مناف، أجمعوا بأن يأخذوا ما بأيدي بني عبدِ الدار بنِ قُصيّ مِمَّا كان جعل قُصيٌّ إلى عبدِ الدارِ من الحِجابةِ والسِّقايةِ واللّواءِ والنَّدْوةِ والرِّفادةِ، ورأَوا أنهم أحقُّ بذلك لِشَرَفهم وفَضْلِهم على قومهم، وكان القائمَ بالأمر هاشم، وأبي ذلك بنو عبدِ الدَّار، وانضمَّ إلى بني عبد مَناف بنو أَسَد بنِ عبد العُزَّى، وبنو زهرة (١)، وبنو تميم بن مُرَّة، وبنو الحارث بن فِهْر، وانضمَّ إلى بني عبد الدَّار بنو مَخْزوم، وبنو سَهْم، وبنو جُمَح، وبنو عَدِيّ بن كعب، وعَقَدَ كلُّ قوم حِلفًا مؤكّدًا على أنهم لا يتخاذلون، وأخرجت بنو عبد مناف جَفْنةً مملوءة طِيبًا، فوضعوها عند الكعبة، وغَمَسوا أيديَهم فيها، وتعاهدوا وتعاقدوا، ومَسَحوا الكعبة بأيديهم تأكيدًا (٢)، فسُمُّوا المُطَيَّبين.
ولما رأت ذلك بنو عبد الدار نحروا جَزُورًا، وجعلوا دمَه في جَفْنة، وغمسوا أيديَهم فيها، وتحالفوا، فسُمُّوا لَعَقَةَ الدَّمِ، ووقع الشرُّ بينهم، وتهيَّأ الفريقان للقتال، فقال أعيانُ قريش: هذا سببُ هلاك الفريقين، وطمعِ العدو في بيت الله وحَرَمِه، ودخلوا بينهم، فاتَّفقوا على أن يُعطوا لبني عبد مَنافٍ الرِّفادةَ والسِّقايةَ، وتكون الحِجابةُ واللواءُ ودارُ النَّدْوَة في يدِ بني عبد الدار، فلم تَزَلْ دارُ الندوة في أيديهم حتى باعها عكرمةُ بنُ عامر من معاوية بن أبي سفيان، فجعلها دارَ الإمارة، وهي اليوم على ذلك.
ذكر أشراف قريش في الجاهلية (٣)
وانتهى الشَّرَفُ في قُريش إلى عشرةِ رَهْطٍ من عشرة أبطُن، وهم: هاشم، وأميةُ، ونوفلٌ، وعبدُ الدار، وأسد، وتَيم، ومَخزوم، وعَدي، وجُمَح، وسَهْم.
فكان من بني هاشم العباسُ بن عبد المطلب يسقي الحجيجَ في الجاهلية، وبقي له
стр. 1192
ذلك في الإِسلام، وكان إليه أمرُ المسجد الحرام، فلا ينطِقُ فيه أحد بِهُجْرٍ ولا رَفَث، ولا يرفع صوتَه فيه إلا وللعباس أن ينهاهُ عن ذلك، وكانت إليه عِمارتُه وأسبابُه، واتصل ذلك بِبَنيهِ في الإِسلام.
وأمَّا أميَّةُ: فمن بنيه أبو سفيان، كانت عنده راية تُسمَّى "العُقاب" وكانت لقريش يسيرون تحتها، وجاء الإِسلام وهو على ذلك.
وأمَّا نوفل: فمن بَنيه الحارثُ بن عامر، كان إليه الرِّفادةُ، وهي ما تُخرِجُه قريش من أموالها، ترفِدُ به مُنْقَطِع الحاجِّ.
وأما عبد الدار: فمن بَنيه عثمان بن طَلْحة، كان إليه اللِّواء، والسَّدَانة، والحِجابة، ودار النَّدْوَة، وبقي ذلك إلى أول الإِسلام، فزال اللواءُ ودارُ الندوة، وبقيت الحِجابةُ.
وأما أسَدٌ: فمن بنيه يزيد بن ربيعة بن الأسود، وكانت إليه المشورةُ، واستُشهِدَ يومَ الطائِف مُسلِمًا.
وأما تَيمٌ: فمنها أبو بكر ﵁، كانت إليه في الجاهلية الأشناقُ، وهي الدِّياتُ والمغارِم.
وأما مخزومٌ: فمنها خالدُ بن الوليد، كانت إليه أعِنَّةُ الخيل في الحرب دون غيره، وما يَجمعونه لتجهيز الجيوش (١).
وأما عَدِيّ: فمنها عمرُ بن الخطاب ﵁، كانت إليه السِّفارة في الجاهلية، إذا وقعت بين قريش وبين غيرها مُنافَرَة، أرسلوه فأَصلَحَ بينهم (٢).
وأما جُمَحُ: فمنهم صفوانُ بن أمية، كانت إليه الأزْلامُ، وهي الأَيسار.
وأما سَهْمٌ: فمنها الحارثُ بنُ قيس، كانت إليه الحكوماتُ في المالِ الذي يجعلونَه لآلهتهم.
стр. 1193
فهذه المكارم التي كانت لقريش، ولهاشم أعْظَمُها، ثم جاء الإِسلام فَوَصَل ما يَصْلُح وَصْلُه، قال شَرِيك بن عبد الله: سُئِل عليٌّ ﵇ عن بني أَمية وبني هاشم؟ فقال: هم أكبرُ وأمكرُ وأشكر، ونحن أفصحُ وأصبحُ وأنصحُ (١).
ذِكر وَفاة هاشم
اتفقوا على أنه مات بغَزَّة بساحل البحر، وهو ابن عشرين سنة، وقيل: ابن أربع أو خمس وعشرين سنة، ولما احتُضِر أوصى إلى أخيه المُطَّلب، فبنو هاشم وبنو المطَّلب يدٌ واحدة إلى اليوم، وبنو نوفل وبنو عبد شمس ابني عبدِ مَناف يد واحدة إلى اليوم.
ذكر أولاد هاشم
كان له من الولد عشرة، خمسة ذكور وخمس إناث، فالذكور: أبو صَيفي واسمه عمرو وكان أكبرَ ولده، وصيفيٌّ (٢)، وشَيبَةُ وهو عبد المطلب، وأسد، ونَضْلَة. وأما الإناث: فرُقَيَّةُ، والشِّفاء، وصعيفة، وخالِدة، وحَيَّة.
فأما أبو صيفي فسمَّاه هاشم عَمرًا لمحبته إياه، فوَلَد أبو صيفي الضَّحاكَ ورُقَيقةَ، وهي أم مَخْرمة بنتُ نوفل الزُّهْري صاحبة حديث استسقاء عبد المطلب.
وأما صيفيٌّ فلم يُعقِب. وأمه أم أبي صيفي واسمها هند بنت عمرو بن ثَعْلَبة الخَزْرَجي. دَرَج (٣) ولم يولد له.
وأما شيبةُ فسنذكره.
وأما أسدٌ فأمه قَيْلةُ بنت عامِر خزاعية، وهي بنت هَرِم بن رَواحة من بني عامِر بن لؤي، فولدت له فاطمة بنتَ أسَد أمَّ علي ﵇ وأخوته.
وأما نَضْلةُ بن هاشم فأمُّه أُمَيمة بنت عدي من قُضاعة، وُلد له الأرْقَم بن نَضْلة،
стр. 1194
وولَدَ الأرقمُ زينَبَ، تزوَّجها عبدُ يَغُوثِ بن وَهب الزُّهري وولَد الأرقمُ هِنْدا، تزوَّجها جَميل بن مَعْمرَ الجُمَحيّ، وليس لنَضْلةَ عَقِبٌ من المذكور.
وأما رُقيَّةُ، فهي شقيقةُ عبد المطلب وأمها سلمى، ماتت وهي بِكْرٌ.
وأمَّا الشِّفاءُ، فتزوجها عُبيد بنُ عبد يَزيد بن هاشم بن المطلب، فأولدها السائبَ بنَ يزيد. وكان السائبُ يُشْبه رسول الله ﷺ ، وقد رثت أباها هاشمًا فقالت (١): [من الخفيف]
عينِ جُودي بعَبْرةٍ وسُجومِ … واسْفَحي الدَّمعَ للجَواد الكريمِ
عينِ واسْتَعْبِري وسُحِّي دُموعًا … لأبيكِ المُسوَّد المَعْلومِ
وربيعٍ للمُجْدبين وحِرْزٍ … ومُرامٍ لكلِّ أمرٍ عظيم
شَيظَميٍّ مُهَذَّبِ ذي أيادٍ … أرْيَحِيٍّ مثلِ القناةِ وَسيمِ (٢)
غالِبيٍّ سَمَيدَعٍ أحْوَذِي … باسِقِ المجْدِ ذي رُواءٍ حَليمِ (٣)
صادقِ البأسِ في المواطن شَهْمٍ … ماجِدِ الخِيمِ غيرِ نِكْسٍ ذَميمِ
وأمَّا ضعيفةُ وخالدةُ فأمهما واقِدة بنت أبي عَدِي من بني مازِن، كانت تحت عبد مَناف، فلما مات خَلف عليها ولدُه هاشم.
وأما حيَّةُ فأمها أمُّ عدي (٤) بنت حُبَيِّب ثَقَفِيَّة.
وقالت خالدة ترثي أباها هاشمًا (٥): [من الكامل]
بَكَرَ النَّعِيُّ بخير مَن وَطِئَ الْحصَى … ذي المكرُمات وذي الفِعالِ الفاضِلِ
بالسيِّد الغَمْرِ السمَيدَعِ ذي النُّهى … ماضي العَزيمةِ غير وَغْدٍ واغِلِ (٦)
زينِ العَشيرةِ كُلِّها، ورَبيعِها … في الضَّيِّقات (٧) وفي الزَّمان الماحِلِ
стр. 1195
بأخي المكارمِ والفَواضلِ والعُلى … عَمرو بن عبد مَنافِ غيرِ الخاذلِ
إنَّ المهذَّبَ من لُؤَيٍّ كُلِّها … بالشام بين صفائحٍ وجَنادلِ
أبكي عليه ما بَقيتُ بعَوْلةٍ … فلقد رُزِئْتُ أخا ندىً وفوَاضلِ
ولقد فَقَدْتُ قَريعَ فِهْرٍ كلِّها … ورئيسَها في كلِّ أمرٍ شاملِ
فَصْلٌ في عبد مَناف
واسمه المُغيرة، وكان يلقَّب بالقَمَر لجمَاله. وأمّه حُبَّى بنت الحُلَيل الخُزاعي، وقيل: عاتكة بنت هِلال من بني سُلَيم (١). وكان قُصيّ أبو عبد مناف يقول:
وُلد لي أربعةُ أولاد سميت منهم اثنين باسم إلهي، وواحدًا بداري، وواحدًا بنفسي، وهم: عبدُ مناف، وعبدُ العُزَّى، وعبدُ الدارِ، وعبد قُصَي (٢).
ذكر أولاد عَبْد مَناف
وُلد له ستَّة ذكورٍ وستُّ إناث. فا لذكور: هاشم، والمطَّلب، وعبد شَمسٍ، ونَوفل، وأبو عمرو، وأبو عُبيد (٣).
والإناثُ: تمُاضِر، وحَيَّة، ورَيْطة، وقِلابة، وبَرَّة، وهالة (٤).
فأمَّا هاشمٌ فكان أكبَرَ ولده، وهو الذي عقد الحِلف لقريشٍ من النَّجاشي (٥).
وأما عبد شمس فأمه عاتِكةُ أم هاشم.
ذكر أولاد عبد شَمس
وهمِ أمَيَّة الأكبر، وأمَيَّة الأصغر، وحبيب، وعبد العزَّى، وسُفيان، وربيعة، وعبد أمية، ونوْفل، وعبد الله، وأُميمة (٦).
стр. 1196
فأما أُمَيَّةُ الأكبر فكان عبد شمس يُكنى به، وأمه تَعْجُز بنتُ عُبيد بن رُؤاس بن كلاب. ويقال لها أيضًا عاتكة، وهي أم حَبيب بن عبد شمس. وذهَبَ بَصَرُ أُمَيَّةَ بنِ عبدِ شمس.
ذكر أولاد أُميَّةَ الأَكبر
فوُلِد لأَمَيَّة الأكبر: حَرْث، وأبو حَرْب، وسُفْيان، وأبو سُفْيان، وعَمرو، وأبو عمرو، وهم العَنابِسُ من قريش، والعاص، وأبو العاص، والعِيص، وأبو العِيص، وهم الأَعْياص من قريش.
وفيهم يقول فَضالةُ بن شَريك الأسَدي (١): [من الوافر]
منَ الأعياصِ أو من آلِ حَرْبٍ … أغَرُّ كغُرَّة الفَرَسِ الجَوادِ
وأمهم آمنةُ بنت أبانِ بن كُلَيب بن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعة، وفي ذلك يقول النابِغةُ الجَعْدِي (٢): [الوافر]
وشاركْنا قُريشًا في تُقاها … وفي أحْسابِها شِرْكَ العِنانِ
بما وَلَدت نساءُ بني هِلالِ … وما وَلَدت نساءُ بني أَبَانِ
فأمَّا حرب بن أُميَّةَ الأكبر فكُنيتُه أبو عمرو، وهو أبو أبي سفيان صخرِ بنِ حَرْب، وأمِّ جميل حَمَّالة الحَطَب بنت حرب، وكان شريفًا في قومه، وكان ينادِم عبدَ المطلب، فجرى بينهما كلام فتنافرا، كانفر عبد المطلب عليه، وأبي النجاشيُّ أن يدخل بينهما، فجعل بينهما نُفَيل بن عبد العُزّى بن رَباح العَدَوي.
فقال نُفَيل لحرب: أَتُنافِرُ رجلًا هو أطولُ منك قامةً، وأعظمُ هامةً، وأوسمُ وَسامة، وأقلُّ مَلامة، وأكثر منك وَلدًا، وأعظمُ مَدَدًا، وأعزُّ والدًا، وأجزلُ صَفَدًا (٣) وأطول يَدًا؟ فنفَّره عليه. فقال حرب: من انتكاثِ الزمان أنْ جُعِلْت حَكَمًا (٤). والنَّكِيثَة: خطة صعبة.
стр. 1197
ولما مات حرب، كُنَّ نساءُ قُريش كلما عات مَيِّت بَكَينه وقُلْن: واحَرْباه -بِإِسكان الراء- يُشِرْنَ إلى حرب بن أمية، من عِزَّته وشَرَفه، فأقَمْن مدَّة على هذا، فمات ابن لامرأةٍ، فَجَعَلْنَ النساءُ يقلن: واحرْباه، فقالت أمُّه: وما أصْنَعُ بحرب؟ افْتَحن الراءَ، وقُلْنَ: واحرَباه من الحرَبِ، فقلن ذلك فصار سُنَّةً للنساء.
ذكر أولاد حَرْبِ بن أمية
وهم: أبو سفيانَ والفارِعةُ، وأمهما صفيَّةُ بنت حَزْن هِلاليَّة. وأمُّ جَميل بنتُ حرب أمها فاخِتَة بنتُ عامر بن مُغيث الثَّقفي. وأميمةُ وأُمُّ الحكم ابنتا حرب، أُمُّهما أمُّ وَلَد، والحارث (١) بنُ حرب، وأمُّه يمانِيَّةٌ دَرَج، وعَمرو بنُ حرب [وأبو عمرو بن حرب] (٢)، والصَّهباء بنت حرب.
فأمَّا أبو سفيانَ، فسنذكره في ترجمته.
وأما الفارعةُ فكانت تحت شيبةَ بن ربيعةَ بن عبد شمس، فخلف عليها الأَسْودُ بن المطَّلب بن أسَد بن عبد العُزّى.
وأمَّا أم جميل فتزوجها أبو لَهَب بن عبد المطلب.
وأمَّا فاخِتةُ، فتزوجها جَثَّامةُ اللَّيثي، ثم خلف عليها عُتْبةُ بن غَزْوانَ المازني.
وأمَّا الصَّهْباء فتزوجها بِشْر بنُ عبد الملك السَّكوني. فهؤلاء أولاد حرب بن أمية الأكبر.
وأمَّا سفيانُ بن أميةَ الأكبر فلا عَقِب له.
وأمَّا أبو سفيان بن أمية فاسمه عَنْبَسة، وهو أكبر ولده، ولا عَقِبَ له.
وأمَّا عمرو بن أمية، فلا عَقِبَ له، وأمه بنت أبي هَمْهَمَةَ من وَلَدِ الحارث بن فِهر.
وأمَّا أبو عمرو بن أمية، فأُمه من لَخْم. وولد عمرو بن أمية أبا مُعَيط جَدَّ الوليد بن عُقبةَ بنِ أبي مُعَيط.
стр. 1198
ومن وَلد أمية الأكبر العاصُ بن أمية، كان سيدًا حكيمًا، قال له قومه: اهْجُ بني أسَد بن عبدِ العُزّى، فقال (١): [مجزوء الكامل]
أنَّى أُعادي معشَرًا كانوا لنا حِصْنًا حَصينا
خُلقوا من الجَوزاء إذ خُلقوا ووالدُهم أَبونا
أبْلِغْ لديك بَني أُميةَ آية نُصحًا مُبينا (٢)
أنَّا خُلِقنا مُصْلِحين وما خُلِقْنا مُفْسدينا
وولد أبو العِيص بنُ أُمَيَّة الأكبرِ أَسيدًا أبا عَتَّاب بن أَسيد، عامل رسول الله ﷺ على مكة.
وأمَّا العاص بن أمية، فولد سعيد بن العاص، وكنيته أبو أُحَيْحَة.
وأمَّا أبو العاص بن أمية فولد عفَّانا أبا عثمان ﵁، والحكمَ أبا مروان.
عدنا إلى أولاد عبد شمس
فمنهم: أمية الأصغر، وعبد أمية، ونَوْفَل، وأمهم: عَبْلةُ بنت عُبيد بن جاذِل من بني تميم من البَراجِم (٣)، ويُدْعَون العَبَلات لأجل أمهم. وأولادُ أميةَ الأصغر بمكةَ، ومنهم الثُّريا التي شبُّبَ بها عُمر بن أبي ربيعةَ. وبنو عبد أُميَّةَ ونَوْفل بالشام.
ومنهم: حَبيبُ بنُ عبدِ شمس، فوَلَدُه ربيعةُ جد عامر بن كُرَيز بن ربيعة، وسَمُرة بن حبيب، وكان له أمَةٌ سوداء يقال لها: زَبيبة (٤). وأخوه لأمِّه أبو جُمعة الشاعر جد كُثيِّر بن عبد الرحمن بن أبي جُمْعَة (٥).
стр. 1199
ومنهم: أميمة بنت عبد شمس، وأمها تَعْجُز بنت عُبيد، تزوَّجها حارثةُ بنُ الأوْقَص السُّلَمي، ثم خلَف عليها عَمرو بن ثَعلبة (١) الكِناني.
ومنهم: سُفْيان بن عبد شمس، لا عَقِب له.
ومنهم: ربيعةُ بن عبد شمس، وهو أبو عتبةَ وشيبةَ. وربيعةُ يقال له: جَروُ البطحاء.
ومنهم: عبد العُزى بن عبد شمس. وُلد له ربيع وربيعة. فأما ربيع: فهو أبو أبي العاص بن الرّبيع زوجِ زينبَ ﵍ بنت رسول الله ﷺ ، وأمُّ عبد العُزَّى بن عبد شمس فاطمةُ (٢) أزْديَّة.
ومنهم: عبدُ الله بنُ عبد شمس الأعرَج. وأمُّه عَمْرةُ كِنْديَّة (٣).
عدنا إلى أولاد عبد مَناف
ذِكر أولاد نوفل بن عبد مناف
وهم: عَدِيٌّ أكبرُ ولده، وبه يكنى، وعامرٌ وعَمْرو وأبو عمرو وعبد عمرو، وضَعيفَة وأَمَة.
فَوَلَد عَدِيٌّ المُطْعم وطُعَيمة، والخيار والبذَّال، والصَّالح واسمُه عُبيدُ الله، والمبارَك واسمُه عبدُ الله.
وأمَّا أبو عمرو بن عبد مناف فلا عَقِب له، وأبو عبيد بنُ عبدِ مَناف (٤)، أُمُّهُما واقِدةُ بنت أبي عَدِيٍّ من بني صَعْصَعة.
وأما بنات عبد مناف، تُماضِر وحَيَّة وقِلابة وبَرة وهالة فأُمُّهُنَّ عاتكةُ الكبرى بنت مُرَّةَ بنِ هِلالٍ من وَلَد نَضْرةَ.
ورَيطَةُ بنت عبد مَناف أُمُّها واقِدةُ (٥) ثَقَفِيَّة.
стр. 1200
وأمَّا المُطلب بن عبد مناف، فكان له من الولد: الحارثُ، وعَبادٌ، وهاشمٌ، وعِكْرمةُ، وأَنيسٌ، وأبو عمرو، وأَبو رُهْم (١) الأكبر، وأبو عِمران، ومِحْصَن، وعلقمة، وبنات.
وكان الحارث أكبرَ ولده، ووَلَد عَبيدةَ بن الحارث، وهو الذي قتل يوم بدر شهيدًا ﵁.
وأول من مات من ولد عبد مناف هاشمٌ بغزة، وعبدُ شمس بمكة وقبره بأَجْياد، ونَوْفلُ بالسَّلْمان، منزلٌ على طريق العراق من منازل الحُجاج، والمطلبُ برَدْمان من أرض اليمن، ونَوْفَل آخرهم موتًا، وفيهم يقول مطرود بنُ كعب الخُزَاعي: [من السريع]
قبرٌ برَدْمانَ وقبرٌ بِسَلْـ … ـمان وقبرٌ عند غَزَّاتِ
فصل في ذكر قُصَيِّ بن كلاب
كان له أربعة أسامي: قُصَيٌّ، وزيدٌ، ومُجَمِّع، والنَّدى، والمشهور زيدٌ، وغيره ألقاب، وفيه يقول القائل: [من الطويل]
هُمامٌ له أسماءُ صدْقٍ وسؤدُدٍ … قُصَيٌّ وزيدٌ والنَّدى ومُجَمّعُ
وفيه يقول حُذافَة بن غانم العَدَوي يخاطب أبا لَهَب (٢): [من الطويل]
أبوكم قُصيًّا كان يُدعى مُجَمِّعًا … به جَمَّعَ الله القبائلَ من فِهرِ
ذكر السبب في تسميته قُصَيًّا:
وإنما سمي قُصيًّا لتَقَصِّي أمه به، وذاك لأن أباه كِلابَ بن مرة كان قد تزوج فاطمةَ بنت سعد بن سَيَل من بني عذرة من أزد السَّراة، فوَلَدت له زيدًا وزُهْرة، ثم مات كِلابٌ وزيدٌ صغير، فتزوجَ أمه ربيعة بن حَرَام بن ضِنَّة، وقصي فطيمٌ، وزُهرةُ رجل قد بَلَغ، فاحتملها ربيعةُ إلى بلاده من أرض بني عُذرةَ من مشارف الشام، فاحتملت قُصيًّا معها، [فسمي قصيًّا] لتقصي أمّه به، وبُعْدِه عن ديار قومه. ونشأ بأرض قُضاعةَ لا يَعرِفُ له أبًا
стр. 1201
إلا ربيعةَ بنَ حَرام، فجرى بينه وبين رجل كلام، فقال له: الحَقْ بقومك فلستَ مِنَّا، فسأل أمَّه عما قال الرجل، فقالت: أنت واللهِ أكرمُ نَفْسًا ووالِدًا، أنت ابنُ كلابِ بن مُرَّة، وقومك عند الكعبةِ بمكة.
فأجمع رأيُ قُصيٍّ على الخروج إلى مكةَ وكَرِه الغُربة، فقالت له أمه: يا بُنيَّ، لا تَعْجَل حتى يدخلَ الشهرُ الحرامُ، فتخرُجَ مع الحاجِّ فتأمنَ على نفسك، فإني أخاف عليك. فأقام حتى تجَهَّزَ جماعةٌ من قُضاعةَ، فخرج معهم، وقَدِم مكةَ وعليها يومئذ حُلَيلُ بن حُبْشيَّةَ بنِ سَلولِ بنِ كعب الخُزاعي، وإليه حِجابةُ البيت، فخطب إليه ابنته حُبَّى فزوجه إياها، فولدت له عبدَ الدار، وعبدَ مناف، وعبدَ العزى، وعبدَ قصي، فلما انتشر ولدُه، وكَثُر مالُه، وعَظُم شَرَفُه، هَلَك حُلَيل، فحَجَب البيتَ ابنُه المُحتَرِش وهو أبو غَبْشان.
وقال الواقدي: لما احتضر حُلَيْل أوصى بولاية البيت إلى ابنته حُبّى فقالت: أنا امرأة فكيف أفْتَح الباب وأُغلِقُه؟ فقال: أنا أجعل ذلك إلى رجل. فجعله إلى أبي غَبْشان واسمه سليم بن عمرو، وكانت العرب تجعل له جُعلًا في كل سنة، فقَصَّروا عنه فغضب، فسقاه قُصي الخمر حتى سَكِر وقال له: يا أبا غَبْشان لا خير في العرب، فقال له: اشْتَرِ مني البيت. فباعه إياه بِزِقِّ خمرٍ وقَعودٍ وكَبْشٍ، وقيل: بزقِّ خَمر لا غير، فقال الناس: أخْسَرُ من صَفْقَة أبي غَبْشان. فذهبت مثلًا.
وقيل: إن حُلَيلًا لما رأى ولد قصي قد كثروا سُرَّ بهم، فأوصى بالبيت إلى قُصَيٍّ وقال: أنت أَحَقُّ به وهؤلاء أولادك من ابنتي، والأَول أشهر.
ثم إِن قُصَيًّا رأى أنه أَولى (١) بالبيت من خُزاعةَ وبَكْر، وأن قريشًا صريحُ وَلَدِ إسماعيلَ، فعاهد رجالًا من كِنانةَ وقُريشِ على إخراج خُزاعَةَ وبَكرٍ من مكة، وكتب إلى أخيه لأمه رِزاح بن ربيعةَ يَستَنْجده عليهم، فأنْجَدَه في نَفَر من خُزاعةَ، وكانت صوفَةُ ترمي الجِمار قبل الناس وتُفيض قَبْلهم، وكانوا يقفون بعرفةَ والناسُ تبَعٌ لهم، فلا يَدفَعون حتى يقول قائل: أَجيزي صوفةُ، فإذا عَبروا العقبةَ تَبِعَهم الناس، فلما أراد
стр. 1202
قُصَيٌّ في العام الذي حج فيه أن يرميَ ويُفيض منعته صُوفةُ وقالوا: حتَّى نرميَ نحن ونُفيضُ. فلما كان العام القابل قَدمَت قُضاعةُ وفيهم أخوةُ قُصَي لأمه، وهم: رزاحٌ، ومحمودٌ، وجُلْهُمةُ، وحُنٌّ أولاد ربيعة، واجتمع إلى قصي قبائل مُضَر وقريش وكِنانة عند العَقَبة، فمنعتهم صوفةُ عن رمي الجِمار واقتتلوا، فهزم قصيٌّ صوفةَ، فقال رِزاح لأخيه: أَجِزْ قُصيُّ بالناسِ، فأنت أوْلى، فأجازهم، فلم تزل الإفاضة في وَلَد قُصَيٍّ، وإلى هلمَّ جرًا.
ثم انحازت عنه خُزاعةُ وبَكْر إلى الأبطح، فقاتلهم قصي، وكثرت الجراحات والقتلى بين الفريقين، فحكَّموا بينهم يَعْمر بن عوف بن كعب من ولد كِنانة، ورضوا بحكمه، فحَكَم لِقُصَيٍّ بالبيت والحُكْمِ على مكة، وأن كلَّ دَمٍ أصاب قريشًا يَشدَخُه تحت قدميه من دماء خُزاعةَ وبَكْر، وما أصاب خُزاعةَ وبني بكر من قريش ففيه الدِّيَة، فسُمِّيَ يعمر يومئذٍ الشَّدَّاخ، ولما فرغ قُصَيٌّ من أمر مكة انْصَرف أخوه رِزاخٌ وأخوته وقومه إلى الشام، وكانوا ثلاث مِئة رجلٍ، بعد أن أكرمهم قصي وأحسن إليهم، وكانوا يوافون الموسم كل عام، فينزلهم في دار النَّدوة، ويكرمهم، ويَصِلُهم.
ولما استقام أمره بمكة أجْلى خُزاعة من الأباطح، وأنزل قريشًا في أماكنهم، وكانوا في الجبال والشعاب، وهو أول من أصاب مُلكًا من بني لؤَي بن غالب، وأطاعه قومه وملَّكوه عليهم، وكان شريفًا، وهو الذي بني دار الندوة، وجعل بابها إلى المسجد، وما كانوا يتشاورون في أمر ولا يتناكحون ولا يعقِدون لواءَ الحرب ونحوَه إلا فيها (١).
وأول من أوقد النار بالمُزْدَلِفة قصي، فكان يراها الناس من عَرَفةَ، وكان يُضيفُ الناسَ أيامَ الموسم طول مُقامهم بمكة ومِنىً وعرفة (٢)، والنسبةُ إليه قُصَويٌّ.
ذكر أولاده:
وهم: عبدُ مناف، وعبدُ الدار، وعبدُ العزى، وعبدُ قُصَي، وكان يُحِبُّ عبدَ الدار،
стр. 1203
ولما كَبُرَ ورقَّ عظْمُه، أعطى ولدَه عبدَ الدار الحجابةَ، والسِّقايةَ والرِّفادةَ، واللِّواءَ ودارَ النَّدوة.
وكان عبد الدار بِكْرَ قُصيٍّ وكان ضعيفًا، وكان إخوته قد شَرُفوا عليه؛ فقال قصي: والله لأُلحِقَنَّك بهم، وإن كانوا قد شرُفوا عليك، فلا يدخل أحدهم الكعبةَ حتى تكون أنت الذي تفتَحُها له، ولا يُعْقد لقريش لواءُ الحرب إلا وأنت الذي تعقِدُه بيدك، ولا يشرب رجل ماءً بمكة إلا من سِقايتك، ولا يأكل أحد بمكة طعامًا إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمرًا إلا في دارك (١).
ذكر وفاته:
وتُوفي قصي بمكة وهو ابن عشرينَ ومئةِ سنةٍ، وقيل: لم يبلغ المئةَ، ولما احتُضِر أوصى بَنيهِ، فقال: اجتنبوا الخمرةَ، فإنها تُصلحُ الأبدانَ، وتُفسِدُ الأذهانَ.
فصل في كلاب بنِ مُرَّة
وأمُّه هند بنت سُرَير بن ثعلبةَ بن الحارث بن فِهْر بن مالك، وقيل: نُعيم بنت سُرَير (٢).
ومن ولد كلاب بن مرة: زُهْرة بنت كلاب، وهي امرأةٌ (٣) نُسِبَ ولَدُها إليها دون الأب، منهم أخوال رسول الله ﷺ .
وكان لكلاب أخوان من أبيه، وهما: تَيْمٌ ويَقَظة، وأمهما هند بنت حارثةَ البارِقِيَّة، وقيل: أسماءُ بنت عَدِيّ بن حارثة.
فصل في مُرَّةَ بن كعب
وأُمُّه وَحْشِيَّة بنت شيبان، من وَلَد النَّضْر بن كِنانة، وأخواه عَدِيٌّ وهُصَيْص.
стр. 1204
فصل في كعب بن لؤي
واسم أمِّه ماويةُ بنت كعبٍ من قُضاعةَ، وقيل: سَلْمى بنت محارِب من بني فِهر، وأخواه لأمه عامرٌ وسامةُ.
وكعبٌ أول من سمَّى يومَ الجُمُعة يومَ الجُمُعة، وكان قبل ذلك يسمى يوم عَروبَة، وإنما سماه يومَ الجُمُعة لأن قريشًا اجتمعت عليه وإليه فيه.
وكعب أول من خَطَب من العرب، وقال في خطبته: أما بعد.
وسبب خُطبته أنه لما مات لُؤَيٌّ تفرقت العرب، فجمعها كعْبٌ، وقال في خُطبته: أيها الناس، اسمعوا وعوا، وافهموا، وتعلموا، ليل ساجٍ، ونهارٌ داجٍ، والأرض مهاد، والجبال أوتاد، والسماء سقف مرفوع، والشمس والقمر والنجوم من قُدرة القادر، وصَنْعَةِ الفاطر، صِلوا أرحامَكم، وعظِّموا حَرَمَكم، فسيأتي له نبأ عظيم، ويخرج منه نبِي كريم. وذكر خطبة بليغةً عظيمةً، وله الخُطَب البالغة.
وكان له إخوة من أبيه دون أمه: خُزَيمةُ ويُسَمّى عائذةَ قريش، وأمه عائذةُ (١) بنت الخِمْس بن قُحافة خَثْعَمية، وسعْدٌ: وأمُّه بُنانةُ، وكان لكعب من الولد: مُرَّةُ، وهُصَيصٌ، وعَدي.
فمن مرَّةَ: رهطُ أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁ لأنه من تيم بن مُرَّة. ومن هُصَيص بن كعب: بنو سَهْم وجُمَحٍ. ومن عَديّ: عمرُ بنُ الخطاب ﵁ وزيد بنُ عمرو بنِ نُفَيل.
فصل في لؤَيِّ بنِ غالب
وأمُّه عاتكةُ بنتُ يَخْلُد بنِ النَّضْر بن كِنانة، وهي أول العواتك اللاتي وَلَدْنَ رسولَ الله ﷺ قريش (٢).
وغالب بنُ فِهْر، أُمُّه ليلى بنت الحارث، هُذَلية.
стр. 1205
وفِهْر بن مالكٍ: أُمُّهُ جَنْدَلة بنت عامر (١)، جُرْهُمِيَّة، وكان فِهرٌ سيِّدَ العرب بالحجاز وتهامة، وكان ذو جَدَن حسانُ بنُ عبدِ كُلالٍ الحِمْيَري قد سار من اليمن إلى مكة ليخرِّب الكعبة، وينقلَ أَحجارَها إلى اليمن يبني بها بيتًا، ويجعل حجَّ الناسِ إليه، فنزل بطنَ نَخْلة في جيوشٍ عظيمة، فجمع فِهْر قبائل العرب من قريش وكِنانة وأسَد وخُزَيمة وجِذام وغيرهم، وخرج إليه والتقوا، وكانت الدائرة على ذي جَدَن، فقُتِل أكثر أصحابه، وأُسِر هُوَ، استأسَره الحارثُ بنُ فِهْر، وانهزمت حِمْيَر، فأقام حَسان بمكةَ أسيرًا ثلاثَ سنين، فافتدى نفسه بمال كثير، وخَرَج من مكة متوجهًا إلى اليمن فمات في الطريق. وهابت العرب فِهْرًا، وعظَّموه، وعلا أمره واستَفْحَل (٢).
ومالك بن النضر أمه عِكْرشة بنتُ عَدوان، وقيل: عاتِكةُ، وعِكرشةُ لقبٌ لها، وذكرها البلاذِرِيُّ في العواتك (٣).
والنَّضر بنُ كِنانة اسمه قَيس، والنَّضْرُ لَقَبٌ له لحسنه وجماله، أمُّه بَرَّة بنت مُرِّ بن أُدِّ بن طابِخَة، أخت تَميم بن مُرّ، وكانت تحت جَدّه خُزَيمة، فخلف عليها كِنانة.
وقد اختُلِف في قريش، هل هو فِهرُ بن مالِك أو النضرُ بن كِنانة، ومن لم يكن من ولد النَّضر بن كنانة فليس بقُرَشي، وبطون قريش خمسة وعشرون بطنًا. وكنانةُ بنُ خُزَيمةَ [أمه عوانة بنت سعد بن قيس بن عيلان. وقيل: بل أمه هند بنت عمرو بن قيس.
وخزيمة بن مدركة] (٤) أمه سَلْمى بنت أَسْلم قُضاعِيَّة، كنيته أبو الأسَد لِشجاعته، وهو أول من وضع هُبَلَ في جوف الكعبة.
ومُدرِكةُ بن الياس اسمُه عَمرو، وكنيتُه أبو الهُذَيل، وأمه ليلى بنت حلوان قُضاعية، ولقبها خِنْدِف.
стр. 1206
والياس بن مضر اسمه الحُسَين (١)، وأُمُّهُ الرَّباب بِنْت حَيدةَ بنِ مَعَدِّ بن عدنانَ، والياسُ أوَّلُ من أهْدى إلى البيت البُدْنَ، وأول من وضع الرُّكن في البيت بعد الطُّوفان، وكانت بنو إسماعيل ﵇ قد غَيَّرت معالم إبراهيم ﵇ لما طال الزمان، فرفعوا الركن من البيت وتركوه في أبي قُبَيس، فَرَدَّه إلياسُ إلى مَوْضِعِه، وقيل: إنما رَدَّ الحَجَر الأسْود إلى البيت، وكان في العرب مِثْلَ لقمانَ الحكيم في قومه، وكانوا يُعظِّمونه لأنه أول من أحيا سُنَن الخَليلِ ﵇، وهو أول من مات من العرب بِعِلَّةِ السِّل، فَجَزعَت عليه زوجته خِنْدِف جَزَعًا أَخرجها إلى الوَلَه، فخرجت عن مكةَ لم يُظلَّها سقفٌ حتى ماتت سائحة، فضربوا بها المثل، فقالوا: حُزْن خِنْدِف (٢)، وفيها يقول الشاعر (٣): [من الطويل]
ولو أَنَّه أَغْنى لكنت كَخِندفٍ … على الياس حتى أعْجَبَت كلّ مُعْجَب
إذا مُؤْنِسٌ لاحَت خراطيمُ شَمْسِه … بكت غُدوةً حتى ترى الشمس تَغْرُب
ومعنى مؤنِس؛ لأنه ماتَ يومَ الخميس، وكانوا يسمُّونه مُونِسًا، فكانت تبكي من غُدوَةَ إلى الليل.
ومُضَر بنُ نِزار أمُّه سودةُ بنتُ عَك، وهو أول من حدا.
ونزار بن مَعَدّ أمُّه مُعانةُ بنتُ جَوْشَم (٤)، وكان عظيمًا وافِرَ المال، حاكمًا على العرب، مُنفذَ الأحكام، وكان له من الولد: مُضَر، وإيادٌ، وربيعةُ، وأنْمار. وكان ربيعةُ ومُضَر من أعيان أولاده، ويقال لهما: الصَّريحان من وَلَد إسماعيل ﵇، ولما حَضَرت الوفاة نزار بن معد، قسم ماله بين بنيه وكانوا أربعة، وقال: هذه القُبَّةُ وما أشبهها من مالٍ لِمُضَر، وكانت قبةً حمراءَ فسُمِّيَ مضرَ الحمراء، قال: وهذا الخِباء الأسودُ وما أشْبَهه من الخيل الدُّهْم لربيعة، فسمي ربيعةَ الفَرَس، وهذه الخادم وما
стр. 1207
أشبهها من مال -وكانت شمطاء- لإياد، فأخذ البُلْقَ. وهذه البَدْرَةُ والمجلسُ لأَنْمار، فأخذ العَينَ وما أشبهها، وأوصاهم أن يَتناصَفوا في الغنيمة، وقال: إن أَشكل عليكم شيءٌ من ذلك، أو اختلفتم في القسمة، فعليكم بالأفعى الجُرْهُمي، وكان كاهنًا بنجران اليَمَن من بيت المُلك.
ثم مات نِزارٌ، واختلفوا في القِسْمة، فخرجوا يريدون الأفعى الجُرْهُمي، فبينما هم يسيرون إذ مروا بأرض فيها كلأٌ قد رُعِي، فقال مُضَرُ: إِن البعير الذي رعى هذا لَأعورُ، وقال ربيعةُ: وإنه لأزْوَرُ (١)، وقال إياد: وإنه لأبْتَرُ، وقال أنْمار: وإنه لَشَرودٌ، فبينما هم كذلك إذا برجل تُوضِعُ به راحِلَتُه فسألهم عن البعير؟ فقالوا: ما رأيناه. فقال مضر: أهو أعْورُ؟ قال: نعم، وقال ربيعة: وهو أزْورُ؟ قال: نعم، وقال إياد: وهو أبْترُ؟ قال: نعم، وقال أنمار: وهو شَرود؟ قال: نعم، ثم قال الرجلُ: أنتم أخذتم بَعيري فلا أفارِقُكم إلا به.
ثم سار بهم حتى نزلوا على الأفعى الجُرْهمي، فسألهم عن أخبارهم؟ فعرفُوه بنفوسهم، فأكرمهم وأنْزَلهم. فقال له صاحبُ البعير: إن هؤلاء أخذوا بعيري، قالوا: ما رأيناه. فقال: قد وَصَفوه؟ قالوا: نعم وَصَفْناه، فقال: كيف تَصِفونه ولم ترَوْه؟ فقال مُضر: رأيتُه وقد كان يرعى جانبًا ويَدَعُ جانبًا فعلمت أنه أعْوَر. وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتةَ الأثَر والأخرى فاسدةَ الأثر، فعلمت أنه أزْوَر. وقال إياد: رأيت بعرَه مُجْتَمِعًا فعلمت أنه أَبْتَرُ، ولو كان ذَيَّالًا لَمَصَعَ به. وقال أتمار: رأيته يرعى الجانب الرقيق ويَدَع الجانب الكثيف، فعلمت أنه شَرودٌ. فقال الأفعى لصاحب الجملِ: اذهب انشُد بَعيرك، فليس هؤلاء بأصحابه.
ثم سألهم عن مقدَمهم؟ فأخبروه بِحالهم، فقال: أتحتاجون إليَّ وأنتم على ما أرى؟ فقسم التركةَ بينهم على ما قال نِزار، فَرَضُوا بحُكْمه، وقال لهم: إن العصا من العُصيَّة، يعني أنهم أولاد نزار، وكان نزارٌ فَطنًا. وقال الأفعى لقَهْرمانه: أنرلهم دارَ الضيافةِ وأكرِمهم، فأنْزَلَهم وجاءهم بطعام فأكلوا، وبخمر فشوبوا، وبقُرص من شَهْد،
стр. 1208
فقال مضر: لم أرَ لحمًا أطيبَ من هذا، لولا أنه رُبِّي بِلَبَن كَلْبَةٍ، وقال ربيعة: لم أرَ خَمْرًا أجودَ من هذا، لولا أنه نبت على قبرٍ، وقال إياد: لم أر شَهْدًا ألذَّ من هذا، لولا أن نَحْله عشَّشَ في رأس جبَّان، وقال أنمار: لم أر رجلًا أسْرى منه لولا أنه يدعى لغير أبيه. يعني الأفعى. وكان الأفعى يسمع كلامهم ولا يَرَوْنه، فقال: إِنَّ هؤلاءِ لشياطينُ، ثم دعا بقَهْرَمانه فسأله عن اللحم؟ فسأل الراعي؟ فقال الراعي: إن هذه الشاةَ وضَعتْها أمها وليس لها لبن، فأرضعَتْها كَلْبة. وقال للقَهْرَمان: وهذه الخمرة من حَبَلة عُشْب نَبَتَت على قبر أبيك، وهذا الشَّهد من نحل عَشَّشَ في جُمْجُمَةِ إنسان.
ودخل الأفعى على أمه، فقال: أخبريني من أبي؟ وتوعَّدها، فقالت: كان أبوك شيخًا كبيرًا لا يُولدُ له، وخفت أن يذهبَ المُلْك، ووفد علينا شاب فأمكنتُه من نفسي، فعلقت بك. ولما انفصلوا عن الأفعى، قيل لِمُضر: من أين علمت أن اللحم ربِّي بلبن كلبة، قال: وجدت له زُهَمَة. وقيل لربيعة: من أين علمت أن الخمر نبتت على قبر؟ قال: أصابني عطشٌ شديد. وقيل لإياد: من أين علمت أن النحل عَشَّش في رأس جبَّان (١)؟ فقال: لأنه كان ضعيفًا. وقيل لأنمار: من أين علمت أنه لِغيرِ أبيه؟ فقال: ما رأيت عليه مَخايِلَ السؤدُدِ والشَّرَف (٢).
والأفعى: هو ابن الحُصَين بن غَنْم بن رُهم بنِ مُرَّة بنِ أُدَدْ بن زيد بن يَشْجُب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وكانت العرب تتحاكم إليه، وهو أول من قال: الشرطُ أمْلك. وسبَبُه أن مُرَتِّع بنَ معاويةَ بنِ ثورٍ الكِنْدي -إليه ينسب كِندة- تزوج امرأة من حَضْرَمَوْت، وشرط عليه أبوها أنْ لا يتزوجَ عليها ولا تلدَ إلا في دارِ قومِها، فلم يَفِ لها بالشرط، فتحاكموا إلى الأفعى وأثبتوا الشرطَ عنده، فقال الأفعى: الشرطُ أمْلَك. فأخذ الحضرمِيون المرأةَ وابنَها من مرتِّع، واسم الابن مالك، فقال مُرَتِّع: أما ابني مالك فصدف عنِّي، فسمي الصدف (٣).
стр. 1209
ومعدُّ بن عدنان كنيته أبو نزار، وأمه مَهْدَد بنت اللِّهْم (١) من جَديس، وكان معدّ مع بُخْتنَصَّرَ لما غزا اليمن، ولما بلغ بنو سعدٍ عشرين ومئةَ رجلٍ؛ أغار بالشامِ على قومِ موسى ﵇، فدعا عليهم موسى ﵇، فلم يُستَجَبْ له فيهم، فقال: يا رب، ما هذا؟ فأوحى الله إليه: دعوتني على قومٍ هم خيرتي في آخر الزمان، إنه يكون منهم نبيٌّ أُحبُّه وأُحبُّ أمَّتَه، أمَّا حُبي إياه فأغفر له ما تقدم من ذنْبه وما تأخَّرَ، وأما حُبي لأُمَّته فإن استَغْفروني أو استغفَرني واحدٌ منهم؛ غَفَرْتُ له، وإن دعاني أجَبتُه. فقال: يا رب اجعلني منهم؟ فقال الله تعالى: إنك تقدَّمْت واستأخَروا.
وعدنانُ كنيتُه أبو مَعَدٍّ، وإليه انتهى نَسَب رسول الله ﷺ ، وما بعدَه مُختلَف فيه، واتفقوا على أنه من ولد إسماعيل ﵇ بغير شك.
فصل
وأمُّ رسول الله ﷺ : آمنةُ بنتُ وهْب بنِ عبدِ مَنافٍ بنِ زُهْرةَ بنِ كِلاب بنِ مُرَّة بنِ كعب بنِ لُؤَيٍ بنِ غالب بنِ فِهْر بن مالِك بن النضر بن كِنانة، ففي كِلاب يجتمع نَسَب أبيه وأمِّه. وأمُّ آمنة: بَرَّةُ بنتُ عبدِ العُزَّى بنِ قُصَيٍّ. [وأم برَّة أمُّ حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي بن كِلاب] (٢) وأمُّ أمِّ حَبيب: بَرةَ بنت عوفٍ بن عُبَيد بن عويج بن عدي بن كعبٍ بن لُؤَي. وأم بَرَّةَ: قِلابَةُ بنت الحارث بن مالك من وَلَدِ مُدرِكة بنِ الياس. وأمُّ قِلابة: أميمةُ بنتُ مَلَك بن غَنم بن لَحيان. وأم أميمة: دُبٌّ بنت ثعلبة بن الحارث بن تميمِ من ولد مُدرِكة. وأم دب: عاتكة بنت غاضرة من وَلَد الياسِ بنِ مُضَر. وأم عاتكةَ: ليلى بنت عوف، ثَقَفِيَّة.
فصل في العَواتِك
قال هشامٌ بنُ محمَّد: كَتَبْتُ للنبي ﷺ خَمْس مئة أُم، فما وجدت فيهن سِفاحًا ولا شيئًا من أمْرِ الجاهلية (٣).
стр. 1210
وقال ﷺ : "أنا ابنُ العواتِك" (١). يعني: جَدّاته من قبل النساء، وهن تسع: عاتكة بنتُ هِلال أم جَدِّ هاشم (٢)، وعاتكةُ بنت مُرَّةَ بن هلال أم وهب بن عبدِ مَناف بن زُهرة جد رسول الله ﷺ من قِبَل أمِّه آمنة. وقال الهيثم: العواتك (٣) إحدى عشرة. وقال ابن الرقي: هن أربعَ عشرة: ثلاث قُرَشِيَّات، وأربعٌ سُلَميات، وعَدَويتان، وهُذَلِيَّةٌ، وقَحْطانيَّةٌ، وقُضاعيةٌ، وثَقَفِيةٌ، وأسَدِيَّة أسد خُزَيمة.
فصلٌ في الفواطِم
وهُنَّ: ثمانٍ. وقيل: عشر. وقيل: سِتٌّ. وقيل: خمس، واحدةٌ قُرَشية وقيسِيَّتان ويمانيتان، فاطمة أم عبد الله بن عبد المطلب، وهي بنت عمرو بن عائذ بن عِمرانَ بنِ مَخْزوم. وأم عمرو بن عائذ: فاطمة بنتُ عبد الله بن رِزام من هَوازِن وأمها: فاطمة بنتُ الحارِثِ بنِ بُهْثة. وفاطمةُ بنتُ سعدٍ أمُّ قُصَيٍّ من أزْدِ شَنوءةَ، وجَدَّةُ عبد مناف لأبيه. وأمه: حُبَّى بنتُ حُلَيل بنِ حُبْشية الخزاعي، وأمها: فاطمةُ بنت نَصْر بن عوف من خُزاعة (٤).
* * *
стр. 1211
فصل في ذكر ولادته ﷺ -
قالت آمنةُ: لما حَمَلْتُ به لم أجد له ثِقَلًا كما تجدُ النساء، إلا أني قد أنكرتُ رفْعَ حَيضي، وأتاني آتٍ في منامي وأنا بين النوم واليقظة، فقال: أشَعرْتِ أنك قد حَمَلتِ بسيِّد هذه الأمةِ ونَبِيِّها؟ وذلك في يوم الإثنين، فلما دنت ولادتي؛ أتاني ذلك الآتي فقال: إذا ولدتِه فقولي: أُعيذه بالواحدِ من شرِّ كلِّ حاسد، ثم قال: سمِّيهِ مُحَمَّدًا أو أحمَد (١).
وَوُلِدَ ﷺ بمكة، في الدار التي كانت له ﷺ بمكان يقال له: زُقاق المَوْلد، وهذهِ الدار كان ﷺ وَهَبَها لعَقيلِ بن أبي طالب، فباعها ورثَتُه من محمَّد بن يوسف أخي الحجاج، فأدخلها في دارِه، ثم اشترت الخيزُرانُ جاريةُ المهدِيِّ الدارَ، وأخرجت منها ذلك البيتَ الذي وُلد فيه رسول الله في ﷺ فجعلته مسجدًا (٢).
ولد ﷺ يوم الاثنين في ربيعِ الأوَّل لاثْنتي عشرةَ ليلةً خلتْ منه، عامَ الفِيل بعد قدومِه بخمسٍ وخمسينَ ليلةً في اليوم الثاني والعشرين من نَيسان سنة اثنتين وثَمانِ مِئةٍ من تاريخ الإسكندرِ الروميّ في أيام كِسرى أَنُوشِروانَ لِأَربعينَ سنةً خلتْ من مُلْكِه. قال: واتَّفَق أهلُ السِّيَر على أنَّ مِن هُبوطِ آدم ﵇ إلى عام الفيل ستةَ آلافِ سنةٍ وثلاثًا وتسعينَ سنة.
واختلفوا في زمان حَمْله ﵇ على أقوال: أحدها: تسعةُ أشْهُر، والثاني: عشرٌ، والثالث: ستةٌ، والرابع: سبعةٌ، والخامس: ثمانيةٌ.
قالت آمنة: لقد عَلِقْت به فما وَجَدْتُ له مشَقَّة، ولما فُصل عني؛ خرج مني نورٌ أضاء له ما بين المَشْرق والمَغْرب، ووَقَع إلى الأرض ساجِدًا معتمدًا بيديه على
стр. 1212
الأرض، ثم رفع رأسَه إلى السماءِ وأشار بإصْبَعه، وظهر منه شهابُ نورٍ أضاءت له قصورُ الشام حتى رأيت أعناقَ الإِبِل بِبُصرى (١).
وقالت آمنة: فما رأيتُ إلى شيء إلا نُوِّر لي، ورأيتُ النجوم تدنو من الأرض حتى أقولَ إنها لَتَقَعُ عَلَيَّ (٢).
وقالت: ولدتُه جاثيًا على رُكْبَتيه ينظر إلى السماء، ويشير بإصبَعه الإبهام، ثم قَبَض قَبْضة مِن الأرض وأهوى ساجدًا، فغطيته ببُرْمَة أو بإناءٍ فانفلقَ عنهُ، وإذا به يَمَصُّ إبهامَه وهو يشخُبُ لَبَنًا، وسمعت قائلًا يقول: أبشري يا آمنة فقد وَلَدت سَيِّد هذه الأمة.
وقال العباس ﵁: ولد رسول الله ﷺ مختونًا مسرورًا -أي مقطوعَ السُّرةِ- فَسُرَّ به عبد المطلب، وقال: ليكونَنَّ لِولَدي شأنٌ من الشَّأن. قال ابن عباس: فكان واللهِ كما قال عبد المطلب (٣).
وقال ابن الجوزِيِّ: وُلد جماعةٌ من الأنبياء ﵇ مختونين: آدمُ، وشِيث، وإدريس، ونوحٌ، وسامٌ، وهودٌ، وصالحٌ، ولوطٌ، ويوسفُ، وموسى، وشُعَيبٌ، وسُلَيمان، وزكَريَّا، وَيحيى، وعيسى، وحنظلة بن صفوان نبي (٤) أصحاب الرَّس.
وقال كَعب الأحبار: كُلُّهم وُلدوا مَخْتونينَ إلا إبراهيمَ ﵇ ليكونَ إمامًا لِلنَّاس.
وقال علي بن يزيد بن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أبيه، عن عمته (٥) قالت: لما وَلَدتْ آمنةُ رسولَ الله ﷺ ، أرسلت إلى عبد المطلب وهو في الحجر مع أولاده، فجاءه البشير فَسُرَّ به وقام، فدخل على آمنة فأخبرته بكل ما رأت، وما قيل لها، وما أمرت به، فأخذه عبد المطلب على يديه وجاء به إلى الكعبة، فدخل به إليها وقام يدعو ويقول:
стр. 1213
الحمد لله الذي أعطاني
هذا الغلامَ الطيِّبَ الأردانِ
قد ساد في المَهْدِ على الغِلمان
أُعيذُه بالبيت ذي الأركانِ
حتى أراه بالغَ البُنيانِ
أُعيذُه من شرِّ ذي شَنْآن
من حاسِدٍ مُضطَرِبِ العِنان
وقال الهيثم: لما دخل على آمنة قالت له: يا أبا الحارث، ولد لك اليوم مولود أمرُه عَجَب، قال: وما ذاك؟ قالت: خرج معه نورٌ أضاءت منه قصورُ الشام، ومدائنُ كسرى، وقصورُ صَنعاء، ونوديتُ: سمِّيه محمدًا، فإنَّ اسمه في التوراة أحمد، فقال عبد المطلب: وأنا والله رأيتُ الساعة عجبًا، كنتُ أطوف بالبيت، فرأيتُ هُبَل قد مال حتى كاد أن يسقط، فجعلتُ أمسح على عيني وأقول: أنا نائم أم يقظان؟ ثم أخذه وانصرف إلى الكعبة، فطاف به وقال:
يا رب كلِّ طائفٍ وجاهدِ
ورب كلِّ غائبٍ وشاهد
أدعوكَ يا ربِّ دعاءَ جاهدِ
لا هُمَّ فاصرفْ عنه كيدَ الكائدِ
واحطِمْ به كلَّ عدوٍّ حاسدِ
وكان بمكة يهوديٌّ قد قرأ الكتب كلها، فأصبح ذات يوم فقال يا معاشر الناس، ولد الليلة نبي العرب، قالوا: وما علامتُه؟ قال. بين كَتفيه شامةٌ سوداء فيها شَعرات. فقيل له: ولد لعبد المطلب مولود، فجاء فرأى الشَّامة، فقال: ذهبت والله هو نبوَّة بني إسرائيل، أفرحتم يا معاشر قريش، والله ليَسْطُونَّ عليكم سَطوةً تخرج أبناؤها من
стр. 1214
المشرق إلى المغرب (١).
وقال حسان: إني لغلامٌ يَفَعةٌ ابن سبع سنين، وإذا بيهوديٍّ يصرخ بيثرب: يا معاشر يهود، طلع والله نَجْمُ أحمد في هذه الليلة، ولدته أمه (٢). قال حسان: فأدركه والله اليهودي، ولم يؤمن به حسدًا وبَغيًا.
حديث مَخزوم بن هانئ عن أبيه:
وكان قد أتت عليه خمسون ومئة سنة، قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ارتَجَّ إيوان كسرى، فانشق وسقط منه أربع عشرة شُرفة، وغاضت بُحيرة ساوة، وخَمدت نيرانُ فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى موبذ موبذان رؤيا هالته، ولما رأى كسرى انشقاق الإيوان، ووقوع الشرفات؛ هالته وجلس على سريره ودعا وزراءه، فاجتمعوا. فقال لهم: قد رأيتُ ما أفزعني. فبينما هو كذلك؛ إذ جاء الموبذ خائفًا، فقال له: مالك؟ فقال: رأيت رؤيا هالتني، قال: وما هي؟ قال: رأيتُ إبلًا صِعابًا تقود خَيلًا عِرابًا قطعتْ دجلة، وانتشرت في بلاد فارس، وبينا هم على ذلك؛ إذ ورد كتاب يُخبر فيه بخمود النيران، وذهاب بحيرة ساوة، فازدادوا غمًّا، قال لهم: ما عندكم؟ فلم يَردُّوا عليه شيئًا، فقال للموبَذ: فما تأويل رؤياك؟ فقال: حادثة تكون من ناحية العرب.
فكتب كسرى إلى النعمان بن المنذر -وهو على الحيرة-: وَجِّه إليَّ رجلًا من العلماء أسأله عما أريد، فبعث إليه بعبد المسيح بن عمرو بن قيس الغَسَّاني، فلما قدم على كسرى أخبره بما حدث، فقال: عِلْمُ ذلك عند خالٍ لي يسكن مَشاريقَ الشام يقال له: سَطيح، قال: فاذهب إليه وأخبره بما حدث، وعجل لي بالجواب. فركب عبد المسيح راحلته وسار مجدًّا حتى قدم الشام، وسطيح بالجابية قد أشرف على الموت، فسلم عليه، فلم يُحِرْ جوابًا فقال عبد المسيح: [من الرجز]
стр. 1215
أَصُمَّ أم يسْمَعُ غِطريف اليَمن
يا فاضل الحكمة أَعيَتْ مَن وَمَنْ
أتاكَ شيخُ الحيِّ مِن آل عَسَنْ
وأُمُّه من آل ذِئبِ بنِ حَجَنْ
أبيضُ فضفاضُ الثياب والبَدَنْ
رسولُ قَيلِ العُجمِ مَسْلوبِ الوَسَنْ (١)
فلما سمع سطيح كلامه، رفع رأسه وقال: جاء عبد المسيح على جمل مُشِيح (٢) إلى سطيح، وقد أشرف على الضريح، بعثك ملك ساسان لارتجاج الإيوان، ورؤيا الموبذان، وخمود النيران، رأى الموبذ إبلًا صِعابًا تقود خيلًا عِرابًا، قطعت دجلة وانتشرت في بلاد فارس، ثم قال سطيح: يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وبعث صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نيران فارس، فليس الشام لسطيح شامًا، يملك منهم ملوك وملكات، عدد الشرفات، وكُلُّ ما هو آت آت، ثم مات سَطيح. ورجع عبد المسيح إلى كسرى وهو يقول (٣): [من البسيط]
стр. 1216
إنْ يُمسِ مُلْكُ بني ساسانَ مُنْقَرضًا … فإن ذا الدَّهرَ أَطوارٌ دَهاريرُ
وربَّما أصْبَحوا يَومًا بمنزلةٍ … يَهاب صَوْلَتَها أُسْدٌ مَهاصيرُ
منهم أَخو الصَّرح بَهرامٌ وإِخوتُه … والهُرْمزانُ وشابورٌ وسابورُ
والناس أولادُ عَلَّاتٍ فَمن عَلِموا … أنْ قد أقلَّ، فمحقورٌ ومَهجورُ
فهم بنو الأم إِلا إِن رَأَوا نَشَبًا … فذَاك بالغيبِ محفوط ومنصورُ
والخيرُ والشَّر مقرونانِ في قَرَنٍ … فالخيرُ متَّبعٌ والشَّرُ محذورُ
فلما قدم على كسرى، أخبره بما قال سطيح، فقال كسرى: إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكًا تكون أمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين، وملك الباقون إلى أيام عثمان بن عفان (١) ﵁.
ذكر سَطِيح
واسمه الربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب، ولد في زَمَن سَيل العَرِم، وعاش إلى زمن كسرى أنو شروان، وذلك نحوًا من عشرة قرون، وقيل: عاش ألف سنة. وقال الشيخ جمال الدين ابن الجوزي رحمة الله عليه: عاش ست مئة سنة (٢). وقيل: خمس مئة سنة، وقيل: ثلاث مئة سنة، ونزل البحرين، وأقام بها مدة، ثم انتقل إلى الشام فنزل بمشاريقه، وكان في زمنِه: شِقٌّ كاهِنٌ آخر، فكلما سُئِلَ واحد منهما عن شيء أخبر عنه بكلام مسجوع يقذفه إليه تابعه من الجن، وكان سَطيح لحمًا على وَضَم، وكان يُحمل على شريحة من جَريد النَّخْل، فيؤتى به حيث شاء، ولم يكن فيه عظم ولا عصب إلا الجمجمة والعنق والكفين، وكان يُطوى من رجليه إلى ترقوته كما يطوى الثوب، ولم يكن فيه شيء يتحرك سوى لسانه. وأنشد أبو سهل الرازي لسطيح: [من الطويل]
عليكُمْ بتقوى اللهِ في السِّر والجهْرِ … ولا تَلبسوا صِدقَ الأمانةِ بالغدْرِ
стр. 1217
وكونوا كجار الجَنْبِ حِصنًا وجُنَّةً … إذا ما عَوَتْه النَّائباتُ من الدَّهر (١)
وروى عروة (٢) بن الزبير ﵄، عن أبيه، قال: خرج نفر من قريش فيهم وَرَقة بن نَوفل، وزيد بن عمرو بن نُفَيل، وعُبيد الله بن جَحْش، وعثمان (٣) بن الحُوَيرِث، إلى صنم لهم في يوم عيد كانوا يجتمعون إليه، وينحرون له، ويعظِّمونه، فدخلوا عليه فرأوه على وجهه مكبوبًا، فردوه إلى حاله فوقع، وفعلوا ذلك مرارًا، فقال عثمان بن الحُوَيرِث: هذا لأمر حدث في هذه الليلة، وكان رسول الله ﷺ قد ولد في تلك الليلة، فهتف بهم هاتف من الصنم يقول: [من الطويل]
تردّى لمولودٍ أنارت بنورِه … جَميعُ فجاجِ الأرضِ بالشَّرق والغربِ
وخرت له الأوثانُ طُرًّا وأُرعِدَتْ … قلوبُ ملوكِ الأرضِ طُرًّا من الرُّعبِ
ونارُ جميع الفرسِ باخَت وأظْلَمَتْ … وقد بات شاه الفُرْس في أعظمِ الكَرْبِ
وصدَّتْ عن الكُهَّان بالغيبِ جِنُّها … فلا مُخْبِر عنهمْ بصدْقٍ ولا كذبِ
فيا لَقُصَيٍّ ارجعوا عن ضلالِكُم … وهُبوا إلى الإِسلامِ والمنزلِ الرَّحبِ
فلما سمعوا ذلك خَلصوا نَجِيًّا، وقال لهم ورقة بن نوفل:
ما قومكم على دين، ولقد أخطؤوا واللهِ الحُجَّةَ، وتركوا دين إبراهيم، وعبدوا حجرًا لا يضر ولا ينفع، ولا يبصر ولا يسمع، يا قوم التمسوا لأنفسكم الدين.
وقال عثمان بن الحويرث يخاطب الصنم: [من الطويل]
أيا صَنَمَ العِيد الذي صُفَّ حوله … صناديدُ وَفْدٍ من بعيدٍ ومن قُرْبِ
تكوكَسْتَ مقلوبًا فما ذاك قُلْ لَنَا … أَذاك سفيه أم تكوكَسْتَ للعُتْبِ
فإن كان مِن ذنبٍ أتَينا فإنَّنا … نَبُوءُ بإقرارٍ ونَلْوي عن الذَّنبِ
وإن كنتَ مغلوبًا تكوكَسْتَ (٤) صاغِرًا … فما أنتَ في الأربابِ بالسَّيدِ الرَّبِّ
ثم خرجوا يضربون في الأرض، فرجع ورقة إلى مكة وقد تنصّر، وأما زيد بن عمرو
стр. 1218
فخرج إلى الجزيرة، فلقي راهبًا فسأله عن الدين؟ فقال: هو أمامك وقد أظلَّك نبي، وأما عُبيد الله بن جحش فإنه أقام بمكة حتى ظهر رسول الله ﷺ ، ثم هاجر إلى الحبشة فتنصَّر، وأما عثمان بن الحويرث فتنصر، وحَسُنَت مكانته عند قيصر، وأقام عنده فأطمَعَه في ملك تِهامة والحجاز واليمن، فأجابه قيصر إلى ذلك، وقال: أنت نائبي هناك، فرجع إلى مكة فأطاعه الناس، وهمُّوا بتمليكه، وأن يضعوا التاج على رأسه، فقال لهم أبو زَمْعة الأسود بن المطَّلب بن أسد، وكان ابن عم عثمان بن الحويرث: يا معاشر قريش، أَتُملِّكون عليكم، وهل يكون ملِك بتِهامة؟ إن الحجاز لا يُملك، فرجع الناس عنه، فخرج ابن الحويرث إلى قيصر خوفًا على نفسه، فمات عنده.
فصل في وفاة عبد الله بن عبد المطلب
ولد عبد الله في أيام كسرى أنوشروان لأربع وعشرين خلت من ملكه، وكنيته: أبو أحمد (١)، ومات ورسول الله ﷺ حمل، قبل ولادته بشهر أو شهرين.
وكانت وفاته بالمدينة في دار النابغة عند أخواله من بني النَّجار، بعثه أبوه يمتار له تمرًا من المدينة (٢).
وقيل: خرج في تجارة إلى الشام في عير لقريش، ثم انصرفوا ومروا بالمدينة وعبد الله يومئذ مريض، فأقام عند أخواله مريضًا شهرًا، ثم توفي، فحزن عليه عبد المطلب حزنًا شديدًا، وَوَجِدَ أخوته لفقده (٣).
قال الواقدي: وتوفي عبد الله وهو ابن خمس وعشرين سنة، وقيل: ثلاثين سنة، وترك أم أيمن واسمها بركة، فكانت تحضن رسول الله ﷺ ، وترك خمسة أجمال وثلاثة من غنم، ورَثَتْهُ آمنة بنت وهب زوجته، فقالت (٤): [من الطويل]
стр. 1219
عَفا جانبُ البَطْحاءِ من ابن هاشِمٍ … وجاوَرَ لحدًا بعد موتِ الغَماغمِ
دَعَتْه المنايا دعوةً فأجابَها … وما تَرَكتْ في الدَّار مثلَ ابنِ هاشمِ
عَشِيَّةَ راحوا يحملونَ سَرِيرَه … تَعاوَرَه أصحابُه في التَّزاحُمِ
فإن تكُ غالتْهُ المنايا ورَيْبُها … فقد كان مِفْضالًا شديدَ الدَّعائمِ
فصل في ذكر أسمائه ﷺ وكنيته
قال الواقدي: كان له ﷺ سبعون اسمًا، ذكرها الله في كتبه السالفة والقرآن العزيز، فقال جبير بن مطعم: قال رسول الله ﷺ : "لي خمسةُ أسماءٍ: أنا مُحمَّدٌ، وأنا أَحمدُ، وأنا الماحِي يَمْحُو اللهُ بيَ الكُفْرَ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَرُ النَّاسُ على قَدَمِي، وأنا العاقِبُ الذي ليسَ بَعْدَه نبيٌّ". أخرجاه في "الصحيحين" (١).
ذكر أسماء المحمدين
قال علماء السير: إن الله صان هذا الاسم أن يتسمَّى به أحد في الجاهلية، كما فعل بيحيى بن زكريا ﵇ في قوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧]، إلا أنه لما قرب أوان ظهوره مرَّ جماعة من العرب براهب بالشام قد قرأ الكتب، فأخبرهم باسم نبي مبعوث من العرب اسمه محمَّد، فسموا أبناءهم بهذا الاسم طمعًا في النبوة.
وقال ابن إسحاق: خرج عدي، وسفيان، وزيد بن عمرو بن ربيعة، وأسامة بن مالك بن حبيب يريدون الشام، فنزلوا بدير وهم يتحدثون، فأشرف عليهم راهب وقال: ما هذه اللغة ليست لأهل هذه الأرض، ممن أنتم؟ قالوا: من العرب. قال: ممن؟ قالوا: من مُضر، فقال: أما إنه سيبعث فيكم نبيٌّ، فبادروا إليه فإنه خاتمُ النبيين، قالوا: فما اسمه؟ قال: محمَّد. فلما رجعوا إلى أهاليهم، فكانوا معهن، فولد لكل واحد ولدًا، فسماه محمدًا طمعًا في ذلك.
وقال البلاذري: كانوا ستة: محمَّد بن سفيان، ومحمد بن الحِرْماز بن مالك بن عمرو، ومحمد بن بَرِّ (٢) بن طَرِيف بن عُتْوَارة، ومحمد الشويعر بن حُمران الذي يقال
стр. 1220
له: امرؤٌ القيس بن حُجر (١)، ومحمد بن [عقبة بن] أُحيحة بن الجُلاح الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري.
قال القاضي عياض: هم ستة لا سابع لهم (٢)، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
وأما أحمد فلم يَتَسَمَّ به أحد قبل رسول الله ﷺ (٣).
فصل
وكنيته: أبو القاسم، وبعده: أبو إبراهيم، وأول ولد ولد له من خديجة ﵇: القاسم (٤)، فكني به.
قال حسان (٥): [من السريع]
لِلّهِ مِمَنْ قد بَرَا صفوةٌ … وصَفْوَةُ الخَلْقِ بَنو هاشمِ
وَصَفوةُ الصفوةِ مِن هاشمٍ … محمدُ النُّور أبو القاسم
* * *
стр. 1221
فصل فيما حدث من سنة مولده إلى زمن هجرته وما لقي من أهله وعشيرته ﷺ وعلى آله وأصحابه وذريته وأزواجه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليمًا
стр. 1222
في السنة الأولى
يوم جَبَلة (١)، وهو من أعظم أيام العرب، وقصة الفيل (٢).
ذكر إرضاعه ﷺ -:
أرضعته أمه ثلاثة أيام، وقيل: سبعة أيام، وقيل: أرضعته ثويبة جارية أبي لهب -وهو الأشهر- بلبن ابنها مَسْرُوح أيامًا قبل قدوم حليمة مكة، وكانت قد أرضعتْ قبله حمزةَ بن عبد المطلب ﵁، ثم أرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي (٣).
وأعتق أبو لهب ثويبة، فكانت تدخل على النبي ﷺ بعد ما تزوج خديجة ﵂، فكان يكرمها وتكرمها خديجة (٤). وكلم يومًا خديجةَ رسولُ الله ﷺ فيها، فوهبت لها غنمًا (٥).
وقيل: إنما أعتقها أبو لهب بعد ما هاجر رسول الله ﷺ ، وسألته خديجة ﵂ أن يَبيعها منها فأبى، وكان رسول الله ﷺ بعدما هاجر يبعث إليها بكُسْوَةٍ وصِلَةٍ، وتوفيت ثويبة في سنة سبع من الهجرة (٦).
وذكر أبو نعيم الأصبهاني في إسلامها قولين.
وقال عروة: كانت ثويبة مولاة أبي لهب فأعتقها، فأرضعت رسول الله ﷺ ، فلما مات أبو لهب رآه بعض أهله في منامه بِشَرِّ حِيْبَة، فقال له: ما لقيتَ أبا لهب؟ فقال:
стр. 1223
ما لقيت بعدكم روحًا غير أني سُقيت في هذه -وأشار إلى نقرة بين إبهامه وسبابته- قال: بعتقي ثويبة (١).
ذكر إرضاع حليمة إيَّاه ﷺ -:
وهي: حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث بن سِجْنَة (٢) بن جابر بن رِزَام بن ناصرة بن [فُصَيَّة بن نصر بن] سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَةَ بن قيس بن عَيْلان بن مُضَر بن نزار، وزوجها: الحارث بن عبد العزى بن رِفاعة بن ملّان بن ناصرة بن فُصَيَّة بن [نصر بن] سعد بن بكر بن هوازن. وكنيته: أبو ذؤيب، وكان له من الولد: عبد الله، وهو الذي أَرْضَعت حليمةُ رسولَ الله ﷺ بلِبانه. [وأنيسة وجُدامة بنتا الحارث] ولقبها: الشَّيماء، وكانت تحضن رسول الله ﷺ مع أُمّها، وهي التي سُبيت يوم حنين، وقالت: إني أخت نبيكم (٣).
قال ابن إسحاق: عن الجَهْم بن أبي الجَهْم قال: حدثني من سمع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يقول عن حليمة ابنة الحارث السعدية أُمِّ رسول الله ﷺ التي أرضعته قالت: خرجت في نِسوة من سعد بن بكر بن هوازن نلتمس الرُّضعاءَ بمكة، فخرجت على أَتانٍ لي قمراء قد أَذَمَّت بالرَّكْب (٤)، وخرجنا في سنة شهباء لم يبق لنا شيء أنا وزوجي الحارث بن عبد العزى ومعنا شارفٌ لنا، والله لم تَبِضَّ علينا بقطرة من لبن، ومعي صبي لنا، والله ما ننام ليلنا من بكائه، وما في ثدي لبن يغنيه ولا في شارفنا من لبن يُغَذِّيه إلا أَنا نرجو، فلما قدمنا مكة لم يبق منا امرأة إلا عُرِض عليها رسول الله ﷺ فتأباه، وإنما كنا نرجو الكرامة في رضاعة من نُرضع له من والد المولود، وكان ﷺ
стр. 1224
يتيمًا، فقلنا: ما عسى أن تصنع أمه؟ حتى لم يبق من صواحباتي امرأة إلا أخذت رضيعًا، غيري، فكرهت أن أرجع ولم آخذ شيئًا، وقد أخذوا صواحباتي، فقلت لزوجي الحارث: والله لأرجعن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، فأتيته فأخذته، ثم رجعت به إلى رَحْلي، فقال لي زوجي: قد أخذتيه؟ قلت: نعم، وذاك أني لم أجد غيره، قال: قد أصبت، عسى أن يجعل الله فيه خيرًا، قالت: فوالله ما هو إلا أن وضعته في حِجْري، فأقبل عليه ثدياي بما شاء من اللبن فشرب حتى روي وشرب أخوه حتى روي، فقام زوجي إلى شارفنا من الليل فإذا هي تَسِحُّ علينا ما شئنا من اللبن، فشربنا حتى روينا، ومكثنا ليلتنا بخير شباعًا رِواء، فقال زوجي: يا حليمة، ما أراك إلا قد أصبت نَسَمَةً مُباركة، قد نام صبياننا وروينا.
قالت: ثم خرجنا فوالله لخَرجَتْ أتاني أمام الركب قد قطعتهم حتى ما يتعلق بها أحد منهم، حتى إنهم ليقولون: ويحك يا بِنْتَ الحارث، كُفِّي علينا، أليست هذه أتانك التي خرجت عليها؟ فأقول: بلى والله، فيقولون: إن لها لشأنًا. حتى قَدِمتُ منازِلَنا من حاضرِ منازل بني سعد بن بكر، فقدمنا على أجدب أرض الله، فوالذي نفسُ حَليمةَ بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم إذا أصبحوا، وأُسَرِّحُ راعي غُنَيمَتي، وتروح غنمي حُفَّلًا بِطانًا، وتروح أغنامهم جياعًا هالكة ما لها من لبن، ونشرب ما شئنا من اللبن وما مِنَ الحاضرين أحد يحلب قطرة ولا يجدها، فيقولون لرُعاتِهم: ويلكُم ألا تسرحون حيث يسرح راعي حليمة. فيسرحون في الشِّعب الذي يسرح فيه، وتروح أغنامهم جياعًا، وتروح غنمي حُفَّلًا، قالت: وكان يُشب في اليوم شباب الصبي في [الشهر ويشبُّ في الشهر شباب الصبي في] سنة، فبلغ سنتين وَهو غلام جَفْر، فقَدِمْنا به على أُمِّه ومكةُ وَبِيْئَة، فقلنا أو قال لها زوجي: دعي ابني فلنرجع به، فإنا نخشى عليه وَباء مكة. قالت: ونحن أضَنُّ شيء به لِما رأينا من بركتِه. فلم يزل بها حتى قالت: ارجعي به. قال: فمكث عندنا شهرين.
وقال ابن قتيبة: إنما أقام عندهم خمس سنوات (١).
стр. 1225
فبينما هو يلعب يومًا مع الغِلمان خلف البيوت إذ جاء أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: أدركا أخي القُرَشي، فقد جاءه رجلان فأضجعاه وشقَّا بطنه، قالت: فخرجنا نشتد نحوه، فانتهينا إليه وهو قائم ممتقع لونه، فاعتنقته واعتنقه أبوه وقال: ما لك يا بني؟ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقَّا بطني، ووالله ما أدري ما صنعا. قالت حليمة: فاحتملناه فرجعنا به، قالت: يقول زوجي: يا حليمة، والله ما أرى الغلام إلا قد أصيب، فانطلقي فلنَرُدّه إلى أمه قبل أن يظهر به ما نتخوف عليه. فرجعنا به إلى أمه، فقالت: ما ردَّكما به وقد كنتما حريصين عليه؟ فقلنا لها: قد كفلناه وأدَّينا ما علينا من الحق فيه، ثم تخوفنا عليه الأحداث فقلنا: يكون عند أمه. فقالت: والله ما ذاك بكما، فأخبراني خبره، فأخبرناها. فقالت: أتخوفتما عليه، والله إن لابني هذا لشأنًا (١).
* * *
السنة الثالثة من مولده ﷺ -
فيها ولد أبو بكر الصديق ﵁
ودخلت السنة الرابعة وبعض الخامسة، وهو ﷺ عند حليمة السعدية ﵂.
* * *
السنة الخامسة من مولده ﷺ -
وفيها شق بطنه.
قال شداد بن أوس: جاء رجل من بني عامر إلى النبي ﷺ فقال: أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟ فأخبرني عن بدء أمرك، فقال: "يا أَخا بني عامر، بَدْءُ أَمري دَعوةُ أخي إبراهيمَ، وبُشرى أخي عيسى، وإنِّي كنتُ مسترضعًا في بني سعدٍ، فبينا أنا ذاتَ يومٍ مُنْتَبِذٌ مع أتراب لي من الغِلمان في وادٍ بعيدٍ عن أهلي، إذا بثلاثة رهطٍ معهم طَسْتٌ من ذَهب قد
стр. 1226
مُلئ ثلجًا، فأَخَذني واحدٌ منهم، فَهَرب أَتْرابي ووَقَفوا على شَفير الوَادِي، ثم أقبلُوا على القومِ وقالوا: يا قومُ، إنَّ هذا الغُلام ليس منَّا إنما هو مستَرْضَع فينا، وهو ابن سيد قريش وهو يتيم، فماذا يَرُدُّ عليكم قَتْلُه؟ فإن كنتم لا بدَّ قاتليه فاختاروا أيَّنا شِئتُم منَّا فاقتلوه عِوَضَهُ، فلم يردوا عليهم جوابًا، فانطلقوا هاربين يستصرخون الحي، فعَمد أحدُهم فأَضجَعَني إضجاعًا رفيقًا، ثم شقَّ ما بين مَفرِق صَدْري إلى منتهى عانتي، ولم أجد لذلك مسًّا، ثم أَخرج أحشاءَ بطني فغسَلَها بماء وثلج، فأنعم غسلها، ثم ردها إلى مكانها، ثم جاءآخر فأخرج من قلبي مُضْغَةً سوداء فرمى بها، وإذا بيده خاتم النبوة من نور فختم به قلبي، فامتلأ نورًا ثم ردَّه إلى مكانه، فوجدت بَرْدَ الخاتم في قلبي دهرًا، ثم أمَرَّ الثالث يده على صدري فالْتَأم ذلك الشَّق بإذن الله، ثم أخذ بيدي فأنهضني، ثم قال لصاحبه: زِنه، اجعله في كفة واجعل ألفًا من أمته في كفة، ففعل وأنا أنظر إلى الألف، فرجحت عليهم، فانطلقوا وهم يقولون: لو أن أمته وزنت به لمال بهم، ثم أقعدوني وقبَّلوا رأسي وقالوا: يا حبيب، لا تُرَعْ؛ إنك لا تدري ماذا يُراد منك -أو بك- لو علمت لقَرَّت عَيناك، قال: فبينا نحن كذلك، وإذا بالحي قد أقبلوا بحذافيرهم -أي بأسرهم- وإذا بأمي وهي تهتف في أوائلهم وتقول بأعلى صوتها: واضعيفاه. فقال أحدهم: حبذا أنت من ضعيف، فقالت: يا يتيماه. فقال الآخر: حبذا أنت من يتيم، فقالت: ياوحيداه (١). فقال الآخر: حبذا أنت من وحيد، ثم ضمتني إلى صدرها وجَعَلت تقول: استُضْعِفْتَ من بين أترابك وتبكي، فوالذي نفسي بيده إني لفي حِجرها وإن يدي في يد بعض القوم، وأنا ألتفت إليهم أظن أنَّ القوم يبصرونهم، فقال له بعض أهل الحي: هذا الغلام قد أصابه لَمَم، فانطلقوا به إلى الكاهن لينظر إليه، فذهبوا بي إلى الكاهن، فسألني عن قصتي؟ فأخبرته، وضمني إلى صدره وصاح بأعلى صوته: يا معاشر العرب، اقتلوه واقتلوني معه، فواللات والعزى ليِّن تركتموه ليبدِّلن دينكم، فقالت أمي: انظر لنفسك قاتلًا غيري، فإن ولدنا ما به مما قلت شيء، ولقد شبه عليك (٢).
стр. 1227
قال الواقدي: لما تم له خمس سنين؛ قدمت به حليمة مكةَ، وقد رأت غمامة تُظله في الطريق، إن سار سارَتْ، وإن يقف وقفت، فأفزعها ذلك، فلما قربت من مكة؛ نامت في بعض الأباطح، ثم انتبهت فلم تجده (١).
وذكر الثعلبي في "تفسيره" القصة عن كعب الأحبار قال: لما قضت حليمة حق الرضاع أتت بالنبي ﷺ إلى مكة لترده إلى عبد المطلب، قالت: فأتيت به إلى الباب الأعظم من أبواب مكة، فسمعت مناديًا ينادي: هنيئًا لك يا بطحاء مكة، اليوم يرد عليك النور والدين والجمال والبهاء، قالت: فوضعته عند الباب وذهبت لأصلح من شأني، فسمعت هدة شديدة فالتفت فلم أره، فقلت: يا معاشر الناس، أين الصبي؟ فقالوا: أي الصبيان تعنين؟ قلت: محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب، نضر الله به وجهي، وأغْنى عَيلَتي، ربيته حتى إذا أدركت فيه سروري وأملي، اختلس من يدي قبل أن تمس قدماه الأرضَ، واللَاتِ والعُزَّى لئن لم أره لأرمين نفسي من شاهق هذا الجبل فلأُقَطَّعَنَّ إرْبًا إرْبًا، فقالوا: ما رأينا أحدًا. قالت: فلما آيسوني وضعت يدي على أم رأسي وقلت: وامحمداه، واولداه، فأبكيت الجواري والأبكار ببكائي، وإذا بشيخ فانٍ يتوكأ على عصاه، قال: ما لك يا سعدية؟ فقلت: فقدت ابني محمدًا.
فقال: لا تبكي أنا أدلك على من يَعْلمُ عِلْمَه، وإن شاء أن يرده عليك فعل، قلت: فدتك نفسي من هو؟ قال: الصنم الأعظم هبل. فقالت: فدخل، وطاف بهبل، وقتل رأسه، وناداه: أيها الإله الأعظم، لم تَزَلْ مِنَّتُكَ على قُريش عظيمةً، وهذه السعدية تزعم أن محمدًا قد ضَلَّ، فَرُدَّه عليها. قالت: فأكب هبل على وجهه، وتساقطت الأصنام وقالت: إليك عنا يا شيخ، إنما هلاكنا على يد محمَّد. فأقبل الشيخ وأنا أسمع لأسنانه اصطكاكًا، ولركبتيه ارتعادًا، وقال: يا حليمة، إن لابنك ربًّا لا يضيعه، فاطلبيه على مهل. قالت: فأتيت إلى عبد المطلب، فلما رآني على ذلك، قال: أَسعْدٌ نزل بك أم نحس؟ قلت: نحس. ففهم وقال: لعل ابنك قد ضل منك؟ قلت: نعم. فسلَّ سيفه -وكان لا يثبت له أحد-[ونادى بأعلى صوته]: يا آل غالب يا آل غالب، فأجابته
стр. 1228
قريش بأجمعها، فأخبرهم الخبر وركب وركبوا معه، وقالوا: إن تسنَّمت جبلًا تسنمناه معك، وإن خُضْتَ البحر خضناه، ثم خرج إلى أعلى مكة وأسفلها فلم يجد شيئًا. فأتى إلى الكعبة، وطاف أسبوعًا، ثم قال: [من الرجز]
يا ربِّ اُرْدُدْ ولدي محمدًا … رُدَّهْ إليَّ واتَّخِذْ عندي يدا
فسمع مناديًا من السماء: أيها الناس، إن لمحمد ربًا لا يضيعه. فقال عبد المطلب: وأين هو؟ قال: بوادي تهامة عند شجرة اليمن، فخرج عبد المطلب ولقيه ورقة بن نوفل، وسارا جميعًا إلى ذلك المكان، وإذا به تحت الشجرة، فاحتمله عبد المطلب على قَرَبوس سَرْجِه، وعاد به إلى مكة، فذلك قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ [الضحى: ٧] على أحد الأقوال (١).
وأما حليمة، فإنها أسلمت وأسلم زوجها، وقدمت مكة بعد ما تزوج رسول الله ﷺ خديجة ﵂، فشكت إليه جَدْبَ البلاد، فكلم خديجة فأعطتها أربعين شاة وبعيرًا، ثم قدمت عليه بعد النبوة فأسلمت.
قال الواقدي: لما قدمت عليه، قال: أمي أمي، وبسط لها رداءه فجلست عليه (٢).
* * *
السنة السادسة من مولده ﷺ -
وفيها توفيت والدته ﷺ .
قال الزهريّ: لما بلغ رسول الله ﷺ ست سنين، خرجت به أمه إلى المدينة إلى أخواله من بني عَديِّ بن النجار، فنزلت دار النابغة (٣) الجعدي التي مات فيها أبوه،
стр. 1229
فأقامت عندهم شهرًا، واختلف قوم من اليهود إلى الدار ورأوا رسول الله ﷺ ، وجعلوا يقولون: هذا نَبيُّ هذه الأمة، وهذه دار هجرته. ولما رجعت به إلى مكة؛ توفيت بالأبواء، فقبرها هناك، وكانت معها أم أيمن فرجعت بالنبي ﷺ إلى مكة. ولما مرَّ رسول الله ﷺ بالأبواء في عمرة الحديبية؟ زار قبرها (١).
* * *
السنة السابعة من مولده ﷺ -
فيها كَفِله جده عبد المطلب بعد وفاة أمه آمنة.
قال الزهريّ: إن عبد المطلب ضمَّه إليه، ورقَّ عليه رِقَةً لم يَرقَّها على أولاده، فكان لا يفارقه، ويدخل عليه، ويجلس على فراشه عند الكعبة، فإذا نهاه أحد يقول: دعوا ابني، فإنه ليُؤنِسُ مُلْكًا. وما كان أحد يجلس على فراش عبد المطلب من ولده إجلالًا له إلا رسول الله ﷺ ، وقدم مكة قوم من القافة من بني مُدْلج، فلما نظروا إليه، قالوا لعبد المطلب: احتفظ بهذا الغلام، فإنا لم نجد قدمًا أشبه بالقدم الذي في المقام من قدميه، فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء واحتفظ به، وقال عبد المطلب لأم أيمن: احتفظي بابني، فإن اليهود تزعم أنه نبي هذه الأمة (٢).
* * *
السنة الثامنة من مولده ﷺ -
وفيها توفي عبد المطلب.
ولما احتُضِرَ عبد المطلب، أوصى به إلى أبي طالب، فقبضه وضمه إليه وأحبه حبًّا شديدًا، وقدَّمه على أولاده، وكان لا يفارقه، وكان عيال أبي طالب إذا لم يأكل معهم رسول الله ﷺ لم يشبعوا، وإذا أكل معهم شبعوا، فيقول له أبو طالب: إنك لمبارك (٣).
стр. 1230
وكان شقيقَ عبد الله.
وقال الشيخ موفق الدين ﵁ في "الأنساب": إن عبد المطلب أوصى برسول الله ﷺ إلى أبي طالب، وقال له (١): [من الرجز]
أوصيكَ يا عبدَ منافٍ بَعْدي
بمفْرَدٍ بعدَ أبيه فَرْدِ
فارقَه وهْو ضجيعُ المَهْدِ
فكنتُ كالأُمِّ له في الوَجْدِ
تُدنيه من أَحْشَائها والكِبْد
فأنت من أَرْجى بنيَّ عِنْدي
لرفع ضيم أو لشدِّ عَقْدِ
وقيل: إن الزبير بن عبد المطلب وأبا طالب اقترعا عليه، فطارت القرعة للزُّبير، وكان الزُّبير أيضًا شقيقَ عبد الله، ويحتمل أن الاثنين كفلاه؛ لأن الزبير كان وصي عبد المطلب.
فصل وفيها توفي:
أنوشروان
كسرى العادل، وولي بعده ولده هُرمز، وكان في أول مُلكه عادلًا مُحسنًا إلى الرعية، كان إذا سافر نادى مناديه: من تعرّض لزرع ضمن قيمته، إلا أنه أساء السيرة في آخر أمره، فتغيرت قلوب الرعية عليه، فقتلوه (٢).
حاتِم
ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي (٣) وبه يضرب المثل في الجود، قال