بني مُلَيحٍ، فقطعت قريش يده، ولم تكن الكعبة مُسقَّفة، فعزموا على تسقيفها، وكان فيها حَيَّةٌ تأوي إلى البئر التي يُطرح فيها ما يُهدى إلى الكعبة، وكانت تخرج من البئر فتمتد على جدار الكعبة، فإذا قصدها أحد فتحت فاها وطلبته فانهزم، فامتنعوا من رفع جدار الكعبة وتسقيفها، فبعث الله طائرًا فاختطف الحية ومضى، فقالت قريش: إن الله قد رضي عنا وقَبِلَ ما قد عزمنا عليه لأنه كفانا أمر الحية (١).
وقال ابن عباس ﵄: كان السيل يأتي مكة فيدخل الكعبة فانصدعت، فخافوا أن تنهدم، وكان باب البيت موضوعًا لاصقًا بالأرض، فأقبلت سفينة في البحر فيها روم، ورأسهم رجل يقال له: باقوم، فألقتها الريح إلى الشُّعيبة، وكانت مرمى السفن قَبْلَ جُدَّة فتحطمت، فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش فابتاعوا خشبها، وكلموا باقومَ أن يَقْدُمَ مكة معهم فقدم، وقال: هذه السفينة بعث بها قيصر إلى الحبشة في بحر القُلزُمِ ليبنيَ بها هناك كنيسة (٢).
وأجمعوا على هدم الكعبة، فقام أبو وهب بن عَمْرو المخزومي فأخذ حجرًا من الكعبة، فوثب من يده حتَّى رجع إلى مكانه فقال: يا معشر قريش، لا تُدْخِلوا في بنائها من كسبكم إلا طَيِّبًا، ولا يكون فيه مهر بَغْيٍّ ولا ربا ولا مظلمة.
وهاب الناس هدمها، فأخذ الوليد بن المغيرة المِعْوَل، وصعد عليها وقال: اللهمَّ لم تُرَعْ (٣) فَما نُريدُ إلَّا الخَيرَ، ثم هدم ناحية منها فتربَّص الناس وقالوا: ننتظر هذه الليلة فإن نزل بالوليد أمر وإلا هدمناها، فأصبح الوليد غاديًا إليها وقريش معه، فنزعوا منها حجرًا فتحركت مكة بأسرها، ثم هدموا فظهر في الأساس حجار خضر، كأنَّهما أسْنِمة البُخْت، ثم شرعوا في جمع الحجارة ورسول الله ﷺ ينقل معهم، وكانوا يرفعون أُزُرَهم على عواتقهم ويحملون الحجارة على رؤوسهم، ففعل ذلك رسول الله ﷺ فليط
стр. 1262
به -أي: انكب على وجهه-، ونودي: عورتَك، فكان ذلك أَوَّلَ ما نودي به من النبوة، فقال له أبو طالب: اجعل إزارك على رأسك. فقال: ما أصابني ما أصابني إلا في تعرِّيَّ. فما رُئيت لرسول الله ﷺ بعد ذلك عورة، ثم اقترعوا على بناء البيت بعد هدمه، فوقع لبني عبد مناف وبني زهرة ما بين الركن الأسود إلى ركن الحجر، وجه البيت، ووقع لبني أسد بن عبد العُزى وبني عبد الدار ما بين ركن الحِجْر إلى ركن الحِجْر الآخر، ووقع لبني تيم [ومخزوم] (١) ما بين ركن الحِجْر إلى الركن اليماني. ووقع لبني سَهْم وبني جُمَح ما بين الركن اليماني إلى الحجر الأسود. فلما بلغوا موضع الركن، اختصمت القبائل كل قبيلة تريد أن ترفعه، وشرعوا في القتال وأقاموا أيامًا على ذلك، وكان أبو أمية بن المغيرة أسنَّ قريش يومئذ فقال: اجعلوا بينكم أوَّلَ داخل من باب المسجد، فرضوا. وكان رسول الله ﷺ -أول داخل، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، قد رضينا به، فقال لهم: هلموا ثوبًا، فجاؤوا به فوضعوا [الركن] فيه، وقال: ليأخذ كلُّ سَيِّدِ قبيلة بناحية منه فليرفعوه جميعًا، ففعلوا حتَّى إذا بلغوا به موضعه أخذه رسول الله ﷺ فوضعه مكانه.
وقال الواقدي: كان في ربع بني عبد مناف: عتبة بن ربيعة، وفي الربع الثاني: أبو زمعة، وفي الثالث: أبو حذيفة بن المغيرة، وفي الرابع: قيس بن عدي، فلما بلغوا خمسة عشر ذراعًا، سقفوه على ستة أعمدة، فذهب رجل من أهل نجد ليناول رسول الله ﷺ حجرًا يشد به الركن، فقال: لا (٢) ونحّاه. وناول العباس رسول الله ﷺ حجرًا فشد به الركن، فغضب النجدي، فقال رسول الله ﷺ : "إنَه ليسَ يبني مَعَنا في هذا البيت إلا رجل منَّا". وكان ذلك أول تحكيمهم رسول الله ﷺ ، فقال النجدي: قد حكموا أصغرهم سنًّا، واللات والعزى ليكونن له شأن وليفوتنهم سبقًا. وقيل: إن النجدي كان إبليس تصوّر بصورة رجل من أهل نجد، وبه يُضرب المثل، فيقال: الشيخ النجدي، وأخرجوا الحِجْر من البيت لقلة نفقتهم (٣).
стр. 1263
قالت عائشة ﵂: قال لي رسول الله ﷺ : "إنَّ قَومَك استَقْصَروا مِن بُنْيانِ البَيتِ، ولَوْلا حَدَاثة عَهدِهم بالشِّركِ لأَعَدتُ فيه ما تَركوا منه، وَجَعَلْتُ له بَابَين مَوضُوعَين في الأَرضِ، وبَابًا شَرقيًّا وبَابًا غَربيًّا، فإنْ بَدَا لقَومِك أنْ يَبنُوهُ، فَهلُمِّي أُريكِ ما تَرَكُوه منه، فأرَاهَا قَريبًا من سَبعةِ أَذرُعٍ في الحِجْر" ثُم قال: "أَتَدرِينَ لمَ رَفَع قومُك البَابَ"؟ قلتُ: لا. قال: "تَعزُّزًا أنْ لا يَدخُلَها إلا مَن أَرادُوا، وكانَ الرَّجُل إذا كَرِهوا أنْ يَدخُلَ تَركُوه حتَّى إذا كادَ أن يَدخُلَ دَفَعوه فَسَقط (١) ".
ولما تمَّ بناؤها، كساها الزُّعَماءُ أرديتهم، وكانت من الوصائل (٢)، وأعادوا الصور إلى ما كانت عليه، ولم يكسها أحد بعد ذلك حتَّى كساها رسول الله ﷺ الحِبَرات في حجة الوداع.
وفي هذه السنة: ولدت فاطمة ﵂.
فصل وفيها توفي
زيد بن عمرو بن نُفَيل
قال هشام بن محمد، عن أبيه: خرج زيد بن عمرو وورقة بن نوفل إلى الشام يسألان عن الدين الصحيح، فالتقيا راهبًا، فسألاه، فقال لهما: بعد قليل يبعث نبي من مكة، فرجعا فأقاما. فأما ورقة فقال: أنا ثابت على نصرانيتي حتَّى يظهر هذا الدين. وأما زيد فقال: أنا أعبد رب هذا البيت حتَّى يظهر هذا الدين.
وكانت صفية بنت الحَضْرمي امرأة زيد، كلما عزم زيد على الخروج إلى الشام، آذنت الخَطَّاب فمنعه، فخرج إلى الشام وطاف الجزيرة والمَوْصِل، ثم عاد إلى البلقاء فلقي راهبًا انتهى إليه عِلْمُ النصرانية، فسأله عن الحَنَفيَّة، فقال له: إنك لتسأل عن دين ما أنت عليه وقد درس، وقد أظلك خروج نبي يبعث بأرض مكة التي خرجت منها، فارجع إلى بلادك التي خرجت منها فإنه مبعوث الآن وهذا زمانه. فخرج سريعًا يريد مكة، حتَّى إذا كان بأرض لَخْم عَدَوْا عليه فقتلوه (٣).
стр. 1264
وقال هشام: قتل زيد بن عمرو بالبلقاء بمكان يقال له: مَيفَعةُ، وقيل: مات بمكة في أصل حراء (١).
قال البخاري: حدثنا يحيى بن بُكَير، حدثنا اللَّيث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيَّب، عن نافع، عن ابن عمر قال: لقيَ رسول الله ﷺ زيد بن عمرو بن نُفيل والد سعيد بن زيد بأسفل بَلْدَح، وذلك قبل أن ينزل على رسول الله ﷺ الوحي، فقدَّم إليه رسول الله ﷺ سُفرةً فيها لحم، فأبى زيد أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما يذكر اسم الله عليه (٢).
وأخرج البخاري: عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: رأيت زيد بن عمرو قائمًا مسندًا ظهره إلى الكعبة وهو يقول: والله يا معاشر قريش، ما منكم على دين إبراهيم غيري، قالت: وكان يحيي الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها وأنا أكفيك مؤنتها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت فدعها (٣).
وقال ابن المسيب: توفي ابن عمرو وقريش تبني الكعبة قبل المبعث بخمس سنين، ولقد نزل به الموت وإنه ليقول: أنا على دين إبراهيم، وأسلم ابنه سعيد، وهو من العشرة، قال: وسأل سعيد رسول الله ﷺ عن أبيه؟ فقال: "غَفَر الله له ورَحِمَه، فإنَّه ماتَ على دِينِ إبراهيمَ" فكان المسلمون يستغفرون له (٤).
وقال ابن سعد: حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن عامر بن ربيعة، قال: قال زيد بن عمرو: أنا منتظر نبيًّا من ولد إسماعيل من بني عبد المطلب ما بقي غيره، وما أراني أدركه، وأنا أومن به، وأشهد أنَّه نبي، وإن طالت بك يا عامر مدة ورأيته فأَقْرِئه مِنِّي السلام، وسأخبرك بنعته: ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكَثِّ الشعر ولا بقليله، وليس
стр. 1265
تفارق عينيه حمرة، وخاتَمُ النبوة بين كتفيه، واسمه محمد وأحمد، وهذه البلدة مولده، وبها مبعثه، ثم يخرجه قومه منها، ويكرهون ما جاء به فيهاجر إلى يثرب، فيظهر الله أمره، وإياك أن تخدع، فإني طفت البلاد كُلَّها أطلب الدين، فكل من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقول: هذا الدين وراءك. قال: فلما نُبّئ رسول الله ﷺ أخبرته بقول زيد، وأقرأته منه السلام، فترحَّم عليه وقال: "رَأَيتُه في الجنَّة يَسْحبُ ذُيولًا" (١).
وخرجت سنة ست وثلاثين، وسبع وثلاثين ولم يتجدد فيها من الحوادث شيء.
* * *
السنة الثامنة والثلاثون من مولده ﷺ -
فيها رأى الضوء، وسمع الصوت.
قال ابن مسعود: أقام بمكة ثلاث سنين يسمع الصوت ولا يدري ما هو، ويرى الضوء، وأقام ثلاث عشرة سنة يوحى إليه -يعني بمكة- (٢).
* * *
السنة الأربعون من مولده ﷺ -
وفيها قتل كسرى أَبَرْويزُ النُّعمانَ بنَ المنذر. قال الواقدي: قتل قبل المبعث بتسعة أشهر (٣).
وفيها كان يوم ذي قار، وكان لبني شيبان على كسرى، وهو أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم. وفي حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "وبي نُصِرُوا" (٤).
стр. 1266
ويسمى: يوم قُراقر، ويوم الجُبابات، ويوم ذي العُجْرُم، ويوم بَطحاء، ويوم الحِنْو.
وكلها أماكن حول ذي قار، وقد ذكرتها الشعراء في أشعارها (١).
قال الجوهري (٢): ويوم ذي قار يوم لبني شيبان، وكان أبرويز أغزاهم جيشًا، فظفرت بنو شيبان، وهو أول يوم انتصرت فيه العرب على العجم.
وسبب يوم ذي قار: أن النعمان بن المنذر لما قصد باب كسرى، أودع حلقته وكانت عشرة آلاف شِكَّةٍ (٣) وابنتيه حُرَقَة وهندًا، وزوجته المُتَجرِّدة عند هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود الشيباني، فبعث كسرى إلى هانئ يطلب شِكَّةَ النعمان، وما أودع عنده، فامتنع هانئ من تسليمها وقال: هي عندي أمانة ووديعة، والحر لا يضيع أمانته، فغضب كسرى وقطع الفرات، ودعا إياس بن قَبيصة الطائي، وكان قد أقطعه ثمانين قرية على شاطئ الفرات، وملَّكه على الحيرة، فشاوره في أمر هانئ، قال: إن أطعتني فلا تُخبرنَّ أحدًا لأي شيء قَطَعْتَ الفراتَ لئلا تَقِلَّ حرمتك عند الناس، ولكن ارجع إلى المدائن وابعث إليهم حَلْبَة (٤) من العَجَم، فيها بعض القبائل من العرب التي تليهم من أعدائهم فيواقعونهم، فقال كسرى: قد بلغني أنهم أخوالك، وأَنك لا تألوهم نصحًا، فقال: هذا رأي، ورأي الملك أفضل. فاستشار النعمانَ بنَ زُرعة التَّغلبي، وكان قد قدم عليه، فقال: الرأي أن تتركهم على ما هم عليه، وتظهر الإضراب عن ذكرهم، فإذا جاء القَيظُ دَنَوْا من بلادك، واجتمعوا على ماء يقال له ذو قار، يتساقطون عليه تساقط الفراش في النار، فإذا نزلوا عليه فدونك وإياهم، ففعل أبرويز ما قال التغلبي، فلما نزلوا بذي قار أرسل إليهم أبرويز مع النعمان بن زرعة هذا يُخَيِّرهم بين ثلاث: إما أن يُسلموا الحَلْقَةَ، وإما أن يخرجوا من هذه الديار، وإما أن يأذنوا بالحرب، فقال هانئ للنعمان: لولا أنك رسول ما أبْتَ إلى قومك، انصرف.
فلما انصرف، أشار هانئ بن قبيصة على بكر بركوب الفلاة، وقال: لا طاقة لكم بكسرى، ولم يُرَ لِهانئٍ سَقْطَةٌ قبلها، فقال حنظلة بن ثعلبة العِجْليُّ: إن ركبنا الفلاة متنا عطشًا، وإن أعطينا بأيدينا قَتَلَ مقاتلتَنا وسبى ذرارينا، وما أرى غير الحرب. فنزلوا بذي
стр. 1267
قار، ورؤساء بكر يومئذ ثلاثة نفر: هانئ بن قبيصة الشيباني، ويزيد بن مُسْهِر الشيباني، وحنظلة بن ثعلبة العِجْلي، ولم يشهدهم أحد من بني حنيفة ولا غيرهم، وجهز إليهم كسرى إياس بن قَبيصة الطائي، وكان قد ملَّكه بعد ما قتل النعمان بن المنذر على العرب، فسار في طيئ، واللَّهازم، وسائر العرب.
وكتب كسرى إلى قيس بن مسعود بن ذي الجَدَّين، وأمره أن يوافي إياس بن قَبيصة، فوافاه في جمع عظيم، وانضم إليهم ألف من إياد، وألف من بَهراء، عليهم خالد البَهراني، وجهَّز كسرى الهرمزان في ألفين من العجم والأساورة، فدخلوا البرية وإياس بن قبيصة في المقدمة، ولما علم القوم، أرسل يزيد بن مُسْهر الشيباني إلى هانئ بن قبيصة: أن ابعث إلينا بحلقة النعمان فانثرها في بني شيبان، وكانت عشرة آلاف، فقال هانئ: وكيف أصنع بأمانتي؟ فقال يزيد: إنَّكم إن هلكتم، فسيأخذون الحلقة وغيرها، وإن ظهرتم فما أقدركم على استردادها من قومكم، فنثرها هانئ في بني شيبان، ودنا إياس والأعاجم من بني شيبان، فقال حنظلة بن ثعلبة: يا معاشر بكر، إن نُشّاب الأعاجم يُفَرِّقكم، فبادروهم باللقاء وعاجلوهم بالقتال، ونادى هانئ: يا قومِ، هالكٌ معذور خير من ناجٍ مغرور، والصبر من أسباب الظَّفَر، والمنية خير من الدَّنيَّة، واستقبال الموت في عِزٍّ خير من استدباره في ذلٍّ، والجِدَّ الجِدَّ فما من الموت بدّ، ثم ليقاتل كل رجل منكم عن حليلته وولده، فقالوا: طب نفسًا، فنحن نمشي إلى الموت، وكان على الميمنة يزيد بن مُسْهِر الشيباني، وعلى الميسرة حنظلة بن ثعلبة العِجْلي، وهانئ بن قبيصة في القلب، وكان على ميمنة الأعاجم الهرمزان، وعلى الميسرة عسكر السواد في مقدم من الأساورة، وفي القلب إياس بن قبيصة الطائي في العرب، والتقى الجمعان فكان يومًا لم يُرَ في الجاهلية مثلُه. ثبتت العرب على نُشَّاب العجم، وقطعت بنو شيبان أكمام أقبيتها من المناكب ليتمكنوا من ضرب السيوف، وأعطى الله النَّصر لبني شيبان، فانهزمت الفرس، وأَتبعهم بنو شيبان حتَّى دخلوا في السواد، واستدلوا عليهم قتلًا، وأُسر عامةُ الفرس، ونجا الهرمزان وَحْدَه وإياس بن قبيصة على فرس يقال لها: الحمامة، وغنموا أموالهم وخيولهم وسلاحهم، وكان أولَ من قدم على كسرى إياسُ بن قبيصة، وكان كسرى لا يخبره أحد بهزيمة جيش إلا نزع أكتافه، فلما أتاه إياس قال له: ما الخبر؟ قال: هزمنا بكرًا، وقتلنا رجالهم، فأعجب به وأعطاه مالًا وكسوة، فاستأذن إياس في الانصراف إلى عين تمر وقال: أخي مريض. فلهذا
стр. 1268
سارَعْتُ، فأذن له، ثم سار كسرى من المدائن، فنزل الخَوَرْنَقَ والسَّدير ينتظر الغنائم والأسارى، ثم ركب إلى ظاهر الخورنق يتنسَّمُ الأخبار، فأتاه رجل فسأل: هل دخل على كسرى أحد؟ قالوا: نعم، فظن أنَّه قد أخبره الخبر لأنه لم يكن أحد يجترئ أن يخبر كسرى بمثل ذلك، فأخبر كسرى فنزع كتفيه.
وقد أكثرت الشعراء في يوم ذي قار، قال جرير: [من البسيط]
مِنّا فوارسُ ذي بَهْدى (١) وذي نَجَبٍ … والمُعْلَمونَ صَباحًا يوم ذي قار
وقال العُدَيل بن الفَرْخ العِجْلي (٢): [من البسيط]
ما أَوْقَدَ الناسُ من نار لمَكْرُمةٍ … إلا اصطلينا وكنا موقدي النار
وما يَعُدُّون من يوم سَمِعْتَ به … للناس أعظمَ من يومٍ بذي قار
جئنا بأسلابِهمْ والخيلُ عابسةٌ … لَمّا استلبنا لكسرى كل إسوار
وقد قال بعضهم. إن يوم ذي قار كان في سنة سبع من الهجرة، والأول أصح.
وفيها: ظهرت أمارات النبوة قبل أن يوحى إليه ﷺ . قال أبو طالب: وكنت بذي المَجَاز ومعي ابن أخي -يعني: رسول الله ﷺ فأدركني العطش، فشكوت إليه، فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا بالماء، فقال: اشرب يا عم، فشربت (٣).
وقالت بَرَّةَ: لما ابتدأه الله بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتَّى لا يَرَى بيتًا، ويُفْضي إلى الشِّعاب وبطون الأودية، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، فكان يلتفت يمينًا وشمالًا فلا يرى أحدًا (٤).
وقال ﷺ : إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن.
انفرد بإخراجه مسلم (٥).
* * *
стр. 1269
السنة الحادية والأربعون من مولده ﷺ -
وفيها: اختصه الله برسالته وبعثه إلى كافة خليقته، ولم يزل منذ منذ شبَّ يكلؤه الله ويحرسه من أَقْذاءِ الجاهلية ومعايبها لما يريده الله من كرامته.
واتفقوا على أنَّه بعث في أيام كسرى أبرويز في يوم الاثنين.
واختلفوا أي الأثانين على أقوال:
أحدها: لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول، ظهر له جبريل بالرسالة، قاله جمهور الصحابة. عمر، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأنس، وأبي بن كعب، في آخرين.
والثاني: لثماني عشرة ليلة خلت من ربيع.
والثالث: لسبع وعشرين خلت من رجب.
والرابع: لأربع وعشرين خلت من رمضان. وقال مجاهد: سبع وعشرين خلت منه.
والقول الأول أشهر، وعليه العمل عند أهل العلم.
فصل في مبادئ الوحي:
قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: أخبرني عروة، عن عائشة ﵂ قالت: أولُ ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرُّؤيا الصادقة -أو الصالحة- في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل (١) فَلَقِ الصُّبحِ، ثم حُبِّبَ إليه الخَلاء، فكان يأتي غار حراء فيتحنَّثُ فيه -والتحنُّثُ هو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة ﵂ ويتزود حتَّى جاء -أو فَجَأَهُ- الحق في غار حراء، فجاءه الملك فقال. اقرأ. فقال: "ما أَنَا بقارِئٍ" قال: "فأخذني فَغَطَّني الثَّانية والثَّالثة حتَّى بَلَغ منِّي الجَهْدُ، ثم أَرسَلَني
стр. 1270
وقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ حتى بلغ ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]، قالت: فرجع رسول الله ﷺ يرجف فؤاده - للبخاري: بوادره (١) - فدخل على خديجة فقال: "زَمِّلوني زَمِّلوني" فزمَّلُوه حتَّى ذهب عنه الرَّوْع، فأخبر خديجةَ بالخبر، وقال لها: "لَقَد خَشيتُ على نَفْسِي" فقالت له: كلا، أبْشِر، فوالله لا يخزيك -أو لا يحزنك- الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتَصْدُقُ الحديث، وَتُكْسِبُ المعدوم، وتَقْري الضيف، وتُعين على نوائب الحق.
ثم انطلَقَت به خديجة إلى وَرَقة بن نَوْفَل بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصي، وهو ابن عمها أخي أبيها. وكان امرءًا تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، فكتب من الإنجيل بالعربي أو بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عَمِيَ. فقالت له خديجة: يا ابن عمِّ، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ بالخبر، أو خبر بما رأى. فقال ورقة: هذا الناموس الَّذي أُنزل على موسى، يا ليتني أكون حيًّا إذ يخرجُك قومك. فقال: "أوَ مُخْرجيَّ هم"؟ قال: نعم، ولم يأت رجل قط بمثل ما أتيت به إلا عُودي، وإن يدركْني يومك حيًّا، أنصرْك نصرًا مُؤزَّرًا.
ثم لم يلبث ورقة أن مات، وفتر الوحي فَتْرَة حزن فيها رسول الله ﷺ مرارًا حتَّى كاد يتردَّى من شواهق الجبال، فكان كلما أَوْفى بِذِرْوَةِ جبل لكي يُلقِيَ نَفْسه منه تبدَّى له جبريل فقال: يا محمدُ إنك لرسول الله حقًّا. فيسكن لذلك، وتقوى نفسه ويرجع، فإن طالت عليه الفترة عاد لمثل ذلك، فيتبدى له جبريل فيقول له مثل ذلك. أخرجاه في "الصحيحين" (٢).
ولورقة في ذلك أشعار كثيرة منها: [من الطويل]
فإن ابن عبد الله أحمدَ مُرسَلٌ … إلى كل من ضُمَّت عليه الأباطحُ
وظني به أن سوف يُبْعث مرسلًا … كما أُرسلَ العَبْدان هودٌ وصالحُ
وموسى وإبراهيم حتَّى يُرى له … هنالك منشور من الذكر فائحُ
فإن أَبْقَ حتَّى يدرك الناسُ دهرَه … فإني به مُسْتَبْشِرُ القلبِ فارحُ
стр. 1271
وقال (١): [من الطويل]
إن يك حقًّا يا خديجة فاعلمي … حديثُك إيانا فأحمدُ مرسلُ
وجبريلُ يأتيه وميكالُ مَعْهُما … من اللهِ وَحْيٌ يشرح الصَّدْرَ مُنزَلُ
يفوز به من فاز يومًا بصِدْقِه … ويَشْقى به العاني الغَويُّ المُضَلَّلُ
فريقان منهم فِرقةٌ في جِنانه … وأُخرى بنيران الجحيم تُذلَّلُ
فسبحان من تجري الرياحُ بأمره … ومن هو في الأيامِ ما شاء يفعلُ
ومَنْ عرشه فوق السماوات كلها … وأحكامه في خلقه لا تبَدَّلُ
فصل في السابقين إلى الإسلام (٢):
اتفقوا على أن أول من أسلم من النساء: خديجة ﵂. واختلفوا فيما عداها على أقوال:
أحدها: أنَّه علي بن أبي طالب ﵁.
[قال أحمد:] حدثنا يعقوب، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حدثنا يحيى بن أبي الأشعث، عن إسماعيل بن إياس بن عَفِيف الكندي، عن أبيه، عن جده، قال: كنت امرءًا تاجرًا، فقدمت الموسم فأتيت العباس بن عبد المطلب وهو بمِنى لأبتاع منه بعض التجارة، وكان تاجرًا. فوالله إني لعنده بمنى إذ خرج رجل من خِباء قريب منه فَنَظر إلى الشمس، ثم قام يصلي، ثم خرجت امرأة من ذلك الخِباء فقامت تصلّي خلفه، ثم خرج من ذلك الخباء غلام حين راهَق الحُلُمَ فقام يصلي خلفه، قال: فقلت للعباس: من هذا؟ فقال: محمد (٣) بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي. قلت: من هذه المرأة؟ قال: امرأته خديجة. قلت: فمن هذا الفتى؟ قال: علي بن أبي طالب ابن أخي. قلت: فما هذا الذي يصنع؟ قلت: يصلِّي ويزعم أنَّه نبيٌّ، ولم يتابعه على أمره إلا امرأته وابن عمه، وهو يزعم أنَّه ستُفتح عليه كنوز كسرى وقيصر، وايم الله، ما أعلم على وجه الأرض كلها أحد على هذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة.
стр. 1272
فكان عَفِيف -وهو ابن عم الأشعث بن قيس- يقول: لو كان الله رزقني الإسلام يومئذ لكنت ثالثًا أو رابعًا. ثم أسلم وحسن إسلامه (١).
وقال جابر: بُعِثَ النبي ﷺ يوم الاثنين، وصلى [علي] يوم الثلاثاء (٢).
وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن حَبَّة العُرَني قال: رأيت عليًّا كرم الله وجهه ضحك على المنبر حتَّى بدت نواجذه، ولم أره ضحك أكثر منه. فقيل له في ذلك، فقال: ظهر علينا أبي أبو طالب وأنا مع النبي ﵁ ببطن نَخْلَة نصلِّي، فقال: ماذا تَصنعان يا ابن أخي؟ فدعاه رسول الله ﵁ إلى الإسلام. فقال: لا والله لا تعلوني استي أبدًا. فذلك الَّذي أضحكني. ثم قال علي ﵁: اللهمَّ إني لا أَعرف عبدًا من هذه الأمة عَبَدَكَ قبلي غيرَ نبيِّك ﷺ ، لقد صلَّيت قبل أن يصلِّي الناس بسبعِ سنينَ (٣).
والثاني: علي، وخديجة، وزيد بن حارثة ﵃.
والثالث: أبو بكر ﵁ وبلال.
وفي حديث عمرو بن عَبَسة الَّذي أخرجه مسلم: أنَّه لما لقي النبي ﷺ بمكة، قال: فمن معك على هذا؟ قال: حُرٌّ وعَبدٌ، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال (٤).
وقد وفَّق بعض العلماء بين هذه الأقوال، فقال: أول من أسلم من الرجال: أبو بكر، ومن الفتيان: علي، ومن الموالي: زيد، ومن النساء: خديجة ﵃.
ثم أسلم على يد أبي بكر ﵁ بعد إسلامه جماعة، منهم عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عُبيد الله ﵃ (٥).
وفيها تغيَّرت أحوالُ كسرى أبرويز بن هرمز بن أنو شروان.
قال علماء السير: كانت دجلة تجري قديمًا في أرض جُوخا، فأَعْوَرت وتفرَّقت،
стр. 1273
فأنفق عليها أبرويز أموالًا عظيمة، وأسكرها مرارًا، والماء يقلع السَّكْر، وكان عنده ثلاث مئةٍ من الحزاةِ -وهم: السحرة، والكهنة، والمنجمون- فجمعهم كسرى، وكان فيهم رجل من العرب يقال له: السَّائب، يعتافُ اعتيافَ العَربِ فلا يخطئ، وكان بعث به بَاذَان إليه من اليمن، وكان لأبرويز طاق في الإيوان يضع فيه تاجه، فلما كانت الليلة التي بعث فيها رسول الله ﷺ ، انفصم الطاق، وانقطع السكْرُ، فانخرقت دجلة فأصبح كسرى حزينًا، ودعا القوم فقال لهم: انفصم طاق تاج ملكي، وانخرق الماء عن بلادي "شاه بِشكَسْت" أَي: انكسر الملك، فانظروا.
فنظروا، فأظلمت الدنيا عليهم وتحيَّروا، فلم ينتفع كاهن بكهانته، ولا ساحر بسحره، ولا منجم بنجومه، فقام السَّائب عنهم، وبات على رابية يَرْمُقُ نجوم الحجاز، فرأى في موضع قدميه روضة خضراء، فقال: لئن صَدَق ما أرى ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ ملكه المشرق والمغرب، تخصب الأرض في زمانه، واجتمعت الحُزاةُ وقالوا: والله ما حال بينكم وبين علومكم إلا أمر سماوي، وإنه لنبيٌّ بُعِثَ يَسلب كسرى ملكَه، ولئن أخبرتم كسرى بذلك، ليأتين على آخركم، فاتَّفِقُوا على أمر تدفعوا به عنكم. فقالوا له: قد نظرنا، فإذا وَضْعُ الطاق والسكر كان في طالع النحوس، ونحن نبصر لك طالعًا سعيدًا تعيد فيه الطاق والسكر.
وعيَّنوا له وقتًا، فشرع في السَّكْر على دجلة، وغرم عليه أموالًا عظيمة، فلما فرغوا منه فرش عليه الفُرُشَ، وأحضر الأساورة والمرازبة والأشراف والأعيان، وجميع من في مملكته، ثم جلس على السَّكر وأخذ في اللعب والشرب، فبينما هم على ذلك انقطع السَّكر نصفين، وغَرِق جميع من كان عليه، واستخرجوا كسرى في آخر نفس، فقتل من الحُزاةِ مئة رجل، فقال الباقون: أخطأنا كما أخطأ مَنْ قبلنا، ونحن نحسب حسابًا صحيحًا، فقال: افعلوا، وحسبوا وأمروه بوضع السَّكر فوضعه، وجلس عليه فانقطع نصفين وأصابه أعظم من الأول، فقال لهم: والله لئن لم تصدقوني لأرمينكم تحت أرجل الفيلة، كم تُلَفِّقونَ عليَّ؟ فقالوا: نحن نصدقك، إنا نظرنا في علومنا فرأينا أنَّه قد ظهر نبيٌّ، وأظهر له السَّائب ما رأى، فلها عنهم وعن دجلة، وذلك قبل أن يأتيه
стр. 1274
كتاب النبي ﷺ (١).
قال الحسن البصري: إن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، ما حجة الله على كسرى فيك؟ فقال النبي ﷺ : بعث الله إليه ملكًا، فأخرج يده من سور جدار بيته تتلألأ نورًا، فلما رآها فزع، فقال له: يا أبرويز، لا تُرَع فإن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا، فاتبعه تسلم لك دنياك وآخرتك، فقال: سأنظر في ذلك (٢).
وقال الواقدي: بعث الله إليه ملكًا وقت الهاجرة وهو في بيت لا يدخل عليه أحد، فلم يَرُعْه إلا وهو قائم على رأسه، وفي يده عصا، فقال له: يا أبرويز، أسلم وإلا كسرت هذه العصا على رأسك، فقال: بِهِل بِهِل -أي اصبر-، ثم انصرف عنه، فدعا حجابه وحراسه، وقال: من أين دخل هذا؟ قالوا: ما رأيناه. ثم جاءه بعد سنة، فقال له كذلك. ثم انصرف وجاءه في السنة الثالثة، فكسر العصا على رأسه. فكان ذلك سببًا لقتله، فقتله ابنه شيرويه (٣).
وفي رواية: نام كسرى يومًا فرأى في منامه كأنه رُمي به إلى السماوات، وأوقف بين يدي الله تعالى، وإذا رجل عليه إزار ورداء، والله تعالى يقول له: "يا أبرويز، سلم مفاتيح خزائن الأرض إلى هذا". فسلمها إليه، ثم أراد أن يستردها فأيقظه بعض حجابه لأمر دَهَمه.
قال حاتم بن عطاء: والذي حكى المنام: خالد بن وَيْدَة، وكان مجوسيًّا فأسلم، والرجل الَّذي كان عليه الإزار والرداء: محمد ﷺ (٤).
* * *
стр. 1275
السنة الرابعة من النبوّة
وفيها نزل قول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤].
قال علماء السير: وأقام رسول الله ﷺ بعد النبوة ثلاث سنين مستخفيًا يدعو إلى الله سرًّا في الجبال والأودية والشِّعاب (١)، ولما دعا إلى الله تعالى، استجاب له مَنْ شاء الله من الأحداث وَضَعفَةِ الناس والنِّساءِ، وكَثُرَ من آمن به، وكفَّار قريش غير مكترثين بأمره ولا بما يقول. وكان إذا مر على مجالسهم، أشاروا عليه وقالوا: إن غلام عبد المطلب لَيُكَلَّمُ من السماء. فكان على ذلك حتَّى عاب آلهتهم، وسفَّه آباءهم الذين ماتوا على الكفر. فشنَّفوا (٢) له عند ذلك، وعادوه، وحسدوه (٣).
وقام بنصرته عمُّه أبو طالب أحسن قيام، ومنعهم من التعرض له.
وقال ابن عباس ﵄: لما نزل قوله تعالى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، خرج رسول الله ﷺ حتَّى علا المَروَةَ، ثم قال: يا آل فهر، فجاءَتْه قريش وفيها أبو لهب فقال: هذه فهر عندك فقل. فقال: يا آل غالب. فرجع بنو محارب وبنو الحارث ابنا فهر. فقال: يا آل لؤي بن غالب. فرجع بنو الأدرم. فقال: يا آال كعب بن لؤي. فرجع بنو عامر بن لؤي. فقال: يا آل مرة بن كعب. فرجع بنو عدي بن كعب، وبنو سَهْمٍ، وبنو جُمَح، أبناء عمرو بن هُصَيص بن كعب، ثم قال: يا آل كلاب بن مرَّة. فرجع بنو مخزوم وبنو تميم بن مرة. فقال: يا آل قُصي. فرجع بنو زهرة بن كلاب. فقال: يا آل عبد مناف. فرجع بنو عبد الدار بن قصي، وبنو أسد بن عبد العُزَّى بن قصي، فناداه أبو لهب: هذه بنو عبد مناف عندك فقل. فقال: "إنَّ اللهَ قد أَمَرني أَنْ أُنْذِرَ عَشيرتي الأَقْرَبين، وأنتم الأَقرَبُون من قُريشٍ، وإنِّي لا أملك لَكُم مِنَ الله حَظًّا، ولا مِنَ الآخِرَة نصيبًا، وإلَّا أن تَقُولوا: لا إلَه إلَّا اللهُ، فأشْهَدُ لَكُم بها عندَ اللهِ، وتَدينُ لَكُم بها
стр. 1276
العَرَبُ والعَجَمُ". فقال أبو لهب: تبًّا لك، ألهذا دعوتنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ السورة (١).
وقال عبد الله بن كعب بن مالك: أقام رسول الله ﷺ بمكة في كل موسم يتبع الحاج في منازلهم بعُكاظٍ، ومَجَنَّة، وذي المَجاز، يدعوهم إلى الله وأن يمنعوه حتَّى يبلِّغ رسالات ربه، ولهم الجنّة فلا يجد أحدًا ينصره ولا يجيبه. وأبو لهب يمشي خلفه ويقول: لا تطيعوه فإنه كذّاب صابئ. فيردون على رسول الله ﷺ أقبح مردٍّ ويقولون: أُسْرَتُك وعشيرَتُك أعلم بكَ حيث لم يمنعوك (٢).
وفي رواية طارق المحاربي: ورأيت خلفه رجلًا قد أدمى عقبيه بالحجارة وكعبيه، قال طارق: من هذا؟ قالوا: غلام بني عبد المطلب. قلت: والذي خلفه؟ قالوا: عمه أبو لهب (٣).
وقالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : "كُنتُ بَين شَرِّ جارَينِ: أبي لَهَبٍ وعُقبَةَ بنِ أبي مُعَيْط، إنْ كانَ لَيَأتيانِ بالفُروثِ فَيَطرَحانِها على بابي، فَأَخرجُ فأقُولُ: يا بَنِي عبد مَنافٍ، أيُّ جِوَارٍ هذا؟ ثُم أُلقِيها في الطَّريق" (٤).
وفيها: ضَرب سعد بن أبي وقاص ﵁ رجلًا من المشركين فشجه. وسببه: أنَّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يجتمعون في الشِّعاب والأودية فيصلُّون، فبينا سعد ﵁ في جماعة من المسلمين يصلُّون إذ رآهم رجل من الكبار ومعه جماعة من قريش، فسبُّوهم وعابوهم، فضرب سعد ﵁ رجلًا منهم فأسال دمه، فكان أول دم أُهريق في الإسلام (٥).
وكان النبي ﷺ إذا جلس في المسجد وحوله المستضعفون من أصحابه مثل: عمار
стр. 1277
ابن ياسر، وخَبَّاب بن الأَرَتِّ، وصهيب بن سنان، وبلال بن رباح، وعامر بن فُهَيرة، وأشباههم. فإذا مرت بهم قريش استهزؤوا بهم وقالوا: هؤلاء جلساؤه قد منَّ الله عليهم من بيننا. فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ (١) [الأنعام: ٥٣].
وقال هشام: أول من أظهر الإسلام بمكة: أبو بكر ﷺ وبلال وعمار وصهيب وخبَّاب ﵃، فأما أبو بكر فمنعه قومه، وأما الباقون فلم يكن لهم عشائر يمنعونهم، فعذبوا عذابًا شديدًا، وفيهم نزل: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾ [النحل: ٤١، ٤٢]، كانوا يُلْبِسونهم أدراع الحديد، ويصهرونهم في الشمس في وقتِ الهاجرة (٢).
فَقَد أبو طالب رسولَ الله ﷺ ، فقال لفتيان بني هاشم: خذوا سلاحكم، وكونوا على مكاناتكم حتَّى أرجع. وخرج إلى الجبل ونادى: يا محمدُ. وإذا بالنبي ﷺ قائم يصلي في أسفل مكة، فقال له: ما لك يا عم؟ فقال: ظننْت أنك قد اغتلت، فكدت أن تجرِّمني فأقتل قومي اليوم. وأن النبي ﷺ عرض عليه الإسلام، فقال: أريد آية. فقال: ترى تلك الشجرة؟ فقال: نعم. فقال: أدعو ربي أن يأتيك بها؟ قال: فافعَل، فدعا الله، فأقبلت تهتز بإذن الله تعالى، فقال لها: ارجعي بإذن الله. فرجعت. فقال: يا ابن أخي، لهذا يقولى قومُك بأنك ساحر. فانطلق به أبو طالب إلى مجالس قريش وقال: اليوم أؤيسهم منك، ووقف عليهم وقاق: قد كنت أُراكم قتلتم ابن أخي، ورب البيت الحرام والبلد الحرام لو فعلتم ذلك؛ لقتل كل واحد من هؤلاء الفتيان جليسه، ثم قال: أخرجوا أشفاركم، فأخرجوها. فلما رأت قريش ذلك يئسوا من رسول الله ﷺ (٣).
ولما اشتد الأمر وعلمت قريش أن أبا طالب لا يُسْلمه إليهم ولا يخذلُه، مَشَوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة -وكان من أجمل فتيان قريش وأَسْراهم- فقالوا له: يا أبا طالب، هذا أنْهَدُ فتى في قريش وأجمله، فخذه واتخذه ولدًا وسلّم إلينا محمدًا، فإنه قد
стр. 1278
خالف دينك ودين آبائك، وفرَّق جماعتنا، وإنما هو رجل برجل، فقال أبو طالب: ويحكم، لبئس والله ما سمتموني، أتعطوني ولدكم أَغْذوه لكم، وأعطيكم ولدي تقتلونه، والله ما أنصفتموني، فرقوا بين النوق وفصلانها، فإن حنت ناقة إلى غير فصيلها، دفعته إليكم (١)، ثم قال (٢):
واللهِ لن يصلوا إليكَ بجَمْعِهمِ … حتَّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينا
فاصدعْ بأمرِكَ ما عليكَ غضاضةٌ … وَابْشِر وقَرَّ بذاكَ منك عُيونا
وعَرضتَ دينًا لا مَحَالة أنَّه … من خير أديانِ البريَّة دينا
لولا الملامةُ أو حِذارُ مذمَّةٍ … لَوَجَدْتني سَمْحًا بذاك ظنينا
فصل وفيها توفي
أَكْثَم بن صَيْفي (٣)
من تميم، حكيمُ العرب، كان من بطن يقال لهم: بنو شُرَيف بن جُرْوَةَ، أدرك مبعث رسول الله ﷺ ، وأوصى قومه باتِّباعِه، وعاش مئتي سنة، وقيل: مئة وتسعين سنة، واسودَّ شعره، ونبتت أضراسه، وعاد شابًّا، ولا يُعرف في العرب أعجوبة مثله، وكان حكيمًا فصيحًا لبيبًا فاضلًا سيدًا في بني تميم، وهو القائل: [من الطويل]
وإن امرَأً قد عاشَ تِسعين حجَّةً … إلى مِئة لم يسأمِ العيشَ جاهِلُ
ولما بلغه خَبر رسول الله ﷺ ، عزم على قصده، فمنعه بنو تميم، وقالوا: أنت سيدنا وكبيرنا، فابعث إليه. فكتب إلى رسول الله ﷺ مع ابنه حُبَيش بن أكثم: باسمك اللهمَّ، من العبد أكْثَم إلى العبد. أما بعد: فأخبرنا من أنت، وبم جئت؟ وقد بلغنا عنك خبر، فإن كنت أريت، فأرنا، وإن كنت عُلِّمْتَ، فعلِّمنا، وأشركنا معك في خير والسلام.
стр. 1279
فكتب إليه: "من محمد رسول الله إلى أكثم. أما أنا فمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، عبدُ الله ورسوله. وأما الَّذي جئت به: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، وإن الله أمرني أن أقول: لا إله إلا الله، ولتعلمَنَّ نبأه بعد حين، والسلام".
فلما قرأ كتابه، قال: نسب وسيط، وأراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوسًا، ولا تكونوا أَذنابًا.
ثم جمع أَكْثَم بني تميم، وقال: لا يحضرني سفيه، فإن السفيه واهي الرأي وإن كان قوي البدن، ولا خير فيمن كان كذلك، وإن بتمام العقل تتم الأمور، ثم أمرهم بالإسلام، واتباع رسول الله ﷺ . فقام مالكُ بنُ نُويرةَ اليربوعي وهو يقول: إن هذا الشيخ قد خَرِفَ، إنه ليدعو إلى الفناء والتعرض للبلاء، فإن أجبتموه فَرَّق جمعكم، وذَلَّل عِزَّكم، وأظهر أضغانكم. وسمعه أَكْثَم فقال: دعوا كلام هذا الأحمق، فويل للشجي من الخَليِّ، إن الحَقَّ إذا قام دمغ الباطل.
وخرج أَكْثَم إلى مكة يريد لقاء رسول الله ﷺ ، فلما كان ببعض الطريق عمد ابنه حُبيش إلى الرواحل فنحرها، وإلى المَزادة فشقها، ثم هرب. فمات أَكْثَم بالعَطَش، ولما أيقن بالموت، أوصى من معه باتباع رسول الله ﷺ ، وأشهدهم على نفسه أنَّه مسلم.
روي عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أنَّه نزل فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
ومن كلام أَكْثَم: أوصيكم بتقوى الله، وصلة الأرحام، وإياكم ونكاح الحمقى. وإنَّ العُدْمَ عُدْمُ العقل، لا عُدْم المال. وإنَّ مقتل الرجل بين فكَّيه، وإنَّ قولَ الحق لا يدع لقائِله صديقًا. ومن صَحِبَ الدُّنيا رأى الهوان، وفي طلب المعالي يكون العز، ومن قنع بما هو فيه قَرَّت عينُه. والتغافُلُ من أَخلاق الكرام، والمَنُّ يُذْهِبُ الصَّنيعةَ. ومن ظلم يتيمًا ظلم أولاده، ومن سل سيف البغي أُغْمِدَ في رأسه.
وقال لبنيه: يا بني، ذَلِّلوا أخلاقكم للطالب، وقودوها إلى المحامد، وعلموها المكارم، ولا تقيموا على خُلُقٍ تذمونه من غيركم، وصلوا من رغب إليكم، وتَحلَّوْا بالجود تلبسكم المحبة، ولا تلبسوا البخل فتتعجلوا الفقر.
стр. 1280
وصَيْفي بن تميم، كنيته أبو أَكْثَم، عاش مئتي سنة وستًّا وخمسين سنة.
وحَنظلة الكاتب هو ابن أخي أَكْثَم، لأنه حَنظلة بن ربيعة بن صَيفي، وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، وعاش إلى أيام معاوية.
وَرَقة بن نوفل
ابن أسد بن عبد العزى بن قصي، ابن عم خديجة ﵂، ولما رأى النبي ﷺ ، وسمع كلامه، وانصرف عنه، قال ورقة لخديجة ﵂: قدوس قدوس، والله لئن صدَقْتِني فإنه نَبي هذه الأمة، ولقد جاءه النَّاموس الأكبر الَّذي كان يأتي موسى وعيسى، فقولي له: ليثبت. فرجعت خديجة ﵂، فأخبرت رسول الله ﷺ ، فسُرِّي عنه بعض ما كان فيه من الغم (١).
وسئل رسول الله ﷺ عن ورقة، فقال: "رَأَيتُه في المَنَام وعَلَيه ثيَابٌ بيضٌ" (٢).
ومن شعره (٣): [من البسيط]
يا للرجال وصَرْف الدَّهْر والقَدَرِ … فما لِشيءٍ قضاه الله من غِيَرِ
جَاءت خديجةُ تَدعُوني لأُخْبِرها … وما لنا بخفيِّ الغَيبِ من خَبَرِ
بأنَّ أحمدَ يأتيهِ فيُخْبِرُه … جبريلُ أنَّك مبعوثٌ إلى البَشَرِ
فقال حين أتانا منطقًا عجبًا (٤) … تَقِفُّ منه أعالي الشعْر والبَشَرِ
إني رأيت أمينَ الله واجَهَني … في صورةٍ كَمُلَت من أَهْيَبِ الصُّوَرِ
فقلتُ ظني وما أدري يُصَدِّقُني … أن سَوفَ يُبعثُ يتلو مُنْزَل السُّوَرِ
واختلفوا على أيِّ دين مات على أقوال: أحدها: على النصرانية، والثاني: مُوَحِّدًا على دين عيسى وموسى ﵉، والثالث: على الإسلام. وورقة آخر من مات في الفترة، ودفن بالحَجون.
стр. 1281
السنة الخامسة من النبوة
فيها أَمَر النبي ﷺ أَصْحابَه بالهجرة إلى الحبشة لمَّا اشتد بهم أذى الكفار.
ذكر الهجرة الأولى (١):
قال الزهري: لما ظهر الإسلام وكثر المسلمون، ثار جماعة من الكفار إلى من آمن من قبائلهم وعشائرهم، فعذبوهم وسجنوهم، وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم. فقال لهم رسول الله ﷺ : تفرقوا في الأرض. فقالوا: إلى أين؟ فأشار إلى الحبشة بيده، وقال: إن بها رَجُلًا لا تُظْلَمُ الناس عنده، فتَحرَّزُوا عنده حتَّى يأتي الله بالفرج. فخرجوا متفرقين، وستر قومٌ إسلامَهم، وكانت الحبشة متجَرَ قريش، فخرج منهم اثنا عشر رجلًا وأربع نسوة متسللين سرًّا من قريش، وكان مخرجهم في رجب، منهم الماشي والراكب، فوافقوا سفينتين للتجارة في الشُّعَيبة (٢)، فركبوا فيها، وخرجت قريش في آثارهم ففاتوهم.
ذكر أساميهم (٣):
حاطب بن عمرو بن عبد شمس، الزبير بن العوام ﵁، سهيل بن بيضاء، عامر بن ربيعة ومعه امرأته بنت أبي حَثْمَة، عبد الله بن مسعود، أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، ومعه امرأته أم سلمة ﵂، عبد الرحمن بن عوف ﵁، وقيل: إنه لم يهاجر الأولى، وعثمان ﵁، ومعه زوجته رقيَّة ﵂ بنت رسول الله ﷺ ، عثمان بن
стр. 1282
مَظْعون، مصعب بن عمير، أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، ولد له بالحبشة محمد بن أبي حذيفة من امرأته سهلة بنت سُهيل بن عمرو، أبو سَبْرة بن أبي رُهْم. فأقاموا في الحبشة شهر شعبان ورمضان، ورجعوا في شوال.
ذكر سبب رجوعهم
قال المطلب بن عبد الله: رأى رسول الله ﷺ من قومه كفافة، فجلس خاليًا وتمنى أن لا يُنَزَّلَ عليه شيء ينفرهم عنه، وقارب قومه ودنا منهم، ودنوا منه، فجلس يومًا في بعض أنديتهم، فنزلت سورة النجم، فقرأها حتَّى بلغ ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠]؛ ألقى الشيطان على لسانه ما كان يحدِّث به نفسه ويتمناه من مقاربة أهله وقومه، لأنه كان قد شق عليه مباعدتهم إياه، فتمنى أن ينزل عليه ما يقارب بينه وبينهم حرصًا منه على إيمانهم، فقال: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. فلما سمعت قريش ذلك فَرِحوا، ومضى في قراءة السورة كلها، وسجد وسجد معه المسلمون والمشركون، فلم يبق في المسجد إلا من سجد لسجوده إلا الوليد بن المغيرة وأبو أُحَيْحةَ سعيد بن العاص فإنهما أخذا حَفْنَةً من الحصباء فرفعاها إلى جبينهما وسجدا عليه، وكانا شيخين كبيرين لا يستطيعان السجود، وتفرقت قريش، وقد سرهم ذلك، وقالوا: ذكر محمد آلهتنا بخير، فأحسن الثناء عليها، وقد علمنا أن الله يحيي ويميت، ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإذ قد جعل لها محمد نصيبًا، فنحن معه. فلما أمسى رسول الله ﷺ ، جاءه جبريل ﵇ فلما بلغ إلى قوله: تلك الغرانيق العلى، قال: ما أتيتك بهاتين الكلمتين - وفي قول ابن إسحاق: قال: لقد قلت عن الله ما لم أقل، وتلوت عن الله ما لم أتل به عن الله - فحزن النبي ﷺ حزنًا شديدًا، وخاف من الله خوفًا عظيمًا، وندم على ما جرى. فأنزل الله تعالى في سورة الحج: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ [الحج: ٥٢] الآيات (١)، ولما رجع النبي ﷺ عن ذلك بعد أن وقع ذكر الغرانيق في فم كل كافر،
стр. 1283
عادوا إلى أشَرِّ مما كانوا عليه، وازدادوا شدة على من أسلم، وكان قد سمع من هاجر إلى الحبشة بأن قريشًا قد صافَوا رسول الله ﷺ ، فرجعوا إلى مكة، فلما قربوا منها، بلغَهم ما جرى فوقفوا عن الدخول، ثم دخل كل رجل منهم في جوار رجل من قريش.
فدخل عثمان بن عفان ﵁ في جوار أبي أُحَيحةَ سعيد بن العاص بن أمية، فكان يأتي رسول الله ﷺ في طرفي النهار آمنًا.
ودخل أبو حذيفة بن عتبة في جوار أبيه.
ودخل مصعب بن عمير في جوار النَّضر بن الحارث بن كَلَدَةَ، ويقال: في جوار أبي عزيز بن عمير أخيه، ودخل الزبير بن العوام ﵁ في جوار زَمْعَة بن الأسود.
ودخل عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة، ثم رد عليه جواره ورضي بجوار الله لَمَّا رأى ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء، قال: والله إن غُدوي ورواحي آمنًا في جوار رجل من المشركين، وأصحابي يلقون من البلاء ما لا يصيبني مثله لنقصٌ كثير في نفسي، ذمة الله أعز وأمنع. ودخل سهيل بن بيضاء في جوار رجل من عشيرته من بني فهر، وقيل: دخل مستخفيًا بغير جوار حتَّى هاجر الثانية.
ودخل عبد الرحمن بن عوف ﵁ في جوار الأسود بن عبد يغوث، وقيل: دخل بغير جوار.
وعبد الله بن مسعود فدخل بغير جوار، والأشهر أنَّه ما دخل مكة ورجع إلى الحبشة.
فصل في الهجرة الثانية إلى الحبشة:
قالت أم سلمة ﵂: لما قدم أصحاب رسول الله ﷺ من الحبشة في الهجرة [الأولى إلى مكة]، اشتد عليهم قومهم، وسطت بهم عشائرهم، ولقوا منهم أذىً شديدًا، فأذن لهم رسول الله ﷺ في الهجرة إلى الحبشة مرة ثانية، فقال له عثمان بن
стр. 1284
عفان ﵁: يا رسول الله، فهجرتنا الأولى وهذه الآخرة إلى الحبشة ولست معنا -يعني ما حكمها-؟ فقال: أنتم مهاجرون إلى الله وإليَّ (١). فخرج منهم خلق كثير واختلفوا فيهم، فقال ابن سعد: كانوا ثلاثةً وثمانين رجلًا وثمانيَ نسوة (٢). وقيل: وإحدي عشرة امرأة. وقال الهيثم: كانوا مئة وثمانية، وقيل: وعشرة منهم عشر نسوة.
فصل في ذكر من ولد بالحبشة من المسلمين:
قال علماء السير: ولد بها: عبد الله، وعون، ومحمد -وفي رواية: ومعين-، أولاد جعفر بن أبي طالب ﵁ من أسماءَ بنت عُمَيس (٣).
وسعيد، وآمنة ابنا خالد بن سعيد بن العاص. وعبد الله بن المطلب (٤). ومحمد بن حاطب. ومحمد بن أبي حذيفة. وزينب بنت أبي سلمة (٥). وموسى، وعائشة، وزينب أولاد الحارث بن خالد التيمي.
هؤلاء سوى من خرج بهم أهلوهم من مكة صغارًا، أقاموا بالحبشة من سنة خمس من النبوة إلى سنة سبع من الهجرة، فلما بلغهم مهاجرة النبي ﷺ إلى المدينة، رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلًا وثماني نسوة يريدون مكة، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس منهم سبعة، وشهد منهم بدرًا أربعة وعشرون.
فلما كان في سنة سبع من الهجرة كتب رسول الله ﷺ إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام، وأن يبعث إليه بجعفر ومن معه -أو عنده- من المسلمين إلى المدينة، وأن يزوجه أم حبيبة. وكان النبي ﷺ محاصر خيبر، فأسلم النجاشي، وزَوَّجه أم حبيبة، وجهز إليه جعفرًا وأصحابه ﵃ (٦).
стр. 1285
فصل في صبر رسول الله ﷺ على أذى الكفار:
لما أمر النبي ﷺ أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، ومنعه الله بعمه أبي طالب، ورأت قريش أنهم لا سبيل لهم عليه، قذفوه بأنواع العيوب، فقالوا: ساحر، كاهن، شاعر، كذاب، مجنون، وبالغوا في أذاه. فرد الله تعالى عليهم وكذَّبَهم، وأنزل في ذلك آيات (١).
قال ابن مسعود: بينا النبي ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل بن هشام وأصحاب له جلوس، وقد نُحرت جزورٌ بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سَلَى جزور بني فلان فيأخذه، فيضعه بين كتفي محمد إذا سجد. فانبعث أشقى القوم وأخذه، فألقاه على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، واستضحكوا وجعل بعضهم يميل إلى بعض، وأنا قائم أنظر إليه، ولو كانت في منعة، طرحته عن ظهره، وهو ساجد ما يرفع رأسه حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة فجاءت وهي جُوَيرية فطرحته عن ظهره، ثم أقبلت عليهم تَسُبُّهم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، رفع يديه فدعا عليهم -وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا-، ثم قال: "اللَّهمَّ عَليكَ بقُرَيشٍ" ثلاثًا. فلما سمعوا صوته، ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته، ثم قال: "اللَّهمَّ عَليكَ بأبي جَهْل، وعُتْبَة وشَيبَة ابْنَي رَبِيعَة، والوَليدِ بن عُتْبَة، وأميَّةَ بنِ خَلَف، وعُقْبَة بن أبي مُعَيط. وذكر السابع: عُمارة بنِ الوَليد" (٢).
والسَّلى: الوعاء الذي يكون فيه الولدُ إذا وضع من الناقة. فأما في الجزور فما في بطنه. وأشقى القوم: عقبة بن أبي معيط.
стр. 1286
فوالذي بعث محمدًا ﷺ لقد رأيت الذي سَمّى صَرعى، ثم سُحِبوا إلى قليب بدر قد غَيَّرتهم الشمس، وكان يومًا حارًا (١).
وخرج رسول الله ﷺ يومًا فلقيه أبو البَخْتَري فأنكر وجهه، فسأله عن حاله فأخبره، وكان بيده سوط، فأتى أبا جهل فعلاه به، فسار بنو مخزوم وبنو أسد بن عبد العزى، فقال أبو جهل: ويلكم، كفوا فإنما يريد محمدٌ أن يوقع بينكم العداوة (٢).
فقال رسول الله ﷺ لعقبة بن أبي معيط: يا ابن أبان، ما أنت بمقصر عمّا أرى؟ فقال عقبة: لا، حتى تدع ما أنت عليه. فقال رسول الله ﷺ : والله لتنتهين أو لتحلَّنَّ بك قارعة.
قال أبو جهل: والله لئن رأيت محمدًا يصلي لَأَطَأَنَّ رقبته. فبلغه أنه يصلي، فجاءه وقال: ألم أنهك عن الصلاة؟ فانتهره رسول الله ﷺ فقال: أتنهرني وأنا أعز أهل البطحاء؟ فقال له العباس -وكان قريبًا منه-: كذبت. فنزل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ (٣) [العلق: ٩، ١٠].
قال عبد الله بن عَمرو: بينا النبي ﷺ بفناء الكعبة، إذ أقبل عُقْبَةُ بن أبي مُعَيط فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ، ولوى ثوبه في عنقه فخنقه به خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر ﵁. فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله ﷺ ، وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤) [غافر: ٢٨] وفي رواية: أقبلوا على أبي بكر فجعلوا شعره خُصلًا وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام، وفي ضمنه: كيف تسلط عدوك على وليك (٥)؟.
وقال ابن عباس: اجتمع القوم في الحِجْر، فتعاهدوا على قتل رسول الله ﷺ ،
стр. 1287
فجاءت فاطمة ابنته تبكي حتى دخلت عليه فأخبرته، فقام وتوضأ ودخل المسجد، فأخذ قبضة من تراب فحصبهم، وقال: شاهت الوجوه. فما أصابت رجلًا منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرًا (١).
وكان أبو إِهاب بن عزيز التميمي قد عزم على الفتك برسول الله ﷺ ، وعلم به طُلَيب، فضربه بلَحْي جملٍ فشجه، فأُخبرت أمُّه أروى بنت عبد المطلب، فقالت: نِعْمَ ما فعل طُلَيب، محمد ابن خاله. فهو أولى به وأحق من دافع عنه، ثم قالت (٢):
إن طليبًا نَصر ابنَ خالِه
آسَاه في ذي دَمِه ومَالِه
وأسلم طليب في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وهاجر إلى الحبشة، ولما أسلم دخل على أمه أروى، فقال: يا أماه، أسلمت لله رب العالميق، واتبعت محمدًا. فقالت: إن أحق من وازرت وعاضدت ابن خالك، والله لو كنا نقدر على ما يقدر عليه الرجال لمنعناه وذببنا عنه. فقال لها: ما يمنعك أن تسلمي وتتبعيه، فقد أسلم أخوك حمزة؟ فقالت: أَنْظر ما تصنع أخواتي، أكون واحدة منهن (٣).
ذكر أسامي الذين أظهروا العداوة لرسول الله ﷺ -:
أبو لهب عمه، أبو جهل، الأسود بن عبد يَغُوث، عُقْبة بن أبي مُعَيط، الحكم بن أبي العاص، الحارث بن قيس بن عدي وهو ابن الغَيْطلة، شيبة وعتبة ابنا ربيعة، أبو سفيان بن حرب، الوليد بن المغيرة، أُبي وأمية ابنا خلف، العاص بن وائل السَّهمي، النَّضْر بن الحارث، العاص بن هشام، وهؤلاء كانوا جيرانه، وكانوا أشد الناس عليه (٤).
وأما من قريش فخلق كثير.
стр. 1288
وفيها استتر رسول الله ﷺ في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وتسمى الدار: دار الخَيزُرَان (١).
وفيها: بعثت قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي بهدايا يطلبون منه أن يسلِّم إليهم من عنده من المسلمين المهاجرين.
فصل وفيها استشهدت
سُمَيَّةُ بنت خُبَّاط (٢)
أم عمار بن ياسر، مولاة أبي حُذيفة بن المغيرة، أسلمت بمكةَ قديمًا، وكانت مِمَّن يُعذَّب في الله لترجع عن دينها، فما رجعت. وهي أول شهيدة في الإسلام، مر بها أبو جهل بن هشام وهي تعذب في الله تعالى، فطعنها في قُبُلِها بحربة فماتت (٣).
* * *
стр. 1289
السنة السادسة من النبوة
وفيها أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب ﵄ وقيل: في سنة خمس من النبوة، وقيل: في السنة الثانية من النبوة، وكان إسلام عمر ﵁ بعد حمزة- ﵁ بيوم، وقيل: ثلاثة (١).
ذكر إسلام حمزة ﵁ -:
قال محمد بن كعب القرظي: قال أبو جهل وعدي بن الحمراء رسولَ الله ﷺ ، وبلغ حمزة ﵁ فقام ودخل المسجد، فضرب رأس أبي جهل بالقوس فشجه فَوَضَحه، وأسلم فعَزَّ به المسلمون وذلك بعد دخول النبي ﷺ دار الأرقم (٢).
وقال ابن إسحاق: أبو جهل برسول الله ﷺ وهو جالس عند الصفا فآذاه وقال منه، ورسول الله ﷺ ساكت، فقام رسول الله ﷺ فدخل المسجد، وجلس في ظل الكعبة، وكانت مولاة لعبد الله بن جُدْعان في مَسكَنٍ لها على الصَّفا تسمع ذلك، وأقبل حمزة ﵁ من القَنَصِ متوشحًا قوسه، وكان يسمى: أعزَّ قريش وأشدها شَكِيمة، فقالت له مولاة ابن جدعان: يا أبا عُمارة، ماذا لقي ابن أخيك من أبي جهل آنفًا؟ وجده ها هنا خاليًا فسبَّه، وشتمه، وبالغ في أذاه، ولم يُكَلّمه ابن أخيك. فغضب حمزة ﵁ ودخل المسجد وأبو جهل جالس في نادي قومه عند الكعبة، فقال: يا مصفِّر استِه، أتشتِم ابن أخي وأنا على دينه، أقول بما يقول؟ ثم ضربه بالقوس فشجه فَوَضَحه، فقام رجال من بني مخزوم، وثار بنو هاشم، فقال أبو جهل: دعوا أبا عُمارةَ، فإني سببت ابن أخيه سبًّا قبيحًا. ودخل حمزة دار الخَيزُران فتلقاه رسول الله ﷺ وقال: "أما آن لَكَ يا عم" فأسلم، فعلمت قريش حينئذ أن رسول الله ﷺ قد عزَّ، وأنه سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه (٣).
стр. 1290
ذكر إسلام عمر بن الخطاب ﵁ -:
عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: "الْلهمَّ أعِزَّ الإسلامَ بأحَبِّ الرَّجلَينِ إليكَ: بعُمَرَ بن الخطَّابِ، أو بأبي جَهْلِ بنِ هِشامٍ". فكان أحبهما إليه: عمر (١).
وقال عمر ﵁: خرجت أتعرض لرسول الله ﷺ ، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فافتتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قلت: والله هذا شاعر كما قالت قريش، فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٣)﴾ [الحاقة: ٤٠ - ٤٣] فوقر الإسلام في قلبي وأسلمت (٢).
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قلت لعمرَ بنِ الخطاب ﵁: لم سُميت الفاروق؟ فقال: أسلم حمزةُ قبلي بثلاثة أيام، ثم شرح الله صدري للإسلام فقلت: الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، فما في الأرض نَسَمةٌ أحبُّ إلي من نَسَمةِ رسول الله ﷺ ، فسألت عنه؟ فقالوا: هو في دار ابن الأرقم. فأتيت الدارَ، وحمزةُ في أصحابه جلوس في الدار، ورسول الله ﷺ في البيت، فضربت الباب، فاجتمع القوم، فقال لهم حمزة: ما بالكم؟ فقالوا: عمر بن الخطاب. فخرج رسول الله ﷺ فأخذ بمجامع ثيابي ثم نترني نترة لم أتمالك أن وقعت على ركبتي، فقال: "مَا أنتَ بمُنْتَهٍ يا عُمَرُ"؟ فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّك رسول الله، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد، فقلت: يا رسول الله، أَلَسْنَا على الحقِّ إن مِتنا، كان حيينا؛ قال: "بَلَى". قلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن فأخرجناه في صفين، حمزة في صف، وأنا في صف له كديد ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد، فلما نظرت إلينا قريش، أصابتهم كآبة لم تصبهم مثلها قط، فسماني رسول الله ﷺ : الفاروق (٣).
وقال الزهريّ: لما أسلم عمر، نزل جبريل فقال: يا محمد، استبشر أهل السماء بإسلام عمر (٤).
стр. 1291
وقال ابن مسعود: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر (١).
وقال صهيب: لما أسلم عمر، جلسنا حول البيت حِلَقًا فطفنا وانتصفنا ممن أغلظ علينا (٢).
واختلفوا، بَعْدَ كَم أسلم؟ والمشهور أنه أسلم بعد تسعة وثلاثين، وقد عدهم الهيثم بن عدي، فقال: خديجة، علي، زيد بن حارثة، أبو بكر، بلال، عثمان بن عفان، عبد الرحمن بن عوف، طلحة، سعد، سعيد، أبو عبيدة، الزبير، حمزة، عبيدة بن الحارث، خبَّاب، عمار، جعفر، مصعب بن عمير، ابن مسعود، عيَّاش بن أبي ربيعة، عثمان بن مظعون، أبو سلمة بن عبد الأسد، المقداد، طُلَيب، صهيب، عامر بن فُهَيرة، عمرو بن عَبَسة، نُعيم بن النَّحام، حاطب بن الحارث، خالد بن سعيد، خالد بن البُكير، عبد الله بن جحش، أبو أحمد بن جحش (٣)، عامر بن البُكير، عتبة بن غَزوان، الأَرْقم، واقد بن عبد الله، عامر بن ربيعة، السَّائب بن عثمان بن مظعون، وتمم الله الأربعين: بعمر.
قال المصنف ﵀: والعجب من هذا، وقد هاجر إلى الحبشة نيف وثمانون بالاتفاق، ونيف ومئة على الخلاف، وهم إنما هاجروا في سنة أربع من النبوة، وعمر إنما أسلم في سنة ست منها، فقد ازدادوا. فما وجه قولهم: أتم الله به الأربعين؟ اللهمَّ إلا أن يكون أسلم في سنة اثنتين من النبوة على ما قيل (٤).
* * *
السنة السابعة من النبوة
وفيها كانت وقعة بُعاث، وهو يوم الأوس والخزرج، وكان أبو أُسيد بن حُضَير رئيس الأوس في ذلك اليوم (٥).
стр. 1292
السنة الثامنة من النبوة
وفيها كتبت قريش الصحيفة بينها وبين بني هاشم.
واختلفوا في سببه على أقوال:
أحدها: أنه لما أسلم حمزة وعمر ﵄ شق ذلك على كفار قريش، واتفقوا على أن يكتبوا كتابًا يتعاهدون فيه ويتعاقدون، أنهآلا ينكحون إلى بني هاشم وبني المطلب، ولا يبايعونهم ولا يكلمونهم.
والثاني: أنه لما بلغ قريشًا فعل النجاشي بجعفر وأصحابه، وإكرامه إياهم، وردّه عَمرًا وصاحبه خائِبَينِ، شق ذلك عليهم، وكتبوا الصحيفة.
والثالث: أنه لما فَشا الإسلام في القبائل، كتبوا الصحيفة، والذي كتبها منصور بن عكرمة بن [عامر بن] هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار فشلَّت يده، وقيل: كتبها بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار (١) فيبست يده حين كتبها، وبقيت أيامًا عند أم الجُلاسِ خالة أبي جهل، وهي التي يقال لها: الحنظلية، وقيل: بل كانت عند أسماء بنت مُخَرِّبة أم أبي جهل، ثم أخذها المطعم بن عدي فأقامت عنده أيامًا، ثم علقوها في الكعبة، ولما رأت بنو هاشم ذلك انحازوا إلى الشِّعب المعروف بِشِعْب بني هاشم بمكة، ودخل معهم بنو المطلب، ولم يتخلف عنهم سوى أبي لهب، فأقاموا إلى السنة العاشرة من النبوة (٢).
قال ابن عباس ﵁: حصرونا في الشِّعب، وقطعوا عنا الميرةَ والمادة حتى كان صبياننا يتضاغَوْن جوعًا، يُسْمَعُ ذلك من وراء الشعب حتى مات منا قوم.
وحكى الطبري: أن أبا جهل بن هشام لقي حكيمَ بن حزام ومعه غلام يحمل حِنْطةَ، وما كان يُحمل إليهم شيءٌ إلا سرّا من قريش، وكان حكيم يريد بالطعام عمته
стр. 1293
خديجة ﵄ وهي عند رسول الله ﷺ بالشِّعب، فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟! والله لا أبوح حتى أفضحك بمكة. فجاء أبو البَختَري فقال له: خل عن هذا الرجل، فأبى أبو جهل. فضربه أبو البختري بِلَخي جمل فشج أبا جهل، ووطئه وطئًا شديدًا، ورسول الله ﷺ يوى ذلك، ويدعو إلى الله سرًّا وجهرًا، وليلًا ونهارًا، والوحي يأتيه من الله ولم ينقطع عنه في الشعب.
وفيها: قُبَيْلَ دخولهم الشِّعب وصل الخبر بغلبة فارس على الروم.
قال علماء السير: عزم كسرى على غزو الروم، فاستشار امرأة عاقلة من فارس كانت تلد الملوك، فقالت: هذا فَرُّخان، أحذر من صقر، وأروغ من ثعلب، وأنفذ من سنان، وهذا أخوه شهريار أحلم أهل زمانه، فقال: بها أريد إلا الحلم. فقدَّم شهريار على الجيوش، فأوغل في بلاد الروم قتلًا وأسرًا، وهدم الحصون، وقطع الأشجار، وعاد إلى الشام، فأرسل إليه قيصر رجلًا من بطارقته يقال له: يُحنس، فالتقيا بأَذْرِعات وبصرى، وهي أَننى أرض الشام إلى أرض العرب فغلبت فارسُ الروم، وبلغ الخبر إلى كسرى، ثم إلى مكة فشقَّ ذلك على النبي ﷺ والصحابة، وكان يكره ظهور الفرس، لأنهم مجوس لا كتاب لهم، والروم لهم كتاب. وفرح كفار قريش بذلك، لأنَّهم عبدة الأوثان مثل الفرس، وقالوا للمسلمين: قد ظهر إخواننا، فلو قاتلناكم لظهرنا عليكم. فأنزل الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ [الروم: ١ - ٣] الآيات، فخرج أبو بكر ﵁ إلى الكفار وهو يقول لهم: فرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا، لا تفوحوا فوالله لتظهرَنَّ الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا ﷺ . فقام إليه أُبيُّ بن خَلَف الجُمَحي، فقال: كذبت يا أبا الفضيل. فقال له أبو بكر ﵁: أنت أكذب يا عدو الله. فقال: اجعل بيننا أجلًا أُناحِبُك عليه -والمناحبة: المراهنة-، على عشر قلائصَ منِّي وعشر منك، فإن ظهرت الروم على فارس، غَرِمت. ففعلا ذلك، وجعلا الرهن ثلاث سنين، وذلك قبل تحريم القمار.
وأخبر أبو بكر ﵁ رسول الله ﷺ بذلك، فقال رسول الله ﷺ : "إما هكذا ذُكِرَتْ، إنَّما البِضْعُ: ما بينَ الثَّلاثِ إلى التِّسعِ. فَزايِده في الخَطر، ومادَّه في الأجَل" فخرج أبو بكر ﵁ فلقي أُبيًّا، فقال: لعلك ندمت؟ قال: لا. فقال: تعال أزايدك وأمادَّك في
стр. 1294
الأجل فنجعلها مئة قلوص إلى تسع سنين، فقال: قد فعلت. فلما خشي أُبى أن يخرج أبو بكر ﵁ من مكة، فقال: أقم لي كفيلًا. فكفله ابنه عبد الله ﵄، فلما أراد أُبي أن يخرج إلى أُحُد، أتاه عبد الله بن أبي بكر ﵄، فقال له: أقم لي كفيلًا. فأعطاه، ثم رجع أُبي مجروحًا، فمات من جراحته بمكة. وكان رسول الله ﷺ جرحه، ثم ظهرت الروم على فارس يوم الحديبية وذلك على رأس تسع سنين من مناحبتهما، وهذا قول عامة المفسرين (١).
وقال أبو سعيد الخدري: إنما ظهرت الروم على فارس يوم بدر (٢).
وقال الشعبي: إنما كان صاحب قمار الكفار بمكة أبي بن خلف، وصاحب قمار المسلمين أبو بكر ﵁، وذلك قبل تحريم القمار، فلم تمض تلك المدة حتى غلبت الرومُ فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن، وعَمَروا روميَّةَ، فقمر أبو بكر ﵁ أُبتا، وأخذ مال الخطر من ورثة أُبي، فجاء به رسولَ ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "تَصَدَّق به" (٣)
ذكر السبب في ظهور الروم على فارس:
ذكر علماء السير: أن شَهريار لما هزم الروم على أذرعات، سار خلفهم فأناخ على خليج القُسطنطينية، وكان أخوه فَرُّخان في جملة الجيش، فسكر يومًا، فقال: رأيت في المنام كأني جالس على سرير كسرى. وبلغ كسرى، فكتب إلى شهريار: ابعث إليَّ رأس فرخان. فكتم ذلك على أخيه، وكتب إلى كسرى: إذا قتلت فرخان، فمن للنكاية في العدو، ومن للحرب. فكتب إليه كسرى: إن في رجال فارس خَلَفًا عنه، فعجِّلْ عليَّ برأسه. فكتب إليه شهريار: إنك لا تجد مثله، فلا تعجل على قتله. فغضب كسرى ولم يجبه، وكتب كتابًا إلى الجيش: إني قد نزعت عنكم شهريار، ووليت عليكم فرخان، ثم دفع إلى الرسول صحيفة صغيرة إلى فرخان يأمره بقتل أخيه شهريار، وقال: إذا
стр. 1295
جلس فرخان على السرير، وأطاعه الجند، فناوله إياها. فلما قرأ كتاب كسرى على الجيش، قال شهريار: سمعًا وطاعة، ونزل عن السرير، وسلم الأمر إلى فرخان، فدفع إليه الرسول الصحيفة، فقال: علي بشهريار، فجاء فأمر بقتله فقال له: يا أخي، لا تعجل، ودعا بسفطٍ وأخرج منه ثلاث صحائف من كسرى إليه بقتل فرخان، ثم قال: قد راجعت فيك مرارًا ولم أقتلك، وأردت أن تقتلني بكتاب واحد. فنزل فرخان من السرير، وسلم الملك إليه.
وكتب شهريار إلى قيصر: إن لي حاجة لا تُقِلُّها البُرُدُ، ولا تحملها الصحف، فالقني في خمسين فارسًا. وخرج شهريار في خمسين فارسًا وضُرِبَت لهما قُبَّةٌ، فدخلاها وبينهما تَرجُمان، فقال شهريار: إن الذي أخرب مدائنك، وسبى رعيتك، ودوخ بلادك، أنا وأخي، كان الخبيث كسرى حسدنا، وأغرى بيننا، وعرَّفه الخبر، ونحن نقاتله معك، ونملَكُك داره وملكه، فَسِر معنا. فقال: أصبتما، ثم أشار كل واحد منهما إلى صاحبه بأن السر متى جاوز اثنين شاع.
فقتلا التَّرجُمان، وساروا جميعًا نحو المدائن يخربون أرض فارس ويقتلون. ومات كسرى، وأُديلت الروم على فارس، وجاء الخبر يوم الحديبية إلى رسول الله ﵁، ففرح ومن معه، فذلك قوله : ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ الآيات (١).
وقرأ أبو عمرو، وأبو سعيد الخدري، والحسن، وعيسى بن عمر: "غلَبَتِ الروم" بفتح الغَين، و"سَيَغْلُبون" بضم اللام (٢) وفتح الياء.
قالوا: نزلت هذه الآية حين أخبر الله نبيه ﵁ عن غلبة الرومِ فارسَ، وأن المسلمين يغلبونهم في بضع سنين، وعند انقضاء هذه المدة، أخذ المسلمون في التأهب لجهاد الروم، وكان أبوالدرداء يقول: سيأتي قوم يقرأون: "غَلَبت الروم" بالفتح، وإنما هي: ﴿غُلِبَتِ﴾ بالضم، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ يعني من قبل دولة الروم على فارس، ومن بعدها (٣).
стр. 1296
قال يحيى بن أبي عمرو السِّيباني، قال رسول الله ﵁: "فارسُ نَطْحةٌ أو نَطْحتَان، ثم لا فارسَ بعدَها أَبَدًا، والرُّومُ ذاتُ القرونِ، كلَّما ذَهب قَرْن خَلَفَه قَرْن هيهاتَ هيهاتَ إلى آخر الأبد" (١).
وفيها: قدم ضِماد الأَزْدي مكة. قال ابن عباس ﵄: قدم ضماد مكة، وكان من أَزْدِ شَنوءة، وكان يرقي من الريح، فسمع سفهاء قريش يقولون: إن محمدًا لمجنون، فقال: لو أني لقيت هذا الرجل فلعل الله أن يشفيه على يدي، قال: فلقيته. فقلت: يا محمد، إني أرقي من الريح والله يشفي على يدي من يشاء، فهل لك؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : "الحمدُ لله نَحمدُه ونَستَعينُه، مَن يَهْدي اللهُ فلا مُضِل له، ومَن يضلل فلا هاديَ لَه، أَشْهدُ أنْ لا إلَه إلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُه ورسُوله، أما بعدُ". فقال له ضِماد: أعد علي ما قلت -أو أعد علي كلماتك هؤلاء- فأعادهن عليه ثلاثًا. فقال ضماد: لقد سمعت كلام الكهان والسحرة والشعراء فما سمعت مثل كلماتك هذه، لقد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك على الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "وعَلى قَومِكَ"؟ فقال: وعلى قومي. فبعث رسول الله ﷺ بعد ذلك سرية، فمرت بقوم ضِماد، فقال صاحب الجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا؟ فقال رجل: أصبت منهم إِداوة. فقال: اردُدها، فإن هؤلاء قوم ضِماد (٢).
ولما دخلت السنة التاسعة من النبوة، مرض أبو طالب وهم في الشعب.
* * *
стр. 1297
السنة العاشرة من النبوة
فيها خرج بنو هاشم من الشِّعب، واختلفوا في سبب خروجهم على أقوال:
أحدها: أن هشام بن عمرو بن الحارث من بني عامر بن لؤي، وكان أَوْصَلَ قُريش لبني هاشم حين كانوا في الشعب، كان يأتي بالبعير قد أَوْقَره طعامًا في الليل، فإذا جاء إلى الشِّعب، خلع خِطامه وضَربه على جنبيه، فيدخل الشعب، وعلمت به قريش فنهته فلم ينته، فقال أبو سفيان بن حرب: دعوه فإنه رجل وَصل رحمه، أما والله لو فعلنا ما فعل لكان أجمل بنا.
فمشى هشام إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، وكانت أمه: عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام، وتشرب الشراب، وتلبس الثياب، [وأَخْوالك حيث قد علمتَ لا يُبايَعون]، ولا يناكحون، أما تستحي؟ فقال: ويحك، ما أصنع وأنا رجل واحد، أما والله لو كان معي رجل آخر، لقمت في نقضها. فقال: قد وجدته، قال: ومن هو؟ قال: أنا. قال: فابغنا ثالثًا. قال: أبو البَخْتَري بن هشام، قال: ابغنا رابعًا، قال زَمعَة بن الأسود: قال: فابغنا خامسًا، قال المُطْعِم بن عدي: قال: فاجتمعوا عند الحجُون، وتعاهدوا على القيام بنقض الصحيفة، قال زهير: أنا أبدأ بها، فجاوزوا إلى الكعبة وقريش مُحدِقة، فطاف زهير بالبيت سبعًا، ثم نادى: يا أهل مكة، إنَّا نأكل الطعام ونشرب الشراب ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى، والله لا أقعد حتى نشق هذه الصحيفةَ القاطعة، فقال له أبو جهل: كذبت لا تُشَقُّ والله. فقال زَمْعَة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا حين كُتِبت. وقال أبو البَخْتَري: صدق زَمعَة، لا نرضى ما كتب فيها، فقال المُطْعِم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك. فقال هشام بن عمرو: نتبرَّأ إلى الله منها، ومما كتب فيها.
فقال أبو جهل: هذا أمر قُضي بليلٍ وتُشوورَ فيه. وقام المُطْعِم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأَرَضة قد أكلت ما فيها من الظلم، ولم يبق إلا "باسمك اللهم" (١).
стр. 1298
فقال أبو طالب (١): [من الطويل]
جزى الله رَهْطًا بالحَجون تَبايَعوا … على مَلأٍ يهدي لحَزْم ويرشِدُ
أعان عليها كلُّ صقر كأنَّه … إِذا ما مشى في رَفْرفِ الدِّرعِ أخرَدُ
قُعودًا لدى جنب الحَجون كأنَّهم … مَقاولةٌ بل هم أَعزُّ وأمجَدُ
قال: وأسلم هشام بن عمرو يوم الفتح.
والثاني: أن الله بعث الأَرَضَةَ فأكلت ما في الصحيفة من الجَوْر والظلم، وأبقت ما فيها من قوله: "باسمك اللهمَّ"، فأخبر رسول الله ﵁ أبا طالب، فقال: أحقًّا ما تقول يا ابن أخي؟ فقال: نعم، أخبرني بذلك ربي. فأخبر أبو طالب أخوته وقال: والله ما كذبني قط. قالوا: فما ترى؟ قال: أرى أن نخرج إلى قريش فنخبرهم بذلك قبل أن يصلهم الخبر. فخرجوا من الشعب، فدخلوا المسجد، فلما رأتهم قريش، أنكروا ذلك، فناداهم أبو طالب: إِنَّا قد جئناكم في أمر، فأجيبوا عنه، قالوا: وما هو؟ قال: أَخبرني ابن أخي، ولم يكذبني قط: أن الأَرَضَة قد أكلت ما فيها من الظلم والجور وقطيعة الرحم، ولم تتعرض لما كان من اسم الله تعالى، فإن كان ابن أخي صادقًا، فكفوا عنا، وإن كان كاذبًا، دفعناه إليكم. فقالوا قد أنصفت، وجاؤوا بالصحيفة فلما فتحوها، وجدوا الأمر كما قال رسول الله ﷺ ، فَسُقط في أيديهم، ونكَّسوا رؤوسهم. فقال لهم أبو طالب: هل تبَيَّن لكم ظلمكم وجَوْرُكم؟ فلم يجبه أحد، وانصرفوا. فلم يتعرض أحد بعدها لبني هاشم (٢).
والثالث: أن المُطْعِم بن عدي شرب ليلة فانتشى، فقال: من مثلي؟ فقال له عدي بن قيس التميمي أو عتبة بن ربيعة: إن كنت كما تقول، فما بالُ بني عمك يموتون في الشِّعب جوعًا؟ فقام، فلبس سِلاحه، ولبس معه أبو البَخْتَري، وزهير بن أبي أمية، وهشام بن عمرو، ومَنْ سَمَّيْنا، وجاءوا إلى الشعب، وصاحوا بهم: اخرجوا على رغم
стр. 1299
قريش، فقال أبو طالب: إنا نخاف. فقال المطعم (١): لا خوف عليكم بعد اليوم.
فخرجوا.
وأقاموا في الشعب ثلاث سنين، وقيل: سنتين وأشهرًا.
وفيها: خرج رسول الله ﷺ إلى الطائف يلتمس من ثقيف النُّصرة والمَنَعةَ له من قومه.
قال جُبير بن مُطعم: لما توفي أبو طالب، تناولت قريش رسول الله ﷺ ، فخرج إلى الطائف في آخر شوال من هذه السنة، ومعه زيد بن حارثة (٢).
قال البلاذري: خرج لثلاث بقين من شوال سنة عشر من النبوة، وعاد إلى مكة يوم الثلاثاء لثلاث وعشرين ليلة خلت من ذي القعدة (٣).
وقيل: أقام عشرة أيام (٤). والأول أصح.
قال الواقدي: لم يَدَعْ أحدًا من أشرافهم إلا كلَّمه، فلم يجبه أحد منهم، وخافوا على أَحداثهم منه، فقالوا له: اخرج عنا. وأغْرَوْا به سُفهاءهم، فرَمَوْهُ بالحجارة حتى أَدْمَوْه، وزيد بن حارثة ﵁ يقيه بنفسه، حتى لقد شج في رأسه شجاجًا كثيرة (٥).
وقال كعب الأحبار (٦): اجتمع النبي ﷺ بالطائف بسادات ثقيف وهم ثلاثة أخوة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، أولاد عمرو بن عُمَير الثقفي، فدعاهم إلى الله تعالى، والقيام معه على إظهار الإسلام ومن خالفه من قومه، فقال له عبد يَاليل: هو يمرُطُ ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال مسعود: أما وجد الله من يرسله غيرك؟ وقال له حبيب: إن كنت رسولًا كما تزعم، فلأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك، وإن كنت
стр. 1300
كاذبًا على الله، فما ينبغي أن أكلمك.
فقام رسول الله ﷺ وقد يئس من خير ثقيف، وأغْرَوا به عبيدَهم وصبيانَهم يسبُّونه ويصيحون عليه حتى اجتمع عليه الناس، وألجؤوه إلى حائط لعتبة وأخيه شيبة ابني ربيعة وهما فيه، فعمد إلى ظل حُبْلَةٍ، فجلس في ظلها وشيبة وعتبة ينظران إليه، ويريان ما يلقى من سفهاء ثقيف، فبكى رسول الله ﷺ وقال: "اللَّهم إِنِّي أَشْكُو إليكَ ضعفي وقِلَّة حِيلَتي وهوَاني على النَّاس، [يا أرحم الرَّاحِمين، أنتَ ربُّ المُستَضعفين، وأنت ربِّي، فإلى مَن تكِلُني، [إلى بَعيد يَتَجَهَّمني أم إلى عدوٍّ ملّكته أَمري] فإنْ لَم يَكُن منكَ عليَّ غضبٌ فلا أبالي [ولكن عافيتك هي أوسع لي]، أعوذ بنور وجهكَ الذي أشرقَت له السماواتُ، وأضاءت به الظلماتُ، وصلُح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أَنْ يَنْزلَ بي غَضَبُك، أو يَحِل عليّ سَخَطُك، [لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك] وهو ﷺ يبكي، فلما رأى ابنا ربيعة ذلك، تحركت له رَحِمُهما، فَدَعَوا غلامًا لهما يقال له: عَدَّاس، نصرانيًّا، فقالا: خذ قِطْفًا من العنب فضعه في طبق، واذهب به إلى ذلك القاعد، فضَعه بين يديه، ففعل ذلك عَدّاس، فمد رسول الله ﷺ يده وقال: "بسمِ الله". وسمعه عدَّاس، فنظر إليه وقالا: والله إن هذا كلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله ﷺ : "فمن أنت، وما دينُك؟ " قال: نصراني، من أهل نينوى. قال: "من قَريةِ العَبدِ الصَّالح يُونُس بنِ مَتَّى" قال: نعم وما يدريك ما يونس؟ فقال: "ذاك أخي، كان نبيًّا، وأنا نبيٌّ". فأكبَّ عدَّاسٌ يقبِّل يديه ورجليه، فقال عتبة لأخيه شيبة: أفسد عليك غلامك. فلما جاءهما، قالا له: ويحك، ما هذا؟ فقال: والله ما في الأرض رجل خير من هذا، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا الله أو نبي. فقالا: ويلك، لا يصرفك عن دينك، فدينك خير من دينه (١).
قالت عائشة ﵂: قلت: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟