← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وقال سعد بن أبي وقاص ﵁: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، فقتلت سعيد بن العاص بن أمية، وأخذت سيفه وكان يسمى: ذا الكتيفة، فأعجبني، فجئت به إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شفا صدري من المشركين، فهب لي هذا السيف. فقال: "لَيسَ هذا لي ولا لَك، فَاذْهَب فَاطْرَحهُ في القَبَضِ". فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قَتْل أخي وأَخْذِ سَلَبي، وقلت: عسى يُعطى هذا لمن لا يُبْلي بلائي، فما جازوت قليلًا حتى جاءني رسول الله ﷺ ، فخفت أن يكون نزل فيَّ شيء، وأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ … ﴾ [الأنفال: ١]، الآية، فلما انتهيت إلى رسول الله ﷺ ، قال لي: "يا سَعْدُ، إنَّك سَأَلتَنِي السَّيفَ، ولَيسَ لِي، وقد صَارَ الآن لِي، فَاذْهَبْ وخُذْهُ"، فأخذته (١). وكان قد تخلف عن بدر ثلاثة من المهاجرين، وخمسة من الأنصار لعذر، فضرب لهم رسول الله ﷺ بسهامهم وأجورهم. فمنهم: عثمان بن عفان -رضوان الله عليه- خلَّفه رسول الله ﷺ على ابنته رقية ﵄ يُمَرِّضُها. وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بعثهما رسول الله ﷺ يتجسسان العير وخبر قريش ففاتهم ذلك، وقدما المدينة يوم وقعة بدر. ومن الأنصار: عاصم بن عدي بن العجلان، خلفه رسول الله ﷺ بالمدينة على أهل العالية لشيء بلغه عنهم. والحارث بن حاطب العَمْري، خرج مع رسول الله ﷺ فردَّه من الرَّوْحاء إلى بني عمرو بن عوف. والحارث بن الصمة، وخَوّات بن جبير خرجا مع رسول الله ﷺ فردهما إلى المدينة. وأبو لبابة بن عبد المنذر خلفه رسول الله ﷺ على المدينة، ولا خلاف في هؤلاء الثمانية (٢).

стр. 1402

ولما وصل رسول الله ﷺ الرَّوْحاءَ التقاه المسلمون يهنؤونه بالفتح والظَّفَرِ، فقال [سلمة بن] سلامة بن وَقْش -وكان مع رسول الله ﷺ ببدر-: وهل لقينا إلا عجائز صُلْعًا كالبُدْن المُعَقَّلة، فنحرناها نحرًا، فبماذا يهنئون رسول الله ﷺ . فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "لا يَا ابن أَخِي، لا تَقُل كَذا، أُولئِكَ المَلأُ مِن قُريشٍ -يعني السادة الأشراف- لَو رَأَيتَهُم لَهِبْتَهم، ولو أَمرُوكَ لأَطعْتَهم، ولو رَأَيتَ فِعَالك مع فِعالِهم لاحتقرته (١)، ولبئس القوم كانوا على ذلك لنبيِّهم" (٢). وعند انفصال رسول الله ﷺ عن بدر قاصدًا إلى المدينة، قَتَلَ عُقْبةَ بنَ أبي مُعَيط، والنَّضْرَ بنَ الحارث، واسم أبي معيط: أبان بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، وكان أبو عمرو يُسمّى ذَكْوان، وكان عبدًا، فاستخلفه أمية وكنّاه أبا عمرو، فخلف على امرأة أبيه وهي بنت أبان أم الأعياص (٣). وقال هشام بن الكلبي: خرج أمية إلى الشام، فأقام به عشر سنين، فوقع على أَمَةٍ يهودية من أهل صفورية لرجل من لخم، يقال لها: الثريا، وكان لها زوج يهودي، فحملت منه بذكوان وهي على فراش اليهودي، فاستلحقه (٤) أمية، ثم قدم به مكة وكنّاه أبا عمرو. وكان عقبة يكنى: أبا الوليد، وكان هو والنضر أشدَّ عداوة لرسول الله ﷺ من جميع قريش، فأسره يوم بدر عبد الله بن سلمة بن العَجْلاني، فأخذه وأتى به رسول الله ﷺ فأمر بقتله، فقال: يا ويلتي علام أقتل من بين هؤلاء؟ فقال رسول الله ﷺ : "لِعَدَاوتِك الله ورَسولَه" (٥). فقال: يا محمد، ناشدتك الله والرحم، فقال: "وأيُّ رَحِم بيني وبينَكَ، وهَل أَنتَ إلَّا عِلْجٌ مِن أَهلِ صَفُّورِيَّةَ".

стр. 1403

وقال الواقدي: كان عقبة يقول بمكة، والنبي ﷺ مهاجر بالمدينة: [من البسيط] يا راكبَ النَّاقةِ القَصْوَاءِ هاجرَنا … عمّا قليلٍ تراني راكبَ الفَرَسِ أَعِلُّ رُمحيَ فيكم ثم أَنْهَلُه … والسيفُ يأخذُ منكم كل مُلتبسِ وبلغ رسول الله ﷺ ، فقال: "اللهمَّ كُبَّه لمَنْخِره واصْرَعْه" (١). وحكى البلاذري: أنه لما حضر بين يدي رسول الله ﷺ ، قال له: "والله لأقتُلَنَّك". فقال: يا محمد، مَن للصبية، قال: "النار". فقيل لرسول الله ﷺ : أتقتله من بين قريش؟ قال: "نعم، لقد وطئ على عُنقي يومًا وأنا ساجد، فما رفع رجله حتى ظننت أن عينيَّ قد سقطتا، وجاء يومًا بسلا جَزور فألقاه على رأسي" الذي قتله ثابت بن أبي الأفلح، ضرب عنقه ثم صلبه. فهو أول مصلوب في الإسلام (٢). النَّضرُ بن الحارث بن علقمة بن كَلَدةَ بن هاشم بن عبد مناف بن قصي (٣)، أبو فائد. كان أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ ، ولقي رسول الله ﷺ فقال له: أنت الذي تزعم أنه يوحى إليك، وأنك ستوقع بقريش عن قريب؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم، وَأَنْتَ مِنهُم" ثم قرأ: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ (٤) [الأعراف: ١٨٥]. قال البلاذري: والذي أسره يوم بدر المقداد بن الأسود، فلما نزل رسول الله ﷺ الصفراء أمر عليًّا بقتله (٥). قال المقداد: يا رسول الله، أسيري! فقال: إنه كان يؤذي الله ورسوله ويقولُ ما قال. اللهمَّ أَغْنِ المقداد من فضلك، ولما جيء به إلى بين يدي رسول الله ﷺ أسيرًا، قال لرجل: والله إن محمدًا قاتلي، قال: ومن أين علمت؟ قال: لقد نظر إلي بعينين فيهما الموت، ثم قال لمصعب بن عمير: أنت أَقْرَبُ مَنْ ها هنا وأمسُّ بي رحمًا من

стр. 1404

القوم، فكلِّم صاحبك فيَّ عسى أن يجعلني كواحدٍ من أصحابي. فقال: إنك قلت كذا وفعلت كذا. فقال: يا مصعب ليس هذا بحين عتاب، فوالله لو أسرتك قريش لدافعت عنك، فقال مصعب: إن الإسلام قطع بيننا وبينكم العهود، فقتله علي -رضوان الله عليه- بالأُثَيل (١)، فقالت أخته قُتَيلَةُ (٢): [من الكامل] يَا راكِبًا إنَّ الأُثَيلَ مَظِنَّةٌ … مِن صُبْحِ خامسةٍ وأَنتَ مُوَفَّقُ أَبْلِغ بها مَيتًا هناك تحيةً … ما إنْ تَزالُ بها الرَّكائِبُ تَخْفِقُ منِّي إليه وعَبْرةً مسفوحةً … جَادَت لسَافِحها وأخرى تخنُقُ هل يسمعنِّي النَّضْرُ إن نادَيتُه … أَم كيفَ يَسمَعُ ميِّتٌ أو يَنطقُ قولا لأحمدَ أَنت ضِنْءُ كَريمةٍ … لنجيبةٍ والفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ (٣) ما كان ضَرَّك لو مَنَنْتَ وربَّما … مَنَّ الفتى وهو المغِيظُ المُحْنَقُ والنَّضُر أَقربُ مَنْ قَتَلْتَ قَرابةً … وأَحقُّهم إن كان عِتْقٌ يُعْتَقُ ظلَّت سُيوفُ بني أبيه تَنوشُه … لله أَرحامٌ هناك تَشَقَّقُ (٤) قَسْرًا يقاد إلى المنية متعبًا … رَسْفَ المُقَيَّد وَهْوعانٍ موثَقُ (٥) فَيُقال: إن رسول الله ﷺ لما بلغه هذا الشعر قال: "لو سمعتُه قبل قتله لما قتلتُه" (٦). وسبق رسولَ الله ﷺ الأسرى إلى المدينة بيوم، وقال للذين معهم: "استوصوا بهم خيرًا" (٧)، واستعمل عليهم شُقْران مولاه (٨).

стр. 1405

قال الواقدي: كانوا تسعة وأربعين رجلًا (١). وروى مسلم، عن عمر بن الخطاب ﵁: أنهم أسروا سبعين (٢). فنذكر أعيانهم: الأسود بن عامر، الحارث بن أبي وَجْزةَ، خالد بن الأعلم العُقيلي، سهيل بن عمرو، العباس بن عبد المطلب، عبد الله بن أُبيِّ بن خلف، عثمان بن عبد الله بن المغيرة، عثمان بن عبد شمس، المطلب بن حَنْطَب، الوليد بن الوليد بن المغيرة، أبو العاص بن الربيع، أبو عَزيز بن عمير، أبو عَزَّةَ الشاعر، أبو ثور. واستشار رسول الله ﷺ أصحابه في الأسرى، فأشار أبو بكر ﵁ بالفداء، وأشار عمر بن الخطاب ﵁ بقتلهم (٣). ففدى كلَّ واحد بأربعة آلاف درهم (٤)، وقيل: بأربعين أوقية، وبعضهم بأقل (٥). ذكر ما جرى في الأسارى: عن ابن مسعود ﵁ قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى قال رسول الله ﷺ : "ما تَقُولونَ في هَؤُلاءِ"؟ فقال أبو بكر: قومك يا رسول الله وأهلك، استبقهم واستَأْن بهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فِدية تكون لنا قوة. وقال عمر: يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك، ما أرى ما رآه أبو بكر، ولكن أرى أن تمكِّنَ عليًّا من عَقيل فيضرب عنقه، وتُمكِّنَني من فلان -نسيبًا كان لعمر- فأضرب عنقه، وتمكِّن حمزة من أخيه العباس فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا للمشركين هوادة، هؤلاء صناديدهم وقادتهم وأئمتهم. وقال عبد الله بن رواحة: انظر واديًا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أَضرِم عليهم نارًا. فقال له العباس: قُطِعَتْ رَحِمُك.

стр. 1406

فسكت رسول الله ﷺ عنهم، فقام فدخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة. ثم خرج عليهم، فقال: "إنَّ الله لَيُلَيِّنُ قُلوبَ رجالٍ فيه حتى تكونَ أَلينَ من اللَّبَنِ، وإنَّ الله لَيُشدِّدُ قلوبَ رجالٍ فيه حتى تكونَ أشدَّ من الحجارَةِ، وإن مثَلَك يا أبا بَكرٍ، مَثَل إبراهيمَ ﵇ قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومَثَلك يا أبا بكرٍ، مَثَل عِيسَى ﵇ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ قال: [المائدة: ١١٨] الآية. ومَثَلك يا عمرُ، مَثَل نوحٍ ﵇ إذ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ومَثَلك يا عُمر، كمَثَل موسَى ﵇ ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: [يونس: ٨٨] الآية". ثم قال رسول الله ﷺ : "أَنتُمُ اليومَ عَالةٌ، فلا يُفلِتنَّ أحدٌ إلا بِفِداءٍ أو ضَربِ عُنُقٍ". قال ابن مسعود: فقلت: إلا سهيل بن بيضاء، فإني رأيته أو سمعته يذكر الإسلام. فسكت رسول الله ﷺ ، فما رأيتني في يوم أخْوَفَ من أن يقع عَليَّ الحجارة من السماء من ذلك اليوم، فقال رسول الله ﷺ : "إلا سُهيلَ بن بَيضَاءَ" وأنزل الله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ (١) [الأنفال: ٦٨]. وقد أكثر الشعراء في غزاة بدر، قال أمية بن أبي الصلت (٢): [من مجزوء الكامل] هَلَّا بَكَيتَ على الكِرَا … مِ بني الكِرامِ أُولي المَمَادِحْ كَبُكا الحَمامِ على فُرُو … عِ الأَيكِ بالصبح الجوانح (٣) يبكين حَرَّى مُستكِيـ … ناتٍ يَرُحْنَ مع الرَّوائح أمثالُهنَّ الباكِيَا … تُ المُعْولاتُ مع النوائح ماذا بِبَدْر والعَقَنْـ … ــــقَلِ من مَرازبةٍ جَحاجح القائلين الفاعليـ … ن الآمرين بكل صالح فلقد تنكَّر بطن مكّةَ … فَهْيَ مُوحِشَةُ الأَباطح لله دَرُّهم فكم … من أيِّم فيهم وناكح

стр. 1407

وقال كعب بن مالك (١): [من الوافر] وَرَدناهُ وفينَا البَدرُ يَجلُو … دُجَى الظَّلماءِ عنَّا والغطاءِ (٢) رسُولُ اللهِ يَقْدُمُنا بِأَمرٍ … من الرَّحمنِ يَحكُمُ بالقَضاءِ فَلا تَعجَلْ أَبَا سفيانَ وارْقُبْ … جِيادَ الخَيلِ تَطلُعُ مِن كَدَاءِ بنَصرِ اللهِ، روحُ القُدسِ فينا … وميكالٌ فيا طِيبَ المَلاءِ وقال شداد بن الأسود الليثي (٣): [من الوافر] تُحيِّي بالسَّلامةِ أُمُّ بكرٍ … وهَل لي بعدَ رهطي مِن سَلامِ ذَريني أصطبح بكرًا فإنِّي … رأيتُ الموتَ نَقَّب عن هِشامِ ونَقَّب عن أخيكِ وكانَ حُرًّا … مِن الفِتيانِ شربُه المدامِ (٤) ونَقَّب عن أبيكِ أبي يزيدٍ … أخي الفتيان والشَّرْبِ الكرامِ ووَدَّ بنو المغيرةِ لو فَدَوْه … بألفٍ من رجال أو سوامِ وماذا بالقَليبِ قَليبِ بَدرٍ … مِنَ الرَّغَبات والنِّعَم الجِسامِ ألا مَنْ مبْلغُ الأقوامِ عنِّي … بأنِّي تاركٌ شَهرَ الصِّيامِ ومنها: إذا ما الرَّأس فارق منكبَيه … فأبعدَ ما يكونُ من القيامِ وفي هذه السنةِ أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر، وذلك قبل أن تفرض الزكاة في الأموال، وأن تُخرجَ عن الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، قبل أن يغدو إلى المصلى (٥).

стр. 1408

وفيها: خرج النبي ﷺ إلى المصلى، وصلى بالناس صلاة العيد، وهي أول خَرْجةٍ خَرَجها، وحمل بلال بين يديه العَنَزَة التي بعثها له النجاشي مع الزبير، وكانت تُحملُ بعد ذلك بين يدي الخلفاء (١). وكان ﷺ يصلي العيد بغير أذان ولا إقامة (٢)، ويخطب بعد الصلاة (٣). حتى قام بنو أمية فجددوا للعيد أذانًا وإقامة، وخطبوا قبل الصلاة. وفيها: ولد عبد الله بن الزبير بن العوام في شوال بعد الهجرة بعشرين شهرًا، وهو أول مولود ولد للمهاجرين بالمدينة، فكبَّر أصحاب رسول الله ﷺ تكذيبًا ليهود، لأنها كانت تقول: قد سحرناهم فلا يولد لهم عندنا مولود (٤). وفيها: كانت قصة عُمير بن وهب مع رسول الله ﷺ في شوال (٥). وفيها: سرية عمير بن عدي إلى عصماء بنت مروان اليهودي، وكانت تعيب على المسلمين، وتهجوهم، وتؤذي رسول الله ﷺ فقال عمير بن عدي الخطمي لما بلغه قولها، ورسول الله ﷺ يومئذ على بدر: علي لله نَذْر إن [رددتَ رسول الله ﷺ ] (٦) إلى المدينة لأقتلنَّها. فجاءها وهي تُرْضِعُ صبيًّا لها، فجسَّه بيده، ونحّاه وقتلها، وجاء إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فالتفت إلى من حوله، وقال لهم: إذا أَحببتم أن تنظروا إلى رجل نَصَر الله ورسولَه بالغيب، فانظروا إلى عمير. فقال عمر بن الخطاب: انظروا إلى هذا الأعمى الذي يسري في طاعة الله. فقال له رسول الله ﷺ : "لا تقل الأعمى ولكنه البصير". وقال له قومه: أنت قتلتها؟ قال: نعم، والله لو قلتم كلكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أقتلكم كلكم أو أموت. فيومئذ ظهر الإسلام في بني خَطْمة، وكان

стр. 1409

منهم رجالٌ يخفونه (١). وفي شوال كانت سرية سالم بن عمير إلى أبي عَفَك اليهودي، وكان شيخًا كبيرًا من بني عمرو بن عوف، عاش عشرين ومئة سنة، فكان يهجو رسول الله ﷺ ويحرّض عليه ولم يسلم، فاستأذن سالمٌ رسول الله ﷺ في قتله فاغتاله فقتله، وسالم من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرًا، وأحدًا، والمشاهد كلها (٢). وفيها: كانت غزاة بني قَينُقاع من اليهود في شوال (٣). وفيها: كانت غزاة السَّويق في ذي الحجة، وكان أبو سفيان لما رجع من بدر آلى أن لا يَمَسَّ طيبًا، ولا يغتسل من جنابة، ولا ينام عَلى وسادةٍ حتى يغزوَ رسول الله ﷺ ، فخرج من مكة في مئتي راكب من قريش، ولما وصل إلى المدينة، نزل بصَدْر قَناةٍ على بَريدٍ من المدينة، ثم أتى في الليل على بني النَّضير، فضرب باب حُيَي بن أخْطَب فلم يفتح له وخافه على نفسه، وأتى باب سلّام بن مِشْكم وكان سيد بني النَّضير، ففتح له وقَراه وأصحابه الخمر، وأتى أبو سفيان طرفًا من أطراف المدينة، فحرق بعض نخيلها، وقَتَلَ حليفًا للأنصار اسمه معبد. ولما بلغ رسول الله ﷺ خرج من المدينة في مئتين وخمسين من المهاجرين، واستخلف أبا لُبابةَ، وخاف أبو سفيان وأصحابُه أن يدركوهم، فطرحوا ما كان معهم من الزاد وانهزموا، وكان عامة أزوادهم السويقَ فغنمه المسلمون، وفاته أبو سفيان، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن يكون لنا في هذه الغزاة أجر؟ قال: "نعم". فسميت غزاة السويق (٤). وفيها: كانت غزاة قرقرة (٥). وفيها: كتب رسول الله ﷺ معاقِلَ الدِّيةِ، وجعلها في حمائل سيفه (٦).

стр. 1410

وفيها: صلى رسول الله ﷺ صلاة العيد، وضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه، والآخر عن أُمَّته، ممن يقر بالشهادتين (١). وفيها: بنى علي بفاطمة ﵂ في آخر ذي الحَجة، قال بُرَيدَة: لما خطب عليٌّ فاطمة، قال رسول الله ﷺ : "لا بُدَّ للعُرسِ مِن وَلِيمةٍ"، فقال سعد: عليَّ كبش، وقال فلان: عليّ كذا وكذا من ذرة (٢). وقال علي ﷺ : لقد تزوجت فاطمة وما لي ولها غيرُ جلدِ كَبْشٍ ننامُ عليه في الليل، ونعلفُ عليه الناضحَ في النهار، وما لي ولها خادم غيرها (٣). ولقد أُهْدِيَت إليَّ في بردتين ومعها مرفقة من أَدَم حشْوُها ليفٌ، وقِرْبَةٌ ومُنْخُل، ورَحا وجراب وجَرَّتان (٤). وقال علي رضوان الله عليه: قال النبي ﷺ ليلة البناء بفاطمة: "لا تُحدِثنَّ حَدَثًا حتَّى آتِيَكُما". قال: فأتانا فجلس عند رؤوسنا، ودعا بإناء فدعا فيه بالبركة ورشَّه علينا، قال: فقلت: يا رسول الله، أيما أحب إليك أنا أم هي؟ قال: "هِيَ أَحَبُّ إِليَّ مِنكَ، وأَنتَ أَعزُّ عليَّ مِنها" (٥). وقال علي ﵁: لما أهديت إليَّ فاطمة لم تجد عندي إلا وسادة ورملًا مبسوطًا وجرَّة، فجاء رسول الله ﷺ ، فقامت في مِرْطِها تتصبَّبُ عَرَقًا من الحياء، فنضح علينا من الماءِ، وقال: "أَمَا إنِّي لم أُنْكِحْكِ إلَّا أَحبَّ أَهلي إليَّ، وأَعَزَّهم عليَّ" (٦). وعن أبي جعفر قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، نزل على أبي أيوب، فلما تزوج عليٌّ فاطمة ﵄ قال له: اطلب لك منزلًا، فطلب فوجده بعيدًا عن رسول الله ﷺ قليلًا،

стр. 1411

فبنى بها فيه، فجاءهما رسول الله ﷺ وقال: "إني أريد أن أحولكما إلي". فقال: كلِّم حارثة بن النعمان؟ فقال رسول الله ﷺ : "قد حوَّلَ حارثةُ حتى لقد استحييت منه". فبلغ حارثة، فتحوَّل من منزله وجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، قد بلغني أنك تريد أن تحوِّل فاطمة إليك، وهذه منازلي لله ولوسوله، فحولها إلى منزل حارثة (١). وقال عطاء بن السائب عن أبيه، عن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ لما زوجه فاطمة، بعث معها خميلة ووسادة من أدم حَشْوُها ليف، ورحاتَين وسِقاء وجرَّتين. فقال علي لفاطمة ذات يوم: والله لقد سَنَوْت (٢) حتى لقد اشتكيت صدري، وقد جاء اللهُ أباك بِسَبْيٍ فاذهبي فاستخدميه. فقالت: والله أنا طحنت حتى مَجَلَتْ (٣) يداي. فأتت رسول الله ﷺ ، فقال: "ما جَاءَ بكِ يا بُنيَّة؟ " فقالت: جئت لأُسلِّمَ عليك. واستحيتْ أن تسأله ورجعت، فقال: ما فعلتِ؟ فقالت: استحييت. فأتياه جميعًا فسألاه، فقال: "واللهِ لا أُعطِيكُما وأَدَعُ أهلَ الصفَّةِ تُطوَى بُطونُهم لا أجدُ ما أُنفِقُ عَلِيهم، ولكِن أَبيعُهم وأُنفِق عليهم أَثمَانَهُم". ثم أتاهما في منزلهما، فقال: "أَلا أُعلِّمكُما وأُخبِركُما بخيرٍ ممَّا سأَلتُماني"؟ قالا: بلى. قال: "كلماتٌ علَّمني إياهنَّ جبريل ﵇، تسبِّحانِ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ عشرًا، وتَحمدانِ عَشْرًا، وتُكبِّران عَشْرًا، وإذا أَوَيتُما إلى فِراشِكُما، فسَبِّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمَدَا ثلاثًا وثلاثينَ، وكَبِّرا أربعًا وثلاثينَ". قال علي: فوالله ما تركتهنَّ منذ علمني إياهن رسول الله ﷺ . فقال له ابن الكواء: ولا ليلة صفين؟ فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق، ولا ليلة صفين (٤). * * * فصل وفيها توفي

стр. 1412

خُنَيسُ بن حذافة (١) ابن قيس بن عدي [بن سعد] بن سهم [بن عمرو] بن هُصَيص، أبو حُذافة السَّهْمّي، وأمه: ضعيفة بنت حِذْيَم من بني سهم (٢)، أسلم قديمًا، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، مرض ببدر مع رسول الله ﷺ ، ومات مَقْدَمَ رسول الله ﷺ من بدر، وكان تحته حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵁[فخلف عليها رسول الله ﷺ بعد ذلك (٣). رقية بنت رسول الله ﷺ - (٤) تزوجها عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب، فلما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ قالت أمه أم جميل بنت حرب: قد هجانا محمد، وعزمت على ابنها عتبة أن يطلق رقية، وعزم عليه أبوه أيضًا أن يطلقها ففعل]. فزوجها رسول الله ﷺ عثمان ﵁، وهاجرت معه إلى الحبشة الهجرتين، ثم هاجرت معه إلى المدينة، وكانت قد أسقطت من عثمان ﵁ سقطًا، ثم ولدت بعد ذلك ولدًا سماه: عبد الله، واكتنى به في الإسلام وعاش إلى سنة أربع، وبكت النساء على رقية ﵄، فجاء عمر بن الخطاب ﵁ فجعل يضربهن بسوطه، فأخذه رسول الله ﷺ من يده، وقال: "ابكين وإياكن ونَعيقَ الشيطان، فإنه مهما يكن من القلب والعين، فإنه من الله والرحمة، ومهما يكن من اليد واللسان فمن الشيطان". وقعدت فاطمة ﵂ تبكي على شفير، وطفق رسول الله ﷺ يمسح دمعها بطرف ثوبه رحمة لها (٥).

стр. 1413

ومن رؤساء الكفار: أمية بن أبي الصلت (١) ربيعة بن وهب بن عِلاج الثقفي، وقيل: أمية بن أبي الصلت عبد الله بن أبي ربيعة بن عوف بن ثقيف، وأُمُّ أمية رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف، وكنيته: أبو عثمان، وقيل: أبو الحكم، وكان شاعرًا فصيحًا، وكان قد تنبأ في الجاهلية في أول زمانه، وكان على الإيمان، ثم زاغ عنه. وقال علماء السير: كان أمية قد قرأ الكتب القديمة، وكان يتَّجر إلى الشام، ويجتمع بأهل الكتابين، فأخبروه بخروج نبيٍّ من العرب في آخر الزمان يرغب عن عبادة الأوثان، وكان يُؤَمِّلُ أن يكون هو، فلما بلغه خروجُ رسول الله ﷺ حسده، واغتاظ منه، وتأسف أن يكون ذلك في غَيره (٢). وحكى ابن إسحاق، عن أبي سفيان بن حرب قال: خرجت أنا وأمية تاجرَين إلى الشام في جماعة من قريش، فكان كلما نزلنا منزلًا أخرج سِفْرًا فيقرؤه علينا، فنزلنا يومًا بقرية فيها نصارى فأكرموه وأهدوا له، وذهبوا به إلى كنيستهم، ثم عاد وسط النهار فنزع ثوبه، ولبس ثوبين أسودين، ثم قال: يا أبا سفيان، هل لك في عالم من علماء النصارى تسأله عما بدا لك؟ فقلت: لا إرب لي فيه، أخاف أن يحدثني بشيء فيفسد علي قلبي. قال: فمضى، ثم جاء بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه، ثم تقلب على الفراش إلى الصباح، فوالله ما نام حتى أصبح حزينًا كئيبًا لا يكلمنا ولا نكلمه، فسرنا ليلتين وهو على حاله من الهم والغم، فقلت له: ما رأيت بمثل الذي رجعت به عن صاحبك، قال: لِمُنقَلَبي. فقلت: وهل لك من منقلب؟ قال: إي والله لأموتنَّ، ثم قال: لأبعثن ثم لأحاسبن [قال: قلت: هل أنت قابل أمانتي، قال: على ماذا، قلت: على أنك لا تبعث ولا تحاسب. قال: فضحك، ثم قال: بلى والله يا أبا سفيان لنبعثن ثم لنحاسبن] وليدخلن قوم إلى الجنة، وقوم إلى النار. فقلت: ففي أيِّها أنت؟ فقال: لا أدري. قلت:

стр. 1414

فهل أخبرك صاحبك بهذا؟ فقال: إن صاحبي لا يعلم بذلك. وسِرنا إلى دمشق فبعنا متاعنا، ثم رجعنا فمررنا بذلك المكان، فذهب إلى النصراني وجاء كئيبًا على حاله، فسرنا يومين وهو ساكت باهت. فقال: يا صخر، إني سائلك فأجبني، قلت: سل؟ فقال: أخبرني عن عتبة بن ربيعة أيجتنب المحارم والمظالم؟ قلت: نعم، ويصل الرحم وكريم الطرفين، ليس فينا قرشي أشرفُ منه. قال: فقد أخبرني هذا العالم، أن النبي الذي يخرج في هذا الزمان، رجل من أهل البيت الذي يحجه الناس، وقد كنت أرجو أن أكون أنا ذلك الرجل، فأصابني ما رأيت. قال أبو سفيان: فظهر رسول الله ﷺ وأمية في اليمن، قد ذهب بتجارة ثم قدم الطائفَ، فخرجتُ فنزلتُ عليه، فقلت: أتذكر حديث النصراني يا أبا عثمان؟ قال: وكيف؟ قلت: قد ظهر ما قال، قال: ومن ذاك؟ قلت: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: فتصبَّبَ عَرَقًا، ثم أتى مكة فلقي رسول الله ﷺ ، فقال له: ما هذا الذي تقول؟ قال: "فما الذي تقول أنت"؟ فقام فخطب، وأنشد شعرًا، فقال رسول الله ﷺ : ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ إلى آخر السورة. فبهت، وقام يجر رجليه، فتبعته قريش، وقالت له: ما تقول؟ قال: أشهد أنه على الحق، قالوا: فهل تتبعه؟ قال: أنظر في أمري، وقال أبياتًا منها: [من الوافر] إله محمَّدٍ حقًّا إلهي … وديني دينُه غير انتحالِ قال أبو سفيان: لما عدنا من الشام، مضى أمية إلى الطائف ودخل مكة، وكان معي بضائع للناس، ولرسول الله ﷺ بضاعة، فجاء الناس يهنؤني بالسلامة ويسألوني عن بضائعهم، وجاء رسول الله ﷺ فسلم علي وهنأني بالسلامة، ولم يسألني عن بضاعته، فلما قام، قلت لهند: والله إن هذا الفتى ليعجبني، ما من أحد من قريش له معي بضاعة إلا وقد سألني عنها إلا هو. فقالت هند: وما علمت شأنه؟ ففزعت وقلت: وما شأنه؟ قالت: زعم أنه رسول الله، فذكرت قول النصراني فوجمت، وخرجت إلى الطائف، وأخبرت أمية، فقال: لئن ظهر وأنا حي لأُبْلِيَنَّ الله في نُصرته عذرًا، فمضيت إلى اليمن وعدت إلى الطائف، فقلت له: أين أنت من محمد؟ فقال: ما كنت لأصدق شيئًا من غير ثقيف أبدًا، وفي رواية: قلت له: ما يمنعك منه؟ قال: هو على الحق، ويمنعني

стр. 1415

الحياء من نُسَيَّاتِ الطائف، كنت أحدثهن أنني هو، ثم أصير تبعًا لغلام من بني عبد مناف (١). ذكر وفاته: قال سعيد بن المسيب: قدمت الفارعة أخت أمية على رسول الله ﷺ بعد فتح مكة، وكانت ذاتَ جمالٍ وعقل وأدب. فقال لها: "هل تحفظين من شعر أخيك شيئًا"؟ قالت: نعم، وأعجب منه ما رأيت. قال: "وما رأيتِ"؟ قالت: قدم من سفر فدخل علي، فنام على السرير، إذِ انشق سقف البيت، ونزل منه طائران أبيضان، فوقع أحدهما على بطنه، ونقر صدره فاستخرج منه قلبه، فقال له الطائر الآخر: وَعَى، فقال: وعى، قال: أَفقَبلَ؟ قال: أبي، قالت: فردّا قلبه وطارا، فأتبعه أمية بصره، وقال: لبيكما لبيكما، ها أنا ذا لديكما، لا مال يغنيني، ولا عشيرة تحميني، لا بَريءٌ فأعتذر، ولا ذو عشيرة فأنتصر. ثم عادا فشقا قلبه، وهو يقول كذلك، فعلاه مرارًا. ثم قال: [من الرجز] إن تغفِر اللهمَّ تغفر جَمَّا … وأيُّ عبدٍ لك لا ألمّا ثم طارا من سقف البيت، فالتأم كما كان، واستوى أمية جالسًا. فقلت له: يا أخي، هل تجد شيئًا؟ قال: حرارة في صدري، ثم مسح يده على صدره وقال: [من الخفيف] إنَّ يومَ الحسابِ يومٌ عظيمٌ … شَابَ فيه الصَّغيرُ شَيبًا طَويلًا كلُّ عيشٍ وإن تطاوَلَ يومًا … صائرٌ أمرُهُ إلى أنْ يَزُولا فاجعَلِ المَوتَ بين عينَيكَ واحذَرْ … غَولَة الدَّهر إنَّ للدَّهرِ غولا ليتَني كنتُ قبل ما قد بَدا لي … في رؤوسِ الجبالِ أرعى الوُعُولا قالت: ثم خرج من عندي، فمات بين بيتي وبيته (٢).

стр. 1416

وقال هشام: كان أمية قد آمن برسول الله ﷺ وهو بالشام، فقدم الحجاز ليأخذ ماله من الطائف ويهاجر، فلما نزل بدرًا قيل له: إلى أين يا أبا عثمان؟ فقال: إلى الطائف، آخذ مالي وأعود إلى المدينة أتبع محمدًا. فقيل: هل تدري ما في هذا القليب؟ قال: لا. قيل: فيه شيبة وعتبة ابنا خالك، وفيه فلان وفلان ابنا عمك، وعَدّوا له أقاربه. فجدَع أنف ناقته، وهَلَبَ ذَنَبَها، وشقَّ ثيابه وبكى، فقال: [من مجزوء الكامل] ماذا ببدرِ والعَقَنْـ … ــــــقَلِ من مَرازبةِ جَحاجِحْ الأبيات المتقدمة، ثم عاد إلى الطائف فمات به (١). وقال ابن السِّكِّيت: بينا أمية يشرب الخمر مع رُفْقَةٍ له، إذ سمع نَعيقَ غُراب نعق ثلاثة أصوات وطار، فقال أمية: هل تدرون ما قال: قالوا: لا. قال: إنه يقول: تشرب الكأس الثالث وتموت. فشربه فمات (٢). ومن شعره يمدح عبد الله بن جُدْعان التيمي (٣): [من الوافر] أأذكُرُ حاجَتي أَم قد كفاني … حَياؤُكَ إنَّ شِيمَتَكَ الحياءُ وعِلمُكَ بالحقوقِ وأَنتَ فرعٌ … لك الحَسَبُ المهذَّبُ والسَّناءُ إذا أَثنَى عليك المرءُ يومًا … كَفاه من تَعَرُّضِه الثَّناءُ خليلٌ لا يغيِّرهُ صَباحٌ … عن الخُلُقِ الكريمِ ولا مساءُ تباري الرِّيحَ مَكرُمةً بَناها … بنو تَيمٍ وأنتَ لها سماءُ (٤) وقال أمية (٥): [من الكامل] لا يَنكُتون الأرضَ عند سُؤالهم … لتَطلُّب العلَّات بالعيدانِ بل يُسفِرونَ وجوهَهم فَتَرى لها … عندَ السُّؤالِ تَهلُّلَ الألوانِ

стр. 1417

وإذا المُقِلُّ أقامَ بين رِحَالِهم … رَدُّوه ربَّ صَواهل وقِيانِ وإذا دُعوا يومًا لخطبِ مُلِمَّةٍ … سَدُّوا شُعاعَ الشَّمسِ بالفُرسانِ زهير بن أبي أمية (١)، أخو أم سلمة ﵁، كان من المستهزئين برسول الله ﷺ إلا أنه أعان على نقض الصحيفة، وأمه: عاتكة بنت عبد المطلب. قيل: إنه خرج إلى بدر مع الكفار، فسقط عن بعيره فمات. وقيل: إنه أسر يوم بدر، فأطلقه رسول الله ﷺ ، فلما وصل إلى مكة مات. وقيل: إنه شخص إلى اليمن فمات به كافرًا. وقيل: مات بالشام. وقيل: مات في السنة الثالثة بعد وقعة أحد، جاءه سهم فقتله. سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو أُحَيحةَ (٢)، كان من وُجوه قريش، وكان رسول الله ﷺ إذا مرَّ به، يقول: إن محمدًا لَيُكَلَّم من السماء. فقال له النضر بن الحارث: بلغني أنك تحسن القول في محمد، وكيف تفعل هذا وهو يسب آلهتنا، ويزعم أن آباءنا في النار. فأظهر سعيدٌ عداوةَ رسول الله ﷺ وذمَّه، وكان ذا شرف بمكة، إذا اعتمَّ لم يعتمَّ أحد بمكة إعظامًا له، ويقال له: ذا التاج، وتوفي بالطائف. ورُئي قبره مشرفًا، فقال أبو بكر الصديق ﵁: لعن الله صاحبَ هذا القبرِ، فلقد كان يحادُّ الله ورسوله. فقال ابناه عمرو وأبان -وكانا قد أسلما-: لعن الله أبا قحافة، فإنه لا يقري الضيف، ولا يدفع الضيم. فقال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا الأَمواتَ، فإنَّ سبَّهم يُؤْذِي الأَحياءَ، فإذا سَبَبْتُم فَعُمُّوا" (٣). وكان لسعيد عدة أولاد، منهم: أُحَيحَة قُتل يوم الفِجار. وعبيدة (٤) قتله علي ﵁ يوم بدر كافرًا، وخالد وعمرو وأبان والعاص وسعيد والحكم (٥)، وسنذكرهم إن شاء الله تعالى.

стр. 1418

أبو لهب عبد العُزَّى عم رسول الله ﷺ ، كانت وفاته بعد غزاة بدر بسبعة أيام (١)، ومات بالعَدَسةِ، وبقي ثلاثًا مطروحًا في بيته حتى أنتن، وكانت قريش تتقي العَدَسة كما تتقي الطاعون. فقال رجل لابنيه عتبةَ ومعتِّب: ألا تَدْفِنا أباكما، فإنه قد أَنتن؟ فقالا: نخشى هذه القرحة. قال: فانْطَلِقا وأنا معكمًا إليه. فما غسلوه إلا من بعيد، فقذفوا عليه الماء، وقد تفسخ وبقي كالزق، فأدرجوه في كساء ورموه في حفرة بأعلى مكة (٢). وكان شديدَ الأذى لرسول الله ﷺ ، ومن أكابر المستهزئين به، ودعا عليه مرارًا. ومرَّ حمزة ﵁ يومًا بأبي جهل (٣) ومعه مِكْتَلٌ فيه قَذَرٌ وهو يطرحه على باب رسول الله ﷺ ، فأخذه حمزة وطرحه على رأس أبي لهب، فجعل ينفضه ويقول: صابئ أحمق (٤). وأولاده: عُتَيبَةُ وهو الذي أكله الأسد بالشام، وعتبة ومُعَتِّب، أسلما وشهدا مع رسول الله ﷺ حنينًا، ودُرَّة بنت أبي لهب، أسلمت وبايعت. المُطْعِم بن عَدي (٥) أبو وهب، كان من رؤساء الكفار، وكان قليل الأذى لرسول الله ﷺ ، ودخل ﷺ مكة في جواره، وكان يقوم بأمر بني هاشم حتى خرجوا من الشعب. وكانت وفاته في صفر قبل غزاة بدر بستة أشهر، ودفن بالحَجون وهو ابن بضع وسبعين سنة (٦)، وأقيم عليه النَّوْحُ سنة. وقال رسول الله ﷺ : "لو كان المطعم حيًّا لوهبت له هؤلاء السبي" (٧).

стр. 1419

السنة الثالثة من الهجرة فيها: كانت غزاة ذي أَمَرّ (١). وسببها: أن جمعًا من بني ثعلبة بن سعد من غطفان، وبني محارب بن خَصَفة، جمعهم دُعْثُور بن الحارث المحاربي، وبلغ رسولَ الله ﷺ خبرُهم، فخرج في أربع مئة وخمسين رجلًا، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رضوان الله عليه، فلما بلغ إلى ذي القَصَّة لقي بها رجلًا من بني ثعلبة، فقال له المسلمون: أين تريد؟ فقال: يثرب لأنظر لنفسي. فدعاه رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فأسلم، وأخبرَ رسول الله ﷺ بخبر المشركين، ولما سمعوا برسول الله ﷺ ، تفرقوا في الجبال واضطجع رسول الله ﷺ تحت شجرة، فأقبل دُعْثُور ومعه سيفه فقال: يا محمد، من يمنعك مني اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ : "الله" فدفع جبريل ﵇ في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ وقال: "يا دُعْثُور مَن يمنعُكَ منِّي اليومَ"؟ فقال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فأعطاه ﷺ سيفَه ومضى إلى أصحابه فأخبرهم بما رأى، ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا وفيه نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيكُمْ أَيدِيَهُمْ﴾ الآية [المائدة: ١١]. وقيل: كانت قصة دُعْثور في سنة خمس من الهجرة. وفيها: كانت غزاة بني سُلَيْم بن منصور (٢).

стр. 1420

وفيها: كانت غزاة وَدَّان (١). وفيها: كانت سرية زيد بن حارثة إلى القَرَدَة (٢) -اسم ماء بنجدٍ - في جمادى الآخرة، وهي أول غَزاةٍ خرج فيها زيد بن حارثة، وكان في العِير أبو سفيان بن حرب، وقد استأجر فُرات بن حَيَّان من بكر بن وائل يدلُّهم على الطريق إلى العراق، فوافاهم زَيدٌ وَهُمْ على ذلك الماء، فاستاق العير، وهرب أبو سفيان والرجال، وأسرَ زيدٌ صفوانَ بن أمية وفُراتَ بن حَيَّان، فهرب صفوان، وأطلق رسول الله ﷺ فُراتًا دليلَهم، وكان الخُمْسُ عشرين ألفًا، وقسم رسول الله ﷺ الأربعة أخماس بين السرية. وفيها: ولد الحسن بن علي ﵄ (٣). [عن علي ﵁ قال:] لما وُلد الحسن سميته: حَرْبًا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أَرُوني ابنِي، ما سمَّيتَ ابني"؟ قلت: حربًا. قال: "لا، بَل هو حَسَن". فلما ولد الحسين سميته: حربًا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أَرُوني ابني ما سمَّيتَه"؟ قلت: حربًا. قال: "لا، بَل هو حُسَين". فلما ولد الثالث سميته: حربًا، فقال رسول الله ﷺ : "أَرُوني ابني ما سمَّيتُموه"؟ فقلت: حربًا. فقال: "بل مُحَسِّن"، ثم قال رسول الله ﷺ : "سَمَّيتُهم بأسماءِ ولدِ هارونَ: شَبَّر وشَبِير ومُشَبِّر (٤). وذكر الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه في "الفضائل": عن علي كرم الله وجهه قال: لما ولد الحسن سميته باسم عمي حمزة، ولما ولد الحسين سميته باسم أخي جعفر، فدعاني رسول الله ﷺ فقال: "يا أبا تُراب، إنَّ الله أَمَرني أنْ أُغَيِّر اسمَ هذينِ الغُلامَينِ" (٥). فسماهما حسنًا وحسينًا. وعقَّ رسول الله ﷺ عن الحسن والحسين بشاتين (٦).

стр. 1421

ووزنت فاطمة ﵍ شعرهما لمّا حلقته، وتصدقت بوزنه ذهبًا (١)، وقيل: فضة، وبلغ وزنُ شعرهما درهمًا (٢)، وذلك في اليوم السابع. وفي هذه السنة عَلَقت فاطمة ﵂ بالحسين بعد ولادتها الحسن ﵁ بخمسين ليلة، ويقال: إن الحسن ﵁ ولد لستة أشهر (٣). وفيها: تزوج رسول الله ﷺ بحفصة بنت عمر ﵁ في رمضان، وقيل: في شعبان (٤). عن ابن عمر ﵄ قال: تأيَّمت حفصةُ من خُنيَس بن حُذافة، قال عمر: فَلَقِيتُ عثمانَ، فقلت له: إن شئت أنكحتُكَ حفصة، فقال: سأنظرُ في ذلك. فلبثتُ ليالي، فلقيَني وقال. ما أريد أن أتزوجَ الآن، قال عمر: فلقيتُ أبا بكر، فقلت له: إن شئت أنكحتُكَ حفصةَ، فلم يرجع إليَّ بشيء، فكنت أوْجَدَ عليه مني على عثمانَ، فلبثتُ ليالي فخَطَبها رسول الله ﷺ فأنكحتُه إيَّاها، فلقيني أبو بكر فقال: لعلَّك وَجدتَ عليَّ حين عرضت عليَّ حفصة، فلم أرجع إليك شيئًا؟ قلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجعَ إليك شيئًا حين عرضتها عليَّ، إلّا أنِّي سمعت رسول الله ﷺ يذكُرها، ولم أكُنْ لأُفشي سرَّ رسولِ الله ﷺ ، ولو تركَها لنكحتُها. انفرد بإخراجه البخاري (٥). وقد رواه البلاذري وقال: إن رسول الله ﷺ قال لعمر: "ألا أدلك على خَتَنٍ خيرٍ لك من عثمان، وأدلُّ عثمانَ على ختنٍ خيرٍ له منك"؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: "زَوِّجْني ابنتك حفصة، وأزوِّجُ عثمان ابنتي أم كلثوم" (٦) وأمُّ حفصة زينب بنت مظعون. وفيها: تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خُزَيمة بن الحارث العامرية الهلالية. وكانت

стр. 1422

في الجاهلية تسمى: أم المساكين، لإطعامها إياهم وحُبِّها لهم (١). وفيها: كانت سرية محمد بن مسلمة الأنصاري (٢) إلى كعب بن الأَشْرَف اليهودي في رمضان، وقيل: في ربيع الأول. وكان كعب بن الأشرف من طيء، ثم أحد بني نبهان حليف بني النَّضير، وكانت أُمُّه منهم، واسمها: عقيلة بنت أبي العقيق، وكان أبوه قد أصاب دمًا في قومه، فأتى المدينة فنزلها. ولما جرى ببدر ما جرى قال: ويحكم أحق هذا، أو أن محمدًا قتل أشراف العرب وملوكها؟ والله لئن كان هذا حقًّا، لبطن الأرض خير من ظهرها، فخرج (٣) حتى قدم مكة، فنزل على المُطَّلب بن أبي وَداعة السهمي (٤)، وعنده عاتكة بنت أَسِيد بن أبي العيص بن أمية، فأكرمه المطلب، فجعل ينوح ويبكي على قتلى بدر، ويحرِّض الناس على رسول الله ﷺ ، وينشد الأشعار، فمن ذلك (٥): [من الكامل] طَحَنَتْ رحى بدر لِمَهْلكِ أهلهِ … ولِمِثْلِ بدر تَسْتَهِلُّ وتَدْمَعُ قُتِلَتْ سَراةُ الناس حول حياضه … لا تبعدوا إن المُلوك تُصرَّعُ ليزور يثربَ بالجموعِ وإنّما … يحمي على النسب الكريمُ الأورعُ وشبَّب بأم الفضل زوجة العباس وبغيرها، ثم رجع إلى منزله بظاهر المدينة، وبلغ رسول الله ﷺ ذلك، فقال: "من لكعب بن الأشرف"؟ فقال محمد بن مسلمة الأنصاري: أنا له يا رسول الله (٦). قال جابر بن عبد الله: قال رسول الله ﷺ : "من لكعب بن الأشرف، فقد آذى الله ورسوله"؟ فقال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله؟ قال: "نَعَم". قال: فأذن لي فَلْأَقُل.

стр. 1423

قال: "قُل". فأتاه وذكر ما بينهم وقال: إن هذا الرجل قد أراد الصدقة وقد عنَّانا، فلما سمعه قال: والله لتملُّنَّه. فقال: إنا قد اتبعناه الآن ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى ما يؤول إليه أمره، وقد أردت أن تسلفني سلفًا، قال: فما ترهنني؟ قال: ما شئت، قال: ترهنني نساءكم، قال: أجملَ رجل في العرب، كيف نرهنك نساءنا؟ قال: فأولادكم، قال: يُسَبُّ ابن أحدنا، فيقال: رُهِنَ في وَسْق من طعام أو وَسْقين من تمر، ولكن نرهنك اللأمة -يعني السلاح- قال: نعم. وواعده أن يأتيه بالحارث بن أوس، وأبي عبس جبر (١)، وعباد بن بشر، قال: فجاؤوه فدعوه ليلًا، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: إني لأسمع صوتًا كأنه صوت دم، فقال: إنما هو محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، وإن الكريم لو دعي إلى طعنة لأجاب. وقال محمد: إني إذا جاء سأمدُّ يدي إلى رأسه، فإذا استمسكت منه فدونكم، قال: فنزل وهو متوشِّح. فقالوا له: نجد منك ريح الطيب. قال: نعم، تحتي فلانةُ أعطرُ نساء العرب. فقال محمد: أتأذن لي أن أشم منه؟ قال: نعم. فتناول شم، ثم عاد فشم، فلما استمكن منه، قال: دونكم. فقتلوه، ثم أتوا رسول الله ﷺ فأخْبَروه. متفق عليه (٢). وقال محمد بن مسلمة: ولما قتلنا ابن الأشرف، وأصبح الناس وشاع قتله، خافت يهود منا. فقال رسول الله ﷺ : "مَن ظَفِرتُم به مِن اليَهودِ فاقتُلوهُ" (٣). فوثب مُحَيِّصةُ بن مسعود -وكان قد أسلم- على رجل من اليهود يقال له: [ابن] سُنَينة فقتله، وكان يبايعهم ويلابسهم، فقال حُوَيِّصة أخو محيّصة -ولم يكن أسلم-: يا عدو الله قتلته، أما والله لرب شحم في بطنك من ماله. وجعل حُوَيِّصة يضرب أخاه مُحَيِّصةَ، فقال له مُحَيِّصةَ: والله لو أمرني رسول الله ﷺ بقتلك لقتلتك. فقال حُوَيِّصةُ: والله إن دِينًا بلغ بك أن تقتل أخاك لدينُ حَقٍّ وأسلم. فكان ذلك أوَّلَ إسلام حُوَيِّصة (٤).

стр. 1424

وفيها: كان مقتل أَبي رافِع اليهودي (١)، واسمه سلام، وكان يسكن خيبر، قال عبد الله بن كعب بن مالك: كان مما صنع الله تعالى لرسوله ﷺ أَن هذين الحيين يعني الأوس والخزرج كانا يتصاولان تصاول الفحلين؛ لا تصنع الأوس شيئًا إلّا قالت الخَزْرج: والله لا ندعهم يذهبون بالفضل علينا، فلا ينتهون حتى يفعلوا مثله، فلما قَتَلتِ الأوس كعب بن الأشرف استأذن الخزرج رسول الله ﷺ في قتل أبي رافع ليعادلوا به كعبًا، فأذن لهم في قتله وقال: "لا تَقتُلُوا امرَأَةً ولا وَليدًا" فخرجوا حتى قدِموا خيبر فقتلوه، ونَذِرَتْ بهم امرأة فأرادوا قتلها، فذكروا قول رسول الله ﷺ فتركوها، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: [من الكامل] لله درُّ عِصابَةٍ لاقَيتَهُم … يابنَ الحُقَيق وأنت يابن الأَشْرفِ يَسْرُونَ بالبِيضِ الخِفاف إليكم … شُزُرًا كأُسْد في عَرينٍ مُغْرف (٢) حتى أَتَوْكم في مَحَلِّ بلادكم … فسقوكمُ حتفًا ببيضٍ ذُفَّفِ (٣) مُستَبصرين لِنَصرِ دِينِ نبيِّهم … مُسَتضعفينَ لكلِّ أمرٍ مُجحِفِ (٤) وقال البراء بن عازب: بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالًا من الأنصار، وأَمَّرَ عليهم عبد الله بن عَتِيك، وكان أبو رافع يؤذي النبي ﷺ ، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بِسَرْحهم، قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإنِّي مُنطلق ومتلطف للبواب لعلي أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنَع بثوبه كأنه يقضي حاجة وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عَبْدَ الله، إن كنت تريد تدخل فادخل فإني أُريدُ أن أُغلِقَ الباب، قال:

стр. 1425

فدخلتُ فكمنتُ، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق على وتد، قال: فقمت فأخذتها وفتحت الباب، وكان أبو رافع يُسمَر عنده، وكان في عَلاليّ له، فلما ذهب عنه أهل سَمَره صعدتُ إليه، فجعلتُ كلما فتحتُ بابًا أغلقت عليَّ من داخل؛ قلت: إنِ القَومُ نَذِروا بي لم أخلُص إلى قتله، فانتهيتُ إليه وهو في بيت مظلم وَسْط عيالِه لا أدري أين هو من البيت، فقلت: أبو رافع، فقال: من هذا؟ فأهويتُ نحو الصوت، فأضربه ضربةً بالسيف وأنا دَهِشٌ، فَما أغنت عنه شيئًا، وصاح، فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد ثم دخلت عليه، فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لِأمِّكَ الويل، رجل في البيت ضربني بالسيف قَبْلُ، قال: فأَضْرِبُه ولم أقتله، ثم وضعت ضَبيبَ (١) السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أنِّي قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابًا بابًا حتى انتهيت إلى دَرَجةٍ له، فوضعت رجلي وأنا أرى أني انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت رجلي أو ساقي، فعصبتها بعصابة، ثم انطلقتُ، وجلست على الباب وقلت: لا أخرج الليلة حتى أسمعَ أو أعلمَ أقتلتُه أم لا؟ فلما صاح الديك قام الناعي على السور ينعاه، فقال: أنعي أبا رافعٍ تاجرَ أهل الحجاز، قال: فانطلقتُ إلى أصحابي، فقلت: النجاء النجاء، قُتِلَ عَدوُّ الله، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ فحدثته الحديث، فقال: "ابْسُطْ رِجلَكَ"، فبسطُتها، فمسح عليها فكأنها لم أشكها قط. انفرد بإخراجه البخاري. * * * وفيها: حُرِّمَتِ الخمرةُ، روى مجاهد، عن ابن عباس قال: قالت الصحابة: يا رسول الله، أَفْتِنا في الخمرِ والميسر، فإنهما مُذْهِبان للعقل سالبان للمال، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ﴾ (٢) [البقرة: ٢١٩] الآية. وقال ابن عباس: أنزل الله في الخمر أربعَ آيات بمكة، قوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، فكان المسلمون يومئذ يشربونها وهي حلال، لهم، ثم نزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ﴾ الآية، فقال رسول الله

стр. 1426

ﷺ : "إن ربكم تقدم في تحريم الخمر"، فتركها قوم لقوله ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وقالوا: لا حاجة لنا إلى الإثم، وشربها آخرون وتأولوا قوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ وأقاموا على ذلك مُدَّة (١). واختلفوا في سبب تحريمها على أقوال: أحدها: قصة حمزة رضوان الله عليه، قال علي ﵇: كانت لي شارف من الغُنْم من نصيبي يوم بدر، وكان رسول الله ﷺ قد عارني (٢) شارفًا من الخُمْس، فلما أردت أن أبني بفاطمة، واعَدْتُ رجلًا صوَّاغًا من بني قينُقاع يرتحل معي، فنأتي بإذخِر فنَبيعه من الصواغين أستعين به في وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفي متاعًا من الحبال، وشارفاي مُناخان إلى جانب حُجْرة رجل من الأنصار، أقبلت حين جمعت ما جمعت، فإذا شارفاي قد جُبَّت أسنمتهما وبُقِرت خواصرهما، وأُخذ من أكبادهن، فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر، فقلت: من فعل هذا؟ فقالوا: عمك حمزة بن عبد المطلب وهو في هذا البيت في شَرْب من الأنصار، غَنته قَينة: ألا يا حَمْزُ للشُّرُفِ النِّواءِ فوثب حمزة إلى السيف ففعل بهما ما فعل، أوْ ما رأيت، قال علي ﵁: فانطلقت إلى رسول الله ﷺ وعنده زيد بن حارثة فقلت: ألا ترى يا رسول الله ما فعل عمك حمزةُ بشارفيَّ، وأخبرته الخبر، فقام ولبس رداءه، ثم انطلق يمشي، واتّبعته أنا وزيد حتى جاء إلى البيت الذي فيه حمزةُ، فاستأذن فإذا هُم شَرْبٌ، فطفِقَ يلومُ حمزةَ على فعله، وإذا حمزةُ ثَمِلٌ محمرَّة عيناه فنظر إلى رسول الله ﷺ ، فصعَّد النظر إلى رُكبتيه ثم إلى سُرَّته ثم إلى وجهه أو في وجهه، وقال: وهل أنتم إلا عَبيدٌ لأَبي، فعرف رسول الله ﷺ أنه ثمل، فنكص على عقبيه القهقرى، وخرج وخرجنا معه وذلك قبل تحريم الخمر. أخرجاه في "الصحيحين" (٣). قال ابن عباس: فكانت هذه القصَّةُ سببًا لتحريم الخمر. قال: وأصبح حمزةُ فغدا

стр. 1427

على رسول الله ﷺ يعتذرُ إليه، فقال له: "مَهْ يا عمُّ، فإنِّي سألتُ الله فَعفَا عَنكَ". وذكر الأبيات الثعلبي (١) وغيره: [من الوافر] ألا يا حمزُ للشُّرُفِ النِّواءِ … وهُنَّ معقَّلات بالفِناءَ ضَعِ السِّكين في اللَّباتِ منها … فَضَرِّجْهُنَّ، حمزةُ بالدِّماءِ وعجِّل من أطايبها طبيخًا … لشَرْبك من قَديرٍ أو شِواءِ فأنتَ أبو عُمارَةٍ المُرَجَّى … لكشفِ الضرِّ عنا والبلاءِ والثاني: أن عبد الرحمن بنَ عوفٍ ﵁ صنع دعوةً ودعا إليها جماعةً من الصحابةِ وسقاهم الخمرَ فسكروا، وحضر وقتُ الصلاةِ فقدَّموا بعضهم يصلِّي فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١ - ٢] إلى آخر السورة بحذف "لا" فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (٢) [النساء: ٤٣]. فَحُرِّم السُّكرُ في أوقاتِ الصلاةِ. فقال عمر: إن ربّنا ليقاربُ في تحريم الخمر وما أراه إلا سيحرِّمها، فتركها قوم وشربها آخرون في غير وقت الصلاة. فأقاموا على هذا الحال إلى سنةِ ثلاثٍ من الهجرةِ، فشربها رجل فسكر وجعل ينوح على قتلى بدرٍ ويبكي وينشد: [من الوافر] تُحيِّي بالسلامةِ أُمُّ بكرٍ … وهل لي بعد رهطك من سلام الأبيات المتقدمة. وبلغ رسولَ الله ﷺ فجاء يسعى يجرُّ رداءه، حتى انتهى إلى الرجل، ورفع شيئًا كان بيده ليضربه، فقال الرجل: أعوذ بالله من سُخْط الله وسُخْط رسوله، والله لا أطعمُها أَبدًا، ونزل تحريمُها. والثالث: أن عِتْبان بن مالك الأنصاري صنع دعوةً، ودعا رجالًا من المهاجرين والأنصار فيهم سعد بن أبي وقاص ﵁، وكان قد شوى لهم رأسَ جَزور، فأكلوا منه،

стр. 1428

وشربوا الخمر، وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد ﵁ قصيدة فيها هجو الأنصار، وفخر بقومه، فضربه رجل من الأنصار بلَحْيِ جمل فشجه، فانطلق إلى رسول الله ﷺ فشكا إليه، فقال عمر ﵁: اللهمَّ بين لنا رأيك في الخمر بيانًا شافيًا. فأنزل الله تحريم الخمر في المائدة إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٥] فقال عمر ﵁: انتهينا يا رب (١). وقال أبو سعيد الخدري: قال رسول الله ﷺ : "أَيُّها النَّاسُ، إنَّ الله يُعرِّضُ بالخَمرِ، ولعَلَّه يُنْزلُ فيها أَمرًا، فَمَن كان عِندَه شَيءٌ [فليبِعْهُ ولينتفع به"، قال: فما لبثنا إلا يسيرًا حتى قال ﷺ : "إن الله حرَّم الخمرَ، فمن أدركتهُ هذه الآيةُ وعنده منها شيءٌ]،. فلا يَبِعْهُ ولا يَشْرَبهُ". قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طُرقَ المدينة فسفكوها. انفرد بإخراجه مسلم (٢). وفي المتفق عليه: عن أنس قال: نادى منادي رسول الله ﷺ : ألا إن الخَمر قد حُرِّمت. قال: فجرت في سِكَك المدينة، فقال بعضهم: قد قتل قوم وهي في بطونهم. فأنزل الله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الآية (٣). وأخرج مسلم عن ابن عباس: أن رجلًا أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر، فقال له رسول الله ﷺ : "هَلْ عَلِمتَ أنَّ الله حَرَّمها"؟ قال: لا. فسارَّ الرجل إنسانًا، فقال له رسول الله ﷺ : "بمَ سارَرْتَه"؟ فقال: أمرته ببيعها، قال: "إنَّ الذِي حرَّمَ شُربَها حرَّم ثَمَنها". ففتح الرجل المزادةَ حتى ذهب ما فيها (٤). وقال أنس: لقد حُرِّمتِ الخَمرْةُ، ولم يكن للعرب شراب أعجب إليهم منها، وما حرم عليهم شيءٌ أشدُّ منها. قال: فأخرجنا الحِباب إلى الطريق، فصببنا ما فيها، فمنا من كسر حُبَّه، ومنا من غسله بالماء والطين. ولقد غودرت أزقة المدينة بعد ذلك حينًا كلما أمطرت، استبان فيها لون الخمر وفاحت منها ريحها (٥).

стр. 1429

وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن شَرِبَ الخَمرَ في الدُّنيا ثم لم يَتُب مِنها، حُرِمَها في الآخِرَة، إلَّا أَن يتوبَ". أخرجاه في "الصحيحين" (١). فصل وقد حرَّم شربَ الخمر في الجاهلية جماعةٌ منهم: حرب بن أمية، والزِّبرِقان بن بدر، وأبو أُحيحَةَ سعيد بن العاص، وأكثم بن صيفي، وشيبة بن ربيعة، وعبد الله بن جُدْعان، وعبد المطلب، وولده أبو طالب، وعامر بن الظَّرِب، وأمية بن خَلَف، وعثمان بن مَظْعون، والعباس بن مِرداس، وأبو مرداس، وصفوان بن أمية، والوليد بن المغيرة، وورَقَة بن نَوْفَل، وهشام بن المغيرة، ومِقْيَسُ بن صُبابة، وقيس بن عاصم. سكر قيس ليلة فراود ابنته على نفسها، فتغيبت عنه، فلما أصبح قالت له زوجته منفوسة بنت زيد الفوارس: أنت السيد الحليم منذ الليلة، فقال: ولم؟ فأخبرته، فآلى أن لا يشربها أبدًا، وقال: [من الوافر] رأيتُ الخمرَ صالحةً وفيها … معايبُ تَفْضَح الرجل الحليما فلا واللهِ أشربُها صحيحًا … ولا أشفي بها أحدًا سقيما وأبو بكر الصديق ﵁، وعثمان بن عفان ﵁، وعبد الرحمن بن عوف ﵁ في خلق كثير يطول ذكرهم (٢). * * * وفيها: كانت غزاة أحد (٣) في منتصف شوال يوم السبت، وقيل: لتسع خلون منه. وسببها أبو سفيان، فإنه لما أصيب كفار قريش ببدر، جمعهم وفيهم: عبد الله بن زمعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وغيرهم. فقال لهم: قد أصيب آباؤكم

стр. 1430

وأبناؤكم وأهلكم وإخوانكم وخياركم يومَ بدر، فأعينوني بأرباح هذه البضائع، فكان خمسين ألف دينار، وقيل: لم يأخذوا من المال ولا من العير شيئًا، وتجهزوا بالجميع (١). وانضم إليهم الأحابيش، وقبائل كِنانةَ، وأهل تِهامةَ، وخرج أبو عَزَّةَ الشاعر معهم يسير في قبائل كنانة يحرضهم على رسول الله ﷺ ، وخرج عمرو بن العاص وهُبَيرة بن أبي وهب المخزومي إلى قبائل العرب يستنجدونهم على قتال رسول الله ﷺ ، ودعا جبير بن مُطْعِمٍ غلامَه وحشيًّا، فقال له: إن قتلتَ حمزة فأنت حر. وكانت له حربةٌ يقذف بها فقلَّ أن يخطئ. وخرجت قريش بحدها وحديدها ومن تبعها من الأحابيش والقبائل، وخرجوا بالظُّعن التماسًا للحفيظة ولئلا يفروا، فخرج أبو سفيان ومعه هند بنت عُتبة، وأُميم بنت سعد الكنانية (٢)، وعكرمة بن أبي جهل، ومعه أم حكيم بنت الحارث بن هشام، والحارث بن هشام، ومعه فاطمة بنت الوليد، وصفوان بن أمية، ومعه امرأتاه بَرْزَة بنت مسعود الثقفية، والبَغُوم بنت المُعَدَّل الكنانية، وعمرو بن العاص، ومعه امرأته رَيطةُ بنت مُنبِّه بن الحجاج، وطلحة بن أبي طلحة، ومعه زوجته سُلافة بنت سعد أَوْسِيَّة، والحارث بن سفيان بن عبد الأسد، ومعه امرأته رملة بنت طارق كنانية، وكنانة بن عدي (٣) بن ربيعة، ومعه امرأته أم حكيم بنت طارق، وسفيان بن عُريف، وامرأته قُتَيلَة بنت عمرو بن هلال، وخرجت خُناسُ بنت مالك بن المُضرِّب مع ابنها أبي عَزِيز بن عمير، وهي أم مصعب بن عمير ﵁، وخرجت عمرةُ بنت علقمة إحدى نساء بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وهي التي رفعت لواء الكفار يوم أحد حين قتل بنو عبد الدار. وخرج بهم أبو سفيان وهو قائدهم، وبيده زمام أمورهم، وخرج معهم أبو عامر الراهب في سبعين فارسًا من الأوس، وساروا بالقَيْنَات والدفوف والمعازف والخمور والبغايا، وكانوا في ثلاثة آلاف من قريش والقبائل، وكان معهم سبع مئة دارع، ومئتا

стр. 1431

فارس، وثلاثةُ آلاف بعير. وكان وحشي يمشي بالحربة في أوائلهم، فتماشيه هند بنت عتبة وتباسطه وتقول: إيهِ أبا دَسْمَةَ اشف اشف. وكتب العباس إلى رسول الله ﷺ يخبره بعدَّتهم وبما معهم، وبما قد عزموا عليه، وكانوا قد راودوه على الخروج معهم، فاعتذر بما لحقه من الغُرْم يوم بدر، ولم يساعدهم بشيء. وبَعث بكتابه مع رجل من بني غِفار، فوافى المدينة، فدفع الكتاب إلى رسولِ الله ﷺ ، فقرأه عليه أُبي بن كعب وقال له: اكتم ما فيه. وأتى رسول الله ﷺ منزلَ سعدِ بن الربيع فأخبره بما فيه واستكتمه إياه، فلما خرج رسول الله ﷺ من عنده، قالت له امرأته: ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ فقال: لا أم لكِ، وما أنت وذاك، فقالت: قد سمعتُ ما قال، فاسترجع سعد وأتى بها إلى رسول الله ﷺ وأخبره، وقال: أخاف أن يفشو الحديث، فقال: "خَلِّ عنها" (١). وسار المشركون يَطوون المنازل حتى نزلوا ذا الحُلَيفَة، فَرَعَوْا زرع المدينة، وأفسدوا نخيلها، وباتوا، ثم أصبحوا فنزلوا شَفير الوادي مما يلي المدينة. وبات وجوه الأنصار سعد بن مُعاذ، وسعد بن عُبادة، وأسيد بن الحُضَير، يحرسون رسول الله ﷺ ، ومعهم الأشراف من الأوس والخزرج، وعليهم السلاح إلى الصباح، ولما نزل القوم خطب رسول الله ﷺ ، وقال: "رَأيتُ في مَنامِي بَقَرًا تُذبَحُ، فأَوَّلْتُها حَرْبًا يُنْحَرُ فيها أَصحابي، ورَأيتُ سَيفي ذا الفَقار قد انفَصَم، ورأيتني مُرْدِفًا كبشَ الكتيبةِ، وكأنِّي أُدخِل يدي في حِصنٍ حَصينَةٍ، فأوَّلْتُها المدينةَ، وأوَّلْت ما في سَيفي هزيمة أصحابي، وقَتْل رجل مِن أَهلِ بيتي، فإنْ رَأيتُم أَن نُقيمَ بالمدينَةِ ونَدَعَهُم حيثُ نزلوا، فإنْ أَقامُوا أَقامُوا بشرٍّ، وإن دَخَلوا عَلينا قَاتلْنَاهم فيها". وكان رسول الله ﷺ يكره الخروج من المدينة، فقال رجل من المسلمين ممن أكرمهم الله يوم أحد بالشهادة: يا رسول الله، اخرج بنا إلى هؤلاء الأَكْلُبِ لا يروا أَنّا جَبُنّا عنهم.

стр. 1432

فدعا رسول الله ﷺ عبد الله بن أُبَيّ بن سلول، ولم يَدْعُه قبلها فاستشاره، فقال: يا رسول الله، لا نخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدوٍّ قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا عدوٌّ إلا أصبنا منه، فَذَرْهُم، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مقام، وإن دخلوها علينا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. فلما فصل عنه عبد الله بن أُبيّ، اجتمع إليه جماعة من الأنصار وقالوا: يا رسول الله، لا تحرِمْنا الشهادة. فصلى رسول الله ﷺ الجمعة، ومات في ذلك اليوم مالك بن عمرو من بني النجار، فصلى عليه رسول الله ﷺ ، ودخل بيته وخرج وقد لبس لأمته وحمل السلاح، فندمَ الذين كلّموه وسُقِطَ في أيديهم، وقالوا: استكرهنا رسول الله ﷺ والوحي ينزل عليه، بئس ما صنعنا. فقاموا واعتذروا إليه، وقالوا: افعل ما بدا لك، فقال: "لا يَنبَغي لنبيٍّ أَن يَلبَسَ لأمَتَه فيَضَعَها حتَّى يُقاتِل" (١). فخرج بعدما صلى الجمعة، فبات بالشَّيخَين، وهما أُطمانِ في طرف المدينة، وكان رسول الله ﷺ قد خرج في ألف من أصحابه، واستعمل على حرسه تلك الليلة محمد بن مسلمة الأنصاري في خمسين رجلًا، ولما بات بالشَّيخينِ سمع كتيبةً لها زَجَلٌ، فقال: ما هذا؟ فقالوا: حلفاء عبد الله بن أُبَيّ من اليهود، فقال رسول الله ﷺ : "لا تَسْتَنصِروا بالكُفَّارِ على أَهْلِ الشِّركِ" (٢)، ثم قال: "مَن يَخرجْ بِنا على القَومِ مِن كَثَب"؟ أي: من قريب، فقال أبو خيثمة (٣) بن الحارث: أنا. فتقدم بين يديه في حرة بني بياضة، فلعب فرس بذنبه فأصاب سيفًا فاستله، فقال رسول الله ﷺ وكان يحب الفأل ويكره الطيرة: "يا صَاحِبَ الفَرَس، شِمْ سَيفَكَ فإنِّي لأرى السُّيوف اليوم لتُسَلُّ" (٤).

стр. 1433

ومر رسول الله ﷺ حتى نزل بشِعبٍ من أُحُد في عُدْوَة الوادي، وجعل ظهره إلى أُحد، وانخزل عبد الله بن أبي في ثلاث مئة ونَيِّفٍ -ثلثِ المسلمين- ورجع وهو يهدُرُ كالفَنيقِ (١) ويقول: أطاع الأحداث ومَن لا رأي له وعصاني، سيعلم، ثم قال: على ماذا نقتلُ أنفسَنا، ارجعوا أيها الناس. فرجع معه قومه أهل النفاق، وتبعه عبد الله بن عمرو بن حَرَام يناشده الله، ويقول: قاتلوا عن حَوْزَتكم، فما رجع، فقال له: أَبْعَدَكَ الله يا عدوَّ الله ومن معكم، الله يغني عنكم، فقال ابن أبي: لو نعلم قتالًا لاتَّبعناكم. ولما رأت بنو سُلَيْم وبنو حارثة عبد الله بن أبي قد انخزل، همُّوا بالانصراف معه، وكانوا جناحَي العسكر، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ الآية [آل عمران: ١٢٢]، ثم عصمهما الله تعالى (٢). وعقد رسول الله ﷺ الألوية، وكان لواء المهاجرين الأعظم يومئذ بيد مصعب بن عمير، ولواء الأوس بيد أسيد بن حضير، ولواء الخزرج بيد سعد بن عبادة، وقيل: بيد الحُباب بن المنذر (٣). وركب رسول الله ﷺ فرسه، ولم يكن معه سوى فرسين أحدهما له، والأخرى لأبي بُرْدَة بن نِيار، وتَعبَّأَ مع رسول الله ﷺ سبعُ مئة دارع، ثم تنكَّب رسول الله ﷺ قوسه، وأخذ بيده القناة وبين يديه مئة دارع، وأمّر عبد الله بن جبير على الرماة ورتب معه خمسين رجلًا من الرماة، وقال له: "انْضَح عنَّا الخيلَ بالنَّبْل، لا يَأتُونا مِن خَلفِنا، واثبُت مَكانَكَ سَواء كانت لنا أو علينا لا نُؤتى مِن قِبَلكِ، وأقم بأصل عَينَينِ (٤)، فإنَّا لا نَزَال عَالِينَ ما ثَبَتُّم في مَكانِكُم ولم تفارقوا المَركز (٥) ". وأقبلت قريش وعلى ميمنتها خالد بن الوليد في الخيل، وقيل: صفوان بن أمية،

стр. 1434

وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، وأبو سفيان في القلب، والظعائن والقينات تبتدرهن هند بنت عتبة في أوائل الصفوف وبيدها دُفٌّ وهي تقول: نحنُ بناتُ طارق (١) نَمشِي على النَّمارق إن تُقبلوا نُعانِق أو تُدبروا نُفارِق فراقَ غيرِ وَامِق (٢) ولما سمع رسول الله ﷺ قول هند، قال: "اللَّهم بِكَ أَصُولُ وأجُولُ، وفيكَ أُقاتِلُ، وأَنتَ حَسبي ونِعمَ الوكِيلُ" (٣). وكانت هند ترتجز وتقول: إيهِ بَني عَبدِ الدَّار إيهِ حُماةَ الأَدبار بكلِّ سَيفٍ بتَّار (٤) فرآها أبو دُجانةَ فحمل عليها لِيقتُلَها، ثم كف عنها فلامه الأنصار، فقال: أكرمتُ سيف رسول الله ﷺ عنها - وكان قد أعطاه سيفه في ذلك اليوم (٥). وأولُ من أنشب الحرب أبو عامرِ الراهب، وكان يقول لقريش: متى التقينا لم يَختلفْ عليَّ منهم اثنان، فتقدم أبو عامر في الأحابيش وعُبْدان مكة، فنادى: يا معاشر الأوس، أنا أبو عامر الراهب. فقالوا: لا مرحبًا بك ولا أهلا، ولا أنعم الله بك يا

стр. 1435

فاسقُ، ورمَوْه بالحجارةِ، فانهزم وهو يقول: لقد أصاب قومي بعدي شر (١). ونادى أبو سفيان: يا معاشر الأوس والخزرج، خَلُّوا بيننا وبين ابن عمنا، وننصرفْ عنكم. فشتموه أقبح شتم ولعنوه، فتأخر. ونادى طلحةُ بنُ أبي طَلْحَةَ حاملُ اللواء: هلْ مِن مبارزٍ؟ فبرز إليه علي ﵁ فقتله، فكبر رسولُ الله ﷺ والمسلمون، وقالوا: هذا كبشُ الكتيبةِ (٢). وقال هشام: برز طلحةُ بن أبي طلحة وقال: يا أصحابَ محمد، إنكم تزعُمون أَن الله يُعَجِّلُنا بسيوفكم إلى النار، ويُعجِّلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل أحد منكم يُعْجِّلُني بسيفه إلى النار أو أعجله بسيفي إلى الجنة. فبرز إليه علي ﵁ فضربه، فأبانَ رِجْلَه ووقع إلى الأرض، فبدت عورته، فقال: يا ابن عم، أَنْشُدُك الله والرَّحِمَ، فرجع عنه، فقال له رسول الله ﷺ : "ما مَنَعك أن تُجهزَ عليه؟ " فقال: ناشدني الله والرحم، فقال: "اقتله"، فقتله (٣). فأخذ اللواء عثمان بن أبي طلحة أبو شيبة، وهو يقول: [من الرجز] إنَّ على أهل اللواء حقًّا … أن تُخْضَبَ الصَّعْدَةُ أو تَنْدَقّا فحمل عليه حمزة ﵁ فضربه بالسيف على كاهله، فقطع يده وكَتِفَه. فقتله، ثم رجع وهو يقول: أنا ابن ساقي الحجيج. فأخذ اللواء أبو سعد بن أبي طلحة، فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم فقتله، فأخذ اللواء مُسافِع بن طلحة فرماه عاصم بسهم فقتله، فأخذ اللواء كِلاب بن طلحة، فقتله الزبير بن العوام، فأخذه الخلاس بن طلحة، فقتله طلحة بن عُبَيد الله. فهؤلاء أربعة لِصُلْبِ طلحة قُتِلوا في ساعةٍ واحدة، وقُتِل أبوهم طلحة، وأخوه عثمان بن طلحة قبلهم وهم بنو عبد الدار، وأم بني طلحة سُلافة بنت سعد أوسِيَّةٌ. ثم أخذ لواءَ المشركين شُريح بنُ قارِظ فقُتِل، ثم أخذه صُؤاب غلامُ أبي طلحة وهو

стр. 1436

آخِرُ مَنْ أخذه، قطعت يده، فأخذه بصدره واعتنقه فقتله قُزْمان، وهو يقول: اللهمَّ هل أَعذَرْت (١)، فقال حسان بن ثابت (٢): [من الوافر] فَخَرتُم باللِّواءِ وشَرُّ فَخْرٍ … لواءٌ حين رُدَّ إلى صُؤابِ جَعَلتُم فَخرَكُم فيه لِعَبْدٍ … والأَمِ من يَطا عَفَر الترابِ ووقع لواءُ المشركين ولم يأخُذْه أَحدٌ، فجاءت عَمْرَةُ بنتُ عَلْقَمة الحارثية فأخذته فلاذوا بها، ولما قُتل أصحابُ الألوية، قال رسول الله ﷺ لعلي ﵁: "احْمِل عليهم". فحمل فبَدَّد شَملَهم، وقتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي (٣). وسببُ قتلِ بني عبد الدار على اللواء: أن أبا سُفيانَ قال لهم يومَ أحد: يا بني عبد الدار، إنكم وَليتُم أَمرَ اللواء يَوْمَ بدر، فأصابنا ما أصابنا، وإنما يُؤتى الناس من قِبَلِ راياتهم، فإذا زالت زالوا، فإما أن تَكْفُونا أمر اللواء أَوْ تُخَلُّوا بيننا وبينه، فغضبوا وتواعدوه وهَمُّوا به، وقالوا: ستعلمُ إذا التقينا كيف نصنع؟ وكان قصدُ أبي سفيان أن يُقتَّلوا، فَقُتِلوا جميعًا (٤). ولما قتل أصحاب اللواء، انهزم الكفار لا يَلْوُون على شيء، ونساؤهم يَدْعون بالويل والثُّبور، وأَنزلَ الله نصرَه (٥). واختلف أصحاب عبد الله بن جُبير أميرِ الرماة، فقال بعضهم: نَنْتَهبُ الغنائمَ، وقال آخرون: لا نترك أمر رسول الله ﷺ ، وانطلق عامتُهم إلى العسكر طلبًا للنهب، فلما رأى خالد بن الوليد قِلَّةَ الرماة، واشتغال المسلمين بالنهب، صاح في خيل المشركين، ثم حمل ومعه عِكْرمةُ بن أبي جهل وضِرارُ بن الخطاب بن مِرْداس الفهري من خَلْفِهم، فقتلوا أميرَ الرماة عبدَ الله بنَ جُبيرٍ وأصحابَه، فانتقضت صفوف المسلمين ووقعت الهزيمة (٦).

стр. 1437

ولم يبق مع رسول الله ﷺ سوى اثني عشر رجلًا (١): أبو بكر، وعمر، وعلى، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عُبَيد الله، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة بن الجراح ﵁، ومن الأنصار: الحُباب بن المنذر، وأبو دُجانة، وعاصم بن ثابت بن أبي الأَقْلح، والحارث بن الصِّمة، وقيل: وأُسَيد بن حُضَير، وسَعْد بن معاذ، وسهل بن حُنَيف، وبايعه على الموت ثمانية فلم يُقتل منهم أحدٌ: علي، وطلحةُ، والزبيرُ، وأبو دُجانة، وعاصمُ بن ثابت، والحُبابُ بن المنذر، وسهل بن حُنيف، والحارث بن الصِّمة (٢). وأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]. قال البراءُ: فأصابوا منا سبعين (٣). ورأى عبد الله بن قَمِيئَةَ الهذلي رسول الله ﷺ ، فضربه بحجَرٍ، فشَجَّ وجههَ فوضَحه، ونادى: قتلتُ محمدًا، فقال له أبو سفيان بن حرب: إذًا نُسوِّركَ كما تفعل الأعاجم، وسمعه خالد بن الوليد، فقال: كذب ابن قَميئَةَ، أنا رأيت محمدًا في نفر من أصحابه مُصْعِدين في الجبل (٤). ولما ضرب ابنُ قَميئَةَ وجه رسول الله ﷺ ، دخلت حلقتا المِغْفَرِ في وَجْنَتَيهِ، فانتزعهما أبو عبيدة بنُ الجرّاح ﵁ فسقطت ثَنِيَّتاه، فلم يُرَ قَط أثرمُ كان أحسنَ فَمًا منه (٥). ولما رمى ابن قَميئَةَ رسول الله ﷺ ، قال: خذها وأنا ابن قَميئَة. فقال رسول الله ﷺ : "أَقْمأَكَ اللهُ". فسلَّط الله عليه بعد الوقعة كبشًا فنطحه حتى قتله (٦). ورمى حِبّانُ بنُ العَرِقَةِ رسول الله ﷺ بسهم، وقال: خُذْها وأنا ابنُ العَرِقَةِ، فقال

стр. 1438

رسول الله ﷺ : "عَرَّقَ الله وجهك في النار" (١). ورماه عتبةُ بن أبي وقاص فشجَّ وجهه وجبينه وكسر رَباعِيَتَه، فدعا عليه رسول الله ﷺ وقال: "اللهمَّ لا يحلْ عليه حَوْلٌ" (٢). فمات كافرًا مِنْ وَجَعٍ أَزْمَنَهُ. وقال البلاذُري: كان عبد الله بن شهاب الزُّهري، وعتبة بن أبي وقاص، وعبد الله بن الأدرمي (٣)، وأبي بن خلف، وعبد الله بن حميد بن زهير، قد تعاقدوا على قتل رسول الله ﷺ ، فأما ابن شهاب فأصاب جبهته، وأما عتبة فرماه بأربعة أحجار فكسر رَباعِيَته اليُمنى وشق شَفته العليا، وأما ابن قميئَة فكَلَمَ وَجْنَتيه وغَيَّب حَلَقَ المِغْفَر فيها، وعلاه بالسيف فلم يعمل فيه، وسقط رسول الله ﷺ فَجُحِشَت ركبتاه، وأما أُبَيُّ بنُ خَلفٍ فشدَّ على رسول الله ﷺ بحربة، فأعانه الله عليه فقتله، وأما عبد الله بن حميد فشد عليه أبو دجانة فضربه بالسيف (٤). وأما ابن شهاب فنهشته أفعى عند عوده إلى مكة فمات. وقال سهل بن سَعْد: جُرحَ وجهُ رسول الله ﷺ يوم أحد، وكُسِرت رَباعِيَتُه اليمنى، وهُشِّمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة ﵂ تغسل الدم عن وجهه، وعلي رضوان الله عليه يسكب عليها، فلما رأت أن الماء يزيدُ الدمَ كثرةً، أخذت قطعة حصير، فأحرقته حتى صار رمادًا، ثم ألصقته بالجُرح، فاستمسك الدم. أخرجاه في "الصحيحين" (٥).

стр. 1439

وجعل رسول الله ﷺ يَسْلُت الدم عن وجهه ويقول: "كيفَ يُفلحُ قَومٌ شَجُّوا وَجْهَ نبيِّهم، وهو يَدعوهُم إلى الله تعالى". فأنزل الله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (١). وجعلت فاطمة ﵂ تعتنق رسول الله ﷺ وتبكي، فقال رسول الله ﷺ : "لن ينالوا منا مثلها أبدًا" (٢). وفشا في الناس أن رسول الله ﷺ قد قُتِل، واختلط المسلمون، وصاروا يقاتلون على غير شعار، ويضرب بعضهم بعضًا، ونادى الكفار بشعارهم: يا لَهُبَل، يا لَلْعُزّى، وقتلوا في المسلمين، وافترق المسلمون فِرقًا (٣)، فقال بعضهم: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أبي، وقال بعضُهُم: ليت لنا رسولًا إلى أبي سفيان بن حرب، يأخذ لنا منه أمانًا، وقال المنافقون: ارجِعوا إلى الدين الأول، وصاح فيهم أنس بن النَّضر: ويحكم إن كان محمدٌ قد قتل، فَرَبُّ محمدٍ لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قاتل حتى قُتل رضوان الله عليه (٤). وتحامل رسول الله ﷺ ، وصعد على صخرة وجعل يدعو الناس إليه. قال كعب بن مالك: فأنا أول من عرفه، عرفته بعينيه وهما يُزْهِران تحت المِغْفَر، فناديت: يا معاشر المسلمين، أبشروا فهذا رسول الله ﷺ ، فأشار إلي أَنِ اسْكُتْ (٥). وفَوَّقَ رجلٌ سَهْمًا وأراد أن يرميه به. فقال: "أنا رسول الله" وانحازت إليه طائفةٌ من المسلمين فلامهم على الفرار، فقالوا: سمعنا أنك قد قتلت فَرَعَبَتْ قلوبنا فولَّينا مُدبرين (٦).

стр. 1440

وقال ابن إسحاق: اجتمع إليه ثلاثون رجلًا فحموه، وكشفوا الكفار عنه، ورمى سعد بن أبي وقاص بالنبل حتى انكسرت سِيَةُ قَوْسِه، وأصيبت يدُ طَلْحَة بن عبيد الله؛ وقى بها رسول الله ﷺ ، فصار أشلَّ، وكان الذي رماه مالك بن زهير الجشمي، وكان قَصْدُه رسول الله ﷺ ، فاتقاه طلحة ﵁ بيده، فأصاب السهم خِنْصَرَه فَشُلَّ، فقال: حَسِّ، فقال رسول الله ﷺ : "لَو قال بِسمِ الله ولَم يَقُلْ حِسِّ دَخَل الجنَّة والنَّاسُ يَنظُرونَ إليه" (١). وَنَثَل رسول الله ﷺ كِنانته لسعد بن أبي وقاص وقال: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وأُمي". وقال سعد بن أبي وقاص ﵁: كان رجل من المشركين قد أحرق قلوب المسلمين، فرميته بسهم فأصبت جنبه، فوقع فبدت عورته، فضحك رسول الله ﷺ (٢). وقال أنس: لما كان يوم أحد انهزم المسلمون عن رسول الله ﷺ ، وأبو طلحة مُجَوِّبٌ عليه بحَجَفَتِه، وكان أبو طلحة راميًا شديد النزع، وقد كَسَر يومئذ قوسين أو ثلاثة، وكان الرجل يمر ومعه الجعبة من النبل، فيقول له رسول الله ﷺ : "انْثُرها لأَبي طَلحَةَ"، ويُشْرِفُ رسول الله ﷺ يَنْظُرُ إلى القوم، فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي لا يصيبك سهمٌ من سهامهم، نَحري دون نحرك. قال: ولقد رأيت عائشة وأمَّ سُلَيم لمشمِّراتٍ أرى خَدَمَ سوقهن، ينقلان القِرَبَ على مُتونِهن يُفْرِغانها في أفواه القوم، ولقد وقع سيف أبي طلحة من يده مرتين أو ثلاثًا، يعني لما يلقى من النعاس. متفق عليه (٣). وقال الزبير بن العوام ﵁: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخَوْفُ علينا يوم أحد، أرسل الله علينا النوم، وإني لأسمع قول مُعَتِّبٍ والنعاس يغشاني، فما أسمعه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، فحفظتها منه (٤).
следующие страницы →