مُلئ ثلجًا، فأَخَذني واحدٌ منهم، فَهَرب أَتْرابي ووَقَفوا على شَفير الوَادِي، ثم أقبلُوا على القومِ وقالوا: يا قومُ، إنَّ هذا الغُلام ليس منَّا إنما هو مستَرْضَع فينا، وهو ابن سيد قريش وهو يتيم، فماذا يَرُدُّ عليكم قَتْلُه؟ فإن كنتم لا بدَّ قاتليه فاختاروا أيَّنا شِئتُم منَّا فاقتلوه عِوَضَهُ، فلم يردوا عليهم جوابًا، فانطلقوا هاربين يستصرخون الحي، فعَمد أحدُهم فأَضجَعَني إضجاعًا رفيقًا، ثم شقَّ ما بين مَفرِق صَدْري إلى منتهى عانتي، ولم أجد لذلك مسًّا، ثم أَخرج أحشاءَ بطني فغسَلَها بماء وثلج، فأنعم غسلها، ثم ردها إلى مكانها، ثم جاءآخر فأخرج من قلبي مُضْغَةً سوداء فرمى بها، وإذا بيده خاتم النبوة من نور فختم به قلبي، فامتلأ نورًا ثم ردَّه إلى مكانه، فوجدت بَرْدَ الخاتم في قلبي دهرًا، ثم أمَرَّ الثالث يده على صدري فالْتَأم ذلك الشَّق بإذن الله، ثم أخذ بيدي فأنهضني، ثم قال لصاحبه: زِنه، اجعله في كفة واجعل ألفًا من أمته في كفة، ففعل وأنا أنظر إلى الألف، فرجحت عليهم، فانطلقوا وهم يقولون: لو أن أمته وزنت به لمال بهم، ثم أقعدوني وقبَّلوا رأسي وقالوا: يا حبيب، لا تُرَعْ؛ إنك لا تدري ماذا يُراد منك -أو بك- لو علمت لقَرَّت عَيناك، قال: فبينا نحن كذلك، وإذا بالحي قد أقبلوا بحذافيرهم -أي بأسرهم- وإذا بأمي وهي تهتف في أوائلهم وتقول بأعلى صوتها: واضعيفاه. فقال أحدهم: حبذا أنت من ضعيف، فقالت: يا يتيماه. فقال الآخر: حبذا أنت من يتيم، فقالت: ياوحيداه (١). فقال الآخر: حبذا أنت من وحيد، ثم ضمتني إلى صدرها وجَعَلت تقول: استُضْعِفْتَ من بين أترابك وتبكي، فوالذي نفسي بيده إني لفي حِجرها وإن يدي في يد بعض القوم، وأنا ألتفت إليهم أظن أنَّ القوم يبصرونهم، فقال له بعض أهل الحي: هذا الغلام قد أصابه لَمَم، فانطلقوا به إلى الكاهن لينظر إليه، فذهبوا بي إلى الكاهن، فسألني عن قصتي؟ فأخبرته، وضمني إلى صدره وصاح بأعلى صوته: يا معاشر العرب، اقتلوه واقتلوني معه، فواللات والعزى ليِّن تركتموه ليبدِّلن دينكم، فقالت أمي: انظر لنفسك قاتلًا غيري، فإن ولدنا ما به مما قلت شيء، ولقد شبه عليك (٢).
стр. 1227
قال الواقدي: لما تم له خمس سنين؛ قدمت به حليمة مكةَ، وقد رأت غمامة تُظله في الطريق، إن سار سارَتْ، وإن يقف وقفت، فأفزعها ذلك، فلما قربت من مكة؛ نامت في بعض الأباطح، ثم انتبهت فلم تجده (١).
وذكر الثعلبي في "تفسيره" القصة عن كعب الأحبار قال: لما قضت حليمة حق الرضاع أتت بالنبي ﷺ إلى مكة لترده إلى عبد المطلب، قالت: فأتيت به إلى الباب الأعظم من أبواب مكة، فسمعت مناديًا ينادي: هنيئًا لك يا بطحاء مكة، اليوم يرد عليك النور والدين والجمال والبهاء، قالت: فوضعته عند الباب وذهبت لأصلح من شأني، فسمعت هدة شديدة فالتفت فلم أره، فقلت: يا معاشر الناس، أين الصبي؟ فقالوا: أي الصبيان تعنين؟ قلت: محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب، نضر الله به وجهي، وأغْنى عَيلَتي، ربيته حتى إذا أدركت فيه سروري وأملي، اختلس من يدي قبل أن تمس قدماه الأرضَ، واللَاتِ والعُزَّى لئن لم أره لأرمين نفسي من شاهق هذا الجبل فلأُقَطَّعَنَّ إرْبًا إرْبًا، فقالوا: ما رأينا أحدًا. قالت: فلما آيسوني وضعت يدي على أم رأسي وقلت: وامحمداه، واولداه، فأبكيت الجواري والأبكار ببكائي، وإذا بشيخ فانٍ يتوكأ على عصاه، قال: ما لك يا سعدية؟ فقلت: فقدت ابني محمدًا.
فقال: لا تبكي أنا أدلك على من يَعْلمُ عِلْمَه، وإن شاء أن يرده عليك فعل، قلت: فدتك نفسي من هو؟ قال: الصنم الأعظم هبل. فقالت: فدخل، وطاف بهبل، وقتل رأسه، وناداه: أيها الإله الأعظم، لم تَزَلْ مِنَّتُكَ على قُريش عظيمةً، وهذه السعدية تزعم أن محمدًا قد ضَلَّ، فَرُدَّه عليها. قالت: فأكب هبل على وجهه، وتساقطت الأصنام وقالت: إليك عنا يا شيخ، إنما هلاكنا على يد محمَّد. فأقبل الشيخ وأنا أسمع لأسنانه اصطكاكًا، ولركبتيه ارتعادًا، وقال: يا حليمة، إن لابنك ربًّا لا يضيعه، فاطلبيه على مهل. قالت: فأتيت إلى عبد المطلب، فلما رآني على ذلك، قال: أَسعْدٌ نزل بك أم نحس؟ قلت: نحس. ففهم وقال: لعل ابنك قد ضل منك؟ قلت: نعم. فسلَّ سيفه -وكان لا يثبت له أحد-[ونادى بأعلى صوته]: يا آل غالب يا آل غالب، فأجابته
стр. 1228
قريش بأجمعها، فأخبرهم الخبر وركب وركبوا معه، وقالوا: إن تسنَّمت جبلًا تسنمناه معك، وإن خُضْتَ البحر خضناه، ثم خرج إلى أعلى مكة وأسفلها فلم يجد شيئًا. فأتى إلى الكعبة، وطاف أسبوعًا، ثم قال: [من الرجز]
يا ربِّ اُرْدُدْ ولدي محمدًا … رُدَّهْ إليَّ واتَّخِذْ عندي يدا
فسمع مناديًا من السماء: أيها الناس، إن لمحمد ربًا لا يضيعه. فقال عبد المطلب: وأين هو؟ قال: بوادي تهامة عند شجرة اليمن، فخرج عبد المطلب ولقيه ورقة بن نوفل، وسارا جميعًا إلى ذلك المكان، وإذا به تحت الشجرة، فاحتمله عبد المطلب على قَرَبوس سَرْجِه، وعاد به إلى مكة، فذلك قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ [الضحى: ٧] على أحد الأقوال (١).
وأما حليمة، فإنها أسلمت وأسلم زوجها، وقدمت مكة بعد ما تزوج رسول الله ﷺ خديجة ﵂، فشكت إليه جَدْبَ البلاد، فكلم خديجة فأعطتها أربعين شاة وبعيرًا، ثم قدمت عليه بعد النبوة فأسلمت.
قال الواقدي: لما قدمت عليه، قال: أمي أمي، وبسط لها رداءه فجلست عليه (٢).
* * *
السنة السادسة من مولده ﷺ -
وفيها توفيت والدته ﷺ .
قال الزهريّ: لما بلغ رسول الله ﷺ ست سنين، خرجت به أمه إلى المدينة إلى أخواله من بني عَديِّ بن النجار، فنزلت دار النابغة (٣) الجعدي التي مات فيها أبوه،
стр. 1229
فأقامت عندهم شهرًا، واختلف قوم من اليهود إلى الدار ورأوا رسول الله ﷺ ، وجعلوا يقولون: هذا نَبيُّ هذه الأمة، وهذه دار هجرته. ولما رجعت به إلى مكة؛ توفيت بالأبواء، فقبرها هناك، وكانت معها أم أيمن فرجعت بالنبي ﷺ إلى مكة. ولما مرَّ رسول الله ﷺ بالأبواء في عمرة الحديبية؟ زار قبرها (١).
* * *
السنة السابعة من مولده ﷺ -
فيها كَفِله جده عبد المطلب بعد وفاة أمه آمنة.
قال الزهريّ: إن عبد المطلب ضمَّه إليه، ورقَّ عليه رِقَةً لم يَرقَّها على أولاده، فكان لا يفارقه، ويدخل عليه، ويجلس على فراشه عند الكعبة، فإذا نهاه أحد يقول: دعوا ابني، فإنه ليُؤنِسُ مُلْكًا. وما كان أحد يجلس على فراش عبد المطلب من ولده إجلالًا له إلا رسول الله ﷺ ، وقدم مكة قوم من القافة من بني مُدْلج، فلما نظروا إليه، قالوا لعبد المطلب: احتفظ بهذا الغلام، فإنا لم نجد قدمًا أشبه بالقدم الذي في المقام من قدميه، فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء واحتفظ به، وقال عبد المطلب لأم أيمن: احتفظي بابني، فإن اليهود تزعم أنه نبي هذه الأمة (٢).
* * *
السنة الثامنة من مولده ﷺ -
وفيها توفي عبد المطلب.
ولما احتُضِرَ عبد المطلب، أوصى به إلى أبي طالب، فقبضه وضمه إليه وأحبه حبًّا شديدًا، وقدَّمه على أولاده، وكان لا يفارقه، وكان عيال أبي طالب إذا لم يأكل معهم رسول الله ﷺ لم يشبعوا، وإذا أكل معهم شبعوا، فيقول له أبو طالب: إنك لمبارك (٣).
стр. 1230
وكان شقيقَ عبد الله.
وقال الشيخ موفق الدين ﵁ في "الأنساب": إن عبد المطلب أوصى برسول الله ﷺ إلى أبي طالب، وقال له (١): [من الرجز]
أوصيكَ يا عبدَ منافٍ بَعْدي
بمفْرَدٍ بعدَ أبيه فَرْدِ
فارقَه وهْو ضجيعُ المَهْدِ
فكنتُ كالأُمِّ له في الوَجْدِ
تُدنيه من أَحْشَائها والكِبْد
فأنت من أَرْجى بنيَّ عِنْدي
لرفع ضيم أو لشدِّ عَقْدِ
وقيل: إن الزبير بن عبد المطلب وأبا طالب اقترعا عليه، فطارت القرعة للزُّبير، وكان الزُّبير أيضًا شقيقَ عبد الله، ويحتمل أن الاثنين كفلاه؛ لأن الزبير كان وصي عبد المطلب.
فصل وفيها توفي:
أنوشروان
كسرى العادل، وولي بعده ولده هُرمز، وكان في أول مُلكه عادلًا مُحسنًا إلى الرعية، كان إذا سافر نادى مناديه: من تعرّض لزرع ضمن قيمته، إلا أنه أساء السيرة في آخر أمره، فتغيرت قلوب الرعية عليه، فقتلوه (٢).
حاتِم
ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي (٣) وبه يضرب المثل في الجود، قال
стр. 1231
الشاعر (١): [الطويل]
على حالةٍ لو أن في القوم حاتمًا … على جُوده ما جاد بالماءِ حاتمُ
وكنيته: أبو عدي (٢). وأم حاتم: عِنَبةُ بنت عفيف بن لحي، وابنه عدي من الصحابة.
قال الواقدي: كان حاتم سيد الأجواد، فاضلًا، عاقلًا، فصيحًا، شاعرًا، يقري الأضياف ويبالغ في إكرامهم، وأخباره مشهورة.
قال عدي بن حاتم: قلت: يا رسول الله، إن أبي كان يصل الرحم، ويُطْعمُ الطعام، ويعتق الرقاب، فهل له في ذلك من أجر؟ فقال: "إن أباك التمس أمرًا فأدركه" (٣).
قال سماك بن حرب: هو حُسْنُ الذكر (٤).
وقال الشعبي: خلَّف حاتمًا أبوه في إبله، وهو في إبله، فمر به جماعة من الشعراء فيهم: عَبيد بن الأبرص، وبشر بن أبي خازم، والنابغة الذُّبياني، يريدون النعمان بنَ المنذر، فقالوا لحاتم: هل من قِرىً ولم يعرفهم؟ فقال: تسألوني عن قرىً وأنتم تَرَوْنَ الإبل والغنم، انزلوا فنزلوا. فنحر لكل واحد منهم جزورًا، وسألهم عن أسمائهم؟ فأخبروه، ففرق فيهم الإبل والغنم، وجاء أبوه فقال: ما فعلت؟ فقال: طوقتك مسجد الدهر وحسن الذكر تطويق الحمامة، فقال أبوه: فإذًا لا أُساكنك. فقال حاتم: فإذًا لا أبالي. ورحل عنه، فقال حاتم: [من الطويل]
وإنِّي لعفُّ الفقر مُشْتَرَكُ الغنى … تَروكٌ لشَكْلٍ لا يُوافقُه شَكْلِي
ولي نِيَّةٌ في الجود والبذلِ لم يكن … لِيألفَها فيما مَضَى أحدٌ قَبْلي
وما ضرَّني أَن سار سَعْدٌ (٥) بأهله … وخلَّفَني في الدارِ ليسَ معي أهلي
وما مِن كريمٍ عَاله الدَّهر مرَّةً … فيَذكُرها إلَّا تزيَّد في البَذْلِ
وما مِن بخيلٍ عَاله الدَّهر مرَّةً … فيَذكُرها إلَّا تزيَّد في البُخْلِ
стр. 1232
وقال الشعبي: مر حاتم في مسير له ببني عَنَزَةَ وفيهم أسير، فاستغاث به، فقال له حاتم: لقد أسأتَ إليَّ حيث نَوَّهْتَ باسمي، وليس معي ما يفديك، ولستُ ببلاد قومي، ولكن طِب نَفْسًا، وجاء إلى الذي أسره فاشتراه منه بمئة ناقة، وفك القيد من رجليه وجعله في رجل نفسه، وقال: اذهب إلى أهلي، وأعطاه أمارة إليهم بالتسليم، ومضى الرجل، وأقام حاتم في قيوده حتى عاد الرجل بالإبل، وأطلق حاتم (١).
وقال الشعبي: سأل رجل حاتمًا: هل في العرب أكرم منك؟ فقال: كل العرب أكرم مني، نزلتُ على غلامٍ يتيم، وكان له مئة شاة، فذبح لي شاة، فقلت: ما أطيب مخها أو دماغها. فلم يزل يأتيني بدماغ دماغٍ حتى ذبح المئة، فأصبح ولا شيء له، قيل له: فما صنعت مع الغلام؟ قال: وما عساني أن أبلغ شكره، والله لو خرجت معه من جميع مالي ما جازيته، كان لي مئة من الإبل سودُ الحدَق، دفعتها إليه (٢).
ولما احتضر حاتم قال لابنه عدي: يا بني، والله ما خنت جارة لي لريبة، ولا ائتُمنت على أمانة إلا أدَّيتها، ولا بَدَا مني إلى أحد مكروه قط، ولا قصدني قاصد فخيبتُه.
ودفن حاتم على جبل يقال له: عوارض.
فصل
وأجواد الجاهلية ثلاثة (٣): حاتم، وهَرِم بن سِنان، وكعب بن مامة.
فأما هَرِم، فكان أبوه سنان سيِّدَ غطفان، وماتت أمه وهي حامل به، وقالت: إذا مت؛ فشقوا بطني، فإن فيها سيد غطفان. فلما ماتت، شقوا بطنها واستخرجوا سنانًا، فولد هَرِمًا. وفي هرم يقول زهير: [من البسيط]
متى تلاقِ على عِلاته هَرِمًا … تلق الندى منه في خَلْقٍ وفي خُلُقٍ
وفيه وفي إخوته يقول زهير -وقيل: إنها لغيره-: [من البسيط]
стр. 1233
قَومٌ أبُوهم سنانٌ حين تَنْسِبُهم … طَابُوا وطَابَ منَ الأَولادِ ما وَلَدُوا
لو كانَ يَقْعُد فوقَ الشَّمسِ مِن كَرَمٍ … قومٌ بأوَّلهم أومجدِهم قَعَدُوا
محسَّدون على ما كان من نِعمٍ … لا ينزع الله عنهم ما له حُسدوا
وفي هَرِمٍ يقول زهير وفي أهل بيته، ويصف ما فيه من أبيات: [من البسيط]
حَتى دَفعْنَ إلى حُلْوٍ شمائلُه … كالغيث يَنبت في آثاره الوَرَقُ
من أهل بيتٍ بَرى ذو العرش فَضلَهم … يُبنى لهم في جنانِ الخُلْدِ مُرْتَفَقُ
المطعمين إذا ما أَزْمَةٌ أَزِمَت … والطيِّبين ثيابًا كما عَرِقوا
كأنَّ آخرهم في المجد أولهم … إن الشمائلَ والأخلاقَ تَتَّفِقُ
إن فوخروا فَخَروا أو طوعنوا طَعَنوا … أو نوضلوا نَضَلوا أو سوبقوا سَبَقوا
وفيه يقول زهير أيضًا: [من الطويل]
وأبيضَ فيَّاضٍ يداه غَمامةٌ … على مُعْتَفيه ما تُغِبُّ نَوافِلُهُ
تراه إذا ما جئتَه مُتَهلِّلًا … كأنك تُعطيه الذي أنت سائلُهْ
أخذه أبو تمام فقال: [من الطويل]
ولو لم يكن في كفِّه غيرُ نفسِه … لجاد بها فليتَّقِ اللهَ سائلُهْ
وقال زهير منها: [من الطويل]
أخو ثقة لا يُذهِبُ الخمرُ ماله … ولكنه قد يُذهِب المال نائِلُهْ
أخذه أبو نواس فقال: [من الطويل]
فتى لا تَلوكُ الخَمْرُ شَحْمَةَ مالِه … ولكن أيادٍ عُوَّدٌ وبَوادِ
وأما كعب بن مامة الإيادي، فإنه رافق رجلًا من بني سعد في مفازة ومعهما ماءٌ يسير فعطشا، فآثر كعبُ بنُ مامة السعديَّ ومات عطشًا، ونجا السعديُّ. وهذا أبلغ ما يوصف من الجود؛ لأنَّ حاتمًا وغيره آثروا بالمال، وكعب آثر بالروح.
وفي كعب وحاتم (١) يقول أبو تمام الطائي: [من الكامل]
كعبٌ وحاتمٌ اللذان تقاسما … خُطَط العُلى من طارفٍ وتَليدِ
стр. 1234
هذا الذي خلَفَ السَّحابَ ومات ذا … في المَجْد مِيَتَة خِضْرِمٍ صِنديدِ
إن لم يكن فيها الشَّهيدَ فقومُه … لا يَسمحون له بألف شهيد (١)
عبد المطلب بن هاشم بن عبد منامه
واسمه: شَيبَة، وقيل: عامر، وكنيته: أبو الحارث، وأمه: سلمى بنت زيد بن عمرو بن أُسَيد بن حزام بن خداش بن جندب بن عدي (٢) بن النجار، وكانت قبل هاشم عند أُحيحة بن الجُلاح الأوسي، فمات عنها وترك ولدين منها وهما: عمرو ومَعْبد، فَزَوَّجها أبوها من هاشم بن عبد مناف.
قال الواقدي: خرج هاشم في تجارة إلى الشام، فمر بالمدينة، فنزل سوق النَّبَط فباعوا واشتروا، فنظر هاشم إلى امرأة حازمة جَلْدَة تبيع وتشتري، فسأل عنها فقيل: هي سلمى كانت تحت أحيحة، وكانت لا تتزوج حتى تشترط على الزوج أن يكون الأمر بيدها، متى اشتهت فارقت، وذلك لشرفها، فخطبها هاشم وعرفت شرفه، فتزوَّجَتْه، فأولم عليها، ودعا رجالًا من الخزرج فأطعمهم، وأقام أيامًا فعلقت بعبد المطلب، وسار إلى غزة، فمات بها، ورجع أبو رُهم بن عبد العزى العامري وأصحابه إلى المدينة بِتَرِكَتِه (٣).
وقال البلاذُري: إنما تزوجها هاشم وشرط عليه أبوها أنها لا تلد إلا في أهلها، فرجع بها من المدينة إلى مكة، فلما دنت ولادتها، خرج بها إلى المدينة إلى منزل أبيها ومضى إلى الشام، وتوفي بغزة فولدت عبد المطلب (٤) وسمته: شيبة (٥).
стр. 1235
ذكر تسميته بعبد المطلب:
قال هشام: أقام عبد المطلب في أخواله مُكرَّمًا، فبينا هو يناضل الصبيان ويقول: أنا ابن هاشم، فسمعه رجل من قريش فقدم مكة، فقال للمطلب: إني مررت بدور بني قَيْلَةَ، فرأيت غلامًا يعتزي إلى أخيك، وما ينبغي تركُ مثله في الغُرْبَةِ. فرحل إلى المدينة في طلبه، فلما رآه عوفه ففاضت عيناه، وضمه إليه، وأنشد يقول: [من البسيط]
عرفتُ شيبةَ والنَّجارُ قد جَعَلَت … أبناؤها حَوْله بالنَّبْلِ تَنْتَضِلُ
عَرفْتُ أجلادَه فينا وشيمَته … فَفاضَ منِّي عليه وابلٌ هَطِلُ
فركب المطلب، فلما قدم يثرب أردفه على راحلته، فقال: يا عم ذلك إلى الوالدة، فجاء إلى أمه وسألها أن ترسل به معه، فامتنعت، فقال لها: إنه يمضي إلى مُلْك أبيه وإلى حرم الله، فأذنت له فقدم به مكة، فقال الناس: هذا عبد المطلب؟ فقال: ويحكم، إنما هو ابن أخي هاشم. وروي غير ذلك (١).
ولما قدم المطلب بشيبة مكة، أقام عنده حتَّى ترعوع، فسلَّم إليه ملك هاشم من أمر البيت، والرِّفادة، والسقاية، وأمرَ الحجيجِ، وغير ذلك (٢).
وكان المطلب شريفًا مُطاعًا، وكانت قريش تسميه: الفيَّاض لسخائه، وهو عَقَد الحلف بين النجاشي وبين قريش، فلما أدرك عبد المطلب، خرج المطلب إلى اليمن تاجرًا، فتوفي بمكان يقال له: رَدْمان (٣)، فولي شيبة مكانه، وكان للمطلب من الولد: الحارث، وهاشم، ومَخرَمَة، وعبَّاد، وأُنيس، وأبو عمرو، وأبو رُهم الأكبر، وأبو عمر (٤)، ومحصن، وعلقمة، وبناتٌ.
стр. 1236
ذكر وثوب نَوْفل بن عبد مناف على أخيه شيبة (١):
ولما مات المطلب، وثب نوفل على أركاحٍ (٢) لشيبةَ فغصبه إياها، فسأل عبد المطلب رجالًا من قومه النُّصرةَ على عمه فأبوا، وقالوا: لا ندخل بينك وبين عمك، فكتب إلى المدينة إلى أخواله من بني النجار يذكر ما فعل به عمه نوفل، وقال: [من السريع]
من مُبلغٌ قومي على بُعدِهم … أنيَ منهم وابنُهُمْ والخميسْ
بأنَّ عمي نوفلًا قد أبَى … إلَّا التي يُغضي عليها الخسيسْ
وقال هشام بن الكلبي: إنه كتب أبياتًا منها: [من البسيط]
يا طُول لَيْلي لأحزاني وأَشْغالي … هَل منْ رسولٍ إلى النَّجار أَخْوالي
يُنبي عَديًّا ودينارًا ومازِنَها … ومالِكًا عِصْمةَ الجيرانِ عن حالي
قد كنتُ فيهم وَما أَخْشَى ظُلامةَ ذي … ظُلْم، عزيزًا مَنِيعًا ناعمَ البالِ
حتَّى ارتحلْتُ إلى قَوْمي وأَزْعَجَني … لذَاكَ مُطَّلِبٌ عمي بتَرْحالي
فغاب مُطَّلِبٌ في قَعْرِ مُظْلِمةٍ … ثم انبرى نَوْفَلٌ يعدو على مالي
أَأنْ رَأَى رجلًا غَابَتْ عمومتُه … وَغَاب أَخوالُه عنه بلا والِ
أَخْنَى عليه ولم يحفظ له رَحِمًا … ما أمنع المرءَ بين العمِّ والخالِ
فاستَنْفِروا وامنعوا ضَيْمَ ابن أختكمُ … لا تَخذُلوه فما أنتم بخُذَّال
فلما وقف خاله أبو سعد بن عدي (٣) النجاري على كتابه بكى، وسار من المدينة في ثمانين راكبًا حتَّى نزل مكة ونزل الأبطح، فتلقاه عبد المطلب وقال له: المنزل يا خال، فقال: لا والله حتَّى ألقى نوفلًا، فقال: تركته في الحِجْر جالسًا في مشايخ قريش، فأقبل أبو سعد حتَّى وقف عليهم، فقام نوفل قائمًا وقال: يا أبا سعد أنعم صباحًا، فقال له أبو سعد: لا أنعم الله لك صباحًا، وسلَّ سيفه وقال: ورب هذه البَنِيَّةِ لئن لم تردَّنَّ على ابن أختي أركاحه لأملأن منك هذا السيف، فقال: قد رددتها عليه، فأشهد عليه
стр. 1237
مشايخ قريش، ثم نزل على شيبة وأقام عنده ثلاثًا، ثم اعتمر ورجع إلى المدينة، فقال عبد المطلب:
ويأبى مازن وبنو عَدِيّ … ودينارُ بن تيْم اللهِ ضَيْمي
بهم رَدَّ الإله علي رُكْحي … وكانوا في انتسابٍ دون قومي
ذكرُ الحِلْفِ الذي جرى بين نوفل وبين عبد شمس على بني هاشم
وحالفت بنو هاشم خزاعة علي بني عبد شمس وبني نوفل، وكان ذلك سببًا لفتح مكة لما نذكر، ولما رأت خزاعة نصر بني النجار لعبد المطلب، قالوا: نحن ولدناه كما ولده بنو النجار، فنحن أولى بنصرته. ومعنى هذا: أن عبد مناف جد عبد المطلب، أمُّه حُبَّى بنت حُلَيل بن حُبْشِية سيد خزاعة، فقالوا لعبد المطلب: هلم فلنتحالف. فدخلوا دار الندوة، وتحالفوا، وتعاقدوا، وكتبوا بينهم كتابًا كتبه لهم أبو قيس بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، ولم يحضره أحد من بني نوفل ولا من بني عبد شمس، وعلقوه في الكعبة، وصورته: باسمك اللهمَّ، هذا ما تحالف عليه بنو هاشم ورجالات عمرو بن ربيعة من خزاعة على النصرة والمواساة، ما بلَّ بحر صوفة، وما أشرقت الشمس على ثبير، وحنَّ بفلاةٍ بعير، وما أقام الأَخشبان، واعتمر بمكة إنسان. وتزوج عبد المطلب يومئذ لُبنى بنت هاجر بن عبد مناف بن ضاطر، فولدت له: أبا لهب، وتزوج ممنعة بنت عمرو بن مالك بن نوفل (١)، فولدت أي: الغَيداق.
حديث الاستسقاء بعبد المطلب (٢):
قال مخرمة بن نوفل: عن أمه رُقَيقَةَ بنت [أبي] صَيْفي -وكانت امرأة عبد المطلب- قالت: تتابعتت على قريش سنون، أقحلتِ الضَّرْعَ، وأدقَّت العظم، فبينا أنا نائمة بالهمِّ -أو مهمومة- إذا بهاتف يصرخ بصوت صَحِلٍ (٣) يقول: يا معاشر قريش، إن هذا النبي
стр. 1238
المبعوث فيكم، قد أظلتكم أيامه، وهذا إِبَّانُ نُجومه، فحيَّ هلا بالحيا (١) والخِصْب، ألا فانظروا رجلًا منكم وسيطًا، عُظامًا، جُسامًا، أبيضَ بضًّا (٢)، أَوْطَفَ (٣) الأهدابِ، سَهْل الخَدَّين، أَشمَّ العِرْنين (٤)، له فخر يَكْظم عليه (٥)، وسُنَّةٌ تَهْدي إليه، فليخلص هو وولده، وليهبط إليه من كل بطن رجل، فليشنوا من الماء، وليمسُّوا من الطيب، ثم ليستلموا الركن، ثم ليرتقوا أبا قُبَيس، فليستسق الرجل، ولْيُؤَمِّنِ القَومُ، فغِثْتُم ما شئتم.
قالت رُقَيْقَةُ: فأصبحتُ والله مَذعورة، قد اقشعرَّ جلدي، ووَلِهَ عقلي، واقتَصَصْتُ رؤياي، فوالحرمة والحرم ما بقي أبطحي إلا وقال: هذا لِشيبة الحمد، وتتامت إليه رجالات قريش، وهبط إليه من كل بطن رجل، فَشَنُّوا، ومَسُّوا، واستلموا، ثم ارتقوا أبا قبيس، وطبَّقوا جانبيه فما يبلغ سعيهم مهله، حتَّى إذا استووا بذروة الجبل، قام عبد المطلب ومعه رسول الله ﷺ ، غلامٌ قد أيفع أو كَرَب، فقال: اللهمَّ سادَّ الخَلَّةِ، وكاشفَ الكُرْبَةِ، أنت تعلم غير مُعَلَّم، ومسؤول غير مبخَّل، وهذه عِبِدَّاؤك وإماؤك بعَذِراتِ (٦) حَرَمك يشكون إليك سَنَتهم، أذهبتِ الخُفَّ والظِّلفَ، اللهمَّ فأمطر علينا غَيثًا مُغيثًا مُغْدِقًا مَرِيعًا، فَوَالكعبة ما راموا حتَّى تفجرت السماء بمائها، واكتظ الوادي بثَجيجه فلسمعت [شيخان] قريش وجلتها: عبدُ الله بن جُدعان (٧)، وحَرْب بن أميَّة، وهاشم بن المُغيرة المخزومي، يقولون لعبد المطلب: هنيئًا لك أبا البطحاء، أي: عاش بك أهل البطحاء.
وفي ذلك تقول رقيقة بنت أبي صيفي: [من البسيط]
بشَيبةِ الحمْدِ أسْقَى الله بَلْدتَنا … لمَّا فَقَدنا الحَيَا واجْلَوَّذ المَطَرُ
مُبَارَك الأمرِ يُستَسْقى الغَمامُ به .... ما في الأَنَامِ له عِدْل ولا خَطَرُ
стр. 1239
مَنًّا مِنَ الله بالميمونِ طائرُهُ … وخيرُ من بُشِّرت يومًا به مُضَرُ
ولما سقى الله الناس، لم تصل الحياة إلى بلاد قيس ومضر، فاجتمعوا إلى زعمائهم وقالوا: قد أصبحنا في جدب وجهد، وقد سقى الله الناس بعبد المطلب، وإنه استسقى فسقي، وشفع فشُفِّع، فاقصدوه لعله يسأل الله فيكم. فقدموا مكة، ودخل خطباؤهم وساداتهم عليه فَحيَّوه بالسلام فقال: أَفْلحت الوجوه. وقام خطيبهم وقال: نحن ذو رحمك الواشجات، وقد أصابتنا سنون مجدبات، وقد بان لنا أثرك، ووضح عندنا خبرك، فاشفع لنا إلى من شفَّعك، وأجرى الغمام لك ومعك، فقال عبد المطلب: سمعًا وطاعة يا أقربَ القَرابات، موعدكم عرفات. ثم أصبح غاديًا إليها، وخرج الناس معه وولده ورسول الله ﷺ غلام، فَنُصِبَ لعبد المطلب كرسيٌّ أو سريرٌ، فجلس عليه، وأخذ رسول الله ﷺ فوضعه في حجره، ثم قال عبد المطلب ورفع يديه ثم قال: اللهمَّ رب البرق الخاطف والرعد القاصف، رَبَّ الأرباب، ومُلَيِّنَ الصِّعاب، هذه قيس ومضر من خير البشر، قد شعثت رؤوسُها، وحدبت ظهورها، يشكون إليك شدة الهُزال، وذهاب النفوس والأموال، اللهمَّ فأسحَّ لهم سحابًا خوّارة، وسماءً خَرّارة، لتضحك أرضهم، فيزول ضُرهم. قال: فما استتم كلامه حتَّى نشأت سحابةٌ دَكْناءُ لها دَويٌّ، وقصدت نحو بلادهم، فقال عبد المطلب: يا معاشر قيس ومضر، انصرفوا فقد سُقيتم. فرجعوا وقد سقوا.
قصة عبد المطلب مع ابن ذي يزن (١):
قال محمد بن السائب الكلبي: لما ملك سيف بن ذي يزن اليمن، وأباد عنها الحبشة، وفد عليه أشراف العرب للتهنئة، وكان من أشرافها خمسة: عبد المطلب بن هاشم، وأميَّة بن عبد شمس، وعبد الله بن جُدعان، وخويلد بن أسد، ووهب بن عبد مناف بن زهرة (٢)، وكان ابن ذي يزن بغُمْدان وهو قصره بصنعاء، فلما علم بهم جلس لهم على سريره -وكان من الذهب-، ولبس ثياب الملك، ووضع على رأسه التاج،
стр. 1240
وتضمَّخ بالغالية، وجعل بين يديه (١) سيفًا مسلولًا، واستدعى بهم، فدخلوا عليه وملوك حمير عن يمينه وشماله، ووضع الكرسي فاستأذنه عبد المطلب في الكلام وقام قائمًا، فقال له سيف: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فتكلم. فقال عبد المطلب:
أما بعد، فإن الله أحلَّك أيها الملك محلًّا رفيعًا، باذخًا شامخًا منيعًا، وأنبتك نباتًا طابت أُرومتُه، وعَزَّت جُرْثومته، وثبت أصله، وبسق فَرْعُه بأكرم معدن وأطيب موطن، فإنك -أبيت اللَّعن- رأس العرب الَّذي تنقاد إليه، وعمودها الَّذي تَعتَمدُ عليه، وسائسها الَّذي يقوم بأمرها، ومعقلها الَّذي تلتجئ إلى ذُراه، سلفك لنا خير سلف، وأنت لنا منهم خير الخلف، ولن يجهل من تقدم سلفه، ولم يهلك من أنت خلفه. أيها الملك، نحن أهل بيت الله وسُكَّان حرمه وسَدَنَةُ كعبته، أشخصنا إليك الَّذي أبهجنا من كَشْفِ الكَرْبِ الَّذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المَرْزئة (٢).
فقال له ابن ذي يزن: من أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم. فقال: ابن أختنا؟ قال: نعم. فقال: ادنه، فدنا منه، فأقبل عليه وقال: مرحبًا وأهلًا، وناقة ورحلًا، ومستناخًا سهلًا، ومُلْكًا رِبَحْلا (٣)، يعطى عطاءً جزلًا، قد سمع الملِك مقالتك، وعرف قرابَتَك، أنتم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحِباءُ إذا ظعنتم، أنتم قريش الأباطِح، أهل الشرف والفضل، والسناء والمجد، وأنت يا عبد المطلب ربيع الأنام وسيد الأقوام.
ثم أنزلهم دار الضيافة، وأجرى عليهم الإنزال، فأقاموا شهرًا لا يصلون إليه، ثم انتبه لهم انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب من بينهم خاصة، فأتاه فأجلسه معه على سريره، وقال له: يا ابن هاشم إني مفض إليك من سري ما لو كان غيرك لم أبح به، ولكني رأيتك أهلًا له وموضِعَه، فليكن عندك مطويًّا حتَّى ينفذ الله أمره، ثم قال: إني لأجد في الكتاب الناطق، والعلم الصادق الَّذي اخترناه لأنفسنا واحْتَجنَّاهُ (٤) دون
стр. 1241
غيرنا، خبرًا عظيمًا وخَطْبًا جسيمًا فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة، هو لك خاصة، ولقومك عامة.
فقال: أيها الملك، لقد أُبْتُ بخير ما آب به [وافد] (١) فخبِّر، ولولا هيبة الملك لسألته من كشف بشارته إياي ما أَزداد به سرورًا، فقال: نبيٌّ هذا حينه الَّذي يولد فيه، اسمه محمد وأحمد، خَدَلَّجُ الساقين، أكحل العينين، في عينيه علامة، وبين كتفيه شامة بيضاء (٢)، كأَنَّ وجهه فلقة قمر، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، وقد ولدناه مرارًا واللهُ باعِثُه جهارًا، وجاعل له منا أنصارًا يُعِزُّ بهم أولياءَه، وَيَخْذِل بهم أعداءَه، يضربون دونه الناسَ عن عرض، ويفتح الله بهم كرائم الأرض، يكسر به الأوثان، ويُعْبد الرحمن، ويُدْحَضُ به الشيطان، وتخمد النيران، قولُه فصل، وحكمه عَدل، فقال له عبد المطلب: عَزَّ جَدُّكَ، وعلا كَعْبُك، وطال عُمُرُك، أفصح لي إفصاحًا، وأوضح لي إيضاحًا.
فقال ابن ذي يزن: والبيت ذي الحُجُب، والعلامات على النُّصب، إنك لجده يا عبد المطلب من غير كذب. فخر عبد المطلب ساجدًا، ثم رفع رأسه، فقال له الملك: ثلَجَ صدرُك، وعلا أمرُك، وبلغت أمَلَك في عَقِبِك، هل أحسست مما قلتُ شيئًا؟ قال: نعم، كان لي ولد كُنْتُ عليه شفيقًا، وبه رفيقًا، زوجته كريمة من كرائم قومي اسمها آمنة بنت وَهْب، فجاءت بغلام فيه كلُّ ما ذكَرَ الملك. فقال له: فاحتفظ به من اليهود فإنهم أعداؤه ولن يجعل الله لهم عليه سبيلًا، والله مُظهِرُ دعوته، وناصر شريعته، فأَغِضَّ على ما قلت لك، واستره دون هؤلاء الرهط الذين معك، فلست آمن أن تدخلهم النفاسة في أن تكون لك الرياسة، فينصبوا لك الحبائل، ويغتالوا لك الغوائل، وهم فاعلون ذلك وأبناؤهم، ولولا علمي أن الموت مجتاحي قبل مخرجه، لسرت إليه بخيلي ورجلي، وصيَّرت يثرب دار ملكي حيث يكون فيها خبره، فأكون وزيره وصاحبه، ومشيره وظهيره على من عاداه وعانده وناوأه، فإنَّا نجد في العلم المصون والسر المكنون، أن يثرب دار مُلكه، وبها استحكام أمره، وتربتها موضع قبره، ولولا الذمامة بعد الزعامة،
стр. 1242
وصغر سنه، لأظهرت أمره وأَوْطأتُ العرب كعبه.
ثم أمر لكل واحد من القوم بمئتي بعير وعشرة أعبُد وعشرة إماء، وعشرة أرطال فضة، وخمسة أرطال ذهب، وكِرش مملوءة عنبرًا، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا كان في رأس الحول، فأتني بخبره وما يحدث من أمره. فتوفي الملك قبل رأس الحَوْل، وكان عبد المطلب يقول لأصحابه: لا تغبطوني بعطاء الملك وجزيله، ولكن اغبطوني بما أسرَّه إلي، فيقولون: وما الَّذي أسرَّه إليك؟ فيقول: ما شاء الله ويسكت. وكان كلما رأى من النبي ﷺ مخايل ما قال له الملك، يقول: أنا أبو الحارث، ما رميت غَرضًا إلا أصبته.
وكانت هذه الوفادة ولرسول الله ﷺ ثلاث سنين.
وقال ابن سعد: أول من خضب بالسواد من قريش: عبد المطلب، كان قد سافر إلى اليمن، فنزل على رجل من حِميَر -وكان قد شاب- فعلَّمه الخضاب، فلما قدم مكة، كأنَّ شعره من حَلَك الغراب، فقالت له زوجته نُتَيْلَة بنت جَناب بن كُلَيب أم العباس: يا شيبة (١)، ما أحسن هذا لو دام، فقال عبد المطلب: [من الطويل]
لو دَامَ لي هذا السَّواد حمِدتُه … وكانَ بَديلًا مِن شَبابٍ قدِ انصَرَمْ
تمتَّعتُ منه والحياةُ قَصِيرةٌ … ولا بُدَّ من مَوْتٍ يُواتي ومِنْ هَرَمْ
وماذا الَّذي يُجدِي على المَرْءِ خفضه … ونعمتُه يومًا إذا عَرْشُه انهَدَمْ
ثم خضب أهل مكة بالسواد.
وقال ابن إسحاق: كان عبد المطلب من سادات قريش جسيمًا وسيمًا محافظًا على العهود والأمانات، متخلِّقًا بمكارم الأخلاق، يحب المساكين، ويعظم الظلم، ويقمع الظالمين، ويقوم بالحجيج، ويُطعم في الأزمان، ويكثر الصدقة والطواف، إذا أهلَّ رمضان دخل غار حراء يتعبد فيه طول الشهر، ورأى رجلًا يضرب رجلًا وليس له ناصر، فقال: يوشك أن يكون لنا دار أخرى، وقال: إن كان للقطيع راعٍ، فسيقتصُّ للجَمَّاءِ من القَرْناء، وإن لم يكن فالمصيبة بفقده أعظم. وكان يطعم حتَّى الوحوش
стр. 1243
والطيور في رؤوس الجبال، وفيه يقول أبو طالب: [من الطويل]
ونطعمُ حتَّى يأكل الطيرُ فَضْلَنا … إذا جُعِلت أيدي المُفيضين تُرْعِد
ورفض في آخر عمره عبادة الأصنام، ووحد الله، وسن سننًا كثيرة نزل القرآن بأكثرها، وجاءت السنة من رسول الله ﷺ بها، فمنها: الوفاء بالنذر، ومئة من الإبل في الدية، ولا تنكح ذات محرم، ولا تؤتَى البيوت من ظهورها، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموءودة، وتحريم الخمر والزنا والحد عليه، ولم يشرب الخمر، وسن أن لا يطوف بالبيت عُرْيان، ولا ينفقون في الحج إلا من طَيِّب أموالهم، وإضافة الضيف، وتعظيم الأشهر الحرم إلى غير ذلك (١).
ودخل دَغْفَل النَّسابةُ على معاوية بن أبي سفيان، وكان من المُعَمَّرِين، فقال له: من رأيت من عِلْيَة قريش؟ فقال: عبد المطلب وأمية بن عبد شمس، فقال: صفهما، فقال: كان عبد المطلب أبيض بضًّا مديد القامة، حسن الوجه، شديد العارضة، في جبينه نور النبوة، وعِزُّ المُلْك، يطيف به عشرة من بنيه كأنهم أُسْدُ غاب، قال: فَصِف لي أميَّة؟ فقال: رأيته شيخًا قصيرًا أعمى، نحيف الجسم، يقوده عبده ذكوان، فقال معاوية: مَهْ، ذلك ابنه عمرو؟ فقال دَغْفَل: هذا شيء أحدثتموه أنتم، فأما الَّذي رأيت أنا فقد أخبرتك.
ذكر وفاة عبد المطلب:
توفي في السنة الثامنة من مولد النبي ﷺ .
سئل رسول الله ﷺ : أتذكر يوم وفاته؟ قال: "نعم، كانَ ذَلكَ وأَنا ابنُ ثمانِ سِنينَ" (٢).
وقال مَخرَمة بن نوفل الزهري: توفي عبد المطلب وقد قاربتُ عشرين سنة، وإن أمي رُقَيقَةُ بنت أبي صيفي لتقول لي: شق ثوبك على خالك، فمن تستبقيه بعده. ونظرت إلى نساء بني عبد مناف قد جززن شعورهن (٣).
стр. 1244
واختلفوا في سنه على أقوال:
أحدها: أنَّه عاش ثمانين سنة (١)، والثاني: مئة وعشر سنين وعشرة أشهر.
والثالث: مئة وعشرين سنة.
ودفن بالحجون عند جده قصي.
وروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "يُبعَثُ جدِّي عبدُ المطَّلب في زيِّ الملوكِ وأُبَّهةِ الأشرافِ" (٢).
ذكر أولاده:
كان لعبد المطلب ثلاثة عشر ذكرًا، وقيل: هم اثنا عشر، وقيل: أحد عشر، وقيل: عشرة، وست بنات. فالذكور: الحارث كان أكبر ولده، وبه كان يُكْنى، توفي في حياة أبيه في السنة التي نحر فيها أبوه الإبل عن عبد الله، وأمه صفية بنت جُنْدَب بن عامر بن صَعْصَعة، ولم يدرك الإسلام، وأسلم من أولاده نوفل، وربيعة، وأبو سفيان، وعبد الله.
وقُثَم بن عبد المطلب شقيق الحارث، مات صغيرًا في حياة أبيه قبل مولد رسول الله ﷺ بثلاث سنين، فَوَجِدَ عليه أبوه وَجْدًا شديدًا، فلما ولد رسول الله ﷺ سماه عبد المطلب قُثَمًا لحبه لِقُثَمٍ، فأخبرته آمنة أنَّه قيل لها: سميه محمدًا، فسماه محمدًا.
والزبيرُ بن عبد المطلب، كان شقيق عبد الله والد رسول الله ﷺ ، وكان أشد قريش شكيمةً، ورئيس بني هاشم وبني المطلب في حروب الفجار وغيرها شريفًا شاعرًا، وأوصى إليه عبد المطلب ولم يدرك الإسلام، وكان له من الولد: عبد الله، أسلم وصحب رسول الله ﷺ ، وجاهد في سبيل الله، وكان رسول الله ﷺ يحبه ويقول: ابن عمي وحِبِّي. واستشهد بأجنادين. وحَجْل بن الزبير (٣)، واسمه: المغيرة، دَرَج،
стр. 1245
وضُباعة، ومُرَّة، وقُرَّة، وأم الحكم، وصَفية، وعاتكة.
وحمزةُ بن عبد المطلب ﵁، أمه: هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زُهرة أخت آمنة أم رسول الله ﷺ .
والعباسُ بن عبد المطلب: كنيته: أبو الفضل، وأمه، نُتَيْلُةُ بنت جَنَاب الكلبية.
وأما أبو طالب بن عبد المطلب فاسمه: عبد مناف وهو شقيق عبد الله بن عبد المطلب.
وأما أبو لهب فاسمه عبد العزى، وكنيته أبو لهب لجمال وجهه، أمه: لبنى بنت هاجر من عبد مناف بن ضاطِر خزاعية، مات عقيب يوم بدر بيسير.
وكان له من الولد: عتبة، وبه كان يكنى، ومعتِّب أسلم هو وعتبة يوم الفتح، فسرَّ رسول الله ﷺ بإسلامهما، ودعا لهما، ومشيا إلى جانبه وهو بينهما، وقال: "الحمدُ لله الَّذي أَيَّدني بِكُما" (١). وشهدا الطائف وحنينًا مسلمين، وفُقئت عين معتِّب يومئذ، وأقاما بمكة مسلمين، وعُتيبة أكله السبع بالشام كافرًا (٢) في سنة اثنتي عشرة من النبوة. ومن أولاد عتبة: العباس بن الفضل بن عتبة الشاعر، وكان لمعتِّب ابنٌ اسمه: مسلم، يُشَبَّه برسول الله ﷺ ، وشهد معه وقعة حنين.
ودُرَّةُ بنت أبي لهب، وغرة بنت أبي لهب، وخالدة بنت أبي لهب.
وحَجْل، وكان ابن عبد المطلب، واسمه: المغيرة وهو شقيق حمزة ﷺ يُكْنى
стр. 1246
أبا قُرَّةَ، وكان حَجْلٌ أصغر من المقوِّمِ بسنة فاستكمل عمره.
وضِرار بن عبد المطلب شقيق العباس، وكنيته: أبو عمرو (١)، وكان من فتيان قريش، وكان أسنَّ من العباس بسبع سنين، ومات ضرار في أيامِ أُوْحِيَ إلى النبي ﷺ ، وكان شاعرًا، ولم يتزوج ولم يولد له.
والمُقَوِّم بن عبد المطلب شقيق حمزة ﵁، وكنيته: أبو بكر، مات عبد المطلب وهو ابن خمس عشرة سنة. ومات المقوِّم قبل المبعث بثلاث سنين، وقيل: بست سنين، وكان له بنات: هند، وأروى، وأم عمرو (٢)، وفاختة.
والغَيْداق بن عبد المطلب، واسمه: مصعب، وقيل: نوفل، وكان أجود قريش، وأمه: ممنّعة (٣) بنت عمرو بن مالك الخزاعي، وأخوه لأمه: عوف بن عبد عوف الزهري والد عبد الرحمن بن عوف ﵁.
وأم حكيم وهي البيضاء وقُبَّة الدِّيباج (٤)، كانت في الجاهلية عند كُرَيز بن ربيعة بن حبيب (٥) بن عبد شمس، فولدت له: عامرًا، وطلحة، وأم طلحة، وأروى.
فتزوج أروى عَفَّانُ بن أبي العاص بن أمية، فولدت له: عثمان بن عفَّان ﵁، ثم خلف عليها عُقبة بن أبي مُعَيْط، فولدت له: الوليد بن عقبة وخالدًا وأمَّ كلثوم، ولم تُسلم أم حكيم، وكانت توأمة عبد الله، ووُلدا في بطن واحد، أَمَّ عبد الله أولًا، ثم ولدت بعده، وعاشت ابنتُها أروى أم عثمان ﵁ إلى خلافة ابنها، وتوفيت فصلى عليها، ثم انصرف عن قبرها وهو يقول: اللهمَّ اغفر لأمي.
ماتت أم حكيم بعد المبعث ولها سبعون سنة، وهي القائلة: إني لحَصَانٌ فما أُكَلَّم، وصَناعٌ فما أُعَلَّم (٦).
стр. 1247
وبرَّةُ بنت عبد المطلب: كانت عند عبد الأَسد بن هلال المخزومي، فولدت له أَبا سلَمة، وبَرَّةُ شقيقةُ عبد الله.
وعاتكةُ بنت عبد المطلب شقيقة عبد الله، وكانت عند أَبي أُمية بن المغيرة المخزومي، فولدت له عبد الله، أسلم وله صُحبةٌ، وزهيرًا وقريبة. وعاتكةُ هذه هي صاحبةُ المنام قُبيل يوم بدر، واختلف في إسلامها.
وصفية بنت عبد المطلب ﵄، شقيقة حمزة ﵁، أَسلمت وهاجرت وهي أمُّ الزُّبير بن العوَّام ﵁، وروَت الحديث عن النبي ﷺ .
وأروى بنت عبد المطلب، اختلف في إسلامها.
وأُمَيمةَ بنت عبد المطلب كانت عند جحش بن رِئاب حليفِ بني أُميَّةَ، فولدت له عبد الله وأَبا أحمد، وعبيد الله وزينب وحَمنة (١).
فأما عبد الله فَقُتِل يوم أُحدٍ شهيدًا، وشهد بَدْرًا، وأما أبو أحمد فكان شاعرًا وكان أعمى، واسمه: عَبْد، وأما عبيد الله فأسلم ثم تنصَّر بالحبشة، فمات كافرًا. وأما زينب فتزوجها رسول الله ﷺ . وأما حَمْنَةُ فَحَدَّها رسول الله ﷺ في قذف عائشة ﵂.
* * *
السنة التاسعة من مولده ﷺ -
وفيها خرج أبو طالب إلى الشام في تجارة، وأوصى أولادَه برسول ﷺ ، فلما وصل إلى بُصرى نظر في أمر اليهود فخاف عليه منهم، فرجع إلى مكة (٢).
* * *
стр. 1248
السنة العاشرة من مولده ﷺ -
وفيها كانت الفجارات، وكانت الدائرة فيها لقريش على قيس، وإنما سميت هذه الحروب فِجارًا، لأنها كانت في الأشهر الحرم. قال أبو عبيدة: لأنهم فجروا فيها فاستباحوا الأموال والنفوس. قال خداش بن زهير: [من الطويل]
فلا تُوعِدُوني بالفِجَار فإنَّه … أَحَلَّ ببَطْحاء الحجازِ المحارِما
وقال هشام بن محمد: كان الفجار الأول: بين كنانة وهوازن، والثاني: بين قريش وكنانة، والثالث: بين نصر بن معاوية وبين كنانة، والرابع: بين قريش وهوازن.
الفجار الأول: وسببه أن بدر بن معشر الكناني كان منيعًا، ورد سوق عُكاظ، وكان له مجلس يجلس فيه ويفتخر، ويشمخ على الناس ويقول: [من الرجز]
نحن بنو مُدرِكةَ بن خِنْدِفِ
مَنْ يطْعَنوا في عَيْنِه لم يطرفِ
ومن يكونوا قومَه يُغَطْرفِ
كأنَّهم لُجَّةُ بَحْرٍ مُسْدِفِ (١)
وكان يمد رجله وكان [يقول: أنا] (٢) أعزُّ العَربِ، فمن ادَّعى أنَّه أعز مني فليضربها، فوثب عليه رجل من هوازن -وقيل: من بني نصر بن معاوية- يقال له: الأُحيمر بن مازن، فضربه بالسيف على ركبته، فجرحه جرحًا يسيرًا -وقيل: إنه أَنْدَرَها، والأول أصح- ثم قال:
خذها إليك أيها المُخَنْدِف
نحن بنو دهمان ذو التَّغَطْرُف
نحنُ ضربْنَا ركبَةَ المعجْرِفِ
إذ مدَّها في أَشْهُرِ المعرَّفِ (٣)
стр. 1249
ونشبت الحربُ، ثم نظروا فإذا الخطب يسير فكفوا.
الفجار الثاني: اجتمع شباب من كِنانة في سوق عُكاظ، وفيه امرأة من بني عامر وَسيمةٌ جَسيمة، جالسة وعليها دِرْعُها، فسألوها أن تُسْفِرَ عن وَجْهِها فأبت، فجاء أحدهم من خلفها فحل طرف درعها ولشده إلى ما فوق عَجُزِها بشوكة، فلما قامت ارتفع درعها، فبدت عورتها فضحكوا، وقالوا: منعتينا النظر إلى وجهك، وَجُدْتِ لنا بالنظر إلى دُبْرِك. فنادت: يا آل عامر، فأجابوها. ونادى الشباب: يا آل كِنانة. وتثاوَر الحيَّانِ واقتتلوا، ووقعت بينهم دماءٌ كثيرة، فتوسطها حرب بن أمية، وأرضى بني عامر من مُثْلَةِ صاحبتهم.
الفجار الثالث: وسببه أن رجلًا من بني كِنانة كان له على رجل من بني نَصْر بن معاوية دَين، فوافى النَّصْري الكناني، فطالبه به وذكر قومَه بسوء، وسمعه رجل من بني كنانة، فقام إليه فضربه فقتله، وثار الحيان واقتتلوا، ثم حمل الدين عبد الله بن جُدْعان من ماله واتَّفقوا.
الفجار الرابع: وكان أَعظَمَها، وكان الَّذي أهاجه: أنَّ النعمان بن المنذر اللخمي ملكُ الحيرة كان يبعث (١) في كل سنة إلى سوق عكاظ بِلَطيمة -وهي التي تحمل الطيب وَبَزَّ التجار- في جوار رجل شريف من أشراف العرب يُجيرها له، فتباع ويشترى له بها من أَدَم الطائف، وما يحتاج إليه، وكانت سوق عكاظ تقوم في كل يوم من ذي القعدة إلى انسلاخ المحرم، وقيل: أول يوم من ذي الحِجة، يتسوَّقون بحضور الحج، ثم يحجون وينفصلون، وعكاظ بين نخلة والطائف، وكانوا إذا اجتمعوا أَمِن بعضهم بعضًا.
فلما جهز النعمان اللطيمة وعنده جماعة من العرب فيهم: البَرَّاضُ بن قيس أحد بني بكر بن عبد مناف بن كنانة، والرَّحَّال، وهو عروة [بن عتبة] بن جعفر بن كلاب، فقال البَرَّاض: أجيرها على بني كنانة؟ فقال النعمان: ما أريد إلا من يجيرها على أهل نجد وتِهامة، فقال الرَّحَّال -وهو يومئذ رجل من بني هوازن (٢): أنا أجيرها لك. فقال
стр. 1250
البَرَّاض: أَعَلى بني كنانة تُجيرها؟ قال عروة: نعم، وعلى أهل الشِّيح والقَيْصوم. ونال من البَرَّاض، وقال: أجيرها على الناس كلهم، فدفعها إليه النعمان وخرج بها الرَّحَّال، وتبعه البَرَّاض والرَّحَّال لا يخشى منه ولا مِن غيره شيئًا، فسار حتَّى نزل جانب فَدَك بأرض يقال لها: أُوَارة (١)، فشرب الخمر وغنَّته القَينات وسَكِر، فنام، وجاءه البَرَّاض فاستيقظ فحمل عليه، فقال الرَّحَّال: ناشدتك الله لا تقتلني فقد كانت منِّي زلَّة وهفوة، فلم يلتفت إليه وقتله، واستاق اللَّطيمة نحو خيبر وقال: [من الرجز]
قَدْ كانَتِ الغَفْلةُ منِّي ضَلَّه
هلَّا على غيري جَعَلْتَ الزَّلَّه
فسوفَ أعلو بالحسام القُلَّه
وتبعه المُساور بن مالك الغَطَفاني وأسد بن خُثَيْم الغَنَوي، ولم يعلم بهما البَرَّاض حتَّى دخل خيبر فرآهما، فقال: من أنتما؟ فانتسبا له، فقال: وما شأنكما بهذه الأرض التي ليست لكما بأرض؟ قالا: ومن أنت؟ قال: أنا من أهل خيبر. قالا: هل لك عِلْمٌ بالبَرَّاض؟ قال: نعم، دخل علينا طريدًا، فلم يأوه أَحدٌ منا، قالا: فدُلَّنا عليه. فقال: هو نائم خلف هذا الجدار، فنزلا وعقلا راحلتيهما، ودخلا فدخل وراءهما فقتلهما وأخذ راحلتيهما وسلاحهما، ثم إن البَرَّاض لقي بشر بن أبي خازم الأَسَدي الشاعر فأخبره الخبر، وقال: أخبر عبد الله بن جُدعان وقريشًا، ومُرْهم يوافوا سوق عكاظ، وخبر قيس بن عيلان خبر البَرَّاض، وما فعل الرَّحَّال، فثاروا وأجمعوا، وعليهم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر، ودريد بن الصِّمة، ومسعود بن مغيث الثقفي أبو عروة، وكانت رايتهم بيد أبي براء، وهو المقدَّمُ عليهم، وخرجت قريش وعليهم عبد الله بن جُدْعان، وهشام بن المغيرة، وحرب بن أمية، وعتبة بن ربيعة، وانضافت إليهم كِنانة، وأسد، وخزيمة، والأحابيش، والقارة، وعُضَل، وعلى الجميع عبد الله بن جُدْعان، ولما اجتمعوا طلبوا قريشًا، فدخلوا الحرم ونادى حرب بن أمية -وقيل: رجل من بني عامر يقال له: الأدرم بن شعيب-: يا معاشر قريش، موعدكم هذا المكان من قابل،
стр. 1251
فقال خداش بن زهير: [من البسيط]
يا شدَّةً ما شدَدْنا غيرَ كاذبةٍ … على سَخينةَ لولا اللَّيلُ والحَرَمُ
لمَّا رأوْا خيلنا تُزْجي أَعِنَّتَها … آسادُ غِيلٍ حَمى أشبالها الأَجَمُ
وأقامت قريش تتأهب سنةً حتَّى التقوا في العام القابل، وقيل: التقوا في هذا العام، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وكانت الدائرة في أول النهار على قريش فقتلتهم قيس قتلًا ذريعًا، ثم كانت الدائرة في آخر النهار على قيس فقتلت منهم قريش مقتلة عظيمة، وحضر رسول الله ﷺ آخر النهار مع عمومته، ورمى فيه بسْهُم وقال ﷺ : "كُنْتُ أُنَبِّل فيه لأَعْمامي -أي: أُناولُهم النَّبْلَ- وما أُحبُّ أنِّي لم أَحْضُر". ولما حجز بينهم الليل، باتوا على راياتهم، فلما أصبحوا نادى عُتبة بن ربيعة -وهو يومئذ شابٌّ لم يبلغ ثلاثين سنة-: الصُّلْح أَصْلَح. فأجابوا وعدوا القَتلَى، ووَدَتْ قريشٌ قتلى قيس، ووضعت الحرب أوزارها.
وقال أبو عبيدة: أَبت بنو كلاب أن تقتل البَرَّاض بالرَّحَّال، لأنَّ البَرَّاض كان خليعًا في كنانة، وكان الرَّحَّال سيد هوازن، فأرادوا أن يقتلوا به سيدًا من قريش (١).
وكان لرسول الله ﷺ يومئذ عشر سنين، وقيل: أربع عشرة سنة، وقيل: عشرون سنة، والأول أصح.
* * *
السنة الثانية عشرة من مولده ﷺ -
فيها سمع رسول الله ﷺ كلامًا من فوق رأسه (٢).
* * *
стр. 1252
السنة الثالثة عشرة من مولده ﷺ -
فيها خرج أبو طالب برسول الله ﷺ إلى الشام وهو ابن اثنتي عشرة سنة، وقيل: عشرون سنة، والأول أصح، فنزل الركبُ ببُصرى، وبها راهب يقال له: بَحِيرَى في صومعة له، وكان ذا علم بالنصرانية، [ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب فيها -فيما يزعمون- يتوارثونه كابرًا عن كابر] (١)، وكان كثيرًا ما يمرُّ به الركب فلا يُكلِّمُهم حتَّى إذا كان في ذلك العام نزلوا مَنْزِلًا قريبًا من الصومعة كانوا ينزلونه، فصنع لهم طعامًا ودعاهم إليه، وإنما حمله على ذلك، أنهم حين طلعوا رأى غمامة تُظِلُّ رسول الله ﷺ دون القوم، ولمَّا نزلوا نزلوا تحت ظلِّ شجرة، فنظر إلى الغمامةِ قد أظلت تلك الشجرةَ فاخضلَّت أغصانها على رسول الله ﷺ دون القوم، ولما رأى ذلك بَحِيرى نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام، فحضر وأرسل إلى القوم يقول: يا معاشر قريش، أحب أن تحضروا طعامي ولا يتخلف منكم صغير ولا كبير، ولا حُرٌّ ولا عبد، فإن هذا شيء تكرموني به. فقال رجل منهم: إن لك لشأنًا يا بَحِيرى، ما كنت تصنع بنا قبل هذا اليوم مثل هذا؟ فقال: إني أحب أن أكرمكم فلكم حق، فاجتمعوا، وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم لِصِغَرِ سنِّه، فنظر بَحِيرى إلى الغمامة فلم يرها على رأس أحد من القوم وهي على رأس رسول الله ﷺ ، فقال: ألم أقل لا يتخلَّفَنَّ أحد عن طعامي؟ فقالوا: ما تخلف أحد إلا غلام صغير وهو أوسطنا نسبًا، وهو ابن أخي هذا الرجل -يعنون أبا طالب-، فقال أبو طالب (٢): والله إنه لَلُؤمٌ أن يتخلف عنا محمد. فقام الحارث فاحتضنه وأقبل به حتَّى أجلسه بين القوم، والغمامة على رأسه وبَحِيرى يلاحظه لحظًا شديدًا، وينظر إلى جسده فيجد ما يجد عنده من الصفة، فلما تفرقوا قام إليه الراهب، فقال: يا غلام، أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه، فقال رسول الله ﷺ : لا تسألني باللات والعزى فوالله ما أبغضتُ شيئًا كبِغْضَتي لها، قال: فبالله أخبرني؟ قال: سلني؟ فسأله عن أشياء حتَّى عن نومه والنبي ﷺ يخبره، فوافق ما عنده. فكشف عن ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه، فقبَّله. وجعلت قريش
стр. 1253
تقول: إن لمحمدًا عند هذا الراهب قَدْرًا، وجعل أبو طالب يخاف عليه من الراهب، فقال بَحِيرَى لأبي طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال: ما هو ابنك، وما ينبغي أن يكون أبوه حيًّا، قال: فإنه ابن أخي، قال: ما فعل أبوه؟ قال: هلك وأمه حامل به، قال: فما فعلت أمه؟ قال: هلكت قريبًا، قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه من اليهود. والله لئن عرفوا منه ما أَعرفُ ليَبْغُنَّه عَنَتًا (١)، وإنه كائن لابن أَخيك هذا شأن عظيم نجده في كتبنا، ونرويه عن أكابرنا. فلما فرغوا من التجارة عاد به أبو طالبٍ سريعًا إلى مكة.
وكانت رجال من اليهودِ قد رأوا رسول الله ﷺ ، وعرفوا صفته في التوراةِ فأرادوا أَن يغتالوه، فذكروا ذلك لبَحِيرى فنهاهم عنه أَشدَّ النَّهي وقال: قد وجدتم صِفَتَه في التوراة، وأنه كائن لا محالةَ فلا سبيل لكم عليه، فتركوه، فما خرج به بعدها في سَفَرٍ خَوفًا عليه (٢).
* * *
السنة الرابعة عشرة من مولده ﷺ -
فيها تحرّكت قيس لحربِ قريش، فخرج إليها عبد الله بن جُدعان وشِيخان قريش، فذكَّروهم الله فرجعوا (٣).
* * *
السنة الخامسة عشرة من مولده ﷺ -
فيها رُوي أن النبي ﷺ رأى قُس بن ساعدة الإيادي في سوقِ عكاظ.
قال ابن عباس ﵄: قدم وَفْدُ عبد قيس على رسول الله ﷺ فقال لهم: "ما فَعَل قُسٌّ"؟ قالوا: هلك. قال: "ما أَنْسَاه على جملٍ أَوْرقَ يَخطُبُ بسوقِ عُكاظٍ ويَقُول: أيُّها
стр. 1254
النَّاسُ، اجتَمِعوا واسْتَمِعوا وَعُوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكلُّ ما هو آتٍ آت، إنَّ في السماءِ لخبرا، وإنَّ في الأرضِ لعِبَرا، مهادٌ موضوعٌ، وسَقْفٌ مَرفوعٌ، ونجومٌ تَمورُ، وبحارٌ لا تَغُورُ، أَقسم قُسٌّ قسمًا حقًّا أن لله تعالى دينًا هو أَحبُّ إليه من دينكم الَّذي أَنتم عليه، مالي أرى النَّاس يذهبونَ فلا يَرجعونَ، أَرَضُوا فأقاموا، أَم تُرِكوا فنامُوا؟ " ثم قال: "أيكم يَروي شعرَه؟ "، فأنشدوه: [من مجزوء الكامل]
في الذَّاهبين الأولينَ … من القرونِ لنا بصائرْ
لما رأيتُ مواردًا … للموتِ ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها … يمضي الأكابرُ والأصاغِر
لا يرجع الماضي إليَّ … ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محالةَ … حيث صار القوم صائر (١)
* * *
السنة السادسة عشرة من مولده ﷺ -
شَعَّثَت الملوك على هُرْمز بن أَنُو شروان واتفقوا على قصده (٢).
* * *
السنة السابعة عشرة من مولده ﷺ -
فيها وصل ملك الترك ويقال له: شابةُ إلى هَراة في أربع مئة ألف فارس يريد المدائن لقتال هُرْمُز، وقصده ملك الروم في مئة ألف فارس ووصل إلى الضواحي، وقصده ملك الخزر وباب الأبواب في ست مئة ألف، وقصده من العرب رجلان: عباس الأحول، وعمرو الأزرق في جموع العرب والقبائل، ونزلا على شاطئ
стр. 1255
الفرات، وشنَّا الغارات على السواد، وأرسل ملك الترك يقول لهرمز: أصلِح لي القناطر والجسور لا أُغير عليك. فعزَّ على هُرْمُز ذلك، وبعث إليه بَهْرام جوبين مرزبان الري سَرِيَّةً في اثني عشر الفًا، وأقام هُرْمُز بالمدائن في سبعين ألفًا على عزم المسير لقتال [ملك] التُّرك وبنيه بأرض هراة، والتقى القوم، فرماه بَهْرام بسهم فذبحه، وانهزمت الترك، وغنم بَهْرام أموال ملك الترك وخزائنه، وأخذ ابنه أسيرًا، فبعث به إلى هُرْمُز، وبعث معه بالجواهر والأموال بحيث إنها كانت على ألف بعير، ثم وقع بين هُرْمُز وبَهْرام بسبب هذه الأموال (١).
* * *
السنة الثامنة عشرة من مولده ﷺ -
عاد أَبْرُويز إلى المدائن من عند قيصر، وكان قد خرج مستصرخًا به على بَهْرام فأنجده، فهرب بَهْرام من المدائن إلى الترك فقتل هناك.
* * *
السنة التاسعة عشرة من مولده ﷺ -
هلك هُرْمُز بن أَنُوشروان بعد خَلْعِه وسَمْلِه، وولي ابنه أَبْرُويز مكانه. ومعنى أَبْرُويز: المُظَفَّر (٢).
* * *
السنة العشرون من مولده ﷺ -
وفيها كان حلف الفُضُول، وحضره رسول الله ﷺ .
وقال الزبير بن بكار: كان مبدأ الحِلْف في جُرْهم، نزل منهم ثلاثة رجال: فضل، وفضالة، ومفضل، فلذلك سمي حلفَ الفُضول، ثم جَدَّدَتْه قريش.
стр. 1256
وقال ابن إسحاق: إنما سماه حلف الفضول الأحلاف والأحابيش (١)، لأنهم ما سرهم وقوعه، وقالوا: هذا فضول ما نوافق عليه.
وقال الواقدي: كانت قريش تتظالم في الحرم، فقام عبد الله بن جُدعان والزبير بن عبد المطلب، فدعا كل واحد إلى التناصر والتعاون، والأخذ من الظالم للمظلوم، فأجابوهما إلى ذلك، فتحالفوا وتعاقدوا، والذي جمعهم الزبير بن عبد المطلب، ثم أكدوه في دار عبد الله بن جُدعان.
وفي ذلك يقول الزبير بن عبد المطلب (٢):
حَلَفْتُ لنَعْقِدَنْ حِلْفًا عليهم … وإنْ كنَّا جميعًا أهل دارِ
وَيَعلمُ مَنْ حَوالي البَيت أنَّا … أُباةُ الضَّيم نَهْجُر كلَّ عارِ
وقال وهب: باع قيس السُّلَمي متاعًا من عمرو بن أمية بن عبد شمس بمكة فمطله، فصعد على أبي قُبيس ونادى:
يال قُصيٍّ كيفَ في هذا الحَرَمْ
وحُرْمةِ البَيتِ وأَحْلافِ الكَرَمْ
أُظلمُ لا يُمنَعُ منِّي مَن ظَلَمْ
فقام العباس وأبو سفيان بن حرب فردوا عليه ماله، وتحالفا على رد المظالم (٣).
وقال رسول الله ﷺ : "لَقَد شَهِدتُ حِلْفًا في دارِ ابن جُدْعانَ، ما أُحِبُّ أَنَّ لي به حُمْر النَّعَم، ولو دُعِيتُ إلى مِثلِه لأجبتُ" (٤).
ولم يتجدد من الحوادث في السنة الحادية والعشرين من مولده ﷺ إلى آخر سنة أربع وعشرين ما يذكر.
стр. 1257
السنة الخامسة والعشرون مولده ﷺ - (١)
قالت نَفيسةُ بنت مُنْية أخت يعلى بن مُنْية: لما بلغ رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين سنة، قال له أبو طالب: يا ابن أخي، أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد علينا الزمان، وهذه عِيْر قومك قد حضر خروجُها، وهذه خديجة بنت خُويلد تبعث رجالًا من قومك، فلو أتيتها فتعرضت لها، لأسرعت إليك.
وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه إياه، فبعثت إليه وقالت: أنا أعطيك ضِعْفَيْ ما أعطي رجلًا من قومك، فقال له أبو طالب: هذا رزق ساقه الله إليك.
فخرج مع مَيسرةَ غلامِ خديجة ﵂ فقدما بُصرى من الشام، فنزلا في ظل شجرة هناك، فرآه نَسْطُور الراهب، فدعا مَيسرَة فقال: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبيٌّ، ثم قال لمَيسرة: أفي عيني صاحبك حُمْرة؟ قال: نعم. فقال: لا تفارقه، فهو نبيٌّ، وهو آخر الأنبياء (٢). ثم إنَّه باع ما كان معه من المتاع، فوقع بينه وبين رجل تلاحٍ في سلعة، فقال له الرجل: احْلِف باللَّات والعزى، فقال رسول الله ﷺ : والله ما حلفتُ بهما قط، وإنِّي لأَمرُّ بِهما، فأعرض عنهما. فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة: هذا والله نبيٌّ نجده في كتبنا منعوتًا. وكان ميسرة إذا اشتد الحرُّ رأى مَلكين يُظلَّان رسول الله ﷺ من الشمس، فصار كأنه عبد له، وألقى الله عليه حبَّ رسول الله ﷺ ، ثم إنهم باعوا وربحوا ضِعفَيْ ما كانوا يربحونه، وعادوا إلى مكة، واتفق دخولهم إليها في وقت الهاجرة، وخديجة ﵂ في عِلِّيةٍ لها، فرأت مَلَكَين يظلان رسول الله ﷺ وهو على بعيره، فأرته نساءها فعجبن، ودخل عليها مَيسرَة فأخبرها بما ربحوا، وحدثها بما رأى وبما قال نَسْطُور الراهب، فسرت بذلك، وأضعفت له ما كانت سَمَّته له (٣).
стр. 1258
ذكر تزويجه ﷺ بخديجة ﵂ - (١):
قالت نَفِيسَةُ بنت مُنْيَةَ: كانت خديجة بنت خُويلد بن أَسد بن عبد العزى بن قصي امرأةً حازمةً جَلْدةً شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخَير، وهي أوسطُ قريش نسبًا، وأعظمهم شَرَفًا وأكثرهم مالًا، وكل قومها حريصٌ على نكاحها لو قدروا على ذلك، وبذلوا لها الأموال، فلم تُجِب.
قالت نَفِيسةُ: فأرسلتني خديجة إلى النبي ﷺ لما رجع من الشام دسيسًا، فقلت له: يا محمد، ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: ما بيدي شيء أتزوج به. قلت: فإن كفيتُكَ ذلك، ودُعِيتَ إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، أتجيب؟ قال: فمن هي؟ قلت: خديجة، قال: وكيف لي بذلك؟ فقلت: علي. قال: فأنا أفعل ذلك، فذهبت فأخبرتها، فأرسلت إليه: أنِ ائتِ في ساعة كذا وكذا، وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها منه فحضر، وأقبل رسول الله ﷺ في عمومته فتزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وخديجة يومئذ بنت أربعين سنة (٢).
وذكر ابن إسحاق: أنَّ حمزة ﵁ هو الَّذي خطب خديجة لرسول الله ﷺ من عمها عمرو (٣).
وذكر بعض العلماء: أن أبا طالب حضر العَقْد ومعه بنو هاشم ورؤساء مضر، فخطب وقال: الحمد لله الَّذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرعِ إسماعيل، وضِئْضِئ مَعَدٍّ، وعُنصر مُضر، وجعلنا حَضَنَةَ بيته، وسُوَّاسَ حرمه، وجعل لنا بيتًا محجوجًا، وحرمًا آمنًا، وجعلنا الحكَّام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل إلا رجح به، وإن كان في المال قُلّ، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد مَن قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنتَ خُويلدٍ، وبَذَل لها من الصداق ما آجله وعاجله من ماله، وهو والله له بعد هذا نبأ عظيم، وخطب جليل. فتزوجها رسول الله ﷺ (٤).
стр. 1259
وقال ابن سعد: إن أبا طالب ذكر ثلاثين بكرة، واثنتي عشرة أوقية.
ولم يتجدد من سنة ست وعشرين إلى سنة إحدى وثلاثين ما يستطرف.
* * *
السنة الثانية والثلاثون من مولده ﷺ -
فيها قتلت الروم ملكها موريق لظلمه وفساده، وكان له ولد اسمه: موق (١)، فهرب إلى كسرى مستصرخًا به، فأنجده كسرى أبرويز بثلاثة من مرازبته: ريمون (٢)، وشاهين، وفُرُّخان، فساروا في جيوش عظيمة.
فأما ريمون فدوَّخ بلاد الشام، ونزل على القدس فطلب من الأساقفة صليب الصَّلَبوت، وهدَّدهم -وكانوا قد دفنوه في تابوت من ذهب في مَبْقَلة- فخافوا منه القتل (٣)، فاستخرجوه وناولوه إليه، فبعث به إلى كسرى (٤).
وأما فُرُّخان فإنه سار حتَّى أناخ على خليج القُسْطَنْطينية، فدوّخ البلاد، وقتل وسبى، فلم يستقم لابن موريق أمر، لأن الروم ملكوا عليهم رجلًا صالحًا يقال له: هِرَقْل. فلما رأى ما الرومُ فيه، سأل الله أن ينقذهم من الفرس، فرأى في المنام رجلًا ضخمًا في عنقه سلسلة، وآخر يقوده ويقول: هذا كسرى قد دفعناه إليك. فخرج بالجيوش، فانهزم بين يديه فُرُّخان وجنود فارس، وسار حتَّى أناخ على مدائن كسرى، فحصر كسرى فيها، ودوخ البلاد فقتل وسبى، ولم يكن لكسرى به طاقة، فأقام مدة وعاد إلى الروم سالمًا غانمًا.
ولم يتجدد في السنة الثالثة والرابعة والثلاثين ما نذكره.
* * *
стр. 1260
السنة الخامسة والثلاثون من مولده ﷺ -
فيها هدمت قريش الكعبة. قال علماء السير: كان أمر البيت بعد إسماعيل ﷺ إلى ولده نَبْت، ولم يكثر ولد إسماعيل ﵇ فغلبت جُرْهُم على البيت، فأول من وليه منهم: مُضاض الجرهمي الَّذي يقول ولد ولده عمرو بن الحارث بن مُضاض: [من الطويل]
كأن لم يكن بين الحَجون إلى الصفا
البيت المشهور، فلم يزل البيت في أيديهم حتَّى استحلُّوا حرمته، وأكلوا ما يُهْدى إليه، وظلموا من دخل مكة، ولم يقنعوا بهذا حتَّى إن الرجل منهم كان إذا أراد أن يزني ولم يجد مكانًا، دخل البيت فزنى فيه، وكان رجل من جُرهم يقال له: إسافٌ، ونائلةُ زنيا في الكعبة، فَمُسِخا حجرين، وسلط الله الرُّعاف والنمل على جُرهم فأفناهم.
ثم وليت خُزاعة البيت بعد جُرهم، إلا أنَّه كان إلى قبائل مضر ثلاث خلال: الإجازة بالناس من عرفة يوم الحج إلى مزدلفة تجيزهم صوفة (١). والثانية: الإفاضة من جَمْع غَداة يوم النحر إلى منى، وكان ذلك إلى [بني] (٢) زيد بن عَدْوان وكان آخر مَن وَلي ذلك منهم: أبو سَيَّارة، واسمه: عُمَيلة (٣) بن الأعزل. والثالثة: نَسيءُ الأشهر الحرم، وكان ذلك إلى القَلَمَّسِ واسمه: حُذَيفة بن فُقيم من ولد كنانة، ثم صار ذلك إلى أبي ثمامة جُنادة بن عوف في آخر الأمر.
وجاء الإسلام، وكانت الكعبة رَضَمةً فوق القامة، وكان كنز الكعبة في بئر في جوفها، وكان في حيطانها صور الأنبياء ﵈ بأنواع الأصباغ، وصورة إبراهيم ﵇ وفي يده الأزلام يستقسم بها (٤)، وإسماعيل ﵇ إلى جانبه فرس يجيز الناس، وصورة أولاده إلى عدنان وسيرة كل واحد، وكانت ستين صورة، فَسَرق كَنْزَ الكعبة دُوَيكٌ مولى
стр. 1261
بني مُلَيحٍ، فقطعت قريش يده، ولم تكن الكعبة مُسقَّفة، فعزموا على تسقيفها، وكان فيها حَيَّةٌ تأوي إلى البئر التي يُطرح فيها ما يُهدى إلى الكعبة، وكانت تخرج من البئر فتمتد على جدار الكعبة، فإذا قصدها أحد فتحت فاها وطلبته فانهزم، فامتنعوا من رفع جدار الكعبة وتسقيفها، فبعث الله طائرًا فاختطف الحية ومضى، فقالت قريش: إن الله قد رضي عنا وقَبِلَ ما قد عزمنا عليه لأنه كفانا أمر الحية (١).
وقال ابن عباس ﵄: كان السيل يأتي مكة فيدخل الكعبة فانصدعت، فخافوا أن تنهدم، وكان باب البيت موضوعًا لاصقًا بالأرض، فأقبلت سفينة في البحر فيها روم، ورأسهم رجل يقال له: باقوم، فألقتها الريح إلى الشُّعيبة، وكانت مرمى السفن قَبْلَ جُدَّة فتحطمت، فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش فابتاعوا خشبها، وكلموا باقومَ أن يَقْدُمَ مكة معهم فقدم، وقال: هذه السفينة بعث بها قيصر إلى الحبشة في بحر القُلزُمِ ليبنيَ بها هناك كنيسة (٢).
وأجمعوا على هدم الكعبة، فقام أبو وهب بن عَمْرو المخزومي فأخذ حجرًا من الكعبة، فوثب من يده حتَّى رجع إلى مكانه فقال: يا معشر قريش، لا تُدْخِلوا في بنائها من كسبكم إلا طَيِّبًا، ولا يكون فيه مهر بَغْيٍّ ولا ربا ولا مظلمة.
وهاب الناس هدمها، فأخذ الوليد بن المغيرة المِعْوَل، وصعد عليها وقال: اللهمَّ لم تُرَعْ (٣) فَما نُريدُ إلَّا الخَيرَ، ثم هدم ناحية منها فتربَّص الناس وقالوا: ننتظر هذه الليلة فإن نزل بالوليد أمر وإلا هدمناها، فأصبح الوليد غاديًا إليها وقريش معه، فنزعوا منها حجرًا فتحركت مكة بأسرها، ثم هدموا فظهر في الأساس حجار خضر، كأنَّهما أسْنِمة البُخْت، ثم شرعوا في جمع الحجارة ورسول الله ﷺ ينقل معهم، وكانوا يرفعون أُزُرَهم على عواتقهم ويحملون الحجارة على رؤوسهم، ففعل ذلك رسول الله ﷺ فليط
стр. 1262
به -أي: انكب على وجهه-، ونودي: عورتَك، فكان ذلك أَوَّلَ ما نودي به من النبوة، فقال له أبو طالب: اجعل إزارك على رأسك. فقال: ما أصابني ما أصابني إلا في تعرِّيَّ. فما رُئيت لرسول الله ﷺ بعد ذلك عورة، ثم اقترعوا على بناء البيت بعد هدمه، فوقع لبني عبد مناف وبني زهرة ما بين الركن الأسود إلى ركن الحجر، وجه البيت، ووقع لبني أسد بن عبد العُزى وبني عبد الدار ما بين ركن الحِجْر إلى ركن الحِجْر الآخر، ووقع لبني تيم [ومخزوم] (١) ما بين ركن الحِجْر إلى الركن اليماني. ووقع لبني سَهْم وبني جُمَح ما بين الركن اليماني إلى الحجر الأسود. فلما بلغوا موضع الركن، اختصمت القبائل كل قبيلة تريد أن ترفعه، وشرعوا في القتال وأقاموا أيامًا على ذلك، وكان أبو أمية بن المغيرة أسنَّ قريش يومئذ فقال: اجعلوا بينكم أوَّلَ داخل من باب المسجد، فرضوا. وكان رسول الله ﷺ -أول داخل، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، قد رضينا به، فقال لهم: هلموا ثوبًا، فجاؤوا به فوضعوا [الركن] فيه، وقال: ليأخذ كلُّ سَيِّدِ قبيلة بناحية منه فليرفعوه جميعًا، ففعلوا حتَّى إذا بلغوا به موضعه أخذه رسول الله ﷺ فوضعه مكانه.
وقال الواقدي: كان في ربع بني عبد مناف: عتبة بن ربيعة، وفي الربع الثاني: أبو زمعة، وفي الثالث: أبو حذيفة بن المغيرة، وفي الرابع: قيس بن عدي، فلما بلغوا خمسة عشر ذراعًا، سقفوه على ستة أعمدة، فذهب رجل من أهل نجد ليناول رسول الله ﷺ حجرًا يشد به الركن، فقال: لا (٢) ونحّاه. وناول العباس رسول الله ﷺ حجرًا فشد به الركن، فغضب النجدي، فقال رسول الله ﷺ : "إنَه ليسَ يبني مَعَنا في هذا البيت إلا رجل منَّا". وكان ذلك أول تحكيمهم رسول الله ﷺ ، فقال النجدي: قد حكموا أصغرهم سنًّا، واللات والعزى ليكونن له شأن وليفوتنهم سبقًا. وقيل: إن النجدي كان إبليس تصوّر بصورة رجل من أهل نجد، وبه يُضرب المثل، فيقال: الشيخ النجدي، وأخرجوا الحِجْر من البيت لقلة نفقتهم (٣).
стр. 1263
قالت عائشة ﵂: قال لي رسول الله ﷺ : "إنَّ قَومَك استَقْصَروا مِن بُنْيانِ البَيتِ، ولَوْلا حَدَاثة عَهدِهم بالشِّركِ لأَعَدتُ فيه ما تَركوا منه، وَجَعَلْتُ له بَابَين مَوضُوعَين في الأَرضِ، وبَابًا شَرقيًّا وبَابًا غَربيًّا، فإنْ بَدَا لقَومِك أنْ يَبنُوهُ، فَهلُمِّي أُريكِ ما تَرَكُوه منه، فأرَاهَا قَريبًا من سَبعةِ أَذرُعٍ في الحِجْر" ثُم قال: "أَتَدرِينَ لمَ رَفَع قومُك البَابَ"؟ قلتُ: لا. قال: "تَعزُّزًا أنْ لا يَدخُلَها إلا مَن أَرادُوا، وكانَ الرَّجُل إذا كَرِهوا أنْ يَدخُلَ تَركُوه حتَّى إذا كادَ أن يَدخُلَ دَفَعوه فَسَقط (١) ".
ولما تمَّ بناؤها، كساها الزُّعَماءُ أرديتهم، وكانت من الوصائل (٢)، وأعادوا الصور إلى ما كانت عليه، ولم يكسها أحد بعد ذلك حتَّى كساها رسول الله ﷺ الحِبَرات في حجة الوداع.
وفي هذه السنة: ولدت فاطمة ﵂.
فصل وفيها توفي
زيد بن عمرو بن نُفَيل
قال هشام بن محمد، عن أبيه: خرج زيد بن عمرو وورقة بن نوفل إلى الشام يسألان عن الدين الصحيح، فالتقيا راهبًا، فسألاه، فقال لهما: بعد قليل يبعث نبي من مكة، فرجعا فأقاما. فأما ورقة فقال: أنا ثابت على نصرانيتي حتَّى يظهر هذا الدين. وأما زيد فقال: أنا أعبد رب هذا البيت حتَّى يظهر هذا الدين.
وكانت صفية بنت الحَضْرمي امرأة زيد، كلما عزم زيد على الخروج إلى الشام، آذنت الخَطَّاب فمنعه، فخرج إلى الشام وطاف الجزيرة والمَوْصِل، ثم عاد إلى البلقاء فلقي راهبًا انتهى إليه عِلْمُ النصرانية، فسأله عن الحَنَفيَّة، فقال له: إنك لتسأل عن دين ما أنت عليه وقد درس، وقد أظلك خروج نبي يبعث بأرض مكة التي خرجت منها، فارجع إلى بلادك التي خرجت منها فإنه مبعوث الآن وهذا زمانه. فخرج سريعًا يريد مكة، حتَّى إذا كان بأرض لَخْم عَدَوْا عليه فقتلوه (٣).
стр. 1264
وقال هشام: قتل زيد بن عمرو بالبلقاء بمكان يقال له: مَيفَعةُ، وقيل: مات بمكة في أصل حراء (١).
قال البخاري: حدثنا يحيى بن بُكَير، حدثنا اللَّيث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيَّب، عن نافع، عن ابن عمر قال: لقيَ رسول الله ﷺ زيد بن عمرو بن نُفيل والد سعيد بن زيد بأسفل بَلْدَح، وذلك قبل أن ينزل على رسول الله ﷺ الوحي، فقدَّم إليه رسول الله ﷺ سُفرةً فيها لحم، فأبى زيد أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما يذكر اسم الله عليه (٢).
وأخرج البخاري: عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: رأيت زيد بن عمرو قائمًا مسندًا ظهره إلى الكعبة وهو يقول: والله يا معاشر قريش، ما منكم على دين إبراهيم غيري، قالت: وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها وأنا أكفيك مؤنتها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت فدعها (٣).
وقال ابن المسيب: توفي ابن عمرو وقريش تبني الكعبة قبل المبعث بخمس سنين، ولقد نزل به الموت وإنه ليقول: أنا على دين إبراهيم، وأسلم ابنه سعيد، وهو من العشرة، قال: وسأل سعيد رسول الله ﷺ عن أبيه؟ فقال: "غَفَر الله له ورَحِمَه، فإنَّه ماتَ على دِينِ إبراهيمَ" فكان المسلمون يستغفرون له (٤).
وقال ابن سعد: حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن عامر بن ربيعة، قال: قال زيد بن عمرو: أنا منتظر نبيًّا من ولد إسماعيل من بني عبد المطلب ما بقي غيره، وما أراني أدركه، وأنا أومن به، وأشهد أنَّه نبي، وإن طالت بك يا عامر مدة ورأيته فأَقْرِئه مِنِّي السلام، وسأخبرك بنعته: ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكَثِّ الشعر ولا بقليله، وليس
стр. 1265
تفارق عينيه حمرة، وخاتَمُ النبوة بين كتفيه، واسمه محمد وأحمد، وهذه البلدة مولده، وبها مبعثه، ثم يخرجه قومه منها، ويكرهون ما جاء به فيهاجر إلى يثرب، فيظهر الله أمره، وإياك أن تخدع، فإني طفت البلاد كُلَّها أطلب الدين، فكل من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقول: هذا الدين وراءك. قال: فلما نُبّئ رسول الله ﷺ أخبرته بقول زيد، وأقرأته منه السلام، فترحَّم عليه وقال: "رَأَيتُه في الجنَّة يَسْحبُ ذُيولًا" (١).
وخرجت سنة ست وثلاثين، وسبع وثلاثين ولم يتجدد فيها من الحوادث شيء.
* * *
السنة الثامنة والثلاثون من مولده ﷺ -
فيها رأى الضوء، وسمع الصوت.
قال ابن مسعود: أقام بمكة ثلاث سنين يسمع الصوت ولا يدري ما هو، ويرى الضوء، وأقام ثلاث عشرة سنة يوحى إليه -يعني بمكة- (٢).
* * *
السنة الأربعون من مولده ﷺ -
وفيها قتل كسرى أَبَرْويزُ النُّعمانَ بنَ المنذر. قال الواقدي: قتل قبل المبعث بتسعة أشهر (٣).
وفيها كان يوم ذي قار، وكان لبني شيبان على كسرى، وهو أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم. وفي حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "وبي نُصِرُوا" (٤).