← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وفيها كانت غزاة حمراء الأسد (١)، وهي عن المدينة بعشرة أميال. وسببها: أن أبا سفيان لما انصرف من أحد وبلغ الرَّوْحاء، تلاوم هو وأصحابه فقالوا: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعِب أردفتم، قتلتموهم حتى إذا لم يبق غير الشريد تركتموهم، ارجعوا إليهم فاستَأصِلوهم (٢). وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأراد أن يُرْعِبَهم ويُرِيَهم من نفسه ومن المسلمين قُوةً، فندب أصحابه إلى الخروج إليهم. وكان رسول الله ﷺ لما انصرف من أحدٍ تلك الليلة، بات على بابه وجوهُ الأنصار يحرسونه، وبات المسلمون يداوون جراحاتهم، فلما أصبح نادى مناديه: لا يخرجنَّ معنا إلا من حضر يومنا بالأمس، فانتدب الناس على ما بهم من ألم الجراح، وكلَّمه جابر بن عبد الله: يا رسول الله، لم أشهد الحرب معك بالأمس فأذن لي في الخروج معك؟ فأذن له، ولم يخرج معه أحد ممن لم يشهد القتال يوم أحد غيره (٣). وركب رسول الله ﷺ فرسه وهو مُوْثَقٌ بالجراحات ومعه سبعون رجلًا من أعيان المهاجرين: أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وابن عوف وأبو عبيدة وابن مسعود ﵃، وغيرهم، وحمل لواءه علي، وقيل: أبو بكر، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وسار حتى بلغ حمراء الأسد وهي على طريق العَقيق متياسرةً عن ذي الحُلَيفةِ، فوجد القومَ على عزم الرجوع وصفوان بن أمية ينهاهم عن ذلك، وبعث رسول الله ﷺ في آثارهم ثلاثةً طليعة لهم فقتلوهم، وسار رسول الله ﷺ حتى نزل بحمراء الأسد فدفن القتلى، وأوقد المسلمون في تلك الليلة خمس مئة نار حتى يُرى ضوؤها من مكان بعيد (٤).

стр. 1472

ومرَّ رسول الله ﷺ في طريقه بمَعْبَدٍ الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمُهم وكافِرُهُم عَيْبَة (١) رسول الله ﷺ بتهامة لا يخفون عنه شيئًا، ومَعْبَد يومئذ مشرك، فقال له: يا محمد، لقد عزَّ علينا ما أصابك، ولوَدِدْنا أن الله كفاك فيهم فما تأمرنا؟ قال: "تُخَذِّل عنَّا" (٢). فسار حتى لحق بأبي سفيان فوجده على عَزْم الرجوع إلى حمراء الأسد، فقال له: ما وراءك يا مَعْبَدُ؟ قال: محمد قد خرج في جمع عظيم ما رأيت مثله، وقد اجتمع إليه من كان تخلف عنه بالأمس، وندموا على صنيعهم، وفيهم من الحَنَقِ شيء لم أر مثله قط. فقال: ويحك ما تقول؟ فقال: ما أظنك ترتحل حتى ترى الخيل أو نواصيها، ولقد حملني ما رأيت على أن قلت: [من البسيط] كادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأَصوَاتِ رَاحِلَتي … إذْ سَالتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأَبابِيلِ تَرْدِي بأُسْدٍ كِرامٍ سَادَةٍ فُضُلٍ … عندَ اللِّقاءِ ولا خُرْقٍ معازيلِ من جَيشِ أحمدَ لا شيءٌ يماثِله … وليسَ يُوصَفُ ما أَبديتُ بالقِيلِ وقلتُ: وَيحَ ابن حربٍ من لقائِكم … إذا أَتيتُم بجيشٍ غيرِ مَخذُولِ فانثنى عزم أبي سفيان وعاد إلى مكة (٣). وخرج رسول الله ﷺ إلى حمراءِ الأَسَد يوم الأحد سادس عشر شوال، وغاب عن المدينة خمسَ ليال، ولقي أبا عزَّة الشاعر فقتله على ما ذكرنا. وأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢] الآية. وفي "الصحيحين": عن عائشة ﵂ أنها قالت لعروة بن الزبير: يا ابن أختي، كان والله أبوك وأبو بكر الصديق من ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية (٤). ولقي أبو سفيان ركبًا من بني القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: المدينة نَمتار منها. فقال: هل أنتم مُبلِّغون محمدًا رسالة، وأُحَمِّلُ لكم إبلَكُم زبيبًا بعكاظ غدًا إذا

стр. 1473

وافيتموها؟ قالوا: نعم. فقال: إذا لقيتموه فأخبروه أنا عائدون إليه لنستأصله وأصحابه. ثم سار إلى مكة ومر ذلك الركب بحمراء الأسد فبلغوا الرسالة، فقال رسول الله ﷺ : "حَسبُنا اللهُ ونِعمَ الوَكيلُ" (١). فصل وفيها توفي عثمان بن مَظْعون (٢) وأمه سُخيلة، وعثمان من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قديمًا. قال يزيد بن رومان: انطلق عثمان بن مظعون، وعبيدة بن الحارث، [وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد] وأبو عبيدة بن الجراح حتى أتوا رسول الله ﷺ ، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا في ساعة واحدة، وذلك قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم. وهاجر عثمان إلى الحبشة الهجرتين، وحرَّم الخَمْرَ في الجاهلية وقال: لا أشرب شيئًا يُذهب عقلي، ويُضْحِكُ بي من هو أدنى مني، ويحملني أن أُنْكحَ كريمتي من لا أريد. فنزل تحريم الخمر في سورة المائدة (٣). وعثمان خال حفصة بنت عمر ﵂. عن ابن شهاب: أن عثمان بن مظعون أراد أن يختصي ويسيح في الأرض، فقال له رسول الله ﷺ : "أَليسَ لك فيَّ أُسوةٌ حَسَنةٌ، فأَنا أَصومُ وأُفطِرُ، وآكُلُ، وآتِي النِّساءَ، إنَّ خِصَاءَ أُمَّتي الصَّومُ، لَيسَ منِّي من خَصَى واختَصَى" (٤). ومات عثمان ﵁ في شعبان سنة ثلاث من الهجرة، وقيل: في سنة اثنتين، وهو أول من دُفِنَ بالبقيع من المهاجرين، وقبّل رسول الله ﷺ خَدَّه لما مات، وسماه السلف الصالح، وكان زاهدًا مشغولًا بالتعبد.

стр. 1474

وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ دخل على عثمان حين مات فأكبَّ عليه، ثم رفع رأسه وهو يشهق فعرفوا أنه يبكي، ثم قال: "اذهَبْ عنَا أَبا السَّائبِ، فَقَد خَرجتَ منها ولم تَلتَبِس منها بِشَيءٍ" (١). وقالت عائشةُ رضوان الله عليها: قبّل رسول الله ﷺ خدَّ عثمان بن مظعون وهو ميت، قالت: فرأيت دموعه تسيل على خد عثمان بن مظعون (٢). وقالت أم العلاء: اقتُسمَ المهاجرون قرعة، فطار لنا عثمان بن مظعون، فمرَّضناه حتى إذا توفي وجعلناه في ثيابه، دخل علينا رسول الله ﷺ فقلتُ: رحمك الله أبا السائب، فشهادتي عليك أن الله أكرمك. قالت: فقال رسول الله ﷺ : "وما يُدرِيكِ أنَّ الله أَكْرَمهُ؟ " فقالت: لا أدري. فقال: "أَمَّا عُثمان فقد جاءَهُ اليَقينُ، والله إنِّي لأَرجُو له الخَيْرَ، وَواللهِ ما أَدرِي وأَنَا رسُولُ اللهِ ما يُفعَلُ بي" فَواللهِ لا أُزَكي بَعدَه أحدًا، فأحزنني ذلك، قالت: فنمت فرأيت لعثمان عينًا تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: "ذَلِكَ عَمَلُهُ" (٣). وعن ابن عباس قال: لما مات عثمان، قالت امرأته: هنيئًا لك الجنة. فنظر إليها رسول الله ﷺ نظرة غضبان، قال: "وما يُدرِيكِ؟ " قالت: صاحبك. فقال: "إنِّي لَرَسُول اللهِ ومَا أَدرِي ما يُفعَلُ بي ولا بِهِ". فاشتد ذلك على المسلمين حتى ماتت بنت رسول الله ﷺ ، فقال: "الْحَقِي بِسَلَفِنا عُثمانَ بنَ مَظْعُونَ" (٤). ذكر أولاد عثمان: كان له من الولد: عبد الله (٥)، والسائب، وأمهما خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة، سُلَميّة. فأما السائب: فهاجر إلى الحبشة المرة الثانية مع أبيه، ثم قدم مكة وهاجر إلى

стр. 1475

المدينة، وكان من الرماة المذكورين، أصابه سهم يوم اليمامة في خلافة أبي بكر فمات وهو ابن بضع وثلاثين سنة (١)، وولد ولأبيه ثلاثون سنةً. وقال ابن سعد: كان لعثمان ابنة يقال لها: زينب، تزوجها عبد الله بن عمر بعد وفاة أبيها، زوجه إياها عمها قدامة، فأرغبهم المغيرة بن شعبة في الصَّداق، فقالت أم الجارية: لا تُجيزي، فكرهت الجارية النكاح، وأعلمت رسول الله ﷺ ذلك هي وأمها، فنكحها المغيرةُ بن شعبة (٢). أسند عثمانُ الحديثَ عن رسول الله ﷺ . * * *

стр. 1476

السنة الرابعة من الهجرة فيها: كانت سرية أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي إلى قَطَنٍ (١)، جبلٍ بالحجاز ناحية قُدَيْد (٢)، في هلال المحرَّم في مئة وخمسين رجلًا يقصد طُليحة وسَلَمة ابني خويلد، وكانا قد جمعا لرسول الله ﷺ فهربا، فساق أبو سلمة نَعَمَها وشاءهما إلى المدينة. وفيها: كانت سرية عبدِ الله بن أُنَيس (٣)، في المحرم إلى سفيان بن خلف (٤) الهذلي، وكان ينزلُ بطنَ عُرَنَةَ، وكان قد جمع لرسول الله ﷺ ، قال عبد الله بن أُنَيس: فقلت: يا رسول الله، صفه لي. فوصفه فأخذت سيفي وقصدته، فلما جئته، قال: مَنِ الرجلُ؟ قلت: من خُزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئت لأكون معك. فاستحلى حديثي حتى إذا تفرق عنه أصحابه نام، فقتلته فجئت برأسه أحمله، فدخلت غارًا في جبل وجاءت عنكبوت فنسجت على بابه، وجاء الطلب فوجدوا العنكبوت قد سدت على الباب فرجعوا، وجئت برأسه إلى رسول الله ﷺ وقال: "أَفلَحَ وجهُكَ". ودفع إلي عصاة، وقال: "تخصَّر بهذه في الجنة" (٥). وفيها: كانت قصة بئر معونة (٦)، قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر مُلاعِب

стр. 1477

الأَسِنَّة -وكان سيد بني عامر بن صعصعة- على رسول الله ﷺ المدينةَ في صفَرٍ على رأس أربعة أشهر من أُحد، وأهدى لرسول الله ﷺ هدية، فأبى أن يقبلها وقال له: "يا أَبا بَرَاء، لا أقبلُ هديَّةَ مُشرِكٍ، فإن أردْتَ أن أقبَلَ هديَّتَكَ فأَسْلِم". ثم عرض عليه الإسلام وأخبره بما لَه فيه، وما وعد الله المؤمنين من الثواب، وقرأ عليه القرآن، فلم يسلم ولم يُبعده عن الإسلام، وقال: يا محمد، إن الله أمرك بهذا الذي تدعو إليه، والله إنه لحسن جميل، فلو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد، وإلى قومي تدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله ﷺ : "أَخشَى عليهم أَهلَ نَجدٍ". فقال أبو براء: أنا لهم جار إن تعرَّض لهم أحد. فبعث لهم رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو بن لَوْذان أخا بني ساعدة في سبعين رجلًا من خيار المسلمين من القُرّاء، فساروا حتى نزلوا بئر مَعُونة -وهي أرض بني عامر وحرَّة بني سُلَيم- فقال بعضهم لبعض: أيكم يُبَلِّغُ رسالة رسول الله ﷺ أهلَ هذا الماء؟ فقال حَرامُ بنُ مِلْحان: أنا، فخرج بكتاب رسول الله ﷺ وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل، فلما أتاه بالكتاب لم ينظر فيه عامر، فقال حَرَام: يا أهل بئر معونة، إني رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكم فآمنوا بالله ورسوله، فخرج رجل من كَسْرِ البيت برمحٍ فضرب به جنبه، فخرج من الجانب الآخر، فقال: الله أكبر فزت وربِّ الكعبة. ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين، فأبَوْا أن يُنْجِدوه، وقالوا: أبو براء قد عقد لهم عقدًا وجوارًا فلا نَخفِرُ ذمَّتَه، فاستصرخ عليهم قبائل بني سليم عُصَيَّةَ، ورِعْلًا، وذَكْوانَ، فأجابوه وأحاطوا بالقوم، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد، فإنهم تركوه وبه رمق فعاش حتى قتل يوم الخندق. وكان في سَرْحِ المسلمين عمرو بن أمية الضَّمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف، فَلم يُنَبِّههما على مصاب أصحابهما إلا الطير يحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنًا، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم، والخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ماذا ترى؟ قال: نلحق برسول الله ﷺ فنخبره الخبر. فقال الأنصاري: ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو. ثم قاتل القوم حتى قتل، وأُخِذَ عمرو بن أمية أسيرًا، فلما أخبرهم أنه من مضر، أطلقه عامر بن الطفيل، وجزَّ ناصيته وأعتقه عن رقبة، وزعم أنها كانت عن أمه، فقدم عمرو

стр. 1478

ابن أمية على رسول الله ﷺ فأخبره الخبر فقال: "هَذا مِن عَمَلِ أبي بَرَاءٍ، والله لقد كُنتُ كارِهًا لهذا مُتَخوِّفًا". وبلغ أبا براء فشق عليه إخفارُ عامرٍ إياه وما أصاب أصحابَ رسول الله ﷺ بسببه وجواره (١). فقال حسان بن ثابت يحرض بني أبي براء على عامر بن الطفيل (٢): [من الوافر] بني أُمِّ البَنين أَلَم يَرُعْكُم … وأَنْتُم مِن ذَوائبِ أَهلِ نَجدِ تَهكُّمُ عامرٍ بأَبي براءٍ … ليُخفِرَه وما خَطأٌ كَعَمْدِ أَبُوكَ أَبو الحُرُوبِ أَبو براءٍ … وخالُكَ ماجِدٌ حَكَمُ بن سعدِ وقال كعب بن مالك (٣): [من الوافر] لَقَد طارَتْ شَعاعًا كلَّ وَجهٍ … خِفارةُ ما أَجَازَ أَبو بَراءِ بَني أُمِّ البنين أَما سَمعتُم … دُعاءَ المستَغيثِ معَ المساءِ وتنويه الصَّريخِ بلَى ولكنْ … عَرَفتُم أَنَّه صَدقُ اللِّقاءِ قال: فلما بلغ ربيعةَ بنَ أبي بَراءٍ قولُ حسانَ وكعبٍ، حمل على عامر بن الطفيل فطعنه، فخرَّ عن فرسه فقال: هذا عمل أبي براء، إن مت فدمي لعمي لا يُتَّبعُ به، وإن أعش فسارى فيه رأيي (٤). وقال أنس بن مالك: فأنزل الله في شهداء بئر معونة قرآنًا: (بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه) ثم نسخت بعد ما قرأناها زمانًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية (٥). هذا كلام الثعلبي. ولما أطلقوا عمرو بن أمية الضمري، خرج قاصدًا إلى المدينة، حتى إذا كان بالقَرْقَرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بني عامر فنزلا تحت شجرة وناما وكان معهما عَقْدٌ وجِوارٌ من رسول الله ﷺ لم يعلم به عمرو، وكان قد سألهما: من أنتما؟ فقالا:

стр. 1479

من بني عامر. فلما ناما قتلهما عمرو وهو يرى أنه قد أصاب ثأرًا ممن قتل أصحابه، ثم قدم على رسول الله ﷺ فأخبره، فودى الرجلين الذين قتلهما عمرو. ذكر أعيان شهداء بئر معونة: أمير السرية: المنذر بن عمرو بن لَوْذان من الطبقة الأولى من الخزرج، وأمه هند بنت المنذر من بني سَلِمَةَ، وكان يكتب في الجاهلية بالعربية، شهد العقبة مع السبعين، وهو أحد النقباء الاثني عشر، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين طُلَيب بن عُمَير، وشهد المنذر بدرًا وأحدًا، ولما بلغ رسول الله ﷺ خَبَرُه، قال: "مَشَى إلى الموتِ فاعتَنَقَه وهو يَعرفُهُ" (١). عامر بن فُهَيرة مولى أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، وهو أخو عائشة ﵂ لأمها أم رومان، وكنيته أبو عمرو، واشتراه أبو بكر فأعتقه، وكان يعذَّب في الله بمكة، من المستضعفين، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قديمًا قبل أن يدخلَ رسولُ الله ﷺ دارَ الأرقم، وهاجر مع رسول الله ﷺ ، وكان يرعى الغنم لمّا كان رسول الله ﷺ في الغار، وشهد بدرًا وأحدًا، وقتل ببئر معونة وهو ابن أربعين سنة. وقال عروة: كان عامر بن الطفيل يقول: من منهم الرجل الذي لما قتل رأيته قد رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونه؟ قالوا: عامر بن فهيرة (٢). وطعنه جَبَّار بن سُلمى فأنفذه، فقال: فزت ورب الكعبة. فقال جبار: فما معنى هذا؟ قالوا: الجنة، فأسلم جَبَّار. وقال الزهري: بلغني أنهم التمسوا جسده فلم يقدروا عليه، فيرون الملائكة دفنته (٣). الحكم بن كَيْسان مولى بني مخزوم، من الطبقة الأولى من المهاجرين (٤)، أسر في

стр. 1480

العير التي أخذها عبد الله بن جحش بنخلة، فلما قدم على رسول الله ﷺ أسلم وحسن إسلامه. وهب بن سعد بن أبي سَرْح أخو عبد الله، من الطبقة الأولى من المهاجرين، وأمهما مُهانة بنت جابر من الأشعريين، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سُويد بن عمرو، فقتلا جميعًا ببئر معونة (١). حَرام بن مِلْحان النجَّاري من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه مُلَيكةُ بنت مالك نجارية، هو خال أنس بن مالك، وقتل معه في ذلك اليوم أخوه سليم بن مِلْحان، شهد حَرامٌ العقبة مع السبعين وبدرًا وأحدًا. خالد بن ثابت بن النعمان، من الطبقة الثانية من الأنصار، ظَفَري شهد أحدًا. الحارث بن الصِّمة بن عمرو أبو سعد، من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه تُماضِر بنت عمرو بن قيس عَيلان، وهو الذي كُسِرَ بالرَّوْحاءِ لما خرج رسول الله ﷺ إلى بدر، فضَربَ له بسهمه وأجره، وبايع رسول الله ﷺ على الموت يوم أحد، وقَتَلَ يومَ أحدٍ عِتبانَ بنَ المغيرة المخزومي (٢)، وأخذ سلبه ولم يُسْلَبْ سواه، وللحارث عقب بالمدينة وبغداد، وقتل ولده سعيد بن الحارث مع علي ﵇ بصفين (٣). عبد الله بن قيس بن صِرْمة الأنصاري، من الطبقة الثانية من بني النجار، وأمه زينب بنت قيس، شهد أُحدًا. سعد بن عمرو بن ثَقْف، من الطبقةِ الثانية من الأنصار، شهد أُحدًا ولم يُعْقِب. الضحَّاك بن عبد عمرو بن مسعود، من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه السُّميراء بنت قيس أشهلية، شهد بدرًا وأحدًا. قُطبة بن عبد عمرو بن مسعود أخو الضحاك لأبويه، شهد أحدًا.

стр. 1481

مسعود بن سعد بن قيس، من الطبقة الثانية من بني زُريق من الأنصار، شهد أحدًا (١). معاذ بن ماعِص بن قيس بن خَلْدة من بني زُريق، من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه من أشجع، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين سالم مولى أبي حذيفة. وفيها: كانت سرية مَرْثَد بن أبي مَرْثَد الغَنَوي إلى الرَّجِيع (٢)، وكانت في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من مهاجرته ﷺ . قال أبو هريرة: قدم رَهْطٌ من عَضَلٍ والقارةِ على رسول الله ﷺ بعد أُحد، فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلامًا وخيرًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يُفَقِّهونا في الدين، ويُعلِّمونا القرآنَ والشرائعَ، فبعث معهم رسول الله ﷺ نفرًا ستةً من أصحابه: مَرْثَد الغَنَوي حليفَ حمزة بن عبد المطلب، وخالد بن البُكَير حليف بني عدي بن كعب، وعاصمَ بنَ ثابت بن أبي الأَقْلح أخا بني عمرو بن عوف، وخبَيْبَ بنَ عدي أخا بني جَحْجَبى بن كُلْفة بن عمرو بن زيد (٣) بن عوف، وزيدَ بن الدَّثِنَة أخا بني بَيَاضة بن عامر، وعبد الله بن طارق حليفًا لبني ظَفر، ويقال: ومُعتِّب بن عبيد، وأمَّر عليهم مَرثد بن أبي مَرثد. فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع -ماء لهُذَيل بناحية الحجاز بين أرض بني عامر وحَرَّةِ بني سُليم- غَدروا بهم واستصرخوا عليهم هُذيلًا، فلم يَرُعهم إلا وقد غشيهم القوم بالسيوف، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم فقالوا: إنا لا نريد قتالكم، ولكن نريد أن نصيب بكم من أهل مكة شيئًا، ولكم علينا عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم. فأما مَرْثَدُ بن أبي مَرْثَد، وخالدُ بن البُكير، وعاصمُ بن ثابت، فقالوا: والله لا نقبلُ من مشركٍ عهدًا. وقاتلوهم حتى قُتلِوا جميعًا. وأما زيدُ بنُ الدَّثِنَة، وخُبَيبُ بن عدي، وعبدُ الله بن طارق فرغبوا في الحياة وأعطَوْا

стр. 1482

بأيديهم. فأُسِروا، فلما وصلوا إلى مَرِّ الظَّهْران، انتزع عبد الله بن طارق يده من القِران، ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه بمرِّ الظهران، وقدموا بخُبَيبٍ وزيدٍ إلى مكة فباعوهما، فأما خُبيب فابتاعه حُجَيرُ بن أبي إهاب التميمي أخو الحارث بن عامر لأمه ليقتله الحارث بن نوفل، وكان خُبيب قتل عامرًا يوم بدر فقتله به، وأما زيد بن الدَّثِنة فقتله صفوان بن أمية (١). ذكر ترجمة عاصم: واسم أبي الأَقلح قَيْسُ بن عِصْمَة بن مالك من بني ضُبيعة، وكُنيَةُ عاصمِ: أبو سليمان، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه الشَّموس بنت أبي عامر الراهب، وأمها عُميرة بنت الحارث، شهد عاصم بدرًا وأحدًا، وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد لما انهزم الناس عنه، وبايعه على الموت، وكان من الرماة المذكورين، وقتَلَ يومَ أحدٍ أصحابَ اللواء مُسافعًا والحارث، وكانت سُلافةُ بنت سعد أُمُّهما نَذَرَتْ أن تشربَ الخمر في قِحْفِ عاصم، وجعلت لمن جاء برأسه مئة ناقة، فلما قال المشركون: إنا لا نريد قتلكم، قال عاصم: أما أنا فلا أقبل جوار مشرك. وجعل يقاتلهم حتى فني نَبْلُه، ثم طاعنهم حتى انكسر رمحه، فقال: اللهمَّ إني سميت دينك أول النهار، فاحم لحمي آخره، فجرح رجلًا وقتل واحدًا وقتلوه، وأرادوا أن يَحزوا رأسه، فبعث الله الدَّبْرَ فحمته، ثم بعث الله سيلًا في الليل فحمله، وكان قد أعطى الله عهدًا أن لا يمسه مشرك تنجسًا منه. فلهذا أكرمه الله باحتمال السيل إياه، فكان عمر بن الخطاب رضوان الله عليه يقول: عجبًا لحفظ الله العبد في حياته وبعد مماته. وكان لعاصم ولد اسمه محمد، وأمه هند بنت مالك، ومن ولد محمدٍ الأحوصُ الشاعرُ، وهو عبد الله بن محمد بن عاصم (٢). خالد بن البُكَير بن عبدِ يَاليل بن كِنانة شهد بدرًا وأحدًا، وقتل في هذا اليوم، وله أربع وثلاثون سنة.

стр. 1483

خُبَيْب بن عدي الأنصاري من بني عمرو بن عوف، من الطبقة الأولى من الخزرج، لما أُسر على ما تقدم، وقدم مكة ابتاعه بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف. وكان خبيب قد قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث عندهم أسيرًا حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى ليستَحِدَّ بها فأعارته، فدرج لها ابنٌ صَغيرٌ وهي غافِلَةٌ عنه حتى أتاه، فأخذه فوضعه على فخذه والموسى بيده، ففزعت المرأة فَزْعةً عرفها خُبيب وقالت: أصاب الرجلُ واللهِ ثأرَه. فقال خُبيب: أتحسبين أَني أقتله؟ قالت: نعم. فقال: ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله، ليس الغَدْرُ من شأنِنا. وكانت المرأة تقول: والله ما رأيت أسيرًا قط مثلَ خُبَيب، لقد رأيته يومًا يأكل قِطْفًا من عنب في يده، وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لرزق الله ساقه الله إليه، وإنه لمُوْثَقٌ في الحديد. فلما خرجوا به من الحَرَم ليقتلوه في الحِلِّ، قال لهم: دعوني أصلي ركعتين. فتركوه، فركع ركعتين وقال: والله لولا يحسبوا أن ما بي جَزَعٌ من الموت لزدت ثم قال: [من الطويل] ولستُ أُبالي حين أُقْتَلُ مُسلِمًا … على أي جَنْبٍ كان في الله مَصرَعي وذلك في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشَأْ … يُباركْ على أَوصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ ثم قال: اللهمَّ أحصهم عددًا، واقتلهم بدَدًا، ولا تبق منهم أحدًا. فقام إليه عقبة بن الحارث وكنيته أبو سِرْوَعةَ فقتله، وكان خُبَيْبٌ هو الذي سنَّ الصلاة لكل مسلم قُتِلَ صَبْرًا. وأَخبرَ رسولُ الله ﷺ أصحابَه يومَ أُصيبوا خَبَرهم (١). ثم أسلم أبو سِرْوعة بعد ذلك وحسن إسلامه. وقال سعيد بن عاصم: شهدت مصرعَ خُبيب، وقد بَضَعَت قريشٌ لحمَه وحملوه على جِذْع، وقالوا: أتحب أن محمدًا مكانك؟ فقال: والله ما أحب أني في أهلي وولدي، وأن محمدًا شِيكَ بشوكة، ثم نادى: وامحمداه، فقتلوه ﷺ (٢). وعن جعفر بن أمية، عن أبيه قال: بعثني رسول الله ﷺ وحدي عينًا إلى قريش، فجئت إلى خشبة خُبَيْب وأنا أتخوف العيون فَرَقِيتُ فيها، وحَلَلتُ خُبيبًا فوقع إلى الأرض، فانتبذت غير بعيد، ثم التفتُّ فلم أر خبيبًا وكأنما ابتلعته الأرض، فلم ير

стр. 1484

لخُبَيْبٍ أثرٌ حتى الساعة (١) زيد بن الدَّثِنة بن معاوية، من الطبقة الثانية من الأنصار شهد أحدًا، واشتراه في هذه السرية صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، فأخرجه إلى التنعيم، ثم قام إليه نِسطاس غلامُ صفوان فقتله ﵁ (٢). * * * وفيها كانت سرية عمرو بن أمية الضَّمْري إلى مكة ليقتل أبا سفيان في ربيع الأول (٣). * * * وفيها كان إجلاءُ بني النَّضِير (٤)، في ربيع الأول، وهم حيٌّ من يهود خَيبر، دخلوا في العرب وهم على نسبهم إلى هارون ﵇، وسبب إجلائهم: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، صالحته اليهود على أن لا يقاتلوه ولا يظاهروا عليه، فلما ظهرَ يومَ بدرٍ على الكفار قالت النضير: هذا هو النبي المبعوث الذي لا تُردُّ له راية، فلما جرى يومَ أحد ما جرى ارتابوا، ونافقوا، وأظهروا العداوةَ لرسول الله ﷺ ، وقالوا: لو كان هذا نَبيًّا ما جرى عليه ما جرى، وأجمعوا على الفتك به، فبعثوا إليه أنِ اخرج في ثلاثين من أصحابك، ويخرج منا ثلاثون حَبْرًا حتى نلتقي بمكان كذا، وهو نَصَفٌ بيننا وبينك، فيسمعوا منك، فإن آمنوا آمنا كلّنا. فخرج رسول الله ﷺ في ثلاثين من أصحابه، وخرجوا هم في ثلاثين حَبْرًا، فلما

стр. 1485

أصحروا قالوا: كيف نخلُصُ إليه ومعه ثلاثون من أصحابه، وكل واحدٍ منهم يحب أن يموتَ قبله، فأرسلوا إليه: اخرُجْ في ثلاثة من أصحابك ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا، فإن الكثرة تمنع السماع، فخرجوا في ثلاثة نفر، وخرج في ثلاثة، وكانوا قد اشتملوا على الخناجر المسمومة ليقتلوه، فأرسلت امرأة من اليهود إلى أخيها وكان مسلمًا من الأنصار، فأخبرته بما عزموا عليه، فسبقهم إلى رسول الله ﷺ فساره بذلك، فرجع من الطريق، فلما كان من الغد غدا عليهم بالكتائب فحاصرهم (١). وقال الواقدي: وكان السبب في ذلك أن عامر بن الطُّفَيل بعث إلى النبي ﷺ يقول: إنكم قتلتم رجلين لهما منكم جِوارٌ وعَهْد، فابعث إلينا بِدِيَتِهما - يريد اللَّذَيْنِ قتلهما عمرو بن أمية الضَّمْري عند مرجعه من بئر مَعونة - فانطلق رسول الله ﷺ إلى قُباء، ثم مال إلى بني النَّضير يستعين بهم في دِيَة الرجلين - وكان بين بني عامر وبني النَّضير حِلفٌ وعَقْد -، وكان معه أبو بكر وعمر وعلي وأسيد بن الحضير ﵃، فلما استعان رسول الله ﷺ ببني النضير قالوا: نعم يا أبا القاسم، نعينك بما أحببت. ثم خلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمدًا على مثل هذه الحالة - وكان رسول الله ﷺ جالسًا إلى جانب دار من بيوتهم -، فقالوا: مَن يعلو هذا الجدار فيرمي عليه صخرة فيقتله ونستريح منه، فانتدب لذلك عمرو بن جِحَاشٍ، فقال سلَّام بن مِشْكَم: لا تفعلوا فوالله ليُخْبرَنَّ بما قد عزمتم عليه، وأخذ عمرو الصخرة وعلا على الجدار، فأتى رسولَ الله ﷺ الخَبرُ من السماء، فقام من مكانه، وعاد إلى المدينة وأخبر أصحابه بما عزموا عليه، وتهيأ لحربهم، وكانت منازلهم بناحيةِ الغَرْسِ وما والاها، مقبرة بني خَطْمةَ اليوم، وخرج رسول الله ﷺ إليهم يوم السبت في ربيع الأول، وحمل لواءه علي ﵁، واستخلف على المدينة ابنَ أُمِّ مَكتوم وسار في المهاجرين والأنصار، فتحصَّنوا بالحصون، ورَمَوه بالنَّبْل والحجارة، فقاتلهم، وقطع نخلهم وحَرَّق، ثم أرسل إليهم محمَّد بن مسلمة يقول: قد نقضتم العهد، وهممتم بالغدر، فأخرجوا من بلادي ولا تساكنوني أبدًا. فلما بلّغ محمد الرسالة قالوا: يا محمَّد، ما ظننا أن يجيئنا بمثل هذه الرسالة رجل

стр. 1486

من الأوس، فقال محمَّد: محا الإِسلام العهود وغيَّر القُلوبَ، فقالوا: نعم نتحمَّل إلى غير هذه البلاد. فأرسل إليهم عبد الله بن أُبَيّ بن سَلول: لا تخرجوا فإنَّ معي من العرب ومن قومي ألفين، وأنا واصلٌ إليكم وداخل معكم حصونكم، وقُرَيْظة داخلون معي. وبلغ ذلك كعب بن أسيد صاحب عهد بني قريظة، فقال: لا والله لا ينقض العهد رجل من قريظة وأنا حي، فقال سلام بن مِشْكَم لحُيَيّ بن أخطب: يا حُيي، اِقْبل ما قال محمَّد، فأبى عليه وقال: لا ندع ديارنا وأموالنا، فاصنع ما بدا لك، فرجع محمَّد بن مسلمة إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فكبَّر رسول الله ﷺ وكبر المسلمون، فحاصرهم خمس عشرة ليلة، وقيل: ست ليال، ثم خذلهم حُلفاؤهم بنو غطفان وعبد الله بن أُبَيّ بن سلول، فيئسوا من النصر، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه الصُّلح على حَقْن دمائهم وله الحَلْقَةُ والمالُ، وأن يُسَيِّرهم إلى أذْرِعاتِ الشامِ، ويجعلَ لكل ثلاثةٍ منهم بعيرًا (١). وقال الزهري: إنما صالحهم على ما أقلَّتِ الإبل من شيء إلا الحَلْقة، فخرج رؤساؤهم إلى خيبر وهم: حيي وجُدَيٌّ وأبو ياسر ومالك بنو الأخطب، وسلاّم بن مِشْكَم، وكنانة بن الربيع، وسلام بن أبي الحُقَيْق، فأقاموا بخيبر، وتوجه الباقون إلى أذرعات الشام (٢). قال ابن إسحاق: وكانت أموال بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة يضعها حيث شاء، فقسمها في المهاجرين الأولين دون الأنصار إلَّا سهلَ بنَ حُنَيْف، وأبا دُجانة سِماكَ بنَ خَرَشَة، والحارثَ بن الصَّمة، فإنهم شكوا إلى رسول الله ﷺ فقرًا وفاقة، فأعطاهم منها، ولم يُسلم من بني النضير سوى يامينِ بنِ عُمَيْر بن كعب وأبي سعد بن وهب، فأحرزا أموالهما (٣). وكان في أموال بني النضير خمسون دِرعًا، وخمسون بيضة، وثلاث مئة وأربعون

стр. 1487

سيفًا، ولم يخمِّسها ولم يقسمها، وكانت حُبْسًا لنوائبه، ونفقة أهله سنة، وما فَضَلَ جعله في سبيل الله (١). قال ابن الكلبي: أعطى رسول الله ﷺ منها تبرعًا أبا بكر بئر حجر، وعمر بئر جرم، والزبير البُويرة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي حَزْنًا (٢). وحَزنَ المنافقون وابنُ أُبي عليهم حُزْنًا كثيرًا. قال عكرمة: ولما سار رسول الله ﷺ إليهم وجدهم يبكون وينوحون على سيدهم كعب بن الأشرف، فقالوا: يا محمَّد، واعية على أثر واعية، وباكية على أثر باكية؟ قال: "نعم أنتم قومٌ غُدُر فُجُر". فقالوا: ذَرْنا نبكي شَجْوَنا، ثم ائتمر بأمرك، فقال: "اخرجوا من جواري"، فقالوا: الموت أهون علينا من فراق أوطاننا وأموالنا، وتَنادَوا بالحرب، ودربوا الأزقة وحصَّنوها، وقاتلوا رسول الله ﷺ ، ثم صالحوه ونزلوا على حكمه كما ذكرنا. وأنزل الله تعالى سورة الحشر بأسرها في بني النَّضير. غزاة بدر الصغرى للموعد (٣) خرج رسول الله ﷺ من المدينة في شعبان، وقيل: في شوال، لموعد أبي سفيان في ألف وخمس مئة من المسلمين، وعشرة أفراس، وسلاحٍ كثيرٍ وعدة. وخرج أبو سفيان من مكة في ألفين ومعه خمسون فرسًا، فبلغ عُسْفان، وقيل: مَجَنَّة، وقيل: مَرَّ الظهران. وأقام رسول الله ﷺ ببدر ينتظر أبا سفيان، فمر به مَخْشيُّ بن عمرو الضَّمري، فقال

стр. 1488

له: يا محمَّد، أجئت للقاء قريش؟ قال: "نَعَم، وإن شِئتَ يا أخَا ضَمْرةَ رَدَدْنا إليك ما كانَ بينَنَا وبينَكَ، ثم جَالدْناكَ حتى يَحكُمَ اللهُ بينَنا وبينَكَ" فقال: لا والله يا محمَّد ما لي بذلك من حاجة (١). وقال الواقدي: كانت هذه الغزاة في ذي القعدة، وكان نُعيم بن مسعود قد اعتمر، فلما قدم مكة للعمرة، قال له أبو سفيان: من أين؟ قال: من يثرب قال: هل رأيت لمحمد حركة؟ قال: نعم تركته على تعبئة لغزوكم، وذلك قبل أن يسلم نُعَيْم. فقال له أبو سفيان: ونحن قاصدوه. ثم خرج إلى مَرِّ الظهران، وقال لنعيم: هل لك في عشر قلائص يضمنها لك عني سُهيل بن عمرو، وترجعَ إلى يثرب فتُثَبَّطَهم عنا، فإن هذا عامُ جَدْبٍ ولا يُصْلِحُنا إلا عامٌ غَيْداق - أي: خصيب - فرجع نُعيم إلى المدينة ورسول الله ﷺ على عزم الخروج، فجعل يُثَبِّط الناس: ألم يُجْرَحْ محمدٌ في نفسه؟ ألم يُقْتَل أصحابُه، وبلغ رسول الله ﷺ فقال: "والذي نفسي بيده لو لم يخرج معي أحد، لخرجت بنفسي". ثم خرج وخرج معه المسلمون، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، وحمل لواءه علي بن أبي طالب ﵁. وخرج التجار بتجاراتهم، وكان بدر سوقًا يقام في كل سنة، ولما نزل رسول الله ﷺ بدرًا، وبلغ أبا سفيان، ألقى الله في قلبه الرعب وقال: كانوا يوم أُحد شِرْذِمةً يسيرة وقد جاؤونا بالحد والحديد. فرجع إلى مكة (٢)، وأنزل الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١] الآية، وأنزل الله ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآية. وفيها: ولد الحسين بن علي ﵁ (٣)، لخمس ليال خَلَوْنَ من شعبان، وكان بين عُلوقِ فاطمةَ ﵍ بالحسين ﵇ ومولد الحسن ﵇ خَمسون يومًا، وأذَّن رسول الله ﷺ في أُذُنِه وعَقَّ عنه، كما فعل بالحسن ﵇.

стр. 1489

قالت أم الفضل: قلت: يا رسولَ الله، رأيتُ في منامي كأن في حِجْري عضوًا من أعضائك، قال: "تَلِدُ فاطمةُ إنْ شَاءَ اللهُ غُلامًا فَتَكفلينَهُ"، فولدت حسينًا، فدفعته إليها، فأرضعته بلبن قُثَمٍ. قالت: فأتيت به النبي ﷺ أَزورُه، فأخذه فوضعه في حِجْره، فبال فأصاب إزاره، فقلت بيدي بين كتفيه، فقال: "أَوجَعْتِ ابْني أَصلَحَكِ اللهُ". فقلتُ: أَعطِني إزارك أغسِلْه، فقال: "إنَّما يُغسَلُ بَولُ الجارِيَة ويُصبُّ على بَولِ الغُلامِ". ثم دعا بماء فحدره عليه حَدْرًا (١). وفيها: تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة ﵂ (٢)، واسمها هند بنت أبي أمية، ودخل بها في شوال، ولما انقضت عِدَّتُها، بعث إليها رسولُ الله ﷺ فقالت: مرحبًا برسول الله ﷺ وبرسوله، أَخْبر رسول الله ﷺ أَني امرأةٌ غَيْرى وأَني مُصْبِيَةٌ، وأَنه ليس أحدٌ من أوليائي شاهدًا، فبعث إليها رسول الله ﷺ : "أما قولك: إنك مُصْبِية، فإن الله سيكفيك صبيانك، وأما قولك: إني غيرى، فسأدعو الله أن يذهب غَيْرتك، وأما الأولياء، فليس منهم أحد شاهد أو غائب إلا سيرضى بي" فقال (٣): يا عمر، قم فزوِّج رسول الله ﷺ ، فزوَّجه. ثم قال رسول الله ﷺ : "أَمَا إنِّي لم أَنقُصكِ عمَّا أَعطَيتُ فُلانةً" - وكان قد أعطى فلانة، جَرَّتينِ تضعُ فيهما حاجتها، ورَحًى، ووِسادةَّ مَن أَدَمٍ حشوها لِيفٌ - ثم انصرف رسول الله ﷺ (٤). وقد أخرج مسلم عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَا مِن مُسلِمٍ تُصيبهُ مُصيبَةٌ، فيقولُ ما أَمَرَ اللهُ به: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهمَّ أجُرْني في مُصيبَتِي واخلُفْ لي خَيرًا مِنها، إلا أَخلَفَ اللهُ عليه خَيرًا منها، وآجَرَه في مُصيبَتِهِ". قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أيُّ المسلمينَ خيرٌ من أبي سلمةَ، أَوَّلُ بيت هاجَرَ إلى رسول الله ﷺ ، ثم إني قلْتُها، فأَخلَفَ الله لي رسولَ الله ﷺ (٥).

стр. 1490

وفيها: أمر رسول الله ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود (١)، وقال: "إنِّي لا آمنُهُم على كِتَابي" (٢). فتعلمه زيد في خمس عشرة ليلة. وفيها: رجم رسول الله ﷺ اليهوديَّيْن في ذي القعدة. عن ابن عمر ﵄: أنَّ اليهودَ جاؤوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلًا وامرأةً منهم زنيا، فقال: "مَا تَجِدونَ في التَّوراةِ في شَأْنِ الرَّجْمِ" قالوا: نفضحُهم ويُجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتُم إنَّ فيها الرَّجم، فأَتَوْا بالتَّوراةِ فَنشروها، فَوَضع أحدُهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال ابن سلام: ارفع يدك، فرفعها فإذا آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمَّد، فأمر بهما فرُجما، قال ابن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأةِ يقيها الحجارة. أخرجاه في "الصحيحين" (٣). وفيها: كانت قصة طُعمة بن أُبَيْرِق (٤). فصل وفيها توفيت زينب بنت خُزَيْمة ابن الحارث بن عبد الله الهلالية أخت ميمونة لأمها، في ربيع الآخر، وكان رسول الله ﷺ تزوجها في رمضان سنة ثلاث، وصلى عليها رسول الله ﷺ ، ودُفِنت في البقيع، ولم يمت عنده ﷺ من نسائه ﵅ إلا خديجةُ رضوان الله عليها، وزينب (٥) ﵂.

стр. 1491

أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأمه: بَرَّةُ بنت عبد المطلب بن هاشم عمةُ رسول الله ﷺ ، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين. أسلم قديمًا قبل أن يدخلَ رسول الله ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، ومعه زوجته أم سلمة ﵂، ثم قدم مكة وهاجر إلى المدينة، وهو أول من هاجر إليها، قدمها لعشر خَلَوْنَ من المحرم، وقَدِمَها رسول الله ﷺ في ربيع الأول. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن خَيْثمةَ، وشهد أبو سلمة بدرًا وأحدًا، وجُرح يوم أُحد، رماه أبو أُسامةَ الجُشَمي بسهم في عَضُدِه، فأقام شهرًا يداويه حتى برئ. ثم بعثه رسول الله ﷺ في سرية على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة إلى بني أسد بقَطَنٍ - جبلٍ لهم - في المحرم، فغاب بضع عشرة ليلة، ثم قدم المدينة، فانتقض جرحه فمات في جمادى الآخرة، فأغمضه رسول الله ﷺ ، وقال عند موته: اللهمَّ اخلفني في أهلي بخير (١). فخَلَفه رسول الله ﷺ (٢)، وصارت أمُّ سلمة ﵂ أمَّ المؤمنين، وصار رسول الله ﷺ رَبيبَ أولاده. وأخرج مسلم عن أم سلمة قالت: دخلَ رسولُ الله ﷺ على أبي سلمة وقد شَقَّ بصرُه، فأَغمَضَه، ثم قال: "إنَّ الرُّوحَ إذا قُبضَ تَبعَهُ البَصَرُ" فضجَّ ناسٌ من أهله، فقال: "لا تَدعوا على أَنفُسِكُم إلَّا بخَيْرٍ، فإنَّ الملائِكَةَ يُؤَمِّنونَ على ما تَقُولونَ"، ثم قال رسول الله ﷺ : "اللَّهمَّ اغْفِرْ لأَبي سَلَمةَ، وارْفَعْ دَرَجتَه في المَهْدِيينَ، واخْلُفْه في عَقِبِه في الغابِرينَ، واغْفرْ لنَا وله يا رَبَّ العَالَمِينَ، وافْسَحْ له في قَبرِهِ ونَوِّر له فيه" (٣). وكان لأبي سلمة من الولد: عمر، وزينب، ودُرَّة، وأم كلثوم، وسلمة.

стр. 1492

عبد الله بن عثمان ابن عفان (١) رضوان الله عليه من رقية بنت رسول الله ﷺ ، نقره ديك في عينه فمات وهو ابن ست سنين، وصلى عليه رسول الله ﷺ ، ونزل عثمان ﵁ في قبره. فاطمة بنت أسد (٢) ابن هاشم بن عبد مناف، والدة علي ﵇، وأمها: فاطمة بنت هَرِم بن رواحة، من ولد عامر بن لؤي، وتلقب: بحُبّى، وأمها: خديجة (٣) بنت وهب بن ثعلبة من بني فهر، وأمها: فاطمة بنت عبد بن معبد بن عمرو بن بَغيض (٤) بن عامر بن لؤي، وأمها: سلمة (٥) بنت عامر بن ربيعة بن هلال، من فهر، وأمها: عاتكة بنت أبي همهمة من فهر، وأمها: تماضر بنت أبي عمرو بن عبد مناف، وأمها: حبيبة، وهي: أمة الله بنت عبد يا ليل ثقفية، وأمها: حُبَّى بنت الحارث بن النابغة من هوازن. وفاطمة بنت أسد أول امرأة هاشمية تزوجت هاشميًا، وأول من بايعت رسول الله ﷺ من النساء بعد خديجة، وأول هاشمية ولدت خليفة هاشميًا. وقال بريدة: سمعت فاطمةُ بنت أسد رسولَ الله ﷺ يقول: "يُحشَرُ النَّاس يومَ القِيامةِ عُراةً"، فقالت: واسوأتاه، فقال لها رسول الله ﷺ : "إنَّي أَسأَلُ الله أَن يَبعَثَكِ كاسِيَةً". قال: وسمعته يذكر ضَغطةَ القبر، فقالت: واضعفاه، فقال: "إنِّي أَسأَلُ الله أَنْ يَكفِيَكِ ذَاكَ". وكانت صالحة تنقل الماء إلى بيت فاطمة ﵍، وتذهب للحاجة. وكان رسول الله ﷺ يزورها ويقيلُ في بيتها، ولما توفيت ألبسها رسول الله ﷺ

стр. 1493

قميصه، واضطجع معها في قبرها، فقال له أصحابه: ما رأيناك صنعتَ بأحد مثل ما صنعتَ بهذه؟ فقال: "إنَّه لم يَكُن بعدَ أبي طالبٍ أَحدٌ أبرَّ بي منها، وإِنَّما أَلْبَستُها قَميصِي لِتُكسَى مِن حُلَلِ الجنَّةِ، وإنَّما اضطَجَعتُ مَعَها لِيُهوِّنَ اللهُ عليها ضَغْطَةَ القَبرِ" (١). ودفنت بالبقيع إلى جانب رُقية ﵂ بنت رسول الله ﷺ ، وروت الحديث عن رسول الله ﷺ . * * *

стр. 1494

السنة الخامسة من الهجرة فيها كانت غزاةُ ذات الرِّقاع على خلاف في ذلك (١)، غزا رسول الله- ﷺ نَجدًا يريد بني مُحارب وغَطَفان، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ﵁ (٢)، وتقارب الناس للقتال، ولم يَجْرِ بينهم حرب، وغاب رسول الله ﷺ عن المدينة خمس عشرة. وقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في هذه الغزاة ونحن ستةُ نفر بيننا بعير نَعْتَقِبُه، قال: فَنَقِبَت أقدامُنا، وسقطت أظفاري، فكنا نَلُفُّ الخِرَق على أقدامنا وأرجلنا، فَسُمّيت غزاةَ ذاتِ الرقاع لما كنا به نَعْصب على أرجلنا من الخرق. قال أبو بردة: فحدث أبو موسى بهذا الحديث، ثم كره ذلك وقال: وما كنت أصنع بأن أذكره، كأنه كره أن يفشي شيئًا من عمله (٣). لأن عمل السر أفضل من عمل العلانية. قال المصنف ﵀: هذا الحديث يدل على أن غزاة ذات الرقاع كانت بعد خيبر، لأن أبا موسى قدم على رسول الله ﷺ بعد خيبر. وكذا روى ابن إسحاق القصة عن أبي هريرة، وأبو هريرة إنما قدم على رسول الله ﷺ بعد خيبر (٤).

стр. 1495

وفي هذه الغزاة صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف، وفي هذه الغزاة نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة: ١١] الآية. قال جابر بن عبد الله ﵄: غزونا مع رسول الله ﷺ قِبَلَ نجد، فلما قَفل ومعه الناس أدركتهم القَيلُولة في وادٍ كثير العِضَاهِ، فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة وعلَّقَ سيفَه بغُصْنٍ من أغصانها، وتفرق الناس يَستظلون بالشجر، قال: فنمنا نومةً، وإذا رسول الله ﷺ يدعونا، فجئناه وعنده أعرابي، فقال: "إنَّ هذا أَتَاني وأَنَا نَائمٌ فاخْتَرَطَ سَيفِي، وهو قَائمٌ على رَأسي والسَّيفُ بيدِهِ صَلتًا، قال: مَن يَمنَعُكَ منَّي؟ قلت: الله، فَشَامَ السَّيفَ". أي: أعاده إلى جفنه، قال جابر: فلم يَعرِض له رسول الله ﷺ ولم يعاقبه (١). وفيه: فأخذ رسول الله ﷺ السيف من يد الرجل، وقال: "مَن يَمنَعُك منَّي"؟ فقال الرجل: كُن خَيْرَ آخذٍ، فقال: "أَتَشهَدُ أَنْ لا إِلهَ إلا اللهُ، وأَنَّي رسولُ اللهِ". قال: لا، ولكن أُعاهِدُك على أن لا أُقاتِلَك، ولا أكونَ مع من يقاتلُك فخلّى سبيله، فأتى أصحابه وقال: جئتكم من عند خير الناس (٢). وفيها: كانت غزاةُ دُومَةِ الجَنْدَل (٣)، وهي أرض فيها زرع ونخل وعيون، ولها مدينة وحصنٌ منيعٌ يدعى ماردًا، ويقال في المثل: تمرَّد ماردٌ وعزَّ الأَبلق (٤). وهي أول غزاة غزاها رسول الله ﷺ إلى الشام، خرج إليها على رأس تسعة وأربعين شهرًا من مُهاجَرِه، واستخلف على المدينة سِباعَ بنَ عُرْفُطةَ الغِفاري، وكان قد بلغه أن بها جمعًا من الأعراب، فكان يَكمُن نهارًا ويسير ليلاً، ومعه دليل من بني [عُذرة يقال له:] (٥) مذكور، فهجم عليهم فهربوا، فأخذ رِجالًا، منهم فأسلم بعضهم، ورجع إلى

стр. 1496

المدينة ولم يلق كَيدًا. وفي هذه الغزاة وادع رسول الله ﷺ عُيَيْنةَ بنَ حِصْن الفَزاري على أن يكفَّ عنه ويرعى بتَغْلَمَيْن إلى المَراضِ من أرض الحجاز، وذلك لأن بلادَ عُيَيْنة أجدبت، وأخصبت تغلَمَيْنِ والمَراضُ لسحابةٍ وقعت فيها، فوادعه على أن يرعى هناك. وفيها: قدم وفد مُزَيْنَة (١) في رجب في أربع مئة، فجعل رسول الله ﷺ لهم الهجرة في دارهم، وقال: "أَنتُم مُهاجِرُونَ حيثُ ما كُنتُم" (٢). فأسلموا ورجعوا إلى بلادهم. وأجدبت مكة في هذه السنة، فبعث إليهم رسول الله ﷺ مالًا فقبلوه (٣). وفيها: كانت غزاة المُرَيْسِيع (٤)، ويقال لها: غزاة بني المُصطَلِق، في شعبان، وكان الحارث بن أبي ضِرار سيدُ بني المصطلق قد جمع لحرب رسول الله ﷺ ، وبعث رسول الله ﷺ بُرَيْدة بنَ الحُصَيْبِ الأسلمي ليَعْلم له خبر القوم، فأتاهم فلقي الحارث، ورجع إلى رسول الله ﷺ فأخبَره، فخرج من المدينة لليلتين خلتا من شعبان في المهاجرين والأنصار وكثيرٍ من المنافقين فيهم عبد الله بن أبي، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة (٥) وكان معه ثلاثون فرسًا، وبلغ الحارثَ فخاف، وتفرق عنه من كان معه من الأعراب. وانتهى رسول الله ﷺ إلى المُريسيع ومعه عائشة وأم سلمة ﵂، وكان تحته فرسُه

стр. 1497

لِزاز، ودفع رايةَ المهاجرين إلى أبي بكر ﵁، ورايةَ الأنصار إلى سعد بن عُبادة، وثبت الحارث في قومه واصطفُّوا للقتال، وترامَوْا بالنبل ساعة، ثم حمل رسول الله ﷺ وأصحابه فانهزم الحارث، وقُتِلَ من أصحابه عَشرةٌ، وسبى المسلمون مئتي أهل بيت من الرجال والنساء والذُّرَّيَّة، وأخذوا من الإبل ألفي بعير، ومن الشاة خمسة آلاف. قال ابن عمر: أغار عليهم رسول الله ﷺ وهم غارُّون، فقتل وسبى وقدم بالسبي إلى المدينة، وكان في السَّبي جُوَيْرية بنت الحارث سيد القوم (١)، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شَمَّاس وابن عمه فكاتباها على تِسْعِ أواقٍ. قالت عائشة: وكانت امرأةً حُلْوةً لا يكاد أحد أن يراها إلا أخذت بنفسه، فبينا رسول الله ﷺ عندي إذ دخلت عليه جُويرية تسأله عن كتابتها، فوالله ما هو إلا أن رأيتُها فكرهتُ دخولَها عليه، وعرفت أنه سيرى منها الذي رأيتُ، فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث سيدِ القوم، وقد أصابني من الأمر ما قد علمتَ، فوقعتُ في سهم ثابت بن قيس بن شماس وابن عمه فكاتباني فأعنيّ في كتابتي، فقال: "أَوَ خَيْرٌ من ذلك"؟ قالت: وما هو؟ قال: "أُؤدِّي عنكِ كِتَابتَكِ وأَتَزوَّجُكِ". قالت: نعم. قال: "قَد فَعَلتُ". وخرج الخَبرُ إلى الناس، فقالوا: أصهار رسول الله ﷺ يُسْتَرَقُّون. فأعتق الناس ما كان بأيديهم من نساء بني المصطلق، فبلغ عتقهم مئة بيت بتزويجه إياها، قالت عائشة: فلا أعلم امرأة أعظم بركة منها على قومها (٢)، وجعل عِتقَها صَداقَها. وكان اسمها بَرَّة فغيره رسول الله ﷺ بجويرية (٣). وفي هذه الغزاة قال عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذَلَّ. وسبب ذلك: ازدحم الناس على الماء، ومع عمر بن الخطاب ﵁ جَهْجاه الغِفاري يقود فرس

стр. 1498

عمر، فزحمه رجل من الأنصار يقال له: سِنان الجُهَني حليف الخزرج، فاقتتلا على الماء، فصرخ الجهني: يا معاشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معاشر المهاجرين، فأعانه رجل من المهاجرين يقال له: جُعال وكان فقيرًا، فقال له عبد الله بن أُبي بن سَلول: وإنك لهناك؟! فقال: وما يمنعني أن أفعل ذلك؟! واشتد لسان جُعال على ابن أُبي، فغضب ابن أبي وقال: والذي يُحلَف به لأُرِيَنَّك غير هذا، وعند عبد الله رهط من قومه منهم: زيد بن أرقم وكان غلامًا حَدَثًا، وقال ابن أبي: أَوَقد فعلوها، قد نافرونا في بلادنا وكاثرونا، والله ما مَثَلُنا ومَثَلُهم إلا كما قال القائل: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ، أما والله، أما والله، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وعنى بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله ﷺ زاده فضلًا وَشرفًا وعزة وتعظيمًا. ثم أقبل على قومه وقال: ما فعلتم بأنفسكم؟ أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن جُعالٍ وذويه فضلَ طعامكم يركبوا رقابكم، ولأَوشكوا أن يتحولوا عن بلادكم ويلحقوا بعشائرهم ومواليهم، فلا تنفقوها عليهم حتى ينفضوا مِنْ حَوْلِ محمَّد. فقال له زيد بن أرقم: أنت والله الذليلُ الحقيرُ القليل المُبْغَضُ إلى قومك، ورسول الله ﷺ في عِزًّ من الرحمن ومودةٍ من المؤمنين، والله لا أحبك أبدًا، فقال له عبد الله: اسكت، فإنما كُنْتُ أَلْعَبُ. وجاء زيد إلى رسول الله ﷺ فأخبره، وذلك بعد فراغه من الغزو وعنده عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عُنُقَ هذا المنافق، فقال: "إذًا تَرعُفُ له آنُفٌ كَثيرةٌ بيثرب"، فقال له عمر: فإن كرهتَ يا رسول الله أن يقتله رجل من المهاجرين، فمر سعد بن معاذ أو محمَّد بن مَسْلَمةَ فليقتلوه. فقال رسول الله ﷺ : "أَتُريدُ يا عمرُ، أَن يَتَحدَّثَ النَّاسُ أنَّ محمدًا يَقتُلُ أَصحابَهُ، ولَكِنْ أذَّنْ بالرَّحيلِ" وذلك في ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها، فارتحل الناس وأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي فأتاه، فقال له: "أَنتَ صاحِبُ الكلامِ الذي بلغَني عَنكَ"؟ فقال عبد الله: والذي أنزل عليك الكتابَ ما قلتُ شيئًا من ذلك، ولقد كذب زيدٌ. وكان عبد الله شريفًا في قومه عظيمًا، فقال مَن حضر من الأنصار: يا رسول الله، شيخُنا وكبيرُنا، تُصَدَّقُ كلامَ غُلامٍ من غِلْمان الأنصار؟! عسى أن يكون هذا الغلامُ

стр. 1499

وَهِمَ في الحديث، فعذره رسول الله ﷺ ، وفشت الملامة في الأنصار لزيد وكذَّبوه، وقال له عمر - وكان زيد معه -: ما أردتَ إلا أن كَذَّبك رسولُ الله ﷺ والناسُ، ومَقَتوك. وكان زيدٌ يسايرُ رسول الله ﷺ فاستحيى بعد ذلك أن يدنوَ منه، فلما استقل سائرًا لقيه أُسَيْدُ بن حُضَيْرٍ فسلَّم عليه، وقال: يا رسول الله، لقد رُحتَ في ساعة مُنكَرة ما كنتَ تروح فيها، فقال له رسول الله ﷺ : "أَوَ ما بَلغَكَ ما قالَ صاحبُكُم ابنُ أُبَيٍّ؟ ". قال: وما قال؟ قال: "زَعَم أَنَّه إذا رَجَع إلى المَدينَةِ يُخرِجُ الأَعَزُّ منها الأَذَلَّ". فقال أسيد: أنت والله تخرجه إن شِئتَ، هو والله الذليلُ وأنت الأعزُّ، ثم قال: يا رسول الله، اِرْفِقْ بهِ، فوالله لقد جاء اللهُ بِك، وإن قومه ليَنْظِمون له الخَرز لِيُتَوِّجوه، فهو يرى أنك سلبته ملكًا (١). وبلغ عبدَ الله بنَ عبدِ الله بن أُبيّ ما كان من أمر أبيه، فقال: يا رسول الله، بلغني أنك تريد قتلَ عبدِ الله بن أُبَيّ لِما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني لأحملَ إليك رأسه، فواللهِ لقد عَلِمَتِ الخزرجُ ما كان بها رجلٌ أَبرُّ بوالديه مني، وإني أخشى أن تأمر غيري فيقتلَه، فلا تطيبُ نفسي أن انظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار، وكان عبد الله بن عبد الله رجلًا مؤمنًا صَالحًا، فقال له رسول الله ﷺ : "تَرَفَّقْ به، وأَحْسِنْ صُحبتَهُ ونحن كذلك ما بقي معنا" (٢). وسار بهم رسولُ الله ﷺ يومَهم ذلك حتى آذتهم الشمسُ، فنزل، فما هو إلا أن وجدوا مسَّ الأرضِ وقعوا نِيامًا، وإنما فعل رسولُ الله ﷺ ذلك ليشغَلَ الناسَ عن الحديث الذي جرى من ابن أبي. ثم راح بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النَّقيع يقال لها: بَقعاء، فهاجت ريح شديدة فآذتهم وتخوَّفوا منها، وضلَّت ناقة رسول الله ﷺ ليلاً، فقال رسول الله ﷺ : "لا تَخافُوا الرِّيحَ، فإنَّما هَاجَت لِمَوتِ عَظيمٍ من الكفَّار بالمدينة"، فقيل: من هو؟ قال: "رِفاعة بن التابوت"، فقال رجل من المنافقين: يزعمُ أنه يعلم الغيب ولا يعلمُ مكانَ ناقته، فأتاه جبريل ﵇ فأخبره بقول المنافق وبمكان ناقته، فأخبر رسول الله ﷺ

стр. 1500

أصحابَه، وقال: "ما أَعلَمُ الغَيبَ ولكِنَّ الله أخْبَرني أنَّ النَّاقَةَ في شِعْبِ كَذا وكَذا، قد تَعلَّقَ زِمامُها بشَجَرةٍ". فذهبوا إلى الشعب فوجدوها كذلك. ولما قَدِموا المدينة وجدوا رِفاعةَ بنَ التابوت - وكان من عظماء اليهود وكَهْفَ المنافقين - قد مات في ذلك اليوم (١). ولما قَرُبَ رسول الله ﷺ من المدينة وجاء عبد الله بن أبي ليدخُلَها جاء ابنه عبد الله فأَناخَ على مجامع طريق المدينة وصاح بأبيه: وراءك، فقال: مالك ويلك؟ فقال: لا والله لا تدخُلُها أبدًا إلا بإذن رسول الله ﷺ ، ولَيُعْلَمَنَّ اليومَ منِ الأعزُّ مِنَ الأذلِّ. فجاء عبد الله إلى رسول الله ﷺ فشكا إليه ما صنع به ابنُه، فأرسل رسولُ الله ﷺ إلى ابنه يقول: "خَلِّ عنه". فقال: أَمّا إذا جاء أمر رسول الله ﷺ فَنَعَم، فدخل (٢). فقال زيد بن أرقم: فجلستُ في بيتي والله أعلم ما بي من الهمِّ والحُزن والحَياء من رسول الله ﷺ والمسلمين، فأنزل الله تعالى في تصديق زيد وتكذيب ابن أبي سورة المنافقين، فأخذ رسول الله ﷺ بأذن زيد وقال: "يَا زَيدُ، إنَّ اللهَ قد صَدقكَ وأَوْفى بأُذُنِكَ" (٣). ولما نزلت هذه الآياتُ، قيل لعبد الله: يا أبا حُباب، قد أنزل الله فيك آياتٍ شِدادًا، فاذهب إلى رسول الله ﷺ يستغفرْ لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أُؤمن فآمنت، وأمرتموني أن أُعطيَ زكاةَ مالي فأعطيتُ، وما بقي إلا أن أسجدَ لمحمد. وأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ (٤) [المنافقون: ٥]. وجعل قومُ عبد الله يلومونه ويوبَّخونه، فقال رسول الله ﷺ لعمر رضوان الله عليه: "وكيف ترى؟ أما والله لو قتلته يوم أشرتَ بقتله لَرعُفَت له أُنوفٌ لو أمرتُها اليوم بقتله لقتلته". فقال عمر: إن رأي رسول الله ﷺ أَعظَمُ بركةً من رأيي.

стр. 1501

وفي هذه الغزاة قتل رجلٌ من رهطِ سَعْدِ بن عُبادةَ هشامَ بنَ صُبابة من بني عامر خطأً، لأنَّه ظنَّه من المشركين، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قدم أخوه مِقْيَسُ بنُ صُبابةَ من مكة، فدخل على رسول الله ﷺ وقال: يا رسول الله، جئتك مُسْلِمًا وأريد دِيَةَ أخي، فأمر له بِدِيَتِهِ، وأقام بالمدينة أيامًا، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدًا وقال (١): [من الطويل] شَفَى النَّفسَ أن قد بات بالقاعِ مُسنَدًا … تُضَرَّجُ ثَوْبَيْهِ دِماءُ الأَخادعِ وكانت همومُ النفس من قبل قتلهِ … تُلِمُّ فتَحْميني وِطاءَ المضاجعِ حَلَلْتُ به وِتْري وأدركت ثُؤرَتي … وكنت إلى الأوثانِ أَوَّلَ راجع وبلغ رسولَ الله ﷺ قوله، فأهدرَ دمَه، وقُتِل يوم الفتح لِما نذكر. * * * وفي هذه الغزاة كان حديث الإفك، وحديثه في "الصحيحين" (٢). قال الإِمام أحمد بن حنبل ﵁: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمر، عن الزُّهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيَّب وعروةُ بن الزبير وعلقمةُ بن أَبي وقَّاص وعبيدُ الله بن عبد الله بن عُتْبةَ بن مسعود عن حديث عائشة ﵂ حين قال لها أهلُ الإفْكِ ما قالوا فبرَّأَها الله تعالى ممّا قالوا، قال الزهري: كلُّهم قد حدَّثني بطائفةٍ من حديثها، وبعضُهم

стр. 1502

كان أوعى لحديثها من بعض، وبعضُ حديثهم يَصْدقُ بعضًا، ذكروا أنَّ عائشةَ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أَراد سَفَرًا أَقْرعَ بين نسائهِ، فأيَّتهُن خرج سهمُها خرج بها معه؛ قالت: فأقرع بينَنَا في غزاةٍ غَزاها، فخرج فيها سَهمي فخرجتُ معه، وذلك بعد ما أُنزِل الحِجابُ، وكُنتُ أُحملُ في هَوْدَجي وأنزل فيه أو وأُتْرَكُ فيه، حتى إذا فرغَ رسول الله- ﷺ من غزوتهِ تِلك وقَفَلَ يريدُ المدينةَ ودَنَوْا منها، آذَنَ ليلةً بالرَّحيلِ، فقُمتُ ومشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلمَّا قضيت شأني، أَقبلتُ إلى الرَّحْلِ فلمستُ صَدْري فإذا عِقْدٌ لي من جَزْعِ أَظفارٍ قد انقطع، فرجعتُ ألتِمِسُ عِقْدي فحبسني ابتغاؤه، وأَقبل الرَّهط الذين كانوا يَرْحَلونَ لي فاحتملوا هَودجي، فَرَحلوه على بعيري وهم يَحسَبُون أني فيه، وكان النساءُ إذ ذاك خِفافًا لم يُهَبَّلْهُنَّ ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ ولم يَثْقُلْنَ، وإنما كُنَّ يأكُلْنَ العُلْقَةَ من الطعامِ، فلم يستنكرِ القومُ حين حملوا الهَودَج وكنتُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدتُ عِقدي بعد ما استمرَّ الجيشُ، فجئتُ منازِلَهم وليس فيها داعٍ ولا مجيب، فتَيمَّمتُ منزلي الذي كنتُ فيه وظننتُ أن القوم سَيفقدونني فيرجعُون إليَّ، فبينَا أَنا جالسةٌ غلبَتْني عينايَ فنمتُ، وكان صفوان بن المُعطَّل السُّلَمي - ثم الذَّكواني - قد عرَّس من وراء الجيش، فادَّلَج فأصبح عند منزلي، فَرَأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأَتاني فعَرَفَني حين رآني، وقد كان يراني قَبْلَ أن يُضربَ الحجابُ، فاستيقظتُ باسْتِرجَاعِه حين عرَفَني، فخمَّرتُ وجهي بجلبابي، ووالله ما كلَّمني كلمةً ولا سمعتُ منه غيرَ اسْتِرجاعِه، وهَوَى حتى أناخ راحلته ووطئ على يدَيْها فركبتُها، وانطلقَ بي يقودُها حتى أتينا الجيشَ - أو فانطلق يقود بي راحلتَه حتى أَتينا الجيشَ - بعد ما نزلوا معرّسين أَو مُوغِرين في نَحْرِ الظَّهيرةِ. قالت: فهلك مَنْ هلك في شأني، وكان الذي تولَّى كِبْرَهُ منهم عبدُ الله بن أُبيِّ بن سَلول، وقدِمنا المدينةَ فاشتكيتُ بها شهرًا، والناسُ يُفيضون في قول أَهلِ الإفكِ، ولا أشعر بشيءٍ من ذلك، وقد يَريُبني في وجعي أَنَّي لا أرى من رسول الله ﷺ اللُّطْفَ الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنَّما يدخُلُ فيقول: "كيفَ تِيكُم" ثم ينصرفُ، فذلك الذي يَريبني، ولا أشعر بالشرَّ حتى خرجتُ بعد ما نَقِهْتُ من مرضي، وخرجَتْ معي أُمُّ

стр. 1503

مِسْطَح قِبَلَ المناصِعِ وهو مُتَبَرَّزُنا، وكنَّا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليلٍ، وذلك قَبلَ أن نَتَّخِذَ الكُنُفَ قريبًا من بيوتِنا. فانطلقتُ أنا وأُمُّ مِسْطَح - وهي ابنة أبي وُهْم بن المُصَّلب بن عبد مناف، وأُمها بنت صخر بن عامر، خالةُ أبي بكرٍ الصديق، وابنها مِسْطَح بن أُثاثة بن عبَّاد بن المطَّلب - وأَقبلنا قِبَل بيتي حين فَرَغنا من شأنِنا، فعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَح في مِرطِها فقالت: تَعِسَ مِسْطَح، فقلتُ لها: بئسَ ما قُلتِ! أَتَسُبِّين رجلًا قد شهد بدرًا؟ فقالت: ألم تسمعي يا هَنَتاه ما قال؟ قلتُ: وما ذاك؟ فأخبرَتْني بقولِ أَهلِ الإفكِ، فازدَدْتُ مَرَضًا على مرضي، فلمّا رجعتُ إلى بيتي، دخل عليَّ رسول الله ﷺ فقال: "كيفَ تيكُم"؟ فقلت: أَتَأذَنُ لي أَن آتي أَبَوَيَّ؟ وأنا أُريدُ أن أتيقَّنَ الخبرَ منهما، فأذِنَ لي فجئتُ أَبويَّ فقلتُ لأُمي: يا أُمَّاه، ماذا يتحدَّثُ الناسُ؟ فقالت: يا بُنيَّةُ، هوِّني عليكِ، فوالله لقلَّما كانت امرأةٌ قطُّ وَضيئة عند رجلٍ يحبُّها ولها ضرائر إلاّ أَكثرن عليها، فقلتُ: سُبحان الله، أَوَ قَدْ تحدَّث الناسُ بهذا؟ قالت: نعم. فبكيتُ ليلتي حتى أَصبحتُ، لا يَرْقَأُ لي دمعٌ ولا أكتَحِلُ بنومٍ، وأَصبحتُ أَبكي، فدعا رسولُ الله ﷺ عليَّ بنَ أَبي طالبٍ وأُسامةَ بن زَيدٍ حين استلبث الوحيُ يستشيرُهما في فِراق أَهله، فأما أُسامةُ فأشار عليه بما يعلمُ من براءة أَهله، وبالذي يعلمُ في نفسِه من الوُدَّ لهم وقال: يا رسولَ الله، هم أهلُك ولا نعلمُ إلا خَيْرًا، وأما علي فقال: لم يُضيّقِ الله عليكَ، النساءُ سواها كثير، وإن تسألِ الجاريةَ تَصْدُقْكَ، قالت: فدعا رسولُ الله ﷺ بَرِيْرةَ وقال لها: "هَلْ رَأَيتِ من عَائشةَ ما يَريبُكِ"؟ فقالت: لا والذي بعثك بالحقِّ، إنْ رَأيتُ منها أَمرًا أغْمِصُه عليها أكثرَ من أنّها جاريةٌ حديثةُ السنَّ، تنامُ عن عجينِ أَهلها، فيأتي الدَّاجنُ فيأكلُه. فقام رسول الله ﷺ من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أُبيِّ فقال: "يَا مَعَاشرَ المُسلِمينَ، من يَعْذِرُني مِن رَجُلٍ قَد بَلَغَني أَذاهُ في أَهْلِي، وواللهِ مَا عَلِمتُ على أَهْلِي إلَّا خَيرًا، [ولَقَد ذَكَروا رَجَلًا مَا] كانَ يَدخُلُ على أَهْلِي إلَّا مَعي، ومَا عَلِمتُ عليه إلَّا خَيرًا" فقام سعد بن معاذ الأنصاري أحدُ بني عبد الأشهل فقال: يا رسولَ الله، أنا أُعذرك منه، إنْ كان من الأَوسِ، ضربنا عُنُقَه، وإن كان من إخواننا الخزرج، أَمَرْتنا

стр. 1504

ففعلنا فيه أَمركَ، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحَميّةُ، وكانت أُم حسَّان بن ثابت بنتَ عمِّه من فَخذِه، فقال لسعدِ بن معاذ: لعَمْرُ الله لا تقتلُه ولا تقدرُ عليه، فقام أُسَيْد بن حُضَير وهو ابن عمّ سعد بن معاذ فقال لسعد بنُ عُبادة: كذبتَ لعَمْرُ اللهِ، إنَّك لمُنافقٌ تجادل عن المنافقين، فثار الحيّانِ: الأَوسُ والخزرجُ، حتى هَمُّوا أن يَقْتَتِلُوا، ورسولُ الله ﷺ قائمٌ على المِنْبر، فلم يَزَل يُخفّضهم حتى سَكَتُوا وسكَتَ. قالت: وبكيت يومي وليلتي القابلةَ، لا يرقأُ لي دمعٌ ولا أَكتحلُ بنومٍ، وأَصبح عندي أَبواي، وأَنا أَظن البكاء قد فَلَق كبدي، فبينما هما جالسانِ عندي وأنا أبكي استأذَنَتْ عليّ امرأة من الأنصارِ فدخَلَت فجلَسَت تبكي معنا، ودخل رسول الله ﷺ فسلَّم وجَلَس، ولم يكن يَجلِسُ عندي منذُ قِيلَ ما قِيل، وقد مَكَث شهرًا لا يُوحَى إليه في أَمري بشيءٍ، فتشهَّد حين جَلَس ثم قال: "أمَّا بَعدُ يَا عَائشةُ، فإنَه قد بَلَغَني عنكِ كَذا وكَذا، فإن كُنتِ بَريئةً، فسيُبرِّئُكِ اللهُ، وإن كُنتِ ألمَمتِ - أو هَمَمتِ - بذَنبٍ فاستَغفِري اللهَ وتُوبي إليه، فَإِنَّ العبدَ إذا اعتَرَفَ بذنبٍ ثم تَابَ تَابَ اللهُ عليه". قالت: فلمّا قضى مقالته قَلَص دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قَطرة، وقلت لأَبي: أَجبْ عنَّي، فقال: واللهِ لا أَدري ما أَقولُ، فقلت لأُمِّي: أَجيبي عني، فقالت كما قال أبي، فقلت - وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا أقرأُ كثيرًا من القرآن -: والله قد عرفتُ أَنَّكم سمعتم بهذا حتى استقرَّ في نُفوسِكُم وصدَّقتُم به، ولئن قلتُ: إنَّي بريئةٌ - والله يعلمُ أَني بريئةٌ - ما تصدِّقوني، [ولئن اعترفت لكم بأمرٍ - واللهُ يعلم أني بريئةُ - تصدّقوني] وما أَجد لي ولكم مَثَلاً إلا كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، ثم تحوَّلتُ واضطجعتُ على فراشي وأنا أعلم أن الله يُبرِّئني، ولكن ما كنتُ أَظُن أَن الله يُنزِلُ في شأني قُراَنًا أو وحيًا يُتلى، أَنا أَحقَرُ في نفسي من أَن يتكلَّمَ اللهُ فيَّ بقُرآنٍ يُتلى، وإنّما كنتُ أَرجو أن يُريَ اللهُ رسولَه في المنامِ رؤيا يبرّئني بها. قالت: فوالله ما رام رسول الله ﷺ من البيتِ، حتى أَنزل الله على نبيه، فأَخذه ما كان يأخذُه من البُرَحاءِ عند الوحي، حتى إِنه ليتحدَّر منه مثلُ الجُمانِ من العَرَقِ في اليوم الشاتي من ثِقَلِ القول الذي أُنزل عليه.

стр. 1505

قالت: فَسُرَّيَ عنه وهو يضحك، فكان أولُ كلمةٍ تكلَّم بها أَن قال: "يَا عَائشةُ، احمَدي الله وأَبشِرِي، فإنَّ الله قد برَّأَكِ" فقالت لي أُمي: قومي إلى رسولِ الله ﷺ ، فقلت: لا أَقومُ إليه، ولا أَحمَدُ إِلا اللهَ الذي أَنزل براءتي من السماء. وأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١] العشر آيات. قالت: وكان أَبو بكرٍ يُنْفِقُ على مِسْطَحٍ لِقَرابته منه وفقرِه، فقال: والله لا أُنفق عليه أبدًا بعد ما قال في عائشة، فأنزل الله ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فقال أبو بكر: بلى، إني أُحبُّ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مِسْطَح ما كان يُجري عليه، وقال: والله لا أنزعُها عنه أَبدًا. وكان رسول الله ﷺ سأل زينبَ بنتَ جَحْشٍ عن أَمري فقال: يا زينبُ، ما رأيتِ؟ ما بلغَكِ؟ فقالت: يا رسول الله، أَحمي سمعي وبصري، والله ما علمتُ عليها إلَّا خيرًا، قالت عائشة: وهي التي كانت تُساميني من أَزواجه فعصمها الله بالورعِ، وطَفِقَت أُختُها حَمْنةُ بنت جحش تجادلها فهلكَت فيمن هلك من أَصحابِ الإفك. قال ابن شهاب: فهذا ما انتهى إلينا من أَمرِ هؤلاء الرهط. أخرجاه في "الصحيحين" (١). وأَمَرَ رسول الله ﷺ بحسّان بن ثابت وحمنةَ بنت جحش ومِسْطَح فضُربوا الحدَّ لأنهم الذين أشاعوا الفاحشة (٢). وقال مسروق: دخلتُ على عائشة وعندها حسان بن ثابت يُنشدها وقد أَلقت له وسادةً بعد ما عمي: [من الطويل] حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بريبةٍ … وتُصبحُ غَرْثى من لُحومِ الغوافلِ

стр. 1506

فقالت له عائشة: لكنك لستَ كذلك، فقلتُ لها: أَتأذنين لهذا أَن يدخُلَ عليك وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١] فقالت: وأيُّ عذابٍ أَشدُّ من العمى، أليس قد ذهب بصره وكَسَعَ (١). وهذا البيت من أبياتٍ يعتذر بها حسان إلى عائشة هو أولها، وبعده (٢): [من الطويل] حَليلَةُ خيرِ النَّاس دُنيا ومَنصِبا … نبيُّ الهُدى والمَكْرُماتِ الفَواضِلِ (٣) عقيلةُ حيٍّ من لؤيِّ بن غالبٍ … كرامِ المساعي مجدُهم غيرُ زائلِ مهذَّبةٌ قد طيَّب الله ذكرها … وطهَّرها من كل شرٍّ وباطلِ (٤) فإن كان ما قد قيل عَنِّيَ قلتُه … فلا رفَعَت سوطي إليَّ أناملي وإن الذي قد قيل ليس بلائطٍ … بكِ الدهرَ، بل قولُ امرئٍ بيَ ماحِلِ (٥) وكيف ووُدّي ما حَيِيتُ ونُصرتي … لآل رسولِ الله زَيْنِ المحافلِ له رُتَبٌ يعلو على الناسِ فضلُها … تُقَصِّرُ عنها سَوْرَةُ المتطاولِ (٦) فقالت عائشة رضوان الله عليها لمسروقٍ: إِنه كان يُنافح عن رسول الله ﷺ . وقالت: ما سمعت أحسن من قول حسان، وما تمثَّل به إلا رجوت له الجنة، فإنه هو القائل لأبي سفيان (٧): [من الوافر] هَجوتَ محمدًا فأَجبتُ عنه … وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ

стр. 1507

فإنَّ أبي ووالدَتي وعرضي … لعِرْضِ محمَّدٍ منكم وِقاءُ أتشتُمُهُ ولستَ له بكفءٍ … فَشرُّكُما لخيرِكُما الفِداءُ وقال الزهري: قال لي الوليد بن عبد الملك: أَبَلَغَكَ أن عليًّا كان فيمن قذف عائشة؟ فقلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن عائشة قالت لهما: إنَّ عليًّا كان مُسلَّمًا في شأنها (١). وقال الزهري: كتب إليَّ الوليد بن عبد الملك: الذي تولى كِبْرَه منهم علي بن أبي طالب. قال: فكتبت إليه: حدثني سعيد بن المسيب، وعروة، وعلقمة وعبيد الله بن مسعود كلهم يحدث عن عائشة، أن الذي تولى كِبْرَه منهم عبد الله بن أبي (٢). وقالت امرأةُ أبي أيوب الأنصاري لأبي أيوب: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ فقال: سبحانكَ، هذا بهتان عظيم، ثم قال: يا أم أيوب، لو كنتِ بدلَ عائشة أكنتِ تفعلينه؟ فقالت: لا والله. فقال: فعائشة والله خيرٌ مِنْكِ وأَطْهرُ (٣). وقال الواقدي: غاب رسول الله ﷺ في هذه الغزاة ثمانية وعشرين يومًا، وقدم المدينةَ لهلال رمضان (٤). وفيها: تزوج رسول الله ﷺ بزينبَ بنت جَحْش في ذي القعدة، في قول الواقدي (٥). والأصح أنه تزوجها قبل حديث الإفك (٦)، لِما رَوينا عن عائشة أنها قالت: وهي التي كانت تُساميني، ولقولها: وذلك بعد ضرب الحجاب، والحجاب إنما ضُرِب في تزويجه ﷺ بزينب بنت جحش بن رِئاب بن يَعْمَر بن صَبِرةَ بن مرة، من بني أسد بن خُزَيْمةَ، وأمها أمَيْمَةُ بنت عبد المطلب عمةُ رسول الله ﷺ .

стр. 1508

قال ابن عباس: خطب رسول الله ﷺ زينب من أخيها عبدِ الله بن جحشٍ على زيد ابن حارثةَ مولاه، وكان قد تبناه، فكان زيد مولى في الإِسلام، غريبًا في الجاهلية، فلما خطبها رسول الله ﷺ لنفسه أجابت، فلما علمت أنه خطبها لزيد أنكرت وأبت وقالت: أنا بنت عمتك، تزوجني مولىً لا أرضاه. وأبى أخوها عبد الله ذلك، وكانت بيضاءَ جميلة فيها حِدَّةٌ، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فقالت: رضيت. وجعلت أمرها بيد رسول الله ﷺ ، وفعل أخوها كذلك، فزوَّجها زيدًا وساق إليها عشرة دنانير وستين درهمًا ودرعًا وخمارًا ومِلْحَفَةً وإزارًا، وخمسين مُدًّا من طعام، وثلاثين صاعًا من تمر، فأقامت عند زيد حينًا، فقال له رسول الله ﷺ : "هل رابك منها شيء؟ " قال: هي سيئة الخلق، وتتعظَّمُ علي بشرفها، وتؤذيني بلسانها. وكان رسول الله ﷺ لا يصبر عن زيدٍ ساعة، فغاب عنه يومًا فجاء إلى بيته يطلبه فلم يجدْه، وقامت إليه زينب فقالت: ليس ها هنا، فادخلْ، فداك أبي وأمي. وعَجِلت زينب أن تلبس ثوبها لمّا قيل لها رسول الله ﷺ على الباب، فوثبت عَجِلَةً فأَعْجبتْ رسولَ الله ﷺ ، فولى يُهَمْهِمُ بشيء لم يُفْهَمْ منه إلا "سبحان مُقَلَّبِ القلوبِ أو مصرَّفِ القلوب … " وجاء زيدٌ إلى بيته فأخبرته زينبُ بما كان، فقال: هلَّا عرضتِ عليه الدخول؟ قالت: قد فعلت وأبى. قال: فهل قال شيئًا؟ قالت: نعم، قال كذا وكذا. فجاء زيد إليه فقال: يا رسول الله، بلغني أنك جئت إلى منزلي فهلّا دخلت؟ لعل زينب أعجبتك، أأُفارقها؟ فقال له: "أَمسكْ عَليكَ زَوجَكَ". فما استطاع زيد إليها سبيلًا بعد ذلك اليوم، ففارقها واعتزلها. فبينا رسولُ الله ﷺ عند عائشة إذْ أخذته غَشيةٌ فأفاق، ثم قال: "من يذهبُ إلى زينب فيبشَّرها، أن الله قد زَوَّجنيها من السماء، ثم قرأ ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الآيات (١).

стр. 1509

قال ابن عباس: فلو كتم رسول الله ﷺ شيئًا لكتم هذه الآية: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] (١). قال ابن مسعود: ما نزل على رسول الله ﷺ آيةٌ أشدُّ عليه منها. ولما تزوجها رسول الله ﷺ قال المنافقون: أيتزوجُ الرجلُ زوجةَ ابنه؟ فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) [الأحزاب: ٤٠]، وما كانوا يدعون زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ، إنما كانوا يدعونه زيد بن محمَّد، حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٣) [الأحزاب: ٥]. قالت عائشة: فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُد لِما أَعْلَمُ مِن جمالها، وأخرى وهي أعظم الأمور، وهي: أن الله زَوَّجها، فكانت تَفْخَر علينا بذلك، وخرجت سَلْمى خادم رسول الله ﷺ فبشرتها بذلك فأعطتها أوضاحًا كانت عليها (٤). وقال أنس: لما انقضت عِدَّةُ زينب بنت جحش قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: "اذهَبْ فَاذكُرني لها". قال زيد: فلمّا قال لي ذلك عَظُمت في عيني أو في نفسي، فذهبت إليها فجعلت ظهري إلى الباب وقلت: يا زينب، إن رسول الله ﷺ يذكُرُكِ، وقد بعث بي إليك. فقالت: ما كُنْتُ لأُحدِثَ شيئًا حتى أُؤامر ربي. فقامت إلى مسجدها، وأنزل الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن. انفرد بإخراجه مسلم (٥). ومن حديث أنس قال: وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حتى أنزل الله، وكان أول ما نزل في مُبْتنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، أصبح رسول الله ﷺ بها عروسًا، فدعا القوم فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا وبقي رَهْطٌ منهم عند النبي ﷺ فأطالوا المُكْثَ، فقام وخرج وخرجتُ معه لكي يخرجوا، فمشى ومشيتُ معه حتى جاء

стр. 1510

إلى عَتَبَةِ حُجْرةِ عائشة، وظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه حتى إذا دخلَ على زينب فإذا هم جلوسٌ لم يقوموا، فرجعَ ورجعتُ معه، حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة وظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا فَضُرِبَ بيني وبينه السترُ وأُنزل الحِجابُ. أخرجاه في "الصحيحين" (١). وفيه: فلم أر رسول الله ﷺ أولم على امرأة من نسائه ما أوْلَم على زينب، فإنه ذبح شاة وأطعم خبزًا ولحمًا (٢). * * * وفي هذه السنة كانت غزاة الخندق (٣) - وهي غزاة الأحزاب - في شوال، وقيل: في ذي القعدة. وسبب هذه الغَزاةِ: أن رسولَ الله ﷺ لما أجْلى بني النضير عن ديارهم، خرج سلَّامُ بن أبي الحُقَيْق، وحُيَيَّ بن أخْطَب، وكِنانةُ بن الربيع، في نفر من اليهود، فقَدِموا مكة ودَعَوْا قريشًا إلى حربِ رسولِ الله ﷺ ، وقالوا: نحن معكم حتى نستَأْصِلَ شأن هذا الرجل. فقالت لهم قريشٌ: أَنتم أصحاب كتابٍ وعلمٍ، أَدينُنا خيرٌ أم دينُ محمَّد؟ فقالوا: دينُكم، وأنتم أَوْلى بالحق منه، فَسَرَّ قُرَيْشًا ذلك، ونَشِطوا لحرب رسول الله ﷺ ، واتفقوا معهم على ذلك، وأرسل أبو سفيان إلى القبائل، فجاؤوا إليه من كل وجه، وجَمعَ الأَحابيشَ، وانضمت إليه أَسَد وغَطَفان وغيرُهم، فعقدوا اللواء في دار الندوة، وحمله عثمان بن أبي طلحة، وساروا في عشرة آلاف، ومعهم ثلاث مئة فرس، وألفَا بعيرٍ، وقيل: وخمس مئة، وأربعة آلاف دارع، ووافاهم عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ في أُلوفٍ من غَطَفانَ وفَزارةَ. ولما نزل أبو سفيان مَرَّ الظهران، وافته سُلَيْمٌ في سبع مئة رجل عليهم سفيان بن عبد شمس السُّلَمي أبو أبي الأعور الذي كان مع معاوية بِصِفِّين، وكان سفيان حليفًا لأبي
следующие страницы →