← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

السنة الثالثة عشرة من النبوة وفيها خرج رسول الله ﷺ إلى الموسم على ميعاد الأوس والخرج، فلقيه جماعة، فواعدهم العقبة من أوسط أيام التشريق. قال ابن إسحاق: حدثني معبد بن كعب بن مالك بن أبي بن كعب أخو بني سلمة، أن أخاه عبد الله بن كعب حدثه، أن أباه كعب بن مالك حدثه، وكان ممن شهد العقبة، وبايع رسول الله ﷺ ، قال: خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله ﷺ بالعقبة، فلما فرغنا من الحج، خرجنا لميعاد رسول الله ﷺ ومعنا عبد الله بن عمرو بن حَرَام أبو جابر بن عبد الله، وهو مشرك، وكنا نكاتمه الأمر ومن معنا من المشركين، فقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن يكون حظّنا الجنة وحظك النار فقال: وما ذاك؟ فأخبرناه الخبر وعرضنا عليه الإسلام، فأسلم، وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ ، ولما مضى ثُلُثُ الليل خرجنا من رحالنا نتسلل تسلل القطا مُسْتَخفين، وكان معنا ابن أُبَيٍّ في الرّحال، ولا يعلم بما نحن فيه، وأمَرَهم رسول الله ﷺ أن لا يُنبِّهوا نائمًا ولا ينتظروا غائبًا، فاجتمعوا عند الشعب ليلة النَّفْر الأول أوسط أيام التشريق -وفي رواية: فوافَوْه في الشعب الأيمن إذا انحدرْتَ مِن منى أسفل العقبة حيث المسجد اليوم-، وقد سبقهم رسول الله ﷺ ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو على دين قومه، وإنما أراد أن يستوثق لابن أخيه، فتكلم العباس وقال: يا معاشر الخزرج -وكانت العرب تسمي هذا الحي من الأنصار الخزرج، سواء كان خزرجيًّا أو أوسيًّا-، إن محمدًا ابن أخي، وقد علمتم مكانته منا، وهو مِنَّا حيثُ قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على ديننا أو على مثل رأينا، وهو في عِزٍّ ومَنَعَةٍ في بلده، وقد أَبى إلّا الانقطاع إليكم، واللِّحاقَ بكم، فإن كنتم تَفُون له بما وعدتموه أو دعوتموه إليه، فمانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحمَّلتم له، وإن كنتم خاذلوه بعد الخروج معكم، ومسلموه إلى أعدائه، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده وأهله.

стр. 1332

فتكلم البراء بن معرور وقال: يا رسول الله، خذ لربك ولنفسك ما أحببت، فقال رسول الله ﷺ : "أُبايِعُكُم على أن تَمنعُوني ممَّا تَمنَعُون منه أَبناءَكُم ونُفوسكُم ونساءَكُم". فقال البراء -وقد أخذ بيد رسول الله ﷺ : والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أُزُرَنا، فبايعْ يا رسول الله، فنحن أهل الحرب والحَلْقَة ورثناها كابرًا عن كابر، فاعترضه أبو الهيثم بن التيهان حليفُ بني عبد الأشهل، وقال: إن بيننا وبين الناس حِبالًا، ونحن قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتَدَعَنا، فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: "لا والله، بلِ الدَّمَ الدَّمَ، والهدمَ الهدمَ، أُحاربُ من حارَبتُم، وأُسَالِمُ مَن سَالمتُم". فاعترضهم العباس بن عُبادة بن نَضْلَة الأنصاري وقال: يا معشر الخزرج، أتدرون على ما تبايعون هذا الرجل؟ إنكم إنما تبايعونه على حرب الأحمر والأبيض والأسود من الناس، فإن كنتم إن أنهكتكم مصيبة، ترجعون عنه وتسلمونه، فمن الآن وهو والله [إن فعلتم] خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه من قتل الأشراف، وهلاك الأموال، فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة. فقالوا بأجمعهم: بل نأخذه على ما ذكرت، ثم قال: يا رسول الله، فما لنا إن وفينا؟ فقال: "لكُمُ الجَنَّة". فقال: ابسط يدك، فبايعوه (١). قال ابن عباس: وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] الآية، فقالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل (٢). وأول من بايعه: أسعد بن زرارة، وقيل: البراء بن مَعرور، وقيل: أبو الهيثم بن التيهان، ثم أكثر اللَّغَطُ، فقال العباس: على رسْلكم، فإن علينا عيونًا، ثم قال رسول الله ﷺ : نَقِّبوا اثني عشر نقيبًا يكونوا كُفلاء على قومهم، كما كفلت الحواريون لعيسى بن مريم -وفي رواية: أن موسى اتخذ من قومه اثني عشر نقيبًا فلا يجدنَّ أحدُكم في نفسه أن يُؤخَذَ غيره- فكان نقيب بني النجار: أسعد بن زرارة، ونقيب بني سَلِمة: البراء بن معرور وعبد الله بن عمرو بن حَرَام أبا جابر، ونقيب بني ساعدة: سَعْد بن عبادة والمنذرَ

стр. 1333

ابنَ عمرو، ونقيبُ بني زريق: رافع بن مالك بن العَجْلان، ونقيبُ بني الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة وسعد بن الربيع، ونقيبُ القواقل: عبادة بن الصامت، ونقيبُ الأوس: أُسَيد بن حُضَير وأبو الهيثم بن التَّيهان، ونقيب بني عوف: سعد بن خيثمة (١). قال مقاتل: وإنما قصدَ رسول الله ﷺ أن يضبطهم بالنقباء كما فعل موسى ﵇ ببني إسرائيل في قوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيبًا وَقَال اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة: ١٢] الآية. ولما بايع القوم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سُمِع قط: يا أهْلَ الأخاشب، هل لكم في مُذَمَّم والصُّباة معه، فإنهم قد اجتمعوا على حربكم، فقال رسول الله ﷺ : "ندعو الله يا أزَبَّ العقبة (٢)، ما تقول؟ والله لأَتَفرَّغَنَّ لك" ثم قال رسول الله ﷺ : "ارفَضوا إلى رِحَالِكُم". فقال له العباس بن عُبادة بن نَضلة: يا رسول الله، إن شئت مِلْنا بأسيافنا على أهل منى -وكانوا مئة رجل-، وإنما لقي رسولَ الله ﷺ منهم سبعون، فقال رسول الله ﷺ : "لا حاجة لي بذلك، ارجعوا". فانصرفوا إلى رحالهم. ولما أصبح القوم غدا عليهم جلَّةُ قريش وأشرافُهم وقالوا: قد بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم. وانبعث رجال من الأنصار -لم يحضروا البيعة- يحلفون لقريش بالله ما كان من هذا شيء، والذين شهدوا العقبة ينظر بعضهم إلى بعض، وقال عبد الله بن أُبَيِّ بن سلول- وكان في الرحال ولم يشهد البيعة-: ما كان لقومي أن يَفْتاتوا عليَّ بمثل هذا حتى يُؤامِروني، وإن هذا الأمر جَسيمٌ. ثم تفرقوا، ولما انفصلت الأنصار عن منى، تقدم البراء بن معرور إلى بطن يَأجَج وتلاحق به أصحابه المسلمون، وصح عند قريش الحديث، فخرجوا في طلبهم، فأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو بالحاجر وكلاهما نقيبان، فأما المنذر فإنه

стр. 1334

أَعجَز القومَ ومضى، وأما سعد فقالوا له: أنت على دين محمد؟ قال: نعم. فربطوا يديه إلى عنقه بِنِسْع رَخله، وعادوا به إلى مكة يضربونه ويسحبونه بشعره، وكان ذا جُمَّةٍ، فقال له رجل: ويحك، أما بينك وبين أحد جوار؟ قال: بلى كنت أجير لجبير بن مُطْعم والحارث بن أمية بن عبد شمس، قال: فاهتف باسمهما، فصاح بهما عند الكعبة فجاءا فخلَّصاه، ولَكَم سعدًا سهيلُ بن عمرو لكمةً شديدة، وكان الذي أسر سعدًا ضرار بن الخطاب الفِهْري، وكان أشدَّ الكفار على رسول الله ﷺ ، وقال: [من الطويل] تَداركتُ سعدًا عَنْوةً فأسَرتُه … وكان شِفائي لو تَداركتُ مُنْذِرا ولو نِلْتُه طُلَّتْ دماءُ جراحِه … أحقُّ دماءٍ أن تُطَلَّ وتُهْدرا (١) فأجابه حسان بن ثابت (٢): [من الطويل] فخرتَ بسعدِ الخير حين أسرتَه … وقلتَ شِفائي لو تداركتُ منذِرا وإن امرءًا يَهْدي القصائدَ نحونا … كمستبضعٍ تمرًا إلى أهل خيبرا فلا تك كالشاةِ التي كان حَتْفُها … بحفر ذراعيها فلم ترض مَحْفَرا ولما خلص سعد، لحق بالأنصار وكانوا قد عزموا على أن يَكُرُّوا على أهل مكة، فتوجهوا إلى المدينة (٣). وبين العقبة والهجرة ثلاثة أشهر. * * * وفيها: أَمر رسول الله ﷺ أصحابَه بالهجرة إلى المدينة. قالت عائشة ﵄: لما حَدَرَ رسول الله ﷺ من منى وقد انصرف الأنصار من عنده، وطابت نفسه بأن جعل الله له قوة ومنعة وقومًا هم أهل حرب ونجدة، وجعلَ البلاءُ يشتد على مَن بمكة من المسلمين لِما علم أهل مكة من شدة بأس الخزرج، فضيَّقوا

стр. 1335

عليهم، وعبثوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالونه قبل ذلك، فشكا أصحاب رسول الله ﷺ إليه واستأذنوه، فقال: "إنه لم يُؤْذَن لي في ذلك بَعْدُ"، ثم إنه خرج عليهم بعد ذلك، فقال: "قد أُريتُ دَار هِجرَتِكُم وهي سَبْخَةٌ ذاتُ نَخْل بين لابَتَين و [لو] كانت السراة أرض نَخْل وسَبَخ لقلت: هي هي" ثم مكث أيامًا وخرج إليهم مسرورًا وقال: "قد أُرِيتُ دارَ هِجرَتِكُم، وهي يَثْرِبُ، فَمن أرادَ الخُروجَ فَليَخرج" فجعل القوم يتجهزون ويترافقون ويتسللون ويتواسَوْن ويخفون خروجهم (١). وأول من قدم المدينة بعد مصعب بن عمير من فقراء المهاجرين: ابن أم مَكتوم (٢)، وأبو سلمة بن عبد الأسد بعده، وقيل: أول من قدم مهاجرًا: أبو سلمة قبل العقبة الأولى بسنة، وكان قد هاجر إلى الحبشة، ثم قدم مكة وهاجر منها إلى المدينة (٣). وكانت أمُّ سلمة ﵂ أولَ امرأة وردت المدينة، وقيل: أولُ ظَعينة قدمت المدينة: ليلى بنت أبي حَثْمة بن عدي زوجة عامر بن ربيعة العنزي (٤). ولما قدموا المدينة على الأنصار آوَوْهم وواسَوْهم، وسالمٌ مولى أبي حُذيفة يؤم بهم في قباء، ثم قدم المدينة: بلالٌ وسَعْد وعُمَرُ وعمار ﵁. وتتابع الناس فلم يبق بمكة من بني أسد بن خزيمة أحد حتى أغلقت أبوابهم، وأبواب بني البُكَير، وأبواب بني مَظعون. وقدم جماعة من الأنصار الذين بايعوا رسول الله ﷺ عند العقبة البيعة الثانيةَ إلى مكة، ثم هاجروا منها إلى المدينة، فهم مهاجرون أنصاريون منهم: ذكوان بن عبد قيس، وعقبة بن وهب، والعباس بن عبادة، وزياد بن لبيد. وخرج من مكة [مَنْ فيها] من المسلمين، ولم يبق فيها سوى رسول الله ﷺ ، وأبي

стр. 1336

بكر وعمر وعلي ﵃ (١). فهاجر عمر ﵁ قبلهم في قول البعض. وقد روى الهيثم بن عدي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: ما علمت أحدًا من المهاجرين هاجر إلا مختفيًا غير عمر بن الخطاب ﵁، فإنه تقلد سيفه، وتنكَّبَ قوسه، وانتضى في يده أسهمًا، ومضى نحو البيت والملأ من قريش بفناء الكعبة، فطاف بها سبعًا، ثم أتى المقام فصلى عنده ركعتين، ودار على المجالس والحِلَقِ واحدًا واحدًا يقول: شاهت الوجوه لا يُرْغِمُ الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن يوتم ولده، أو يرمّل زوجته، أو تثكله أمه، فليلحقني ببطحاء مكة، أو بوادي مكة، فإني مهاجر إلى الله ورسوله. ثم خرج فركب فرسه، وحمل سلاحه، فما جسر أحدٌ أن يتبعه ثم مضى إلى المدينة (٢). وأقام رسول الله ﷺ ينتظر أن يُؤْذَنَ له في الهجرة، وكان أبو بكر ﵁ يستأذنه في الهجرة، وهو يقول له: "لا تَعجَلْ لعلَّ الله أن يَجعلَ لك صاحبًا"، فطمع أبو بكر أن يكونه (٣). * * *

стр. 1337

السنة الرابعة عشرة من النبوة وفيها: اجتمعت قريش في دار الندوة يتشاورون في أمر رسول الله ﷺ خوفًا أن يلحق بالمدينة، فيقوى عليهم. وقال ابن عباس ﵄: تشاورت قريش بمكة ليلةً على قتل رسول الله ﷺ ، فأطْلَعَ الله نبيَّهُ على ذلك، فبات علي ﵇ على فراشه، وخرج رسول الله ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا ﵇ يحسبونه رسول الله ﷺ ، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأَوْه رد الله مكرهم وقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري. فاقتصُّوا أثره. وأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٠] (١). ذكر خروج رسول الله ﷺ إلى الغار: قال الطبري في "التاريخ": إن رسول الله ﷺ قال لعلي ﵇ في تلك الليلة لما خرج إلى الغار: إن أتاك ابن أبي قحافة فأخبره أني قد توجهت إلى غار ثور، فليلحق بي، وأرْسِلْ إليَّ بطعام، واستأجِرْ لي دليلًا يدلُّني على طريق المدينة، واشتر لي راحلة، ثم مضى وأعمى الله أبصار الذين كانوا يرصدونه حتى خرج (٢). وقال الواقدي: خرج رسول الله ﷺ في تلك الليلة وهم مجتمعون على بابه، فأخذ كفًّا من تراب وقال: شاهت الوجوه، ثم مر عليهم وهو يقرأ سورة يس حتى بلغ قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَينَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ [يس: ٩]، فلم يبصره أحد، ومر رجل عليهم فقال: ما يقعدكم ها هنا؟ قالوا: ننتظر محمدًا، فقال: لقد خِبْتُم وخَسِرْتم، قد مرَّ عليكم وضرب بالتراب وجوهكم، وحثاه على رؤوسكم، قالوا: والله ما أبصرناه. وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم،

стр. 1338

وعلي ﵇ نائم في فراشه، فلما رأوه قالوا: والله لقد صَدَقَنا الرجلُ الذي حدَّثنا (١). والذين كانوا ينتظرونه: أبو جهل، والحكم بن أبي العاص، وعُقبة بن أبي مُعَيط، والنَّضر بن الحارث، وأميَّة بن خلف، وزَمْعَة بن الأسود، وأبو لهب، وطعيمة بن عدي، وأُبي بن خلف في آخرين (٢). قال الطبري: ضربوا علي بن أبي طالب وحبسوه ساعة، وأطلقوه، قال: وكان أبو بكر قد أتى عليًّا ﵄ فسأله عن رسول الله ﷺ ، فأخبره أنه لحق بغار ثور، فخرج أبو بكر ﵁ مسرعًا حتى لحق النبي ﷺ في الطريق، فسمع رسول الله ﷺ جَرْسَ أبي بكر ﵁ فحسبه من الكفار فأسرع المشي فانقطع قَبالُ نَعْلِه، ففلق إبهامَه حجر فسال الدم، فخاف أبو بكر ﵁ أن يشق عليه فرفع صوته، فعرفه رسول الله ﷺ حين أتاه، فانطلقا ورِجْلُ رسول الله ﷺ تستنُّ دمًا حتى انتهيا إلى الغار مع الصبح فدخلاه (٣). وقال ابن إسحاق: جاء أبو بكر ﵁ إلى بيت رسول الله ﷺ فصاح: يا نبي الله، يحسب أنه على الفراش، فقال له علي ﵁: إن رسول الله ﷺ قد انطلق نحو بئر ميمون، فأدْرِكْه. فانطلق حتى لحقه، وبات الكفار يرمون عليًّا ﵁ بالحجارة وهو يتضوّرُ قد لف رأسه في الثوب إلى الفجر (٤). قال الثعلبي: كان رسول الله ﷺ خلَّف عليًّا ﵁ بمكة لقضاءِ ديونه وردِّ الودائع التي كانت عنده. ذكر دخولهما إلى الغار: قال أنس: لما كان ليلة الغار، قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، دعني أدخل قبلك، فإن كان ثمَّ حَيّةٌ أو شيءٌ كانت بي قبلك، قال: "ادخُل". فدخل وجعل أبو بكر ﵁ يلتمس بيديه، فكلما رأى جُحْرًا قال بثوبه فشقه، ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع، قال: فبقي جحر واحد، فوضع عَقِبَهُ فيه، قال: ادخل يا رسول الله فدخل، فلما أصبح قال: "أينَ ثوبُك يا أبا بكرٍ؟ " فأخبره بالذي صنع، فرفع رسول الله

стр. 1339

ﷺ يديه وقال: "اللَّهم اجعَلْ أبا بَكرٍ في دَرَجتي يومَ القِيامَةِ"، فأوحى الله إليه: إن الله قد استجاب لك (١). وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: حدثنا عفَّان (٢)، حدثنا همَّام، حدثنا ثابت، عن أنس: أن أبا بكر ﵁ حدثه: قال: قلت: يا رسول الله -ونحن في الغار-، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، فقال: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما". متفق عليه (٣). قال ابن عباس: وأنزل الله تعالى: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٤٠]. ومعنى الآية: أن الله هو المتولي لنصره حين كان أولياؤه قليلًا وأعداؤه كثيرًا، فإن قيل: فما معنى قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]؟ قلنا: لأن أبا بكر ﵁ حزن إشفاقًا عَلى رسول الله ﷺ ، قال له: يا رسول الله، إني إن قُتِلْتُ فمثلي كثير، وإن قُتِلْتَ أنت هَلكَتِ الأمةُ. فكان حزنه على رسول الله ﷺ لا على نفسه (٤). وقال ابن عباس: عاتب الله أهل الأرض بهذه الآية إلا أبا بكر (٥) ﵁. والهاء في قوله: ﴿سَكِينَتَهُ﴾ (٦) عائدة إلى أبي بكر ﵁. لأن الإزعاج والخوف على رسول الله ﷺ إنما كان من أبي بكر ﵁ وحده، فرد السكينة إليه ولو أرادهما، لقال: (عليهما) بخلاف الهاء في قوله: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: ٤٠] حيث يرجع إلى رسول الله ﷺ ، لأن التأييد بالملائكة لا يصلح إلا له وحده. وذكر وهب بن منبه: أن رسول الله ﷺ إنما هاجر من بيت أبي بكر ﵁، أحاطت قريش بالبيت، فخرج من خَوْخَةٍ في ظهر الدار. والأول أصح.

стр. 1340

وقال الواقدي: جاءت قريش إلى باب الغار -وقد نسجت عليه العنكبوت، وأمر الله شجرة فنبتت في وجه الباب، وجاءت حمامتان فعششتا على الباب- ومعهم القائف فنظر إلى الأقدام وقال: هذا قدم ابن أبي قحافة، وهذا الآخر أعرفه إلا أنه قدم يشبه القدم الذي في المقام -يعني مقام إبراهيم ﵇، فقالت قريش: ما وراء هذا شيء، فانْصَرَفوا. وقال ابن سعد: جاءت قريش إلى باب الغار، فرأت العنكبوت قد نسجت عليه، فقال بعضهم لبعض: لو كان ها هنا أحد ما نسجت هذه العنكبوت. وقال بعضهم: هذه العنكبوت هنا قبل أن يولد محمد. وأقبل فتيان قريش من كل بطن قد شهروا سيوفهم، فرأوا الحمامتين فقالوا لأصحابهم: ليس هنا أحد. وسمعهم النبي ﷺ ، فسمَّتَ عليهن، فانحدرت إلى حرم الله، وحرَّم الله صيدهن (١). وقال ابن إسحاق: ضربت الملائكة وجوه الكفار، فعادوا. وقال البلاذري: بعثت قريش قائفين يقصان الأثر، أحدهما: كُرْزُ بن علقمة الخزاعي، ومعهما أُبَيُّ بن خلف، فقال القائفان: إلى هنا انتهى الأثر. وقال أمية بن خلف: والله إني لأرى هذا النسج ها هنا قبل أن يخلق محمد، وبال حتى جرى بوله بين رسول الله ﷺ وبين أبي بكر ﵁، ونادت قريش: من جاء بمحمد وبابن أبي قحافة، فله مائتا بعير أو دِيَتهما (٢). وفي الغار يقول أبو بكر ﵁ (٣): [من البسيط] قال النبي -ولم أجزع- يُثَبِّتُني … ونحن في سُدَف من ظُلمة الغارِ لا تخش شيئًا فإنَّ الله ثالثُنا … وقد تكفَّل لي منه بإظهارِ وإنَّما كيد مَن تُخشى بَوادره … كيد الشَّياطين قد كادت لكفارِ والله مُهلكهم طُرًّا بما صنعوا … وجاعلُ المنتهى منهم إلى النَّارِ * * *

стр. 1341

فصل في سني هجرته ﷺ - واختلفوا في مدة إقامتهما في الغار، على أقوال: أحدها: ثلاثة أيام وخرجا ليلة الخميس غرة ربيع الأول (١). والثاني: أنهما خرجا ليلة الاثنين لأربع ليالٍ خَلَوْنَ من ربيع الأول (٢). والثالث: خرجا وقد بقي في صفر ثلاثُ لَيالٍ (٣). وكان عبد الله بن أبي بكر ﵄ يتردد إليهما، وعامر بن فُهَيرة يرعى غنمهما، ويأتيهما باللبن. أحاديث الهجرة: قال البخاري: حدثنا يحيى بن بُكَير، حدثنا اللَّيث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: لم أعقل أبويَّ إلا وهما يدينان الدين، ولم يمرَّ علينا يوم إلا ورسول الله ﷺ يأتينا فيه طَرَفَيِ النهارِ بُكْرةً وعَشِيًّا، فلما ابْتليَ المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا إلى أرض الحبشة، حتى إذا بلغ بَرْكَ الغِماد، لقيه ابن الدَّغِنَه (٤)، وهو سيدُ القارة، فقال له: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي، فقال ابن الدَّغِنَة: إن مثلك لا يُخْرَجُ، إنك تَكْسِبُ المَعدوم، وتصِلُ الرَّحِمَ، وتحمل الكَلَّ، وتَقْري الضَّيفَ، وتُعين على نوائب الحق، فأنا لك جارٌ، فارجع فاعبد ربك، فرجع وارتحل معه ابن الدَّغِنَةَ، فطاف في أشراف قريش وقال لهم: إن مثل أبي بكر لا يُخْرج، إنه يكْسِب المعدومَ -وذكر بمعنى ما تقدم من

стр. 1342

وصفه-، قال: فأنفذت قريش جوارَ ابن الدَّغِنَةِ، وأمَّنوا أبا بكر، وقالوا: ليعبد ربه في داره، وليصلِّ فيها، ويقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يَستَعْلِنْ به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. فأقام أبو بكر يعبد ربه كذلك، ثم بدا له فابتنى مسجدًا بفناء داره، فكان يصلي فيه، فيتقصّف (١) عليه نِساء المشركين وأبناؤهم يتعجبون منه، وينظرون إليه، وكان رجلًا بكَّاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشرافَ قريش، وأرسلوا إلى ابن الدَّغِنَة فقدم عليهم، فقالوا: كنا قد أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره، والآن فقد أعلن، وإنا نخشى منه أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فإن اقتصر على عبادة ربه في داره وإلا فسله أن يرد إليك ذِمَّتَكَ، فإنا لا نُقِرُّهُ على ذلك. فذكر ابن الدَّغِنَة ذلك لأبي بكر، وقال: إما أن تقتصر على ما عاهدنا عليه القوم، واما أن تُرْجعَ إليَّ ذِمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أَني أُخْفِرْتُ في رجل عقدت له، فقال له أبو بكر: فإني أردُّ إليك جوارك، وأرضى بجوار ربي. قالت: ورسول الله ﷺ يومئذ بمكة، فقال رسول الله ﷺ للمسلمين: "إنِّي أُريتُ دارَ هِجْرتِكُم سَبْخَة ذاتِ نَخلٍ بينَ لابَتَينِ". فهاجر من هاجر إلى المدينة، ورجع عامَّةُ من كان بالحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قِبلَ المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : "على رِسلكَ، فإنِّي أَرجُو أنْ يُؤذَنَ لي" فقال أبو بكر ﵁: أترجو ذلك؟ قال: "نَعَم". فحبس أبو بكر ﵁ نفسه على رسول الله ﷺ ، وعلف راحلتين كانتا عنده ورقَ السَّمُرِ أربعة أشهر. قالت: فبينا نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر ﵁ في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعًا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال له أبو بكر: يا رسول الله، ما جاء بك في هذه الساعة إلا أمر، فقال: "أَخرِجْ مَنْ عِندَك" فقال أبو بكر ﵁: إنما هم أهلك -وفي رواية: ليس علينا عين، إنما هما ابنتاي يعني عائشة وأسماء (٢) - فقال: "قد أُذِنَ لي في الخُروجِ" فقال أبو بكر: الصحبة -أَو الصحابة- يا رسول الله؟ قال: "نَعَم".

стр. 1343

قال: فخذ إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله ﷺ : "بالثمن". قالت: فجهزناهما أحثَّ الجهاز، وصنعنا لهما سُفرة في جِراب، وقطعت أسماء بنت أبي بكر قِطْعةً من نطاقها، فربطت به فم الجِراب، فبذلك سميت: ذات النِّطاقين، ثم لحق أبو بكر ورسولُ الله ﷺ بغارٍ في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثَقِفٌ لَقِنٌ (١)، يدَّلجُ من عندهما بسَحَرٍ، فيصبح مع قريش كبائتٍ، فلا يسمع أمرًا يُكتادانِ به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك إذا اختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فُهَيرَة مولى أبي بكر مِنْحَةً من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعةٌ من العِشاء، فيبيتان في رِسْلٍ [وهو لبن مِنحتهما ورَضيفهما] حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغَلَس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلًا من بني الدّيل من بني عبد بن عدي هاديًا خِرّيتًا [والخريت الماهر بالهداية] قد غمس حلفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، لكنهما أمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما، فأتاهما صُبْحَ ثلاثٍ، فارتحلا، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل الدِّيلي، فأخذ بهم على طريق الساحل. قال الزهري: فحدثني -أو أخبرني- عبد الرحمن بن مالك المُدْلجي وهو ابن أخي سراقة بن جُعْشم الكناني ثم المدلجي، أن أباه أخبره، أنه سمع سراقة بن جُعْشُم يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دِيَةَ كلِّ رجل منهما لمن قتله أو أسره، قال: فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مُدْلج، وأقبل رجل منهم فقال: ياسراقة، إني قد رأيت آنفًا أسْودَةً بالساحل، أُراها محمدًا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم. قال: فقلت له: ليسوا هم، ولكنك رأيتَ فلانًا وفلانًا، انطلَقوا بأَعْيُنِنا، ثم لبثت في المجلس (٢)، وقمت فدخلت الخِباء، وأمرت جاريتي أن تُخرج فرسي من وراء الأَكَمَةِ، وأخذتُ رُمحي وخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزُجِّه (٣) الأرض، وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها، ورفعتها

стр. 1344

تُقَرِّبُ بي حتى دنوت منهم، فعثرت فرسي فخررتُ عنها، وقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام [فاستقسمت بها، أضرُّهم أم لا؟ فيخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام (١)] تقرِّب بي من النبي ﷺ ، إذ سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهُوَ لا يلتفت، وأبو بكر ﵁ يكثر الالتفات، فساخت يدا فرسي حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت، ولم تكد تُخرج يدَيها، فلما استوت قائمة إذا لِأَثرِ يديها عُثَانٌ (٢) ساطع في السماء مثلُ الدخان، فاستقسمت بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتهم الأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر رسول الله ﷺ ، فقلت: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتُهم أخبارَ ما يريدُ الناس بهم، وعَرَضتُ عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني شيئًا، إلا أنهم قد قالوا: أخفِ عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمان؟ فأمر عامر بن فهيرة، فكتب لي رُقعةً من أَدَم، ومضى رسول الله ﷺ . قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ لَقِيَ الزبير في ركب من المسلمين كانوا تِجارًا بالشام أو قافلين من الشام، فكسا الزبيرُ رسول الله ﷺ وأبا بكر ثيابَ بياضٍ، قال: وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله ﷺ من مكة، فكانوا يَغْدون كل غداة إلى الحَرَّةِ ينتظرونه حتى يَرُدَّهم حَرُّ الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد ما أَطالوا الانتظار، فلما أَوَوْا إلى بيوتهم، أوفى رجل من اليهود على أُطُمٍ من آطام المدينة، لأمر ينظر إليه، فبصُرَ رسول الله ﷺ وأصحابه مُبَيِّضين يزولُ بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن صاح بأعلى صوته: يا معاشر العرب، قد أظلكم الذي تنتظرونه، فثار المسلمون إلى السلاح، فلقوا رسول الله ﷺ بالحرَّةِ، فعدل بهم ذات اليمين، فنزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله ﷺ صامتًا، فطَفِقَ من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يُحَيِّي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ ، فأقبل أبو بكر ﵁ حتى ظَلَّلَ

стр. 1345

على رسول الله ﷺ بردائه، فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك (١). حديث الرَّحْل: قال البراء بن عازب ﵄: جاء أبو بكر إلى أبي في منزله، فاشترى منه رَحْلًا بثلاثة عشرة درهمًا، وقال له: ابعث معي ابنك يحمله إلى منزلي. قال: لا، حتى تحدثني كيف صنعتما ليلة سريت مع النبي ﷺ ؟ فقال: نعم، أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق فلا يمرُّ فيه أحد، حتى وقعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تَأْتِ عليه الشمس بَعْدُ، فنزلنا عندها فسوَّيتُ بيدي مكانًا ينام عليه رسول الله ﷺ في ظلها، وبسطت عليه فروة، ثم قلت: نَم يا رسول الله، وأنا أنفض لك ما حولك، فنام وخرجت أنفض ما حوله، هل أرى أحدًا من الطَّلَبِ، وإذا براعٍ يُقْبل نحو الصخرةِ بغنمهِ يريد منها الذيَ أردنا، فقلت له: يا غلام، لمن أنت؟ فقال: لرجل من أهل المدينة من قريش. فقلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب لي؟ قال: نعم. فاعتقل شاة، فقلت: انفض الضرع من القذا والشَّعر والتراب، ففعل، قال: ومعي إداوة أَرتوي فيها لرسول الله ﷺ يشرب منها ويتوضأ، فحلب لي كُثْبةً من لبن في قَعْبٍ، فصببت عليه من الماء حتى برد أسفله، وأتيت رسول الله ﷺ ، وكرهت أن أُوقِظَه من نومه، فوقفت حتى استيقظ من نومه، فقلت: اشرب يا رسول الله من هذا اللبن فشرب حتى رضيت، وقال: "ألم يأن الرحيل؟ " قلت: بلى. فارتحلنا بعد الزوال، والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا منهم أحد إلا سراقة بن مالك بن جُعْشُم، ونحن في جَلَد من الأرض، فقلت: يا رسول الله، أُتينا؛ هذا الطلب قد لحقنا، فقال: "لا تَحزَن إنَّ اللهَ مَعَنا". حتى إذا دنا منا، وكان بيننا وبينه قِيدُ رمح أو رمحين أو ثلاثة وهو على فرس فبكيت، فقال: "ما يُبكيكَ؟ " فقلتُ: ما أبكي على نفسي بل عليك يا رسول الله. فقال: "اللَّهمَّ اكفِناهُ". فارتطمت قوائم فرسه إلى إبطها، ثم ثبتت فساخت في الأرض إلى بطنها، فوثب عنها وقال: يا محمد، قد علمت أن هذا عملك، فادع الله لي أن ينجيني مما أنا فيه، والله لأُعَمِّيَنَّ على مَنْ وَرائي من الطَّلَبِ وهذه كنانتي، فخذ منها سهمًا

стр. 1346

فإنك ستمر بإبلي، وغنمي، وغلماني في موضع كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، فقال رسول الله ﷺ : "لا حَاجَةَ لي فِيها" ودعا له. فانطلق ورجع إلى أصحابه فلا يلقى أحدًا إلا رده، قال: وقدمنا المدينة ليلًا. قال الحُمَيدي: فتنازعوا أيهم ينزل عليه، فقال رسول الله ﷺ : "أَنْزِلُ علي بني النَّجارِ أَخوالِ عبدِ المطَّلبِ أُكْرِمُهم بذلِكَ" وصعد الرجال والنساء فوق البيوت، وتفرق الغلمان والخدم في الطريق، وعلى الأجاجير (١) ينادون: يا محمد يا رسول الله (٢). وقال ابن عباس ﵄: سلك بهم عبد الله بن أُرَيقِط الليثيُّ من الغار على السواحل وقت السحر ليلة الاثنين، فقالوا يَوْمَ الثلاثاء بقُدَيدٍ، ثم أخذَ أَسْفلَ من عُسْفان، ثم سلك الخرّارَ، ثم مر على ثنية المَرَةِ، ثم على المَدْلَجةِ والرَّوْحاءِ، ثم على العَرْجِ، ثم على بطن رِئْم، ثم إلى المدينة (٣). ذكر لقائه ﷺ بُرَيدةَ بن الحُصَيبِ الأسلمي: قد ذكرنا أن قريشًا جعلت لمن يَردُّ رسول الله ﷺ وأبا بكر مئتي بعير، وبلغ بُرَيدةَ فركب في سبعين فارسًا من بني أسلم، فلقى رسول الله ﷺ في الطريق فقال له: من أنت؟ فقال: بريدة -وكان رسول الله ﷺ يحب الفَأْل- فالتفت إلى أبي بكر ﵁ وقال: برد أمرنا، ثم قال: فممن أنت؟ قال: من أسلم. قال: سلمنا، ثم قال: من بني من؟ قال: من بني سهم، قال: خرج سهمنا. فأوقع الله في قلب بُرَيدَةَ الإسلام فأسلم ومن كان معه، ثم قال: يا رسول الله، لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء، وحلَّ بُرَيدَةُ عِمامَته وشدَّها في رمح، ومشى بها بين يدي رسول الله ﷺ ، ثم قال: يا رسول الله، انزل علي؟ فقال: ناقتي مأمورة. فقال بريدة: الحمد لله الذي أسلمت بنو أسلم طائعين غير مكرهين (٤).

стр. 1347

حديث أم مَعْبَد (١): قال أبو معبد الخُزاعي: لما هاجر رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر ﵁، وعامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، مروا بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة جَلدة بَرْزَة تقعد بفناء الخيمة، ثم تُسْقي وتطعم، فسألوها تمرًا ولحمًا يشترون منها، فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وإذا القوم مُرْمِلون مُسْنِتون (٢)، فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أَعْوَزْناكم القِرى، فنظر رسول الله ﷺ إلى الشاة في كِسْرِ الخيمة (٣)، فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ فقالت: شاة خلَّفها الجَهْدُ عن الغَنم، فقال: هل بها من لبن؟ قالت: هي أجهد من ذلك. قال: أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: نعم، بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حَلَبًا. فدعا رسول الله ﷺ بالشاة، ومسح على ضرعها، وذكر اسم الله عليها وقال: اللهمَّ بارك لها في شاتها. قال: فتفاجَّت ودرَّت واجترَّت، ودعا بإناء يُرْبِضُ (٤) الرَّهْطَ، فحلب فيه ثجًّا (٥) حتى غلبه الثُّمالُ (٦)، وسقاها حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رَوَوْا، وشرب رسول الله ﷺ آخرهم، وقال: "سَاقي القَوْم آَخِرُهم شُربًا" فشربوا عَلَلًا بعد نَهَلٍ (٧) حتى أراضوا، ثم حلب فيه ثانيًا عَوْدًا على بَدْءٍ، فغادره عندها، ثم ارتحلوا، فقلَّ ما لبث زوجها أبو معبد أن جاء يسوق أَعْنُزًا حُيَّلًا (٨) عِجافًا هَزْلى، فلما رأى اللبن عَجِبَ، فقال: من أين لكم هذا، والشاة عازب (٩) ولا حَلوبةَ في البيت؟ فقالت: لا والله، إلا أنه مرَّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كَيتَ وكَيتَ، فقال: إني والله لأراه صاحب قريش الذي يطلبونه، ثم قال: صفيه لي يا أم معبد،

стр. 1348

فوصفته. فقال: هو والله صاحب قريش الذي ذُكِرَ لنا من أمره ما ذكِر، ولو كنت وافيته لالتمست أن أَصْحَبَهُ، ولأَفْعَلَنَّ إن وجدت إلى ذلك سبيلًا، قال: وأصبح صوتٌ عاليًا بمكة بين السماء والأرض يقول ولا يرون شخصه: [من الطويل] جَزَى الله ربُّ النَّاس خَيرَ جزائه … رفيقين قالا خَيمَتَي أمّ مَعْبَدِ هما نَزَلا بالبِرِّ وارتَحلا بهِ … فأَفلَحَ مَن أمسى رفيقَ مُحَمَّدِ فيال قُصيٍّ ما زَوَى اللهُ عنكمُ … به من فَعال لا تجازى وسُوْدَدِ سَلُوا أُختَكمْ عن شَاتِها وإنائها … فإنَّكم إن تَسْألوا الشَّاة تشهدِ دعاها بشاة حائلٍ فتحلَّبَتْ … له بصريحٍ ضَرَّةُ الشاة مُزْبِدِ (١) فغادره رهنًا لديها بحالب … تَدِرُّ بها في مَصْدَرٍ ثمَّ مَورِدِ (٢) فأصبح الناس قد فقدوا نبيهم ﷺ ، وأخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا بالنبي ﷺ ، فأجابه حسان بن ثابت (٣): [من الطويل] لقد خاب قوم زال عنهم نبيُّهم … وقدِّسَ من يسري إليه ويَغْتدي ترحَّل عن قوم فزالت عقولهم … وحلَّ على قَوْمٍ بنُورٍ مُجَدَّدِ وهل يستوي ضُلَّالُ قوم تسكَّعوا … عمًى وهُداةٌ يهتدون بمهتدِ نبيٌّ يرى ما لا يرى النَّاسُ حوله … ويتلو كتاب الله في كل مَشْهدِ وإن قال في يوم مقالةَ غائب … فتصديقها في ضحوة اليوم أو غدِ ليَهْنِ أبا بكر سعادةُ جَدِّه … بصحبته من يُسْعدِ الله يَسْعَدِ ويَهْنِ بني سَعد مكانُ فتاتهم … ومقعدُها للمسلمين بمَرْصَدِ قالت أسماء بنت أبي بكر ﵂: مكثنا بمكة ثلاث ليال لا ندري أين توجَّه رسول الله ﷺ ، حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنَّى بأبيات غناء العرب، نسمع صوته ولا نرى شخصه حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:

стр. 1349

جزى الله رب الناس خير جزائه … الأبيات، فلما سمعنا صوتَه، علمنا أين توجه رسول الله ﷺ (١). وقال الواقدي: قالت أم معبد: طلع علينا أربعة على راحلتين، فنزلوا بي، فجئت رسول الله ﷺ بشاة أريد أن أذبحها له، فإذا هي ذات در فأَدنيتُها منه فلمس ضَرْعَها وقال: لا تذبحيها. وأَخَذْتُ أُخرى غيرها، فذبحتُها وطبختها لهم، فأكل هو وأصحابه منها، وملأت سُفرتهم، وبقي عندي لحمها أو أكثره، وبقيت الشاة التي لمس ضَرعها عندنا حتى كان عام الرَّمادة في عهد عمر ﵁، فكنا نحلبها صبوحًا وغبوقًا، وما في الأرض قليل ولا كثير. وعام الرمادة كان في سنة ثمان عشرة من الهجرة (٢). ذكر ما جرى بعد خروج النبي ﷺ -: قالت أسماء بنت أبي بكر ﵂: جاء في تلك الليلة أبو جهل ومعه نفر من قريش، فوقفوا على الباب وصاحوا، فخرجت إليهم، فقال أبو جهل: أين أبوك؟ قلت: لا أدري. فرفع يده فلطم خدي لطمة طرح منها قُرطي، وذكر كلامًا فاحشًا (٣). وقالت أسماء: لما خرج أبو بكر ﵁ احتمل ماله كلَّه، وكان ستة آلاف درهم، فدخل عَليَّ جَدِّي أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، فقلت. كلا قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، وأخذت أحجارًا، فوضعتها في كُوَّة البيت، وقلت: ضع يدك على المال، فوضعها وقال: لا بأس إن كان ترك لكم هذا، فقد أحسن. قالت: ووالله ما ترك لنا شيئًا، وإنما أردت أن أُسَكِّنَ الشيخ (٤). وقال الطبري: لما خرج رسول الله ﷺ من مكة، سمعت قريش قائلًا في الليل على أبي قُبَيس يقول: [من الطويل] فإن يُسْلمِ السَّعْدانِ يُضحي مُحمدٌ … بمكَّةَ لا يخشى خلاف المخالف

стр. 1350

فلما أصبحوا، قالوا: من السَّعدان؟ فقال أبو سفيان: سعد بن بكر، وسعد بن تميم، فلما كانت الليلةُ القابلة، سمعوه يقول: [من الطويل]: فيا سَعْدُ سَعْدَ الأَوْسِ كن أنت ناصرًا … ويا سَعْدُ سَعْدَ الخزرجين الغطارفِ أجيبا إلى داعي الهُدى وتمنَّيا … على اللهِ في الفِردَوسِ مُنْيَةَ عارِفِ فإنَّ ثوابَ اللهِ للطالبِ الهدى … جِنانٌ من الفردَوسِ ذاتُ رَفارفِ فقال أبو سفيان: هذان والله سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ (١). ذكر قدوم رسول الله ﷺ إلى المدينة: قدم رسول الله ﷺ المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وولد يوم الاثنين، ووضع (٢) الحجر في الكعبة يوم الاثنين، ونُبِّئَ يوم الاثنين، وخرج مهاجرًا من مكة يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين. ولما وصل إلى المدينة عدل ذات اليمين، فنزل في بني عمرو بن عوف بقُباء. قال الواقدي: نزل على كلثوم بن الهِدْمِ أخي بني عمرو بن عوف (٣). وقال الهيثم: نزل على سعد بن خيثمة بن الحارث بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس، لأنه كان عَزَبًا ومنزله يسمى منزل العُزاب. ورُويَ: أنه إنما نزل على كلثوم، وكان يتحدث مع أصحابه في منزل سعد (٤). وروي أنه نزل على أخوال عبد المطلب ليكرمهم بذلك (٥). فيحتمل أنه نزل عليهم ليلة، ثم ارتحل إلى بني عمرو بن عوف. ونزل أبو بكر ﵁ على حُبَيب بن إساف، ولما انتقل رسولُ الله ﷺ من قُباء، نزل

стр. 1351

أبو بكر ﵁ على خارجة بن زيد الخزرجي بالسُّنْح وهو مكان بأعلى المدينة (١). قال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس ينظرون إلى وجهه، فلما رأيتُه عرفتُ أنه ليس بكذابٍ، فكان مما حَفظتُ من كلامه: "أيُّها الناسُ، أَفشُوا السَّلامَ، وصِلُوا الأرحَامَ، وأَطْعِمُوا الطَّعامَ، وصَلُّوا باللَّيلِ والناسُ نيامٌ، تدخُلُوا الجنَّةَ بسلامٍ" (٢). ثم قدم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه المدينة فنزل على كلثوم بن الهِدْم (٣). وأقام رسول الله ﷺ بمنى ثلاثًا (٤)، وقيل: بضع عشرة ليلة. وقال ابن إسحاق: ركب رسول الله ﷺ من بني عمرو بن عوف يوم الجمعة سادس وعشرين ربيع الأول، فمر على بني سالم، فجمَّع بهم وخطب، وهي أول جمعة صلَّاها بالمدينة، وذلك الموضع يعرف بوادي رانوناء. وكان معه مئة من المهاجرين (٥). ثم مرت ناقته فبركت في بني النجار على باب دار أبي أيوب الأنصاري، فنزل عليه وأقام عنده سبعة أشهر، وقيل: شهرًا، والأول أصح. وأول قَصْعَةٍ أهديت لرسول الله ﷺ وهو في منزل أبي أيوب، قصعة من ثريد فيها خبز وسمن أهدتها له أم زيد بن ثابت، فدعا لهم رسول الله ﷺ ، وجاءت قصعة سعد بن عبادة فيها ثريد وعراق، ثم تناوبت الأنصار القِصاعَ كل ليلة (٦). وقال الواقدي: لما ركب رسول الله ﷺ من بني سالم إلى المدينة، مَرَّ بجَوَار من الأنصار فَقُلْن: نحن جَوارٍ من بني النَّجار … يا حبَّذا محمدٌ من جارِ

стр. 1352

فقال لهن رسول الله ﷺ : "الله يعلمُ أنِّي أُحبكنَّ" (١). وكان بالمدينة حَبَشٌ يلعبون بالحراب، فلعبوا بين يديه ﷺ . وما فرح الأنصارُ فرحهم بشيء كفرحهم بقُدومه. ولما نزل ببني سالم يومَ الجمعة، فخطب وقال: "الحمدُ لله أحمدُه، وأستعينُه وأُومن به، وأعادي مَنْ يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهُدى ودين الحق ليظهره على الدين كلِّه ولو كره المشركون، من يُطِعِ اللهَ فقد رشد، ومن عصاه، فقد غَوَى"، وأوصاهم بتقوى الله وإصلاح ذات البين. ثم قال في آخر خطبته: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠] ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] الآية (٢). ولما ركب ناقته من بني سالم أرخى زِمامَها، فجعلت لا تمر بدارٍ من دور الأنصار إلا دعاه أهلُها: هَلُمّ يا رسول الله إلى العدد والعُدَد والمَنَعَةِ. فيقولُ: "خلُّوا زِمامها فإنها مأمورة" حتى انتهى إلى موضع المسجد اليوم، فبركت عنده وهو مِرْبَدٌ لغلامين يتيمين وهما: سهل وسهيل ابنا عمرو بن عبادة (٣)، وهما في حِجرِ مُعاذ بن عَفراء، وقيل: في حجر أسعد بن زرارة. ولما بَرَكتْ به لم ينزل عنها، فقامت وسارت غيرَ بعيد، ثم عادت إلى مبركها الأوَّلِ فبركت فيه، ووضعت جِرانَها على الأرض، فنزلَ رسولُ الله ﷺ عنها، فخرج أبو أيوب فاحتمل رحلَه، فنزل عليه وقال ﷺ : "المرء مع رَحْلِهِ" (٤). وجاء أسعدُ بن زُرارة فأخذ بناقته، فكانت عنده (٥). وفي رواية: فأسَّسَ رسول الله ﷺ بقباء المسجدَ الذي أُسّسَ على التقوى، ثم سار إلى المدينة.

стр. 1353

ذكر بناء مسجده ومساكنه ﷺ - قالت عائشة ﵂ في تمام الحديث المتقدم تُعَظِّمُهُ (١): فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف بضعَ عشرة ليلةً، وأسس المسجدَ الذي أسِّسَ على التقوى، وصلَّى فيه، ثم ركب راحلته، وسار يمشي الناسُ معه، حتى بَرَكَتْ عندَ المسجدِ اليوم، وهو يُصلي فيه يومئذ رجال مِن المسلمين، وكان مربدًا للتمر لسهل وسُهيل غلامين يتيمين في حجر أسعد بنِ زرارة، فقال رسولُ الله ﷺ : "هذا إن شاءَ اللهُ المنزل". ثم دعا رسولُ الله ﷺ الغُلامين، فساومهما بالمربد ليتخذَه منزلًا ومسجدًا، فقالا: بل نَهَبُهُ لك يا رسول الله. ثم بناه مسجدًا، وطَفِقَ رسول الله ﷺ ينقل معهم اللَّبِنَ في بنيانه ويقول: اللهم إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة قال البلاذري: وهذا لامرأةٍ من الأنصار، وتمامه (٢): وعافِهم من حرِّ نارٍ ساعرة فإنها لكافرٍ وكافرة وقال هشام بن محمد: كان المسجد جدارًا مجدَّرًا من غير سقف، وله قبلة إلى بيت المقدس، وكان فيه غَرْقَد ونخيل، فأمر به رسول الله ﷺ فقُطِع، وكان فيه قبورُ الجاهلية، فأمر بها رسولُ الله ﷺ فنُبشت، ثم أسس رسول الله ﷺ المسجد، فجعلَ طولَه مما يلي القِبلةَ إلى مؤخره مئة ذراع، وفي الجانبين مثل ذلك، فهو مربع، وجعل عرض أساسه ثلاثة أَذْرُع من حجارة، وبنوا عليها باللَّبِنِ، وجعل له ثلاثة أبواب: بابًا يقال له: باب الرحمة، وهو الذي يُدْعى باب عاتكة، وبابًا يدخل منه رسولُ الله ﷺ ، وهو الذي يلي دار عثمان ﵁، وبابًا في مؤخره، وجعل ارتفاع الجدار قامةً وبسطةً، وسقفه بجذوع النخل والجريد، وبعضه من النخل الذي كان فيه، فقيل له: ألا تسقفه

стр. 1354

بخشب السَّاج، فقال: "عَرِيشٌ كعَريشِ مُوسى ﵇ " ثم بنى إلى جانبه بيوتًا وسقفها بجذوع النخل، فلما فَرَغَ مِن البناء جعل باب عائشة شارعًا في المسجد، وجعل سودة بنت زَمْعة في البيت الذي يليه (١). وفي المتفق عليه: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تُشدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسجِدِ الحَرَامِ، ومَسجِدي، والمَسجِدِ الأَقْصى" (٢). "فصلاةٌ في مسجدي أَفْضَلُ مِن ألفِ صلاةٍ مما سواه إلا المسجدَ الحرام" (٣). وعن أبي هريرة ﵁ قال: حزَمَ النبي ﷺ ما بَينَ لابَتي المدينة. قال أبو هريرة: فلو وجدتُ الظباءَ ما بينَ لابتيها ما ذَعَرْتُها، وجَعَلَ حَولَ المدينةِ حمى اثني عشر ميلًا (٤). ذكر مقامِ النبيِّ ﷺ بالمدينة: وأقام بمكة ثلاث عشرةَ سنة -يعني بعد النبوة-، وهو الأصح، وقيل: عشر سنين، وقيل: خمس عشرة سنة. وهاجر في أول السنة الرابعة عشرة. وفيها: بَعثَ رسول الله ﷺ إلى مكة: زيد بن حارثة وأبا رافع مولياه ليُحضرا أهله، ودفع إليهما بعيرين وخمس مئة درهم اقترضها من أبي بكر ﵁، فحَملا إلى المدينة: فاطمة وأُمَّ كُلثوم ﵈ ابنتي رسول الله ﷺ ، وكانت رقية ﵁ قد هاجرت مع عثمان بن عفان ﵁، وحبس أبو العاص بن الربيع زينب بنت رسول الله ﷺ عنده، وحمل زيد معه أيضًا ابنه أسامةَ ﵁ إلى المدينة، وخرج عبد الله بن أبي بكر ﵄ بأم رومان وعائشة ﵂ إلى المدينة، وخرج عبد الله ومعهم طلحة بن عُبَيد الله ﵁ (٥). وبلغ أبا أحمد بن جحش الأسدي الأعمى، أن أبا سفيان بن حرب باع دورهم من

стр. 1355

عمرو بن علقمة العامري بأربع مئة دينار، وقضى بثمنها دينًا كان عليه (١). ذكر وباء المدينة: قالت عائشةُ ﵂: قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة وهي وَبِيَّةٌ، فمرض أبو بكر ﵁ فكان إذا أخذته الحُمَّى، يقول: [من الرجز] كل امرئ مُصَبَّحٌ في أهله … والموت أدنى من شِراك نعله وكان بلال إذا أخذته الحُمى يقول: [من الطويل] ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةً … بوادٍ وحولي إِذْخِرٌ وجَليلُ وهل أَرِدَنْ يومًا مِياهَ مَجِنَّةٍ … وهَلْ يَبْدُوَن لي شَامَةٌ وطَفيلُ اللهمَّ العن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأمية بن خلف، كما أخرجونا من مكة، فلما رأى رسول الله ﷺ ما لقوا، قال: "اللَّهمَّ حبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبّنا مكَّةَ أو أشدَّ، اللَّهمَّ صحِّحها وبارِكْ لنا في صَاعِها ومُدِّها، وانقل حُمَّاها إلى الجُحفَة". قالت: فكان المولود يولد بالجُحفةِ، فما يبلغ الحُلم حتى تصرعه الحمى. متفق عليه (٢). ذكر أول امرأة بايعته ﷺ -: أول امرأة بايعت سول الله ﷺ حين قدم المدينة: ليلى بنت الخَطيم بن عدي بن عمرو بن سواد بن ظَفَر، تزوجها في الجاهلية مسعود بن أوس، فولدت له: عُمَيرة وعَمْرَةَ، وتوفي عنها، ووهبت نفسها للنبي ﷺ ثم استقاله بنو ظَفَر فأَقالهم، وفارقها. وكانت غيورًا، وكان يقال لها: أُكْلَةُ الأسد، وقد ذكرت في أزواج النبي ﷺ اللاتي لم يدخل بِهِنَّ (٣). وفيها: بنى رسول الله ﷺ بعائشة ﵂ بالسُّنحِ في منزل أبي بكر ﵁، وكانت بنت تسع سنين، وقيل: ست سنين، والأول أصح. ودخل بها في ذي القعدة، وقيل: في

стр. 1356

رمضان، وقيل: في شوال، وهو الأصح. وفي مسلم: أنها كانت تستحب أن تدخل نساءها في شوال، فقيل لها في ذلك، فقالت: وهل تزوجني رسول الله ﷺ إلا في شوال، وهل دخل بي إلا في شوال، وأي نسائه كان عنده أحظى مني؟ (١) قال أبو عاصم: إنما كره الناس أن يدخلوا النساء في شوال لطاعون وقع فيه في الجاهلية (٢)، فخالفتهم عائشة ﵂ في ذلك، وأدخلت نساءها في شوال. قالت عائشة ﵂: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فوعكت فتمزَّق شعري فوفى جُمَيمَةً، فأتتني أمي أم رُومان، وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي، فصرخَتْ بي فأَتَيتُها، والله ما أدري ما تريد مني، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأَنْهَجُ حتى سكن بعض نَفَسِي، ثم أَخَذَتْ شيئًا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار فإذا نِسْوَة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر. فأسلمتني إليهن، فأَصْلَحْنَ شأني فلم يَرُعْني إلا رسولُ الله ﷺ ، فأسلمتني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين، فقلت: هه هه، وكنت ألعب بالبنات مع الجواري، فيدخل علي فينقمعن منه صواحبي، فيخرج فيُسَرِّبهنَّ إليَّ أو عليَّ. متفق عليه (٣). وقالت عائشة ﵂: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا ألعب بالبنات، فقال: "ما هذه"؟ قلت: خيل سليمان ﵇، فضحك رسول الله ﷺ (٤). وفيها: زيدَ في صلاة الحضر ركعتين، فصارت أربعًا أربعًا وذلك بعد قدوم رسول الله ﷺ المدينة بشهر في ربيع الآخر (٥). وفيها: ولد النعمان بن بشير، وهو أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة (٦).

стр. 1357

وفيها: نزل أهلُ الصُّفَّةِ المسجدَ ومن جاء مهاجرًا، وكان أهل الصفة ناسًا فقراء لا منازل لهم، فكانوا ينزلون على عهد رسول الله ﷺ المسجدَ يَظَلُّون فيه، وليس لهم مأوى غيره، وكان رسول الله ﷺ يدعوهم في الليل إذا تعشى فيفرقهم في أصحابه، وتتعشى طائفة منهم معه حتى جاء الله بالغِنى، وفيهم نزل: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣]، ولم يكن لهم بالمدينة عشائر، فحَنَّنَ الله الناس ليتصدقوا عليهم (١). ومنهم واثِلَة بن الأسْقَع أبو قِرصَافة، ونُبَيْط بن شُرَيط الأشجعي (٢)، وطلحة بن عمرو الليثي. قال وائلة: كنت من أصحاب الصُّفة، وما منا إنسان يجد ثوبًا تامًّا، قد جعل الغبار والعرق في جلودنًا طرقًا (٣). وكنا عشر سنين (٤). منهم: عَبَّاد بن خالد الغفاري، وربيعة بن كعب الأسلمي، خادم رسول الله ﷺ ، وجَرْهَد بن رِزاح الأسلمي (٥)، ويعيش بن قيس بن طِهْفَة الغفاري (٦) في آخرين. وفيها: أعد رسول الله ﷺ مكانًا ليُصلِّي فيه على الجنائز. قال الواقدي: فهم إلى اليوم يصلون فيه على الجنائز (٧).

стр. 1358

وفيها: آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار واختلفوا في عددهم على أقوال: أحدها: أنهم كانوا تسعين رجلًا، خسمة وأربعين من المهاجرين وخمسة وأربعين من الأنصار (١). قال أنس بن مالك ﵁: إن النبي ﷺ حالف بين المهاجرين والأنصار (٢). [وكان ذلك] قبل وقعة بدر على الحق والمواساة، ويتوارثون بعد الموتِ دون ذوي الأرحام، وهم تسعون رجلًا، خمسة وأربعون من المهاجرين وخمسة وأربعون من الأنصار، فلما كانت غَزاةُ بدر، وأنزل الله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] نسخت آية المواريث المؤاخاة، ورجع كل إنسان إلى نسبه، وورث أولو الأرحام، وبقيت المؤاخاة فيما دون الميراث (٣). ومعنى حالف أي: آخى. والثاني: أنهم كانوا ثلاث مئة. والثالث: مئتين. والرابع: مئة، خمسون من هؤلاء، وخمسون من هؤلاء. وفيها: أسلم عبد الله بن سَلَام بن الحارث (٤) أبو يوسف، قال عبد الله بن سلام:

стр. 1359

تعلَّمتُ التوراة من أبي، وعرفتُ تأويلها، فوقفني على صفة رسول الله ﷺ وعلاماتِه فيها. وقال: إن كان من ولد هارون اتبعته، ومات قبل قدوم رسول الله ﷺ المدينة، فبينا أنا في عِذْقٍ أَجْني رُطَبًا، صاح صائح من بني النَّضير: قدم صاحب العرب اليوم. فكبرتُ تكبيرةً عالية، وعمتي عجوز تحت العِذْق، فقالت: أي حبيب، والله لو كان القادم موسى ﵇ ما زِدْت على ما صَنَعْتَ. فقلت: هو أخو موسى ﵇ ونبيٌّ مثله، ثم نَزَلْت وأَتَيتُ رسول الله ﷺ فعرفتُه بالصّفة، وحدَّثتُه حديث أبي، وأسلمت، ثم أَسلَمَتْ عمتي (١). وأسلم مُخَيريق اليهودي (٢)، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ الآية [الأحقاف: ١٠]. وفيها: أسلم أبو قيس صِرْمةُ بن أبي أنس النجاري (٣). وفيها: رأى عبد الله بن زيد الأنصاري الأذان في منامه. قال عبد الله بن زيد بن عبد ربّه: لما أجمع رسول الله ﷺ أن يضرب بالنَّاقوس يجمع الناس للصلاة وهو كاره لموافقة النصارى، طاف بي من الليل طائف وأنا نائم، رجل عليه ثوبان أخضران وفي يده ناقوس يحمله، فقلت له: يا عبد الله، ألا تبيع النَّاقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت. ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: بلى. قال: تقول: الله أكبرُ الله أكبر، الله أكبرُ الله أكبرُ، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنْ لا إله إلا الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح حيَّ على الفلاح، الله أكبرُ الله أكبر لا إله إلا الله. ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبرُ الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاةُ قد قامت الصلاةُ، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أصبحتُ أتيتُ رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت، فقال: "رُؤيا حَق إن شَاءَ اللهُ تعالى" ثم

стр. 1360

أمر بالتأذين، فكان بلال يؤذن بذلك ويدعو رسول الله ﷺ إلى الصلاة، فدعاه ذات غداة إلى الفجر، فقيل: إن رسول الله ﷺ نائم، فصرخ بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، مرتين. قال سعيد بن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في التأذين لصلاة الفجر (١). فالتأذين ثبت بحديث عبد الله بن زيد بإجماع الأمة، لا يُعرَفُ بينهم خلافٌ، إلا ما روي عن محمد بن الحنفية فإنه كان ينكر هذا، ويقول: أتعمدون إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم الدين، فتثبتونه بمنامٍ كلّا، وإنما أخبرني أبي علي ﵇ أنه ليلة أسري برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وجمع له الأنبياء هناك، قام جبريل فأذَّن وأقام، فتقدم رسول الله ﷺ فصلّى بهم، ثم أعاد جبريل الأذان في السماء، فسمعه عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب ﵁ في الأرض، فالأذان ثبت بقول جبريل ﵇ لا بمنام يحتمل الصدق والكذب، وقد يكون أضغاث أحلام. والجواب: لو ثبت الأذان بقول جبريل ﵇ لما احتاجوا إلى المشورة، والمعراج كان قبل الهجرة، فلو تقدم فيه توقيف لما أشار البعض بالناقوس وغيره (٢). وفيها: عقد رسول الله ﷺ لحمزة رضوان الله عليه لواءً أبيض بيده، وهو أول لواءٍ عُقِدَ بيده، وكان يحمله أبو مرثد كنَّاز بن الحصين الغَنَوي حليف حمزة، وذلك في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مُهاجَرِه، وبعث معه ثلاثين رجلًا من المهاجرين، ولم يبعث معه أحدًا من الأنصار لأنهم شرطوا عليه أن يمنعوه في دارهم لا خارجًا، وخرج حمزة ﵁ يعترض لِعير قريش، لقي أبا جهل -لعنه الله- وهو في ثلاث مئة، واصطفوا للقتال، فحال بينهم مَجْدي (٣) بن عمرو الجُهَني، وكان حليفًا في قريش للفريقين، ومشى بينهم فلم يَجْر قتال، وعاد حمزة إلى المدينة ومضى أبو جهل إلى مكة (٤). وفيها: عقد رسول الله ﷺ لعبيدة بن الحارث بن المطلب لواءً في شوال، وأَمَره أن

стр. 1361

يسير إلى بطن رابغ على رأس ثمانية أشهر من مُهاجَرِه في ستين رجلًا من المهاجرين، وكان حامل اللواء مِسطَحَ بنَ أُثَاثةَ، فالتقى بأبي سفيان بن حرب على ماءٍ يقال له: أحياء، وأبو سفيان في مئتي راكب من قريش، وكان مع عبيدة سعد بن أبي وقاص، فرمى يومئذ في الكفار، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وترامَوْا بالنَّبْل، ثم انصرف الفريقان ولم يَجْر بينهم مُسايَفةٌ، وفر إلى المسلمين المقداد وعتبة بن غزوان، وكانا قد أسلما، وإنما خرجا ليتوصلا إلى المسلمين بالمشركين (١). وقال ابن إسحاق: كانت هذه السرية في السنة الثانية، وكان على المسلمين مِكرَز بنُ حفص، وعلى الكفار أبو جهل (٢). وفيها: عقد رسول الله ﷺ لسَعدِ بن أبي وقاص لواء أبيض، وأرسله إلى الخَرَّار، وكان حاملُه المقداد بنَ عمرو، وبعث معه عشرين رجلًا من المهاجرين، وكانوا رجَّالةً يعترض عِير قريش، وعهد إليه أن لا يجاوز الخرّار، وهو واد بين الجحفة ومكة، ففاتَتْهم العير إلى مكة، فعادوا إلى المدينة (٣). وفيها: فرض القتال، ونزل قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية [الحج: ٣٩] (٤). وفيها: كانت قصة فاطمة بنت النعمان مع تابعها من الجن. قال علي بن الحسين ﵇: كانت امرأة من بني النجار، يقال لها: فاطمة بنت النعمان لها تابع من الجن، فكان يأتيها، فأتاها يومًا حين هاجر رسول الله ﷺ ، فانقضَّ

стр. 1362

على الحائط، فقالت: ما لك لم تأت كما كنت تأتي؟ فقال لها: قد جاء نَبيٌّ يحرم الزنا والخمر (١). وقيل: إن المختار (٢) وزيادًا (٣) ولدا في هذه السنة (٤). فصل في ذكر من توفي من الأعيان أسعد بن زُرارَة (٥) ابن عُدَس بن عُبيد بن ثعلبة بن غَنْم بن النجار، وأمه سعاد بنت رافع خزرجية. وأسعد من الطبقة الأولى من الأنصار، وكنيته: أبو أمامة، وهو أحد النقباء الاثني عشر، حضر العقبتين مع الأنصار، وكانت وفاته بالذَّبْحةِ قبل أن يفرغ رسول الله ﷺ من بناء مسجده، ودفن بالبقيع، وله صحبة ورؤية، وليس له رواية. البراء بن مَعْرور (٦) ابن صخر بن سنان بن عُبَيد بن عدي بن غَنْم بن كعب بن سَلِمة، أحدُ النقباء الاثني عشر، وأمه: الرَّباب بنت النعمان ابن امرئ القيس من الأوس. والبراء من الطبقة الأولى من الخزرج شهد العقبتين، وكانت وفاته في صفر قبل قدوم رسول الله ﷺ المدينة، وهو أول من مات من النقباء، ولما قدم رسول الله ﷺ ، صلى على قبره وترحَّمَ عليه، وقال: "اللهمَّ ارض عنه وقد فَعَلْت" وهو أول من أوصى

стр. 1363

بثلث ماله، وأجازه رسول الله ﷺ . وكان له من الولد: بِشْر، ومبشِّر، وهند، وسُلافةُ، والرَّباب، أسلموا وبايعوا رسول الله ﷺ . جُنْدع بن ضمرة الجُنْدَعي (١) واختلفوا في اسمه، وكان قد مرض بمكة، فقال لبنيه: أخرجوني منها. قالوا: إلى أين؟ فأومأ بيده نحو المدينة، وهو يريد الهجرة، فلما بلغ أضاة بني غِفار مات، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] الآية (٢). كلثوم بن الهِدْم (٣) ابن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن مالك بن عوف الأنصاري الذي نزل عليه ﷺ بقباء، وهو من الطبقة الأولى من الأوس. كان رجلًا صالحًا كبيرًا شريفًا، أسلم قبل قدوم رسول الله ﷺ المدينة، وحسن إسلامه، ونزل عليه جماعة من الصحابة (٤). وقيل: إنه توفي في السنة الثانية. وفيها: -يعني في السنة الأولى من الهجرة- توفي من رؤساء الكفار: الأسود بن عبد يَغوث ابن وهب بن عبد مناف، وكان من المستهزئين برسول الله ﷺ ، فخرج يومًا إلى البرِّيَّة، فعطش، فاسودَّ وجهُه، فأتى داره فلم يعرفوه، وأغلقوا في وجهه الباب، فمات عطشًا (٥). وقيل: أخذ جبريل ﵇ في عنقه، فحنى ظهره حتى احقوقب، فقال رسول الله

стр. 1364

ﷺ : خالي خالي. فقال جبريل ﵇: دعه دعه. فهلك (١). وفيه نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَينَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] ودفن بالحجون. العاص بن وائل السهمي أبو عمرو، وكان من المستهزئين برسول الله ﷺ ، خرج من مكة يريد الطائف على حماره، وكان له به مال، فربض به الحمار على شِبْرِقة، فأصابت رجله شوكة، فانتفخت وصارَ مثل عنق البعير فهلك منها، وهو ابن خمس وثمانين سنة (٢). الوليد بن المغيرة ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو عبد شمس، كان من المستهزئين برسول الله ﷺ ، وكان يسمي نفسه: الوحيدَ والعِدْلَ، أي: أنه وحيد قومه ولا يعادله أحد، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] الآيات (٣). وقال الوليد لسعيد بن العاص: يا أبا أُحيحة، هلا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم مثلك أو مثل عروة بن مسعود الثقفي، فقال له سعيد: أو مثلك يا أبا عبد شمس، فنزل: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ (٤) [الزخرف: ٣١]. وطئ الوليد سهمًا فخدشه، فتممه جبريل، فهلك وهو ابن خمس وتسعين سنة، ودفن بالحجون (٥). ولما احتضر جلس عند رأسه أبو جهل، فجزع جزعًا شديدًا، فقال له أبو جهل: يا عم، فيم جزعك وأنت سيد قريش، وقد عُمِّرت طويلًا، ولك المفاخر والمآثر، وأنت

стр. 1365

أول من خلع نعليه عند دخول الكعبة، وقطعْتَ في السَّرِقة، وقضيت في الخُنثى من حيث يبول؟ وعَدَّدَ مآثره. فقال: والله ما بي جزع من الموت، وإنما أخاف أن يظهر دين ابن أبي كبشة بمكة، وكان أبو سفيان جالسًا عند رأسه، فقال: يا عم، لا تجزع فأنا ضامن لك أنه لا يظهر بمكة أبدًا، ومات (١). وفي هذه السنة صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه (٢). عن سلمة بن الأكوع: أن النبي ﷺ أمر رجلًا من أسلم أن يؤذن في الناس يوم عاشوراء: "من كان صائمًا فليتم صومه ومن كان آكلًا فلا يأكل وليتم صومه". أخرجاه في "الصحيحين" (٣). * * *

стр. 1366

السنة الثانية من الهجرة وفيها تزوج علي ﵇ فاطمةَ ﵂ في صفر (١). وقيل: في رجب، وقيل: في رمضان، ودخل بها في ذي الحجة، وقيل: مَرْجِعَهُ من بدر (٢). ذكر خطبتها: قال ابن سعد: حدثنا مسلم (٣) بن إبراهيم، حدثنا المنذر بن ثعلبة، حدثني عِلْباءُ بن أحمر اليَشْكري، أن أبا بكر ﵁ ذكر فاطمة، فقال النبيُّ ﷺ : "إنِّي أَنتظِرُ بها القَضَاء" فذكر أبو بكر ذلك لعمر فقال: ردَّك. ثم خطبها عمر ﵁ فقال له مثل ما قال لأبي بكر، فأخبر عمر أبا بكر، فقال: ردَّك يا عمر. ثم إنَّ أهلَ علي قالوا: اخطبها إلى رسول الله ﷺ ؟ فقال: أَبَعْدَ أبي بكر وعُمَرَ؟ فذكروا له قرابته من رسول الله ﷺ ، فخطبها فزوَّجه إياها، فباع عليٌّ بعيرًا ومتاعًا بأربع مئة درهم وثمانين درهمًا، فقال له رسول الله ﷺ : "اجعل ثلثين في الطيب وثلثًا في المتاع". وقد اختلفت الرواية في كيفية الخطبة: فذكر ابن سعد أيضًا: أن رسول الله ﷺ قال له: "ما تَصْدُقها"؟ فقال: ما عندي شيء. فقال: "أينَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ"؟ قال: عندي، قال: "فأَصْدِقْها إيَّاها" (٤). وروى عبد الكريم (٥) بن سَليط، عن بريدة، عن أبيه، قال: أتى علي بن أبي طالب ﵇ إلى رسول الله ﷺ فسلَّم عليه. فقال: "ما جَاءَ بكَ"؟ فقال: أخطب فاطمة. فقال:

стр. 1367

"مَرْحَبًا وأَهْلًا". ولم يزده على ذلك، فخرج علي إلى نفر من الأنصار، فقالوا: ما قال لك؟ فأخبرهم، فقالوا: قد أعطاك الأهل والمَرْحب، ثم زوجه بعد ذلك. قال ابن سعد: ولما خطبها علي ﵁، دنا رسول الله ﷺ من خدرها، وقال: إن عليًّا يطلب فاطمة (١). فصار ذلك أصلًا في كلِّ بِكْر تُستأمر. وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يزوج أحدًا من بناته، جلس إلى خدرها وقال: "إن فُلانًا يَذكرُ فُلانةَ". فيسميها ويسمي الرجل الذي ذكرها، فإن هي سكتت زوجها، وإن كرهت نقرت الستر، فإذا نقرته لم يزوجها (٢). وفيها: كانت غزاة الأَبواء (٣) في شهر ربيع الأول، وهي أول غزاةٍ غزاها رسول الله ﷺ بنفسه. واستخلف على المدينة سعْدَ بنَ عُبادةَ، وحمل لواءه حمزةُ بن عبد المطلب وكان أبيض، وخرج في المهاجرين لا غير يتعرَّض لِعير قريش، فأقام بالأبواء ووَدَّان خَمْسَ عَشرة ليلة، ووادعَ مَخْشيَّ بن عَمْرو سيّدَ بني ضمرة، أن لا يغزوهم ولا يغزونه، ولا يعينون عليه أحدًا، وكتب بينه وبينهم كتابًا، ثم عاد إلى المدينة ولم يلق كيدًا. وفيها: كانت غزاة بُواط (٤) في ربيع الأول أيضًا، خرج رسول الله ﷺ بنفسه في المهاجرين، وكانوا مئتين يتعرض أيضًا لعير قريش، وكان فيها أمية بن خلف الجمحي في مئة رجل من قريش، وفيها ألفان وخمس مئة بعير، وحمل لواءه سعد بن أبي وقاص، وكان أبيض، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ، ثم رجع ولم يلق كيدًا. وفيها: كانت غزاة سَفَوان (٥) في آخر ربيع الأول مَرْجِعَه من بُواط، وسَفَوان وادٍ

стр. 1368

بالحجاز، وكان كُرْز بن جابر الفهري قد أغار على سَرْح المدينة، فخرج النبي ﷺ في طلبه في المهاجرين، وحمل علي ﵇ لواءه، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، ومضى حتى بلغ سَفَوان، وفاته كُرْزٌ فرجع إلى المدينة. وفيها: كانت غزاة ذات العُشَيرة (١)، خرج رسول الله ﷺ من المدينة في جمادى الآخرة في مئة وخمسين راكبًا من المهاجرين، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، فبلغ ذات العُشَيرَةِ يتعرض لعير قريش ففاتته إلى الشام، وهذه العير لما رجعت من الشام خرج يعترضها، فكانت وقعة بدر في رمضان، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، ووادع مُدْلجًا (٢) فأكرموه، وأحسنوا ضيافته. وفي هذه الغزاة كنّى رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ أبا تراب (٣). وفيها: كانت سرية عبد الله بن جحش (٤) إلى نخلة، في جمادى الآخرة (٥)، وكانوا اثني عشر، وقيل: ثلاثة عشر، وقيل: ثمانية، وقيل: تسعة، وهم: عبد الله بن جَحْش، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وعُكَّاشةُ بن مِحْصَن، وأبو حذيفة بن عتبة، وعتبة بن غزوان، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة (٦)، وواقد بن عبد الله، وكان كل اثنين يعتقبان بعيرًا، وأمرهم رسول الله ﷺ أن يرصدوا عير قريش بنخلة. قال عروة بن الزبير: إن رسول الله ﷺ كتب لعبد الله بن جحش كتابًا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه ويمضي لما أمره به، ولا يستكرهنَّ أحدًا من

стр. 1369

أصحابه، فسار يومين ثم نظر في الكتاب، وإذا فيه: "أما بعد: فإذا نظرت في كتابي هذا، فَسِرْ حتى تنزل بطن نخلة بين مكة والطائف، فترصدَ بها عير قريش، وتعلمَ أخبارهم لنا". قال ابن إسحاق: فلما قرأه استرجع، ثم قال: سمعًا وطاعة، وأخبر أصحابه، وقال: من رغب منكم في الشهادة، فلينطلق معي، ومن كرهها فليرجع، فإن رسول الله ﷺ أمرني أن لا أستكره أحدًا. فساروا معه ولم يتخلف منهم أحد، فسلك الحجاز، حتى إذا كانوا بمَعْدِنٍ فَوْق الفُرْعِ أَضلَّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غَزْوان بعيرهما، فتخلَّفا في طلبه، ومضى عبد الله وأصحابه حتى نزل نخلةَ، ومرت عير قريش تحمل زبيبًا، وأَدَمًا، وتجارة، وفيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل، فلما رآهم القوم هابوهم، وكانوا قد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكُّاشةُ وقد حلق رأسه، فلما رأوه أمِنوا وقالوا: عُمّارٌ لا بأس عليكم منه. وكان ذلك آخر يوم من جمادى الآخرة، فتشاوروا في أمرهم وقالوا: والله لئن تركتم هذه الليلة ليدخلن الحرم فيمتنعون منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، لأن بعضهم ظن أنه أول يوم من رجب. ثم عزموا على قتالهم، فرمى واقد بن عبد الله عَمْرَو بن الحضرمي بسهم فقتله، وأسروا عثمان بن عبد الله، والحكم بن كَيْسان، وأفلت نوفلٌ إلى مكة، واستاقوا العير والأسيرين إلى المدينة، وهي أول غنيمة قسمت في الإسلام، وأول لواء جرى تحته قتال، فلما قدموا المدينة وقَّفَ رسول الله ﷺ أمر العير والأسيرين، وقال: "ما أمرتكُم بالقِتَال في الشَّهر الحرام". ولم يأخذ منه شيئًا، وسُقِط في أيدي القوم: عبد الله وأصحابِه ولامهم المسلمون، وقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، فسفك الدماءَ وأخذ المال وأسر الرجال، وتفاءلت اليهود بذلك، وقالت: واقد: وقدت الحرب، وعمرو: عمرت، والحضرمي: حضرت، وضاق صدر النبي ﷺ ، وجلس عبد الله ومن كان معه في بيوتهم، وضاق بهم ذرعًا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية، فكانت تسليةً لعبد الله وأصحابه، وفرَّج الله عنهم، وقبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وقيل: حبسهما حتى قسَّمهما مع غنائم بدر، وبعثت قريش في فداء الأسيرين، فقال رسول الله

стр. 1370

ﷺ : حتى يقدم صاحبانا سعد وعُتبة. فأقاما حتى قدما، ففاداهما رسول الله ﷺ ، فأما الحكم فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند النبي ﷺ حتى قتل شهيدًا ببئر معونة. وفي هذه السنة: سمي عبد الله بن جحش أمير المؤمنين، وهو أول من تسمى بها. وفي هذه السنة: تحولت القبلة إلى الكعبة في شعبان، وقيل: في يوم الاثنين النصف من رجب. عن ابن عمر قال: بينا الناس بقباء في صلاة الفجر، إذ جاءهم آت فقال: إن النبي ﷺ قد أُنزل عليه قرآن، وقد أُمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها -وكانت وجوههم إلى الشام- فاستداروا إلى الكعبة. متفق عليه (١). وكانت صلاته إلى البيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وقيل: ثمانية عشر شهرًا، وقيل: عشرة أشهر، وقيل: تسعة أشهر. وفيها: جدد رسول الله ﷺ مسجد قُباء لمّا صُرِفت القبلة إلى الكعبة. عن سهل بن سعد قال: لما صرفت القبلة إلى الكعبة، أتى رسول الله ﷺ مسجد قباء، فقدَّم جدار المسجد إلى موضعه اليوم، وأسَّسه بيده، ونقل الحجارة ونقل معه أصحابه لبنائه، وكان رسول الله ﷺ يأتيه كل سبت ماشيًا، قال سهل: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن صلَّى في مسجدِ قُباءَ، كان له أجرُ عُمرةٍ" (٢). وقال ابن عباس: لو كان في طرف من أطراف الأرض، لضربنا إليه أكباد الإبل، وكان يأتيه كل خميس ويقول: هو المسجد الذي أسس على التقوى (٣). وفيها: نزلت فريضة رمضان في شعبان (٤). وفيها: كانت غزاة بدر الكبرى (٥) في سابع عشر رمضان، وقيل: في تاسع عشره،
следующие страницы →