد، وبها الحصون والقلاع، وآثار الإسلام باقية فيها إلى هلمَّ جرًّا، وهي الآن بيد الأنبرور (٢)، وحاشيتُهُ كلُهم مسلمون. وبين صِقِلِّيَّة والإسكندرية إذا طابت الريح ثمانية عشر يومًا.
стр. 160
وقد ذكرها ابن حوقل فقال: وأما جزيرة صقِلِّيَّة فطولها سبعة أيام وعرضها أربعة أيام، والغالب عليها الجبال والقلاع والحصون، ومدينتها تسمى: بَلَرْم، وكان بها المسجد الأكبر وكان بيعة للروم، وفيها هيكل عظيم يزعم أرباب المنطق أن أرسطاطاليس حكيم اليونان معلق في خشبة في هذا الهيكل الذي اتخذه المسلمون مسجدًا، وكانت النصارى تعظمه وتستسقي به لما رأوا عليه اليونان من تعظيمه (١).
ومنها جزيرة قُبْرس ودورها عشرة أيام في مثلها، وفيها المعادن المنبوعة واللَّاذَن والزَّاج وغيره، وبينها وبين بلاد الإسلام ثلاثة أيام، وقيل: بينها وبين اللَّاذقية يوم وليلة، وثلاثة أيام بينها وبين الإسكندرية، وقد ذكرناه.
وفي جزائر البحر الرومي البُزاة والشواهين والصقور والعِقْبان.
وحكى النُّوبختي قال: أهدى ملك الروم إلى كسرى عُقابًا وقال: إنه يصيد أكثر من البازي، فاستشار كسرى وزراءه في قبوله فقالوا: لا حاجةَ لك به فإنَّ خيره لا يقوم بشرَّه، فخالفهم وأرسله على غزالٍ فأخذه فأعجب به وسفَّه آراء وزرائه، ثم جوَّعه أيامًا ليصيد به فوثب على ابن صغير لكسرى فقتله، فقال كسرى: وَتَرَنا قيصر، لأنه كان قد غزا بلاده فقتل وسبى، وكتم كسرى أمر العقاب وأهدى لقيصر نمرًا وقال: إنه يصيد السبع، فأقام عنده فوثب يومًا على ولد لقيصر فقتله، فقال قيصر: قد صدنا كسرى قبل أن يصيدنا.
وفي البحر الرومي جزائر كثيرة كإفريقيَّة وأقْريطش والنوكبردية والجنوية والبيازية وغيرهم، وكلهم أجناسٌ في جزائر.
فصل في ذكر المسك والعنبر، وهل هو حشيش أو مما يُدْسَر؟
قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله ﷺ : "المِسْكُ أَطيَبُ الطِّيبِ". انفرد بإخراجه مسلم (٢).
стр. 161
وثبت أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُحِبُّ الطِّيبَ (١).
وذكر العلماء بأخبار الهند والصين أنَّ المسك من غزلان الصين، وأن التُّبَّتي أذكى، لطيب مراعي غزلان التُّبَّت، وعلامة غزلان التُّبَّت الأنياب، فإن لكلِّ واحد نابين كنابيِّ الفيل خارجة من الفكين نحو شبر، فتنصبُ لها الأشراك وتُرمى بالسهام، فإذا صرعوها قطعوا عنها نوافجها والدمُ في سررها خام لم ينضج، فيكون له رائحة زَهِكة (٢)، فيبقى زمانًا حتى تذهب عنه تلك الرائحة بالهواء.
وأما المسك الخالص فيأتي الغزال وقد استحكم في سرَّته المسكُ ودفعت الطبيعة موادَّ إلى سرَّته وقد قلق من ذلك، فيحتكُّ بالصخر مع شدةِ حرارة الشمس فتنفجر وتسيل على الصخور كما ينفجر الدُّمَّل إذا نضج ما فيه، فيفرغ ما في نافِجته -والنافِجة بالفارسية هي السرَّة (٣) - فيخرج الصيادون وقد أعدوا له الأوعية، وتسمى: النوافج، فيأخذونه من الصخور، وهو أفضل المسك وأطيبه ولا يكون له زَهَكة.
وأما العنبر، فقد اختلفوا فيه على أقوال:
أحدها: أنه عين في البحر الشرقي، قاله مجاهد.
والثاني: أنه خِثْي دابةٍ من دواب البحر، قاله الهيثم بن عدي.
والثالث: أنه حشيش ينبت في جزائر البحر عند الواقواق فتبلعه دواب البحر ثم تلقيه.
والرابع: أن البحر يهيج فيقذف بالعنبر من قعره كأمثال الجبال، فيبلعه الحيوان المعروف بالأوال، فإذا حصل في جوفه قتله، فيموت ويطفو على الماء، فيجذبونه بالكلاليب فيأخذونه، فما لقي في ظهر الحوت منه كان جيِّدًا، وما لقي في بطنه كان سهكًا فيبقى فيه أثره، قاله مقاتل.
واختلف الفقهاء في وجوب الخُمس في العنبر:
стр. 162
قال علي وابن مسعود وابن عباس: لا خمس فيه. وبه أخذ أبو حنيفة ومحمد.
وقال عمر: فيه الخمس، وبه أخذ أبو يوسف ومالك والشافعي وأحمد، لما روي أن عمر سئل عنه فقال: فيه الخمس وفي كل ما يستخرج من البحر.
ولنا إجماع مَن سمَّينا من الصحابة، فإنهم قالوا: لا خمس فيه لأنه شيء دَسَرهُ البحر، وما روي عن عمر فقد خالفه فيه مَن سَمَّينا من الصحابة، ولو سلم كان محمولًا على ما وجد في خزائن البحر وبه نقول.
وقيل: إن أجود العنبر ما وقع ببحر فارس قريبًا من رأس الجُمجمة عند بلاد الشَّحْر باليمن لخاصية في تلك البقعة، فإن هناك قومًا من قُضاعة يجعلون الشين المعجمة كافًا (١)، ولهم نُجُبٌ معدَّة على ساحل البحر لهذا، فإذا قذف البحر العنبرَ أخذوه.
وأما الكافور، فقد ذكرناه.
وأما العود، فقال الجوهري: عود قَماري منسوب إلى موضع ببلاد الهند (٢). قال جدي ﵀ في كتاب له يسمى "تقويم اللسان": قَماري منسوب إلى قَمار، مدينة باليمن.
فأمَّا النَّدُّ، فقال الجوهري: والنَّدُّ من الطيب ليس بعربي (٣). والله أعلم.
فصل في الجَزْر والمدِّ، وهل لهما أمَد أو حدٌّ (٤)
فأما المدُّ فمُضيُّ الماءِ بجريته، والجَزْرُ رجوعه عن ذلك، وقال علماء الهيئة: البحار ثلاثة أصناف:
منها: ما يكون فيه المدُّ والجزر ويظهر فيه ظهورًا بَيِّنًا، كالبحر الحَبَشي عند البصرة، وهذا مشاهد محسوس.
والثاني: يظهر فيه في وقت دون وقت كما في البحر الأعظم، فإنه يمدُّ ستة أشهر
стр. 163
فيقلُّ الماءُ في موضع ويكثر في موضع.
والصنف الثالث: لا يظهر فيه المدُّ أصلًا، كغير الحَبَشي.
واختلفوا في علَّة المدِّ والجزر: أما علماء الهيئة فقد اختلفوا فيه: قال بعضهم: علته القمر، لأنه مجانس لعلة الماء وهو يسخِّنه فينبسط، ومثَّلوه بِقِدْرٍ فيها ماءٌ مقدار نصفها، فإذا غلى على النار ارتفع الغليان حتى يفور ويصعد، فإذا برد الماء نقص، لأنَّ من شرط الحرارة أن تبسط الأجسام ومن شرط البرودة أن تضغطها، فإذا امتلأ القمر حميت أرض البحر فانبسط الماء وارتفع، وإذا نقص نقص الماء.
وقال بعضهم: علَّته الأبخرة المتولدة في باطن الأرض، فإنها لا تَزال تتولد حتى تكثر وتكثف فيرد (١) ماء البحر بكثافتها، فإذا انقطعت الموادُّ بقلة الكثافة عاد ماء البحر إلى قعره.
والمختار عندي: أنَّ المدَّ والجزر من آيات الله تعالى، وأنَّه من آثار قدرته في العالم، لأنَّ كلَّ ما لا يوجد له قياس في الوجود فهو فعل إلهي يستدلُّ به على عظمة الباري سبحانه وقدرته، وليس للمدِّ والجزر قياس في العالم.
وقال أحمد بن حنبل بإسناده قال: سُئل ابن عباس عن المدِّ والجزر فقال: قد وكَّل الله بقاموس البحر ملكًا، فإذا وضع رجله فيه فاض البحر، وإذا رفعها غاض (٢).
وقد ذكره الجوهري فقال: وقاموس البحر وسطه ومعظمه (٣).
وروي عن مجاهد عن ابن عباس قال: الملك الموكل بالبحار يضع عقبه في بحر الصين فيكون منه المدُّ، ثم يرفع عقبه فيكون منه الجزر.
وقال مجاهد: وهذا ظاهر محسوس، فإن الإنسان لو وضع قدمه في إناء فيه ماء فإن الماء يرتفع إلى رأس الإناء، فإذا رفعها رجع الماء إلى حدِّه.
стр. 164
فإن قيل: فيلزم على هذا أن يكون الجزر والمدّ في جميع البحار، قلنا: قد ذهب قومٌ إلى هذا، وإنما لم يظهر في غير بحر البصرة لوجهين: أحدهما: لبعد المسافة واتساع البحار، ومن لجَّجَ من المسافرين في البحار يذكر أنه شاهده، والثاني: فلأنَّ مكان المدّ والجزر في البصرة تحت خط الاستواء واعتدال الليل والنهار وعليه الكواكب الثابتة، وهذا المعنى لا يوجد في غيره.
وأما قول من علَّل بزيادة القمر ونقصانه، فغير صحيح، لأنه لو كان كذلك لتعلَّق بزمان مخصوص، فإن القمر يزيد في أول الشهر وينقص في آخره، والمدُ والجزر يكون في كلِّ يوم وليلة فافترقا.
وأما من قال بأنه من الأبخرة في قلَّتها وكثرتها فباطلٌ، لأنه يحتاج إلى زمان طويل يجتمع فيه، وهذا يوجد في كل يوم وليلة.
* * *
стр. 165
فصل في ذكر العيون والأنهار وما ورد فيها من فنون الأخبار والآثار
ذكر الجوهري أن العين على وجوه: أحدها: عين الماء، وعين الرُّكبة، والعين: حاسة الرؤية، والعين: عين الشمس، والعين: الدينار، والعين: المال النَّاضُّ، والعين: الدَّيدَبان (١) والجاسوس، وعين الشيء: خياره، وعين الشيء: نفسه، والعين: ما عن يمين قبلةِ العراق، والعين: مطرُ أيامٍ لا يُقلع، وأسود العين: جبل، وأنشد الجوهري (٢): [من الطويل]
إذا زالَ عنكم أسودُ العينِ كنتمُ … كرامًا وأنتم ما أقام أَلائمُ
ورأس عين: بلدة، وفي الميزان عين إذا لم يكن مستويًا، والعينُ: من حروف المعجم (٣).
ذكر الجوهري هذه الوجوه وهي ستة عشر، وقد خرَّجت وجوهًا أُخَر حكاها الخليل بن أحمد وغيره تزيد على خمسين وجهًا، وذكرتها في التفسير.
وجمع العين أعين وعيون، قال الجوهري: وأعيان.
وأما النهر فيسمَّى نهرأ لاتِّساعه. واختلفوا في بدوِّ الأنهار: فروى عطاء عن ابن عباس: أن جميع المياه من تحت صخرة بيت المقدس ومن هناك تتفرق في الدنيا.
وقد ذكر جدي ﵀ حديثًا مرفوعًا في هذا المعنى في "فضائل القدس" فقال: حدثنا أبو المعمر الأنصاري بإسناده عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "الأنهار والسحاب والبحار والرياح من تحت صخرة بيت المقدس" (٤).
قلت: والموقوف في هذا على ابن عباس أصح.
وروى مجاهد عن ابن عباس أن جميع الأنهار من البحر الذي خلف المحيط،
стр. 166
وماؤه عذب، ويسمى: الباكي. وقد ذكرناه.
وروى العوفي عن ابن عباس: أنَّ العيون في الأرض كالعروق في البدن.
وذكر مقاتل: أنَّ العيون تتولد من الأبخرة وتجمع في الأماكن المنخفضة، فإذا انتشرت في أعماق الأرض طلبت التنفس، فتنشق الأرض فتتفجَّر العيون. قال: والأرض على الماء مثل الشباك، فإذا أراد الله أن يفجِّر بعضَ العيون في أماكن مخصوصة نظرًا لعباده تنفست الأرضُ فانفجرت.
ومذهب الأوائل أن الماء من الاستقصات الأربع.
فنبتدئ بالأنهار الكبار، كالنيل، والفرات ودجلة، وجَيحون وسَيحون، ونحوها، ومطارحِها، ومقدار جريانها على الأرض:
وقد ذُكر النيل والفرات في الصحيح، فقال أحمد بن حنبل بإسناده عن أنس بن مالك بن صَعْصَعة، حدَّثه عن رسول الله ﷺ حديث المعراج، وفيه أنه ﷺ قال: "ثم رُفِعتُ إلى سِدرَة المُنْتَهى، وإذا أربعةُ أنهارٍ: نهرانِ باطِنانِ ونهرانِ ظاهِرانِ، فقلتُ يا جبريلُ، ما هذا؟ فقال: أما الباطِنانِ: فنهران في الجنَّةِ، وأما الظاهِرانِ: فالنِّيلُ والفراتُ". أخرجاه في "الصحيحين" (١).
وقد ذُكر سَيحان وجَيحان في الصحيح، أيضًا، فقال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيْحان وجَيْحان والنِّيلُ والفُراتُ كلٌّ من أنهارِ الجنَّة" انفردِ بإخراجه مسلم (٢).
فصل في ذكر النِّيل
أصل النيل: الفيض، قال الجوهري: والنيل فيض مصر (٣).
واتفقوا على أن مبدأه من جبل القمر، فذكره في "جغرافيا" وصوَّره أنه ينبع من اثنتي عشرة عينًا، وأن العيون تصبُّ في بحيرة مثل البَطائح (٤) خلفَ خطِّ الاستواء يجتمع فيها
стр. 167
الماء ويجري على رمال هناك وبين جبال، ثم يخرق أرضَ السودان ثم يصبُّ في بحر الزَّنْج، وفي هذا البحر قنبلو وهي عامرة، وفيها قوم مسلمون لغتهم زَنْجية غلبوا على أهل الجزيرة عند انقراض مُلْك بني أمية وابتداء الدولةِ العباسية، ومن ذلك البحر الذي فيه قنبلو يصبُّ في بحرِ عُمان. ومن جبل القمر إلى هذه الجزيرة مسيرة خمس مئة فرسخ ويقوى جريانُ مصبِّه في هذا البحر أيامَ زيادةِ النيل، فيجري جريانًا عظيمًا ويتكدَّر موضع العيون، حتى قيل: إن الماء يؤثِّر لونه في لون البحر ويكون ماؤه أحلى من العسل.
وقال كعب الأحبار: وجدت في التوراة أنَّ النيل نهر العسل من الجنَّة، وأنه يجري على بلاد الحبشة في قِفار ومَفاوز ومهامه (١) ليس فيها مسلك.
وذكر أحمد بن بختيار وقال: العين التي هي أصلُ النيل هي أولُ العيون من جبل القمر، ثم ينبعث منها عشرةُ أنهار، نيل مصر أحدها، قال: والنيل يقطع الإقليمَ الأول ثم يجاوزه إلى الثاني، ومن ابتدائه من جبل القمر إلى انتهائه إلى البحر الرومي ثلاثة آلاف فرسخ يجري في عامر وغامر، فإذا تعدَّى الفسطاط انقسم قسمين: قسم يمر إلى دمياط وقسم يمر إلى رشيد، فيصبان في بحر الروم، وقيل: إنه لا يعلم مسافة جريانه إلا الله .
ويبتدئ بالزيادة في نصف حَزيران وينتهي في أيلول، واختلفوا في سبب زيادته ونقصانه: فقال قوم: لا يعلم ذلك إلا الله تعالى، وقال آخرون: سببه زيادةُ عيونِهِ ونقصانها، وقال آخرون: الظاهر أن سبب زيادته كثرةُ المطر والسيولِ، تمطر بلاد الحبشة والنوبة فيزيد، وإنما يتأخر وصوله إلى الصيف لبعد المسافة، وقد ردَّ قوم هذا وقالوا بأنَّ عيونه التي تحت جبل القمر تتكدر في أيام زيادته، فدلَّ على أنه فعل الله تعالى من غير زيادة بالمطر.
وجميع المياه تجري إلى القبلة إلَّا هو؛ لأنه خارج عن خطِّ الاستواء، فيجري إلى ناحية الشمال، وكذا العاصي بالشام يجري إلى غير القبلة، قالوا: وفي الهند أنهار
стр. 168
كثيرة تجري إلى غير القبلة، لما نذكر.
ومتى بلغ ستة عشر ذراعًا استحق السلطانُ الخراجَ، وإذا بلغ ثمانيةَ عشر ذراعًا قالوا: يحدث بمصر وباء عظيم، وإذا بلغ عشرين ذراعًا مات ملك مصر، والله أعلم.
وبمصر تُرَع كثيرة منها ترعة سُنْباط، وترعة ذنب التمساح، وتُرَع في الصعيد، وخليج سردوس، وخليج ابن منجا، وخليج القاهرة، وخليج الفيوم، حفره يوسف ﵇ زمان القحط، وإنما سمي الفيوم لأنَّ أصله ألف يوم، كانت كل قرية منه تقوم بأهل مصر يومًا، وذكر الجوهري الفيوم فقال: والفيوم من أرض مصر، قُتل بها مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية (١). قلت: والصحيح أن مروان قتل ببُوصِير -لما نذكر (٢). وفيه خليج الإسكندرية وغيره.
وفي النيل عجائب، منها التمساح، قالوا: ولا يوجد إلا فيه وله أسامي، في مصر التمساح، وفي بلاد النُّوبة الوَرَل، ووراء النُّوبة الشوشمار.
وقال الجوهري: والتمساح دابة من دوابّ الماء معروف (٣).
وقال الجاحظ في كتاب "عجائب البلدان": إن مهران السند من نيل مصر، قال: لأن التمساح فيه.
قلت: وقد وهم الجاحظ، لأنَّ مهران السند يخرج من جبال المُوْلْتان، وهي في المشرق داخلة تحت خط الاستواء والاعتدال، والنيل يخرج من جبل القمر من ناحية الجنوب وهو خارج عن خط الاستواء، وبين مهران وبين الحبشة والنُّوبة البحر الشرقي، فكيف يكون منه؟! فإن وجد التمساح في مهران فقد وجد فيه كما يوجد في النيل.
قالوا: والتمساح لا دُبر له وما يأكله يتكوَّن في بطنه دودًا، فإذا آذاه ذلك خرج إلى البرية وفتح فاه فينقضُّ عليه طائر الماء كالطَّيطَوي ونحوها من أنواع الطيور ممن اعتاد
стр. 169
ذلك، فيأكل ما بين أسنانه وما يظهر من الدود، فإذا أكل أطبق عليه التمساح في بعض الأوقات فمه فيبلعه، فضربت العرب المثلَ به فقالت: مكافأة التمساح.
وآفة التمساح دُويبة تكون في سواحل النيل وجزائره تكمن له في الرمل، فإذا فتح فاه وثَبَت فدخلت فمه ونزلتْ إلى جوفه فيضرب الأرض بنفسه ويغوصُ في الماء فتخرق الدويبة بطنه فيموت، وربما قتل نفسه قبل أن تخرج منه فتخرج بعد موته، وهذه الدويبة نحو من ذراع على صورة ابن عِرْس ولها قوائم شتى ومخاليب، فهي آفة التمساح، كالسمكة الصغيرة التي تقتل (١) الكبيرة في البحر الشرقي، وقد ذكرناها.
وذكر ابن حوقل: أنَّ في نيل مصر أماكنَ لا يضرُّ التمساحُ فيها، كعدوة بوصير والفسطاط، قال: وفي نيل مصر السَّقَنْقُور يصلح للجماع، ويكون عند أسوان وفي حدودها.
وفي النيل السمك الرعَّاد إذا وقعتِ السمكةُ في شبكة الصياد لا تزال ترتعد يداه ورجلاه حتى يلقيها أو تموت، وهي نحو الذراع (٢).
وقال جالينوس: إذا وضع منها على رأس مَنْ به الصداع زال، وقيل: إنما الخاصية أنْ توضع على الرأس وهي في حالة الحياة (٣).
وفيه سمك على صورة الفرس، والمكان الذي تكون فيه لا يقربه التمساح، وتخرجُ من الماء ليلًا فترعى الزرعَ فتفسده، فيطرحون لها التُّرمُس فتأكله ثم تشرب الماء فيرِمُ جوفُها فتموت، وهي على صورة الفرس إلا أنه ليس لها حافرٌ ولا ذنب.
وفيه شيخ البحر، سمكة على صورة آدمي وله لحية طويلة، والغالب أنه يكون بنواحي دِمياط، وهو مشؤوم فإذا رُئي في مكان دلَّ على القحط والموت والفتن، ويقال: إنَّ دمياط ما تنكب حتى يظهر عندها.
وفيه المقياس يعرف به زيادة النيل ونقصانه، وأول من بناه يوسف ﵇
стр. 170
بمَنْف، وبنت دلوكة الملكة مقياسًا بإخْمِيم، وفي أيامها عُملت الطِّلَّسْمات بمصر.
فأما المقاييس التي بنيت بمصر في الإسلام فأولُ من بنى مقياسًا عبد العزيز بن مروان بن الحكم لما ولي مصر، بناه بحُلوان فوق الفسطاط، وهذا المقياس الظاهر بناه المأمون، وقيل: إنما بناه أسامة بن زيد التَّنوخي ودثر، فجدده المأمون، وأسامة بناه في أيام سليمان بن عبد الملك بن مروان، وبنى أحمد بن طولون مقياسين أحدهما بقُوص وهو قائم اليوم، والآخر بالجيزة وقد انهدم.
فصل في الفرات
وأصلها من الفَرْت وهو الشق، قال الجوهري: والفرات اسم نهر بالكوفة، والفراتان: الفرات ودُجَيل. والفرات: الماء العذب. يقال: ماء عذبٌ فرات (١).
واختلفوا في مخرجها على قولين: أحدهما: أنها من جبل ببلد الروم يقال له: افرذهخش، بينه وبين قاليقلا مسيرة يوم، والثاني: أنها تخرج من أطراف أرمينية ثم تجري إلى بلاد الروم.
ويجتمع إليها أعين كثيرة ويصبُّ إليها خليج من بحيرة المازريون، وليس ببلاد الروم بحيرة أكبر منها، دَوْرها أكثر من شهو، ثم يمرُّ الفراتُ بأرضِ مَلَطْيَة على مسيرة ميلين منها، ثم يمرُّ على صُمَيصات (٢) وقلعة الروم والبيرة وجسر مَنْبِج وبالِس وقلعة جَعبر والرَّقة والرَّحْبَة (٣) وقَرْقيسِيا وعانَة والحَدِيثَة وهِيت والأنبار.
ومن تحت الأنبار يأخذ منها نهر عيسى، ونهر الملك، فيصبان في دجلة، ثم يمر الفرات بالطفوف، ثم بالحلة، ثم بالكوفة، وينتهي إلى البطائح، ويصب في البحر الشرقي.
قالوا: ومقدار جريانها على وجه الأرض أربع مئة فرسخ، وقد كانت تمر ببلاد الحِيرة، ونهرها بيَّن إلى هلمَّ جرَّا، ويعرف بالعتيق، وعنده كانت وقعة القادسية، وكان
стр. 171
البحر المعروف بالنَّجَف في ذلك الوقت جاريًا، وكان مرسى السفن من الهند والصين إلى ذلك المكان، تحمل فيه الأمتعة إلى ملوك الحيرة لما كانت عامرة، ولما استحال الماء وانقطع عن مصبه في النجف صار ذلك البحرُ برًّا، وصار بين الحيرة والبحر مسافة.
والنَّجَفُ -بالتحريك- المكانُ الذي لا يعلوه الماء، ويقال: إن اسم هذا المكان نج وكان أهل الحيرة يستقون منه الماء، فأصبحت امرأة لتستسقي فرأته يابسًا فقالت: نج جف، ثم خفَّفوه.
وقد روي في فضل الفرات حديث: حدثنا جدي ﵀ قال حدثنا إسماعيل بن السمرقندي بإسناده عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ما مِن يَومٍ إلَّا وَينزِلُ مَثاقيلُ من بركاتِ الجنَّة في الفُراتِ". قال جدي (١) في "الأحاديث الواهية": هذا الحديث لا يصحُّ؛ في إسناده الربيع بن بدر، تركوا حديثه (٢).
قلت: وقد ذكر الزهريُّ ما يدلُّ على صحته، لأنَّه قال: ومصداقُ هذا الحديث أنَّ الفراتَ مدَّتْ في بعض السنين فجاءت برمَّانٍ كلُّ رمَّانةٍ مثلُ البعير، فكانوا يرون أنه من الجنة.
وقال البخاري بإسناده عن أبي هريرة: قال، قال رسول الله ﷺ "يُوشِكُ أنْ يَحسِر الفرات عن كنزٍ من ذَهب، فمَنْ حَضَره، فلا يأخُذ منه شيئًا"، وفي رواية: "عن جبل من ذهب". أخرجاه في الصحيحين (٣).
ولمسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لا تَقومُ السَّاعةُ حتَّى يَحسِر الفُراتُ عن جبَلٍ مِن ذَهَبٍ، يَقتتِلُ النَّاسُ عليه، فيُقتَلُ مِن كلِّ مئةٍ تِسعةٌ وتسعُونَ، ويقولُ كلُّ رَجُلٍ منهم: لعلِّي أنْ أكونَ أنا الذِي أَنجُو" (٤).
وروي أن دانيال حفرها مع دجلة، وسنذكره.
стр. 172
فصل في دجلة
قال الجوهري: دِجلَةُ نهر بغداد (١). وذكر أبو بكر الخطيب أن دانيال حفرها مع الفرات فقال: حدثنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد مولى بني هاشم بإسناده عن عثمان بن عطاء، عن أبيه قال: أوحى الله إلى دانيال أن احفرْ لي سَيبَين بالعراق، فقال: يا رب بأيِّ مكاتلَ وبأيِّ مساحيَّ وبأيَّ رجالٍ؟ فأوحى الله إليه أن أعدَّ سكة حديد وعرِّضها واجعلها في خشبة وأَلقِهَا خلفَ ظهرك فإني باعثٌ إليك ملائكة يعينونك على حفرهما، ففعل، فكان إذا انتهى إلى أرضِ أرملةٍ أو يتيمٍ حاد عنها حتى حفر دجلة والفرات.
وقال الخطيب بإسناده عن ابن عباس قال: أوحى الله تعالى إلى دانيال أنْ فجِّر لعبادي نهرين عظيمين، واجعلْ مفيضَهما إلى البحر، فقد أمرتُ الأرضَ أن تطيعك، فأخذ قناةً فجعل يخدُّ في الأرض، والماء يتبعه -وفي رواية: فأخذ قصبةً- وكان إذا وصل إلى أرض شيخ كبير أو يتيم ناشده الله فيحيد عن أرضه، فعواقيل دجلة والفرات من ذلك (٢).
قال الجوهري: العاقول من النهر والوادي: ما اعوَجَّ منه (٣).
وقال أرباب العلم بهذا الشأن: مبدأ دجلة من بلاد آمِد وديار بكر وميَّافارِقِين وأرمينيَة، تجتمع العيون ثم تمر ببلاد حِصن كَيْفا والجزيرة والموصل، وتستمد من الزابين الأعلى والأسفل، وهما من عيونٍ ببلاد أرمينية، ثم تمر ببلاد تَكْريت وبغداد وواسِط، وتنقسم عدة أودية، ثم تصب في البَطائح وتختلط بالفرات، ثم تصبُّ في البحر الشرقي.
قالوا: ومقدار جريانها على وجه الأرض ثلاث مئة فرسخ، وقيل: إن الذي
стр. 173
حفرهما أفريدون الملك، وليس بصحيح، والله أعلم.
فصل في سَيْحون
وهو نهر الهند، ويقال: هو مِهْرَان السند، وقال الجوهري: وسَيحون نهر بالهند، وسَيحان نهر بالشام، وساحِين نهر بالبصرة، وانساح أي: اتسع (١). ومخرج سيحون من جبال ماسَبَذَان وينتهي إلى بلاد المُولتان، وتفسيره: مرج الذهب، ثم ينتهي إلى الفنصورة، ثم يصبُّ في البحر الشرقي، ومقدار جريانه على وجه الأرض ست مئة فرسخ، والتماسيح في خلجانه على ما ذكر الجاحظ، ولا توجد في غيره وغير النيل، وقد ذكرناه.
فصل في جَيحون
وهو نهر بلخ، ومنبعه من عيونٍ ببلاد التُّبَّت، ويمر ببَلْخ والتِّرمِذ وأَسْفَرَايِين وخُوارِزم، ويمضي حتى يصبَّ في بحر جُرجان، ثم يمر على بلاد التُّرك.
قالوا: ومقدار جريانه على الأرض مقدارء ثلاث مئة فرسخ، وقيل: إنه يصب في مِهْران، وليس كذلك، بينهما مسافة بعيدة، وقد سماه النبي ﷺ : "جَيحون" في الحديث الذي روينا.
فصل
وفي العالم أنهار كثيرة، ذكر أحمد بن بختيار أن بالصين جزيرة الفضة يخرج منها ثلاثة أنهار، مثل: جَيحون والنيل والفرات.
قلت: وقد وهم، لو جعل مكان النيل دجلة كان.
ومنها: نهر إِتِل يأتي من المشرق فيصب في بحر الخَزَر، ويقال: إنه يتشعب منه نيف وسبعون نهرًا، وهو أكبر من جَيحون.
ومنها: نهر الهِنْدَمَنْد، ومخرجه من جبال خراسان ويصب في البحر الشرقي.
стр. 174
وذكر في "جغرافيا": أن العيون الكبار التي تنبع في الأرض مئتا عين وثلاثون عينًا دون الصغار، وعدد الأنهار الكبار الجارية في الأقاليم السبعة على الدوام مائتان وتسعون نهرًا.
وقال ابن المنادي: في الإقليم الأول من الأنهار والعيون ثلاثة وعشرون عينًا ونهرًا، وفي الإقليم الثاني تسعة وعشرون، وفي الإقليم الثالث أربعة وعشرون، وفي الإقليم الرابع ستون، منها دجلة والفرات، وفي الإقليم الخامس عشرون، وفي الإقليم السادس ستة وعشرون، وفي الإقليم السابع الباقي.
وجميع ما ذكرنا من العيون والأنهار داخل في الأقاليم السبعة إلا العيون التي في جبل القمر فإنها خارجةٌ عن ذلك، لأنها ليست في خط الاستواء. وقيل: إنها في أطراف إقليم الهند وهو الأول.
وذكر صاحب "المسالك": أن ببلاد المشرق تَلًّا حوله ألف عين تجري إلى المشرق وتسمى بركون، أي: الماء المقلوب، وصيده ذَراريح سود (١).
قلت: وقد روى أبو بكر الخطيب في "تاريخه" حديثًا يأتي على سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل، فقال بإسناده عن ابن عباس: قال، قال رسول الله ﷺ : "أَنزَلَ اللهُ إلى الأرضِ خمسةَ أنهارٍ: سَيحُون وهو نهر الهندِ، وجَيحُون وهو نهر بَلْخ، ودِجلةَ والفرات: وهما نهرانِ بالعراقِ، والنيل نهر بمصرَ، أنزَلها اللهُ من عينٍ واحدةٍ من عُيونِ الجنَّةِ من أسفلِ دَرَجاتِها على جَناحَي جبريلَ ﵇، واستودَعَها الجبال، وأَجْراها في الأرضِ، وجَعَل فيها منافعَ للنَّاسِ، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ (١٨)﴾ [المؤمنون: ١٨] فإذا حَانَ خروجُ يأجُوجَ ومأجوجَ، أرسَلَ اللهُ جبريلَ ﵇ فرفعَ من الأرضِ هذه الأنهار الخمسة والقرآن والعلم والحجر والركن والمقام وتابوت موسى ﵇ بما فيه، يرفع الكلَّ إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾ [المؤمنون: ١٨] فإذا
стр. 175
رُفِعَتْ هذه الأشياءُ مِنَ الأرضِ فُقِدَ خيرُ الدينِ والدُّنيا" (١). إلا أن هذا الحديث غريب، والأصحُّ أنه موقوف على ابن عباس ﵁.
فصل في سَيحان وجَيحان
قال النُّوبختي: هما في بلد الروم، فأما سَيحان: فيخرج من عيون بينها وبين مَلَطْية ثلاثة أيام، ويمتد إلى ناحية الغرب، وعليه أَذَنة (٢)، فيصب في البحر الرومي. وأما جيحان: فيخرج من عيون بينها وبين مَرْعَش ثلاثة أيام وعليه المَصِّيصة، ويصب في البحر الرومي.
والنهر الأسود: الذي غرق فيه ملك الألمان قريبٌ من بلد الروم.
فصل في البحيرات
وهي كثيرة: منها بحيرة سَاوَه وسنذكرها في سيرة النبي ﷺ إن شاء الله تعالى. وبحيرة أرمينية، وبحيرة الروم، وقد ذكرناها، وأما الشام فبحيرة قدس بحمص، وبحيرة فامية وبحيرة دمشق.
وبحيرة طبرية ودَوْرها ثلاثة وثلاثون ميلًا ومصبُّ الماء إليها من حولةِ بانياس، ويخرج منها النهر المعروف بالأردنَّ، وبمرُّ من الغَوْر إلى بحيرة زَغَر من أرض الكَرَك. وقال الجوهري: والأردنُّ اسم نهرٍ وكورة بأعلى الشام، قال: والأردن أيضًا -بالضم والتشديد- النعاس (٣).
وذكر جدي ﵀ في "المنتظم": أن بحيرة طبرية تصبُّ في نهر أنطاكية.
والظاهر أنه قلَّد من لا يعرف، وأين بحيرة طبرية وأنطاكية؟! بحيرة طبرية في الشام الأسفل، وأنطاكية في الشام الأعلى، وإنما يصبُّ نهر أنطاكية في بحيرة فامية.
стр. 176
ومنها بحيرة تِنِّيس عند دِمياط، وكانت قرًى ومزارعَ لم يكن بمصر مثلها، فغلب عليها ماءُ البحر.
فصل في أنهار الشام
أما دمشق فأصل مياها بردى وعين الفِيْجة، يجتمع بردى عند عين الفيجة ثم ينحدر إلى قرية يقال لها: الهامة، فينفصلُ منه نهر يزيد، ويمتد في قاسيون وينتهي إلى دُوْمَة، وقد كان يمتد في الزمان القديم إلى الماطِرون، وذَنبَة والقناطر في لحفِ الجبل باقيةٌ إلى الآن وكذا الآثار، وهو منسوب إلى يزيد الرومي، فأما يزيد بن معاوية فإنه وسَّعه وعمَّقه فنسب إليه.
وأما ثَوْرا فيأخذ من فوق الرَّبوة ويمتد إلى قريب القُصَيْر، ويقال: إنَّ عليه ثلاث مئة وستين ماصية.
وباناس وهو نهر الجامع، والقنوات ونهر المِزَّة وقناتها، ويتفرع من هذه أنهار عدة.
وأما العاصي: فأصله من جبل لبنان، ومن قرية يقال لها: اللبوة، ثم ينزل الماء إلى بحيرة قَدَس، ويخرج العاصي منها فيمر بأرض حمص وحماة وشَيزَر وفامِيَة، ثم يصب في البحر الرومي قريبًا من أنطاكية، وقيل: إنما سمي العاصي، لأنه يجري على غير القبلة، ومسافة جريانه ثلاثة أيام.
ومنها قُوَيْق: نهر حلب، يخرج من قرية يقال لها: سينات (١)، على سبعة أميال من حلب، ثم يمر على حلب وقِنَّسرين، وينتهي إلى المرج الأحمر، وماؤه موصوف بالرّقة والخفة، وقيل: إن أوله وَخِم فإذا امتدَّ طاب.
فصل في أنهار الجزيرة
منها: البَلِيْخ بين حرَّان والرَّقة، ويقال: إن الخليل ﵇ نزل بذلك المكان وقال له: أبلِخ، فتفجَّر، وعنده مقام إبراهيم، وكانت عليه منا زل الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
стр. 177
ومنها: الجُلَّاب نهر حرَّان، وماؤه خفيف، ويقال: إن أوله وَخِمٌ ثم يصحُّ، وأوله من عين ببلد الرُّها.
ومنها: الهِرْماس وهو نهر نَصيبين، ويقال: إنه يسقي ثلاثين ألف بستان، ومبدأه من جبل نصيبين.
ومنها: الخابُور، وهما خابوران: خابور رأس العين، ويمتد منها إلى الفرات فيصب فيها تحت قَرْقِيسِيا، وعليه المِجْدَل وقرى كثيرة غيرها، وأما الخابور الثاني: ففي ديار بكر عند قَرْدَى وبازَبْدَى، وهي ديار بني حمدان الذين ملكوا المَوصل والجزيرة، ومخرجه من بلاد أرمينيَة ويصب في دِجلة، وماؤه عذب، قال الشاعر [من الطويل]
بقَرْدَى وبازَبْدَى مَصِيفٌ ومَرْبَعٌ … وعذب يُحاكي السَّلسبيلَ برودُ
وبغدادُ ما بغدادُ أمَّا تُرابُها … فجمٌّ وأمَّا حرُّها فشديدُ
فصل في أنهار العراق
حكى الخطيب عن الأوائل أن ملوك الأردوان وهم النَّبَط، كانوا في السواد قَبْل فارس، وهم الذين استنبطوا المياه وحفروا الأنهار العِظام بالعراق وصرَّفوا دجلة والفرات بالسكور وقسموا المياه، ويقال لهم: ملوك الطوائف (١). وإنما سموا نَبَطًا، لأنهم أنبطوا المياه، أي: استخرجوها، وذكرهم الجوهري فقال: النَّبَط والنَّبيط قوم ينزلون بالبَطائح بين العراقين (٢).
وقال ابن قتيبة: ملكوا العراق ألف سنة.
وقال ابن المنادي: كان ملكهم من عانَات وكور دجلة والبصرة، وكانوا يصرِّفون الفرات ودجلة كيف ما شاؤوا، وما فضل يصرِّفونه إلى البحر الشرقي فلهذا سُمُّوا نبطًا.
وحكى الخطيب عن الهيثم بن عدي، عن عبد الله بن عياش المنتوف قال: كان حدُّ
стр. 178
مُلْكِ النَّبَط الأنبار إلى عاناتِ كَسْكَر إلى ما والاها من كُور دجلة إلى جوخى (١) والسواد، وكان في أيدي النَّبَط سُرَّة الدنيا، وكانت الفرات ودجلة لا ينتفع بهما حتى يأتيان بلادهم فيفجرونهما في كل موضع ويسوقونهما إلى البحر، وحفروا الصَّراة العظمى ونهر سُورا.
وقيل: إنما حفر الصَّراة ملوك فارس، ثم وليت الفرس فحفروا الأنهار، مثل نهر المَلِك، والخالِص، ودَيَالِي، وفمِ الصِّلح، والنيل.
وقيل: إنما حفر نهر المَلِك أقفورشة آخر ملوك النَّبَط، وملَكَ مئتي سنة (٢).
وقيل: إنما حفره سليمان ﵇.
وقيل: إنما حفر فمَ الصِّلح خالد بن عبد الله القَسْري، وفم الصِّلْحِ أقطعه المأمون الحسنَ بن سهل.
وأما النيل الذي بأرض العراق، فيقال: إن الحجاج حفره، وهو قريب من واسط.
واختلفوا في الذي حفر نهر عيسى الذي يأخذ من الفرات ويصب ببغداد، وعليه المُحَوَّل وغيرها، على أقوال: أحدها سليمان ﵇، والثاني: أقفورشة آخر ملوك النَّبَط، والثالث: ملوك الفرس، وقيل. عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس، وليس كما قيل، وإنما بنى عليه قصرًا فأضيف إليه.
فأما الصَّراة فقديمة آيضًا، وقال الجوهري: والصَّراة -بالفتح- نهر بالعراق وهي العظمى والصغرى، وصريَ الماء إذا طال مكثه وتغير (٣).
وأما دُجيل فاختلفوا فيه، قال الهيثم بن عدي: أمر سليمان الشياطين فحفرته وألقت ترابه بين قصر شيرين وخانِقِين، وقيل: إن بعض ملوك الفرس حفره.
* * *
стр. 179
فصل في ذكر ما في الدنيا من العجائب وما أودع فيها من الغرائب (١)
فصل في عجائب المشرق
ذكر العلماء بأخبار العالم أن بالهند عجائب:
منها: هيكل عظيم من أعظم الهياكل، يقال له: بلاذري، مستدير الشكل، له سبعة أبواب وفيه قبة شاهقة في الهواء على سبعة أعمدة، وفي رأسها جوهرة بمقدار رأس الفحل، تضيء منها جميع أقطار ذلك الهيكل، وأن جماعة من الملوك حاولوا أخذ تلك الجوهرة فهلكوا، وكلُّ مَن دنا منها خرَّ ميتًا. وفي القبة صنم من ذهب وزنه مئة ألف مثقال تزعم الهند أنه نزل من السماء، يقصدونه من الآفاق، وكلُّ مَن تَعرَّضَ لهذا الهيكل مات. وأساسه من حجارة المغناطيس، وبني على سير الكواكب السبعة بالحركات السماوية. وفيه بئر عليها طوقٌ من الحديد الصيني، مكتوب عليه بالقلم المسند: "هذه البئر فيها علوم السماوات والأرض وما مضى وما يأتي، وفيها خزائن لا يصل إليها من العالم إلا من وازت قدرته قدرتنا واتصل علمه بعلمنا وساوت حكمته حكمتنا"، وكل من نظر في البئر وقع على أُمِّ رأسه ميتًا، وكلُّ من نظر إلى هذا الهيكل خاف وارتعد وضعف قلبه في أول وهلة، وعلى هذا الهيكل أوقاف كثيرة منها مدينةٌ برسداقها، وحول هذا الهيكل ألف مقصورةٍ فيها جواري لمن يقدم زائرًا لهذا الهيكل يتمتع بهن.
ومنها: غدير عظيم في مملكة المهراج، عليه قصرٌ شاهقٌ في الهواء، ويتصل بخليج إلى البحر من خلجان الزَّابج، والغدير مملوءٌ لَبِنًا من ذهب، وكلُّ ملكٍ يلي أمر المهراج يضرب كل يوم لبنًا ويلقيه فيه، وهذا الخليج يمد ويجزر كلَّ يوم، فإذا جزر ظهر اللَّبِنُ يقابله شعاعُ الشمس يلمعُ الغدير لمعانًا تبرق منه الأبصار، فإذا مات الملك وقام بعده آخر جمع ما في الغدير من اللَّبِن وفرَّقه في أهل المملكة، في الخواص أولًا ثم في العوام، فإن فضل شيء فرَّقه في المساكين، ثم يكتب عددَ اللبن ووزنه في اللوح، وأن
стр. 180
فلانًا عاش في الملك كذا وكذا سنة، وخلف في غدير الذهب كذا وكذا لبنة. وكانوا يتوارثون ذلك ويفتخرون بمن تطولُ أيامه ويكثر لبنه.
ومنها: أَطَمة (١) بساحل الهند بين مملكة شروان والمهراج، يخرج منها نفط أبيض وليس في العالم نفط أبيض لممواه، وعندها نار لا تخمد ليلًا ولا نهارًا، وليس في آطام الأرضِ أعظم منها، وتضيء في الليل منها نارٌ تُرى في البحر الشرقي من مئة فرسخ، وتقذف بجمرٍ كالجبال وقطعٍ من الصخور في الهواء، ثم تنعكس سفلًا فتهوي في قعرها وهي سود وحمر لما نالها من الحوارة. وقال الجوهري: والأُطُم (٢) مثل الأُجُم -جمع أَجَمة.
ومنها: بطة من نحاس على عمود من نحاس بين الهند والصين في أرضٍ يقال لها: كثار. حكى جدي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إذا كان يوم عاشوراء مدَّت عنقها إلى نهر تحتها فتشرب منه ثم تعود إلى مكانها وتفتح منقارها فيفيض منه من الماء ما يكفي ساكني تلك البلاد وزروعهم ومواشيهم إلى مثل عاشوراء مثل ذلك اليوم في السنة القابلة (٣).
ومنها: قنطرة بين السوس وجندي سابور، ذكرها في "المسالك" وقال: هي على وادي منه أنهار جندي سابور والسوس، وطول القنطرة أربع مئة ذراع بناها سابور، وأساسها في الأرض ثلاثون ذراعًا، وارتفاعها في الهواء مئة ذراع، وبين صخورها الرصاص مصبوب، وفيها نيف وعشرون طاقًا، كلّ طاقٍ عشرة أذرع، يخرج من تحت القنطرة نيف وثلاثون نهرًا تسقي رستاق السوس وجندي سابور ولا ينقص الماء (٤).
ومنها: ما ذكره ابن حوقل في "صفة الدنيا" فإنه قال: الخزر اسم إقليم، وقصبته تسمى: إتل، وإتل أيضًا اسم النهر الذي يجري إليها من الروس وبلغار ويصبّ في بحر الخزر، وقد ذكرناه، واسم ملكهم أيضًا إتل، وقصره مبني بالجصّ والآجر، ولا يسمح