← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

آخِرُ مَنْ أخذه، قطعت يده، فأخذه بصدره واعتنقه فقتله قُزْمان، وهو يقول: اللهمَّ هل أَعذَرْت (١)، فقال حسان بن ثابت (٢): [من الوافر] فَخَرتُم باللِّواءِ وشَرُّ فَخْرٍ … لواءٌ حين رُدَّ إلى صُؤابِ جَعَلتُم فَخرَكُم فيه لِعَبْدٍ … والأَمِ من يَطا عَفَر الترابِ ووقع لواءُ المشركين ولم يأخُذْه أَحدٌ، فجاءت عَمْرَةُ بنتُ عَلْقَمة الحارثية فأخذته فلاذوا بها، ولما قُتل أصحابُ الألوية، قال رسول الله ﷺ لعلي ﵁: "احْمِل عليهم". فحمل فبَدَّد شَملَهم، وقتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي (٣). وسببُ قتلِ بني عبد الدار على اللواء: أن أبا سُفيانَ قال لهم يومَ أحد: يا بني عبد الدار، إنكم وَليتُم أَمرَ اللواء يَوْمَ بدر، فأصابنا ما أصابنا، وإنما يُؤتى الناس من قِبَلِ راياتهم، فإذا زالت زالوا، فإما أن تَكْفُونا أمر اللواء أَوْ تُخَلُّوا بيننا وبينه، فغضبوا وتواعدوه وهَمُّوا به، وقالوا: ستعلمُ إذا التقينا كيف نصنع؟ وكان قصدُ أبي سفيان أن يُقتَّلوا، فَقُتِلوا جميعًا (٤). ولما قتل أصحاب اللواء، انهزم الكفار لا يَلْوُون على شيء، ونساؤهم يَدْعون بالويل والثُّبور، وأَنزلَ الله نصرَه (٥). واختلف أصحاب عبد الله بن جُبير أميرِ الرماة، فقال بعضهم: نَنْتَهبُ الغنائمَ، وقال آخرون: لا نترك أمر رسول الله ﷺ ، وانطلق عامتُهم إلى العسكر طلبًا للنهب، فلما رأى خالد بن الوليد قِلَّةَ الرماة، واشتغال المسلمين بالنهب، صاح في خيل المشركين، ثم حمل ومعه عِكْرمةُ بن أبي جهل وضِرارُ بن الخطاب بن مِرْداس الفهري من خَلْفِهم، فقتلوا أميرَ الرماة عبدَ الله بنَ جُبيرٍ وأصحابَه، فانتقضت صفوف المسلمين ووقعت الهزيمة (٦).

стр. 1437

ولم يبق مع رسول الله ﷺ سوى اثني عشر رجلًا (١): أبو بكر، وعمر، وعلى، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عُبَيد الله، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة بن الجراح ﵁، ومن الأنصار: الحُباب بن المنذر، وأبو دُجانة، وعاصم بن ثابت بن أبي الأَقْلح، والحارث بن الصِّمة، وقيل: وأُسَيد بن حُضَير، وسَعْد بن معاذ، وسهل بن حُنَيف، وبايعه على الموت ثمانية فلم يُقتل منهم أحدٌ: علي، وطلحةُ، والزبيرُ، وأبو دُجانة، وعاصمُ بن ثابت، والحُبابُ بن المنذر، وسهل بن حُنيف، والحارث بن الصِّمة (٢). وأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣]. قال البراءُ: فأصابوا منا سبعين (٣). ورأى عبد الله بن قَمِيئَةَ الهذلي رسول الله ﷺ ، فضربه بحجَرٍ، فشَجَّ وجههَ فوضَحه، ونادى: قتلتُ محمدًا، فقال له أبو سفيان بن حرب: إذًا نُسوِّركَ كما تفعل الأعاجم، وسمعه خالد بن الوليد، فقال: كذب ابن قَميئَةَ، أنا رأيت محمدًا في نفر من أصحابه مُصْعِدين في الجبل (٤). ولما ضرب ابنُ قَميئَةَ وجه رسول الله ﷺ ، دخلت حلقتا المِغْفَرِ في وَجْنَتَيهِ، فانتزعهما أبو عبيدة بنُ الجرّاح ﵁ فسقطت ثَنِيَّتاه، فلم يُرَ قَط أثرمُ كان أحسنَ فَمًا منه (٥). ولما رمى ابن قَميئَةَ رسول الله ﷺ ، قال: خذها وأنا ابن قَميئَة. فقال رسول الله ﷺ : "أَقْمأَكَ اللهُ". فسلَّط الله عليه بعد الوقعة كبشًا فنطحه حتى قتله (٦). ورمى حِبّانُ بنُ العَرِقَةِ رسول الله ﷺ بسهم، وقال: خُذْها وأنا ابنُ العَرِقَةِ، فقال

стр. 1438

رسول الله ﷺ : "عَرَّقَ الله وجهك في النار" (١). ورماه عتبةُ بن أبي وقاص فشجَّ وجهه وجبينه وكسر رَباعِيَتَه، فدعا عليه رسول الله ﷺ وقال: "اللهمَّ لا يحلْ عليه حَوْلٌ" (٢). فمات كافرًا مِنْ وَجَعٍ أَزْمَنَهُ. وقال البلاذُري: كان عبد الله بن شهاب الزُّهري، وعتبة بن أبي وقاص، وعبد الله بن الأدرمي (٣)، وأبي بن خلف، وعبد الله بن حميد بن زهير، قد تعاقدوا على قتل رسول الله ﷺ ، فأما ابن شهاب فأصاب جبهته، وأما عتبة فرماه بأربعة أحجار فكسر رَباعِيَته اليُمنى وشق شَفته العليا، وأما ابن قميئَة فكَلَمَ وَجْنَتيه وغَيَّب حَلَقَ المِغْفَر فيها، وعلاه بالسيف فلم يعمل فيه، وسقط رسول الله ﷺ فَجُحِشَت ركبتاه، وأما أُبَيُّ بنُ خَلفٍ فشدَّ على رسول الله ﷺ بحربة، فأعانه الله عليه فقتله، وأما عبد الله بن حميد فشد عليه أبو دجانة فضربه بالسيف (٤). وأما ابن شهاب فنهشته أفعى عند عوده إلى مكة فمات. وقال سهل بن سَعْد: جُرحَ وجهُ رسول الله ﷺ يوم أحد، وكُسِرت رَباعِيَتُه اليمنى، وهُشِّمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة ﵂ تغسل الدم عن وجهه، وعلي رضوان الله عليه يسكب عليها، فلما رأت أن الماء يزيدُ الدمَ كثرةً، أخذت قطعة حصير، فأحرقته حتى صار رمادًا، ثم ألصقته بالجُرح، فاستمسك الدم. أخرجاه في "الصحيحين" (٥).

стр. 1439

وجعل رسول الله ﷺ يَسْلُت الدم عن وجهه ويقول: "كيفَ يُفلحُ قَومٌ شَجُّوا وَجْهَ نبيِّهم، وهو يَدعوهُم إلى الله تعالى". فأنزل الله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (١). وجعلت فاطمة ﵂ تعتنق رسول الله ﷺ وتبكي، فقال رسول الله ﷺ : "لن ينالوا منا مثلها أبدًا" (٢). وفشا في الناس أن رسول الله ﷺ قد قُتِل، واختلط المسلمون، وصاروا يقاتلون على غير شعار، ويضرب بعضهم بعضًا، ونادى الكفار بشعارهم: يا لَهُبَل، يا لَلْعُزّى، وقتلوا في المسلمين، وافترق المسلمون فِرقًا (٣)، فقال بعضهم: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أبي، وقال بعضُهُم: ليت لنا رسولًا إلى أبي سفيان بن حرب، يأخذ لنا منه أمانًا، وقال المنافقون: ارجِعوا إلى الدين الأول، وصاح فيهم أنس بن النَّضر: ويحكم إن كان محمدٌ قد قتل، فَرَبُّ محمدٍ لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قاتل حتى قُتل رضوان الله عليه (٤). وتحامل رسول الله ﷺ ، وصعد على صخرة وجعل يدعو الناس إليه. قال كعب بن مالك: فأنا أول من عرفه، عرفته بعينيه وهما يُزْهِران تحت المِغْفَر، فناديت: يا معاشر المسلمين، أبشروا فهذا رسول الله ﷺ ، فأشار إلي أَنِ اسْكُتْ (٥). وفَوَّقَ رجلٌ سَهْمًا وأراد أن يرميه به. فقال: "أنا رسول الله" وانحازت إليه طائفةٌ من المسلمين فلامهم على الفرار، فقالوا: سمعنا أنك قد قتلت فَرَعَبَتْ قلوبنا فولَّينا مُدبرين (٦).

стр. 1440

وقال ابن إسحاق: اجتمع إليه ثلاثون رجلًا فحموه، وكشفوا الكفار عنه، ورمى سعد بن أبي وقاص بالنبل حتى انكسرت سِيَةُ قَوْسِه، وأصيبت يدُ طَلْحَة بن عبيد الله؛ وقى بها رسول الله ﷺ ، فصار أشلَّ، وكان الذي رماه مالك بن زهير الجشمي، وكان قَصْدُه رسول الله ﷺ ، فاتقاه طلحة ﵁ بيده، فأصاب السهم خِنْصَرَه فَشُلَّ، فقال: حَسِّ، فقال رسول الله ﷺ : "لَو قال بِسمِ الله ولَم يَقُلْ حِسِّ دَخَل الجنَّة والنَّاسُ يَنظُرونَ إليه" (١). وَنَثَل رسول الله ﷺ كِنانته لسعد بن أبي وقاص وقال: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وأُمي". وقال سعد بن أبي وقاص ﵁: كان رجل من المشركين قد أحرق قلوب المسلمين، فرميته بسهم فأصبت جنبه، فوقع فبدت عورته، فضحك رسول الله ﷺ (٢). وقال أنس: لما كان يوم أحد انهزم المسلمون عن رسول الله ﷺ ، وأبو طلحة مُجَوِّبٌ عليه بحَجَفَتِه، وكان أبو طلحة راميًا شديد النزع، وقد كَسَر يومئذ قوسين أو ثلاثة، وكان الرجل يمر ومعه الجعبة من النبل، فيقول له رسول الله ﷺ : "انْثُرها لأَبي طَلحَةَ"، ويُشْرِفُ رسول الله ﷺ يَنْظُرُ إلى القوم، فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي لا يصيبك سهمٌ من سهامهم، نَحري دون نحرك. قال: ولقد رأيت عائشة وأمَّ سُلَيم لمشمِّراتٍ أرى خَدَمَ سوقهن، ينقلان القِرَبَ على مُتونِهن يُفْرِغانها في أفواه القوم، ولقد وقع سيف أبي طلحة من يده مرتين أو ثلاثًا، يعني لما يلقى من النعاس. متفق عليه (٣). وقال الزبير بن العوام ﵁: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخَوْفُ علينا يوم أحد، أرسل الله علينا النوم، وإني لأسمع قول مُعَتِّبٍ والنعاس يغشاني، فما أسمعه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، فحفظتها منه (٤).

стр. 1441

وقال أبو طلحة: رفعتُ رأسي يوم أحد، فجعلتُ ما أرى أحدًا إلا وهو يميد تحت حجفته من النعاس، وكان يقع السيف من يدي فآخذه، ثم يسقط السوط من يدي من النعاس فآخذه (١). وقال أنس: أُفْرِدَ رسول الله ﷺ يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رُهِقوا قال: "مَن يَردُّهُم عَنَّا ولَه الجنَّةُ، أو هوَ رَفِيقِي في الجنَّةِ". فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتِلَ دونه، فلم يزل كذلك حتى قتل سبعة من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ : "ما أَنْصَفْنا أَصْحَابَنَا" (٢). وأُصيبت عينُ قَتادةَ بنِ النعمان فوقعت على وَجْنَته، فردَّها رسول الله ﷺ بيده فعادت أحسن ما كانت (٣). وتقدم مُصعَبُ بنُ عُمَير وبيده لواء المهاجرين، فقاتل حتى قتل. فأخذ اللواء علي ﵁، وقاتل حمزة رضوان الله عليه قتالًا شديدًا، ومرَّ به سباع بن عبد العُزَّى الغبشاني، فقال له حمزة: هلم يا ابنَ مُقَطِّعَةِ البُظور، وكانت أمه خَتَّانةً بمكة، فقتله حمزة. قال وحشي: فنظرت إلى حمزة وهو يَهُذُّ الناس هَذًّا بسيفه كأنه جَملٌ أَوْرَقُ، فرميتُه بالحَرْبة، فوقعت في ثُنَّتِه حتى خرجت من بين رجليه، فأخذتها وتَنَحَّيتُ (٤). وقيل: كان حمزة يجول في القوم فعثر فوقع على وجهه، فزرقه وحشيّ بحربته فقتله (٥). ورُمي أبو رُهْم الغِفاري بسهم في نحره، فتفل عليه رسول الله ﷺ فبرئ، فكان يسمى المنحُور (٦). وقال سعد بن أبي وقاص ﵁: لقد حَرَصْتُ على قتل أخي عُتبة بن أبي وقاص،

стр. 1442

فراغ مني رَوَغان الثعلب، ولقد علمته والله عاقًّا لوالديه، سيِّئ الخلُق (١). وكانت أم أيمن حاضنةُ رسول الله ﷺ تسقي المسلمين الماء في نِسوة من الأنصار، فرماها حِبّان بن العَرِقة بسهم فأصاب ذيلها، فاستغرب ضحكًا، فقال رسول الله ﷺ لسعد بن أبي وقاص: "ارمِهِ" فرماه فوقع ابن العَرِقة مستلقيًا، فقال رسول الله ﷺ : "استقادَ لها سعد أجاب الله دعوتك وسدد رميتك (٢) ". فكان سعد مجاب الدعوة راميًا. وصعدت قريش على الجبل فقال رسول الله ﷺ : "اللهمَّ لا يعلونا". فأقبل عمر بن الخطاب في رهط من المهاجرين فأنزلوهم، ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة ليعلوها، فلم يستطع فجلس تحته طلحة بن عُبَيد الله، فنهض فاستوى عليها، فقال رسول الله ﷺ : "أوْجَبَ طَلحَةُ" (٣). وجاءت هند بنت عُتبة ومعها نساء المشركين، فجعلْنَ يَجْدَعْنَ الآذان والأنوف، واتخذت هند من ذلك قِلادةٌ ومعاضِدَ، وبقرت بطن حمزة رضوان الله عليه، وأخرجت كَبِده فمضغَتْها فلم تستطع ولفظتها، وأعطت وحشيًّا ما كان عليها من القلائد وقُرطَها، ووعدتُه إذا قدمت مكة بعشرة دنانير (٤). وقال البلاذري: ناولها وحشي كبد حمزة، فجعلتها في فمها ثم رمتها، وقطعت مذاكيره، وجدعت أنفه، وقطعت أذنيه، وقدمت مكة بجميع ذلك، ثم علت صخرة وقالت (٥): [من الرجز] نحن جَزيناهُم بِيَومِ بَدرِ والحربُ بعد الحرب ذاتُ سُعْرِ ما كان بعدَ عِترتي من صَبْرِ

стр. 1443

أَبِي وعمِّي وأَخي وبِكْري شفيتَ وحشيُّ غليلَ صدري شفيتَ قلبي وقضيت نَذْري وبلغ رسولَ الله ﷺ قولُها، فقال: "إن الله حرَّمَ لحمَ حَمزةَ على النار" (١). قال ابن إسحاق: وهذه شديدةٌ على هند المسكينة (٢). ولما فقد رسول الله ﷺ حمزةَ ﵁، قال للحارث بن الصمة الأنصاري: "ألا تعلمُ لي عِلْمَ عمي". فطاف فوجده بين القتلى، فكره أن يخبر رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لسهل بن حُنَيف: "ألا تعلم لي عِلْمَ عمي"، ثم قال لعمار بن ياسر كذلك، فأخبره بقتله فبكى (٣). ولمّا رأى رسول الله ﷺ ما نزل بأصحابه من جَدْع الأنوف والآذان، وقطع المذاكير، قال: "لئن أَدالنَا الله عليهم لنُمَثِّلنَّ بهم مُثْلَةً لم يمثِّلْها أحد من العرب قط" (٤). وقال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القومِ ابنُ أبي قُحافةَ؟ قالها ثلاثًا، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ قالها ثلاثًا، فرجع إلى أصحابه وقال: أما هؤلاء فقد قُتِلوا، فما ملك عمر بن الخطاب نفسه، فقال: كذبتَ يا عدو الله، إن الذين عددتَ لأحياءٌ كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك. فقال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدر، والحرب سِجال، إنكم ستجدون في القوم مثْلَةً لم آمر بها ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: اُعْلُ هُبَل، اُعل هُبَل. فقال رسول الله ﷺ : "ألا تُجيبُوهُ؟ " قالوا: وما نقول؟ قال: "قُولوا: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلّ". فقال: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال رسول الله ﷺ : "أَلا تُجيبُوهُ؟ " قالوا: وما نقول؟ قال: "قولوا: الله

стр. 1444

مَولانَا ولا مَولَى لَكُم" (١). وقال أنس: لما كان يوم أحد حاصَ أهل المدينة حَيصَة، وقالوا: قتل محمد. وكثرت الصوارخُ في نواحي المدينة، فخرجت امرأة من الأنصار، فمرت على ابنها وأخيها وزوجها، فلم تلتفت إليهم حتى جاءت رسول الله ﷺ ، فأخذت بناحية ثوبه وجعلت تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي بمن عَطِبَ إذا سَلِمْتَ، كلُّ مصيبةٍ بعدك جَلَل (٢). وكان عامة الناس قد حملوا موتاهم إلى المدينة، فنادى رسول الله ﷺ : "رُدُّوا قتلاكم إلى مضاجعهم" (٣). فأدرك مناديه رجلًا واحدًا لم يدفن وهو: شمّاس بن عثمان المخزومي، فرده إلى مضجعه (٤). ثم انصرف رسول الله ﷺ في ذلك اليوم وهو يوم السبت، فصلى بالناس المغرب. واستقبلته حَمْنةُ بنت جحش، فنعى إليها أخاها عبد الله بن جحش، فاستغفرت له، ثم نعى إليها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى إليها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولولت، فقال رسول الله ﷺ : "لَزوجُ المرأة منها بمكان" (٥). وشَمِتَ المنافقون برسول الله ﷺ ، وعبدُ الله بن أبي (٦). ولما دخل رسول الله ﷺ بيته، ناول فاطمةَ ﵂ سيفه وقال: "اغسلي عنه الدم يا

стр. 1445

بنية، فلقد صدقني اليوم" (١). وانهزم جماعة يوم أحد منهم: ثعلبة بن حاطب، والحارث بن حاطب، وخارجة بن عامر، وسَوَاد بن غَزيَّة، وسعد بن عثمان، وأوس بن قَيظي، وعقبة بن عمار، وعثمان بن عفان في آخرين (٢). وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥] الآية. ذكر شهداء أحد قال ابن عباس: قتل من المسلمين يوم أحد سبعون. وقال ابن إسحاق: خمسةٌ وستون. وقال ابن سعد: سبعة وستون. وزاد غيرهم ونقص فيهم. الأَغرُّ بن ثعلبة: أنصاري اشترك في قتله جماعةٌ، ودفن هو وخارجة بن زيد في قبر واحد. أنس بن النَّضر بن ضَمْضَم بن زيد الأنصاري من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه هند بنت زيد نجارية. قال أنس بن مالك: غاب عمي أنس عن بدر، فقال: غبتُ عن أول غزاةٍ غزاها رسول الله ﷺ ، لئن أشهدني الله قتالًا لَيَرَيَنَّ اللهُ ما أصنعُ. فلما انهزم الناس يومَ أُحد، قال: اللهمَّ إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين-، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم بسيفه، فلقيه سعد بن معاذ فقال له: إلى أين؟ فقال: إني لأجد ريح الجنة قِبَل أُحُد. ومضى فقتل، فما عُرِفَ حتى عرفته أخته، وبه بضع وثمانون جراحةً بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم. أخرجاه في "الصحيحين" (٣). أُنَيس بن قَتادة بن ربيعة الأنصاري. أوس بن أرقم بن زيد بن النعمان، خزرجي.

стр. 1446

أوس بن المنذر الأنصاري. إياس بن أوس بن عتيك، أوسي، قتله ضرار بن الخطاب وكان ضرار يقول: زَوَّجت عشرةً من أصحاب محمد يوم أحد بالحور العين، وكان فارسَ قريش وشاعرها، والتقى في ذلك اليوم عمر بن الخطاب ﵁ فضربه بالقناة، ثم رفعها عنه وقال: ما كنت لأقتلك يا ابن الخطاب (١)، ثم منَّ الله على ضرار فأسلم وحسن إسلامه. ثابت بنُ الدَّحْداح بن نُعَيم الأنصاري من بني عمرو بن عوف، من الطبقة الأولى أو الثانية من الأنصار، وكنيته: أبو الدَّحْداح. قال يوم أحد والمسلمون متفرقون: يا معاشر الأنصار، ألا إن كان محمد قد قتل فَرَبُّ محمدٍ حيٌّ لا يموت، قاتلوا عن دينكم. فنهض إليه نفر من الأنصار وقد وقفت له كتيبة خشناء فيها خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، فجعل يحمل عليهم يمينًا وشمالًا، فحمل عليه خالد بن الوليد [بالرمح] فأنفذه فسقط ميتًا ومن كان معه (٢). وقيل: إنه جُرح يوم أحد، وبرئ من جِراحته، ومات على فراشه من جرح كان أصابه، ثم انتقض عليه مَرْجِعَ رسول الله ﷺ من الحديبية. ولم يكن لثابت غير ابن أخته وهو أبو لُبابة بن عبد المنذر، فأعطاه رسول الله ﷺ ميراثه (٣). وهذا ثابت الذي أقرض ربَّه حائطه. قال زيد بن أسلم: لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)﴾ [البقرة: ٢٤٥] الآية، قال أبو الدحداح: يا رسول الله، فداك أبي وأمي إن الله يستقرض منا وهو غني عن القرض؟ قال: "نعم، يريد أن يُدخلكم به الجنة". قال: فإني قد أقرضتُ لربي قرضًا تضمن لي به الجنة؟ قال: "نعم، مَن تصدق بصدقة فله مثلها في الجنة". قال: وزوجتي أم الدحداح معي؟ قال: "نعم". قال: وصبيتي الدحداحة معي؟ قال: "نعم". قال: ناولني يدك. فناوله رسول الله ﷺ يده، فقال: إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية، والله لا

стр. 1447

أملك غيرهما، وقد جعلتهما قرضًا لله. فقال رسول الله ﷺ : "اجعل إحداهما لله والأخرى معيشة لك". قال: فإني أشهدك أني قد جعلت خيرهما لله تعالى وهو حائط فيه ست مئة نخلة. قال: "إذًا يجزيك الله به الجنة". قال: فانطلق أبو الدحداح حتى أتى أمَّ الدَّحْداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور حول النخل، فأخْبَرها، فقالت: ربح بيعُك، بارك الله لك فيما اشتريتَ وبعت، وأقبلت إلى صبيانها تُخرج ما في أفواههم، وتنفض ما في أكمامهم، حتى أفضت إلى الحائط الآخر، فقال رسول الله ﷺ : "كم من عَذْقٍ رَدَاحٍ في الجنة لأبي الدَّحْداح" (١). ثابت بن عمرو بن زيد، من بني غَنْم من الطبقة الأولى، ولا يُدْرى من قتله، ولا عقب له. ثابت بن وَقْش بن زُغبةَ، من بني عبد الأشهل، من الطبقة الثانية من الأنصار. ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عُبيد بن أمية، وهو الذي نزل فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥] وقصته متأخرة عن أحد (٢). ثعلبة بن سعد بن مالك، من الطبقة الثانية من الخزرج، عم أبي أسيد (٣) الساعدي. ثقيف بن فروة، من الطبقة الثانية من الخزرج. الحارث بن أنس الأشهلي، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرًا، واستشهد يوم أحد. الحارث بن ثابت بن عبد الله، من الطبقة الثانية من الأنصار. الحارث بن أوس بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرًا، وكان في جملة من قَتَلَ كعبَ بن الأشرف، واستشهد وهو ابن ثمانٍ وعشرين سنة.

стр. 1448

الحُباب بن قَيظي، من بني عبد الأشهل، قتله ضرار الفهري. حَبيب بن زيد بن تميم، من بني بَياضة. حُسَيل بن جابر بن ربيعة بن عمرو بن جِرْوةَ العبسي -وهو اليمان أبو حُذَيفة (١) - قُتِلَ يومَ أُحدٍ غلطًا. قال عروة: لمّا اختلط المسلمون يوم أحد وجالوا تلك الجولة، التقتْ سيوف المسلمين على حُسَيل ولم يعرفوه، فجعل ابنه حذيفة يقول: أبي أبي، فلم يفهموا قوله حتى قتلوه. فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، ما صنعتم قتلتم أبي؟ فزاد قدر حذيفة وارتفع بقوله (٢). حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو يعلى، وقيل: أبو عُمارة ﵁، عم رسول الله ﷺ وأمه: هالة بنت وُهَيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين. وكانت أمه تقول: والله ما حملته وُضْعًا، ولا وضعته يَتْنًا، ولا أرضعته غَيلًا، ولا أنمته على مَأقةٍ. وكان حمزة رضوان الله عليه رضيعَ رسول الله ﷺ ، وقيل: أَسنَّ منه بثلاث سنين. وكان بيده يوم أحد سيفان يجاهد بهما في سبيل الله ويقول: أنا أسد الله وأسد رسوله (٣). فكان رسول الله ﷺ يقول: "والذِي نَفسِي بيَده إنَّه لمَكتُوبٌ في السَّماءِ كذلِكَ" (٤). وأوصى حمزة ﵁ يوم أحد إلى زيد بن حارثة ﵁، وكان رسول الله ﷺ آخى بينهما، فلما حضر القتال أكَّدَ الوصية (٥).

стр. 1449

وعن عثمان بن أبي عمار: أن حمزة سأل رسول الله ﷺ أن يريه جبريل، فقال: "إنَّك لَن تَستَطِيعَ". قال: بلى. فأراه إياه في الكعبة، ورجلاه مثل الزبرجد الأخضر، فخر حمزة مغشيًّا عليه (١). ولما قتل حمزة ﵁، ومثَّلت به هند، مر به أبو سفيان بن حرب فجعل يضرب في شدقه بالرمح [ويقول]: ذُقْ عُقَقُ، فرآه الحُلَيسُ بن زَبّان سيدُ الأحابيش، فصاح: يا بني كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون، قد صار لحمًا، فقال له أبو سفيان: اكتمها علي فإنها كانت زَلَّةً (٢). واشترك معاوية بن المغيرة بن أبي وقاص (٣) بن أمية، وهند بنت عتبة في المُثْلةِ بحمزة رضوان الله عليه، وكان حمزة صائمًا في يوم أحد، فقتل على حاله وأَذِنَ رسولُ الله ﷺ لصفيةَ رضوان الله عليها أن تشاهد أخاها حمزة فشاهدته، وقالت: قد مثلوا بأخي وذلك قليل في ذات الله، والله لأصبرَنَّ ولأحتسبَنَّ. ثم صلَّت عليه واستغفرت له. وقال أبو هريرة: وقف رسول الله ﷺ على حمزة فنظر إلى شيء لم يَرَ مثلَه قط، ولا كان أوجع لقلبه منه وقد مثَّلوا به، فقال: "يَرحَمُكَ اللهُ، فَلَقد كُنتَ فِيما عَلِمتُ وَصولًا للرَّحمِ، فعَّالًا للخيراتِ، ولولا حُزنُ مَنْ بَعْدَك عَليك أو تكونَ سُنَّةً من بعدِك لسرَّني أَن أدَعَك حتى تُحشَرَ مِن بُطون السِّباعِ وحَواصِل الطَّير، أَمَا والله لأُمثِّلن بسَبعِينَ منهم مَكَانَكَ". فنزل جبريل بخواتيم سورة النحل ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] إلى آخرها، فصبر رسول الله ﷺ ، وأمسك عما أراد. وفي رواية: فكفَّر عن يمينه، ونهى عن المُثْلة (٤). وصلى رسول الله ﷺ على حمزة، وكبر سبعين تكبيرة (٥). ولما حُفر لحمزة نزل في قبره أبو بكر وعمر وعلي والزبير ﵃، وجلس رسول الله

стр. 1450

ﷺ على شَفير القبر وقال: "لقد رأيت الملائكة غسلت حمزة" (١). وأمر أن يُوضَعَ على قدميه الحَرْمَلُ، ودفن حمزة وعبد الله بن جحش في قبر واحد (٢). وقتل حمزة رضوان الله عليه وهو ابن تسعٍ وخمسين سنة، وقيل: ابن ثلاث وستين سنة. وبكت نساء الأنصار على قتلاهن، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فذرفت عيناه، وقال: "لكن حمزة لا بواكيَ له". فسمعه سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير، فرجعا إلى نسائهما فساقاهُنَّ إلى باب رسول الله ﷺ وقالا: ابكين حمزة، فبكينه، فدعا لهن رسول الله ﷺ وأمرهن بالانصراف (٣). ولما رجع الكفار عن أحد، هرب معاوية بن المغيرة على وجهه فدخل المدينة، ثم أتى باب عثمان بن عفان ﵁ وكان ابن عمه فضربه، فقالت أم كلثوم ﵍ بنت رسول الله ﷺ : من أنت؟ فقال: أين عثمان؟ فقالت: ليس هو ها هنا. فقال: أَرْسلي إليه فله عندي ثمن بعير كنتُ اشتريتُه منه. وجاء عثمان فنظر إلى معاوية فقال: أهلَكْتَني وأهلكتَ نفسك. فقال: يا ابن عم، لم يكن أحد أمسَّ بي رحمًا منك فأجرني، فأدخله عثمان منزله وصيره ناحية، ثم خرج عثمان ليأخذ له أمانًا من رسول الله ﷺ ، فسمع رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ مُعاويةَ بالمدِينَةِ، فَاطْلُبُوهُ". فدخلوا منزل عثمان، فأشارت إليهم أم كلثوم ﵍ بأنه في ذاك المكان الذي هو فيه، فأخرجوه وأتوا به رسول الله ﷺ ، فأمر بقتله. فقال عثمان: والذي بعثك بالحق ما جئتُ إلا لآخذ له أمانًا، فهَبْه لي، فوهبه له وأجَّله ثلاثًا، وأقسم إن وجده بعدها قتله، وخرج رسول الله ﷺ إلى حمراء الأَسد، وأقام معاوية ثلاثًا يستعلم أخبار رسول الله ﷺ ليأتي بها قريشًا، فلما كان في

стр. 1451

اليوم الرابع عاد رسول الله ﷺ إلى المدينة وقال: "إنَّ مُعاويةَ بالمدينةِ، فاقْتُلوهُ". فتبعه علي وزيد بن حارثة وعمار بن ياسر ﵃ فقتلوه بالجَمَّاء (١)، وكان قد هرب. وقيل: أدركوه على ثمانية أميال من المدينة فرموه بالنبل حتى قتلوه. وقيل: إنما تبعه علي رضوان الله عليه فقتله، وليس لمعاوية عَقِب إلا عائشة بنت معاوية تزوجها مروان بن الحكم، فولدت له عبد الملك بن مروان (٢). وقال عمر بن الخطاب ﵁ لحسان بن ثابت: يا ابن الفُرَيعةِ، لو سَمِعْتَ هندًا يوم قتل حمزة وهي قائمة على صخرة ترتجز وتذكر ما صنعت بحمزة، وقد بقرت بطنَه، فلو رأيتَ أَشَرَها وهي تقول: شفيتَ وَحشيُّ غليلَ صدري. . . الأبيات. فقال حسان بن ثابت يهجوها (٣): [من الكامل] أشِرَت لَكاعِ وكان عادتَها … لؤمٌ إذ أَشِرَتْ مع الكُفْرِ (٤) أَخَرَجْتِ مُرقِصَةً إلى أُحدٍ … في القَومِ مُقْتِبةً على بَكْرِ أخرجتِ ثائرةً مُبادِرةً … بأبيك وابنك يوم ذي بَدْرِ (٥) وبعمّك المستوهِ ذي رَدَعٍ … وأخيكِ منعفرين في قَبْرِ (٦) ونَسيتِ فَاحِشةً أتيتِ بِها … يا هندُ وَيحكِ سُبَّة الذِّكر زَعَم الولائِدُ أنَّها وَلَدتْ … وَلَدًا صَغيرًا كانَ مِن عَهْرِ لَعَن الإلهُ وزَوجَها معها … هند هَنودِ عظيمةَ الوزْرِ ذكر أولاد حمزة ﵃ -: كان له أربعة: يعلى، وعامر وعُمارة، وأُمامة.

стр. 1452

فأما يعلى وعامر فأمهما بنت الملة بن مالك، أنصارية أوسية، وعامر دَرَج. وكان لحمزة ولد اسمه بكر من بنت الملة. وأما عمارة فأمه خولة بنت قيس بن قَهْد أنصارية، وأما أمامة فأمها أسماء (١) بنت عُمَيس. وزوَّج النبي ﷺ أمامةَ بنت حمزة سَلَمةَ بن أبي سلمة، وقال: هل جُزيت أبا سلمة (٢)؟ فهلك قبل أن يصل إليها. وقيل: أصابه خبل فلم يجتمعا، وكان أخوه عمر أسن منه فتزوج أمامة. وهي التي عُرِضت على رسول الله ﷺ ، فقال: "إنَّها ابنةُ أَخِي مِنَ الرَّضاعَةِ" (٣). وقال الشيخ موفق الدين رحمه الله تعالى في "الأنساب" عن مصعب الزبيري: أنه كان لحمزة خمسة أولاد لصلبه: يعلى وعمارة وأمامة وأم الفضل وفاطمة، وماتوا من غير أن يُعْقِبوا (٤). وروى علي ﵁: أن رسول الله ﷺ بعث إليه بحلة مُسَيَّرة، وقال: "شَقِّقها خُمُرًا بينَ الفَوَاطِم". قال: فشققها بينهن، فأعطيت خمارًا لفاطمة بنت أسد -يعني أمه-، وخمارًا لفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وخمارًا لفاطمة بنت حمزة (٥). ولحمزة رضوان الله عليه رواية. وقال جابر بن عبد الله: لما أراد معاوية بن أبي سفيان أن يُجْرِيَ العَينَ التي تأخذ من أحد إلى المدينة، كتب إلى عامله بذلك، فكتب إليه: إنا لا نستطيع أن نُجريَها إلا على قبور الشهداء. فكتب إليه: انبشوهم. قال جابر: فرأيتهم يُحْملون على أعناق الرجال كأنهم قوم نيام، وأصابت المسحاةُ طرف رجل حمزة فانبعثت دمًا (٦).

стр. 1453

حنظلة بن أبي عامر الراهب، واسم أبي عامر: عبد عمرو بن صَيفي بن النعمان بن مالك بن أُميَّة بن ضُبيعة، وكان أبو عامر يقول: أنا على دين الحنيفية ودين النبي المبعوث. فلما بعث رسول الله ﷺ قال: يا محمد، أنت تخلط الحنيفية بغيرها، فقال له رسول الله ﷺ : "كذبت"، فقال أبو عامر: ما كذبت. فقال رسول الله ﷺ : "أمات الله الكاذب منا طريدًا وحيدًا"، فقال: آمين، ثم حمله الحسدُ على أن خرج إلى مكة، وأقام عند الكفار وشهد أحدًا معهم، ثم رجع إلى مكة فأقام بها إلى عام الفتح، ثم خرج هاربًا إلى قيصر فمات بالشام طريدًا وحيدًا، واختصم في ميراثه عند قيصر علقمةُ بن عُلاثة وكنانة بن عبد ياليل، فقضى به قيصر لكنانة لأنه من أهل المَدَرِ، ولم يحكم به لعلقمة لأنه من أهل الوَبَر (١). وكان ابنه حنظلة من خيار المسلمين، مُباينًا لأبيه، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين شَمَّاس بن عثمان المخزومي، وحنظلة من الطبقة الثانية من الأنصار، واستأذن رسول الله ﷺ في قتل أبيه فنهاه عن ذلك، وأوصاه به خيرًا. وكان حنظلةُ قد تزوّج جميلةَ بنت عبد الله بن أُبَيِّ بن سَلول، فأُدخِلت عليه في الليلةِ التي كان صُبْحُها يومَ أُحد، وكان قد استأذن رسول الله ﷺ في المبيت عندها، فلما أَصبح غدا يُريد رسول الله ﷺ بأُحدٍ وكان قد أَجنب منها، فأرسلت زوجته إلى أَربعةٍ من قومها فأشهدتهم عليه أنه دخل بها، فقيل لها في ذلك فقالت: رأيتُ كأنَّ السماءَ فُرجت له، ثم دخل فيها وأطبقت عليه فقلت: هذه الشهادة، وعَلِقَت منه تلك الليلة بعبد الله بن حنظلة. وأخذ حنظلةُ سلاحه، ولحق برسول الله ﷺ وهو يسوّي الصفوفَ، فقاتل معه، فاعترض أَبو سفيان حنظلةَ، فضرب حنظلةُ عُرقوبَ فرس أبي سفيان فوقع، وصاح بقريشٍ وقد استعلاه حنظلةُ، فرآه شدّاد بن الأسود بن شَعُوب (٢)، فحمل عليه فقتله، فقال أبو سفيان: حنظلة بحنظلة، يعني ابنه.

стр. 1454

ومرَّ به أبوه فرآه قتيلًا، فوقف عليه وقال: يا بُنيَّ قد كنتُ أحذِّرُك مثلَ هذا المصرعِ ولقد كنتَ بارًّا بأبيك، شريفَ الخُلقِ في حياتك، وإن مماتك لمع سَراة أصحابك وأشرافهم؛ لأنه كان مقتولًا إلى جانب حمزةَ وعبد الله بن جحش، وصاح أبو عامر: يا معاشر قريش، لا تمثِّلوا بابني (١)، وفي ذلك يقول أبو سفيان بن حرب (٢): [من الطويل] ولو شئت نجَّتني كُمَيتٌ طِمرَّةٌ … ولم أَحملِ النعماءَ لابن شَعُوبِ (٣) أُقاتِلُهم وأَدَّعي يال غالبٍ … وأَدفَعُهم عنِّي بركنِ صليبِ (٤) فبكِّي ولا تَرْعَي مقالةَ عاذلٍ … ولا تَسأمي من عَبْرةٍ ونَحيبِ وسَلَّى الذي قد كانَ في النَّفسِ أنَّني … قَتلتُ مِن النجَّارِ كلَّ نَجيبِ فأجابه حسان بن ثابت (٥): [من الطويل] ألَم يقتلوا عَمرًا وعُتبةَ وابنَهُ … وشَيبةَ والحَجَّاجَ وابنَ حَبيبِ ذكرتَ القُروم الصِّيدَ من آل هاشمٍ … ولستَ لقولٍ قُلْتَه بمُصيبِ ولمّا قُتل حنظلة يوم أُحد، قال رسول الله ﷺ : "ما شَأنُ حَنظَلةَ؟ فإنِّي رَأَيتُ المَلائِكَةَ تُغَسِّله بينَ السَّماءِ والأَرضِ بماءِ المُزْنِ في صُحفِ الفِضَّة". قال أبو أُسَيد الساعدي: فذهبنا ننظرُ إليه فإذا رأسُه يقطر ماءً، فرجعتُ إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فأرسل إلى امرأته فسألها فقالت: إنه جامع، فلمَّا سمع الهَيعَةَ أعجله الأمر عن الغسل، فقال رسول الله ﷺ : "فَلذلِكَ غَسَّلتهُ المَلائِكةُ" (٦). قال ابن سعد: فولده يقال لهم: بنو الغَسيل. خارجة بن زيد بن أبي زهير، أبو زيد الخزرجي الذي نزل عليه أبو بكر الصديق

стр. 1455

رضوان الله عليه لما هاجر إلى المدينة، وتزوج ابنته، وخارجة من الطبقة الأولى من الأنصار. وأمه السيدة بنت عامر أوسيةٌ، شهد العقبة الثانية وبدرًا، وأخذته الرماح يوم أحد، وكانت بضعةَ عَشَر رمحًا، فمر به مالك بن الدُّخْشم، فوأى الجراحات قد أنفذت مقاتله، فقال: يا خارجة، أما علمتَ أن محمدًا قد قتل، فقال خارجة: فإن الله حي لا يموت، فقاتل عن دينك، فقد بلَّغ محمدٌ رسالاتِ ربه (١). ومر به صفوان بن أمية فَعَرفه، فقال: هذا ممن أغرى بأبي يوم بدر، فمثَّل به وقال: الآن شَفيتُ نفسي، قتلتُ الأماثل من أصحاب محمد، قتلتُ ابن قَوْقَل، وأوس بن الأرقم، وخارجة (٢). ودُفِن خارجةُ وسعد بن الربيع في قبر واحد (٣)، وقيل: هو والأغرُّ بن ثَعلبة. وكان لخارجة من الولد زيدٌ، تكلّم في عثمان بن عفان ﵁ (٤)، وحبيبةُ تزوجها أبو بكر الصديق ﵁، فولدت له أم كلثوم، وأُمُّ حبيبةَ بنت خارجة هُزَيلَةُ بنتُ عِنَبةَ خزرجية، وهي أم سعد بن الربيع (٥). خَلَّاد بن عمرو بن الجَمُوح الأنصاري قتِل مع أبيه. خَيثَمةُ بن الحارث بن مالك الأوسي، وهو أبو (٦) سعد، من الطبقة الثانية من

стр. 1456

الأنصار، وأمه من بني جُشَم بن معاوية، وهو القائل يوم بدر لابنه سعد: آثرني بالخروج، فقال سعد: لو كان غَيرَ الشهادة لآثرتك بها، فقتل سعد ببدر شهيدًا، وقتل خيثمة بأحد شهيدًا، قتله هُبَيرة بن وهب المخزومي، وخيثمة أحد النقباء الاثني عشر (١). ذَكوان بن عبد قيس بن خَلْدَةَ، أبو السَّبُع، من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه من أَشجع، شهد ذكوان العَقَبتين، ولحق برسول الله ﷺ بمكة فأقام معه حتى هاجر إلى المدينة، فكان مهاجرًا أنصاريًّا، وشهد بدرًا، واستشهد يوم أحد، قتله [أبو] الحكم بن شريق، فرآه علي ﵇ فحمل على [أبي] الحكم فضربه فقطع رجله، ثم ذفَّف عليه فقتله (٢). رافع بن مالك بن العَجْلان، من بني زُريق، من الطبقة الثانية من الأنصار، وأمه مارية (٣) بنت العَجْلان خزرجية، وهو أول من لقي رسول الله ﷺ بمكة هو ومعاذ بن عَفراء، فأسلما وشهدا العقبة مع السبعين، ولم يشهد بدرًا، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل (٤). رافع بن يزيد بن كُرْز بن سكن بن زَعوراء، من بني عبد الأشهل، من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه عقرب بنت معاذ بن النعمان بن امرئ القيس من بني عبد الأشهل، أُخت سعد بن معاذ، شهد رافع بدرًا وأحدًا، وقُتِلَ في ذلك اليوم شهيدًا، وكان له من الولد أسيد قتل يوم الحرَّةِ، وعبد الرحمن، وأمهما عقرب بنت سلامة بن وَقْش بن زُغبة (٥). رفاعة بن [وقش بن] زُغبة بن زعوراء، قتله خالد بن الوليد (٦). رفاعة بن عمرو بن زيد أبو الوليد، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العقبة مع

стр. 1457

السبعين وبدرًا، وأمه أم رفاعة بنت قيس بن مالك. زياد بن السَّكَنِ بن رافع أشهلي، وقيل: هو عمارة بن زياد (١). سُبَيْع بن حاطِب بن قيس بن هَيْشةَ من الطبقة الثانية من الأنصار، قتله ضرار بن الخطاب (٢). سعد بن خَوْلي بن سبرة من قضاعة، من الطبقة الأولى من الأنصار. سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس الخزرجي، وأمه هُزَيلةُ بنت عِنَبَة، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، وهو أحد النقباء الاثني عشر. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، وهو الذي انطلق بعبد الرحمن بن عوف إلى بيته، وقال: أُقاسِمُكَ مالي ونسائي. شهد سعد العقبة مع السبعين وبدرًا، ولما كان يوم أحد، قال رسول الله ﷺ : "مَن يَأتيني بخَبَرِ سَعدِ بنِ الرَّبيعِ؟ " فقال رجل: أنا، فانطلق، فرآه بين القتلى، فقال: بعثني رسول الله ﷺ لآتيه بخبرك، فقال: اقرأ على رسول الله ﷺ مني السلام، وأخبره أني قد طُعِنْتُ اثنتي عشرة طعنة أنفذت مَقاتلي، وأخبر قومك أنه لا عُذْر لهم إن قُتِلَ رسول الله ﷺ وواحد منهم حي (٣). ثم تشهد ومات، ودفن سعد بن الربيع وخارجة بن زيد في قبر واحد، ولما أجرى معاوية الماء إلى المدينة، أُخرجا من قبريهما طريين (٤). قال جابر: قتل سعد يوم أحد وترك ابنتين وامرأة وأخًا، فاحتوى أخوه على ماله، فأتت امرأته رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن سعدًا قُتِل بين يديك شهيدًا، وترك هاتين الابنتين، وإنهما لا ينكحان إلا بمال وجمال، وقد ذهب عمهما بالمال، ولا جمال، فقال لها رسول الله ﷺ : "اذهبي حتى يقضي الله فيك قضاءه"، فذهبت وأقامت حينًا، ثم جاءت فبكت وشكت فنزل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] إلى آخرها. فدعا رسول الله ﷺ أخا سعد، وقال له: "أعط ابنتي سعدٍ الثلثين

стр. 1458

وأمَّهما الثُّمُنَ وما بقي فهو لك" (١). ولم يورث الحمل، وورثه بعد ذلك، وولدت امرأة سعد بنتًا وهي امرأة زيد بن ثابت، فلما كانت خلافة عمر قال لها: تكلمي في ميراثك من أبيك [إن كنت] تحبين ذلك، فإن أمير المؤمنين قد ورث الحمل اليوم، فقالت: ما كنت لأطلب من أختي شيئًا (٢). قال الزبيري: فهو أول ميراث قسم في الإسلام. سعد بن سويد بن عُبيد، من الطبقة الثانية من الخزرج. سلمة بن ثابت بن وقش بن زُغبة، من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه ليلى بنت اليَمان أخت حُذيفة، شهد بدرًا، وقتله أبو سفيان، وقُتل أيضًا أبوه ثابت وعمه رفاعة شهيدين. سُلَيْم بن الحارث، وأمه السُّميراء ابنة قيس، نجارية، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار. سُلَيم بن عمرو بن حديدة، أنصاري. سهل بن رومي بن وَقْش، أوسي، من الطبقة الأولى من الأنصار، وهو ابن عم كعب بن مالك، شهد بدرًا (٣). سهل بن عدي بن زيد، وأمه أُميمة بنت قَيظي، من الطبقة الثانية من الأنصار من بني عبد الأشهل. سهل بن قيس بن أبي كعب، وأمه نائلة بنت سَلامة بن وَقْش، من الطبقة الأولى من المهاجرين، شهد بدرًا (٤).

стр. 1459

شمَّاس بن عثمان بن الشَّريد بن سويد بن هَرَميّ بن عامر بن مخزوم، من الطبقة الأولى من المهاجرين، كان يسمى: ابن ساقي العَسَل، لأن جده هرمي كان يسقي العسل بمكة، وكنية شماس: أبو المقدام، وقيل: اسمه عثمان وشماس لقب له. وأمه صفية بنت ربيعة بن عبد شمس، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، وكانت معه امرأته أم حبيب بنت يربوع بن عَنْكَثة، ولما هاجر إلى المدينة نزل على مُبشِّر بن المنذر، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين حنظلة بن أبي عامر. شهد شماس بدرًا، وقاتل يوم أحد عن رسول الله ﷺ ، وفداه بنفسه، وجُرِح جِراحاتٍ كثيرة، وحمل إلى منزل أم سلمة وبه رَمَقٌ لأنه كان ابنَ عمها، فلما مات أمر رسول الله ﷺ برده إلى أحد فحمل فدفن هناك، قتله أبي بن خلف وهو ابن أربع وثلاثين سنة. صيفي بن قيظي بن عمرو، من بني عبد الأشهل، من الطبقة الثانية من الأنصار، وأمه: أم الحُباب بنت التَّيِّهان، واسمها: الصعبة ولم يشهد بدرًا، وقتله ضرار الفهري، وضرار قتل أيضًا أخاه لأبيه وأمه الحُباب (١) بن قيظي. ضمرة الجهني (٢). عامر بن أمية بن زيد بن وقش (٣)، من الطبقة الأولى من الأنصار. عامر بن قيس بن نجاري (٤). عامر بن مُخَلَّد بن الحارث، وأمه عمارة بنت خنساء، من بني غَنْم، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرًا.

стр. 1460

عبَّاد (١) بن سهل بن مخرمة من بني النجار، من الطبقة الثانية من الأنصار، قتله صفوان بن أمية الجُمَحيّ. عُبادة بن الخَشْخَاش (٢). العباس بن عُبادة بن نَضْلة بن مالك بن العجلان، من الطبقة الأولى من الأنصار، من بني ساعدة، وأمه: عُميرة بنت ثعلبة خزرجية، وكان خطيبًا، شهد العَقَبتين وعاد إلى مكة، وهاجر مع رسول الله ﷺ فكان أنصاريًّا مهاجريًّا، وهو من القَواقِلة، قتله صفوان بن أمية، وافتخر بقتله لأنه كان عظيمًا، وقيل: شاركه فيه سفيان بن عبد شمس السلمي والد أبي الأعور السلمي الذي كان مع معاوية بصفين. والعباس من الستة الذين لقوا رسول الله ﷺ بمكة أول الأمر فأسلموا. عبد الله بن ثعلبة، خزرجي من ولد طريف، وأخوه قيس بن ثعلبة (٣). عبد الله بن جحش بن رِئاب بن يَعْمَر الأسدي أبو محمد، وأمه: أميمة بنت عبد المطلب. وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قديمًا قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم، وهاجر الهجرة الثانية إلى الحبشة، ورجع إلى مكة، وهاجر إلى المدينة. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. وسمع رجلٌ عبدَ الله بنَ جحش يقول قبل يوم أحد بيوم: اللهمَّ إنا ملاقو هؤلاء غدًا، وإني أقسم عليك لما يقتلوني، ويبقروا بطني، ويجدعوني، فإذا قلتَ لي: لم فعلوا بك هذا؟ قلتُ: فيك ومن أجلك. قال: فلما التقوْا، فعلوا به ذلك، فقال الرجل

стр. 1461

الذي سمعه: أمَّا هذا فقد استُجيب له، وأعطاه الله ما سأل في الدنيا، ونرجو أن يعطى ما سأل في الأخرى، وقتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق، ودفن مع خاله حمزة في قبر واحد، وكان له يوم قتل بضع وأربعون سنة. عبد الله بن جُبَير بن النعمان بن امرئ القيس، أخو خَوَّات صاحب ذات النِّحيين (١)، وأمه من بني عبد الدار (٢) وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العَقَبة مع السبعين وبدرًا، واستعمله رسول الله ﷺ على الرماة. عبد الله بن سلمة العجلاني، من الطبقة الأولى من الأنصار، قتله عبد الله بن الزِّبَعْرى. عبد الله بن عمرو بن حَرَام بن ثعلبة، أبو جابر، من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه الرَّباب بنت قيس أنصارية، شهد العقبة مع السبعين، وكان أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرًا. قال جابر: أصيب أبي يوم أحد، فجعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وجعلوا ينهونني ورسول الله ﷺ ينهاني، وجعلت فاطمة بنت عمرو تبكيه، فقال لها رسول الله ﷺ : "تَبْكِيهِ -أو لا تَبْكِيه- مَا زَالتِ الملائِكَةُ تُظلُّه بأجنِحتِها حَتَّى رَفَعتُمُوه". أخرجاه في "الصحيحين" (٣). وللبخاري عن جابر قال: قال لي أبي من الليل: يابني إني مقتول غدًا، وإنَّ عَلَيَّ دَينًا فاقضه، واستوص بأَخَواتِك خيرًا، قال: فلما أصبحنا كان أول قتيل (٤). وأخرجه الحميدي، وفيه: ما أراني غدًا إلا مقتولًا، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك إلا نفس رسول الله ﷺ ، قال: فدفنَّا معه آخر في القبر، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر، فاستخرجته بَعْدَ ستة أشهر، فإذا هو كما وضعته غير أذنه، فجعلته في قبر على حدة (٥).

стр. 1462

وقال جابر: قال لي رسول الله ﷺ : "يا جابر، أعلمت أن الله أحيا أباك؟ فقال له: تمنَّ. فقال: أُرَدُّ إلى الدنب فأُقْتَلَ مرة أخرى. فقال: إني قضيت أنهم لا يرجعون" (١). وقال جابر: صُرِخَ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية العين، فأخرجناهم بعد أربعين سنة ليِّنَةً أجسادُهم تنثني أطرافهم (٢). عبد الله بن عمرو بن وهب، من الطبقة الثانية من الأنصار من بني ساعدة (٣). عبد الله بن نَضْلة بن مالك العجلاني أنصاري. عبد الله بن الهُبَيْب وأخوه عبد الرحمن، من بني بكر بن عبد مناة من المهاجرين. عَبْدَة بن الحَسْحاس (٤) بن عمرو، شهد بدرًا، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار. عُبيد بن التَّيِّهان أخو أبي الهيثم، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العقبة مع السبعين وبدرًا، قتله عكرمة بن أبي جهل، وولده عبيد الله بن عبيد قتل يوم اليمامة. عتبة بن الربيع بن رافع، من بني ثعلبة، أنصاري. عمرو بن ثابت بن وَقْش بن زُغبة، وأمه ليلى بنت اليمان أُختُ حذيفةَ، من الطبقة الثانية من بني عبد الأشهل، دخل الجنة ولم يسجد لله سجدة، وذلك لأنه كان شاكًّا في الإسلام إلى يوم أحد، فوقع في قلبه الإسلام، فأخذ سيفه وخرج فقاتل حتى أُلقي في القتلى وبه رمق، فقالوا: ما جاء بك؟ فقال: آمنت بالله وبرسوله، ومات على أيديهم، فأخبروا رسول الله ﷺ به، فقال: "هوَ مِن أَهْلِ الجنَّةِ" (٥). عمرو بن الجَموح بن زيد بن حَرام الأنصاري، أبو معاذ، من بني سَلِمة، قال رسول الله ﷺ يوم أحد: "قُومُوا إلى جنَّةٍ عَرْضُها السَّمَاوات والأَرضُ". فقام عمرو وكان أعرج فقال: والله لأَطأنَّ بعرجتي في الجنة (٦). ثم قاتل حتى قتل.

стр. 1463

قال أبو طلحة. نظرت إلى عمرو حين انكشفت الناس، ثم ثابوا وهو في الرعيل الأول، وهو يقول: أنا والله مشتاق إلى الجنة، ورأيتُ ابنه خَلّادًا يعدو في أَثره، فقتلا جميعًا. ودفن عمرو وعبد الله بن عمرو بن حَرَام في قبر واحد، فأخرب السيل قبريهما، فحُفِرَ القبر ليعبرَ عنهما (١) فإذا بهما لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس. وكان أحدهما قد جُرح فوضع يده على جُرحه، ودفن كذلك، فأميطت يده عن جرحه، ثم أرسلت فعادت كما كانت، وكان بين حفر القبر وبوم أحد سِتٌّ وأربعونَ سنةً. عمرو بن قيس بن زيد بن غَنْم، من الطبقة الأولى من الأنصار، قتله نوفل بن معاوية الدِّئلي. عمرو بن قيس بن مالك أبو حرام النجاري، من الطبقة الثانية من الأنصار، وأمه: النَّجود بنت الأسود. عمرو بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس أبو عثمان، من الطبقة الأولى من بني عبد الأشهل من القواقلةِ، وأمه: كَبْشَةُ بنتُ رافع، وهي أم سعد بن معاذ، وآخى رسولُ الله ﷺ بينه وبين عُمير بن أبي وقاص، قتله ضِرار الفِهْري وله ثلاثون سنة. عمرو بن مُطَرِّف بن عمرو، وقيل: ابن علقمة، أنصاري. عمارة بن زياد. عنترة مولى سليم بن عمرو. قُرَّة بن عُقبة بن قُرَّة، من حلفاء بني عبد الأشهل. قَوْقَل بن عبد الله (٢). قيس بن عمرو بن قيس النجاري، من الطبقة الأولى من الأنصار. قيس بن مُخَلَّد بن ثعلبة، أنصاري من الطبقة الأولى من بي النجار، شهد بدرًا.

стр. 1464

كيسان مولى الأنصار، وقيل: مولى بني مازن، والأصح أنهما اثنان (١). مالك بن ثعلبة بن دعد الخزرجي (٢). مالك بن خلف بن عوف، من الطبقة الثانية من المهاجرين من بني دارِم، وكان هو وأخوه النعمان بن خلف طليعتين للنبي ﷺ يوم أحد، فقتلا، قتل النعمانَ صَفوانُ بن أُمية. مالك بن سنان بن ثعلبة أبو أبي سعيد الخدري، ومالك من الطبقة الثانية من الخزرج، وهو الذي شرب من دم رسول الله ﷺ يوم أحد لمّا نزعوا المِغْفَر عن وجهه، ولم يزل مالك يدافع عن رسول الله ﷺ حتى حمل عليه غُراب بن سفيان الكِناني، فأنفذه. ولما رجع رسول الله ﷺ من أحد، تلقاه أبو سعيد فعزّاه في أبيه. مالك بن عمرو بن ثابت بن كُلْفة بن ثعلبة بن عمرو بن عوف. مالك بن نُمَيلة وهي أمه، وأبوه ثابت المزني. ومالك من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرًا، وذكره ابن سعد في شهداء أحد (٣). المجذَّر بن ذياد بن عمرو البَلَويّ، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرًا، وذكره ابن سعد في شهداء أحد (٤)، قُتل يوم أحد غِيلةً، وكان قد قَتَلَ سويد بن الصامت في الجاهلية، وسببه: أن حُضَيرَ الكتائب استزارَ عدة من بني عمرو، منهم سويد بن الصامت، وخوّات بن جبير، وأبو لبابة بن عبد المنذر، والمجذَّر، فأقاموا عنده ثلاثًا ثم انصرفوا، وكان سويد بن الصامت قد ثَمِلَ من الخمر، فجلس يبول، وكان الشرُّ بين الأوس والخزرج مستعرًا، فقتله المجذَّر، وذلك الذي أهاج وقعة بُعاث (٥).

стр. 1465

وكان لسويد ابنٌ يقال له: الحارث، فلمّا انقضت وقعة بُعاث وقدم رسول الله ﷺ المدينة أسلم الحارث والمجذَّر، وشهد المجذَّر بدرًا، والحارث يطلب غِرَّته ليقتله بأبيه، فلم يَقْدِر على قتله، فلما كان يوم أحد رجال المسلمون تلك الجولة، أتاه الحارث من خلفه وهو لا يعلم فقتله، ولما رجع رسول الله ﷺ من حمراءِ الأَسَد، أخبره جبريل ﵇، وقال: إنما قتله غِيلَةً، فاقتُلْه به. فركب رسول الله ﷺ إلى قُباء، وكان يومًا حارًا، وكان لا يأتي قباء إلا يوم السبت والاثنين، فجعلوا ينكرون مجيئه في غير هذين اليومين، واجتمع الناس وطلع الحارث بن سويد في مِلْحفةٍ مُوَرَّسةٍ، فقال رسول الله ﷺ لعُوَيمر بن ساعدة: "قدِّمه إلى باب المسجد فاضرب عُنقه، فقد أخبرني جبريل أنه قتل المجذَّر غِيلةً" فقدمه عويمر دقتله (١). مصعب بن عُمَير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله القرشي، ويسمى مصعبَ الخير، وفتى مكة شبابًا وجمالًا، وأمه: خُناس بنت مالك بن لؤي. وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قديمًا في دار الأرقم بن أبي الأرقم وكتم إسلامه، وكان يختلف إلى رسول الله ﷺ سرًّا من أبيه وقومه، وكان أبواه يحبانه، فرآه عثمان بن طلحة يصلي، فأخبر أباه فحبسه، فلم يزل محبوسًا حتى خرج إلى الحبشة، وكان من أنعم الناس عيشًا، وأعطرِهم بمكَّةَ قبل أن يسلم، فلما أسلم زهد في الدنيا فتخشَّفَ جلده. وبعثه رسول الله ﷺ إلى المدينة بعد البيعة الأولى فكان يُقْرِئُهم القرآن، ويفقههم في الدين، حتى أسلم على يده خلق كثير، ثم قدم مكة مع السبعين فأقام بها قليلًا، ثم قدم المدينة قبل رسول الله ﷺ مهاجرًا، وهو أول من قدمها، وأول من جمّع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ ، وقيل: أول من جمع أَسعد بن زرارة. وقال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: نظر النبي ﷺ إلى مُصعب بن عُمير مقبلًا وعليه إهابُ كبشٍ قد تنطَّق به، فقال رسول الله ﷺ : "انظُروا إلى هَذا الرَّجلِ الذي قد

стр. 1466

نَوَّر اللهُ قَلبَهُ، لَقد رَأَيتُه بينَ أَبَوين يَغذُوانِهِ بأَطيبِ الطَّعامِ والشَّرابِ، فَدَعاه حُبُّ اللهِ ورَسولِه إلى مَا تَرونَ". فنكس أصحاب رسول الله ﷺ رؤوسهم رحمةً له، وليس عندهم ما يُغيِّرونَ به عليه (١). وقال محمد بن شرحبيل: حمل مصعبُ بن عمير اللواءَ يومَ أُحُدٍ، فلما جال المسلمون، ثبت مصعب، فأقبل ابن قَميئة فضرب يده اليمنى فقطعها، ومصعب يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنى عليه فضربها فقطعها، فحنى على اللواء وضمه بِعَضُدَيه إلى صدره وهو يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه (٢). وكان مصعب رقيقَ البَشَرةِ، ليس بالطويل ولا بالقصير، وقُتِلَ وهو ابن أربعين سنة أو يزيد شيئًا. وقال عبد الله بن الفضل: قُتل مصعب فأخذ اللواء مَلَكٌ في صورة مصعب، [فجعل رسول الله ﷺ يقول له في آخر النهار: تقدم يا مصعب] فالتفت إليه الملك وقال: لستُ بمصعب، فعرف رسول الله ﷺ أنه ملك أُيِّد به (٣). ولما فرغ رسول الله ﷺ من أحد، مرَّ على مصعب فرآه مقتولًا على طريقه، فقرأ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ (٤) [الأحزاب: ٢٣] الآية. وقال خبَّاب: هاجرنا مع رسول الله ﷺ نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى ولم يأكل من أجره شيئًا، منهم: مصعب بن عُمير، قتل يوم أحد فلم نجد شيئًا نُكَفِّنُه فيه إلا نَمِرَةً كُنّا إذا غطينا بها رأسَه بدت رجلاه، وإذا غَطَّينا رجليه بدا رأسه، فأمر رسول الله ﷺ أن نغطي بها رأسَه، ونجعل الإذْخِرَ على رجليه، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهْدِبُها. أخرجاه في "الصحيحين" (٥).

стр. 1467

وكان مصعب من جِلَّةِ الصحابة وسُبَّاقِهم إلى الإسلام والهجرة، وهاجر قديمًا، وهاجر إلى الحبشة في أول من هاجر إليها، وشهد بدرًا. ولم يشهد بدرًا من بني عبد الدار غيره، وكانت له ابنة اسمها زينب وأمها: حَمْنة بنت جحش. مَعْبَد بن مَخْرمة بن قِلْع بن حَرِيش، من الطبقة الثانية من بني عبد الأشهل، قتله صفوان بن أمية. المغيرة بن الحارث بن هشام أبو سفيان، مختلف في صحبته (١). النعمان بن مالك بن ثعلبة بن عمرو، خزرجي، قتله صفوان بن أمية. النعمان بن عمرو (٢) من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمُّه السُّمَيراء بنت قيس أنصارية، شهد بدرًا. نوفل بن عبد الله بن نَضْلة، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرًا، قتله سفيان بن عُويف. وهب بن قابوس المزني، قُتِلَ ومعه ابن أخيه الحارث بن عقبة بن قابوس، قدما من جبل مُزينة بغَنمٍ لهما إلى المدينة فوجداها خالية، فقالا: أين الناس، فقيل: بأحد، فتشهدا وخرجا مسلمين، وقالا: لا نَسألُ أثرًا بعد عين، فقاتلا دون رسول الله ﷺ حتى قتلا، فمر بهما رسول الله ﷺ فقال: "اللَّهم إنِّي قد رَضِيتُ عنهما، فَارْضَ عنهُما". ولم يزل واقفًا على قدميه مع ما به من ألم الجراح حتى دفنهما معًا. فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: أَحب مَوتةٍ إليَّ أموتها موتةُ المُزَنيَّيْن (٣). يزيد بن حاطب (٤) أبو حَيَّة من بني ظَفَر، من الطبقة الثانية من الأنصار، وكان أبوه منافقًا.

стр. 1468

يزيد بن السَّكَن بن رافع بن امرئ القيس، من الطبقة الثانية من بني عبد الأشهل، وقتل معه ولده عامر بن يزيد. يسار مولى الهيثم بن التَّيهان. أبو أيمن مولى عمرو بن الجَموح. أبو النعمان (١). أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة، من الطبقة الثانية من الأنصار نجاري، طعنه خالد بن الوليد فأنفذه، وقال: أنا أبو سليمان. أبو سفيان بن قيس (٢) بن زيد، من الطبقة الثانية من الأنصار. فهؤلاء شهداء أحد على اختلافهم. وقال الواقدي: قتل يومَ أحد أربعةٌ من المهاجرين: حمزة، وعبد الله بن جحش، ومصعب بن عمير، وشماس بن عثمان. وقيل: وسعد مولى عتبة، وباقي القوم من الأنصار ﵃ أجمعين (٣). وقد شهد أحدًا منافق ويهودي. فأما المنافق: فقُزْمان بن الحارث من بني عَبس، وكان رسول الله ﷺ لما خرج إلى أحد عيَّره النساء، فقلن له: ويحك يا قُزْمان، خرج الناس وبَقيتَ أنت، فخرج شاكٍ في سلاحه، فخرق الصفوف حتى قَتَل من الكفار تسعةً، ونادى: يا معاشر الأوس والخزرج، قاتلوا على الأحساب، ويحمل ويقول: أنا الغلام الظَّفَري، فارْتُثَّ فَمَرَّ به قَتادةُ بنُ النعمان فقال: هنيئًا لك الشهادة. فقال: يا ابن عم، والله ما قاتلت على دينٍ بل على الأحساب والحُرَم، واشتد به ألمُ الجِراحة فقتل نفسه، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله لَيؤيِّدُ هذا الدين بالرجل الفاجر" (٤).

стр. 1469

وأما اليهودي: فمُخَيريق بن مُحَيْريز، وكان يوم أحد يوم السبت فلم يلتفت، وأخذ سلاحه وقال: لا سبت، ثم قال: إن أُصِبت فمالي لمحمد ﷺ يصنع فيه ما شاء. ثم جاء إلى أحد فقاتل، فقال رسول الله ﷺ : "مخيريق خيرُ يهود" (١). وقتل من المشركين نيف وعشرون، منهم حملة اللواء، وأُبي بن خَلَف الجُمَحي، وأبو عَزَّة الشاعر. ترجمة أُبَيّ: كان يلقى رسول الله ﷺ فيقول له: عندي فرس أعلفها كل يوم فَرْقَ ذُرَة أقتلك عليها. فيقول له رسول الله ﷺ : "أَنَا أقْتُلُك إنْ شَاءَ اللهُ تعالى". فلما كان يوم أحد رأى رسول الله ﷺ ، فقصده وقال: لا نجوتُ إن نَجوْتَ. فأخذ رسول الله ﷺ الحَربةَ فَخَدَشه في عنقه، فتَدهدى عن فرسه يخور كما يخور الثور، ويقول: قتلني محمد، لو كانت هذه بربيعة ومضر لقتلتهم، فقال له أصحابه: لا بأس عليك، إنما هو خَدْش، فقال: أليس قد قال ابنُ أبي كَبْشة. أنا قاتلك؟ والله لو بصَق عليَّ بعد هذه المقالة لقتلني، فمات بسَرِفٍ (٢). فقال حسان بن ثابت (٣): [من الوافر] لقد وَرِثَ الضلالةَ عن أبيه … أُبَيٌّ حين بارزَه الرسولُ أَتُقْسِمُ حين تلقاه بأحْدٍ … وتُوعِدُه وأنت به جَهولُ وقد قَتَلَتْ بنو النجار منكم … أميَّة إذ يضيق به السَّبيلُ وأما أبو عَزَّة فإن رسول الله ﷺ كان قد منَّ عليه يوم بدر، فلما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة من أحد، أُخذ أبو عزة أسيرًا ولم يُؤْسَر غيره، فأمر رسول الله ﷺ عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح بقتله، فقال: عَفوَك يا محمد. فقال رسول الله ﷺ : "المُؤمِنُ لا يُلْدَغُ مِن جُحْرٍ مَرَّتينِ، قد عَفَوتُ عنكَ وهَجَوتَني وأَصحابِي، واللهِ لا أَدَعُكَ تَمسَحُ على لحيتكَ بمكَّةَ وتَقولُ: خَدَعتُ مُحمَّدًا وأَصحابَه" فضرب عاصم عنقه (٤).

стр. 1470

وأنزل الله في قصة أحد آيات من القرآن منها: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١] الآيات، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] الآية، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الآية. ومنها قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] الآية، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيتُمُوهُ﴾ [آل عمران: ١٤٣]، الآية، ومنها قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] الآية، ومنها قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] الآية، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥] الآية، ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] الآية، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية. ولما انصرف أبو سفيان بالمشركين عن أحد طالبًا مكة، نادى: موعدكم بدرٌ من قابِلٍ. فقال رسول الله ﷺ : "قُولُوا: نَعَم". ثم دخل رسول الله ﷺ المدينة وقال لعلي ﵇: "اتْبَعهُم فانْظُر مَاذَا يَصنَعُونَ؟ فإنِ امتَطَوا الإبِلَ وأَجْنَبوا الخَيلَ فإنَّهم يُريدُون مكَّةَ، وإن رَكِبُوا الخَيلَ وسَاقُوا الإِبِلَ، فإنَّهم يُريدُونَ المدِينَةَ، والذي نَفسِي بِيَده لَئن سَارُوا إليها لأُناجِزَنَّهم فيها". فقال علي رضوان الله عليه: فخرجت في آثارهم، فأجنبوا الخيل وامتطوا الإبل وساروا نحو مكة، وكان رسول الله ﷺ قد قال لي: "أَيُّ ذلك كانَ فأَخْفِه حتَّى تَأتَيَني"، قال: فلما رأيتهم قاصدين مكة، أقبلت أصيح ما أستطيع أن أكتم ما أمرني به رسول الله ﷺ من شدة الفرح حيث انصرفوا عن المدينة (١).

стр. 1471

وفيها كانت غزاة حمراء الأسد (١)، وهي عن المدينة بعشرة أميال. وسببها: أن أبا سفيان لما انصرف من أحد وبلغ الرَّوْحاء، تلاوم هو وأصحابه فقالوا: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعِب أردفتم، قتلتموهم حتى إذا لم يبق غير الشريد تركتموهم، ارجعوا إليهم فاستَأصِلوهم (٢). وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأراد أن يُرْعِبَهم ويُرِيَهم من نفسه ومن المسلمين قُوةً، فندب أصحابه إلى الخروج إليهم. وكان رسول الله ﷺ لما انصرف من أحدٍ تلك الليلة، بات على بابه وجوهُ الأنصار يحرسونه، وبات المسلمون يداوون جراحاتهم، فلما أصبح نادى مناديه: لا يخرجنَّ معنا إلا من حضر يومنا بالأمس، فانتدب الناس على ما بهم من ألم الجراح، وكلَّمه جابر بن عبد الله: يا رسول الله، لم أشهد الحرب معك بالأمس فأذن لي في الخروج معك؟ فأذن له، ولم يخرج معه أحد ممن لم يشهد القتال يوم أحد غيره (٣). وركب رسول الله ﷺ فرسه وهو مُوْثَقٌ بالجراحات ومعه سبعون رجلًا من أعيان المهاجرين: أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وابن عوف وأبو عبيدة وابن مسعود ﵃، وغيرهم، وحمل لواءه علي، وقيل: أبو بكر، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وسار حتى بلغ حمراء الأسد وهي على طريق العَقيق متياسرةً عن ذي الحُلَيفةِ، فوجد القومَ على عزم الرجوع وصفوان بن أمية ينهاهم عن ذلك، وبعث رسول الله ﷺ في آثارهم ثلاثةً طليعة لهم فقتلوهم، وسار رسول الله ﷺ حتى نزل بحمراء الأسد فدفن القتلى، وأوقد المسلمون في تلك الليلة خمس مئة نار حتى يُرى ضوؤها من مكان بعيد (٤).

стр. 1472

ومرَّ رسول الله ﷺ في طريقه بمَعْبَدٍ الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمُهم وكافِرُهُم عَيْبَة (١) رسول الله ﷺ بتهامة لا يخفون عنه شيئًا، ومَعْبَد يومئذ مشرك، فقال له: يا محمد، لقد عزَّ علينا ما أصابك، ولوَدِدْنا أن الله كفاك فيهم فما تأمرنا؟ قال: "تُخَذِّل عنَّا" (٢). فسار حتى لحق بأبي سفيان فوجده على عَزْم الرجوع إلى حمراء الأسد، فقال له: ما وراءك يا مَعْبَدُ؟ قال: محمد قد خرج في جمع عظيم ما رأيت مثله، وقد اجتمع إليه من كان تخلف عنه بالأمس، وندموا على صنيعهم، وفيهم من الحَنَقِ شيء لم أر مثله قط. فقال: ويحك ما تقول؟ فقال: ما أظنك ترتحل حتى ترى الخيل أو نواصيها، ولقد حملني ما رأيت على أن قلت: [من البسيط] كادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأَصوَاتِ رَاحِلَتي … إذْ سَالتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأَبابِيلِ تَرْدِي بأُسْدٍ كِرامٍ سَادَةٍ فُضُلٍ … عندَ اللِّقاءِ ولا خُرْقٍ معازيلِ من جَيشِ أحمدَ لا شيءٌ يماثِله … وليسَ يُوصَفُ ما أَبديتُ بالقِيلِ وقلتُ: وَيحَ ابن حربٍ من لقائِكم … إذا أَتيتُم بجيشٍ غيرِ مَخذُولِ فانثنى عزم أبي سفيان وعاد إلى مكة (٣). وخرج رسول الله ﷺ إلى حمراءِ الأَسَد يوم الأحد سادس عشر شوال، وغاب عن المدينة خمسَ ليال، ولقي أبا عزَّة الشاعر فقتله على ما ذكرنا. وأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢] الآية. وفي "الصحيحين": عن عائشة ﵂ أنها قالت لعروة بن الزبير: يا ابن أختي، كان والله أبوك وأبو بكر الصديق من ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية (٤). ولقي أبو سفيان ركبًا من بني القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: المدينة نَمتار منها. فقال: هل أنتم مُبلِّغون محمدًا رسالة، وأُحَمِّلُ لكم إبلَكُم زبيبًا بعكاظ غدًا إذا

стр. 1473

وافيتموها؟ قالوا: نعم. فقال: إذا لقيتموه فأخبروه أنا عائدون إليه لنستأصله وأصحابه. ثم سار إلى مكة ومر ذلك الركب بحمراء الأسد فبلغوا الرسالة، فقال رسول الله ﷺ : "حَسبُنا اللهُ ونِعمَ الوَكيلُ" (١). فصل وفيها توفي عثمان بن مَظْعون (٢) وأمه سُخيلة، وعثمان من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قديمًا. قال يزيد بن رومان: انطلق عثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث، [وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد] وأبو عبيدة بن الجراح حتى أتوا رسول الله ﷺ ، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا في ساعة واحدة، وذلك قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم. وهاجر عثمان إلى الحبشة الهجرتين، وحرَّم الخَمْرَ في الجاهلية وقال: لا أشرب شيئًا يُذهب عقلي، ويُضْحِكُ بي من هو أدنى مني، ويحملني أن أُنْكحَ كريمتي من لا أريد. فنزل تحريم الخمر في سورة المائدة (٣). وعثمان خال حفصة بنت عمر ﵂. عن ابن شهاب: أن عثمان بن مظعون أراد أن يختصي ويسيح في الأرض، فقال له رسول الله ﷺ : "أَليسَ لك فيَّ أُسوةٌ حَسَنةٌ، فأَنا أَصومُ وأُفطِرُ، وآكُلُ، وآتِي النِّساءَ، إنَّ خِصَاءَ أُمَّتي الصَّومُ، لَيسَ منِّي من خَصَى واختَصَى" (٤). ومات عثمان ﵁ في شعبان سنة ثلاث من الهجرة، وقيل: في سنة اثنتين، وهو أول من دُفِنَ بالبقيع من المهاجرين، وقبّل رسول الله ﷺ خَدَّه لما مات، وسماه السلف الصالح، وكان زاهدًا مشغولًا بالتعبد.

стр. 1474

وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ دخل على عثمان حين مات فأكبَّ عليه، ثم رفع رأسه وهو يشهق فعرفوا أنه يبكي، ثم قال: "اذهَبْ عنَا أَبا السَّائبِ، فَقَد خَرجتَ منها ولم تَلتَبِس منها بِشَيءٍ" (١). وقالت عائشةُ رضوان الله عليها: قبّل رسول الله ﷺ خدَّ عثمان بن مظعون وهو ميت، قالت: فرأيت دموعه تسيل على خد عثمان بن مظعون (٢). وقالت أم العلاء: اقتُسمَ المهاجرون قرعة، فطار لنا عثمان بن مظعون، فمرَّضناه حتى إذا توفي وجعلناه في ثيابه، دخل علينا رسول الله ﷺ فقلتُ: رحمك الله أبا السائب، فشهادتي عليك أن الله أكرمك. قالت: فقال رسول الله ﷺ : "وما يُدرِيكِ أنَّ الله أَكْرَمهُ؟ " فقالت: لا أدري. فقال: "أَمَّا عُثمان فقد جاءَهُ اليَقينُ، والله إنِّي لأَرجُو له الخَيْرَ، وَواللهِ ما أَدرِي وأَنَا رسُولُ اللهِ ما يُفعَلُ بي" فَواللهِ لا أُزَكي بَعدَه أحدًا، فأحزنني ذلك، قالت: فنمت فرأيت لعثمان عينًا تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: "ذَلِكَ عَمَلُهُ" (٣). وعن ابن عباس قال: لما مات عثمان، قالت امرأته: هنيئًا لك الجنة. فنظر إليها رسول الله ﷺ نظرة غضبان، قال: "وما يُدرِيكِ؟ " قالت: صاحبك. فقال: "إنِّي لَرَسُول اللهِ ومَا أَدرِي ما يُفعَلُ بي ولا بِهِ". فاشتد ذلك على المسلمين حتى ماتت بنت رسول الله ﷺ ، فقال: "الْحَقِي بِسَلَفِنا عُثمانَ بنَ مَظْعُونَ" (٤). ذكر أولاد عثمان: كان له من الولد: عبد الله (٥)، والسائب، وأمهما خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة، سُلَميّة. فأما السائب: فهاجر إلى الحبشة المرة الثانية مع أبيه، ثم قدم مكة وهاجر إلى

стр. 1475

المدينة، وكان من الرماة المذكورين، أصابه سهم يوم اليمامة في خلافة أبي بكر فمات وهو ابن بضع وثلاثين سنة (١)، وولد ولأبيه ثلاثون سنةً. وقال ابن سعد: كان لعثمان ابنة يقال لها: زينب، تزوجها عبد الله بن عمر بعد وفاة أبيها، زوجه إياها عمها قدامة، فأرغبهم المغيرة بن شعبة في الصَّداق، فقالت أم الجارية: لا تُجيزي، فكرهت الجارية النكاح، وأعلمت رسول الله ﷺ ذلك هي وأمها، فنكحها المغيرةُ بن شعبة (٢). أسند عثمانُ الحديثَ عن رسول الله ﷺ . * * *
следующие страницы →