← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

قال يحيى بن أبي عمرو السِّيباني، قال رسول الله ﵁: "فارسُ نَطْحةٌ أو نَطْحتَان، ثم لا فارسَ بعدَها أَبَدًا، والرُّومُ ذاتُ القرونِ، كلَّما ذَهب قَرْن خَلَفَه قَرْن هيهاتَ هيهاتَ إلى آخر الأبد" (١). وفيها: قدم ضِماد الأَزْدي مكة. قال ابن عباس ﵄: قدم ضماد مكة، وكان من أَزْدِ شَنوءة، وكان يرقي من الريح، فسمع سفهاء قريش يقولون: إن محمدًا لمجنون، فقال: لو أني لقيت هذا الرجل فلعل الله أن يشفيه على يدي، قال: فلقيته. فقلت: يا محمد، إني أرقي من الريح والله يشفي على يدي من يشاء، فهل لك؟ قال: فقال رسول الله ﷺ : "الحمدُ لله نَحمدُه ونَستَعينُه، مَن يَهْدي اللهُ فلا مُضِل له، ومَن يضلل فلا هاديَ لَه، أَشْهدُ أنْ لا إلَه إلَّا اللهُ وأنَّ محمدًا عبدُه ورسُوله، أما بعدُ". فقال له ضِماد: أعد علي ما قلت -أو أعد علي كلماتك هؤلاء- فأعادهن عليه ثلاثًا. فقال ضماد: لقد سمعت كلام الكهان والسحرة والشعراء فما سمعت مثل كلماتك هذه، لقد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك على الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "وعَلى قَومِكَ"؟ فقال: وعلى قومي. فبعث رسول الله ﷺ بعد ذلك سرية، فمرت بقوم ضِماد، فقال صاحب الجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا؟ فقال رجل: أصبت منهم إِداوة. فقال: اردُدها، فإن هؤلاء قوم ضِماد (٢). ولما دخلت السنة التاسعة من النبوة، مرض أبو طالب وهم في الشعب. * * *

стр. 1297

السنة العاشرة من النبوة فيها خرج بنو هاشم من الشِّعب، واختلفوا في سبب خروجهم على أقوال: أحدها: أن هشام بن عمرو بن الحارث من بني عامر بن لؤي، وكان أَوْصَلَ قُريش لبني هاشم حين كانوا في الشعب، كان يأتي بالبعير قد أَوْقَره طعامًا في الليل، فإذا جاء إلى الشِّعب، خلع خِطامه وضَربه على جنبيه، فيدخل الشعب، وعلمت به قريش فنهته فلم ينته، فقال أبو سفيان بن حرب: دعوه فإنه رجل وَصل رحمه، أما والله لو فعلنا ما فعل لكان أجمل بنا. فمشى هشام إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، وكانت أمه: عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أرضيت أن تأكل الطعام، وتشرب الشراب، وتلبس الثياب، [وأَخْوالك حيث قد علمتَ لا يُبايَعون]، ولا يناكحون، أما تستحي؟ فقال: ويحك، ما أصنع وأنا رجل واحد، أما والله لو كان معي رجل آخر، لقمت في نقضها. فقال: قد وجدته، قال: ومن هو؟ قال: أنا. قال: فابغنا ثالثًا. قال: أبو البَخْتَري بن هشام، قال: ابغنا رابعًا، قال زَمعَة بن الأسود: قال: فابغنا خامسًا، قال المُطْعِم بن عدي: قال: فاجتمعوا عند الحجُون، وتعاهدوا على القيام بنقض الصحيفة، قال زهير: أنا أبدأ بها، فجاوزوا إلى الكعبة وقريش مُحدِقة، فطاف زهير بالبيت سبعًا، ثم نادى: يا أهل مكة، إنَّا نأكل الطعام ونشرب الشراب ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى، والله لا أقعد حتى نشق هذه الصحيفةَ القاطعة، فقال له أبو جهل: كذبت لا تُشَقُّ والله. فقال زَمْعَة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا حين كُتِبت. وقال أبو البَخْتَري: صدق زَمعَة، لا نرضى ما كتب فيها، فقال المُطْعِم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك. فقال هشام بن عمرو: نتبرَّأ إلى الله منها، ومما كتب فيها. فقال أبو جهل: هذا أمر قُضي بليلٍ وتُشوورَ فيه. وقام المُطْعِم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأَرَضة قد أكلت ما فيها من الظلم، ولم يبق إلا "باسمك اللهم" (١).

стр. 1298

فقال أبو طالب (١): [من الطويل] جزى الله رَهْطًا بالحَجون تَبايَعوا … على مَلأٍ يهدي لحَزْم ويرشِدُ أعان عليها كلُّ صقر كأنَّه … إِذا ما مشى في رَفْرفِ الدِّرعِ أخرَدُ قُعودًا لدى جنب الحَجون كأنَّهم … مَقاولةٌ بل هم أَعزُّ وأمجَدُ قال: وأسلم هشام بن عمرو يوم الفتح. والثاني: أن الله بعث الأَرَضَةَ فأكلت ما في الصحيفة من الجَوْر والظلم، وأبقت ما فيها من قوله: "باسمك اللهمَّ"، فأخبر رسول الله ﵁ أبا طالب، فقال: أحقًّا ما تقول يا ابن أخي؟ فقال: نعم، أخبرني بذلك ربي. فأخبر أبو طالب أخوته وقال: والله ما كذبني قط. قالوا: فما ترى؟ قال: أرى أن نخرج إلى قريش فنخبرهم بذلك قبل أن يصلهم الخبر. فخرجوا من الشعب، فدخلوا المسجد، فلما رأتهم قريش، أنكروا ذلك، فناداهم أبو طالب: إِنَّا قد جئناكم في أمر، فأجيبوا عنه، قالوا: وما هو؟ قال: أَخبرني ابن أخي، ولم يكذبني قط: أن الأَرَضَة قد أكلت ما فيها من الظلم والجور وقطيعة الرحم، ولم تتعرض لما كان من اسم الله تعالى، فإن كان ابن أخي صادقًا، فكفوا عنا، وإن كان كاذبًا، دفعناه إليكم. فقالوا قد أنصفت، وجاؤوا بالصحيفة فلما فتحوها، وجدوا الأمر كما قال رسول الله ﷺ ، فَسُقط في أيديهم، ونكَّسوا رؤوسهم. فقال لهم أبو طالب: هل تبَيَّن لكم ظلمكم وجَوْرُكم؟ فلم يجبه أحد، وانصرفوا. فلم يتعرض أحد بعدها لبني هاشم (٢). والثالث: أن المُطْعِم بن عدي شرب ليلة فانتشى، فقال: من مثلي؟ فقال له عدي بن قيس التميمي أو عتبة بن ربيعة: إن كنت كما تقول، فما بالُ بني عمك يموتون في الشِّعب جوعًا؟ فقام، فلبس سِلاحه، ولبس معه أبو البَخْتَري، وزهير بن أبي أمية، وهشام بن عمرو، ومَنْ سَمَّيْنا، وجاءوا إلى الشعب، وصاحوا بهم: اخرجوا على رغم

стр. 1299

قريش، فقال أبو طالب: إنا نخاف. فقال المطعم (١): لا خوف عليكم بعد اليوم. فخرجوا. وأقاموا في الشعب ثلاث سنين، وقيل: سنتين وأشهرًا. وفيها: خرج رسول الله ﷺ إلى الطائف يلتمس من ثقيف النُّصرة والمَنَعةَ له من قومه. قال جُبير بن مُطعم: لما توفي أبو طالب، تناولت قريش رسول الله ﷺ ، فخرج إلى الطائف في آخر شوال من هذه السنة، ومعه زيد بن حارثة (٢). قال البلاذري: خرج لثلاث بقين من شوال سنة عشر من النبوة، وعاد إلى مكة يوم الثلاثاء لثلاث وعشرين ليلة خلت من ذي القعدة (٣). وقيل: أقام عشرة أيام (٤). والأول أصح. قال الواقدي: لم يَدَعْ أحدًا من أشرافهم إلا كلَّمه، فلم يجبه أحد منهم، وخافوا على أَحداثهم منه، فقالوا له: اخرج عنا. وأغْرَوْا به سُفهاءهم، فرَمَوْهُ بالحجارة حتى أَدْمَوْه، وزيد بن حارثة ﵁ يقيه بنفسه، حتى لقد شج في رأسه شجاجًا كثيرة (٥). وقال كعب الأحبار (٦): اجتمع النبي ﷺ بالطائف بسادات ثقيف وهم ثلاثة أخوة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، أولاد عمرو بن عُمَير الثقفي، فدعاهم إلى الله تعالى، والقيام معه على إظهار الإسلام ومن خالفه من قومه، فقال له عبد يَاليل: هو يمرُطُ ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال مسعود: أما وجد الله من يرسله غيرك؟ وقال له حبيب: إن كنت رسولًا كما تزعم، فلأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك، وإن كنت

стр. 1300

كاذبًا على الله، فما ينبغي أن أكلمك. فقام رسول الله ﷺ وقد يئس من خير ثقيف، وأغْرَوا به عبيدَهم وصبيانَهم يسبُّونه ويصيحون عليه حتى اجتمع عليه الناس، وألجؤوه إلى حائط لعتبة وأخيه شيبة ابني ربيعة وهما فيه، فعمد إلى ظل حُبْلَةٍ، فجلس في ظلها وشيبة وعتبة ينظران إليه، ويريان ما يلقى من سفهاء ثقيف، فبكى رسول الله ﷺ وقال: "اللَّهم إِنِّي أَشْكُو إليكَ ضعفي وقِلَّة حِيلَتي وهوَاني على النَّاس، [يا أرحم الرَّاحِمين، أنتَ ربُّ المُستَضعفين، وأنت ربِّي، فإلى مَن تكِلُني، [إلى بَعيد يَتَجَهَّمني أم إلى عدوٍّ ملّكته أَمري] فإنْ لَم يَكُن منكَ عليَّ غضبٌ فلا أبالي [ولكن عافيتك هي أوسع لي]، أعوذ بنور وجهكَ الذي أشرقَت له السماواتُ، وأضاءت به الظلماتُ، وصلُح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أَنْ يَنْزلَ بي غَضَبُك، أو يَحِل عليّ سَخَطُك، [لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك] وهو ﷺ يبكي، فلما رأى ابنا ربيعة ذلك، تحركت له رَحِمُهما، فَدَعَوا غلامًا لهما يقال له: عَدَّاس، نصرانيًّا، فقالا: خذ قِطْفًا من العنب فضعه في طبق، واذهب به إلى ذلك القاعد، فضَعه بين يديه، ففعل ذلك عَدّاس، فمد رسول الله ﷺ يده وقال: "بسمِ الله". وسمعه عدَّاس، فنظر إليه وقالا: والله إن هذا كلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله ﷺ : "فمن أنت، وما دينُك؟ " قال: نصراني، من أهل نينوى. قال: "من قَريةِ العَبدِ الصَّالح يُونُس بنِ مَتَّى" قال: نعم وما يدريك ما يونس؟ فقال: "ذاك أخي، كان نبيًّا، وأنا نبيٌّ". فأكبَّ عدَّاسٌ يقبِّل يديه ورجليه، فقال عتبة لأخيه شيبة: أفسد عليك غلامك. فلما جاءهما، قالا له: ويحك، ما هذا؟ فقال: والله ما في الأرض رجل خير من هذا، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا الله أو نبي. فقالا: ويلك، لا يصرفك عن دينك، فدينك خير من دينه (١). قالت عائشة ﵂: قلت: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟

стр. 1301

فقال: "يوم عَرَضت نَفسِي على عبدِ يالِيل بنِ عبد كلَال عند العَقَبة، فلَم يُجبني إلى ما أردتُ، فانطَلَقتُ وأنا مَهْمومٌ على وَجْهي، فلَم أسْتَفِق إلَّا وأَنَا بقرنِ الثَّعالبِ، فرفعتُ رَأسِي وإذا بسَحَابةٍ قد أَظَلَّتني وفيها جبريلُ، فَنَادانِي: يا محمدُ، إنَّ الله قد سَمِع قولَ قَومِكَ لك، وما رَدُّوا علَيك، وقد بَعَثَ إليكَ مَلَك الجِبالِ لتَأمُره بما شِئْتَ فيهم. قال: فَسَلَّم عليَّ، وقال لي: إنْ شِئْتَ أطبقتُ عليهمُ الأَخْشَبَيين. فقلت: بَل أرجو أن يَخرجَ مِن أصلابِهم مَن يعبدُ الله وَحدَه، ولا يُشرِكُ به شَيئًا". أخرجاه في "الصحيحين" (١). ولما عاد رسول الله ﷺ من الطائف، أقام بنخلةَ أيَّامًا، فمر به نفر من الجن وهو يصلي الفجر، فوقفوا فاستمعوا لقراءته، ثم ولوا إلى قومهم منذرين، وأنزل الله سورة الجن (٢). وأول من تعوَّذ بالعرب من الجن قوم من اليمن، ثم بنو حنيفة، وفشا ذلك في العرب، كان إذا أمسى قوم في بريّة، يقولون: نَعوذ بسيِّد هذا الوادي من شرِّ سُفهاء قومه، فيبيتون في أمن وجِوار. [عن كَردَم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي] في حاجة وذلك في أول ما ذُكر رسول الله ﷺ بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فجاء ذئب فأخذ شاة أو حَمَلًا من الغنم، فوثب الراعي وقال: يا راعي الوادي، جارك، فنادى منادٍ لا نراه: يا سِرحان، أرسله. فأتى الحَمَلُ يشتد حتى دخل الغنم، ولم يُصِبْهُ شيء (٣). ذكر رجوع رسول لله ﷺ -: لما عزم رسول الله ﷺ على الدخول إلى مكة، قال له زيد بن حارثة ﵁: كيف تدخل على القوم بغير جوار، وقد أخرجوك، فأرسِل إلى من شئت فادخل في جواره. فمر به رجل من أهل مكة، فقال له رسول الله ﷺ : هل أنت مُبلِّغ عني رسالة؟ قال:

стр. 1302

نعم. قال: اِئت الأخنس بن شَريق، فقل له: يقول لك محمد بن عبد الله: هل أنت مُجيري حتى أُبَلِّغَ رسالاتِ ربي؟ فأتى الأَخْنس فأخبره، فقال له: قل له: إن الحليف لا يجير على الصريح. فأتى النبي ﷺ فأخبره. فقال له: اِئْت سهيل بن عمرو، فقل له كذلك، فأتاه فقال سُهيل: إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب، فقال: فائت المُطعم بن عدي، فأتاه، فقال: قل له قد أجرته، فليدخل. وأصبح المُطعم قد لبس سلاحه هو وبنوه وبنو أخيه وقومه، ودخلوا المسجد، فقال له أبو جهل: أمجير أم متابع؟ فقال: بل مجير. فقال: أجرنا من أجرت. ودخل رسول الله ﷺ المسجد، ومعه زيد بن حارثة ﵁، فطاف بالبيت، وصلى ركعتين، واستلم الركن، ونادى المطعم: يا معاشر قريش، قد أجرتُ محمدًا. ثم طاف حوله هو وقومه وأهله حتى دخل النبي ﷺ [وكان النبي ﷺ ] يرى ذلك للمطعم بن عدي وقومه، وأقام في جوار المطعم يبلغ رسالات ربه (١). * * * وفيها: تزوج رسول الله ﵁ بعائشة وسودة ﵄ بعد وفاة خديجة ﵄. قال أبو سلمة: لما هَلكت خديجة، جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مَظْعون ﵁ إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ألا تتزوج؟ فقال: "مَن"؟ قالت: إن شئت بكرًا، وإن شئت ثيبًا. قال: "فَمَنِ البِكْرُ"؟ قالت: بنت أبي بكر، أحب خلق الله إليك، وأما الثيب فَسَوْدة بنت زَمعَة آمنت بك، واتَّبعتك على ما تقول. قال: "فَاذهبي فَاذْكُريهما عَليَّ". قالت: فدخلت بيت أبي بكر، فقلت: يا أم رُومان، ماذا أدخل الله عليكم من البركة والخير؟ قالت: وما ذاك؟ قلت: أرسلني إليكم رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة. فقالت: انتظري أبا بكر حتى يأتي. فجاء أبو بكر فأخبرته، فقال: وهل تصلح له، إنما هي ابنة أخيه؟ قالت: فأخبرت رسول الله ﷺ ، فقال: "هو أخي في الإسلامِ، وابنته تحلُّ لي". قالت: فأخبرت أبا بكر، فقال: انتظريني، وخرج -وكان المطعم بن عدي قد ذكرها على ابنه، وما وعد أبو بكر أحدًا فأخلفه- فدخل على

стр. 1303

المطعم وعنده امرأته أم الفتى، فقالت له: يا ابن أبي قحافة، لعلك مُصبئٌ صاحبنا ومُدخِلُه في دينك الذي أنت عليه إن تزوج إليك. فقال أبو بكر ﵁ وأرضاه: أبقول هذه تقول؟ قال: إنها تقول ذاك. فخرج من عنده وقد أذهب الله من نفسه عِدَتَهُ التي وعده بها، وقال لخولة: ادع لي رسول الله ﷺ فدعته. فزوجها منه وعائشة ﵄ يومئذ بنت ست سنين. ثم خرجت خولةُ، فدخلت على سَوْدَةَ، فقالت لها: إن رسول الله ﷺ يخطبك، فقالت: ادخلي على أبي -وكان شيخًا كبيرًا- فاذكري له ذلك، فدخلت عليه فحيَّته بتحية الجاهلية، فقال: من هذه؟ قالوا: خولة بنت حكيم. قال: فما شأنُك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة. فقال: كفؤ كريم، فما قالت صاحبتُكِ؟ قالت: قد أجابت إلى ذلك. فقال: ادعيها إلي، فدعتها. فقال: يا بنية أتحبين ما قالت خولة؟ قالت: نعم قال: فاذهبي، فادعيه لي. قالت: فدعوت رسول الله ﷺ فجاء، فزوجه إياها. قالت خولة. وكان أخوها عبد الله بن زَمعَة حاجًّا، فقدم فحثا التراب على رأسه، فقال بعد أن أسلم: إني لسفيه أحثي التراب على رأسي أن تزوج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة (١). وفيها: قدم مكة سويد بن الصامت، وكانوا يسمونه: الكامل، لشرفه وحسبه وفضله. وهو القائل [من الطويل] أَلا رُبَّ من يُدعى صديقًا ولو ترى … مقالته بالغيب ساءك ما يفري يسرُّك باديه وتَحتَ أَديمه … نميمةُ غِشٍّ تبتري عَقِبَ الظهر تُبين لك العينان ما هو كاتمٌ … وتُبْديهِ بالبغضاءِ والنظر الشَّزرِ فَرِشْني بخير طالما قد بَرَيتني … فخير الموالي من يريش ولا يبري (٢)

стр. 1304

فتصدى له رسول الله ﷺ ، ودعاه إلى الله. قال سويد: لعل الذي معك مثلُ الذي معي. فقال له رسول الله ﷺ : وما الذي معك -وكان فصيحًا-؟ فقال: معي مجلَّةُ لقمان -يعني حكمته-، وعرضها على رسول الله ﷺ ، فقال: كلام حسن ولكن معي أفضل منه، قال: وما هو؟ قال: قرآن أنزله الله عليَّ، هُدى ونورٌ، وقرأ عليه منه، ودعاه إلى الله، فلم يبعد عنه، وقال: إن هذا لحسن. ثم انصرف إلى المدينة، فقتلته الخزرج في هذه السنة، وقيل: في يوم بُعاث (١). وفيها: قدم قيس بن مالك الهمداني مكة، فلقي رسول الله ﷺ ، فقال: إنما جئت لأؤمن بك ولأَنْصُرَك، فقال له رسول الله ﷺ : "مَرحَبًا بكَ، أَتَأخُذوني بما فِيَّ يا مَعاشِرَ همدان؟ " قال: نعم. قال: "فَاذْهب إلى قَوْمِك، فإنْ فَعَلُوا، فَارجِع إليَّ". فذهب قيس إلى قومه وأخبرهم الخبر، فأسلموا وقالوا: اذهب إلى رسول الله ﷺ وعرفه ذلك، فجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، قد أسلموا وأمروني أن آخذك. فقال رسول الله ﷺ : "نِعم وافدُ القومِ قَيسٌ، وَفَّيتَ وفَّى الله لك" ومسح على ناصيته وكتب له عهده على همدان (٢). فصل وفيها توفيت خديجة بنت خويلد ابن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب ﵄ زوج النبي ﷺ ، وكانت تُدعى في الجاهلية: الطاهرة، وسيدة نساء قريش، وتكنى: أم هند، وأمها: فاطمة بنت زائدة بن الأصم، وأم فاطمة: هالة بنت عبد مناف بن الحارث بن سعد، وأم هالة: العَرِقة وهي قلابة بنت سعيد بن تميم بن لؤي بن غالب، وأمها: عاتكة بنت عبد العزى بن قصي، وأم عاتكة: الخُطَيَّا وهي رَيطَةُ بنت كعب بن سعد بن تميم بن مُرَّة، وأمها: نائلة بنت حُذافة بن جُمَح. نبذة من فضائلها: كان رسول الله ﷺ يحترمها ويكرمها ويوادها، ويشاورها في أموره كلها، وكانت

стр. 1305

وزيرة صدوق (١)، صاحبة عزم. سئل الزهريّ: أنفقت خديجة على رسول الله ﷺ أربعين ألفًا؟ فقال: وأربعين ألفًا وكررها. وقال علي ﵇: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خَيرُ نِسائِها مَريَمُ بنتُ عِمرانَ، وخَيرُ نِسائِها خَدِيجَةُ بنتُ خُوَيلِد". متفق عليه (٢). أراد بالأول: نساء بني إسرائيل، وبالثاني: نساء هذه الأمة. وفي المتفق عليه: عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله ابن أبي أوفى: أكان رسول الله ﷺ بَشَّر خديجة ببيت في الجنة؟ قال: نعم، بَشَّرها ببيت في الجنة من قَصَب لا صَخَب فيه ولا نَصَب (٣). وفي المتفق عليه من حديث عائشة ﵄ قالت: ما غرتُ من أحدٍ من نِسَاءِ رسول الله ﷺ مثلَ ما غِرتُ من خَديجَةَ، وما رأيتُها قطُّ، وتَزَوجني بعد مَوْتِها بثلاثِ سِنينَ، ولقد كانَ رسول الله ﷺ يُكْثِرُ ذكرها، وربما ذَبَح الشَّاة فَقَطعَها أعضاءً، ثم يَبْعَثُ بها إلى صَدَائقِ خَدِيجَةَ، فربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: "إنَّها كانت وكانت وكان في منها وَلدٌ" (٤). وفي المتفق عليه: أن عائشة ﵂ قالت: قلت يومًا: خُدَيِّجة -بالتصغير- فَزَجَرني وقال: "إنِّي رُزِقْت حُبَّها" فَأَذْكَرتني الغَيرةُ، فقلت: وهل كانت إلا عجوزًا قد أَخْلفَ الله لك خيرًا منها، فغَضِبَ حتى اهْتَزَّ مقدَّمُ شَعرِه، وقال: "والله ما أَخْلف في خيرًا منها، لَقَد آمَنَتْ بي إِذْ كَفَر النَّاسُ، وصدَّقَتني إِذْ كَذَّبني الناسن، وآستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله أولادها إذ حرمني أولاد النساء". قالت: فقلت في نفسي: والله لا أذكرها أبدًا (٥).

стр. 1306

وفي المتفق عليه: عن عائشة ﵄ قالت: استأذَنَت على رسول الله ﷺ يومًا هالةُ أختُ خديجةَ، فارتاع لذلك، وقال: "اللهمَّ هالة بنت خُوَيلِد" قالت: فغرت وقلت: ما تذكر من عجوز حَمراءِ الشِّدقَين، هَلَكت في الدَّهر، فزجرني (١). وذكر بمعنى ما تقدم. ذكر وفاتها ﵂: اتفقوا على أنها توفيت في هذه السنة بعد وفاة أبي طالب. قال الواقدي: عاشت بعده ثلاثة أيام. وقال ابن إسحاق: شهرًا وخمسة أيام. وقال الهيثم: خمسة وخمسين يومًا، ولما توفيت كان لها خمس وستون سنة. وقال البخاري: ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين، ونزل رسول الله ﷺ في حفرتها، ولم تكن سُنَّت الجنازة يومئذ، ولا فرضت الصلوات الخمس، ودفنت بالحَجُون (٢). ذكر أولادها: وهما قسمان من غير رسول الله ﷺ ومن رسول الله ﷺ فأما من غير رسول الله ﷺ فمنهم: هند وهالة. وقال بعضهم: هما ذَكَران، وقال بعضهم: ذكر وأنثى، وهي: هند، وكانت تسمى ربيبة رسول الله ﷺ ، وكانت تقول: أنا أكرم الناس أبًا وأمًا وأختًا وأخًا، وأبي رسول الله ﷺ ، وأمي خديجة، وأختي فاطمة، وأخي القاسم. أما أولادها من رسول الله ﷺ : القاسم وبه كان يكنى، مات قبل النبوة، وحزن عليه رسول الله ﷺ ، ثم عبد الله، ولقبه الطاهر، ثم الطيب، وقيل: إنهما ولدا بعد

стр. 1307

النبوة، وقيل: المُطَيَّب والمُطهَّر. وكانت تعق عن الغلام بشاتين، وعن الجارية بشاة. والحاصل: أن في القاسم وعبد الله اتفاقًا، وفي الباقي خلاف (١). فأما الإناث: فزينب، ورُقيّة، وأم كُلثوم، وفاطمة عليهن السلام. وقد روت خديجة ﵂ الحديث عن النبي ﷺ . وفيها توفي أبو طالب قال ابن المسيب عن أبيه: لما احتضر أبو طالب، أتاه رسول الله ﷺ فوجد عند رأسه عبد الله بن أبي أمية، وأبا جهل بن هشام، فقال: "يا عَمِّ، قُل كلمةً أشهدُ لك بها عند الله غدًا، قل لا إله إلا اللهُ". فقال له عبد الله وأبو جهل: يا أبا طالب، أترغب عن ملَّة عبد المطلب. فلم يزل رسول الله ﷺ يردد عليه، وهما يرددان عليه، حتى كان آخر كلمة قالها: أنا على ملَّة عبد المطلب ومات. فقال رسول الله ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أُنْه عنك، فاستغفر له رسول الله ﷺ بعد موته وجعل المسلمون يستغفرون لموتاهم، حتى نزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢) [التوبة: ١١٣]. وقال الواقدي: دعا أبو طالب بني عبد مناف، وبني المطلب، وبني هاشم عند وفاته، وقال: لن تزالوا بخير ما سمعتم من ابن أخي محمد، فاتبعوه، وأعينوه ترشدوا. فقال له رسول الله ﷺ : "أَتَأمُرُهم بها، وتَدَعُها أَنتَ يَا عَمِّ"؛ فقال: يا ابن أخي، أما

стр. 1308

إنك لو سألتنيها وأنا صحيح لتابعتك على ما تقول، ولكن أكره أن يقال: جزع عند الموت، فترى قريش أني أخذتُها جَزَعًا، ورَددتُها في صحتي. وفيه نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (١) [القصص: ٥٦]. وقال الشيخ موفق الدين ﵁ في "الأنساب": قد كان أبو طالب يقر بنبوة رسول الله ﷺ ، وجاء ذلك في أشعار له منها قوله: [من الطويل] ألا أبْلِغا عنِّي على ذات بيننا … لؤيًّا وخُصَّا من لؤي بني كَعْبِ بأنَّا وَجَدنا في الكتاب محمدًا … نبيًّا كموسى خُطَّ في أول الكُتْب وأنَّ عليه في العِبَادِ محبَّةً … ولا خير ممن خصَّه الله بالحُبّ ومنها قوله أيضًا: [من الطويل] تعلَّم خيار الناس أن محمدًا … وزير لموسى والمسيح بن مريمِ أتى بالهُدى مِثلَ الذي أَتيا به … فكلٌّ بأمرِ الله يَهدي ويعصِمُ وأنَّكمُ تَتلُونَه في كتابكم … بصدقِ حديث لا حديث المُترجَمِ فلا تجعلوا لله ندًّا وأسلموا … فإن طريقَ الحق ليس بمُظْلِمِ ولكنه أبى أن يدين بذلك خشية العار (٢). وقال إسحاق بن عبد الله بن الحارث: قال العباس: يا رسول الله، عمك أبو طالب قد كان يكلؤك ويحوطك، فقال: "غَفَر اللهُ له وَرَحِمَه" فقال العباس: وإنك لترجو له، فقال: "إي والله، إني لَأرْجُو له كلَّ الخير من ربِّي" (٣). قال علي ﵇: لما توفي أبو طالب، أتيت النبي ﷺ ، فقلت: إن عمك قد مات، فقال: "اذْهَب فَوَارِه، ولا تُحْدِثْ حَدَثًا حتى تَأْتِيني". ففعلت، وأتيته فدعا لي بدعوات ما يسرني بها حُمْر النعم (٤).

стр. 1309

وقال ابن عباس: عارض رسول الله ﷺ جنازَة أبي طالب، فلما مرت به، بكى وقال: "وَصَلَتْكَ رَحِمٌ يا عمِّ، وجَزَاك اللهُ خيرًا" (١). وقال ابن إسحاق: رثاه علي ﵇ بأبيات منها (٢): [من الطويل] أَرِقْتُ لطيرٍ آخِرَ الليلِ غرَّدا … يذكِّرني شَجْوًا عظيمًا مجدَّدا أبا طالبٍ مَأوى الصَّعاليك ذا النَّدى … جوادٌ إذا ما أَصدر الناسُ أَوردا فأمسَتْ قُريش يفرحون بموته … ولستُ أَرى حَيًّا يكون مُخَلَّدا أرادوا أمورًا زيَّنتها حُلومُهم … ستُورِدُهم يومًا من الغَيّ مَورِدا يُرَجُّون تكذيبَ النبي وقتلَه … وأَن نفتَري قِدمًا عليه ونَجْحدا كَذَبتُم وبيتِ الله حتى نُذِيقَكم … صدورَ العَوالي والحسامَ المهنَّدا فإمَّا تُبيدونا وإما نُبيدُكم … وإمَّا تَروْا سِلْمَ العشيرةِ أرشدا وإلَّا فإن الحيَّ دون محمدٍ … وأسرتِه خيرِ البريّةِ مَحْتِدا قال الواقدي: أقام أبو طالب من سنة ثمان من مولد رسول الله ﷺ إلى السنة العاشرة من النبوة، ثلاثًا وأربعين سنة يحوطه، ويقوم بأمره، ويذبُّ عنه، ويلطف به، ويمنعه من الكفار (٣). وقال عروة: ما زالوا كافِّين عن رسول الله ﷺ حتى مات أبو طالب -يعني قريشًا- (٤). وقال الواقدي: أصاب أبا طالب يوم الفِجار سهم في قدمه، فكان يَخْمَعُ منه. ذكر أولاده: المشهور أنه كان له أربعة ذكور وأُنْثَيان. فالذكور: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي ﵁، وبين كل واحد وواحد عشر

стр. 1310

سنين، فطالب أسَنُّهم، ثم عقيل، ثم جعفر ﵁، ثم علي ﵇ وهو أصغرهم. فأما طالب: فكنيته أبو زيد، وكان أبو طالب يُكْنى به، وكان عالمًا بالأنساب (١) من قريش والعرب، عارفًا بأيام الجاهلية، أخرجه المشركون يوم بدر لقتال رسول الله ﷺ مكرهًا، فقال: [من الرجز] لا هم إمّا يَغْزُوَنَّ طالِبْ … في مِقْنَب من هذه المَقَانِبْ فليكن المغلوبَ غيرَ الغَالِب … ولْيَكن المَسْلُوبَ غيرَ السَّالِبْ فلما انهزم الكفار يوم بدر، طُلب طالبٌ فلم يوجد في القتلى، ولا في الأسرى، ولا رجع إلى مكة، ولا يُدرى ما أصابه، وليس له عقب (٢). وأما عقيل فأخرج أيضًا يوم بدر وأُسر، ولم يكن له مال، ففداه العباس، ثم رجع إلى مكة، فأقام بها إلى سنة ثمانٍ من الهجرة، ثم هاجر إلى المدينة، فشهد غزاةَ مؤتةَ مع أخيه جعفر ﵁، وأصاب في ذلك الوجه خاتمًا من ذهب عليه تماثيل، فنفَّله رسول الله ﷺ إياه (٣). وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "وهل تَرَكَ لنا عَقيل مِن مَنزِلٍ" (٤). وكان طالب وعقيل قد ورثا أبا طالب، ولم يرثْه جعفر وعلي ﵄ (٥). وتوفي عقيل سنة خمسين من الهجرة، وسنذكره. وأما جعفر وعلي ﵄ فسنذكرهما فيما بعد إن شاء الله تعالى. وأما البنات: فالمشهور ابنتان: أم هانئ وجُمانَة، واسم أم هانئ: هند، وقيل: ريطة. وفاختة، وقيل: جَعْدة، وهرب زوجها هُبيرة بن أبي وهب المخزومي يوم الفتح إلى نَجران، وكانت قد أجارته، وأجاره رسول الله ﷺ .

стр. 1311

قال وقد بلغه إسلام أم هانئ يوم الفتح (١): أشاقَتْكَ هندٌ أَم أَتَاكَ سُؤالُها … كَذاكَ النَّوَى أسبابُها وَانْتِقالُها وَقَد أَرَّقتْ في رَأسِ حِصنٍ ممنَّعٍ … بنَجْران يَسْرِي بعدَ نْومٍ خَيالُها فإن كُنتِ قد تابعتِ دين محمَّدٍ … وقَطَّعَتِ الأرحامُ منك حبالها فكُوني على أعلى سَحُوقٍ بهَضْبةٍ … مُلمْلَمَةٍ حمراءَ يَبْسٍ بِلالُها وأما جُمَانة فتزوجها أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فولدت له جعفرًا، وهاجرت إلى المدينة، وأطعمها رسول الله ﷺ بخيبر ثلاثين وَسْقًا من تمر (٢)، وتوفيت في حياة رسول الله ﷺ . وكل أولاد أبي طالب من فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف (٣). وذكر الواقدي: أنه كان لأبي طالب ابنة أخرى اسمها: ريطَة، ويقال لها: أم طالب (٤). وذكر الواقدي: وبلغنا أنه كان لأبي طالب ابن اسمه: طليق، واسم أمه وعْلة (٥). وقد روى أبو طالب عن رسول الله ﷺ حديثًا أخرجه الشيخ جمال الدين بن الجوزي في "جامع الأسانيد"، ورفعه إلى محمد بن الحنفية، عن عروة بن عمرو الثقفي قال: سمعت أبا طالب يقول: سمعت ابن أخي الأمين يقول: "اُشكُر ترزقْ، ولا تكفر فتعذَّبْ" (٦). * * *

стр. 1312

السنة الحادية عشرة من النبوة قال علماء السِّيَر: لما توفي أبو طالب وخديجة ﵄، اجتمع على رسول الله ﷺ مصيبتان، فلزم بيته وقَلَّلَ الخُروج، وطمعت قريش فيه ونالت منه، فرقَّ عليه أبو لهب فجاءه فقال: يا ابن أخي، لا بأس عليك، امض لما أُمِرت به، واصنع ما كنت تصنعُ وأبو طالبٍ حيٌّ، فواللّات والعُزَّى لن يوصل إليك وأنا في الحياة. ثم إن ابن الغَيْطَلةِ سبَّ رسولَ الله ﷺ ، فنال منه أبو لهب، فصاح: يا معاشر قريش، قد صبأ أبو لهب. فقال: ما صبأتُ، ولكن أمنَعُ ابن أخي من أن يُضامَ. وأقام على ذلك مدة، فجاءه عقبة وأبو جهل (١) وجماعة من أعداء رسول الله ﷺ ، فقالوا: سَلِ ابن أخيك أين مستقر أبيك، فسأله؟ فقال: مع قومه. فقالوا: إنه يقول: في النار. فشق ذلك على أبي لهب، ورجع إلى عداوته (٢). وخرج رسول الله ﷺ إلى القبائل يدعوهم إلى الله تعالى ومعه أبو بكر، وعلي ﵄. قال ابن إسحاق: أتى بني حنيفة في منازلهم، فعرض عليهم نفسه، ودعاهم إلى الله تعالى، فلم يرد عليه أحد من العرب أقبح من ردهم، وقال له رجل منهم: ما يؤوب بك قوم إلى دارهم إلا آبو بشرِّ مآبٍ. وقال له رجل من كَلْب: ما أحسن ما تدعو إليه إلا أنَّ قومك باعدوك، فلو صالحت قومك لاتبعتك العرب. قصة أبي بكر الصديق ﵁ مع الغلام الشيباني: قال علي ﵇: لما أمر الله رسوله ﷺ أن يعرضَ نفسَه على القبائل، خرجتُ أنا وأبو بكر معه، فَدُفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر وكان مقدَّمًا في كل خير، فسلَّم عليهم، وكان رجلًا نسَّابةً فقال: من القوم؟ قالوا: من ربيعة. قال: وأي ربيعة؟ قالوا: من ذُهل الأكبر. قال أبو بكر: من هامتها أو من لهازِمها؟ قالوا: من

стр. 1313

هامتها العظمى، قال: أفيكم عوف الذي يقال له: عليك بوادي عوف؟ قالوا: لا. قال: أفيكم بسطامُ بنُ قيس مُنْتَهى الأَحياء، ومعدن السخاء؟ قالوا: لا. قال: أفيكُم جَسَّاس بن مرة حامي الذِّمار، ومانع الجار؟ قالوا: لا (١). قال: أفيكم أخوال الملوك من كِندة؟ قالوا: لا. قال: فأصهار الملوك من لَخْم؟ قالوا: لا. قال: فلستم من ذُهْلٍ الأكبر، أنتم من ذُهْلٍ الأصغر. قال: فقام إليه غلام من بني شيبان، يقال له: ذُهَلٍ. ودَغْفَل بن حنظلة بن زيد من بني بكر بن وائل شيباني، اختلفوا في صحبته، وروى عنه الحسن البصري، ومحمد بن سيرين. واستقدمه معاويةُ فأمره أن يعلِّم ابنه يزيد. قال الحسن البصري: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن خمس وستين سنة، ولم يسمع من النبي ﷺ شيئًا، وقد أدركه. قال الأصمعي: دخل دَغْفَل على معاوية فقال له: أيُّ بيت قالت العرب أفخر؟ قال: قول الشاعر (٢): [من الطويل] لَهم هِمَمٌ لا مُنْتَهى لِكِبارِهَا … وهمَّتُه الصُّغْرَى أَجلُّ من الدَّهرِ له راحةٌ لو أنَّ مِعْشَار جُودِها … على البَرِّ كان البَرُّ أَنْدَى مَن البَحرِ فقال له: أحسنت. وعاش دغفل حتى قتل يوم دولاب من فارس في قتال الخوارج. فقال دغفل: [من الرجز] نأتي على سائلنا فنسأَلُه والعبءُ لا نعرفه أو نحمِلُه يا هذا، إنك قد سألتنا فأخبرناك، ونحن نسائلك فأخبرنا: ممن أنت؟ فقال أبو بكر: من قريش. قال: بَخٍ بَخٍ، أهل الشرف والرياسة. فمن أي قريش؟ قال: من ولد تيم بن مرة. فقال الفتى: أمكنت الرامي من الهدف، أمنكم قصي الذي جمع الله به القبائل من فهر؟ قال: لا. قال: أمنكم عمرو العلى الذي هشم الثريد لقومه؟ قال: لا. قال: أمنكم شيبةُ الحمْد الذي أسقى الله به البلاد، وأحيا به العباد؟ قال: لا. قال: فمن

стр. 1314

أهل الدار والندوة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجابة، أو الرفادة، أو السقاية، أو الإفاضة؟ قال: لا. قال: فأنت إذًا من زمعات قريش؟ قال: فجذب أبو بكر زمام ناقته وعاد إلى رسول الله ﷺ مغضبًا. فأنشد الغلام: [من الرجز] صَادَف دَرُّ السَّيل سَيلًا يَدْفَعُه يَهِيضُه حينًا وحينًا يَصْدَعُه قال: فتبسم رسول الله ﷺ ، قال علي ﵁: فقلت: يا أبا بكر، لقد وقعت على باقعة (١)؟ قال: أجل يا أبا الحسن، ما من طامة إلا وفوقها طامة، والبلاء موكَّلٌ بالمنطق. قال علي ﵁: فدُفِعْنا إلى مجلس عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم عليهم فردوا، فقال: من القوم؟ قالوا: من شَيبان بن ثَعلبة. فقال: يا رسول الله، هؤلاء غُرَرُ الناسِ ليس وراءهم من فوقهم شيء، منهم: مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، ثم قال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنّا لنزيد على ألف، ولن يُغلبَ ألفٌ عن قِلَّةٍ. قال: فكيف المَنَعة فيكم؟ قال: علينا الجُهْد، ولكل يوم حد. قال: فكيف الحرب فيكم؟ قال: إنا لأشد ما نكون غضبًا حين نلقى، وأشد ما نكون لقاءً حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللِّقاح، والنصر من الله، يديلنا مرة ويديل علينا أخرى، ثم أشاروا إلى رسول الله ﷺ وقالوا: لعله أخو قريش؟ فقال: نعم. قال: فإلام يدعو؟ قال: فتقدم رسول الله ﷺ ، وأبو بكر قائم يُظِلُّه بثَوْبه، فقال رسول الله ﷺ : "أدعوكم إلى شَهادةِ أن لا إله إلا الله وأني رسُولُ الله، وأن تنصُروني وتأوُوني، فإنَّ قُريشًا قَد ظاهرَت على أمرِ الله، وكَذَّبت رسولَه" ثم قرأ: ﴿قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالْوَالِدَينِ﴾ [الأنعام: ١٥١] الآية. قال مفروق: والله ما سمعت أجمل من هذا الكلام. فقرأ رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] الآية. فقال مَفْروق: ليس هذا من كلام أهل الأرض، ولكن دَعَوْتَ إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن

стр. 1315

الأعمال، ولقد أَفِكَ قوم كذبوك وظاهروا عليك، وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب رأينا (١)، فقال هانئ: سوف ننظر في هذا الأمر. وقال المثنى بن حارثة، صاحب حزمهم (٢): قد سمعنا ما قلت يا أخا قريش، ولكن نحن نُزولُ حَدِّ اليمامة -أي مستنقع الماء-، فما كان منها مما يلي كسرى، فذنب صاحبها غير مغفور، وعذره غير مقبول، وقد أخذ كسرى علينا العهود أن لا نأوي مُحْدِثًا، ولا نُخدِث حدثًا، والذي تدعو إليه تكرهه الملوك، فإن شئت آويناك ونصرناك على من يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله ﷺ : "إما أسأتم الردَّ إذًا، إنَّ دِينَ الله لن يَنْصُره إلَّا مَن أحاطَه مِن جميعِ جَوَانِبِه، أرأيتم إن لَم تَلْبَثوا إلا قليلًا حتى يُورِثَكُمُ الله أرْضَهم ودِيارَهُم وأَمْوالهم ويُفرِشَكُم نِساءَهُم، أَفَتُسبحون الله وتُقدِّسُونَه". فقال النعمان بن شريك: اللهمَّ لك ذاك. ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦]. قال: فما برحنا حتى بايعوا رسول الله ﷺ . * * *

стр. 1316

السنة الثانية عشرة من النبوة وفيها كان المعراج وقد اختلفت الروايات في أحاديث المعراج بما ورد في "المسند" (١) و"الصحيحين" (٢)، وغير ذلك. وقد ذكر الثعلبي ذلك (٣) وأطال فيه، وذكر سِدرَة المنتهى، وأنه غشيها نور من نور الله، وغشيتها ملائكة كأنهم جَراد من ذَهب، فتحوَّلت حتى ما يستطيع أحد أن ينعتها، وأن جبريل انتهى به إلى حجاب من فراش الذهب، وأن ملكًا أخرج يده من الحجاب فاحتمله، وتخلَّف جبريل، فقال له: "إلى أَين"؟ فقال: هذا منتهى الخلائق، وإنما أُذِنَ لي في الدنو من الحجاب إجلالًا لك. ثم دُلِّي له رَفْرَف أخضر يغلب ضَوْؤُه ضَوْءَ الشمس، وأنه وُضِعَ عليه، وحُمِلَ إلى العرش، قال رسول الله ﷺ : "لما رأيت العرش، اتضع عندي كل شيء، فقربني الله وأدناني إلى سند العرش، ووقعت على لساني قطرة من العرش فما ذاق الذائقون أحلى منها، فأنبأني الله نبأ الأولين والآخرين، وأطلق الله لساني بعد ما كَلَّ من هيبة الرحمن، فقلت: التحيات لله والصلوات الطيبات، فقال الله: سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فقلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال الله: يا محمد، هل تعلم فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: أنت أعلم يا رب بذلك، وبكل شيء، وأنت علام الغيوب، فقال: اختلفوا في الدرجات والحسنات، فالدرجات: إسباغ الوضوء في السَّبرات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وأما الحسنات: فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والتهجد بالليل والناس نيام.

стр. 1317

ثم ألهمني أن قلت: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآية، لا نفرق بين أحد من رسله كما فرقت اليهود والنصارى. قال: فماذا قالوا؟ قلت: قالوا: سمعنا وعصينا، والمؤمنون قالوا: سمعنا وأطعنا. قال: صدقت، فسل تعطه؟ فقلت: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال: رفعت عنك وعن أمتك الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. قلت: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ يعني اليهود. قال: لك ذلك ولأمتك. قلت: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: فعلت. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ قال: قد فعلت. ثم فرض علي خمسين صلاة كل يوم، فلما عهد إليَّ بعهده؛ تركني عنده ما شاء، ثم قال: ارجع إلى قومك، فبلغهم عني، فحملني على الرفرف الأخضر إلى أن انتهيت إلى سدرة المنتهى، وجبريل ﵇ عندها، فقال لي: يا محمد، أنت خير خلق الله، حباك الله بما لم يَحْبُ به أحدًا من خلقه، وبَلَغْتَ مكانًا ما وصل إليه سواك من أهل السماوات وأهل الأرض. وفيه: أنه انطلق به إلى الجنة، فأراه إياها، ووصف من قصورها وحورها وولدانها وما فيها، وأراه شجرة طوبى ووصفها، ثم أراه السلاسل والنار وما فيها، ثم إنه على موسى ﵇، وردده في الصلوات، وأنه عاد إلى الله تعالى، وسأله حتى أبقى خمسًا. وذكر أنه عاد إلى مكة (١). وقال ابن عباس: وفقَدَت قريش رسول الله ﷺ في تلك الليلة، وتفرق بنو عبد مناف في طلبه، وخرج العباس ﵁ حتى بلغ ذا طُوى، وجعل يصرخ: يا محمد، يا محمد. فأجابه رسول الله ﷺ : "لبيك لبيك". فقال: يا ابن أخي، عَنَيتَ قومك منذ الليلة، فأين كنت؟ قال: "كنت بالبيت المقدس". قال: من ليلتك هذه؟ قال: "نعم". قال: فما أصابك إِلّا خَيرٌ؟ قال: "نعم". وقال ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : لما كانت ليلة أسري بي وأصبحت بمكة، عَرَفْتُ أن الناس لا يصدقوني، فضقت بأمري ذرعًا، وقعدت معتزلًا حزينًا

стр. 1318

مهمومًا، فمرّ بي أبو جهل فجلس إليّ كالمستهزئ بي، فقال: هل كان شيء؟ قلت: نعم، أسري بي إلى بيت المقدس. قال: ثم أصبحت بين أظهرنا؟ قلت: نعم، قال ابن عباس: فلم ير أبو جهل أن يكذبه مخافة أن يجحده الحديث، قال: أرأيت لو دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني به، قال: نعم، فصاح أبو جهل: يا معشر قريش هلموا، فانفضت إليه المجالس، فجاؤوا فجلسوا إليهما، فقال له: حدِّث قومك بما حدثتني به، فقال: "نعم، أسري بي الليلة من ها هنا إلى البيت المقدس" قالوا: وأصبحت بين أظهرنا، قال: "نعم" قال: فَهُمْ بين مصفق، وواضع يده على رأسه متعجبًا، ثم قالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد الأقصى؟ قال: نعم، فجيء بالمسجد فوضع دون دار عقيل، فنعتُّه لهم، وفيهم من قد سافَر إليه، فقالوا: أما النعت فقد أصاب والله في وصفه (١). قالوا: فأخبرنا عن عِيرنا، هل لقيت منها شيء؟ قال: نعم، مررت على عير بني فلان بالرَّوْحاءِ، وقد أضلوا بعيرًا لهم، وهم في طلبه، وفي رحالهم قدح وفيه ماء فعطشت، فشربت منه، فسلوهم هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا؟ وذكر لهم أشياء تحقَّقَ عندهم صدقُه فيها. فقالوا: هذا سحر مبين (٢). وقالت عائشة ﵂: لما أصبح الناس يتحدثون بحديث الإسراء إلى بيت المقدس، سعى رجال من الكفار إلى أبي بكر ﵁ فقالوا: هل لك في صاحبك يزعم أنه قد أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أوقد قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: صدق. قالوا: أَتُصدِّقُه أنه مضى إلى الشام في ليلة ثم عاد قبل أن نصبح؟ قال: نعم، إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء غدوه ورواحه. قالت: فلذلك سمي الصديق (٣).

стр. 1319

وحكى هشام بن محمد، عن أبيه قال: لما رجع رسول الله ﷺ ليلة أُسري به، فلما كان بذي طُوى، قال: يا جبريل، إن قومي لا يصدقوني. قال: يصدقك أبو بكر، وهو الصديق ﵁ (١). فصول تتعلق بالمعراج منها: أن مذهب عامة الصحابة، والتابعين، والخلفاء الراشدين، والأئمة المهتدين: أن الله عرج بنبيه ﷺ جَسدِه وروحِه. وحكي عن معاوية بن أبي سفيان: أنه إنما عرج بروحِه دون جسده (٢). وقال الواقدي: كان الإسراء بجسده إلى بيت المقدس، وإلى السماء بروحه. وذكر السهيلي (٣) في "شرح السيرة": واحتج ابن إسحاق لمعاوية بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، وفي حديث أنس (٤) وأم هانئ: "فاستيقظتُ وأنا في المسجد الحرام" (٥). وقالت عائشة ﵄: أسري بروح رسول الله ﷺ وهو نائم على فراشه، وما فقدت جسد رسول الله ﷺ (٦). وجه ما روي أنه عرج بروحه إلى البيت المقدس، وروحه إلى السماء قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] جعلَ الإسراء إلى القدسِ غايةً لمعراجه ومن هناك عرج بروحه. ووجه قول الأولين قولُه تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا﴾ الآية، ذكر الجُملةَ، ولو كان منامًا لقال بروحه، لأنه لو كان منامًا لم تكن معجزة، ولا أنكرته

стр. 1320

قريش. وقد دلت عليه الأحاديث الصحاح، وإجماع العلماء مثل: الخلفاء الأربعة، وابن عباس، وجابر، وأنس، وأبي هريرة، وحذيفة، وابن مسعود، ومالك بن صعصعة، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، وعائشة، وأم هانئ، في آخرين. ومن التابعين خلق يطول ذكرهم لم يُذكر مخالف إلا ما روي عن معاوية. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، فقد روى عكرمة، وأبو صالح، والوالِبي، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ رأى في منامه بني أمية ينزون على منبره نَزْوَ القِرَدة، فساءه ذلك، فأنزل الله هذه الآية. فلا تعلق لها بالمعراج (١). وأما قول عائشة ﵄: ما فقدت جَسَدَ رسول الله ﷺ . فأين كانت عائشة في زمن المعراج، فإنها كانت بنت ست سنين بإجماع العلماء، وأن رسول الله ﷺ لم يدخل بها إلا في المدينة بعد ثلاث سنين من المعراج، فلا تثبت الرواية. وقوله: جعل الإسراء إلى بيت المقدس غاية، فلا ينبغي أن يكون إلى غيره، وقد ثبت بالنصوص الصحاح: أن ذلك كان يقظة لا منامًا. وذكر القاضي عياض في كتاب "الشفا" (٢): أن مذاهب المسلمين والمذهب الحق: أن الله عرج بنبينا بجسده ﷺ وبروحه جملة. فإن قيل: فلِمَ قال: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا﴾ ولم يقل: نهارًا. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الليل أستر للأحوال لئلا يصير فتنة كما صار عيسى ﵇.

стр. 1321

وقال أبو يزيد البسطامي: الليل ميدان المحبين، يجري فيه من الانبساط ما لا يجري بالنهار. وقال بعض أهل المعاني: لما كان الذهاب من مكة إلى البيت المقدس في ليلة والرجوع منه إلى مكة، مما تأباه عقول قوم سبح الله نفسه عند ذلك، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا﴾، وكذا لما كان مجيء الليل وإقبال النهار خرقًا للعادة، سبح الحق نفسه، فقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ [الروم: ١٧] في نظائر كثيرة، فالحق سبحانه ما سبح نفسه إلا عند كل عظيم. فإن قيل: فما الحكمة في إسرائه من مكة إلى القدس ولم يسر به من مكة إلى السماء؟ فالجواب من وجوه: أحدها: إنما أسري به إلى القدس ليستأنس، فيتدرج به إلى صعود السماء. والثاني: لأن الأنبياء ﵈ جُمِعوا له هناك، فصلى بهم، وفي ضمن ذلك نسخ شرعهم بشرعه. والثالث: لأنه على الأماكن التي كلم الله عليها موسى وشاهدها، ثم عرج به إلى السَّماوات، وزيد على ذلك النظر ليظهر له التفاوت (١). ومنها (٢): أن محمدًا ﷺ رأى ربه بعيني رأسه، وهو قول من سمَّيْنا من العلماء في الليلة الماضية. وروي عن عائشة ﵄، أنها أنكرت ذلك، وقالت: إنما رآه بعيني قلبه. قال مسروق: سألتُ عائشة: هل رأى محمدٌ ﷺ ربه بعيني رأسه؟ فقالت: لقد قفَّ شعري مما قلت، من حدَّثك بهذا فقد كذب، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] الآية. ولما قال مسروق لعائشة ﵄: هل رأى ربه رسول الله ﷺ قط، وقرأ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾ [النجم: ١]؟ قالت عائشة ﵄: إلى أين تَذْهب؟ بل إنما رأى جبريل في صورته (٣).

стр. 1322

والصحيح: قول عامة الصحابة. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "رأَيتُ ربي ﵎" (١). ولو رآه بعيني قلبه، لم يكن له مزية على آحاد أمته، فإن عامة المؤمنين يرون الله تعالى بقلوبهم دائمًا. وحكى النَّقَّاش، عن الإمام أحمد بن حنبل ﷺ أنه قال: أنا أقول: رأى ربه بعيني رأسه، رآه، رآه، رآه، … حتى انقطع نفس الإمام أحمد بن حنبل ﵁ (٢). وحكى القاضي عياض، عن أبي الحسن الأشعري أنه قال: رآه ببصره وعيني رأسه، قال: وكل آية أوتيها نبي من الأنبياء فقد أوتيها نبينا ﷺ ، وخُصَّ نبينا ﷺ من بينهم بتفضيل الرؤية (٣). وما روي عن عائشة ﵄، فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه رأي منها، لا رواية عن رسول الله ﷺ ، ولمَّا قيل للإمام أحمد بن حنبل ﵁: بماذا ترد قول عائشة؟ فقال: يقول النبي ﷺ : "رأَيتُ رَبِّي". والثاني: أنها لم تكن عند رسول الله ﷺ في زمن المعراج. والثالث: أنها نفت، والعمل على الإثبات، وقد أثبتَ الروايةَ أعيانُ الصحابة، وقولهم مقدَّمٌ على رأيها، خصوصًا وقد رفعوه إلى النبي ﷺ . وقد قال القاضي عياض: رؤية الله في الدنيا جائزة عقلًا، وليس في العقل ما يحيلُها، ولهذا سألها موسى ﵇، ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على الله تعالى (٤). قال المصنف ﵀: فالنبي ﷺ ما رأى ربه في دار الدنيا، وإنما راه في الدار الآخرة، لأن ﴿قَابَ قَوْسَينِ﴾ [النجم: ٩] ليس من حساب الدنيا، وخصوصًا وقد خرق

стр. 1323

سبعين حجابًا من النور بعد أن جاوز سدرة المنتهى، فثبتت الرؤية. وسئل أبو العباس بن عطاء، قال: كيف أصف لكم مقامًا انقطع عنه جبريل، والملائكة المقربون، ولم يبق إلا محمد وربه تعالى؟ وفي تلك الليلة ارتفعت الوسائط، ألا ترى إلى قوله لجبريل ﵇ لمّا زجَّه في النور: يا جبريل، ها هنا يفارق الخليل خليله؟ فقال: لو دنوت أنملة لاحترقت. * * * واختلفوا في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨] على أقوال: أحدها: ما شاهد عند قاب قوسين. والثاني: الرفرف الأخضر الذي سد الأفق. والثالث: جبريل ﵇ في صورته التي خلقه الله عليها (١). والرابع: الجنة والنار، وما رأى من الملائكة ﵇. قال ابن عباس ﵄ لما نزل قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾، جاء عتيبة بن أبي لهب، فوقف على النبي ﷺ وقال: يا محمد، هو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، ثم تَفَل عليه وسبَّه. وكان النبي ﷺ قد زوجه إحدى بناته، فطلَّقها عتيبة في ذلك اليوم، ولم يكن دخل بها. فدعا عليه النبي ﷺ وقال: "اللَّهمَّ سَلِّط عليه كلبًا من كِلابِكَ". وبلغ أبا لهب، فقال: ما كان أغنى عتيبة عن دعوة محمد ﵁. ثم إن أبا لهب خرج إلى الشام في تجارة ومعه عتيبة، فنزل الزرقاء، فاطلَعَ راهب من صومعته وقال: يا قوم، احفظوا رحالكم، فهذه أرض مَسْبَعَة، فقال أبو لهب لأصحابه: أعينونا الليلة، فإني أخاف على ابني دعوة محمد، فجمعوا حمالهم، وفرشوا لعتيبة في أعلاها، ونام القوم حوله، وجاء الأسد فجعل يتشمم القوم حتى وصل إلى عتيبة وشمه، ثم ضرب بيده، فأخذ يَافوخه، وانتبه القوم وقد أكله، فعاد أبو

стр. 1324

لهب إلى مكة حزينًا، وهو يقول: استجيب لمحمد في ابني. وكان كُنيةُ عُتيبةَ: أبا واسع، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت (١): [من السريع] سائل بني الأَشعرِ إن جئتَهم … ما كان أَنباءُ أَبي واسعِ لا وسَّع الله له قبره … وضيَّق الله على القاطعِ رمى رسولَ الله من بينهم … دون قريش رميةَ القاذع فاستوجب الدعوة منه بما … بَيَّن للناظر والسامع أن قيَّض الله له كلبه … يمشي الهوينا مشية الخادع حتى أتاه ويسْط أصحابه … وقد عَلَتْهم سِنَةُ الهاجِعِ فالتقم الرأسَ بيافوخه … يفعل فِعلَ القَرِمِ الجائعِ ثم علا بعد بأنيابه … معفَّرًا وسْط دمٍ ناقعِ قد كان هذا لكم عبرةً … للسيّد المتبوع والتابع من يرجع الآن إلى أهله … فلستَ يا عتبةُ بالراجعِ قال البلاذُري: وجعل عتيبة يقول وهو بآخر رمق: ألم أقل لكم إن محمدًا أصدق الناس، ومات (٢). واختلف الناس في المدة التي كانت بين المعراج والهجرة على أقوال: أحدها: سنة. والثاني: ستة أشهر. والثالث: ثمانية أشهر. والرابع: سنة ونصف. وعلى ذلك يُبنى خلافهم في أي شهر كان، والله أعلم. * * *

стр. 1325

وفي هذه السنة لقي رسول الله ﷺ جماعةً من الأوس والخزرج، فآمنوا به. قال الواقدي: قدم جماعة منهما إلى الحج، فانتهى رسول الله ﷺ إلى فريق منهم، فقرأ عليهم القرآن، فدعاهم إلى الله، فآمنوا. قال ابن إسحاق: قدم أبو الحَيْسر بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحِلف من قريش على قومهم من الخزرج، لِما كان بينهم من الحرب، فسمع بهم رسول الله ﷺ فأتاهم، وقال لهم: "هل لَكُم إلى خَيبر مما جِئتُم له"؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: "تَعبدونَ الله وتُوحِّدونَه" وقرأ عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ وكان حدثًا عاقلًا: أي قوم، والله إن هذا لخير مما جئتم له. فأخذ أبو الحَيْسَر حفنة من البطحاء، فضرب بها وجه إياس وقال: دعنا من هذا، فلعمري لقد جئنا إلى غيره. فصمت إياس، فقال أبو الحيسر: جئنا نطلب حلف قريش على أعدائنا، فنرجعُ وقريشٌ أعداؤنا، وقام عنهم رسول الله ﷺ ، ورجعوا إلى المدينة. وكانت وقعة بُعاث بين الأوس والخزرج. كذا وقعت هذه الرواية: أن وقعة بُعاث كانت في هذه السنة، وقد تقدم أنها كانت قبلها، والله أعلم. فيقال: إن إياس بن معاذ أول من أسلم، ومات يوم بعاث مسلمًا لما سمع رسول الله ﷺ ، فكان عند موته يكبِّر ويهلل (١). واختلفوا في أول الأنصار إسلامًا، على أقوال: أحدها: إياس بن معاذ، قاله ابن إسحاق. والثاني: أسعد بن زُرارة، وذَكْوان بن عبد قيس، قدما مكة يتنافران إلى عتبة بن ربيعة، فلما اجتمعا به -وكان رسول الله ﷺ قائمًا يصلي في المسجد-، فأشار إليه عتبة، وقال: لقد شغلنا هذا المصلي عن كل شيء، يزعم أنه رسول الله، وكان أسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن التَّيِّهان يتكلمان في التوحيد بيثرب، ويسمعان من أحبار اليهود

стр. 1326

أنه قد بعث نبي يدعو إلى الله تعالى، فقال ذكوان لأسعد لما سمع قول عتبة: دونك، هذا دينُك، فقاما إلى النبي ﷺ فقرأ عليهما القرآن، فأسلما وعادا إلى المدينة، فلقي أسعدُ أبا الهيثم بن التيهان فأخبره بإسلامه، فقال: وأنا أشهد أنه رسول الله، وأسلم. قاله الواقدي (١). والثالث: رافع بن مالك الزُّرَقي، ومعاذ بن عفراء، خرجا إلى مكة مُعْتَمِرَيْنِ، فَذُكِرَ لهما رسول الله ﷺ فأتياه، فقرأ عليهما القرآن فأسلما، ثم عادا إلى المدينة. فأول مسجد قرئ فيه القرآن بالمدينة مسجد بني زُرَيق. قاله ابن الكلبي (٢). ذكر نسب الأنصار: قال الزبير بن بكار: الأنصار من اليمن وهم الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن عبيد الله بن الأَسْد (٣) بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يعرب بن قحطان (٤). والأوس والخزرج ابنا قَيلة، وهي أمهما نسبا إليها، وهما ابنا حارثة -وهو العنقاء- ابن عمرو -وهو مُزَيقياء- ابن عامر -وهو ماء السماء- ابن حارثة -وهو الغِطْريف- ابن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأَزْد -واسمه: دَرّا (٥) - ابن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كَهْلان [بن سبأ] (٦) -واسمه: عامر وسمي: سبأ، لأنه أول من سَبى السبيَ، وكان يدعى عبد شمس من حسنه- ابن (٧) يَشْجُب بن يعْرُب-وهو المُرْعَف (٨) - ابن يَقْطُن، وهو قَحْطان وإلى قَحْطان جماع اليمن، فمن نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵇ قال: قحطان بن الهمَيْسَع بن تيمن بن نَبْت بن إسماعيل ﵇. قال ابن سعد:

стр. 1327

هكذا كان ينسبه هشام بن محمد الكلبي، عن أبيه. قال: وعليه عامة الأنساب أنَّ قَحْطان من ولد إسماعيل ﵇، ومن نسبه إلى غيره يقول: قحطان بن فَالَغ بن عابِر بن [شالخَ بن] (١) أَرْفَخْشذ بن سام بن نوح ﵇. قال ابن سعد: وأم الأوس والخزرج قَيْلَة بنت كاهل بن عُذْرة بن سعد بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. وكان حَضَن سعدًا عبدٌ حبشي، يسمى: هُذيمًا فغلب عليه، فيقال: سعد بن هُذيم. ذكر أولاد الأوس بن حارثة: مالك بن أوس، ومنه تفرقت القبائلُ كلُّها وبطونها، فولد مالك: عَمْرًا وهو النَّبِيت، ومنه بنو عبد الأشهل، وبنو ظَفَر -واسم ظَفَر: كعب- وبنو حارثة بن الحارث. فهذه النَّبيت من الأوس (٢). وقال الجوهري: والنبيت حي من اليمن (٣)، ومنهم عمرو بن عوف، وجَحْجَبى وقبائل شتى (٤). ذكر أولاد الخزرج بن حارثة: وهم خمسة نفر: جُشَم وعوف وهما الخرطومان، والحارث وعمرو، وكعب، بنو الخزرج. فأما جُشَم، فكان منيعًا وبه يضرب المثل: إن سَرك العِزُّ فجخجخ بجُشم (٥) أي: لُذبه. ومن جشم: بنو تَزيد منهم سَلِمَةُ وبطونُها.

стр. 1328

ومن جُشم أيضًا: بنو بَياضة. وأما عوف بن الخزرج، فمنهم: بنو الحُبلى. رهط عبد الله بن أُبَي بن سَلول. ومنهم القَواقل، وكان يقال للرجل إذا استجار بيثرب: قَوْقِل وقد أَمِنْتَ (١)، واسم القَوقل: غَنْم بن عوف بن عمرو بن الخزرج، وقيل: عمرو بن عوف، ومنهم: بنو سالم. وأما عمرو بن الخزرج، فمنهم: بنو النجار، واسم النجار: تيم اللَّات بن ثعلبة، وإنما سمي النجار، لأنه نجر رجلًا بقَدُوم فقتله. وأما كعب بن الخزرج، فهم بطون بني ساعدة رهط سعد بن عبادة. فهذا أصل نسب الأوس والخزرج (٢). ذكر العقبة الأولى: لما أراد الله إظهارَ دينه وإعزازَ نبيِّه وإنجازَ موعده، لقي رسولَ الله ﷺ بالموسم جماعةٌ من الأنصار. واختلفوا فيهم على قولين: أحدهما: أنهم كانوا اثني عشر رجلًا، عشرة من الخزرج، واثنان من الأوس. فمن الخزرج: أسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وذكوان بن عبد قيس، وعُبادة بن الصامت، وعَبّاس بن عُبادة، وعقبة بن عامر، وقُطبَةُ بن عامر، وعوف ومعاذ (٣) ابنا عَفْراء وهي أمهما، -وأبوهما: مالك بن رفاعة، وقيل: الحارث بن رفاعة- ويزيد بن ثعلبة. فهؤلاء العشرة من الخزرج.

стр. 1329

وأما من الأوس: فعُويم بن ساعدة، وأبو الهيثم بن التيهان (١)، قاله الواقدي. والثاني: أنهم كانوا ستة، ذكره ابن إسحاق، وقال: لما أراد الله إظهار الإسلام، خرج رسول الله ﷺ إلى الموسم، فصادف جماعة من الأنصار، فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى الإسلام، فقال بعضهم لبعض: ويحكم، هذا والله النبي المبعوث الذي وعدكم به اليهود، فلا يسبقْكم إليه أحد، فأجابوه. وكانوا ستة: أسعد بن زُرارة، وعوف بن مالك، وهو ابن عفراء، ورافع بن مالك بن العجلان، وقُطبة بن عامر بن حَديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رِئاب (٢). وقال الواقدي: الثابت عندنا، أنه لم يسلم أحد قبل هؤلاء، وواعدوه على أن يأتوا العام القابل، وبايعوه على الإيمان بالله ولوازِمه، ولم يبايعوه على الحرب لأعدائه. وقال عبادة بن الصامت: بايعناه عند العقبة، بيعة النساء (٣). يعني من غير ذكر الحرب والنَّضر. وحكى الواقدي: أن النبي ﷺ قال: "أبايعكم على أن تمنعوا ظهري حتى أُبَلِّغَ رسالاتِ ربي". قالوا: يا رسول الله، نحن أعداءٌ مُتباغِضون، وإنما كانت وقعة بعاث عام أول، فإن تَقْدُمْ علينا ونحن على ذلك، لا يكون لنا عليك اجتماع، فدَعنا نرجع إلى أهالينا وعشائرنا لعل الله أن يصلح ذاتَ بَينِنا، وموعدك العام القابل، فبايعوه على أن لا يشركوا بالله شيئًا. قال عبادة: ولا نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، فإن وفوا بذلك فلهم الجنة، كان غَشَوْا شيئًا فَأمرهم إلى الله، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذَّبهم، ثم انصرفوا إلى المدينة، وبعث معهم مصعب بن عمير يُقرئهم القُرآن ويُفقِّهُهُم في الدين، وفشا الإسلام في المدينة، فلم يبق فيها دار إلا وفيها ذكر لرسول ﷺ ، وكان مصعب قد نزل على أسعد بن زرارة، وكان يسمى المُقْرئ، فقال سعد بن معاذ لأُسَيد بن حُضَير: ائت أسعد بن زرارة فأخّره عنا، فقد بلغني أنه جاء بهذا الرجل الغريب معه يُسَفِّه سفهاءنا،

стр. 1330

فذهب أسيد بن حُضَير إلى أسعد، فقال له: ما لنا وما لك قد أتيتنا بهذا الرجل الغريب يُسَفِّه ضعفاءَنا. فقال: أَوَتجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته تركته. فقال: أنصفت. فجلس فقرأ عليه مصعب القرآن، وعرض عليه الإسلام، فقال أسيد: ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين؟ قال: نتطهرُ، ونُطَهِّرُ ثيابنا، ونشهد شهادة الحق، ففعل ذلك. وخرج فأخبر سعد بن معاذ فجاء إليهم، فدعاه مصعب إلى الإسلام فأسلم، وجاء حتى وقف على بني عبد الأشهل فقال: أَيُّ رجل تعلمون أنا؟ قالوا: خيرنا وأفضلنا. فقال: إن كلامَ رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تسلموا، وتؤمنوا بالله، وتصدقوا محمدًا ﷺ ، قالوا: فوالله ما أمسى في ذلك اليوم رجل وامرأة من بني عبد الأشهل حتى أسلموا (١). قال ابن إسحاق: لما فشا الإسلام في المدينة وكثر المسلمون، عاد مصعب بن عمير إلى مكة وأخبر رسول الله ﷺ ، فَسُرَّ بذلك، وكان رجوع مصعب إلى مكة قبل العقبة الثانية (٢). * * *

стр. 1331

السنة الثالثة عشرة من النبوة وفيها خرج رسول الله ﷺ إلى الموسم على ميعاد الأوس والخرج، فلقيه جماعة، فواعدهم العقبة من أوسط أيام التشريق. قال ابن إسحاق: حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي بن كعب أخو بني سلمة، أن أخاه عبد الله بن كعب حدثه، أن أباه كعب بن مالك حدثه، وكان ممن شهد العقبة، وبايع رسول الله ﷺ ، قال: خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله ﷺ بالعقبة، فلما فرغنا من الحج، خرجنا لميعاد رسول الله ﷺ ومعنا عبد الله بن عمرو بن حَرَام أبو جابر بن عبد الله، وهو مشرك، وكنا نكاتمه الأمر ومن معنا من المشركين، فقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن يكون حظّنا الجنة وحظك النار فقال: وما ذاك؟ فأخبرناه الخبر وعرضنا عليه الإسلام، فأسلم، وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ ، ولما مضى ثُلُثُ الليل خرجنا من رحالنا نتسلل تسلل القطا مُسْتَخفين، وكان معنا ابن أُبَيٍّ في الرّحال، ولا يعلم بما نحن فيه، وأمَرَهم رسول الله ﷺ أن لا يُنبِّهوا نائمًا ولا ينتظروا غائبًا، فاجتمعوا عند الشعب ليلة النَّفْر الأول أوسط أيام التشريق -وفي رواية: فوافَوْه في الشعب الأيمن إذا انحدرْتَ مِن منى أسفل العقبة حيث المسجد اليوم-، وقد سبقهم رسول الله ﷺ ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو على دين قومه، وإنما أراد أن يستوثق لابن أخيه، فتكلم العباس وقال: يا معاشر الخزرج -وكانت العرب تسمي هذا الحي من الأنصار الخزرج، سواء كان خزرجيًّا أو أوسيًّا-، إن محمدًا ابن أخي، وقد علمتم مكانته منا، وهو مِنَّا حيثُ قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على ديننا أو على مثل رأينا، وهو في عِزٍّ ومَنَعَةٍ في بلده، وقد أَبى إلّا الانقطاع إليكم، واللِّحاقَ بكم، فإن كنتم تَفُون له بما وعدتموه أو دعوتموه إليه، فمانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحمَّلتم له، وإن كنتم خاذلوه بعد الخروج معكم، ومسلموه إلى أعدائه، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده وأهله.

стр. 1332

فتكلم البراء بن معرور وقال: يا رسول الله، خذ لربك ولنفسك ما أحببت، فقال رسول الله ﷺ : "أُبايِعُكُم على أن تَمنعُوني ممَّا تَمنَعُون منه أَبناءَكُم ونُفوسكُم ونساءَكُم". فقال البراء -وقد أخذ بيد رسول الله ﷺ : والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أُزُرَنا، فبايعْ يا رسول الله، فنحن أهل الحرب والحَلْقَة ورثناها كابرًا عن كابر، فاعترضه أبو الهيثم بن التيهان حليفُ بني عبد الأشهل، وقال: إن بيننا وبين الناس حِبالًا، ونحن قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتَدَعَنا، فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: "لا والله، بلِ الدَّمَ الدَّمَ، والهدمَ الهدمَ، أُحاربُ من حارَبتُم، وأُسَالِمُ مَن سَالمتُم". فاعترضهم العباس بن عُبادة بن نَضْلَة الأنصاري وقال: يا معشر الخزرج، أتدرون على ما تبايعون هذا الرجل؟ إنكم إنما تبايعونه على حرب الأحمر والأبيض والأسود من الناس، فإن كنتم إن أنهكتكم مصيبة، ترجعون عنه وتسلمونه، فمن الآن وهو والله [إن فعلتم] خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه من قتل الأشراف، وهلاك الأموال، فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة. فقالوا بأجمعهم: بل نأخذه على ما ذكرت، ثم قال: يا رسول الله، فما لنا إن وفينا؟ فقال: "لكُمُ الجَنَّة". فقال: ابسط يدك، فبايعوه (١). قال ابن عباس: وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] الآية، فقالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل (٢). وأول من بايعه: أسعد بن زرارة، وقيل: البراء بن مَعرور، وقيل: أبو الهيثم بن التيهان، ثم أكثر اللَّغَطُ، فقال العباس: على رسْلكم، فإن علينا عيونًا، ثم قال رسول الله ﷺ : نَقِّبوا اثني عشر نقيبًا يكونوا كُفلاء على قومهم، كما كفلت الحواريون لعيسى بن مريم -وفي رواية: أن موسى اتخذ من قومه اثني عشر نقيبًا فلا يجدنَّ أحدُكم في نفسه أن يُؤخَذَ غيره- فكان نقيب بني النجار: أسعد بن زرارة، ونقيب بني سَلِمة: البراء بن معرور وعبد الله بن عمرو بن حَرَام أبا جابر، ونقيب بني ساعدة: سَعْد بن عبادة والمنذرَ

стр. 1333

ابنَ عمرو، ونقيبُ بني زريق: رافع بن مالك بن العَجْلان، ونقيبُ بني الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة وسعد بن الربيع، ونقيبُ القواقل: عبادة بن الصامت، ونقيبُ الأوس: أُسَيد بن حُضَير وأبو الهيثم بن التَّيهان، ونقيب بني عوف: سعد بن خيثمة (١). قال مقاتل: وإنما قصدَ رسول الله ﷺ أن يضبطهم بالنقباء كما فعل موسى ﵇ ببني إسرائيل في قوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيبًا وَقَال اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة: ١٢] الآية. ولما بايع القوم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سُمِع قط: يا أهْلَ الأخاشب، هل لكم في مُذَمَّم والصُّباة معه، فإنهم قد اجتمعوا على حربكم، فقال رسول الله ﷺ : "ندعو الله يا أزَبَّ العقبة (٢)، ما تقول؟ والله لأَتَفرَّغَنَّ لك" ثم قال رسول الله ﷺ : "ارفَضوا إلى رِحَالِكُم". فقال له العباس بن عُبادة بن نَضلة: يا رسول الله، إن شئت مِلْنا بأسيافنا على أهل منى -وكانوا مئة رجل-، وإنما لقي رسولَ الله ﷺ منهم سبعون، فقال رسول الله ﷺ : "لا حاجة لي بذلك، ارجعوا". فانصرفوا إلى رحالهم. ولما أصبح القوم غدا عليهم جلَّةُ قريش وأشرافُهم وقالوا: قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم. وانبعث رجال من الأنصار -لم يحضروا البيعة- يحلفون لقريش بالله ما كان من هذا شيء، والذين شهدوا العقبة ينظر بعضهم إلى بعض، وقال عبد الله بن أُبَيِّ بن سلول- وكان في الرحال ولم يشهد البيعة-: ما كان لقومي أن يَفْتاتوا عليَّ بمثل هذا حتى يُؤامِروني، وإن هذا الأمر جَسيمٌ. ثم تفرقوا، ولما انفصلت الأنصار عن منى، تقدم البراء بن معرور إلى بطن يَأجَج وتلاحق به أصحابه المسلمون، وصح عند قريش الحديث، فخرجوا في طلبهم، فأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو بالحاجر وكلاهما نقيبان، فأما المنذر فإنه

стр. 1334

أَعجَز القومَ ومضى، وأما سعد فقالوا له: أنت على دين محمد؟ قال: نعم. فربطوا يديه إلى عنقه بِنِسْع رَخله، وعادوا به إلى مكة يضربونه ويسحبونه بشعره، وكان ذا جُمَّةٍ، فقال له رجل: ويحك، أما بينك وبين أحد جوار؟ قال: بلى كنت أجير لجبير بن مُطْعم والحارث بن أمية بن عبد شمس، قال: فاهتف باسمهما، فصاح بهما عند الكعبة فجاءا فخلَّصاه، ولَكَم سعدًا سهيلُ بن عمرو لكمةً شديدة، وكان الذي أسر سعدًا ضرار بن الخطاب الفِهْري، وكان أشدَّ الكفار على رسول الله ﷺ ، وقال: [من الطويل] تَداركتُ سعدًا عَنْوةً فأسَرتُه … وكان شِفائي لو تَداركتُ مُنْذِرا ولو نِلْتُه طُلَّتْ دماءُ جراحِه … أحقُّ دماءٍ أن تُطَلَّ وتُهْدرا (١) فأجابه حسان بن ثابت (٢): [من الطويل] فخرتَ بسعدِ الخير حين أسرتَه … وقلتَ شِفائي لو تداركتُ منذِرا وإن امرءًا يَهْدي القصائدَ نحونا … كمستبضعٍ تمرًا إلى أهل خيبرا فلا تك كالشاةِ التي كان حَتْفُها … بحفر ذراعيها فلم ترض مَحْفَرا ولما خلص سعد، لحق بالأنصار وكانوا قد عزموا على أن يَكُرُّوا على أهل مكة، فتوجهوا إلى المدينة (٣). وبين العقبة والهجرة ثلاثة أشهر. * * * وفيها: أَمر رسول الله ﷺ أصحابَه بالهجرة إلى المدينة. قالت عائشة ﵄: لما حَدَرَ رسول الله ﷺ من منى وقد انصرف الأنصار من عنده، وطابت نفسه بأن جعل الله له قوة ومنعة وقومًا هم أهل حرب ونجدة، وجعلَ البلاءُ يشتد على مَن بمكة من المسلمين لِما علم أهل مكة من شدة بأس الخزرج، فضيَّقوا

стр. 1335

عليهم، وعبثوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالونه قبل ذلك، فشكا أصحاب رسول الله ﷺ إليه واستأذنوه، فقال: "إنه لم يُؤْذَن لي في ذلك بَعْدُ"، ثم إنه خرج عليهم بعد ذلك، فقال: "قد أُريتُ دَار هِجرَتِكُم وهي سَبْخَةٌ ذاتُ نَخْل بين لابَتَين و [لو] كانت السراة أرض نَخْل وسَبَخ لقلت: هي هي" ثم مكث أيامًا وخرج إليهم مسرورًا وقال: "قد أُرِيتُ دارَ هِجرَتِكُم، وهي يَثْرِبُ، فَمن أرادَ الخُروجَ فَليَخرج" فجعل القوم يتجهزون ويترافقون ويتسللون ويتواسَوْن ويخفون خروجهم (١). وأول من قدم المدينة بعد مصعب بن عمير من فقراء المهاجرين: ابن أم مَكتوم (٢)، وأبو سلمة بن عبد الأسد بعده، وقيل: أول من قدم مهاجرًا: أبو سلمة قبل العقبة الأولى بسنة، وكان قد هاجر إلى الحبشة، ثم قدم مكة وهاجر منها إلى المدينة (٣). وكانت أمُّ سلمة ﵂ أولَ امرأة وردت المدينة، وقيل: أولُ ظَعينة قدمت المدينة: ليلى بنت أبي حَثْمة بن عدي زوجة عامر بن ربيعة العنزي (٤). ولما قدموا المدينة على الأنصار آوَوْهم وواسَوْهم، وسالمٌ مولى أبي حُذيفة يؤم بهم في قباء، ثم قدم المدينة: بلالٌ وسَعْد وعُمَرُ وعمار ﵁. وتتابع الناس فلم يبق بمكة من بني أسد بن خزيمة أحد حتى أغلقت أبوابهم، وأبواب بني البُكَير، وأبواب بني مَظعون. وقدم جماعة من الأنصار الذين بايعوا رسول الله ﷺ عند العقبة البيعة الثانيةَ إلى مكة، ثم هاجروا منها إلى المدينة، فهم مهاجرون أنصاريون منهم: ذكوان بن عبد قيس، وعقبة بن وهب، والعباس بن عبادة، وزياد بن لبيد. وخرج من مكة [مَنْ فيها] من المسلمين، ولم يبق فيها سوى رسول الله ﷺ ، وأبي
следующие страницы →