← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

السنة الثانية من الهجرة وفيها تزوج علي ﵇ فاطمةَ ﵂ في صفر (١). وقيل: في رجب، وقيل: في رمضان، ودخل بها في ذي الحجة، وقيل: مَرْجِعَهُ من بدر (٢). ذكر خطبتها: قال ابن سعد: حدثنا مسلم (٣) بن إبراهيم، حدثنا المنذر بن ثعلبة، حدثني عِلْباءُ بن أحمر اليَشْكري، أن أبا بكر ﵁ ذكر فاطمة، فقال النبيُّ ﷺ : "إنِّي أَنتظِرُ بها القَضَاء" فذكر أبو بكر ذلك لعمر فقال: ردَّك. ثم خطبها عمر ﵁ فقال له مثل ما قال لأبي بكر، فأخبر عمر أبا بكر، فقال: ردَّك يا عمر. ثم إنَّ أهلَ علي قالوا: اخطبها إلى رسول الله ﷺ ؟ فقال: أَبَعْدَ أبي بكر وعُمَرَ؟ فذكروا له قرابته من رسول الله ﷺ ، فخطبها فزوَّجه إياها، فباع عليٌّ بعيرًا ومتاعًا بأربع مئة درهم وثمانين درهمًا، فقال له رسول الله ﷺ : "اجعل ثلثين في الطيب وثلثًا في المتاع". وقد اختلفت الرواية في كيفية الخطبة: فذكر ابن سعد أيضًا: أن رسول الله ﷺ قال له: "ما تَصْدُقها"؟ فقال: ما عندي شيء. فقال: "أينَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ"؟ قال: عندي، قال: "فأَصْدِقْها إيَّاها" (٤). وروى عبد الكريم (٥) بن سَليط، عن بريدة، عن أبيه، قال: أتى علي بن أبي طالب ﵇ إلى رسول الله ﷺ فسلَّم عليه. فقال: "ما جَاءَ بكَ"؟ فقال: أخطب فاطمة. فقال:

стр. 1367

"مَرْحَبًا وأَهْلًا". ولم يزده على ذلك، فخرج علي إلى نفر من الأنصار، فقالوا: ما قال لك؟ فأخبرهم، فقالوا: قد أعطاك الأهل والمَرْحب، ثم زوجه بعد ذلك. قال ابن سعد: ولما خطبها علي ﵁، دنا رسول الله ﷺ من خدرها، وقال: إن عليًّا يطلب فاطمة (١). فصار ذلك أصلًا في كلِّ بِكْر تُستأمر. وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يزوج أحدًا من بناته، جلس إلى خدرها وقال: "إن فُلانًا يَذكرُ فُلانةَ". فيسميها ويسمي الرجل الذي ذكرها، فإن هي سكتت زوجها، وإن كرهت نقرت الستر، فإذا نقرته لم يزوجها (٢). وفيها: كانت غزاة الأَبواء (٣) في شهر ربيع الأول، وهي أول غزاةٍ غزاها رسول الله ﷺ بنفسه. واستخلف على المدينة سعْدَ بنَ عُبادةَ، وحمل لواءه حمزةُ بن عبد المطلب وكان أبيض، وخرج في المهاجرين لا غير يتعرَّض لِعير قريش، فأقام بالأبواء ووَدَّان خَمْسَ عَشرة ليلة، ووادعَ مَخْشيَّ بن عَمْرو سيّدَ بني ضمرة، أن لا يغزوهم ولا يغزونه، ولا يعينون عليه أحدًا، وكتب بينه وبينهم كتابًا، ثم عاد إلى المدينة ولم يلق كيدًا. وفيها: كانت غزاة بُواط (٤) في ربيع الأول أيضًا، خرج رسول الله ﷺ بنفسه في المهاجرين، وكانوا مئتين يتعرض أيضًا لعير قريش، وكان فيها أمية بن خلف الجمحي في مئة رجل من قريش، وفيها ألفان وخمس مئة بعير، وحمل لواءه سعد بن أبي وقاص، وكان أبيض، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ، ثم رجع ولم يلق كيدًا. وفيها: كانت غزاة سَفَوان (٥) في آخر ربيع الأول مَرْجِعَه من بُواط، وسَفَوان وادٍ

стр. 1368

بالحجاز، وكان كُرْز بن جابر الفهري قد أغار على سَرْح المدينة، فخرج النبي ﷺ في طلبه في المهاجرين، وحمل علي ﵇ لواءه، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، ومضى حتى بلغ سَفَوان، وفاته كُرْزٌ فرجع إلى المدينة. وفيها: كانت غزاة ذات العُشَيرة (١)، خرج رسول الله ﷺ من المدينة في جمادى الآخرة في مئة وخمسين راكبًا من المهاجرين، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، فبلغ ذات العُشَيرَةِ يتعرض لعير قريش ففاتته إلى الشام، وهذه العير لما رجعت من الشام خرج يعترضها، فكانت وقعة بدر في رمضان، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، ووادع مُدْلجًا (٢) فأكرموه، وأحسنوا ضيافته. وفي هذه الغزاة كنّى رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ أبا تراب (٣). وفيها: كانت سرية عبد الله بن جحش (٤) إلى نخلة، في جمادى الآخرة (٥)، وكانوا اثني عشر، وقيل: ثلاثة عشر، وقيل: ثمانية، وقيل: تسعة، وهم: عبد الله بن جَحْش، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وعُكَّاشةُ بن مِحْصَن، وأبو حذيفة بن عتبة، وعتبة بن غزوان، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة (٦)، وواقد بن عبد الله، وكان كل اثنين يعتقبان بعيرًا، وأمرهم رسول الله ﷺ أن يرصدوا عير قريش بنخلة. قال عروة بن الزبير: إن رسول الله ﷺ كتب لعبد الله بن جحش كتابًا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه ويمضي لما أمره به، ولا يستكرهنَّ أحدًا من

стр. 1369

أصحابه، فسار يومين ثم نظر في الكتاب، وإذا فيه: "أما بعد: فإذا نظرت في كتابي هذا، فَسِرْ حتى تنزل بطن نخلة بين مكة والطائف، فترصدَ بها عير قريش، وتعلمَ أخبارهم لنا". قال ابن إسحاق: فلما قرأه استرجع، ثم قال: سمعًا وطاعة، وأخبر أصحابه، وقال: من رغب منكم في الشهادة، فلينطلق معي، ومن كرهها فليرجع، فإن رسول الله ﷺ أمرني أن لا أستكره أحدًا. فساروا معه ولم يتخلف منهم أحد، فسلك الحجاز، حتى إذا كانوا بمَعْدِنٍ فَوْق الفُرْعِ أَضلَّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غَزْوان بعيرهما، فتخلَّفا في طلبه، ومضى عبد الله وأصحابه حتى نزل نخلةَ، ومرت عير قريش تحمل زبيبًا، وأَدَمًا، وتجارة، وفيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل، فلما رآهم القوم هابوهم، وكانوا قد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكُّاشةُ وقد حلق رأسه، فلما رأوه أمِنوا وقالوا: عُمّارٌ لا بأس عليكم منه. وكان ذلك آخر يوم من جمادى الآخرة، فتشاوروا في أمرهم وقالوا: والله لئن تركتم هذه الليلة ليدخلن الحرم فيمتنعون منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، لأن بعضهم ظن أنه أول يوم من رجب. ثم عزموا على قتالهم، فرمى واقد بن عبد الله عَمْرَو بن الحضرمي بسهم فقتله، وأسروا عثمان بن عبد الله، والحكم بن كَيْسان، وأفلت نوفلٌ إلى مكة، واستاقوا العير والأسيرين إلى المدينة، وهي أول غنيمة قسمت في الإسلام، وأول لواء جرى تحته قتال، فلما قدموا المدينة وقَّفَ رسول الله ﷺ أمر العير والأسيرين، وقال: "ما أمرتكُم بالقِتَال في الشَّهر الحرام". ولم يأخذ منه شيئًا، وسُقِط في أيدي القوم: عبد الله وأصحابِه ولامهم المسلمون، وقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام، فسفك الدماءَ وأخذ المال وأسر الرجال، وتفاءلت اليهود بذلك، وقالت: واقد: وقدت الحرب، وعمرو: عمرت، والحضرمي: حضرت، وضاق صدر النبي ﷺ ، وجلس عبد الله ومن كان معه في بيوتهم، وضاق بهم ذرعًا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] الآية، فكانت تسليةً لعبد الله وأصحابه، وفرَّج الله عنهم، وقبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وقيل: حبسهما حتى قسَّمهما مع غنائم بدر، وبعثت قريش في فداء الأسيرين، فقال رسول الله

стр. 1370

ﷺ : حتى يقدم صاحبانا سعد وعُتبة. فأقاما حتى قدما، ففاداهما رسول الله ﷺ ، فأما الحكم فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند النبي ﷺ حتى قتل شهيدًا ببئر معونة. وفي هذه السنة: سمي عبد الله بن جحش أمير المؤمنين، وهو أول من تسمى بها. وفي هذه السنة: تحولت القبلة إلى الكعبة في شعبان، وقيل: في يوم الاثنين النصف من رجب. عن ابن عمر قال: بينا الناس بقباء في صلاة الفجر، إذ جاءهم آت فقال: إن النبي ﷺ قد أُنزل عليه قرآن، وقد أُمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها -وكانت وجوههم إلى الشام- فاستداروا إلى الكعبة. متفق عليه (١). وكانت صلاته إلى البيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وقيل: ثمانية عشر شهرًا، وقيل: عشرة أشهر، وقيل: تسعة أشهر. وفيها: جدد رسول الله ﷺ مسجد قُباء لمّا صُرِفت القبلة إلى الكعبة. عن سهل بن سعد قال: لما صرفت القبلة إلى الكعبة، أتى رسول الله ﷺ مسجد قباء، فقدَّم جدار المسجد إلى موضعه اليوم، وأسَّسه بيده، ونقل الحجارة ونقل معه أصحابه لبنائه، وكان رسول الله ﷺ يأتيه كل سبت ماشيًا، قال سهل: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَن صلَّى في مسجدِ قُباءَ، كان له أجرُ عُمرةٍ" (٢). وقال ابن عباس: لو كان في طرف من أطراف الأرض، لضربنا إليه أكباد الإبل، وكان يأتيه كل خميس ويقول: هو المسجد الذي أسس على التقوى (٣). وفيها: نزلت فريضة رمضان في شعبان (٤). وفيها: كانت غزاة بدر الكبرى (٥) في سابع عشر رمضان، وقيل: في تاسع عشره،

стр. 1371

وبدر اسم ماء، وقيل: بئر لرجل يدعى بدرًا، وهو عن يمين طريق مكة بين مكة والمدينة. والسبب في هذه الغزاة، أن أبا سفيان بن حرب كان خرج إلى الشام في عير فيها أموال قريش، وكان رسول الله ﷺ قد خرج بسببها ففاتته -كما ذكرنا-، ثم بلغه خبر عَوْدِها من الشام، فخرج يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وقيل: أبو لُبابة (١) بن عبد المنذر، وأُخبرَ النبي ﷺ بما في العير من الأموال وبقلّةِ عددهم، فخرج معه جماعة من الأنصار لم يكن غزا بهم قبل ذلك، وإنما خرجوا طمعًا في الأموال، ولا يُحَدِّثون أنفسهم بكثير قتال، وضرب رسول الله ﷺ عسكره ببئر أبي عِنبَة وهي على ميل من المدينة، وبعث طلحة بن عُبَيد الله وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل يتحسسان خَبَر العير. قال ابن سعد: جميع من شهد بدرًا من المهاجرين الأولين من قريش وحلفائهم ومواليهم في عدد ابن إسحاق: ثلاثة وثمانون، وفي عدد الواقدي: خمسة وثمانون (٢). وجميع من شهدها من الأوس ضرب له بسهمه وأجره في عدد موسى بن عقبة والواقدي: ثلاثة وستون، وفي عدد ابن إسحاق وأبي معشر: أحد وستون (٣). وجميع من شهدها من الخزرج في عدد الواقدي: مئة وخمسة وسبعون، وفي عدد ابن إسحاق مئة وسبعون، قال: فجميع من شهدها من المهاجرين والأنصار، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهم وأَجْر في عدد ابن إسحاق: ثلاثمئة وأربعة عشر، وفي عدد أبي معشر والواقدي: ثلاث مئة وثلاثة عشر، وفي عدد موسى بن عقبة: ثلاث مئة وستة عشر (٤). قال المصنف ﵀: وهذا الذي ذكر ابن سعد في المجمع على هؤلاء لا في المختلف فيه.

стр. 1372

فصل في فَضْل أهل بدر: قال رفاعة بن رافع الزُّرَقي: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ، فقال: ما تَعدُّون أهل بدر فيكم؟ فقال: "مِن أَفْضَلِ المُسلِمينَ" أو كلمة نحوها، فقال جبريل: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة. انفرد بإخراجه البخاري (١). وفي المتفق عليه من حديث علي ﵇: أن النبي ﷺ قال في قصة حاطب: "وَما يُدرِيكَ لعلَّ الله اطَّلَع على أهلِ بدرٍ، فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُم فقَد غَفَرتُ لَكُم" (٢). وقال قيس بن أبي حازم: كان عطاء البدريين خمسة آلاف خمسة آلاف، وقال عمر: لأُفَضِّلَنَّهم في العطاء على مَنْ بَعْدَهم (٣). عدنا إلى أول الغزاة وأقبل أبو سفيان من الشام في سبعين راكبًا من قبائل قريش كانوا تِجارًا، فيهم: مَخْرَمة بن نوفل الزهري وعمرو بن العاص ووجوه قريش، في ألف بعير، فأقبلوا على الساحل يريدون مكة، ورحل رسول الله ﷺ من بئر أبي عِنبَة يريد العير بعد أن عرض أصحابه فَردَّ مَن استصغره، وكان فيمن رد عبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وأسامة بن زيد، ورافع بن خَديج، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وعمير بن أبي وقاص، فبكى، فرده إلى بدر، فقتل في ذلك اليوم، ولم يكن في ظن رسول الله ﷺ أنه يحارب، وإنما قَصد العير، ولما خرج من المدينة خلَّف عُثمانَ بن عفان على ابنته رُقيَّةَ يُمَرِّضُها حتى توفيت، وخلَّف أبا لبابة أميرًا على المدينة، ورَدَّ الحارث بن حاطب إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم. قال البلاذري: وأبطأ على رسول الله ﷺ أناس من الصحابة ظنًّا منهم أنه لا يحارب، منهم: سعد بن عبادة، وقيل: إنه لُسع، ورافعُ بنُ مالك، وعبدُ الله بن أُنَيس، وكعب بن مالك، والعباس بن عُبادة بن نَضْلة، وأُسَيد بن حُضَير (٤).

стр. 1373

ذكر ما كان مع المسلمين من الإبل والخيل: كان معهم سبعون بعيرًا يتعاقبُ البعيرَ النفرُ، وكان بين رسول الله ﷺ وعلي وزيد بن حارث ﵄ بعير، وبين حمزة ومَرْثَد بن أبي مَرْثَد وأبي كبشة وأَنسةَ موليا (١) رسول الله ﷺ بعير، وبين عبيدة بن الحارث والطُّفَيل والحُصين بن الحارث بعير، وبين أبي بكر وعمرو بن عوف بعير (٢). وكان معهم ثلاثة أفراس: فرس المقداد بن عمرو، وفرسٌ لِمَرْثَد الغنوي، وفرس الزبير بن العوام. ذكر الرجل الذي تبع رسول الله ﷺ عند خروجه: قالت عائشة ﵂: لما خرج رسول الله ﷺ إلى بدر، فلما كان بحرَّة الوَبَرة أدركه رجل قد كان يُذكر له جُرْأةٌ ونَجْدَةٌ، فلما رآه أصحاب رسول الله ﷺ فرحوا به، فقال لرسول الله ﷺ : جئت لأتبعَك وأُصيبَ معك. فقال له: "أَتُؤْمِنُ بالله ورَسُولِه "؟ قال: لا. قال: "فارجِع، فَلَن أَستَعِينَ بمُشْرِكٍ" ثم تبعه ثانيًا وثالثًا، وهو يقول له ذلك، ثم أسلم الرجل وتبع النبي ﷺ . انفرد بإخراجه مسلم (٣). قال ابن سعد: اسم هذا الرجل: خُبَيبُ بن يَسَّاف الخزرجي، وكان قد خرج مُنْجدًا لقومه، وطالبًا للغنيمة، وأسلم وغزا مع رسول الله ﷺ فقتل رجلًا من الكفار، وضربه الكافر فشجه، ثم مات. وتزوج خبيب ابنته بعد ذلك، وكانت الضربة في وجهه، فكانت المرأة تقول: لا عدمتُ رجلًا وشَّحَك بهذا الوشاح، فيقول: لا عدمتِ رجلًا أعجل بروح أبيك إلى النار (٤). ذكر مسير رسول الله ﷺ إلى بدر: ولما رحل إلى بدر، بعث العيون، فمنهم: بَسْبَس بن عمرو الأنصاري، وعدي بن

стр. 1374

أبي الزَّغْباء على المقدمة، وجعل على الساقةِ قيسَ بنَ أبي صعصعة، وأمر بمن بعثه في المقدمة أن يلحقوا بالمشركين عيونًا لهم (١). ولما ورد أبو سفيان بدرًا وكان خائفًا من النبي ﷺ ، فلقي في طريقه ببدر مَجْدِي بن عمرو، فقال له: هل أَحْسَست من عيون محمد أحدًا، فوالله ما بمكة قرشي ولا قرشية إلا وقد بعث بها معنا، فقال له: والله ما أدري ولا رأيت ما أنكره إلا راكبين أتيا هذا المكان، وأشار إلى مناخ بسبس وعدي، فقام أبو سفيان إلى مُناخهما، فأخذ من بعر بعيرهما، ففتّه فإذا فيه نوى، فقال: هذه علائف يثرب، هذه عيون محمد، ثم ضرب وجه العير فساحَل بها إلى مكة، واستأجر ضَمْضَم بن عمرو الغِفاري وبعثه إلى مكة نذيرًا لقريش يَسْتَنْفِرهم لأجل أموالهم (٢). وكانت عاتكة بنت عبد المطلب قد رأت قبل قدوم ضمضم بثلاث ليال، كأَن راكبًا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: يا آل غُدَر، يا آل فُجَر، انفروا إلى مصارعكم بعد ثلاث، فاجتمعوا إليه، فدخل المسجد والناس خلفه، فبينما هم على ذلك حوله إذ مَثُل به بعيره على ظهر الكعبة، فصرخ بأعلى صوته كذلك، ثم مَثُل به بعيره على أبي قُبَيسٍ، فصرخ بمثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل، ارفضَّت، فما بقي بيت من بيوت مكة، ولا دار من دورها إلا دخل فيه منها فَلْقَةٌ، فحدثت عاتكة أخاها العباس بذلك، فقال: اكتميها. ثم لقي العباس الوليد بن عتبة، وكان صديقًا له فحدَّثه الحديث، واستكتمه إياه، فذكره الوليد لأبيه، وفشا الحديث. قال العباس: فلقيني أبو جهل، فقال: يا أبا الفَضْل، متى ظهرت فيكم هذه النبيّةُ؟ قلت: وما ذاك؟ قال: منام عاتكة، فأنكره، فقال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبَّأ رجالكم حتى تنبأت نساؤكم، وقد زعمت عاتكة أنه قال: انفروا إلى مصارعكم بعد ثلاث. ونحن نتربص بكم هذه الثلاث، فإن يكن ما قالت حقًّا فسيكون، وإن مضت الثلاث ولم يكن شيء من ذلك كتبنا عليكم كتابًا أنكم أكذب بيت في العرب، قال: ثم مضى العباس، قال: فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد

стр. 1375

المطلب إلا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ويتناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرَةٌ لما سمعت، قال العباس: فلما سمعت قولهن، قلت: والله لأَتعرضنَّ له، فإن عاد لأوقِعَنَّ به، فلما كان اليوم الثالث من رؤيا عاتكة تعرضت له وأنا مغضب، أرى أن قد فاتني منه أمرٌ أُحِبُّ أن أُدرِكَه منه، فدخلت المسجد وإذا به جالس فيه، فمشيت نحوه عساه يعود فأوقع به، إذ خرج عدو الله من باب المسجد يشتد، فقلت: ما له لعنه الله، أكلُّ هذا فَرَقًا من أن أشاتمه، وإذا به قد سمع ما لم أسمع، وهو صوت ضَمْضَم بن عمرو الغفاري وهو قائم على بعيره يصرخ ببطن الوادي، قد شق ثيابه، وجَدَع أنف بعيره وهو ينادي: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد وأصحابه، وما أظنكم تدركونها، الغوث الغوث، فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر. قال ابن إسحاق: فخرجوا سراعًا معهم القَيناتُ بالدُّفوف يقولون: أيظن محمد أنها عير ابن الحضرمي، كلا والله ليعلمن غير ذلك. وكانوا بين رجلين: إما خارجٌ وإما باعثٌ مكانه رجلًا، ولم يبق من رجالات قريش وأشرافهم أحد إلا أن أبا لهب قد بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكان أمية بن خلف شيخًا كبيرًا ثقيلًا فأزمع القعود، ثم عُيِّر فخرج، وقال عتبة لأخيه شيبة، وقد كره الخروج: إنَّ ابن الحنظلية -يعني أبا جهل- رجل مشؤوم وليس يمسه من محمد قرابة ولا رَحِمٌ مثلَ ما يَمَسُّنا، فقال له شيبة: إن لم نخرج صار علينا سُبّةً، فامض بنا يا أبا الوليد مع قومنا، ولما اجتمعت قريش على المسير، ذكروا ما بينهم وبين كنانة من العداوة وقالوا: نخشى أن يأتوا من خلفنا، فتوقفوا عن الخروج، فتبدَّى لهم إبليس في صورة سُراقَةَ بن مالك بن جُعْشُم المُدْلجي، وكان من أشراف كنانة فقال لقريش: أنا جار لكم من كنانة وبكر، فقال لهم أبو جهل: هذا سيد كنانة وقد أجاركم ومن خلفكم فشجَّ (١) القومُ فخرجوا (٢).

стр. 1376

ولما نزلت قريشٌ الجُحْفَةَ، قال جُهَيْم بنَ الصلْتِ بن مَخْرَمة بن المطلب: رأيت فيما بين النائم واليقظان رجلًا أقبل على فرسه ومعه بعير، فقال: قُتل شيبة، قُتل عُتبة، قتل فلان وفلان، حتى عدد رجالًا قتلوا في ذلك اليوم، قال: ورأيته ضرب بعيره في لبَّته، ثم أرسله في العسكر، فلم يبق خباء من الأخبية إلا أصابه نَضْح من دمه، فأخبر الناسَ بما رأى، فقال أبو جهل: هذا نبي آخر، ستعلم غدًا إذا التقينا مَن المقتولُ. وأرسل أبو سفيان من مكة إلى قريش: قد أحرز الله عِيركم وأموالكم فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نَرِدَ بدرًا، وكان الأَخْنَسُ بن شَريق حليفُ بني زهرة قد خرج بهم، ثم أَفْكَرَ، فقال: يا بني زُهْرةَ، قد أنجى الله أموالكم ولا تسمعوا قول هذا المائق، واعصبوا جُبْنَها بي، ثم رجع وكانوا مئة (١). وفيه يقول ابن أبي الزَّغباء (٢): [من الرجز] أَقِم لها صُدورَها يا بَسْبَسُ إنَّ مطايا القوم لا تُحَبَّسُ وحَمْلُها على الطريق أكيسُ قد صنع الله وفرَّ الأَخْنَسُ ولما رجع الأخنس لقيه أبو سفيان بمَرِّ الظَّهْران، فقال: لم رجعتم، لا في العير ولا في النفير، فذهبت مثلًا. فقال له الأخنس: أنت بعثت إلى قريش لترجع، وأبلغه ما قال أبو جهل، فقال له أبو سفيان: واقَوْماه، هذا من عمل عمرو بن هشام يعني أبا جهل، ثم لحق أبو سفيان ببدر، فقاتل مع الكفار قتالًا شديدًا، وجُرِحَ جِراحاتٍ كثيرةً، وهرب إلى مكة ماشيًا (٣). ونزل رسول الله ﷺ ببدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان. ونزلت قريش العُدْوَة القصوى من الوادي خلف الكثيب، ورسول الله ﷺ بالعُدْوَة

стр. 1377

الدُّنيا، فأرسل الله مطرًا عظيمًا، فأصاب المسلمينَ ما لبَّد لهم الأرض، ولم يمنعهم من السير، وأصاب الكفار منه ما منعهم من المسير. فبادرهم رسول الله ﷺ ، ونزل بأدنى وادٍ من بدر، فقال الحُباب بن المنذر: يا رسول الله، أمنزلك هذا أنزلك الله إياه، أم رأيٌ رأيته في الحرب؟ فقال: "بَلْ رَأيٌ رَأَيتُه" فقال: انهض فليس لك هذا بمنزل، فانزل أدنى ماء من القوم، ثم غَوِّر باقي المياه والقُلُبِ، وابنِ على الماء حوضًا واملأه، ثم قاتل القوم فَنشرب ولا يشربون، فنزل جبريل ﵇ فقال: الرأي ما رأى حُباب، فنهض رسول الله ﷺ وفعل ما قال (١). ولما نزل رسول الله ﷺ على الماء، قال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، ألا نبني لك عريشًا من الجريد تكون فيه، واجعل ركائبك عندك، ثم نلقى عدونا، فإن أَظْفَرنا الله عليهم، فذلك الذي أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك ولحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك قوم ما نحن بأشد حبًّا لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى عدوًا ما تخلَّفوا عنك، فدعا له رسول الله ﷺ ، وبني له العريش، فكان فيه هو وأبو بكر (٢). وكان رسول الله ﷺ قد أمرهم بالإفطار، فأفطر البعض وامتنع البعض، فأمر مناديه، فنادى: يا معاشر العصاةِ، أفطروا. فأفطروا، وكان رسول الله ﷺ مفطرًا (٣). وعقد رسول الله ﷺ ثلاثة ألوية، فكان لواؤه الأعظم وهو لواء المهاجرين بيد مصعب بن عمير، ولواء الخزرج بيد الحُباب بن المنذر، ولواء الأوس بيد سعد بن معاذ. وكان مع المشركين ثلاثة ألوية: لواء مع أبي عزيز بن عمير، ولواء مع النَّضرِ بن الحارث، ولواء مع طلحة بن أبي طلحة. وكان المشركون في تسع مئة وخمسين رجلًا من المقاتلة، وكان معهم مئة فرس، وأقبلت قريش، فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهمَّ إنَّ هذه قريش قد أَقبَلَت بُخيَلائِها وحدِّها وحديدها تحادُّك وتكذِّب رسُولَك، اللَّهمَّ نَصرَكَ" (٤).

стр. 1378

ثم استشار رسول الله ﷺ أصحابه، فقام أبو بكر فأحسن القول، وقام عمر فأحسن القول، وقام المقداد وقال: يا رسول الله، امض لما أمرك به ربك، فنحن لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والذي بعثك بالحق نبيًّا، لو ضربت بطونها إلى بَرْكِ الغِماد لجالدنا معك حتى تبلغه، فقال رسول الله ﷺ خيرًا ودعا له به. [ثم قال رسول الله ﷺ : "أَشِيرُوا عليَّ أيُّها النَّاسُ" (١)] وإنما أراد رسول الله ﷺ بقوله: أشيروا علي، الأَنْصارَ، لأنهم لما بايعوه ليلة العقبة قالوا: نحن بُرآء من ذِمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلى دارنا فأنت في ذمامنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءَنا. فخاف رسول الله ﷺ أن لا ينصروه خارج المدينة، ففطن سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، لعلك تريدنا، يعني الأنصار؟ قال: "أَجَل". قال: قد آمنا بك، وصَدَّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك العهود على السمع والطاعة، فامض لما أمرت به، فوالذي بعثك بالحق نبيًّا لو اعترضت البحر فخضته لخضناه، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، ونحن صُبُرٌ عند الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تَقَرُّ به عينك، فقال رسول الله ﷺ : "أبشِرُوا فإنَّ الله قد وَعَدني إحدى الطَّائفتَين" (٢). فبينما هم كذلك إذ وردت رَوايا قريش وفيهم غلام أسود لبني الحجاج، فكان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه؟ فيقول: ما لي بهم علم، ولكن هذا عتبة، وشيبة، وأمية بن خلف، وأبو جهل، فإذا قال لهم ذلك ضربوه، والنبي ﷺ قائم يصلي، فيقول: نعم أُخبركم، هذا أبو سفيان، فإذا تركوه يقول: ما لي بأبي سفيان علم، ولكن هذا عتبة، وشيبة، وأمية في الناس، فيضربونه. فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك، انصرف من صلاته وقال: والذي نفسي بيده إنكم لتضربونَه إذا صدقكم، وتتركونه إذا كذبكم، لقد صدق والله، إنها لقريش (٣).

стр. 1379

وقال رسول الله ﷺ للغلامين -وهما أسلم وعريض-: أخبراني أين قريش؟ قالا: وراء هذا العَقَنْقَلِ الذي ترى بالعُدْوَةِ القصوى. فقال لهما: فكم الجمع؟ قالا: كثير. قال: فكم عدتهم؟ قالا: لا ندري. قال: فكم ينحرون كل يوم؟ قالا: تسع جزائر ويومًا عشرًا. فقال: القوم ما بين التسع مئة إلى الألف، وكانوا كذلك. قال: ومن فيهم من الأشراف؟ قالا: عتبة وشيبة وأبو البَختري، وحكيم بن حِزام، وطُعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وزَمْعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونُبَيْه ومُنَبِّه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد وُدّ في آخرين، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس وقال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها (١). وكان المطعمون في غزاة بدر: عتبة، وشيبةَ، والعباسَ بنَ عبد المطلب، وحكيمَ بن حِزام، وزمعةَ بن الأسود، والمطلبَ بن أسد، وأبا البَخْتري، والعاص بن هشام، ونوفل بن خويلد بن أسد بن العدوية (٢). وقيل: كانوا عشرة. وبَعثَ القوم عُميرَ بن وهب الجُمَحي ليحزر أصحاب رسول الله ﷺ ، فجاء فجال بفرسه في العسكر، ثم رجع إليهم وقال: هم ثلاث مئة رجل يزيدون أو ينقصون شيئًا، ومعهم سبعون بعيرًا وفرسان، ثم قال: أمهلوني حتى أنظر هل لهم كمين؟ فجال بفرسه في الوادي، ثم عاد وقال: لم أر شيئًا ولكن رأيت الولايا (٣) تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، ليس لهم معاقل ولا منعة إلا سيوفهم، أما ترونهم خُرسًا لا يتكلمون يتلمّظون تَلمُّظَ الأفاعي، فوالله لا يقتل منهم رجل حتى يَقْتُلَ منكم رجلًا أو رجالًا، فإذا قتلوا منا مثل عددهم فما خير في العيش بعد ذلك، فَرُوا رأيكم. فمشى حَكيم بن حِزام في الناس، فقال لعتبة بن ربيعة: يا أبا الوليد، أنت كبير

стр. 1380

قريش وسيدها، فهل لك أن لا تزال تُذكر بخيرٍ آخِرَ الدهر؟ قال: وما ذاك؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي، وما أصاب محمد من تلك العير ببطن نخلة، فإنكم لا تطلبون من محمد غير هذا الدم، قال عتبة: قد فعلت وأنت شاهد عليَّ بذلك، ووافقه أخوه شيبة ثم جلس عتبة على جمله وسار في المشركين من قريش يقول: يا قوم أطيعوني ولا تقاتلوا هذا الرجل، واعصِبُوا هذا الأَمر بي، وأنا أتحمل الدية وثمن العير، وقال لحكيم: اذهب إلى ابن الحنظلية -يعني أبا جهل- وقل له: هل لك أن ترجع إلى قومك مع ابنك؟ قال حكيم: فجئت إليه وهو في جماعة، وعامر بن الحضرمي يقول: قد فسخت عقدي من بني عبد شمس، وجعلته في بني مخزوم، فأبلغته ما قال عتبة، فقال: ما وجد رسولًا غيرك، ثم طلع على عتبة والشرُّ في وجهه وقال: انتفخ سحرك؟ فقال له عتبة: ستعلم. فسلَّ أبو جهل سيفه وضرب به متن فرسه، وكان إيماء بن رَحَضةَ حاضرًا، فقال لأبي جهل: بئس الفأل هذا (١). وقد أخرج الإمام أحمد ﵀ في "المسند" بمعناه فقال: خرج عتبة بن ربيعة على جمل أحمر وهو يقول لأصحابه: يا قوم، والله إني لأرى قومًا مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قومِ اعصبوها اليوم برأسي وقد علمتم نصحي وقولوا: جَبُن عتبة بن ربيعة، فقال له أبو جهل -لعنه الله في الدارين-: لو قال غيرك هذا لأَعْضَضْتُه بَظْر أمه، قد ملأت رئتك جوفَك رُعْبًا. فقال له عتبة: يا مُصَفِّرَ استه، ستعلم أينا الجبان (٢). ونظر رسول الله ﷺ إلى عتبة فقال: إن يكن في القوم من يأمر بخير، فعسى صاحبُ الجملِ الأحمر، فقال له حمزة: هو عتبة بن ربيعة (٣). وقال خفاف بن إيماء بن رَحَضَةَ: ما كان شيءٌ أَحبَّ إلى أبي من إصلاح بين الناس، ولما سُقْتُ الجزائِرَ -يعني التي بعثها أبوه إلى قريش، وكان بعث إليهم عشر جزائر- لحقني أبي، فقبلوها ووزعوها، فمر أبي على عُتبة بن ربيعة وهو سيدُ الناس

стр. 1381

يومئذ، فقال له: يا أبا الوليد، ما هذا المسيرُ؟ قال: لا أدري والله، غُلِبْتُ. قال: فأنت سيدُ العشيرة، فما يمنعُك أن تَرْجِعَ بالناس، وتحملَ دمَ حليفك، وتحمِل العِيرَ التي أصابوا بنخلةَ، فتوزِّعَها على قومك، والله ما تطلبون قِبَل محمدٍ إلا هذا، والله ما تقتلون إلا أنفسكم (١). ثم بعث أبو جهل إلى عامر بن الحضرمي وقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك فانْشُد مقتل أخيك، فقام عامر واكتشف وصاح: واعمراه واعمراه، وثار الناس، ونشِبت الحرب (٢). وكان رسول الله ﷺ قد هيّأ أصحابه، وعبّأهم بعد صلاة الفجر، وقال علي ﵇: ما منا رجل ليلة بدر إلا نام إلا النبي ﷺ ، فإنه مازال متوشحًا بسيفه تلك الليلة يصلي ويدعو إلى الصبح (٣). وبعث إلى قريش عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ارجعوا فَلأَن يَليَ هذا الأمرَ مِني غيرُكم، أحب إلي من أن تلوه مني وأَليَه من غيركم أَحبُّ إلي من أن أَلِيَه منكم. فقال حكيم بن حزام: قد عرض عليكم النَّصَف (٤) فاقبلوه، والله لا تنصرون بعد أن عرضه عليكم، فقال أبو جهل: والله لا نرجع بعد أن أمكننا الله منه، ولا نطلب أثرًا بعد عين، ولا يعترض لعيرنا بعدها أبدًا (٥). وأول قتال جرى يوم بدر، أن الأسود بن عبد الأسد المخزومي قال: عاهدت الله لأَشربن من حوضهم، ولأَهدمنَّه. وهجم عليهم، فحمل عليه حمزة ﵁ فضربه بالسيف في رأسه، فوقع على ظهره فلم يزل يحبو حتى اقتحم الحوض يريد أن يَبَرَّ في يمينه، فقتله حمزة (٦).

стр. 1382

وأقبل نفر من الكفار فأوردوا حوضَ رسول الله ﷺ وفيهم حكيم بن حزام على فرس، فقال رسول الله ﷺ : "دعوهم". فما شرب منه أحد إلا قتل أو أسر إلا حكيم بن حزام، فإنه هرب إلى مكة على فرس يقال له: الوجيه، ثم أسلم بعد ذلك. وكان إذا حلف يقول: لا والذي نجَّاني يوم بدر (١). ثم خرج عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، فدعَوْا إلى المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار، فقال لهم عتبة: من أنتم؟ قالوا: نحن من الأنصار. فقال عتبة: لا حاجة لي فيكم، ونادى: يا محمد، أخْرِج إلينا أَكْفاءَنا من قومنا، فقال رسول الله ﷺ : "قُومُوا يا بَنِي هاشِم فَقَاتِلُوا بحَقِّكم الذي بَعَث الله بِه نَبِيَّكم، إذ جاء القومُ بِباطِلِهم ليُطْفِئُوا نُورَ اللهِ، قُم يا حَمزةُ، قم يا علي، قمْ يا عُبيدة بنَ الحارث" فقاموا. وكان على رؤوسهم البيض، فلم يعرفوهم، فقالوا: تكلموا. فقال حمزة: أنا أسد الله وأسد رسوله، فقال عتبة: وأنا أسد الحَلْفاء -يعني الأجَمة-، ثم قال: ومن معك؟ قال: ابن أخي علي وعبيدة بن الحارث، فقال: أكفاء كرام، ثم قال عتبة لابنه الوليد: تقدم يا وليد. فقتل حمزةُ شيبةَ، وقتل عليٌّ الوليدَ بن عتبة، واختلف عبيدة وعتبة ضربتين أثبت كل واحد منهما صاحبه، وكرّ حمزة وعلي على عتبة فقتلاه، وكان ذُباب سيف (٢) عتبة قد أصاب ساق عبيدة، فاحتملاه إلى رسول الله ﷺ والدم يسيل من عضلة ساقه، فقال: يا رسول الله! ألستُ شهيدًا؟ قال: بلى والله. فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيًّا، لعلم أني أحق بما قال منه حيث يقول: [من الطويل] كذبتُم وبَيتِ اللهِ نَخْذُلُ أحمدا … ولمّا نُطاعِنْ دونه ونُنَاضِل ونُسلمُه حتى نُصَرَّعَ حولَه … ونُذْهَلَ عن أبنائنا والحلائلِ (٣) ثم حُمِلَ عبيدة فمات بالصفراء (٤).

стр. 1383

ثم تزاحف الناسُ ودنا بعضهم من بعض، وقال رسول الله ﷺ : "إذا كَثَبَكم القومُ فانضَحُوهُمْ بالنَّبْلِ" (١). ثم دخل رسول الله ﷺ العريش يناشد ربه بما وعده من النصر. وفي أَفْراد البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر وهو في قبة له: "اللَّهمَّ إنِّي أَنْشُدكَ عَهْدَكَ وَوَعدَكَ، اللَّهمَّ إنَّك إنْ تَشَأ لا تُعبَدُ بعدَ اليومِ" فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله، لقد ألححت على ربك. فخرج رسول الله ﷺ وهو في الدرع يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] (٢) والقتال يعمل بين الفريقين. ثم خفق رسول الله ﷺ خفقة، ثم انتبه، فقال: "يَا أَبَا بَكر، أَتاكَ النَّصرُ، هذا جِبريلُ آخذٌ بعِنَانِ فَرَسه يقودُه على ثنَاياه النَّقْعِ" (٣). ولما دخل رسول الله ﷺ العريش، قام سعد بن معاذ على باب البيت ومعه نفر من الأنصار بأيديهم السيوف يحرسون، وخرج رسول الله ﷺ من العريش، وجعل يحرض الناس على القتال، ويعطي القاتل سَلَبَ المقتول. وقال عمر بن الخطاب ﵁: لما كان يوم بدر، نظر رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاث مئة ونيف، وإلى المشركين وهم ألف وزيادة، فاستقبل القبلة ومدَّ يَدَيهِ وعليه إزاره ورداؤه، وقال: "اللهمَّ أنجز لي ما وعدتني" يكررها، ثم قال: "اللهمَّ إن تهلك هذه العصابة من الإسلام لا تعبد في الأرض أبدًا". قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده، والتزمه من ورائه وقال: يا نبي الله، كفاكَ مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، وأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩] الآية، فأمده الله بالملائكة (٤). ولما اشتد القتال، هبت ريح شديدة لم ير مثلها قط، ثم ذهبت وجاءت أخرى، فكان جبريل في الأولى في ألف من الملائكة فوقف في الميمنة، وجاء ميكائيل في الثانية في ألف فوقف في الميسرة، وجاء إسرافيل في ثلاثةِ آلاف [فوقف] في القلب مع

стр. 1384

رسول الله ﷺ (١). وقيل: إنما وقف جبريل مع رسول الله ﷺ ، وهو الأصح. ولم تقاتل الملائكة إلا في يوم بدر، وفيما سواه يشهدون القتال ولا يقاتلون، بل يكونون مددًا وعددًا (٢). ورئي رسول الله ﷺ في آثار المشركين مصلتًا للسيف وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]. وأخذ كفًّا من حصى أو تراب، ورمى به في وجوه الكفار وقال: شاهت الوجوه. فلم يبق مشرك إلا وقع في عينه من ذلك شيء، وانهزموا. فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] الآية (٣). وعن أبي طلحة: أن النبي ﷺ مر يوم بدر بأربعة وعشرين من صناديد قريش، فقذفوا في طَوِيٍّ من أطواء بدر، وكان إذا ظهر على قوم، أقام بالعَرْصَةِ ثلاث ليال، فلما كان اليوم الرابع من بدر أمر براحلته فَشُدَّ عليها رحله، ثم مشى واتَّبعه أصحابه، فجاء فوقف على شفير الرَّكي وجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: "يا فلانَ بن فلان، أَيَسرُّكم أنَّكم أَطَعتُم الله ورَسُولَه، فإنَّا قد وَجَدنا ما وَعَدَنا ربُّنا حَقًّا، فَهَل وجَدْتُم ما وَعَدَكم ربُّكم حَقًّا"؟ فقال له عمر بن الخطاب: ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها، فقال: "والذي نَفسِي بيده ما أَنتُم بأَسْمَعَ لما أَقُولُ منهم" (٤). وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يرينا مصرع القوم، فيقول: "هذا مَصْرَعُ فلانٍ غدًا إنْ شَاء اللهُ تعالى، هذا مَصْرعُ فُلانٍ". فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤوا الحدود التي حددها لهم، فَجُعِلوا في بئر بعضهم فوق بعض (٥). ولما وقف رسول الله ﷺ على القَليب قال: "يا أَهْلَ القَلِيبِ، بئسَ واللهِ العشيرة

стр. 1385

كنتُم لابنِ عمِّكُم؛ كذَّبتُموني وصدَّقني النَّاس، وأَخرجتُموني وآواني النَّاس، وقَتلتُموني ونَصَرني النَّاس (١) ". وقال رسول الله ﷺ في قتلى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيًّا وكلمني في هؤلاء، لتركتهم له" (٢). ولمَّا سُحِبَ عتبة إلى القليب، نظر رسول الله ﷺ إلى وجه ابنه أبي حذيفة وقد تغير وهو كئيب، فقال له رسول الله ﷺ : لعلك دخلك من شأن أبيك شيء؟ قال: لا والله، ولكن كنت أرى في أبي رأيًا وحلمًا، فكنت أرجو أن يهديه الله بذلك إلى الإسلام، فلما رأَيته مات على الكفر، حزنت عليه لأن ذلك لم ينفعه. فدعا له رسول الله ﷺ بخير (٣)، فقال أبو بكر: لقد كان كارهًا للخروج، ولكن حمله الحَينُ ومصارع السوء. ذكر من استشهد يوم بدر من المسلمين (٤): عاقل بن البُكَير، من كنانة حليف عمر بن الخطاب ﵁، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، وأول من بايع رسول الله ﷺ في دار ابن أبي الأرقم، قتله مالك بن زهير الجُشَمي. عُبيدة بن الحارث بن المطلب (٥) بن عبد مناف أبو الحارث، وأمه سُخَيلَةُ بنت خُزاعي، ثقفية، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قديمًا قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر وجُرِحَ في ساقه، جرحه شيبة (٦) بن ربيعة، ومات بالصفراء، فحزن رسول الله ﷺ عليه وكفَّنه في ثوبه، وصلى عليه ونزل في قبره، وكان له ثلاثة وستون سنة، وكان له من الولد معاوية، وعوف، ومنقذ، والحارث، وإبراهيم، ومحمد، وخديجة، وريطة، وسُخيلة، وصفية، لأمهات أولاد شتى.

стр. 1386

عُمير بن أبي وقاص بن وهيب بن عبد مناف بن زُهرة (١) بن كلاب أخو سعد بن أبي وقاص، أمه حَمْنَةُ بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، ولما خرج رسول الله ﷺ إلى بدر، جعل عمير يتوارى مخافة أن يراه رسول الله ﷺ فيستصغره فيرده، فلما عُرِضَ عليه رده فبكى، فأجازه. قال أخوه سعد: فلقد كنت أعقد له سيفه من صغره، قتله عمرو بن عبدِ وُدٍّ، وهو ابن ست عشرة سنة. ذو الشمالين عُمير بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي، من الطبقة الأولى من المهاجرين، قتله زهير بن معاوية الجشمي وهو ابن بضع وثلاثين سنة. وأما صفوان بن بيضاء، فأبوه: وهب بن ربيعة من بني فهر، وأمه: دَعْدُ بنت جَحْدَم فهرية، والبيضاء لقب لها، وصفوان من الطبقة الأولى من المهاجرين. وعامة الرواة على أن طُعَيمة قتله ببدر، إلا الواقدي والزهري (٢). قال الواقدي: عاش إلى سنة ثمان وثلاثين. وقال الزهري: مات بطاعون عمواس. وأما أنَسة مولى رسول الله ﷺ ، فهو من المهاجرين الأولين، واستشهد ببدر، قاله الواقدي (٣). وقال البلاذري: وشهد أُحدًا ومات في خلافة أبي بكر ﵁ (٤). واستشهد من الأنصار: حارثة بن سراقة بن النعمان (٥)، من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه: جعدة وقيل: الرُّبَيِّع بنت النَّضْر، وقيل: بنت عبد المطلب. أسلمت وبايعت، رماه حِبّان بن العَرِقة بسهم، فأصاب حَنْجَرته فذبحه، وقيل: جاءه سَهْمٌ غَرْبٌ فقتله.

стр. 1387

وعن أنس قال: جاءت الرُّبَيِّع بنت النَّضر وهي أم حارثة بن سراقة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا نبي الله، ألا تحدثني عن حارثة -وكان قتل يوم بدر جاءه سهم غَرْبٌ-، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان في غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء؟ فقال لها رسول الله ﷺ ."يا أم حارثة، إنها ليست بجنة واحدة ولكنها جنان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى". انفرد بإخراجه البخاري (١). رافع بن المعلى، من الطبقة الأولى من الأنصار، قتله عكرمة بن أبي جهل. سعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النَّحَّاط، أبو مسعود، من الطبقة الأولى من الأنصار وهو أحد النقباء الاثني عشر، وأمه: هند بنت أوس، شهد العقبة مع السبعين، ولما ندب رسول الله ﷺ الناس إلى بدر، قال له خيثمة: آثِرني بالخروج، فإنه لا بد لأحدنا أن يقيم فأبى سعد، وقال: لو كان غير الجنة لآثرتك بها، وإني لأرجو الشهادة في هذا الوجه، فاستهما فخرج سهم سعد، فقتل ببدر، قتله عمرو بن عبدِ وُدٍّ، وقيل: قتله طُعيمة بن عدي (٢). عُمير بن الحُمام بن الجموح من الطبقة الأولى من الأنصار. وفي الحديث: فسار رسول الله ﷺ إلى بدر، فدنا المشركون، فقال رسول الله ﷺ : "قُومُوا إلى جَنَّة عَرضُها السَّماوات والأرض". قال عمير بن الحمام: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: "نعم". فقال: بخٍ بخٍ يا رسول الله، فقال: "ما يَحمِلُك على قَوْلِك بخٍ بخٍ "؟ قال: رجاء أن أكون من أهلها. قال: "فإنك من أهلها". فأخرج تمرات من قَرْنِه فجعل يأكل منهن، ويقول: لئنْ أنا حييتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم رمى بما كان معه من التمر، ثم قاتَلَ حتى قُتِلَ (٣). عوف ومعوِّذ ابنا عفراء. قد ذكرنا في ترجمة أبي جهل: أن معوّذًا أَثْبَتَ أبا جهل، ثم قتله (٤).

стр. 1388

مُبَشِّر بن عبد المنذر من الطبقة الأولى من الأنصار، قتله أبو ثور. يزيد بن الحارث بن قيس، وأمه فُسْحُم من بني القين، قضاعية، ويزيد من الطبقة الأولى من الأَنْصار، قتله نوفل بن معاوية (١). وذكر الواقدي: أن النبي ﷺ صلى على قتلى بدر، ودفنهم في مصارعهم بدمائهم على حالهم ﵃ (٢). ذكر أعيان من قتل يوم بدر من الكفار قال ابن عباس: حدثني عمر بن الخطاب ﵁: أنهم قتلوا يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين. فنذكر أعيانهم: أُمية بن خَلَف الجُمَحيّ، كان أشدَّ الناس على رسول الله ﷺ . عن ابن مسعود أنه حدث عن سعد بن معاذ وكان صديقًا لأمية بن خلف، وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا أتى مكة نزل على أمية، فقدم سعد مكة معتمرًا فنزل على أمية، ورسول الله ﷺ بالمدينة، فقال سعد لأمية: انظر لي ساعة لعلي أطوف بالبيت فيها، فخرجا نصف الليل فلقيهما أبو جهل، فقال لأمية: يا أبا صفوان، من هذا معك؟ فقال: سعد بن معاذ. فقال أبو جهل: ألا أراك تطوف بالبيت آمنا وقد آويتم الصُّباةَ، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان، لما عُدتَ إلى أهلك سالمًا، فرفع سعد صوته على أبي جهل وقال: والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، قال: وما هو؟ قال: طريقك على المدينة. فقال له أمية: يا سعد، لا ترفع صوتك على أبي جهل، فإنه سيد أهل هذا الوادي. فقال له سعد: دع عنك هذا يا أمية، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه قاتلك". فقال أمية: والله ما كذب محمد قط، ثم قال: أبمكة؟ قال سعد: لا أدري.

стр. 1389

ففزع أمية ورجع إلى أهله، فقال لها: يا أم صفوان، ألم تَرَي إلى ما قال سعد، وأخبرها بما قال، وقال: والله لا أخرج من مكة أبدًا. فلما كانت يوم بدر، لا زال به أبو جهل حتى أخرجه، وقال له: يا أبا صفوان، إنك متى ما رأى الناس قد تخلَّفْتَ وأنت سيد أهل هذا الوادي تخلفوا معك، فلم يزل به حتى قال: أما إذ غلبتني فوالله لأشترين أجود بعير بمكة، ثم قال أمية: يا أم صفوان، جهزيني للخروج، فقالت: أنسيت قوْلَ أخيك اليثربي؟ فقال: لا، ما أكون معهم إلا قريبًا، فخرج معهم فقتل ببدر (١)، قتله خُبَيْبُ بن يَساف، واتفقوا على أن بلالًا ﵁ كان سبب قتله. قال عبد الرحمن بن عوف: كاتبت أمية بن خلف كتابًا على أن يحفظني في صاغيتي بمكة، وأحفظه في صاغيته (٢) بالمدينة، فلما ذكرت عبد الرحمن، قال: لا أعرف عبد الرحمن، كاتِبْني باسمك الذي كان في الجاهلية، فكاتبته عبد عمرو، فلما كان يوم بدر خرجت لأُحْرِزه فأبصره بلال، فخرج حتى وقف على مجلِس من مجالس الأنصار، وقال: يا معاشر الأنصار، هذا أمية بن خلف لا نجوت إن نجا. فخرج مع فريق من الأنصار في آثارنا، فلما خشيت أن يلحقونا، خلَّفت لهم ابنه لأَشْغَلَهم به فقتلوه، ثم لحقونا -وكان أمية رجلًا ثقيلًا-، فقلت له: انزل، فنزل، فألقيت عليه نفسي لأمنعه فتخلَّلوه بالسيوف حتى قتلوه من تحتي، وأصاب أحدهم رجلي بسيفه، فكان عبد الرحمن يريهم ذلك الأثر في قدمه (٣). قال الواقدي: فلما سقط أمية على ظهره، أقبل الحُباب بن المنذر فأدخل سيفه فقطع أنف أمية، وجاء إليه خُبيب بن يساف فضربه حتى قتله، وكان أمية قد ضرب يد خُبيب حتى قطعها من المنكب، فأعادها رسول الله ﷺ فالتحمت، ثم تزوج خُبيب بن يَساف بعد ذلك ابنة أبي بن خلف، فقالت: لا يَشْلل الله يدًا فعلت بك هذا، فيقول حبيب: والله لقد أوردته شَعُوب (٤).

стр. 1390

وأخذ خُبَيْبٌ درعه وسَلَبه، واعترض الحُباب عليُّ بن أمية، فقطع رجله، فصاح صوتًا لم يُسْمَعْ بمثله جزعًا، ثم قتله عمار بن ياسر (١)، وقيل: معاذ بن رفاعة. وقيل لأم صفوان بن أمية: انظري إلى الحُباب بن المنذر هو الذي قتل أمية، فقالت أم صفوان: دعونا من ذكر من قُتِلَ على الشرك، قد أهان الله عليًّا بضربة الحباب بن المنذر، وأكرم الله الحباب بضربه (٢). وقال صفوان لقدامة بن مَظْعون بعدما أسلم صفوان: أنت المُشْلي بأَبي الناسَ يوم بدر، قال قُدامة: والله ما فَعَلْتُ، ولو فَعَلْتُ ما اعتذرت من قتل مشرك، ولكن رأيت فتيةً من الأنصار منهم: معمر بن حبيب بن عبد الحارث يرفع سيفه ويضعه، يقول صفوان: أبو قرد، وكان معمر رجلًا دميمًا، وبلغ ذلك الحارث بن حاطب، فدخل على أم صفوان وهي كريمة (٣) بنت حبيب، فأخبرها بمقالة صفوان وقال: ما يدعنا من الأذى في الجاهلية والإسلام، فقالت أم صفوان: ويحك يا صفوان تنتقص معمر بن حبيب، والله لا أقبل لك صلةً وكرامة سنة، فقال صفوان: يا أماه، والله لا أعودُ، تكلَّمتُ بكلمةٍ لم أُلْقِ لها بالًا (٤). الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، كان من المستهزئين برسول الله ﷺ ، وكان ممن أعان على نقضِ الصحيفة، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧]، إلا أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "مَن لقيَ الحارثَ فلا يقتلْه وليَدَعْه لأَيتامِ بني نَوفَلٍ" (٥). فلقيه خُبيب بن يَساف، ولم يعلم بقول رسول الله ﷺ فقتله كافرًا (٦).

стр. 1391

حنظلة بن أبي سفيان، وأمه: هند بنت عتبة، قتله علي (١)، وقيل: حمزة ﵇ (٢). شَيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو هاشم، وأمه: هند بنت المُضَرِّب من بني لؤي، وكان أسنَّ من أخيه عتبة بثلاث سنين، وكان يضع على رسول الله ﷺ من يؤذيه من غير مباشرة منه، وكان له ابنة يقال لها: رملة، تزوجها عثمان ﵁ وهاجرت معه. طُعَيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وكان ممن يؤذي رسول الله ﷺ ويبالغ في شتمه وتكذيبه، وأسر يوم بدر فأمر رسول الله ﷺ حمزة ﵁ فقتله. العاص بن هشام بن أسد بن عبد العزى بن قصي، أبو البَخْتَريّ، كان ممن أعان على نقض الصحيفة، وكان قليل الأذى لرسول الله ﷺ . وقال رسول الله ﷺ يوم بدر: "مَن لَقِيَ أَبَا البَخْتَري فلا يَقْتُلْه". فلقيه المُجذَّر بن زياد البلوي، فقال له: استأسر، فإن رسول الله ﷺ أمر أن لا تقتل، فقال: معي رفيقٌ، جنادةُ بن مُلَيحَة، فإن استبقيتموه وإلا فلا حاجة لي في الحياة بعده، فأُعَيَّرَ بخذلانه، فقتله المُجَذَّر، وأتى رسول الله ﷺ وقال: والله لقد اجتهدت على أن لا أقتله، فقاتلني قتلته (٣). ويقال: إن الذي قتل [أبا] البختري عمير بن عامر المزني. العاص بن هشام بن المغيرة خال عمر بن الخطاب، قتله عمر بن الخطاب ﵁. عاصم بن أبي عوف، أقبل يوم بدر كأنه ذئب وهو يقول: يا معاشر قريش، عليكم بالقاطع المفرِّق للجماعة الآتي بما لا يُعْرَف، محمَّدٍ، لا نجوتُ إن نجا، فاعترضه أبو دُجانة، فاختلفا ضربتين، فقتله أبو دجانة ووقف بسَلَبه، فمر به عمر بن الخطاب ﵁ وهو على تلك الحال، وقال: دع سَلَبَهُ حتى نُجهضَ العدو، وأنا أشهد لك به، وجاء مَعْبَد بن وهب فضرب أبا دجانة ضربة برك فيها كما يبرك البعير، ثم انتهض وأقبل على مَعْبَد فضربه ضربات، فلم يصنع سيفه شيئًا، فبرك عليه وذبحه بسيفه (٤).

стр. 1392

عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو الوليد، وقيل: أبو هاشم، وأمه: هند بنت المضرِّب أمُّ شيبة، لقي رسول الله ﷺ ، فقال له: يا محمد، إن كنت تريد الشرف شرَّفناك وملّكناك، وإن كنت تريد المال موّلناك. فقال: "اسمَع يا أَبا الوَليدِ" وقرأ رسول الله ﷺ : ﴿حم (١)﴾ السجدة، فقال عتبة: هذا كلام ما سمعت بمثله، ثم التفت إلى قريش وقال: خَلُّوا بينه وبين العرب فليس بتارك أمره (١). وكان عتبة سيدًا شريفًا شاعرًا، يسمى: ريحانة قريش، وكان يقال له: السيد المُمْلِق، ولم يعرف له من الرفث سوى قوله لأبي جهل: يا مُصَفِّر استه، ولحمزة ﵁: أنا سيد الحَلْفاء -يعني الأَجمة- وكان يتوهم أنه النبي المبعوث، وفيه نزل: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١] في أحد الأقوال. وعتبة هو الذي أصلح بين كنانة وقيس بعد حروب أَفنتهم، نادى يوم عكاظ: يا معاشر قريش، إن أبعدكم إلينا قريب، فهلموا إلى الصلح وصلة الأرحام. فقالوا: من أنت؟ فقال: أنا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. قالوا: فما تعطونا؟ قال: إني أعرض عليكم أن نُعطيَ دية من أصيب منكم، ونعفو عمَّن أصيب منا، فما كان لنا عندكم من فضل فهو لكم، وما كان لكم من فضل أديناه إليكم. قالوا: نريد رهنًا بذلك، فأخرج إليهم خمسين غلامًا من قريش فيهم حكيم بن حزام، وقال: هؤلاء الغِلْمَةُ أَعزُّ مَن فينا، فإن وفينا وإلا أخذتم قَوَدَكُم، فلما رأت بنو عامر أن الرهن قد صار في أيديهم رقّوا ورغبوا في العفو، قال حكيم بن حزام: فأطلقونا عشية، وقالوا: الحقوا بأهلكم فقد اصطلح الناس (٢). وقتل عتبة وله سبعون سنة، وقيل: إنّه جاوز المئة سنة. ومن أولاد عتبة: أبو حذيفة، وأبو هاشم واسمه: شيبة، وقيل: هُشيم، وهو أخو أبي حذيفة لأبيه، وأخو مُصعب بن عُمير لأمه، أمهما: خُناس بنت مالك عامرية

стр. 1393

قرشية، أسلم أبو هاشم يوم الفتح، وسكن الشام، وكان من فضلاء الصحابة، وكان أبو هريرة يقول إذا ذكره: ذاك الرجل الصالح، ومات في أيام عثمان. ﵁، ولما مرض دخل عليه معاوية يعوده فبكى، فقال: يا خالي ما يبكيك، أوجع أم حِرص على الدنيا؟ فقال: لا والله لا لهذا ولا لهذا، ولكن رسول الله ﷺ عهد إليَّ فقال: "يا أَبَا هاشمٍ، لعلَّك أن تدركك الأَموَالُ، وإنَّما يَكفِيكَ من الدُّنيا مَركَبٌ وخادِمٌ" (١). وأراني قد جمعت حولي (٢). وكان لعتبةَ من البنات هند أم معاوية نذكرها في سنة أربع عشرة، وأم أبان تزوجها طلحة ﵁، وسنذكرها. واتفق لأم أبان ما لم يتفق لغيرها، كان لها أربعة أخوة وعمَّان شهدوا بدرًا: فأخوان وعم مع رسول الله ﷺ ، وأخوان وعم مع المشركين. أما الأخوان المسلمان: فأبو حذيفة ومصعب بن عمير، والعم المسلم: مَعْمَرُ بن الحارث. والأخوان المشركان: الوليد بن عتبة وأبو عَزيز، والعم المشرك: شيبة بن ربيعة (٣). وفاطمة بنت عتبة تزوجها عَقِيلُ بن أبي طالب، وكان إذا دخل عليها تقول: أين عتبة وشيبة؟ فيقول: إذا دخلت النار فانظري عن يسارك تجديهما، فشكته إلى عثمان ﵁، ثم اصطلحا (٤). عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم، وكان يكنى أبا الحكم، فكناه رسول الله ﷺ أبا جهل، وقال: "من كنى أبا جهل أبا الحكم، فقد أخطأ خطيئةً يستغفر الله منها، ولكل أمة فرعون وفرعون هذه الأمة أبو جهل" (٥). وأمه أسماء بنت مُخَرِّبة بن جندل بن أُبَيْر بن نَهْشل بن دارِم، وأم أسماء عناق بنت الجان من تغلب بن وائل، وأم عناق يقال لها: الشَّموس.

стр. 1394

ذكر مقتله: قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: إني لواقف يوم بدر في الصف نظرت عن يميني وعن شمالي فإذا بغلامين من الأنصار، حديثةٍ أسنانُهما، تمنيت أني كنت بين أَضْلعَ مِنْهُما، فغمزني أحدهما وقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل بن هشام؟ قلت: نعم. وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: بلغني أنه يَسُبُّ رسول الله ﷺ ، والذي نفسي بيده لو رأيته لم يفارق سوادي سوادَه حتى يموتَ الأَعْجَلُ منا، فغمزني الآخر وقال مثل ذلك. فعجبت، فلم أَنشَبْ حتى نظرتُ إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: هذا صاحبُكما الذي تسألان عنه، فاستقبلهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: "أَيُّكما قَتَلَه"؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. قال: "فَهَل مَسحْتُما سَيفَكُما"؟ قالا: لا. فنظر رسول الله ﷺ إلى السيفين وقال: "كِلاكُما قَتَلَه". ثم قضى لهما بسَلَبهِ، وهما: معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء. أخرجاه في "الصحيحين" (١). قال معاذ بن عَمْرو بن الجموح: ضربت أبا جهل ضربةً أَطَنَّت قدمَه بنصف ساقه، فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح، وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلقت بجلد من جنبي، وقاتلت عامة نهاري وأنا أسحبها من خلفي، فلما آذتني جعلت رجلي عليها ثم تمطيت حتى طرحتها. وعاش معاذ إلى أيام عثمان ﵁ (٢). وقال البلاذري: أمر رسول الله ﷺ حين وضعت الحرب أوزارها أن يلتمس أبو جهل في القتلى، وقال: "اللهمَّ لا يعجزك". قال ابن مسعود ﵁: وجدته مرميًا في القتلى على آخر رمق، فوضعت رجلي على عُنُقِه وقلت: الحمد لله الذي أخزاك. فقال: إنما يخزي الله ابنَ أمّ عبد، رُوَيْعينا بالأمسِ، لمن الدائرةُ؟ قلت: لله ولرسوله، فاقتلع البيضة عن قفاه. فقلت: إني قاتلك. فقاك: يا رويعي الغنم، لَسْتَ بأولِ عبدٍ قتل سيده. أما إنَّ أشدَّ [شيءٍ] عليّ لقتلُك إياي،

стр. 1395

وأن لا يكون وَلِي قتلي رجل من الأحْلاف، فقتلتُه وجئت برأسه وسلاحه إلى رسول الله ﷺ فقال: "والله إنَّ ذلِكَ لأَحبُّ إليَّ مِن حُمْر النَّعَم" (١). ورأى بجسده خُضْرةً، فسألت رسول الله ﷺ عنها فقال: "ذاك أثر ضرب الملائكة". وكان أبو سلمة عند رسول الله ﷺ فَوَجِدَ في نفسه، فأقبل على ابن مسعود فقال: أنت قتلته؟ قال: الله قتله. قال: فأنت وَلِيتَ قتله؟ قال: نعم. فقال: لو شاء أن يجعلك في كمِّه، لفعل. فقال ابن مسعود: فقد والله قتلته وجرَّدتُه. فقال أبو سلمة: فما علامته؟ قال: شامة سوداء في فخذه اليمنى. فقال: جرّدته ولم يُجرَّدْ قُرَشي غيره، فقال: لم يكن في قريش أعدى عدوًا لله ورسوله منه، وما أَعْتَذِرُ من شيء صنعته به. فسكت أبو سلمة، ثم استغفر الله بعد ذلك من كلامه في أبي جهل (٢). قال الواقدي: قتل أبو جهل وهو ابن سبعين سنة، وكان يقال له: دَعيُّ بني شَجْع، ولم تثبت نسبته. وفيه يقول حسان (٣): [من الطويل] ألا لَعَن الرحمنُ قومًا يحثُّهم … دَعِيُّ بني شَجْع لحرب محمَّدِ مشومٌ لَعِينٌ قد تَبَيَّنَ جهلُه … قليلُ الحياءِ أمرُه غيرُ مُرْشِدِ فأنزل رَبِّي نَصرَه لرسولِه … وأيَّده بالعِزِّ في كلِّ مَشْهَدِ ذكر أولاده: عكرمة، وأبو علقمة، واسمه: زُرارة قتل باليمن، وأبو حاجب واسمه: تميم، ولم يعقبْ منهم أحد. ومن البنات: دُرَّة (٤)، وهي التي عزم عليٌّ على نكاحها، وعزَّ على رسول الله ﷺ ، فتركها. وجويرية أسلمت يوم الفتح، تزوجها عبد الرحمن بن عتّاب بن أَسِيد، فقُتِل عنها يوم الجمل.

стр. 1396

فصل: وعفراءُ بنت عُبَيْد (١) بن ثعلبة بن غَنْم الأنصارية، كانت عند الحارث بن رفاعة فولدت له معاذًا ومعوِّذًا، ثم طلَّقها، فقدِمت مكة فتزوجها بكير بن ياليل، فولدت له خالدًا وإياسًا وعاقلًا وعامرًا، ثم رجعت إلى المدينة، فراجعها الحارث، فولدت له عوفًا، وكلهم شهدوا بدرًا، فشهد لها ببدر سبعة بنين مسلِمين ﵃ (٢). مُنَبِّهٌ ونُبَيْهٌ ابنا الحجاج السَّهْمي، كانا من المستهزئين برسول الله ﷺ ، وكان يدعو عليهما. فأما منبه فقتله علي ﵁، وقيل: أبو اليَسَرِ الأنصاري، وقيل: أبو أسيد الساعدي. وأما نُبَيه فقتله علي ﵁ بغير خلاف، وكان ذو الفقار لنُبيه، وقيل: لمنبّه، فأخذه علي وجاء به إلى رسول الله ﷺ فتنفَّله. أَبو ذات الكَرِش، واسمه: عبيدة بن سعيد بن العاص. قال الزبير بن العوام ﵁: لقيته يوم بدر وهو مُدَجَّجٌ لا يرى منه إلا عيناه، فقال: أنا أبو ذات الكَرِشِ، فحملت عليه فطعنته بالعَنَزَةِ في عينه، فمات (٣). * * * ذكر أعيان المشهورين من المشركين: وقد قتل منهم سبعون، منهم: الحارث بن الأسود بن المطلب، قتله علي ﵁ (٤).

стр. 1397

وجابر (١) بن السائب وأخوه عويمر (٢)، قتلهما علي ﵁. ورفاعة بن أبي رفاعة، قتله سعد بن الربيع. وزيد بن مليص بن عبد مناف بن عبد الدار، قتله علي ﵁، وقيل: بلال (٣). والسائب بن صيفي بن عابد (٤)، قتله الزبير. والسائب بن أبي رفاعة، قتله عبد الرحمن بن عوف. وعبد الله بن أبي رفاعة، قتله علي ﵁. وعاصم بن أبي عوف، قتله أبو دُجانةَ (٥). وعَقيل بن الأسود بن المطلب، اشترك في قتله حمزة وعلي ﵄. وزمعة بن الأسود، قتله أبو دجانة (٦). وعمير بن أبي عمير، قتله سالم مولى أبي حذيفة. وعمير بن عثمان بن عَمَّار (٧) بن عمرو التيمي، قتله علي، وقيل: صهيب (٨). وقُتِلَ أبو قيس بن الفاكِه، قتله حمزة، وقيل: الحباب بن المنذر (٩).

стр. 1398

ابن عدي، وكنيته: أبو العاص (١)، قتله علي ﵁. وقيل: الحباب بن المنذر. ومسعود بن أبي أمية بن المغيرة قتله علي ﵁. ومَعبَد (٢) بن وهب، قتله أبو دجانة. ومعاوية بن عبد قيس، قتله عُكَّاشة. ونوفل بن أسد بن عبد العزى (٣)، قتله علي ﵁. وعن الزهري قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: "اللَّهمَّ اكْفِني نَوفَلَ بن خُويلِدٍ". وكان أول ما التقى الصفان، يصيح بصوت رفيع: يا معاشر قريش، اليوم يوم الرِّفعة والعلاء، فلما انكشفت قريش قال: يا معاشر الأنصار، ما حاجتكم إلى دمائنا. فأسره جبَّار بن صخر فهو يسوقه، إذ رأى عليًّا ﵁ مقبلًا نحوه، فقال: يا أخا الأنصار، مَنْ هذا؟ واللّات والعزى إنه ليريدني. فقال: هذا علي بن أبي طالب. فصمد له علي ﵁ فقتله، فقال رسول الله ﷺ : "مَن له عِلْمٌ بنَوفَلِ بن خُويلِدٍ"؟ فقال علي: أنا قتلته. فكبَّر رسول الله ﷺ وقال: "الحمدُ لله الذِي أَجَابَ دَعوَتي فيه" (٤). وبلغ النجاشيَّ مقتلُ قريش ببدر، فخرج في ثوبين أبيضين، وجلس على الأرض، ثم دعا جعفرًا وأصحابه وقال: أيكم يعرف بدرًا، فأخبروه. فقال النجاشي: أنا عارف بها، قد رَعَيتُ الغنم في جوانبها، هي من الساحل على بعض نهار، ولكني أردت أن أتثبت منكم، قد نصر الله رسوله ببدر وأحمد الله على ذلك. فقال له بطارقته: قد رأيناك صنعت اليوم شيئًا لم تكن صنعته، لبست ثوبين أبيضين، وجلست على الأرض، فقال: إني من قوم إذا أحدث الله فيهم نعمة، ازدادوا بها تواضعًا، وفي رواية: إن عيسى ﵇ كان إذا أُحْدِثَ له من الله نعمة، ازداد تواضعًا (٥).

стр. 1399

وعن أنس: لما فرغ رسول الله ﷺ من بدر، جاءه جبريل ﵇ على فرس أنثى حمراء، وعليه درع وبيده رمح، فقال: يا محمد، إن الله أرسلني إليك وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى، فهل رضيت؟ قال: نعم. فانصرف جبريل ﵇ (١). وقال ابن عباس: أول من قدم مكة بمصاب قريش، الحَيْسُمانُ بن عبد الله الخزاعي، وهو ينادي بالويل والثبور، فقيل له: ما وراءك؟ فقال: قتل عتبة، قتل شيبة، قتل أمية، قتل الوليد، قتل أبو جهل، قتل فلان وفلان. وجعل يَعُدُّهم، وكان صفوان بن أمية في الحِجْر، فقال: إن يَعْقِلْ هذا، فسلوه عني؟ فقالوا: ما فعل صفوان؟ قال: هو قاعد في الحِجْر، ولقد رأيت والله أباه وأخاه حين قتلا (٢). وكانت هند بنت عتبة تقول: لو أعلم أن الحزن يذهبه البكاء لبكيت، وقالت: [من مجزوء الكامل] للهِ عَينا من رأى … هُلْكًا كَهُلْكِ رجاليَهْ يا رُبَّ باكٍ لي غدًا … في النَّائباتِ وباكيَهْ (٣) كم غادَرُوا يومَ القَليـ … ــــبِ غداةَ تلك الواعِيَهْ (٤) مِن كلِّ ليثٍ في المُحو … لِ إذا الكواكب جاريهْ (٥) قد كنتُ أحذَرُ ما جَرَى … فاليومَ حُقَّ حِذاريهْ يا رُبَّ قائلةٍ غدًا … يا ويحَ أمِّ معاويهْ وكان الأسود بن المطلب من المستهزئين برسول الله ﷺ ، وكلَّمه يومًا كلامًا شقَّ عليه، فدعا عليه رسول الله ﷺ بالعمى والثُّكْلِ، فأعماه الله وأثكله. وكان خرج يومًا إلى ظاهر مكة يستقبل بعض بنيه، وقد قدم من الشام، فجلس في ظل شجرة، فجاءه جبريل ﵇، فجعل يضرب وجهه وعينيه بشوك حتى عمي، فشغل

стр. 1400

عن رسول الله ﷺ . فلما كان يوم بدر، قتل بنوه الثلاثة فكان يقول: دعوت على محمد أن يكون طريدًا في غير قومه وبلده، فاستجيب، ودعا عليّ بالعمى والثكل فاستجيب له (١). ومات الأسود في السنة الثالثة من الهجرة والمشركون يتجهزون إلى أُحد، وعاش مئة سنة. ولما ذكر رسول الله ﷺ عاقِرَ الناقة، قال: "كان عزيزًا في قومه كأبي زَمْعَةَ الأسود بن المُطَّلِب في قومه" (٢). وبعث رسول الله ﷺ البشائر إلى المدينة: عبدَ الله بنَ رَواحة إلى أهل العالية، وزيدَ بن حارثة إلى أهل السافلة. قال أُسامة بن زيد ﵄: قدم أبي إلى المدينة وقد سَوَّينا التراب على رُقَيَّةَ بنتِ رسول الله ﷺ ، وكانت عند عثمان بن عفان ﵁ خلَّفه عليها يُمَرِّضُها. قال أسامة: فأتيت أبي وهو قائم بالمُصَلّى قد غشيه الناس وهو يقول: قتل شيبة، قتل عتبة، قتل فلان وفلان. فقلت: يا أبت، بالله حقًّا ما تقول؟ فقال: إِي والله يا بني (٣). واستعمل رسول الله ﷺ على الغنائم عبد الله بن كعب المازني، وقيل: عبد الله بن قيس، ثم ارتحل ﷺ قافلًا إلى المدينة، ونزل على كثيب فقسم الغنائم بين المسلمين على السواء (٤). وكان الكفار قد جاؤوا بمئة فرس، فنجَوْا منها بسبعين وحصل في أيدي المسلمين ثلاثون وسبع مئة بعير، وأسلحة ودروع وسيوف كثيرة، وتنفَّل رسول الله ﷺ ذا الفَقار وجَمَلَ أبي جهل، وكان مَهْريًا، فكان رسول الله ﷺ يغزو عليه ويضرب في لقاحه (٥).

стр. 1401

وقال سعد بن أبي وقاص ﵁: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، فقتلت سعيد بن العاص بن أمية، وأخذت سيفه وكان يسمى: ذا الكتيفة، فأعجبني، فجئت به إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شفا صدري من المشركين، فهب لي هذا السيف. فقال: "لَيسَ هذا لي ولا لَك، فَاذْهَب فَاطْرَحهُ في القَبَضِ". فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قَتْل أخي وأَخْذِ سَلَبي، وقلت: عسى يُعطى هذا لمن لا يُبْلي بلائي، فما جازوت قليلًا حتى جاءني رسول الله ﷺ ، فخفت أن يكون نزل فيَّ شيء، وأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ … ﴾ [الأنفال: ١]، الآية، فلما انتهيت إلى رسول الله ﷺ ، قال لي: "يا سَعْدُ، إنَّك سَأَلتَنِي السَّيفَ، ولَيسَ لِي، وقد صَارَ الآن لِي، فَاذْهَبْ وخُذْهُ"، فأخذته (١). وكان قد تخلف عن بدر ثلاثة من المهاجرين، وخمسة من الأنصار لعذر، فضرب لهم رسول الله ﷺ بسهامهم وأجورهم. فمنهم: عثمان بن عفان -رضوان الله عليه- خلَّفه رسول الله ﷺ على ابنته رقية ﵄ يُمَرِّضُها. وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بعثهما رسول الله ﷺ يتجسسان العير وخبر قريش ففاتهم ذلك، وقدما المدينة يوم وقعة بدر. ومن الأنصار: عاصم بن عدي بن العجلان، خلفه رسول الله ﷺ بالمدينة على أهل العالية لشيء بلغه عنهم. والحارث بن حاطب العَمْري، خرج مع رسول الله ﷺ فردَّه من الرَّوْحاء إلى بني عمرو بن عوف. والحارث بن الصمة، وخَوّات بن جبير خرجا مع رسول الله ﷺ فردهما إلى المدينة. وأبو لبابة بن عبد المنذر خلفه رسول الله ﷺ على المدينة، ولا خلاف في هؤلاء الثمانية (٢).

стр. 1402

ولما وصل رسول الله ﷺ الرَّوْحاءَ التقاه المسلمون يهنؤونه بالفتح والظَّفَرِ، فقال [سلمة بن] سلامة بن وَقْش -وكان مع رسول الله ﷺ ببدر-: وهل لقينا إلا عجائز صُلْعًا كالبُدْن المُعَقَّلة، فنحرناها نحرًا، فبماذا يهنئون رسول الله ﷺ . فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "لا يَا ابن أَخِي، لا تَقُل كَذا، أُولئِكَ المَلأُ مِن قُريشٍ -يعني السادة الأشراف- لَو رَأَيتَهُم لَهِبْتَهم، ولو أَمرُوكَ لأَطعْتَهم، ولو رَأَيتَ فِعَالك مع فِعالِهم لاحتقرته (١)، ولبئس القوم كانوا على ذلك لنبيِّهم" (٢). وعند انفصال رسول الله ﷺ عن بدر قاصدًا إلى المدينة، قَتَلَ عُقْبةَ بنَ أبي مُعَيط، والنَّضْرَ بنَ الحارث، واسم أبي معيط: أبان بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، وكان أبو عمرو يُسمّى ذَكْوان، وكان عبدًا، فاستخلفه أمية وكنّاه أبا عمرو، فخلف على امرأة أبيه وهي بنت أبان أم الأعياص (٣). وقال هشام بن الكلبي: خرج أمية إلى الشام، فأقام به عشر سنين، فوقع على أَمَةٍ يهودية من أهل صفورية لرجل من لخم، يقال لها: الثريا، وكان لها زوج يهودي، فحملت منه بذكوان وهي على فراش اليهودي، فاستلحقه (٤) أمية، ثم قدم به مكة وكنّاه أبا عمرو. وكان عقبة يكنى: أبا الوليد، وكان هو والنضر أشدَّ عداوة لرسول الله ﷺ من جميع قريش، فأسره يوم بدر عبد الله بن سلمة بن العَجْلاني، فأخذه وأتى به رسول الله ﷺ فأمر بقتله، فقال: يا ويلتي علام أقتل من بين هؤلاء؟ فقال رسول الله ﷺ : "لِعَدَاوتِك الله ورَسولَه" (٥). فقال: يا محمد، ناشدتك الله والرحم، فقال: "وأيُّ رَحِم بيني وبينَكَ، وهَل أَنتَ إلَّا عِلْجٌ مِن أَهلِ صَفُّورِيَّةَ".

стр. 1403

وقال الواقدي: كان عقبة يقول بمكة، والنبي ﷺ مهاجر بالمدينة: [من البسيط] يا راكبَ النَّاقةِ القَصْوَاءِ هاجرَنا … عمّا قليلٍ تراني راكبَ الفَرَسِ أَعِلُّ رُمحيَ فيكم ثم أَنْهَلُه … والسيفُ يأخذُ منكم كل مُلتبسِ وبلغ رسول الله ﷺ ، فقال: "اللهمَّ كُبَّه لمَنْخِره واصْرَعْه" (١). وحكى البلاذري: أنه لما حضر بين يدي رسول الله ﷺ ، قال له: "والله لأقتُلَنَّك". فقال: يا محمد، مَن للصبية، قال: "النار". فقيل لرسول الله ﷺ : أتقتله من بين قريش؟ قال: "نعم، لقد وطئ على عُنقي يومًا وأنا ساجد، فما رفع رجله حتى ظننت أن عينيَّ قد سقطتا، وجاء يومًا بسلا جَزور فألقاه على رأسي" الذي قتله ثابت بن أبي الأفلح، ضرب عنقه ثم صلبه. فهو أول مصلوب في الإسلام (٢). النَّضرُ بن الحارث بن علقمة بن كَلَدةَ بن هاشم بن عبد مناف بن قصي (٣)، أبو فائد. كان أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ ، ولقي رسول الله ﷺ فقال له: أنت الذي تزعم أنه يوحى إليك، وأنك ستوقع بقريش عن قريب؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم، وَأَنْتَ مِنهُم" ثم قرأ: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ (٤) [الأعراف: ١٨٥]. قال البلاذري: والذي أسره يوم بدر المقداد بن الأسود، فلما نزل رسول الله ﷺ الصفراء أمر عليًّا بقتله (٥). قال المقداد: يا رسول الله، أسيري! فقال: إنه كان يؤذي الله ورسوله ويقولُ ما قال. اللهمَّ أَغْنِ المقداد من فضلك، ولما جيء به إلى بين يدي رسول الله ﷺ أسيرًا، قال لرجل: والله إن محمدًا قاتلي، قال: ومن أين علمت؟ قال: لقد نظر إلي بعينين فيهما الموت، ثم قال لمصعب بن عمير: أنت أَقْرَبُ مَنْ ها هنا وأمسُّ بي رحمًا من

стр. 1404

القوم، فكلِّم صاحبك فيَّ عسى أن يجعلني كواحدٍ من أصحابي. فقال: إنك قلت كذا وفعلت كذا. فقال: يا مصعب ليس هذا بحين عتاب، فوالله لو أسرتك قريش لدافعت عنك، فقال مصعب: إن الإسلام قطع بيننا وبينكم العهود، فقتله علي -رضوان الله عليه- بالأُثَيل (١)، فقالت أخته قُتَيلَةُ (٢): [من الكامل] يَا راكِبًا إنَّ الأُثَيلَ مَظِنَّةٌ … مِن صُبْحِ خامسةٍ وأَنتَ مُوَفَّقُ أَبْلِغ بها مَيتًا هناك تحيةً … ما إنْ تَزالُ بها الرَّكائِبُ تَخْفِقُ منِّي إليه وعَبْرةً مسفوحةً … جَادَت لسَافِحها وأخرى تخنُقُ هل يسمعنِّي النَّضْرُ إن نادَيتُه … أَم كيفَ يَسمَعُ ميِّتٌ أو يَنطقُ قولا لأحمدَ أَنت ضِنْءُ كَريمةٍ … لنجيبةٍ والفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ (٣) ما كان ضَرَّك لو مَنَنْتَ وربَّما … مَنَّ الفتى وهو المغِيظُ المُحْنَقُ والنَّضُر أَقربُ مَنْ قَتَلْتَ قَرابةً … وأَحقُّهم إن كان عِتْقٌ يُعْتَقُ ظلَّت سُيوفُ بني أبيه تَنوشُه … لله أَرحامٌ هناك تَشَقَّقُ (٤) قَسْرًا يقاد إلى المنية متعبًا … رَسْفَ المُقَيَّد وَهْوعانٍ موثَقُ (٥) فَيُقال: إن رسول الله ﷺ لما بلغه هذا الشعر قال: "لو سمعتُه قبل قتله لما قتلتُه" (٦). وسبق رسولَ الله ﷺ الأسرى إلى المدينة بيوم، وقال للذين معهم: "استوصوا بهم خيرًا" (٧)، واستعمل عليهم شُقْران مولاه (٨).

стр. 1405

قال الواقدي: كانوا تسعة وأربعين رجلًا (١). وروى مسلم، عن عمر بن الخطاب ﵁: أنهم أسروا سبعين (٢). فنذكر أعيانهم: الأسود بن عامر، الحارث بن أبي وَجْزةَ، خالد بن الأعلم العُقيلي، سهيل بن عمرو، العباس بن عبد المطلب، عبد الله بن أُبيِّ بن خلف، عثمان بن عبد الله بن المغيرة، عثمان بن عبد شمس، المطلب بن حَنْطَب، الوليد بن الوليد بن المغيرة، أبو العاص بن الربيع، أبو عَزيز بن عمير، أبو عَزَّةَ الشاعر، أبو ثور. واستشار رسول الله ﷺ أصحابه في الأسرى، فأشار أبو بكر ﵁ بالفداء، وأشار عمر بن الخطاب ﵁ بقتلهم (٣). ففدى كلَّ واحد بأربعة آلاف درهم (٤)، وقيل: بأربعين أوقية، وبعضهم بأقل (٥). ذكر ما جرى في الأسارى: عن ابن مسعود ﵁ قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى قال رسول الله ﷺ : "ما تَقُولونَ في هَؤُلاءِ"؟ فقال أبو بكر: قومك يا رسول الله وأهلك، استبقهم واستَأْن بهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فِدية تكون لنا قوة. وقال عمر: يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك، ما أرى ما رآه أبو بكر، ولكن أرى أن تمكِّنَ عليًّا من عَقيل فيضرب عنقه، وتُمكِّنَني من فلان -نسيبًا كان لعمر- فأضرب عنقه، وتمكِّن حمزة من أخيه العباس فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا للمشركين هوادة، هؤلاء صناديدهم وقادتهم وأئمتهم. وقال عبد الله بن رواحة: انظر واديًا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أَضرِم عليهم نارًا. فقال له العباس: قُطِعَتْ رَحِمُك.
следующие страницы →