← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

قد علمتْ سَلمى ومَن والاها إنّا إذا ما فِئةٌ نَلقاها نَردُّ أُوْلاها على أُخْراها قد أَنْصَفَ القارَةَ مَن راماها ثم رماه القاريُّ بسهم فأصاب فُؤادَه فمات، والقَارةُ: رُماةُ الحَدَق (١). قَلَبَ له ظَهْرَ المِجَنّ، يضرب مثلاً لمن كان على مَودَّةٍ ورعايةٍ لصاحبه، ثم تغيّر واستحال. وكتب عليٌّ ﵇ إلى ابن عباس ﵄: قَلبْتَ لي ظَهرَ المِجَنّ (٢). قد ألقى عصاه، مثل لمَن استقرَّ من سفرٍ وغيره، قال جرير: [من الطويل] فلما التقى الحَيَّان أُلقِيَتِ العَصا … ومات الهوى لمّا أُصيْبَتْ مَقاتِلُهْ (٣) وفي عكسه يقول عليّ بن الحسن بن أبي الطيِّب الباخَرْزي: [من مجزوء الكامل] حَمْلُ العصا للمُبْتَلى … بالشّيب عُنوانُ البِلا وُصِفَ المُسافِرُ أنّه … أَلقى العصا كي يَنزِلا فعلى القِياسِ سبيلُ مَن … حَمَلَ (٤) العصا أن يَرحلا قَوْسُ حاجِب، دعا رسول الله ﷺ على بني تميم، فأَجدَبت أرضُهم، فوفد حاجبُ ابن زُرارة التَّميمي على كسرى، يسألُه أن يأذن له ولقومه أن ينزلوا في أرياف العراق بسبب المَرعى، فقال له كسرى: أنتم قوم فُسدٌ غُدرٌ، وأخاف أن تُؤذوا الرَّعايا، فقال حاجب: أنا ضامنٌ أن لا يفعلوا شيئاً من ذلك، فقال: ومن أين لي بوفائك؟ قال: هذه قوسي، فضحكت أَساوِرَتُه، فقال كسرى: ما كان ليُسْلِمَها أبداً، فأخذ قَوسَه رهناً، وأَذن لهم فنزلوا الأرياف.

стр. 1157

ثم وفد جماعةٌ منهم على رسول الله ﷺ وأَسلموا، فدعا لهم فأَخصبت أرضُهم، ومات حاجب، فأمر عُطارد بنُ حاجب قومَه بالرحيل إلى بلادهم، وجاء إلى باب كسرى يطلب قوس أبيه، فقال: إنك لم تُسلِم إليَّ شيئاً، فقال: أيُّها الملك، إني وارثُ أبي، وقد وَفينا بالضَّمان، ورحلنا عن بلادك، فإن لم تدفع إليَّ قوسَ أبي صار عاراً عليَّ وسُبَّةً، فدفع إليه القوس، وكساه حُلَّةً من حُلَلِه، فوَفد عُطارد على رسول الله ﷺ في نَفرٍ من بني تميم وأَسلم، وأهدى الحُلَّة لرسول الله ﷺ فردَّها عليه، فباعها عُطارد من يهوديّ بأربعة آلاف درهم. فكان بنو تميم يتوارثون ذلك القوس، وآخرُ مَن كان عنده جعفر بن عُمَير بن عُطارد ابن حاجب، فهو في ولده، يَعدُّونها من أعظم المفاخِر، وقد ذكرتْه الشعراء في أشعارها، فقال أبو القاسم الزمخشري: [من الطويل] فكلُّ وَفاءٍ كان في قوسِ حاجبٍ … وأنت جمعْتَ الغَدْرَ في قوسِ حاجبِ وقال آخر: [من المنسرح] تَزهو علينا بقَوسِ حاجبِها … تِيْهَ تَميمٍ بقَوسِ حاجبِها (١) قيل للبَغل: مَن أبوك؟ قال: خالي الفَرس، يُضرب مثلاً للمُختلِط النَّسب (٢). اكثِرْ من الصَّديق فإنك على العدوِّ قادرِ، أوَّلُ مَن قاله: أَبْجَر بن جابر العِجلي في وَصِيَّته لولده حجار بن أَبْجَر (٣). كلُّ شاةٍ برِجْلِها، معناه: لا يَنبغي لأحدٍ أن يَأخُذَ بالذَّنب غيرَ المُذنب (٤). كلُّ الصَّيدِ في جَوْفِ الفَرَأ، خرج ثلاثةُ نَفَرٍ إلى الصَّيدِ، فصاد أحدُهم أرنباً، والآخر ظَبْياً، والآخر حمارَ وَحْشٍ، فتطاولا عليه وقالا: ما صِدتَ شيئاً، فقال: كُلُّ الصَّيدِ في

стр. 1158

جَوْفِ الفَرَأ، أي: إن هذا الحمار يَشمل ما معكما؛ لأنه أكبرُ الصُّيود، فكلّ صَيدٍ حَقيرٌ في جانبه (١). كلَابِس ثَوْبَي زُور (٢)، معناه: أن الرّجلَ يَلبَسُ ثياب الزُّهَّاد، ويُظهرُ من التَّخَشُّع أكثرَ ممّا فيه. كلامٌ كالعَسَل، وفِعل كالأسَل، يُضرب لمَن خالفَ قولُه فِعلَه (٣). كِلاهُما وتَمْراً، وخطب عَمرو بن حُمْران الجَعْدي امرأةً من العرب (٤)، وكانت تَسجع، وكان هو يَسجع فتزوَّجها، فولدت له أولاداً فسمّى أحدهم عَمْراً، فنشأ فصيحاً، ودفع إليه إبلاً يَرعاها، فبينا هو يرعى، وبين يديه زُبْدٌ وتَمْرٌ وتامِك -وهو لحمُ السَّنام- إذ مرَّ به رجل عطشانٌ جائعٌ، فقال: أَتَطعمُني من هذا الزُّبدِ والتَّامِك؟ فقال: نعم، كلاهما وتَمْراً، فسار مثلاً (٥). لَبِسْتُ له جِلدَ النَّمِر، يُضرب في إظهار العداوة وكَشْفِها (٦). لو تُرِك القَطا لهدا وناما، أول مَن قاله حَذَامِ بنتُ الرَّيَّان، قَصدهم عاطِسُ بن خلاج ليلاً، فنَفَر القَطا، فقالت لأهلها: ارتَحِلوا فهذا العدوُّ، فلم يلتفتوا إليها، فقالت: [من الوافر] ألا يا قومَنا ارتَحِلوا فسِيروا … فلو تُركَ القَطا ليلاً لَناما فعرف قولَها دَيْسَمُ بنُ طارق وكان حازماً فقال: [من الوافر] إذا قالت حَذَام فصَدّقوها … فإن القَولَ ما قالت حَذامِ (٧)

стр. 1159

لعلَّ له عُذْراً وأنت تَلُومُ، وهذا نصفُ بيت، وأوَّلُه: [من الطويل] تَأنَّ ولا تَعجَلْ بلَومِك صاحِباً يُضرب مثلاً لمَن يلوم مَن له عُذْر (١). لا تَعدَمُ الحَسناءُ ذاماً، أي: أن الحَسَدَ يحملُهم على ذَمِّها (٢). لا يُرسِلُ السَّاقَ إلا مُمْسِكاً ساقاً، معناه: لا يَدع حاجةً إلا سألَ أخرى (٣). لا عِطرَ بعد عَروس، تَزوَّجَ رجل امرأةً، فقال: أين الطِّيب؟ فقالت: خَبَأتُه، فقال: لا عِطْرَ بعد عَروس، أي: لا يُخْبَأ الطيبُ بعد العرس (٤). مَرعىً ولا كالسَّعْدان، وهو نَبْت من أفضل مَراعي الإبل (٥). المُلْكُ عَقيم، معناه: أن الرجلَ قد يَقتلُ ابنَه إذا خافَهُ على المُلك، وإذا تنازع قومٌ في مُلْكٍ، انقطعت بينهم الأرحام، فلم يُبْقِ فيه والدٌ على ولده، فصار كأنه لم يُولَد له (٦). مَواعيدُ عُرْقُوب، هو رجلُ من العَمالقة، أتاه أخٌ له يَسأله شيئاً، فقال: إذا أَطْلَع نخلي فأْتِني، فلما أَطْلَع جاءه، فقال: إذا أَبْلَح، فلما أَبْلَح جاءه، فقال: حتى يُزْهي، فلما أَزْهى جاءه، فقال: حتى يُرْطِب فجاءه، فقال: حتى يُتْمِر، فلما صار تَمراً أخذه في الليل، ولم يُعطِه شيئاً. فضربت به العرب المَثَل في الخُلْف، وفيه يقول كعب: [من البسيط] كانت مَواعيدُ عُرْقُوب لها مَثَلاً … وما مَواعيدُها إلا الأَباطِيلُ (٧)

стр. 1160

المَوتُ دون الجَمَلى المُجَلَّل، قاله عبد الرحمن بنُ عَتَّاب بن أَسِيد يوم الجمَل (١). نار الحُباحِب، ضربت العربُ المَثَل بهذه النار لكلّ نار لا يُنتَفَعُ بها (٢). نَوْمَةُ محبُّود، هو رجلٌ تَماوت على قومه، وقال: انْدُبوني حتى أعلم كيف تَندُبوني مَيتاً؟ ثم نام فمات على تلك الحالة. وقال ابن عباس ﵄: أولُ مَن يَدخلُ الجنّة عبدٌ أسود يقال له: عَبُّود، بعث الله نبيّاً إلى أهل قريةٍ، فلم يُؤمن إلا ذلك العبد الأسود، ثم إن أهل القرية أخذوا ذلك النبي، فألقوه في بئر، وجعلوا على رأسها صخرةً، فكان عَبُّود يَحتطبُ كلَّ يوم، ويبيعُ الحَطَب، فيشتري بثمنه طعامًا وشراباً، ويأتي إلى رأس الصخرة، ويلقيه إلى النبي، فخرج العبدُ يوماً يَحتطب، فجلس ليَستريح، فنام سبع سنين، ثم استيقظ، وجاء يطلب النبيَّ فلم يجده في البئر، وكانوا قد استخرجوه، فضربوا به المَثَل (٣). وأفقَ شَنٌّ طَبَقَة، يُضرب مثلاً للمُتَوافِقين في الشّدة (٤). أَوْرَدَها سَعدٌ وسَعدٌ مُشْتَمِل، هذا نصفُ بيت وتَمامُه: ما هكذا تُورَدُ يا سَعْدُ الإِبِلْ وهو سَعدُ بن زَيد مناة أخو مالك، وكان يُحَمَّق، تزوَّج امرأةً، فلم يُحسن إليها، فقال له أخوه ذلك (٥).

стр. 1161

أَوْسَعْتُهم سَبًّا وراحوا بالإِبِل، أوَّلُ مَن قاله كعبُ بن زهير، كان له إبل يرعاها، فأغار عليها الحارث بنُ وَرْقاء فاستاقها، وصَعِد كعبٌ على أكَمَة، وجعل يَشتُم الحارث وهو لا يَلتفت. يُضربُ لمَن لم يكن له حيلةٌ وقد ذهب مالُه (١). اليومَ خَمْرٌ وغداً أَمْرٌ، أوَّلُ مَن قاله امرؤ القيس بن حُجر الكِندي، ومعناه: اليوم يومُ خَفْضٍ ودَعَة، وغدًا جِدّ واجتهاد (٢). فصل في ذكر طوائف العرب وما كانوا يعتقدون من الأديان وكانت العربُ في الجاهليَّة تَدين بأديانٍ، فمنهم مَن كان يَدين بالله تعالى، وباليوم الآخر، والبعث، والنشور، وأن الله يُثيب المُطيع ويُعذب العاصي، كقُسِّ بنِ ساعدة ومَن كان في الفترة. ومنهم مَن كان يُثبتُ حَدَثَ العالَم، وقِدَمَ الصَّانع، ثم مع دْلك يعبدون الأصنام، ويزعمون أنها تُقَرِّبُهم إلى الله زُلْفى. ومنهم مَن أقرَّ بالخالق، وكذَّبَ بالرُسُل والبَعْث والنُّشور، وقال بالدَّهر. ومنهم مَن تَنضَّر وتهوَّد وتَمجَّس. ومنهم طائفة عَبدت الكواكب، وقالت: هم بناتُ الله. ومنهم من كان يُثبتُ التَّوحيد والوَعْد والوَعيد، وَيترك التَّقليد، كعبد المطلب بن هاشم وغيره، ومع هذا كانوا يُعَظِّمون الأصنام (٣). فصل في أخبارِ قوم منهم أهلكهم الله تعالى فمنهم عاد وثَمود وطسْم وجَديس، ولما هلك هؤلاء تفرق مَن بَقي من القبائل، فنزل بعضُهم مكّة، وبعضُهم الطائف، ونزل يَثرب بن مَهلاييل بن إرم مكان المدينة فنسبت إليه.

стр. 1162

ومنهم داسِم قبيلةٌ عظيمة، خرجوا إلى الشام، فنزلوا أرض السَّماوة بين العراق والشام، وكانت عمارة وبساتين ومياه تَتدفَّق، فأقاموا مُدَّة، ثم طَغَوا وفسدوا، ومال قويّهم على ضعيفهم، فبعث الله عليهم ريحاً سوداء في ليلة مُظلمة فنسفَتْهم، فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنُهم، ويَبِسَت الثِّمار، وغارت المياه كأن لم تكن بالأمس (١). وأهلك الله أُمماً كثيرة بعدهم لمَّا طغَوا وبَغوا، قال الله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨]. فصل في مذاهب العرب في النَّفْس والرُّوح، والغِيلان، والسَّعالى، والهواتف، والنَّسْناس، والزَّجْر، والسَّانِح، والبارح، والكَهانة، والسّحر، والعائِف، والقائف. فأمّا النَّفس فقال بعضهم: هي الدَّم، وقال بعضهم: هي الرُّوح، وقالت طائفة: النَّفْسُ شِبْهُ طائر، يَنبسِطُ في جسم الآدميّ، فإذا مات لم يزل مُطِيفاً به يَصدحُ على قبره، وهو الهَام، ثم يَكبر حتى يصير كالبوم، وهو مُتوَحّش من الناس، يسكن الخَراب والنواويس، وعند مصارع القَتْلَى (٢). وأما الغُول: فقد زعم قومٌ من العرب أنها تتراءى لهم في البَراري، وتظهر في أنواع من الصُّوَر، وتخاطبهم ويُخاطبونَها، وربما باضعوها. وقال تأبَّط شَرًّا: [من المتقارب] فأَصبحتُ والغُول لي جارةٌ … فيا جارتي أنتِ ما أَهْوَلَا فطالَبْتها بُضْعَها فالْتَوَتْ … بوَجْه تَغَوَّل فاسْتَغْوَلا فمَن كان يَسألُ عن جارتي … فإنّ لها باللّوى مَنزِلا (٣) وقال عمر ﵁: كنتُ في طريق الشام قبل الإسلام فعْالَتْني الغُول، فضَرَبْتُها بسيفي فانهزمتْ (٤).

стр. 1163

وفَرَّقوا بين الغُول والسِّعْلاة، قال الشاعر: [من الطويل] وساخِرةٍ منّي ولو أن عَينَها … رأتْ ما أُلاقيه من الهَولِ جُنَّتِ أَتَيْتُ وسِعْلاةٌ وغُولٌ بقَفْرَةٍ … إذا الليلُ وارى الجِنَّ منه أَرَنَّتِ (١) وعلى هذا القُطرُبُ والغَدَّار وما شاكل ذلك، والغالب عليها أنها تظهر بأكناف اليمن وتهامة وصَعيد مصر والأماكن البعيدة، وقد تَغلِبُ على الإنسان فتَنكِحه، فيُدوِّد دُبُرُه فيموت. ومن أمثال أهل تِهامة: أَمَنكوح أم مَذْعُور، لمَن رأى في طريقه شيئاً من ذلك، فإن قال: مَذعور قالوا: لا بأس عليك، وإن قال: مَنكوح يئسوا منه. وروي عن وَهْب بن مُنبه أنه قال: أَصلُ هذه الأنواع المُتَشَيْطِنَة أن إبليس خلق الله له زوجةً من نار السَّموم فنكحها، فباضت بَيْضاً، فمنه هذه الأشياء (٢). وأما الهواتف، فالهَتْف: الصوت يُسمَع من غير أن يُرى جِسمُه. وأما النَّسْناسُ، فهو جنس من الخَلْق يَثِبُ على رِجل واحدة، وهو بحَضرموت واليمن، وحمله حَنين بن إسحاق إلى المتوكل من أرض حضرموت وهو حي. قال حنين: هو على صورة ابن آدم إلا أن وجهَه في صدره، وله نصف وَجه، وإِلْيَةٌ كإلْيَةِ الغنم، وأهل حضرموت يأكلونه، ولحمُه لَذيذ، ولا يتولّد إلا في بلادهم. والعربيد: دابَّةٌ من جنس النسناس. وقال شَبيب بن شَيبة التّميمي: قَدِمتُ حضرموتَ، فنزلت على رجل من أكبر أهلها، فتَذاكرنا النَّسْناس، فقال لغلمانه: صِيدوا لنا منه، فصادوا واحداً، فلما رآني صاح: أنا بالله وبك، فسألتُه فأَطلَقَه. ثم خرج ذلك الرجل وخرجت معه أتصيَّد، وإذا بواحد منهم يعدو، وله ثَدي كثَدي المرأة، فأطلقوا عليه الكلاب فأمسكوه وذبحوه، فقلت: ما أشدَّ حُمْرةَ دَمِه، فصاح نَسناسٌ آخرُ من شجرة: مما يأكل السَماق، فأخذوا الآخر فذبحوه (٣).

стр. 1164

وأما الزَّجْرُ: فهو العِيافَة، وهو ضَرْبٌ من التَّكَهُّن. وأما السَّانِح: فهو ما ولّاك مَيامِنُه من ظبْيٍ أو غيره، والبارح بخلافه. والعرب تَتيمَّن بالسَّانح وتَتَشاءم بالبارح (١). وخرج جماعةٌ من العرب يقصدون سيداً في بعض المنازل، فسنَح قطيعٌ من الظباء مُعترِضةٌ للرَّكْب، ثم كرَّت راجعة، فقال زاجر معهم (٢): [من الطويل] ألم تَدْرِ ما قال الظِّباءُ السَّوانِحُ … عَطَفْنَ أمام الرَّكْبِ والرَّكْبُ رائحُ فكبَّر مَن لم يَعرف الزَّجْرَ منهم … وأَيقَنَ قلبي أنَّهنَّ نَوائحُ ثم قال: قَضى الرَّجل، قالوا: من أين لك؟ قال: أما رأيتم الظّباء سَنحت، ثم رَجعت على أعقابها؟ قالوا: بلى، قال: فهذا أمر لا يَتمُّ، فجاؤوا فوجدوا الرجل قد لُدغ فمات (٣). وأما الكَهَانة والسِّحْر فلا فرق بينهما، يستخدم الكاهنُ والساحرُ الشيطان، بفنون الرُّقى والأسامي والبَخورات، فيُخبره بالغائبات، وقد كانت الشياطين قبل مَبعث رسول الله ﷺ تَصْعَدُ السّماء، فتَستَرِقُ السَّمع، فلما بُعث رسول الله ﷺ حجبت حراسه القرآن العزيز. والسِّحْرُ حَقّ. ذكر أسامي الكهَّان بعد الَمبْعَثِ وهم: شِقّ، وسَطيح، وسَمْلَقة، وزوبَعة، وسَديف، والأفعى الجرهمي، وعمران أخو عامر، وعمرو بن عامر الخارج من اليمن وكاهنته طريفة، وكاهنة باهلة، وكُهَّان أُخَر. والعَرَّاف: الكاهن، وقيل: هو الطبيب. وأما العِيافَة فهي: زَجْر الطائر، وهو أن يَنظرَ في أسمائها، ومَسَاقِطها، وأصواتها، ويقال للعائف: المُتَكَهِّن.

стр. 1165

وأما القِيافَة فهي: مَعرفة الآثار (١)، وهي لا توجد إلا في الفُطَناء من العرب. وكانت كلُّ قبيلة مخصوصة بشيء، فلبعضهم الكَهانَة، ولبعضهم الزَّجْر والفأل، ولبعضهم القافَة، والشَّبَه يكون في القَدم غالباً. وكانت القيافة في مُضر وربيعة وأَنمار أولاد نِزار، وكذا في إياد ومَذْحِج، وهم اليوم بالحجاز وتهامة، وبالجِفار بين مصر والشام. فصل وقد كان لهم العَدْوى، والطّيَرَة، والصَّفَر، ثم انتَسخ الجميع بقوله ﷺ : "لا عَدوى، ولا طِيَرة، ولا هامَة، ولا صَفَر" (٢). فصل في أطعمة العرب منها البَسيسَة، وهي كلُّ شيءٍ خَلَطْتَه بغيره من غير طَبْخ. ومنها البَكِيْلَة، وهي أن يُخلط السَّويق بماء وتمر. ومنها الخُرْس، وهي طعام الوِلادة. والإعذار: طعام الختان للجارية والغُلام. والنَّقيعَة، طعام القادم من السَّفر. ومنها الحَريرَة، وهي أن تُنصَبَ القِدْر، ويُقَطَّع اللَّحْمُ صِغاراً على ماء كثير، فإذا نَضِج ذُرَّ عليه الدَّقيق، وإن لم يكن فيها لَحْم فهي عَصِيدة (٣). ومنها الرَّبِيكَة، وهي تَمْرٌ يُعجَنُ بسَمْنٍ وأَقِط، وفي المثل: غَرْثان فارْبُكوا له، لأن أعرابيّاً أتى أهلَه، فبُشِّر بغُلام وُلد له، فقال: ما أَصنعُ به، آكُلُه أم أَشرَبُه؟ فقالت امرأتُه: غَرْثان فارْبُكوا له، أي: جائِعٌ فأطعِموه (٤).

стр. 1166

ومنها الرَّغيدَة، وهي اللَّبن الحليب، يُغلى ويُذَرُّ عليه دَقيق، ثم يُساط ويُلْعَقُ لَعْقًا (١). ومنها السَّخينة، وهو خَلْطُ الدّقيق بالماء لا غير، وكانت قريش تُعيَّرُ بها (٢). ومنها السُّلْفَة، وهو ما يَتَعَجَّلُه الرجلُ من الطعام قبل الغَداء. ومنها الصَّفيف، وهو ما صُفَّ من اللحم على الجَمْر ليُشْوى (٣). ومنها العَبِيثة، وهي اللّبن يُطبَخ ويُلقى فيه الجواد، وقيل هو: الأقِطُ لا غير (٤). ومنها العَصيدة، وهي ما يُعْصَد بالمِسْواطِ من الدَّقيق (٥). ومنها العَقيقَة، وهي الشَّاة التي تُذبَح عن المَولودِ يوم أُسموعه (٦). ومنها العَليث، وهو الطّعامُ المَخلوط بالشّعير (٧). ومنها الفَرِيقَة (٨)، وهي تَمْرٌ يُطبَخُ بحُلْبة للنُّفَساء. ومنها العَكِيس، وهو الدَّقيقُ يُصبّ عليه الماء ثم يُشرب (٩). ومنها اللَّفِيتَة، وهي الغَليظَةُ من العَصَائِد (١٠). ومنها المَأْدُبَة، وهو كل طعامٍ يُصنَع لدَعوة (١١).

стр. 1167

ومنها الوَشِيقَة، وهو أن يُغْلَى اللَّحْمُ، ثم يُقَدَّد ويُحمَل في الأَسفار (١). ومنها الوَكِيْرَة، وهو طعامُ ما يَبنيه (٢) الرَّجلُ في داره. والوَليمة: طعامُ العُرْس. ومنها الهَرِيْسَة، وهي أَفْخَر طعامِهم، سُمِّيت بذلك لأنّها تهرسُ اللَّحم (٣). فصل في ذكر مَن كان في الفترة بين عيسى ﵇ ونبيّنا ﷺ - كان في الفترة جماعةٌ من أهل التَّوحيد ممَّن يُقرُّ بالبَعث والنُّشور، والجنة والنار، وكان بعضُهم دُعاة إلى الله تعالى، وبعضُهم أنبياء، فمنهم: جرجيس: كان عبداً صالحاً من أهل فلسْطين، أدرك بعضَ الحوارّيين من أصحاب عيسى ﵇، وكان تاجراً، يكتسب ما يستغني به، ويعود بالفَضْل على المساكين، فسافر إلى المَوْصِل وبها جَبَّار يُجبرُ النّاسَ على عبادة الأصنام، فوَعَظه، فأخَذه وعذَّبه بأنواع العَذاب، وقتله عِدَّة قَتلات فلم يَمُت، فبَعث الله إليه مَلَكاً، فقال له: لا تَخَفْ، فإنك تَبقى في جهاده سبعَ سنين، ويقتُلُك مَرَّةً رابعة. فجعله في تَوْرٍ من نُحاس، وحشاهُ نفطاً وكبريتاً، وأَدخلَه فيه، وأَوقد عليه، فاختلطت عظامُه، وبعث الله جبريل، فحمل التَّور فألقاه بين السماء والأرض، فخرج جرجيس حيًّا، فقال: يا إلهي، قد وَعَدْتَني مَنازلَ الشهداء، وأكرَمْتَني بهذا البلاء، وهذا آخرُ يومي الذي وَعدْتَني فيه الرَّاحة، فأَسألُك أن تَقبِض روحي، وتُنزِلَ عُقوبَتك بهذا الجبَّار، فما استتمَّ كلامَه حتى نزلت نارٌ من السماء، فلما رأوها مالوا عليه فضربوه بالسّيوف حتى قتلوه. وأحرق اللهُ الجبّارَ وقومَه والمَوصل، فصارت رَماداً مُنتناً، وجعل الله عاليَها سافلَها، ولبثتْ زماناً يخرج منها الدُّخان المُنتِن، وخرج مَن آمن بجرجيس منها،

стр. 1168

وكانوا أربعةً وثلاثين ألفاً (١). ومنهم: حَنْظَلة بنُ صفوان، نبيُّ أصحاب الرَّسِّ، كان في الفترة، وهو من ولد إسماعيل ﵇، قام في قومه خطيباً، فنهاهم عن عبادة الأوثان، وأمرهم أن يَعبدوا الله ويُوَحِّدوه، فقَتلوه، ورَمَوه في بئر، فلما قتلوه أَلهم الله بعضَ المُلوك، فسار إليهم فقتلهم، وشرَّدهم، وفعل برُؤسائهم كما فعلوا بحَنْظلة، فلم يَبْقَ لهم أثر (٢). ومنهم: خالد بن سِنان بن غَيْث العَبْسي، كان عبداً صالحاً، وأكثرُ العلماء على أنه كان نبيّاً على دين المسيح ﵇، وظهرت نارٌ بين مكّة والمدينة، فعبدها طوائفُ من العرب، فأتاها خالد، فاقتحمها، فأطفأها غَضباً لله، لئلا تُعبدَ معه، ولما عَزم على دخولها، قال: [كل هَدْيٍ مُؤدَّى إلى] الله الأعلى، لأَدْخُلَنّها وهي تَلَظَّى، ولَأَخْرُجَنَّ منها وثيابي تَنَدَّى، فكان كما قال. ولما احتُضر قال: ادفنوني في حِقْفٍ من هذه الأَحقاف، واحرُسُوني أياماً، فإذا رأيتُم حماراً أَشهَب أَبْتَر يدور حول الحِقْف فانْبُشوني، وأَحضِروا كاتباً يَكتبُ ما أقول، فإني سأُخبرُكم بالكائنات والمغيبات إلى يوم البعث، فرَصَدوا قبرَه ثلاثاً، فجاء الحمار فدار حول الحِقْفِ، فاجتمع قومُه ليَنْبُشوه، فقام بنوه، وشَهروا سُيوفهم وقالوا: نَخاف العار فتركوه، فقال شاعر: [من الطويل] بني خالدٍ لو أنّكم إذ حَضَرْتُمُ … نَبَشْتُم عن المَيْتِ المُغَيَّب في القَبْرِ لَأَبْقى لكم في آل عَبْسٍ ذَخيرةً … من الفضلِ لا تبْلَى على سالفِ الدَّهرِ ولما ظهر رسول الله ﷺ بمكة؛ وَفَدتْ عليه ابنةُ خالد بن سنان وهي عجوز مُسِنّة كبيرة، فرحَّبَ بها وقال: "مرحباً بابنةِ أخي خالد، كان أبوها نبيّاً، وإنما ضيَّعه قومُه" (٣)، وسمعتْ رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]

стр. 1169

فقالت: كان أبي يقرؤها، قال ابن عباس: وقد بَشّر برسول الله ﷺ (١). ومنهم: رِئابُ بنُ البَراء، كان على دين عيسى ﵇ قبل مبعث النبيّ ﷺ . قال السدّي: سمع الناسُ قائلاً يقول من السماء: خيرُ أهلِ الأرض ثلاثة: بَحيرى الرَّاهب، ورئاب الشَّنّي، وآخر لم يجئ بعد، يعني النبيَّ ﷺ . قال ابن قتيبة: لمّا سَمع رئاب النّداء قال: صدق فيما قال. وقال وهب: ما مات أحدٌ من ولده إلا ورأوا النُّور على قبره (٢). ومنهم: زيد بن عَمرو بن نُفَيل بن عبد العُزَّى العَدَوي، ابنُ عمّ عمر بن الخطاب ﵁ (٣). ومنهم: صِرمَةُ بن أبي أنس، أبو قيس من بني النجار، كان قد تَرهّب في الجاهليّة، ولَبس المُسوح، وهَجر الأوثان، وهمَّ بالنَّصرانية، ثم أَمسك عنها، واتّخذ في بيته مسجداً لا يَدخله طامث ولا جُنُب، وقال: أَعبدُ إله إبراهيم وإسماعيل ﵉، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أَسلم في السَّنة الأولى من الهجرة، ولما رأى رسول الله ﷺ قال: يا قوم، هذا الذي كنتُ أَنتَظِره (٤). ومنهم: قُسُّ بن ساعِدة. ومنهم: أصحابُ الكهف والرّقيم، قال سعيد بنُ جُبَير: الرَّقيِم: لَوحٌ من ذَهَب على باب الكهف، فيه مكتوب أسماءُ الفِتية وقِصَّتُهم. وقال ابن عباس: الرَّقيم: وادٍ بين عُسْفان وعَمَّان البَلْقاء، فيه أصحابُ الكهف. قال مجاهد: كانوا من أولاد المُلوك. قال وَهْب: كان من قِصَّتِهم أنه لما رُفع عيسى ﵇، وكَثُرت الأحداثُ،

стр. 1170

وذُبحَ للطّواغيت، وعُبِدت من دون الله، وفي الناس بقايا من أهلِ التّوحيد، مُتَمسِّكين بدين عيسى ﵇، وكان ببلدِ الروم ملكٌ يقال له: دقيانوس، يأمر الناسَ بالذَّبح للأصنام، ويُخيِّرهم بين ذلك وبين القتل، وبلغه خَبرُ الفتية، فاستدعاهم، وأمرهم بالذَّبح للطَّواغيت، فقال له أحدهم: أيّها الملك، إن لنا إلهاً ملأت عظمتُه السماوات والأرض، لن نَدعوَ من دونه إلهاً آخر، فقال دقيانوس: أنتم من أولادِ الملوك، وما أحبُّ أن أَعجَل عليكم بالعُقوبة، وأنتم شباب، حتى أضربَ لكم أَجَلاً تَنظرون فيه لأنفسكم، فخوجوا من عنده. واتّفق أنه مضى إلى بلدٍ آخر لأمرٍ عَرَض له، فقال بعضُهم لبعض: اخرُجوا بنا إلى الجبل، فإن عاد الملك وذَكرَنا قَتلَنا، فخرجوا، واتَّبعهم كلبُ راعٍ، فطردوه فلم يَرجِع، فردُّوه ثانياً فأنطقه الله وقال: لِمَ تَطردوني؟ إنْ لم أكن من جِنسكم، فمعبودكم ليس من جنسكم، دعوني أَحرُسكم إذا نِمتم، فعجبوا منه. ثم دخلوا الكهف، وجعل يمليخا -أحدهم- يدخل المدينة فيأتيهم بالطّعام، ويتحسَّس لهم الأخبار، وقَدِم الجبَّار إلى المدينة فذكرهم، فجاء يمليخا إليهم وهو يبكي، فأخبرهم، فخوّوا سُجَّداً لله تعالى يبكون وَيتضَرَّعون، وذلك عند غُروب الشمس، فضرب الله على آذانهم في الكهف سنينَ عددا، فناموا ونام الكلب وهو باسِطٌ ذراعَيه بالوَصيد، أي: بعَتَبة الباب. وجاء دقيانوس وراءهم، فوَجدهم في الكهف، فسدَّ عليهم الباب عقوبة لهم، وفي ظنِّه أنهم أحياء أيْقاظ. وكان في أصحاب دقيانوس رجلان على دين الفتية، فكتبا أسماءَ الفِتيَة في لوح من ذَهب، ودفناه عند الباب، وقالا: لعلّ الله أن يُطْلِعَ على أحوال هؤلاء الفتية قوماً مؤمنين، فَيُعْلَم عِلْمُهم، ومات دقيانوس، وخَلَفت الملوكُ قرناً بعد قرن وهم على حالهم. فقصَّ الله على نبيِّه ﷺ أخبارَهم. وكان سببُ إيقاظهم أنه مَلَك تلك البلاد مَلِك صالح، فرأى اختلافَ الناس في الأديان، فسأل الله أن يُريَه آية يستدلُّ بها على التوحيد، فمرَّ بهم راع في ليلةٍ باردة، ففتح باب الكهف وآوى إلى جانبه غَنَمَه.

стр. 1171

وأيقظ الله الفِتية، فجلسوا كأنهم ناموا من ساعتهم، لا يُنكرون من أحوالهم شيئاً، وهم يرون أن الملِك دقيانوس، فبعثوا يمليخا إلى المدينة على عادتهم ليشتري لهم طعاماً، فتَنكَّر وخرج، فرأى الحجارةَ على باب الكهف فعجب، ورأى أَثَرَ البنيان، وأتى بابَ المدينة، فرأى عليها علامةً تكون للمؤمنين، ورأى أُناساً لا يعرفهم، وسمعهم يحلفون بالمسيح، فقال: والله ما أدري ما هذا، عَشيَّةَ أمسِ ليس على وجهِ الأرض أحدٌ يذكر المسيح إلا قُتل، واليومَ كلُّ أَحدٍ يَحلف به لا يَخاف. ثم دنا من واحدٍ، ودَفع إليه دراهم، فنظر إليها وعجب، ثم ناولها آخر فتَعجَّبَ، فقالوا له: إنك قد وَجَدْتَ كَنْزاً، وإن لم تُخْبِرْنا به حَمَلناك إلى المَلِك، وهو ساكت، فجعلوا كساءَه في عُنقه، وسحبوه في سِكك المدينة، وما يرى أحداً يَعرفه، وهو يَظنُّ أن أباه وأهلَه في الحياة، وأنهم يحملونه إلى دقيانوس، وجعل يبكي ويقول: فُرِّق بيني وبين إخوتي، يا ليتهم يعلمون ما حلَّ بي. وكان على تدبير الملك رجلان صالحان: أرنوس وأنطوس، فقالا: يا فتى، أَين الكنز الذي وجدت؟ فقال: والله ما وَجدتُ كَنْزاً، قالا: فهذه الدَّراهم تَشهد عليك بتاريخ ضَرْبها من زمن دقيانوس منذ ثلاث مئة سنة، وأنت شابّ وخزائنُ هذه المدينة بأيدينا، وما فيها منها شيء، فإن أَخبَرتَنا وإلا عَذَّبناك، وهو يبكي ويقول: والله ما أدري ما أقول، ثم قال: وأين دقيانوس؟ قالا: ما نعرف اليوم في الأرض ملكاً يُقال له: دقيانوس، وإنما كان هذا منذ ثلاث مئة سنة. فقال: أَصدُقكم؟ كنّا فِتيةً أَكرَهَنا دقيانوس على الذَّبحِ للطَّواغيت، فهربنا منه عشيَّةَ أمس، ونمنا في كهف؛ فلما كان اليوم بعثوني أَشتري لهم طعاماً، وهاهم في الكهف جُلوس يَعبدون الله، فلما سمع أرنوس كلامَه قال لهم: يا قوم، هذه آيةٌ أراكم الله إيّاها على يَدَي هذا الفتى، انطلقوا معه، وأخبروا الملك، وخرج معه الناس، وسبق يمليخا ودخل عليهم، وأخبرهم الخَبر. وجاء أرنوس فدخل عليهم، فرأى وجوههم مُشرقة، لم تَبْلَ ثيابُهم ولم تتغيَّر، ووَجد اللّوح على باب الكهف، وفيه عَدَدُهم وتاريخُ يومهم، فأرسل إلى الملك: بادِرْ، فقد أَراك الله آيةً للعالمين، وجاء الملك فدخل عليهم الكهف واعتَنقَهم وبكوا جميعاً،

стр. 1172

ثم قالوا: نستودعك الله. ثم عادوا إلى مضاجعهم وناموا، فتوفّى الله نُفوسَهم، وأمر الملك أن يُتَّخذَ لكلِّ واحدٍ منهم تابوت من ذهب، فرآهم في منامه وهم يقولون: لا تَفعلْ هذا، فنحن من التُّواب خُلِقنا، وإليه نعود، فاترُكْنا على حالنا، فتركهم وبنى عليهم مسجداً، وصنع لهم عيداً في كل سنة، وهم من الحواريين (١). ومنهم أصحاب يس، قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ [يس: ١٤]. اتَّفقوا على أنهما أُرسِلا إلى أنطاكية فكذَّبوهما ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ ووالثالث شمعون، وقيل: سمعان. ذكر القصة كان ملك أنطاكية يعبد الأوثان، فلما قَرُبا من أنطاكية إذا بشيخ يرعى غنماً، وهو حَبيب النّجار، فسلما عليه فقال: مَن أنتم؟ قالا: رسولا عيسى المَسيح، قال: وما جاء بكما؟ قا لا: ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن. قال: أمعكما آية؟ قالا: نعم، نشفي الأكمَه والأَبرص بإذن الله. فقال حبيب: إن لي ابناً صاحب فِراش منذ سنين، وانطلق بهما إلى منزله، فمسحا أيديهما عليه، فقام صحيحاً بإذن الله. ثم شَفيا خَلْقاً عظيماً، وبلغ المَلك، فاستدعاهما وقال: مَن أنتما؟ فقالا له مثل ما قالا لحَبيب، فقال: قُوما حتى أَنظرَ في أمركما، وقيل: إنهما لم يَصلا إلى الملك، بل أقاما عند حبيب النجار وكان قَزَّازاً. فركب الملك يومًا، فوَقفا له، وكبَّرا وذكرا الله، فغضب، وأمر فجُلِد كلُّ واحد منهما مئة جلدة وحُبِسا، فحينئذٍ بعث عيسى ﵇ شمعون رأسَ الحواريّين على إِثرهما ليَنْصُرَهما، فلما وصل إلى أنطاكية دخل مُتَخفِّياً، يُؤنِسُ حاشيةَ الملك، حتى أَنِسوا به، وأعجبهم عَقلُه، فرفعوا خَبَره إلى الملك، فدعاه فأعجبه وأَنِس به. فقال له يوماً: أيّها الملك، بلغني أنك ضربتَ رجلين وسجنتَهما حين دَعواك إلى

стр. 1173

دينهما، فهل كلَّمْتَهما؟ فال: لا، حال الغضبُ بيني وبينهما، قال: فإن رأى الملكُ أن يُحضِرهما ويسمعَ كلامَهما، فدعاهما، فقال لهما شمعون: مَن أرسلكما؟ فقالا: الذي خلق كلَّ شيء، وليس له شريك، فقال: صِفاه وأوجزا، قالا: إنه يَفعل ما يشاء ويَحكم ما يُريد، قال: فما آيتُكما؟ قا لا: نُبرِئ الأكمَهَ والأَبرص بإذن الله. فأمر الملك، فجيءَ بغُلام مَطموس العينين، فدعَوا الله فانشقَّ مَوضعُ عينيه، فأخذا بُندُقَتَيْن من طين، فوضعاهما مَوضعَ عينيه، فصارتا مُقلَتَيْن، فأبصر بهما، فعَجب الملك، فقال له شمعون: إن أنت سألتَ صنَمك أن يَفعل مثل هذا كان له ولك الشَّرَف، فقال له الملك: ما منك سِرّ، إن إلهنا الذي نَعبده لا يَسمع ولا يُبصر ولا يَضرُّ ولا يَنفع، ثم قال الملك للرجلين: إنْ قَدر إلهكما على إحياء مَيت آمنّا [به وبكما]. وكان شَمعون يُظهِر للملك أنه على دِينه، وكان قد مات ابن دِهْقانٍ منذ سبعة أيام، فجاؤوا به وقد أَرْوَح، فسألا الله فأحياه، فقام يَنفض التُّرابَ عن رأسه ويقول: منذ متّ وإلى الآن أنا في سبعة أوديةٍ من نار، وأنا أُحَذِّرُكم ما أنتم فيه، فآمِنوا بالله، ثم قال: قد فُتحت أبوابُ السماء، ونَزل منها شاب حتى يَشفعَ لهؤلاء الثلاثة، وأشار إلى الرَّسولَين وشمعون، فآمن الملك ومعه خلْقٌ كثير، وكفر آخرون. وقال مُقاتل: لم يُؤمن الملك، وأَجمع هو وقومُه على قتل الرُّسُل، وبلغ حبيبَ بن إسرائيل النّجار قصَّتُهم -وكان رجلاً صالحًا مُتَصدِّقاً مؤمناً، يعبد الله سِرّاً، وكان بيتُه بعيداً عن المدينة- فأقبل يَسعى ويقول: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ [يس: ٢٠ - ٢١] فلما قال ذلك وَثبوا إليه وَثْبَةَ رجلٍ واحد، فوَطِئوه بأرجُلهم حتى خرج قُصبُهُ (١) من دُبُره، ورمَوْه بالحجارة وهو يقول: [اللهم] اهْدِ قومي، حتى مات. فعلّقوه على سُور البلد، فأوجب الله له الجنة، فلما دخلها قال: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٢٦] الآية، فهو فيها حيٌّ يُرزَق قد أمِن أَسقامَ الدُّنيا وأَوْصابَها. قال ابن عباس ﵁: فلما قتلوه، أمر الله جبريل فأخذ بعَضادتَي باب المدينة، ثم صاح بهم صيحةً فخَمدوا وصاروا رماداً، المدينة وجميعُ ما فيها من بني آدم، والمواشي والمَلِك، ولم يبق لهم باقية.

стр. 1174

وكانت القصَّةُ في أيام ملوك الطوائف في حياة عيسى ﵇، وقيل: بعد رفعه (١). فصل في ذكر جماعة من القدماء فمنهم خليفةُ موسى ﵇، كان بنو إسرائيل استَخلَفوا عليهم خليفةً بعد موسى ﵇، فقام يُصلّي في ليلهٍّ مُقْمِرةٍ فوق بيت المقدس، فذكر أموراً كان صَنعها، فتدلّى (٢) بسبب، فأصبح السبب معلقاً في المسجد. وانطلق، فأتى على قوم يَضربون اللَّبِن، فلَبَّن معهم، وكان يأكل من عَمل يده، فرفع ذلك العُمَّال إلى قَهْرَمانهم، فأرسل إليه فأَبى أن يَأتيَه، فجاءه القهرمان بنفسه إليه، فلما رآه فَرَّ، فاتَّبعه وقال: إني لَأَظنُّ أني لاحِق بك، فلَحِقه، فعبدا الله حتى ماتا برُمَيْلَةِ مِصر. ومنهم ابن الملك الذي تَزَهَّد، كان رجل من ملوك بني إسرائيل قد أُعطي طوقَ العُمر، وكثرةَ المالِ والولد، وكان أولادُه إذا كَبر أحدُهم لبس [ثياب] الشَّعْر، ولحق بالجبال، وساح في الأرض يأكل من بُقولها وشجرها حتى يموت، ففعل ذلك جماعة منهم واحداً بعد واحد حتى تتابعوا على ذلك، فأصاب وَلَداً على كِبَر، فدعا قومَه وقال: إني قد أصبتُ هذا الولدَ على الكِبَر وقد تَرَوْنَ شفَقَتي عليكم، وأخافُ أن يَتبع سُنَّة إخوته، فحَبِّبوا إليه الدنيا عسى أن يَبقى بعدي لكم. فبنَوْا له حائطاً فرسخاً في فرسخ فكان فيه دهراً، ثم ركب يوماً، فرأى الحائطَ فقال: إني لأحسَب أن وراء هذا الحائط أُناساً وعالماً آخر، أخرجوني أَلقى الناس، وأَزْدَدْ علماً، فأُخبِر أبوه بذلك فجَزع وقال: اجمعوا عليه كلَّ لهوٍ ولَعب، ففعلوا. ثم ركب في السنة الثانية. وقال: لابُدَّ من الخروج. فأخرجوه على عَجَلَةٍ مُكَلَّلَةٍ بالدُّرِّ والياقوت والذّهب والزَّبَرْجد، والمْاس حوله، فبينا هو يسير إذ مرَّ برجلٍ مُبْتَلى، فقال ما هذا؟ قالوا: مُبْتَلى قال: أيُصيبُ هذا أُناساً دون أُناس، أو كلٌّ خائفٌ منه؟ قالوا: بل كلّ خائفٌ منه، قال: وأنا فيما أنا فيه من السُّلطان؟ قالوا: نعم، قال: أُفٍّ

стр. 1175

لعيشكم هذا، إنه عيش كَدَر. فرجع مَهموماً مَحزُوناً. فأُخبِر أبوه بذلك فقال: قَرِّبوا إليه كلَّ لَهوٍ وباطل حتى تَنزعوا من قلبه هذا الغمَّ والحُزْن. فلبث حولاً ثم قال: أَخرجوني، فأُخرِج على مثلِ حالهِ الأوَّلِ، فبينا هو يسير إذ مَرَّ برجل هَرِم، ولُعابُه يسيلُ من فيه،، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا رجل هَرِم، قال: أيُصيب هذا ناساً دون ناس، [أوكلٌّ خائفٌ منه؟] قالوا: بل كلٌّ خائفٌ منه، فقال: أُفٍّ لعَيشكم هذا، إنه لَعَيش كَدَر، لا يَصفو لأحد، فقال أبوه: احشروا له كلَّ لَهو وباطل. ففعلوا. فمَكثَ حولاً، ثم ركب، فبينا هو يسير إذا بنَعْشٍ يحمله الرجال على أعناقهم وعليه ميت فقال: ما هذا؟ قالوا: ميت. قال: وما الموت؟ قالوا: هلاك، قال: قَرِّبوه إليَّ. فقرَّبوه إليه فقال: أجلِسوه، قالوا: إنه ما يجلس، قال: كلِّموه، قالوا: ما يَتكلَّم، قال: فأين تَذهبون به؟ قالوا: نَدفِنُه تحت التُّراب، قال: فما يكون بعدَ ذلك؟ قالوا: يُحشَر، قال: وما الحشر؟ قالوا: يوم يقوم الناسُ لربِّ العالمين، فيُجزى كل أحدٍ على قَدْرِ حسناته وسيّئاته. قال: ولكم دارٌ غيرُ هذه؟ قالوا: نعم، فرمى بنفسه إلى الأرض، وجعل يُعَفِّر وجهه بالتراب ويقول: من هذا كنتُ أَخشى، كاد هذا يأتي عليَّ وأنا لا أعلم به، أمَا وربٌّ يُحيي ويُميت، ويُعطي ويُجازي، إنّ هذا آخرُ الدَّهر بيني وبينكم، فلا سبيلَ لكم عليَّ بعد اليوم، قالوا: لا نَدَعُك حتى نُسلِمَك إلى أبيك. فردوه إليه وكاد يُنْزَفُ دمُه. فقال: يا بُنيّ، ما هذا الجَزَع؟ فقال: يا أبت، جَزعي ليومٍ يُعطى فيه الكبيرُ والصغيرُ مُجازاتَهما على ما عَمِلا من خير وشرّ. ثم لبس المُسوح، وخرج من القصر نصفَ الليل وهو يبكي ويقول: اللهم خِرْ لي في أمر سَبقتْ به المَقادير، إلهي لوَدِدْتُ أن الماء كان في الماء، والطينَ في الطين، ولم أَنظُّرَ بعيني إلى الدُّنيا نظرةَّ وَاحدة. فكان آخر العهد به. قال بكر بن عبد الله: فهذا رجلٌ خرج من ذَنْبٍ واحد لا يعلم ماذا عليه، فكيف بمَنْ يُذْنِبُ وهو يعلم ما عليه، ولا يَجزَعُ ولا يتوب (١)؟!

стр. 1176

ومنهم ذو الرِّجْل، كان في بني إسرائيل رجل يَتعبَّدُ في صَومعته، فأقام زماناً، فأَشرفَ يوماً، فإذا بامرأةٍ، فرآها فافتُتِنَ بها، وهمَّ أن يَنزل، فأَخرج رجلَه ليَنزلَ إليها، فأدركه الله بسابقةٍ منه، فقال: ما هذا الذى أُريدُ أن أصنع؟! ورَجعتْ إليه نفسُه، وجاءتْه العِصمةُ ونَدِم، فلما أراد أن يُعيد رِجْله إلى صومعتِه قال: هيهات هيهات، رِجْلٌ خرجتْ تُريدُ أن تعصيَ الله، والله لا عدت إلى صومعتي أبدًا. فتَركها مُعلَّقةً ظاهر الصَّومعة، تُصيبُها الرّياحُ والمطرُ والشمسُ والحَرّ والبردُ، حتى تَقطَّعتْ، فشكَر الله له ذلك، وأنزلَ في بعض الكتب: ["وذو الرِّجْل"] يُثني عليه (١). ومنهم صاحبُ الغَمامة، وَلِعَ رجلٌ قَصَّابٌ بجاريةٍ لبعض جيرانه، فأرسلَها أهلُها لحاجة لهم في قريةٍ أُخرى، فتَبعَها، فراوَدَها عن نفسِها، فقالت له: لا تفعل فأنا أَشدُّ حُبّاً لك منك لي، ولكنّي أخافُ الله. فقال: وأنت تخافينَه وأنا لا أخافُه؟ فرجع تائباً، فعَطِش حتى كاد أن يَنقطعَ عُنقُه، فإذا هو برسولٍ لبعض أنبياء بني إسرائيل، فقال له: ما الذي بك؟ قال: العَطَشُ. فقال: تعالَ حتى ندعوَ الله تعالى، فتُظِلَّنا سحابةٌ إلى أن نَدخُلَ القرية، فقال: ما لي من عمل، فقال: أنا أدعو وأنت تُؤَمِّن، فدعا الرَّسولُ وأمَّن القَصَّاب، فأَظلَّتْهُما سحابةٌ حتى انتَهيا إلى القرية، فأخذ القَصَّاب إلى مكانه، ومالت السَّحابةُ معه، فقال له الرسول: زعمتَ أنه ليس لك عمل! وأنا الذي دعوتُ وأنت أَمَّنْتَ، فلما افترقنا أَظلَّتْك السَّحابة، فأخبرني ما الذي صنعتَ. فأَخبره، فقال الرسول: التَّائب إلى الله من ذنبه بمكان ليس أحدٌ من الناس بمكانه (٢). ومنهم ذو الكِفْل، رُوي عن ابن عمر ﵁ (٣) أنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يُحدّث حديثًا، لو لم أسمعْه إلا مَرَّةً أو مرَّتين لم أُحدِّث، سمعتُه منه أكثر من سبع مرات، قالٍ: "كان رجلٌ من بني إسرائيل يُقال له ذو الكِفل، لا يَنزعُ عن ذَنْبٍ عمله، فاتّبع امرأة، فأعطاها ستين ديناراً على أن تُعطيَه نَفْسَها، فلما قعد منها مقعد الرجل من المرأة، أُرْعِدت وبَكَتْ، فقال: ما يُبكيك؟ فقالت: من هذا العمل ما عَمِلْتُه قط. قال:

стр. 1177

أَكرهتُك؟ قالت: لا، ولكن حَملَتْني عليه الحاجة، قال: اذهبي فهي لك، ثم قال: والله لا أَعصي الله أبداً. ثم مات من ليلته، فقيل: مات ذو الكِفل، فوُجِد على باب داره مكتوب: إن الله قد غفر لذي الكِفل". ومنهم جُرَيج الرَّاهب، قال رسول الله ﷺ : "لم يَتكلَّم في المَهْد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وكان في بني إسرائيل عابد يقال له جُرَيْج، فقالت بَغْيّ منهم: إنْ شئتُم فَتَنْتُه، قالوا: قد شِئْنا، فأتَتْه، فتَعرَّضت له، فلم يلتفت إليها، فأمكَنَتْ من نَفْسِها راعياً كان يُؤوي غَنَمه إلى أَصْلِ صَومَعتِه، فحَملتْ منه، ووَلَدت غُلاماً فقالوا: ممّن هذا؟ قالت: من جُريج. فأتَوْه، وأنزلوه من صومعته، وضربوه وشَتموه، وهدموا صومَعتَه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيتَ بهذه البغيّ، وقد وَلدتْ غلاماً. فقال: وأين هو؟ قالوا: ها هو. فقام فصلى ودعا، ثم انصرف إلى الغُلام، فطَعَنه بإصبعه وقال: بالله يا غُلام، مَن أبوك؟ فقال: فلانٌ الرَّاعي، فوَثبوا إلى جُريج فجعلوا يُقَبّلُونه، وقالوا: نبني صومعتَك ذهباً، قال: لا حاجةَ لي في ذلك، ابنوها طيناً كما كانت. قال: وبينما امرأةٌ في حجرها ابنٌ لها تُرضِعُه، إذ مرَّ بها راكبٌ ذو شارة، فقالت: اللهم اجعلْ ابني مثلَ هذا. فترك الصبيُّ الثديَ، وأقبل على الرّاكب وقال: اللهم لا تَجعَلْني مثلَه، ثم عاد إلى ثَديها يَمَصُّه. ثم مَرَّت بأَمَةٍ تُضْرَب، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثلَها، فتَرك ثديَها، وأقبل على الأَمةِ فقال: اللهم اجعَلْني مثلَها، ثم قال: يا أُمَّاه، أمّا الرّاكب فجَبّار من الجبابِرة، وهذه الأَمَة يقولون لها: زَنيتِ، ولم تَزْنِ، وسَرقتِ، ولم تَسرِقْ، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل". أخرجاه في الصحيحين (١). حديث العَقار والجَرَّة قال رسول الله ﷺ : "اشترى رجل من رجلٍ عَقاراً، فوجد المُشتَري فيه جَرَّة فيها ذَهب، فقال المُشتري: خُذْ ذَهَبَك، فإنما اشتريتُ العَقار ولم أشتر الذَهب، فقال البائع: إنما بِعتُ الأرض بما فيها. فتحاكما إلى رجلٍ، فقال: ألكما ولد؟ قالا: نعم.

стр. 1178

قال أحدهما: لي غُلامٌ، وقال الآخر: لي جاريةٌ، ففال: أنكِحوا الغُلامَ الجاريةَ، وأنفقوا عليهما منه، وتصدَّقوا. وفي رواية: وأنفِقا عليهما، وتصرَّفا فيه". أخرجاه في الصحيحين (١). حديث الرَّجل الذي قَتل وتسعين ثم أكمل المئة قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا هَمَّام بنُ يحيى، عن قتادة، عن أبي الصِّدِّيق النَّاجي، عن أبي سعيد الخُدري قال: لا أُحدِّثُكم إلا ما سمعتُ من رسول الله ﷺ ، سمِعتْه أُذناي، ووَعاه قلبي: "إن عبداً قتل تسعةً وتسعين نَفْساً، فعَرَضَتْ له التوبةُ، فسأل عن أعلمِ أهلِ الأرض، فدُلَّ على رجلٍ، فأتاه، فقال: إني قتلتُ تسعةً وتسعين نَفْساً، فهل لي من توبة؟ قال: لا، فقتله وكمل به المئة. ثم عَرضت له التوبة، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلّ على رجل، فأتاه فقال: إني قتلتُ مئة نَفْس، فهل لي من توبة؟ فقال: مَن يَحولُ بينك وبينها، اخرُجْ من القرية الخبيثة التي أنت بها إلى القرية الصالحة. فخرج، فعَرَضَ له أجلُه في الطريق، فاختصمت فيه ملائكةُ الرحمةِ وملائكةُ العذاب، فقال إبليس: أنا أولى به؛ لأنه لم يَعصِني طَرفةَ عينٍ، أو ساعةً قَطُّ، فقالت ملائكةُ الرَّحمة: إنه خرج تائباً". قال همَّام: فحدَّثني حُميد الطَّويلُ، عن بكر بن عبد الله المُزَنيّ، عن أبي رافع قال: "فبعثَ الله ملائكةً، فاختصموا فيه". رجع الحديث إلى قتادة، قال: فقال: "انظُروا إلى أيِّ القريتين كان أقرب، فأَلحِقوه بأهلها". قال قتادة: فحدثنا الحسن: أنه لما عَرفَ الموتَ احتَفَزَ بنَفْسِه، فقرَّبه الله من القرية الصَّالحة"، وهو في رواية: "فوجدوه أقربَ إلى القرية الصالحة بشِبْر، فغُفر له". ومعنى الحَفْزُ، أي: اندفع من خَلْفه (٢).

стр. 1179

حديث الرَّغيف قال مُغيثُ بنُ سُمَيّ: تَعبَّد راهبٌ من بني إسرائيل في صَومعته ستين سنة، فنظر يوماً في غِبِّ سماء، فأعجَبتْه الأرضُ، فقال: لو نزلتُ فتمشَّيتُ في الأرض، ونظرتُ فيها. قال: فنزل معه برغيفٍ، فعَرضت له امرأةٌ، فتَكشَّفتْ له، فلم يَملِك نفسَه أن وَقعَ عليها، فأدركه الموتُ على تلك الحال، وجاء سائلٌ، فأعطاه الرَّغيفَ، ومات. فجيءَ بعملِ ستين سنةً، فوُضِعَ مع عَمله، فرَجح بخطيئته (١). حديث القِرد قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: حدثنا بَهْز، حدثنا حمّاد بنُ سَلَمة، أخبرني إسحاق بنُ عبد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "حَمَلَ رجل معه خمراً في سفينة يبيعه، وكان معه قرد، فكان الرجل إذا باع الخمر شابه بالماء، فأخذ القردُ الكيس، وصَعِد على رأس الدَّقَل (٢)، فجعل يطرح ديناراً في البحر وديناراً في السفينة، حتى قسَمه نِصفين". حديث السَّقَّاء قال وَهب بن منبّه: كان في بني إسرائيل عابدٌ لم يكن له إلا جُبَّةُ صوف، وقِرْبةٌ يَستقي فيها الماء للفقراء والأرامل، فلما احتُضر قال لأصحابه: إني لا أُخَلِّفُ من الدنيا سوى هذه الجُبَّة والقربة، فإذا متُّ، فاحملوها إلى الملك، وقولوا له: إني لا أَقْدِر على حَملِ هذه يوم القيامة، فاحملها مع ما تحمل من دُنياك. فلما مات حملوها إلى الملك، وأبلغوه رسالته، فقال الملك: هذا الزاهد عَجَز عن حمل قِربَة وجُبَّةٍ من صوف، وأنا قد تَحمَّلتُ في الدنيا من الآثام والمظالم ما حملتُ! ثم أخذ الجبّةَ فلَبسها، وحمل القِربةَ على كتفه، وصار يستقي للناس الماء كما كان العابد يفعل، وانخلع من الملك حتى مات على ذلك (٣).

стр. 1180

حديث الخائف قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر قال: قال لي الزُّهْري: ألا أحدّثك حديثين عجيبين؟ قال الزهري: عن حُمَيد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "أَسرف رجلٌ على نفسِه، فلما احتُضر أوصى بَنيه فقال: إذا أنا متُّ فأَحْرِقوني، ثم اسْحَقوني، ثم اذْروني في البحر، فوالله لئِنْ قَدَرَ عليّ ربّي لَيُعَذّبَنِّي عذاباً ما عَذَّبه أحداً، قال: ففعلوا ذلك به، فقال الله للأرض: أَدِّي ما أَخَذْتِ، فإذا هو قائم، فقال له الله تعالى: ما حَملَك على ما صَنعتَ؟ قال: خَشْيَتُك يا ربّ، أو مَخافَتُك. فغَفَر له بذلك" (١). قال الزهري: وحدثني حُميد، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "دخلت امرأةٌ النارَ في هرَّةٍ رَبَطَتْها، فلا هي أطعَمَتْها، ولا هي أَرسلَتْها تأكلُ من خَشاش الأرض حتى ماتَتْ" قال الزهري: ذلك لئلا يَتَّكِلَ رجلٌ، ولا يَيأَسَ رَجلٌ. أخرجاه في الصحيحين (٢). حديث الكلب عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "بينا كلبٌ يُطيفُ برَكِيَّة، قد أَدْلَعَ لسانه في يوم حارّ، قد كاد يقتلُه العَطشُ، إذ رأتْه بغيٌّ من بَغايا بني إسرائيل، فنَزعت مُوقَها فسقَتْه، فغفر الله لها" (٣). الموق: الخُفّ القصير. * * *

стр. 1181

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء الثالث [١ - ٦ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه محمد بركات - عمار ريحاوي

стр. 1182

النسخ المعتمدة في هذا الجزء وتاليه : ١ - نسخة المتحف البريطاني، وهي من أول الكتاب إلى ذكر أبي النبي ﷺ . ٢ - نسخة كوبريللي (ك) وهي في جزأين: ١ - من ذكر الأمم الماضية إلى سنة (٦ هـ). ب- من سنة (٩ - ٣١ هـ). ٣ - نسخة الخزائنية (خ)، وهي في جزأين: ١ - من قصة زكريا ويحيى إلى أثناء سنة (٦ هـ). ب- من أثناء سنة (٦ هـ - ٢٩ هـ). ٤ - نسخة أحمد الثالث (أ) من سنة (٢ هـ - ٢١ هـ). وانظر وصفاً مطولاً لها في مقدمة الجزء الأول من الكتاب.

стр. 1183

فصول ذكر نبيِّنا ﷺ -

стр. 1184

فصل في ذكر نسبه وأجداده هو محمد بن عبد الله بنِ عبد المطَّلب بنِ هاشم بنِ عبد مَناف بنِ قُصي بنِ كلاب بنِ مُرَّة بنِ كعب بنِ لؤيِّ بنِ غالب بنِ فِهْر بنِ مالك بنِ النَّضْر بن كِنانَة بن خُزيمةَ بنِ مُدْرِكَة ابنِ الياس بنِ مُضَرَ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عَدنانَ. متَّفق على صِحَّته، وما بعده مُخْتَلَف فيه. قال عبد الملك بن هشام: عدنان بن أُدَد بن المُقَوَّم (١) بن ناحُور بن تارَح بن يَعْرُب ابن يَشْجُب بن نابِت بن إسماعيل بن إبراهيم ﵇. وقيل غير ذلك. فصل في ذكر أبيه عبد الله قال الزُّبير بن بكَّار: كان عبد الله، والزبير، وأبو طالب، وعبد الكعبة، وعاتِكة، وبرَّة، وأُمَيمة أولادَ عبد المطلب بن هاشم، وأمُّهم جميعاً فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن مَخْزوم، وعبد الله بن عبد المطلب أصغر ولد أبيه وأمه، وهو الذَّبِيح. ذكر القصة: قال الشيخ موفق الدين ﵀ (٢): يروى أنه لم يكن لعبد المطَّلب إلا الحارث، فجرى بين عبد المطلب وبين ابن عمه عَدِيّ بن نَوْفَل ما يكون بين بني العمّ، فقال له عَدِي: وهل أنت إلا غلامٌ من غِلمان قومك، لا لك عَددٌ ولا مالٌ ولا وَلَد، ولقد كنتَ بيَثْرِب عند غير أبيك حتى رَجَعَك عَمُّك المطَّلب، فحَمِي عند ذلك وقال: أَبِقِلَّةِ العرب تُعَيِّرني، فلله عَليَّ النَّذْرُ والدِّماء لئن رَزَقني الله عشرةً ذكوراً أن أجعلَ أحدَهم

стр. 1185

لله نَحيرة، ثم افترقا على ذلك، حتى إذا كان بعد أعوام وُلد لعبد المطلب عشرةُ ذكور سوى الحارث، وإنما كان النَّذْر في غيره، وست بنات، فلما بلغ الذُّكورُ عشرة، ذكر نَذْرَه، فجمعهم وأخبرهم بنَذْره، وأدخلهم الكعبة، وأعطى صاحبَ القِداح رِشْوَتَه وقال: أجِلْ عليهم القِداح، فلما أُجِيلت الأَزْلامُ عليهم خرج على عبد الله، فأخرجه ورداؤه على عُنقه، وقال: هذا ابنُك الذي خرج عليه القِداح، ففَزع لذلك وأعظمه لأنه كان يُحِبُّه، ثم عَزم على إمضاء نَذْره، فأخذ بيده وجاء به إلى إِساف ونائلة، فأضْجَعه بينهما، وربطه والمُدْيَة في يده، فجاء أخوالُه من بني مَخزوم وقالوا: والله ما أحسَنْتَ عِشْرةَ أُمِّه. وأمروه بخروجه إلى الكاهِنة، وخرهوا معه إلى خيبر، وقَصُّوا لها القصة، فقالت لهم: اذهبوا بصاحبكم إلى الكعبة، وقَرِّبوا عشرةً من الإبل، ثم اضربوا عليها وعليه بالقِداح، فإن خرجت القُرْعَةُ على صاحبكم فزيدوا فيها إلى أن تخرجَ على الإبل، فذلك علامة رِضى ربِّكم ونجاةِ صاحبكم، فرجع عبد المطلب، ودخل على هُبَل، وقام صاحبُ القِداح وضرب على عبد الله وعلى عشرة، فخرج على عبد الله، فلم يزل يزيد حتى صارت الإبلُ مئةً، فخرجت القُرعةُ على الإبل، فكبر عبد المطلب والناس، وقالوا: قد رضيَ عنك ربك، فنحر الإبلَ وتركها لا يصدُّ عنها إنسانًا ولا طائرًا ولا وَحْشًا. فصارت المئةُ أصْلًا في باب الدِّيَة بعد إن كانت عشرًا، ولما جاء الإِسلام قررها على ما قرَّرها عبد المطلب؟ ولذلك رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "أنا ابن الذَّبِيحَين" (١). يعني إسماعيل ﵇ وعبد الله. وفي ذلك نظر. وقد رُوي أن سببَ النَّذْر كان مع قريش لعبد المطلب من حَفْرِ زَمْزَم، وهو الأظهر، والله أعلم. * * *

стр. 1186

قصة عبد الله مع الخَثعَمِيَّة (١) لما رجع عبد المطَّلب من ضَرْبِ القِداح ونَحْرِ الإبل، أخذ بيد عبد الله وهو يبكي ويقول: اليوم وُهِبتَ لي يا بُنيَّ. فمر بامرأة من خَثْعَم يقال لها: فاطمة بنت مرّ، وكانت من أجمل النساء وأعفِّهنَ، وكانت قد قرأت الكتب، وكان شبابُ قريشٍ يَجلسون إليها ويَتحدَّثون عندها، فرأت نورَ النُّبوَّة بين عَينيه، فقالت له: يا فتى، مَن أنت؟ فقال: عبد الله بن عبد المطَّلب، فقالت: هل لك أن تقعَ عليَّ وأُعطيكَ مئةً من الإبل مثلَ ما نحر أبوك؟ فنظر إليها وقال: [من الرجز] أمَّا الحرامُ فالمَمَاتُ دونَهُ والحِلُّ لا حِلّ فأسْتَبينُه فكَيفَ بالأمرِ الذِي تَنوينَهُ ثم مضى مع أبيه عبد المطلب إلى وَهب بن عبد مَناف بن زُهْرة، وهو يومئذٍ سيِّدُ بني زُهْرة نسبًا وسِنًّا وشَرفًا، فخطب إليه ابنَته آمنة، وهي يومئذ أفضلُ نساء قريش، فزوَّجه إياها، فأقام عندها ثلاثًا، وعمره يومئذ سبع عشرة سنة، وقيل: ثلاثون سنة، وقيل: خمس وعشرون سنة. وحملَتْ آمنةُ برسول الله ﷺ ، ثم ذكر عبد الله الخثعميَّةَ وجمالها وما عرضت عليه، فأقبل يُريدها، فلم يرَ من إقبالها عليه أخيرًا ما رأى منها أولًا، فقال: هل لك فيما عرضْتِ عليَّ؟ فنظرت إليه وقالت: "قد كان ذلك مرَّة، فاليوم لا". فذهبت مثلًا، ثم قالت له: ما الذي صنعتَ بعدي؟ قال: واقعتُ امرأتي آمنة، فقالت: والله يا هذا لستُ بصاحبةِ رِيبة، ولكني رأيتُ نورَ النبوة بين عينيك مثل غُرَّ الفَرَس ساطعًا إلى السماء، فأردتُ أن يكون ذلك فيَّ، وأبي الله إلا أن يَجعله حيث شاء، ثم عدْتَ وليس في

стр. 1187

وجهك منه شيء، فأخبِرْ زوجتَك أنها قد حَمَلَتْ بخير أهلِ الأرض، وإني لأحسِبُك أبا النبي المبعوث الذي قد أَظل زمانُه. وحملت آمنةُ برسول الله ﷺ في الليلة التي أقام فيها عبد الله عندها. قال الزُّبير: حَملتْ به في شِعْبِ أبي طالب عند الجَمْرَة الوُسْطى. وكان عبد المطلب إذا قدِم اليمن نزل على عظيمٍ من عُظَماء حِمْيَر، فوجد عنده مرةً رجلًا قد قرأ الكتب، فقال: أتأذن لي يا عبد الله أن أفتِّشَ مكانًا منك؟ فقال: ليس كلّ مكانٍ آذَنُ لك في تفتيشه، فقال: إنما هو مِنْخَراك، فقال: انظر، فنظر في مِنْخَرَيه وقال: أرى نُبَوَّةً ومُلْكًا، وأحدهما في بني زُهرة. فرجع عبد المطلب فتزوَّج هالةَ بنت وَهب، وزوَّج ولده عبد الله آمنةَ بنت وهب، فولدت هالة لعبد المطلب حمزة، وولدت آمنةُ رسول الله ﷺ (١). وكان عبد المطلب يخرج في رحلة الشتاء إلى اليمن، فنزل مرَّةً على يهوديّ قد قرأ الكُتُب، فنظر إليه فقال: أرى في أحد مِنْخَرَيك نبوَّةً وفي الآخر مُلْكًا، فهل لك من شاعة، أي: زوجة؟ فرجع عبد المطلب فتزوَّج هالةَ، وزوَّج عبد الله آمنة. فصل في ذكر هاشم وأمه عاتكة بنت مُرَّة بن هِلال، وهاشم لقبٌ له، واسمه عمرو، وفيه يقول عبد الله بن الزِّبعرَى: [من الكامل] عمرو العُلَى هشمَ الثَّريدَ لقومه … ورجالُ مكةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ من جملة أبيات (٢). وقال مَطْرود بن كعب الخزاعي (٣): [من الكامل] يا أيُّها الرجُلُ المحوِّلُ رَحْلَه … هلَّا نزلْتَ بآلِ عبد مَنافِ

стр. 1188

هَبِلَتْك أمُّك، لو نزلت عليهمُ … ضَمِنُوكَ من جُوعٍ ومِن إِتْلافِ (١) والمُطْعمينَ إذا الرياحُ تناوَحَتْ … لِمُوَقَّصِين ومُسْنِتِينَ عِجافِ (٢) والمُفْضِلين إذا المُحُولُ تَرادَفَتْ … والقائلينَ هَلُمَّ للأضيافِ والخالِطينَ غنيَّهمْ بفقيرِهم … حتى يكونَ فقيرُهُم كالكافي وذلك لأن قومَه أصابهم قَحْطٌ شديد، وسَنَوات أذهبت المال، فرحل إلى الشام، فاشترى الدَّقيق والسمْنَ والزَّيت، وحَملَه إلى مكة، وكان يَنْحَر الجَزُوْرَ، ويَصنع الثريد وَيلُتُّه بالسمْنِ والزَّيت، ويَهشِمُه، ويجمعُ الناس عليه فعاشوا. وكنية هاشم: أبو ثَرِيد، وقيل: أبو نَضْلة، وقيل: أبو أسَد. فَصل في ذِكر رحلة الشتاء والصيف كانت العربُ تَعْتَفِد (٣) في الجاهلية، واعتِفادُها أن أهلَ البيت منهم إذا هَلَكت مواشيهم، ولم يَبْقَ لهم شيء؛ خرجوا إلى البَرِّيَّة يَضربون على نفوسهم الأَخْبِيَة، ثم لَزِموها حتى ماتوا قبل أن يُعْلَمَ بِخَلَّتِهم، فلما عَظُم قَدْرُ هاشم قال: يا معشرَ قريشٍ، إن العِزَّ مع كثرة العَددَ، وقد أصبحتُم أكثرَ العرب مالًا وأعزَّها نَفَرًا، وإن هذا الاعتفادَ قد أتى على كثيرٍ منكم، وإني قد رأيتُ رأيًا. قالوا: ما هو؛ فإن رأيَكَ رشيدٌ، فمُرْنا بأَمْرِك نأتمِرْ. قال: رأيتُ أن أَخْلِطَ فقراءكم بأغنيائكم، فأضمَّ إلى كل غنيٍّ فقيرًا يعيش في ظِلِّه يؤاكله، ويكونَ ذلك قاطعًا للاعتفاد، ثم تَرحَلون رحلَتين رحلةً للشتاء والأخرى للصيف، فنساعدهم على ذلك، فقالوا: نِعْمَ ما رأيت. فأَلَّف بين الناس، وأحيى

стр. 1189

الفقراءَ، فأخبر الله عن ذلك فأنزل: ﴿لإِيلَافِ قُرَيشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيفِ﴾. السورة (١). وكان هاشم إذا قَدِم على ملوك اليمن والرومِ أكرموه، وأحسنوا إليه، وربّما بلغ إلى أَنقِرة، وهي موضع فيه قلعةُ الرُّوم (٢)، ولمَّا جاء الإِسلام انتسخ ذلك. وقال سعيد بن جبير: مرَّ رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر ﵁ بملأ وهم ينشدون: [من الكامل] قُل للذي طَلَب السَّماحةَ والنَّدى … هلَّا نزلتَ بآلِ عبد الدَّارِ هلَّا مرَرْتَ بهم تُريد قِراهُمُ … مَنَعوك من جَهْدٍ ومن إقتارِ فقال النبي ﷺ لأَبي بكر: "أهَكَذَا قال الشَّاعرُ"؟ قال: والذي بعثَك بالحقِّ إنما قال: قُل للذي طَلَب السَّماحة والنَّدى … هلَّا مررتَ بآلِ عبد مَنافِ هلَّا مررتَ بهم تريد قِراهمُ … مَنَعوك من فقْر ومن إِجْحافِ الرَّائشِينَ وليس يُوْجَدُ رائِشٌ … والقائلين هَلُمَّ للأضيافِ والقائمين بكلِّ وَعْدٍ صادقٍ … والرَّاحلين لرِحْلةِ الإيلافِ عَمرو العُلا هَشَم الثَّريدَ لقومِه … ورجالُ مكةَ مُسْنِتونَ عِجافُ سَفَرَين سنَّهما له [ولقومه] (٣) … سَفَرَ الشتاء ورِحْلَة الأصيافِ وكان هاشم إذا حضر الموسم قام فقال: يا معاشر قريش، أنتم جِيران الله، وأهلُ بيته، وسكانُ حَرَمه، وإنه يأتيكم في هذا الموسم زوَّارُ الله يعظِّمون بيتَه، فهم أضيافُه، وأحقُّ مَن أكرمَ أضيافَ الله أنتم، فاقْرُوْهُم، واسقوهُم. ثم يَنصب حِياضَ الأُدْم في موضعِ زمزمَ، ثم يُخرج أموالًا كثيرة، وتُوافِدهُ قريش، فيُطعِمُ الحاجَّ وَيسقيهم قبل يوم التروية بيوم وبمنى وبجَمْع، وبعَرَفة، مدَّةَ مُقامِهم في أيام الموسم، يَثْرُدُ لهم الخبز،

стр. 1190

ويَجعلُ عليه فِدَرَ اللَّحم، ويذرُّ عليه السَّويق، وَيخلِطُه بالسَّمْن إلى أن يَصدُرَ الناس إلى بلادهم. ذكر مُنافَرَة هاشم وعبد شَمس وكانا وُلدا تَوْأمين، وإصبعُ أحدهما مُلتصقةٌ بجبهة الآخر، فانفصل منها دمٌ، فقال الناس: يكون بينهما دَم (١). ووُلدَ بعدهما المطلب وهو أصغرهم، واسم أمِّ الثلاثة: عاتكةُ بنت مُرَّة السُّلَمية، وآخرهم نَوفل وأمُّه واقدة، وكان لعبد مَناف أولاد أخَرُ، إلا أن المشار إليه منهم هؤلاءِ الأربعة، فإنهم سادوا بعد أبيهم، فلما توفي عبد مَناف ولي بعده هاشم، فأخذ السِّقايةَ والرِّفادَة، وساد قومَه، فحَسَده أميةُ بنُ عبد شمس وكان ابنَ أخيه، فتكلَّفَ أن يَصنعَ صنيعَ هاشم فعَجَزَ، فعَيَّرتهُ قريش وقالوا: تتشبَّهُ بهاشم؟ فغَضِب وقال: ومَن هاشمٌ؟ ثم دعا هاشمًا إلى المُنافَرَة، فأبى لسِنِّه وعِظَم قَدْرِه، فلم تَدَعْه قريش، فقال هاشم: أُنافِرُك على خمسين ناقةً سُودِ الحَدَقِ تُنْحَر بمكة، والجَلاءِ عن مكة عشرَ سنين. فرضي أميَّةُ بذلك، وجعلا بينهما الكاهِنَ الخُزاعي وهو جدُّ عمرو بن الحَمِق كان يَنزِلُ بعُسْفان، فخرج هاشم في نفر من قريش، وخرج أمية ومعه أبو هَمْهَمة بن عبد العزَّى وكانت ابنته تحت أمية، فنزلوا على الكاهن، فعلم ما جاؤوا فيه ولم يُعَرِّفوه، فقال: والقَمَرِ الباهر، والكوكبِ الزَّاهِر، والغَمامِ الماطِر، وما بالجوِّ من طائر، وما اهتدى بعَلَمٍ مُسافرٌ من مُنجِدٍ وغائر، لقد سَبَقَ هاشم أميةَ إلى المفاخِر، وأبو هَمْهَمَةَ بذلك خابر. فنفّر هاشمًا على أمية، وعاد هاشم إلى مكة، وأخذ الإبلَ فنَحَرها، وأَطعم الناس، وخرج أميةُ إلى الشام، فأقام بها عشرَ سنينَ، فكانت هذه أولَ عداوةٍ وقعت بين هاشم وأميةَ، وتوارَثَ ذلك بَنُوهُما (٢). ذِكر حِلْفِ المُطَيَّبين (٣) وكان في أيام هاشم، وذلك أن هاشمًا وعبدَ شمس والمطَّلبَ ونَوفلًا، بني عبد

стр. 1191

مناف، أجمعوا بأن يأخذوا ما بأيدي بني عبدِ الدار بنِ قُصيّ مِمَّا كان جعل قُصيٌّ إلى عبدِ الدارِ من الحِجابةِ والسِّقايةِ واللّواءِ والنَّدْوةِ والرِّفادةِ، ورأَوا أنهم أحقُّ بذلك لِشَرَفهم وفَضْلِهم على قومهم، وكان القائمَ بالأمر هاشم، وأبي ذلك بنو عبدِ الدَّار، وانضمَّ إلى بني عبد مَناف بنو أَسَد بنِ عبد العُزَّى، وبنو زهرة (١)، وبنو تميم بن مُرَّة، وبنو الحارث بن فِهْر، وانضمَّ إلى بني عبد الدَّار بنو مَخْزوم، وبنو سَهْم، وبنو جُمَح، وبنو عَدِيّ بن كعب، وعَقَدَ كلُّ قوم حِلفًا مؤكّدًا على أنهم لا يتخاذلون، وأخرجت بنو عبد مناف جَفْنةً مملوءة طِيبًا، فوضعوها عند الكعبة، وغَمَسوا أيديَهم فيها، وتعاهدوا وتعاقدوا، ومَسَحوا الكعبة بأيديهم تأكيدًا (٢)، فسُمُّوا المُطَيَّبين. ولما رأت ذلك بنو عبد الدار نحروا جَزُورًا، وجعلوا دمَه في جَفْنة، وغمسوا أيديَهم فيها، وتحالفوا، فسُمُّوا لَعَقَةَ الدَّمِ، ووقع الشرُّ بينهم، وتهيَّأ الفريقان للقتال، فقال أعيانُ قريش: هذا سببُ هلاك الفريقين، وطمعِ العدو في بيت الله وحَرَمِه، ودخلوا بينهم، فاتَّفقوا على أن يُعطوا لبني عبد مَنافٍ الرِّفادةَ والسِّقايةَ، وتكون الحِجابةُ واللواءُ ودارُ النَّدْوَة في يدِ بني عبد الدار، فلم تَزَلْ دارُ الندوة في أيديهم حتى باعها عكرمةُ بنُ عامر من معاوية بن أبي سفيان، فجعلها دارَ الإمارة، وهي اليوم على ذلك. ذكر أشراف قريش في الجاهلية (٣) وانتهى الشَّرَفُ في قُريش إلى عشرةِ رَهْطٍ من عشرة أبطُن، وهم: هاشم، وأميةُ، ونوفلٌ، وعبدُ الدار، وأسد، وتَيم، ومَخزوم، وعَدي، وجُمَح، وسَهْم. فكان من بني هاشم العباسُ بن عبد المطلب يسقي الحجيجَ في الجاهلية، وبقي له

стр. 1192

ذلك في الإِسلام، وكان إليه أمرُ المسجد الحرام، فلا ينطِقُ فيه أحد بِهُجْرٍ ولا رَفَث، ولا يرفع صوتَه فيه إلا وللعباس أن ينهاهُ عن ذلك، وكانت إليه عِمارتُه وأسبابُه، واتصل ذلك بِبَنيهِ في الإِسلام. وأمَّا أميَّةُ: فمن بنيه أبو سفيان، كانت عنده راية تُسمَّى "العُقاب" وكانت لقريش يسيرون تحتها، وجاء الإِسلام وهو على ذلك. وأمَّا نوفل: فمن بَنيه الحارثُ بن عامر، كان إليه الرِّفادةُ، وهي ما تُخرِجُه قريش من أموالها، ترفِدُ به مُنْقَطِع الحاجِّ. وأما عبد الدار: فمن بَنيه عثمان بن طَلْحة، كان إليه اللِّواء، والسَّدَانة، والحِجابة، ودار النَّدْوَة، وبقي ذلك إلى أول الإِسلام، فزال اللواءُ ودارُ الندوة، وبقيت الحِجابةُ. وأما أسَدٌ: فمن بنيه يزيد بن ربيعة بن الأسود، وكانت إليه المشورةُ، واستُشهِدَ يومَ الطائِف مُسلِمًا. وأما تَيمٌ: فمنها أبو بكر ﵁، كانت إليه في الجاهلية الأشناقُ، وهي الدِّياتُ والمغارِم. وأما مخزومٌ: فمنها خالدُ بن الوليد، كانت إليه أعِنَّةُ الخيل في الحرب دون غيره، وما يَجمعونه لتجهيز الجيوش (١). وأما عَدِيّ: فمنها عمرُ بن الخطاب ﵁، كانت إليه السِّفارة في الجاهلية، إذا وقعت بين قريش وبين غيرها مُنافَرَة، أرسلوه فأَصلَحَ بينهم (٢). وأما جُمَحُ: فمنهم صفوانُ بن أمية، كانت إليه الأزْلامُ، وهي الأَيسار. وأما سَهْمٌ: فمنها الحارثُ بنُ قيس، كانت إليه الحكوماتُ في المالِ الذي يجعلونَه لآلهتهم.

стр. 1193

فهذه المكارم التي كانت لقريش، ولهاشم أعْظَمُها، ثم جاء الإِسلام فَوَصَل ما يَصْلُح وَصْلُه، قال شَرِيك بن عبد الله: سُئِل عليٌّ ﵇ عن بني أَمية وبني هاشم؟ فقال: هم أكبرُ وأمكرُ وأشكر، ونحن أفصحُ وأصبحُ وأنصحُ (١). ذِكر وَفاة هاشم اتفقوا على أنه مات بغَزَّة بساحل البحر، وهو ابن عشرين سنة، وقيل: ابن أربع أو خمس وعشرين سنة، ولما احتُضِر أوصى إلى أخيه المُطَّلب، فبنو هاشم وبنو المطَّلب يدٌ واحدة إلى اليوم، وبنو نوفل وبنو عبد شمس ابني عبدِ مَناف يد واحدة إلى اليوم. ذكر أولاد هاشم كان له من الولد عشرة، خمسة ذكور وخمس إناث، فالذكور: أبو صَيفي واسمه عمرو وكان أكبرَ ولده، وصيفيٌّ (٢)، وشَيبَةُ وهو عبد المطلب، وأسد، ونَضْلَة. وأما الإناث: فرُقَيَّةُ، والشِّفاء، وصعيفة، وخالِدة، وحَيَّة. فأما أبو صيفي فسمَّاه هاشم عَمرًا لمحبته إياه، فوَلَد أبو صيفي الضَّحاكَ ورُقَيقةَ، وهي أم مَخْرمة بنتُ نوفل الزُّهْري صاحبة حديث استسقاء عبد المطلب. وأما صيفيٌّ فلم يُعقِب. وأمه أم أبي صيفي واسمها هند بنت عمرو بن ثَعْلَبة الخَزْرَجي. دَرَج (٣) ولم يولد له. وأما شيبةُ فسنذكره. وأما أسدٌ فأمه قَيْلةُ بنت عامِر خزاعية، وهي بنت هَرِم بن رَواحة من بني عامِر بن لؤي، فولدت له فاطمة بنتَ أسَد أمَّ علي ﵇ وأخوته. وأما نَضْلةُ بن هاشم فأمُّه أُمَيمة بنت عدي من قُضاعة، وُلد له الأرْقَم بن نَضْلة،

стр. 1194

وولَدَ الأرقمُ زينَبَ، تزوَّجها عبدُ يَغُوثِ بن وَهب الزُّهري وولَد الأرقمُ هِنْدا، تزوَّجها جَميل بن مَعْمرَ الجُمَحيّ، وليس لنَضْلةَ عَقِبٌ من المذكور. وأما رُقيَّةُ، فهي شقيقةُ عبد المطلب وأمها سلمى، ماتت وهي بِكْرٌ. وأمَّا الشِّفاءُ، فتزوجها عُبيد بنُ عبد يَزيد بن هاشم بن المطلب، فأولدها السائبَ بنَ يزيد. وكان السائبُ يُشْبه رسول الله ﷺ ، وقد رثت أباها هاشمًا فقالت (١): [من الخفيف] عينِ جُودي بعَبْرةٍ وسُجومِ … واسْفَحي الدَّمعَ للجَواد الكريمِ عينِ واسْتَعْبِري وسُحِّي دُموعًا … لأبيكِ المُسوَّد المَعْلومِ وربيعٍ للمُجْدبين وحِرْزٍ … ومُرامٍ لكلِّ أمرٍ عظيم شَيظَميٍّ مُهَذَّبِ ذي أيادٍ … أرْيَحِيٍّ مثلِ القناةِ وَسيمِ (٢) غالِبيٍّ سَمَيدَعٍ أحْوَذِي … باسِقِ المجْدِ ذي رُواءٍ حَليمِ (٣) صادقِ البأسِ في المواطن شَهْمٍ … ماجِدِ الخِيمِ غيرِ نِكْسٍ ذَميمِ وأمَّا ضعيفةُ وخالدةُ فأمهما واقِدة بنت أبي عَدِي من بني مازِن، كانت تحت عبد مَناف، فلما مات خَلف عليها ولدُه هاشم. وأما حيَّةُ فأمها أمُّ عدي (٤) بنت حُبَيِّب ثَقَفِيَّة. وقالت خالدة ترثي أباها هاشمًا (٥): [من الكامل] بَكَرَ النَّعِيُّ بخير مَن وَطِئَ الْحصَى … ذي المكرُمات وذي الفِعالِ الفاضِلِ بالسيِّد الغَمْرِ السمَيدَعِ ذي النُّهى … ماضي العَزيمةِ غير وَغْدٍ واغِلِ (٦) زينِ العَشيرةِ كُلِّها، ورَبيعِها … في الضَّيِّقات (٧) وفي الزَّمان الماحِلِ

стр. 1195

بأخي المكارمِ والفَواضلِ والعُلى … عَمرو بن عبد مَنافِ غيرِ الخاذلِ إنَّ المهذَّبَ من لُؤَيٍّ كُلِّها … بالشام بين صفائحٍ وجَنادلِ أبكي عليه ما بَقيتُ بعَوْلةٍ … فلقد رُزِئْتُ أخا ندىً وفوَاضلِ ولقد فَقَدْتُ قَريعَ فِهْرٍ كلِّها … ورئيسَها في كلِّ أمرٍ شاملِ فَصْلٌ في عبد مَناف واسمه المُغيرة، وكان يلقَّب بالقَمَر لجمَاله. وأمّه حُبَّى بنت الحُلَيل الخُزاعي، وقيل: عاتكة بنت هِلال من بني سُلَيم (١). وكان قُصيّ أبو عبد مناف يقول: وُلد لي أربعةُ أولاد سميت منهم اثنين باسم إلهي، وواحدًا بداري، وواحدًا بنفسي، وهم: عبدُ مناف، وعبدُ العُزَّى، وعبدُ الدارِ، وعبد قُصَي (٢). ذكر أولاد عَبْد مَناف وُلد له ستَّة ذكورٍ وستُّ إناث. فا لذكور: هاشم، والمطَّلب، وعبد شَمسٍ، ونَوفل، وأبو عمرو، وأبو عُبيد (٣). والإناثُ: تمُاضِر، وحَيَّة، ورَيْطة، وقِلابة، وبَرَّة، وهالة (٤). فأمَّا هاشمٌ فكان أكبَرَ ولده، وهو الذي عقد الحِلف لقريشٍ من النَّجاشي (٥). وأما عبد شمس فأمه عاتِكةُ أم هاشم. ذكر أولاد عبد شَمس وهمِ أمَيَّة الأكبر، وأمَيَّة الأصغر، وحبيب، وعبد العزَّى، وسُفيان، وربيعة، وعبد أمية، ونوْفل، وعبد الله، وأُميمة (٦).
следующие страницы →