ومنها بحيرة تِنِّيس عند دِمياط، وكانت قرًى ومزارعَ لم يكن بمصر مثلها، فغلب عليها ماءُ البحر.
فصل في أنهار الشام
أما دمشق فأصل مياها بردى وعين الفِيْجة، يجتمع بردى عند عين الفيجة ثم ينحدر إلى قرية يقال لها: الهامة، فينفصلُ منه نهر يزيد، ويمتد في قاسيون وينتهي إلى دُوْمَة، وقد كان يمتد في الزمان القديم إلى الماطِرون، وذَنبَة والقناطر في لحفِ الجبل باقيةٌ إلى الآن وكذا الآثار، وهو منسوب إلى يزيد الرومي، فأما يزيد بن معاوية فإنه وسَّعه وعمَّقه فنسب إليه.
وأما ثَوْرا فيأخذ من فوق الرَّبوة ويمتد إلى قريب القُصَيْر، ويقال: إنَّ عليه ثلاث مئة وستين ماصية.
وباناس وهو نهر الجامع، والقنوات ونهر المِزَّة وقناتها، ويتفرع من هذه أنهار عدة.
وأما العاصي: فأصله من جبل لبنان، ومن قرية يقال لها: اللبوة، ثم ينزل الماء إلى بحيرة قَدَس، ويخرج العاصي منها فيمر بأرض حمص وحماة وشَيزَر وفامِيَة، ثم يصب في البحر الرومي قريبًا من أنطاكية، وقيل: إنما سمي العاصي، لأنه يجري على غير القبلة، ومسافة جريانه ثلاثة أيام.
ومنها قُوَيْق: نهر حلب، يخرج من قرية يقال لها: سينات (١)، على سبعة أميال من حلب، ثم يمر على حلب وقِنَّسرين، وينتهي إلى المرج الأحمر، وماؤه موصوف بالرّقة والخفة، وقيل: إن أوله وَخِم فإذا امتدَّ طاب.
فصل في أنهار الجزيرة
منها: البَلِيْخ بين حرَّان والرَّقة، ويقال: إن الخليل ﵇ نزل بذلك المكان وقال له: أبلِخ، فتفجَّر، وعنده مقام إبراهيم، وكانت عليه منا زل الوليد بن عقبة بن أبي معيط.
стр. 177
ومنها: الجُلَّاب نهر حرَّان، وماؤه خفيف، ويقال: إن أوله وَخِمٌ ثم يصحُّ، وأوله من عين ببلد الرُّها.
ومنها: الهِرْماس وهو نهر نَصيبين، ويقال: إنه يسقي ثلاثين ألف بستان، ومبدأه من جبل نصيبين.
ومنها: الخابُور، وهما خابوران: خابور رأس العين، ويمتد منها إلى الفرات فيصب فيها تحت قَرْقِيسِيا، وعليه المِجْدَل وقرى كثيرة غيرها، وأما الخابور الثاني: ففي ديار بكر عند قَرْدَى وبازَبْدَى، وهي ديار بني حمدان الذين ملكوا المَوصل والجزيرة، ومخرجه من بلاد أرمينيَة ويصب في دِجلة، وماؤه عذب، قال الشاعر [من الطويل]
بقَرْدَى وبازَبْدَى مَصِيفٌ ومَرْبَعٌ … وعذب يُحاكي السَّلسبيلَ برودُ
وبغدادُ ما بغدادُ أمَّا تُرابُها … فجمٌّ وأمَّا حرُّها فشديدُ
فصل في أنهار العراق
حكى الخطيب عن الأوائل أن ملوك الأردوان وهم النَّبَط، كانوا في السواد قَبْل فارس، وهم الذين استنبطوا المياه وحفروا الأنهار العِظام بالعراق وصرَّفوا دجلة والفرات بالسكور وقسموا المياه، ويقال لهم: ملوك الطوائف (١). وإنما سموا نَبَطًا، لأنهم أنبطوا المياه، أي: استخرجوها، وذكرهم الجوهري فقال: النَّبَط والنَّبيط قوم ينزلون بالبَطائح بين العراقين (٢).
وقال ابن قتيبة: ملكوا العراق ألف سنة.
وقال ابن المنادي: كان ملكهم من عانَات وكور دجلة والبصرة، وكانوا يصرِّفون الفرات ودجلة كيف ما شاؤوا، وما فضل يصرِّفونه إلى البحر الشرقي فلهذا سُمُّوا نبطًا.
وحكى الخطيب عن الهيثم بن عدي، عن عبد الله بن عياش المنتوف قال: كان حدُّ
стр. 178
مُلْكِ النَّبَط الأنبار إلى عاناتِ كَسْكَر إلى ما والاها من كُور دجلة إلى جوخى (١) والسواد، وكان في أيدي النَّبَط سُرَّة الدنيا، وكانت الفرات ودجلة لا ينتفع بهما حتى يأتيان بلادهم فيفجرونهما في كل موضع ويسوقونهما إلى البحر، وحفروا الصَّراة العظمى ونهر سُورا.
وقيل: إنما حفر الصَّراة ملوك فارس، ثم وليت الفرس فحفروا الأنهار، مثل نهر المَلِك، والخالِص، ودَيَالِي، وفمِ الصِّلح، والنيل.
وقيل: إنما حفر نهر المَلِك أقفورشة آخر ملوك النَّبَط، وملَكَ مئتي سنة (٢).
وقيل: إنما حفره سليمان ﵇.
وقيل: إنما حفر فمَ الصِّلح خالد بن عبد الله القَسْري، وفم الصِّلْحِ أقطعه المأمون الحسنَ بن سهل.
وأما النيل الذي بأرض العراق، فيقال: إن الحجاج حفره، وهو قريب من واسط.
واختلفوا في الذي حفر نهر عيسى الذي يأخذ من الفرات ويصب ببغداد، وعليه المُحَوَّل وغيرها، على أقوال: أحدها سليمان ﵇، والثاني: أقفورشة آخر ملوك النَّبَط، والثالث: ملوك الفرس، وقيل. عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس، وليس كما قيل، وإنما بنى عليه قصرًا فأضيف إليه.
فأما الصَّراة فقديمة آيضًا، وقال الجوهري: والصَّراة -بالفتح- نهر بالعراق وهي العظمى والصغرى، وصريَ الماء إذا طال مكثه وتغير (٣).
وأما دُجيل فاختلفوا فيه، قال الهيثم بن عدي: أمر سليمان الشياطين فحفرته وألقت ترابه بين قصر شيرين وخانِقِين، وقيل: إن بعض ملوك الفرس حفره.
* * *
стр. 179
فصل في ذكر ما في الدنيا من العجائب وما أودع فيها من الغرائب (١)
فصل في عجائب المشرق
ذكر العلماء بأخبار العالم أن بالهند عجائب:
منها: هيكل عظيم من أعظم الهياكل، يقال له: بلاذري، مستدير الشكل، له سبعة أبواب وفيه قبة شاهقة في الهواء على سبعة أعمدة، وفي رأسها جوهرة بمقدار رأس الفحل، تضيء منها جميع أقطار ذلك الهيكل، وأن جماعة من الملوك حاولوا أخذ تلك الجوهرة فهلكوا، وكلُّ مَن دنا منها خرَّ ميتًا. وفي القبة صنم من ذهب وزنه مئة ألف مثقال تزعم الهند أنه نزل من السماء، يقصدونه من الآفاق، وكلُّ مَن تَعرَّضَ لهذا الهيكل مات. وأساسه من حجارة المغناطيس، وبني على سير الكواكب السبعة بالحركات السماوية. وفيه بئر عليها طوقٌ من الحديد الصيني، مكتوب عليه بالقلم المسند: "هذه البئر فيها علوم السماوات والأرض وما مضى وما يأتي، وفيها خزائن لا يصل إليها من العالم إلا من وازت قدرته قدرتنا واتصل علمه بعلمنا وساوت حكمته حكمتنا"، وكل من نظر في البئر وقع على أُمِّ رأسه ميتًا، وكلُّ من نظر إلى هذا الهيكل خاف وارتعد وضعف قلبه في أول وهلة، وعلى هذا الهيكل أوقاف كثيرة منها مدينةٌ برسداقها، وحول هذا الهيكل ألف مقصورةٍ فيها جواري لمن يقدم زائرًا لهذا الهيكل يتمتع بهن.
ومنها: غدير عظيم في مملكة المهراج، عليه قصرٌ شاهقٌ في الهواء، ويتصل بخليج إلى البحر من خلجان الزَّابج، والغدير مملوءٌ لَبِنًا من ذهب، وكلُّ ملكٍ يلي أمر المهراج يضرب كل يوم لبنًا ويلقيه فيه، وهذا الخليج يمد ويجزر كلَّ يوم، فإذا جزر ظهر اللَّبِنُ يقابله شعاعُ الشمس يلمعُ الغدير لمعانًا تبرق منه الأبصار، فإذا مات الملك وقام بعده آخر جمع ما في الغدير من اللَّبِن وفرَّقه في أهل المملكة، في الخواص أولًا ثم في العوام، فإن فضل شيء فرَّقه في المساكين، ثم يكتب عددَ اللبن ووزنه في اللوح، وأن
стр. 180
فلانًا عاش في الملك كذا وكذا سنة، وخلف في غدير الذهب كذا وكذا لبنة. وكانوا يتوارثون ذلك ويفتخرون بمن تطولُ أيامه ويكثر لبنه.
ومنها: أَطَمة (١) بساحل الهند بين مملكة شروان والمهراج، يخرج منها نفط أبيض وليس في العالم نفط أبيض لممواه، وعندها نار لا تخمد ليلًا ولا نهارًا، وليس في آطام الأرضِ أعظم منها، وتضيء في الليل منها نارٌ تُرى في البحر الشرقي من مئة فرسخ، وتقذف بجمرٍ كالجبال وقطعٍ من الصخور في الهواء، ثم تنعكس سفلًا فتهوي في قعرها وهي سود وحمر لما نالها من الحوارة. وقال الجوهري: والأُطُم (٢) مثل الأُجُم -جمع أَجَمة.
ومنها: بطة من نحاس على عمود من نحاس بين الهند والصين في أرضٍ يقال لها: كثار. حكى جدي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إذا كان يوم عاشوراء مدَّت عنقها إلى نهر تحتها فتشرب منه ثم تعود إلى مكانها وتفتح منقارها فيفيض منه من الماء ما يكفي ساكني تلك البلاد وزروعهم ومواشيهم إلى مثل عاشوراء مثل ذلك اليوم في السنة القابلة (٣).
ومنها: قنطرة بين السوس وجندي سابور، ذكرها في "المسالك" وقال: هي على وادي منه أنهار جندي سابور والسوس، وطول القنطرة أربع مئة ذراع بناها سابور، وأساسها في الأرض ثلاثون ذراعًا، وارتفاعها في الهواء مئة ذراع، وبين صخورها الرصاص مصبوب، وفيها نيف وعشرون طاقًا، كلّ طاقٍ عشرة أذرع، يخرج من تحت القنطرة نيف وثلاثون نهرًا تسقي رستاق السوس وجندي سابور ولا ينقص الماء (٤).
ومنها: ما ذكره ابن حوقل في "صفة الدنيا" فإنه قال: الخزر اسم إقليم، وقصبته تسمى: إتل، وإتل أيضًا اسم النهر الذي يجري إليها من الروس وبلغار ويصبّ في بحر الخزر، وقد ذكرناه، واسم ملكهم أيضًا إتل، وقصره مبني بالجصّ والآجر، ولا يسمح
стр. 181
لأحدٍ من رعيته في البناء بهما، وهو يهودي وعسكره اثنا عشر ألفًا كلهم يهود، وحاشيته أربعة آلاف، وفي بلاده مسلمون ويهود ونصارى ومجوس وعبدة الأوثان، وللملك سبعة من الحكام من هذه الأصناف التي ذكرنا يقضون بين الناس ولا يصل أحدٌ إلى الملك إلّا في النادر.
وذكر ابن حوقل حكايةً طويلة اختصرتها، حاصلها: أن رجلًا وُلدَ له ولد، وكان له غلامٌ يتّجر بماله، فمات الرجل وتنازع الولد والغلام في المال، فالولد يقول: هو مال أبي، والغلام يقولُ: بل المال لي والرجلُ أبي، وأقاما يتحاكمان عند الحكام سنة، وأقام كلُّ واحدٍ منهما البينة، ومن عادتهم إذا امتدت الحكومةُ سنةً ولم تنفصل حالٌ تولَّى الملكُ الأمر بنفسه، فأحضرهما الملك وأعيدت عليه الدعاوى، فلم يجدْ ما يقتضي الترجيحَ بين البيِّنتين فأفكر ساعة وقال للابن: أتعرف قبر أبيك؟ فقال: كنت غائبًا لما مات، ولما قدمتُ قالوا: هذا قبر أبيك، فقال للغلام المدَّعي البنوَّة: أتعرف قبر أبيك؟ قال نعم: أنا توليتُ دفنه، فقال عليَّ برِمَّةٍ منه -رمة بكسر الراء: عظم بالٍ- فأحضرَت، فقال: افصدوا الغلامَ على هذه الرمة ففصدوه فكان الدم يحيد عنها يمينًا وشمالًا لا يعلَق بها منه شيء، ثم قال: افصدوا الابنَ عليها، ففصدوه فعلق الدم بالرَّمة وشربته جميعه، فسلَّم المال إلى الابن وأَدَّبَ الغلامَ ونكَّلَ به (١).
فصل في عجائب العراق
حكى جدي ﵀ عن حميد الدَّهْقان، دهقان (٢) الفلوجة السفلى، قال: كان ببابل سبع مدائن، في كل مدينة أعجوبة ليست في الأخرى.
فكان في المدينة الأولى هيئة مثال الأرض كلها وفيها صورة أنهارها، فإذا التوى بعضُ أهل المملكة خرق أنهارها فغرق أهلها فلا يستطيعون سدَّها حتى يطيعونه وينقادون إليه.
стр. 182
وكان في المدينة الثانية حوضٌ من رخام، فإذا أراد الملك أن يجمعهم لطعامه يأتي منهم من أراد بما يحب من الأشربة فيصبونه في الحوض فيختلط الجميع، ثم يقوم السقاة فيصبونه في الأواني، فمن صُبَّ في إنائه شراب كان شرابه الذي أتى به.
وكان في المدينة الثالثة طبل إذا غاب أحدٌ من أهلها غيبةً منقطعة وأرادوا أن يعلموا أحيٌّ هو أو ميت ضربوا الطبلَ، فإن صَوَّتَ فهو حيّ، وإن لم يصوِّت فهو ميت.
وكان في المدينة الرابعة مرآة من حديد إذا غاب رجل وأراد أهله أن يعلموا الحالة التي هو عليها نظروا في المرآة فأبصروه على ما هو عليه.
وكان في المدينة الخامسة إوزَّة من نحاس على بابها، فإذا دخل المدينةَ غريبٌ صَوَّتَتْ صوتًا يسمعه أهل البلد فيعلمون أن قد دخلها غريب.
وكان في المدينة السادسة قاضيان جالسان على الماء، فإذا تقدم إليهما خصمان يمشي المحقُّ على الماء ويغوص المبطل.
المدينة السابعة كان فيها شجرة عظيمة، فإن جلس تحتها ألفُ رجلٍ أظلتهم، وإن زادوا واحدًا جلسوا كلّهم في الشمس (١).
ومن عجائب العراق إيوان كسرى، وسنذكره في سير الأكاسرة.
فصل في عجائب المَوصل
في أرض الموصل جبل قريب منها من ناحية المشرق عليه ديرٌ يقال له: دير الخَنافس، للنصارى فيه عيد في ليلة من السنة، حكى لي جماعة من أهل الموصل قالوا: تصعد إليه جميع الخنافس التي في الدنيا، ويبيت فيه ألوفٌ من الناس يمشون عليها طول الليل (٢)، وكذا الدواب، فإذا طلع الصباح لم يوجد للخنافس أثر، وبأرض الغرب مثله.
стр. 183
فصل في عجائب اليمن
ذكر النُّوبختي قال: ما بين الشِّحْر وحَضْرَموت رجلٌ من نحاس على عمود من نحاس مادًّا يده إلى وراء كأنه يشير إلى أنه ليس وراءه مسلك. وهي أرض رجراجة لا تستقيم عليها الأقدام، يقال: إن ذا القرنين وصل إليها فخرج عليهم نملٌ كالبَخاتيِّ فكانت النملةُ تصرع الفارسَ، فرجع، وقد حكاه جدي عن عبد الله بن عمرو بن العاص (١).
ومنها: وادي بَرَهُوت بحضرموت، وفيه جُبُّ فيه أرواحُ الفجَّار، وفي هذا الوادي أَطَمَةٌ تقذفُ بالجمر، كالتي في الهند.
وحكى جدي رحمه الله تعالى في مجالس وعظه، وقد سمعته، وذكرها في بعض مصنفاته وقال: قدم بغدادَ رجلٌ من خراسان حاجا وكان معه مالٌ، فأودع بعضَه عند بعض الزهاد ومضى إلى الحج، فلما عاد وجد الزاهدَ قد مات، فسأل أهلَهُ هل أوصى بمالٍ؟ قالوا: لا، فاهتمَّ فسال بعض العلماء عن الطريق إلى كشف الحال، فقال له: ما ثمَّ إلا أنْ ترجعَ إلى مكة وتقفَ على زمزم وتنادي باسمه يافلان، فإن أجابك، وإلا فاذهب إلى بَرَهوت، فيه بئر فيها أرواحُ الفحَّار، وفي زمزم أرواح المؤمنين. فرجع الرجل إلى مكة ووقف على زمزم ونادى يا فلان، فلم يجبه، فخرج إلى اليمن ووقف على وادي بَرَهوت وناداه، وإذا هو جُبٌّ عميق مظلم يطلع منه الدخان واللهب، فأجابه وقال: لبيك. فقال: وأين مالي؟ قال: تحت الدرجة الفلانية، اذهب إلى أولادي وعرِّفْهُمْ فهم يعطونك إياه، فقال: ألستَ الزاهدَ العابدَ، فما الذي أوقعك ها هنا؟ فقال: كانت أعمالي لغير الله تعالى. وعاد الرجل إلى بغداد، وعرَّف أهله، فحفروا المكان وأعطوه إياه.
فصل في عجائب الشام ومصر والمغرب
حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: من عجائب الدنيا حمَّام طبرية
стр. 184
ومنارة الإسكندرية.
وقال آخر: نهر الذهب وجبُّ الكلب وقلعة حلب، فأما جب الكلب فيقال: إنه في الروم، وماؤه يبرئ من الكَلَب، وأما نهر الذهب فيقال: هو نهر بُزاعة فإنه يسقي البساتين والأراضي وما يفضل منه يصير في البرية ملحًا.
ومنها: بمصر بئر البلسم التي تسقي شعجر دهن البَلَسان.
ومنها: الهَرَمان، وسُمْكُ كلِّ واحد منهما خمس مئة ذراع في ارتفاع مثلها، وكلما ارتفع البناء، دقَّ رأسها حتى يصيرَ مثل مفرش حصير، وهما من المرمر، وعليهما جميع الأقلام اليونانية والعبرانية والسُّريانية والمسندية والحميرية والرومية والفارسية.
وحكى بعض علماء مصر قال: إنهم حلوا بعض الأقلام فوجدوه: "إني بنيتها بملكي، فمن ادَّعى قوةً فليهدمها، فإن الهدْم أيسرُ من البناء".
وحكى جدي عن ابن المنادي في "المنتظم" أنه قال: فحسبوا خراجَ الدنيا مرارًا فلم يفِ بهدمها (١).
قلت: وقد وهم ابن المنادي، فإن صلاح الدين ﵀ أمر أن تؤخذ منها حجارةٌ يبنوا بها قنطرة، فهموا منها شيئًا كثيرًا فبنوا جسرًا قريبًا منها يُمْشَى عليه في زمان زيادة النيل إلى الإسكندرية، وهو جسرٌ عظيم تولَّى عمارته قَرافوش الخادم.
وإنما في هدمها كلفةٌ لكونِ الحجارةِ ذَكَرًا في أنثى، وقد شاهدتُ الهرمين مرارًا، وأحدهما مسدودٌ والآخرُ فيه بابٌ تدخلُ الناسُ فيه، وحكى لي مَن دخله أنه وجد فيه قبرًا وأن فيه مهالك، وربما خرج منه الإنسان في سراديب إلى الفيوم، والظاهر أنها قبور الملوك الأوائلِ وعليها أساميهم وأسرارُ الفلك والسحرِ وغير ذلك.
واختلفوا في مَن بنى الأهرام، قال بعضهم: يوسف الصدِّيق، وقال آخرون: بناها نمرود، وقيل: دلوكة الملكة، وقال قوم: إنما بناها القبط قبل الطوفان، وكانوا يرون أنه كائن، فبنوها ونقلوا ذخائرهم إليها، وجاء الطوفان فما أغنى ذلك عنهم شيئًا، وقيل: إنه لا يُعْرَفُ من بناها، وهو الظاهر.
стр. 185
وحكى بعض شيوخ مصر: أنَّ بعضَ من يعرفُ لسانَ اليونان حلَّ بعضَ الأقلامِ التي عليها ونقلها إلى العربية فإذا هي: "بناء هذان الهرمان، والنسرُ الواقع في السرطان" قال: ومن ذلك الوقت إلى زمان نبيِّنا محمد ﷺ ستة وثلاثون ألف سنة، وقيل: اثنان وسبعون ألفًا.
وقيل: إن القلم الذي عليهما تاريخه قبل بناء مصر بأربعة آلاف سنة، ولا يعرفه أحد.
وحكي لي أنه قِيسَ عرضُ الهرمِ الشرقي فكان خمس مئة ذراع، وسطحه تسعة أذرع، وطوله في الهواء ستة وخمسون ذراعًا، وهو مئة وثمانون صفًّا، كلُّ حجرٍ عرضه ثلاثة أذرع، وعرض الهرم الغربي أربع مئة وستون ذراعًا، وبالقرب منهما صخرةٌ عظيمة قد صوروا منها رأس آدمي سموه: أبا الهول، وحولها أهرام صغار.
ويقال: إن ملك اليونان واسمه: سوريد بن سهلوف رأى في منامه كأنَّ الأرض انقلبت والكواكبَ تتساقط، ولها أصوات منكَرة، فهاله ذلك، فجمع حكماءه وأخبرهم، فقال واحدٌ: لا بدَّ من هولين عظيمين يحزن منهما العالم، أحدهما ناري والثاني مائي، فأمر ببناء الأهرام ونقل إليها علومهم وكنوزهم، وجعل عمقها في الأرض كارتفاعها في الهواء، فإن كانت الآفةُ مائيةً صعدوا إلى أعلاها، وإن كانت ناريةً نزلوا إلى أسفلها إلى السراديب. وصوَّر فيها الكواكبَ والبحورات والروحانيات والأقلامَ وصُوَرَ العقاقير وغيرها.
وكان كلَّما مات حكيم جعلوا كتبه عند رأسه، وكانوا يقولون بالرجعة.
وجعلوا بابَ الهرمِ الشرقيِّ من ناحية الجنوب في الأرض بأزج معقودٍ طوله مئة وخمسون ذراعًا، وبابَ الغربيِّ من الشمال كذلك.
وقيل: ابتداء بنائها والنسرُ الطائرُ في الحَمَل.
ولما تمَّ بناؤها ذبحوا لها الذبائحَ وكسوها الديباج، وكتبوا على ظاهرها: "نحن بنيناها في ست سنين فاهدموها في ستين سنة". ووجدوا فيها دنانير وزن كل دينار أوقية (١).
стр. 186
وقيل: إن روحانيّ الهرم الشرقي في صورة امرأة عريانة لها ذوائب، فإذا أرادت أن تستهوي أحدًا ضحكتْ ودعته إلى نفسها، فيدنو منها فيهيم على وجهه فيهلك، وقد رآها جماعة تدور حول الهوم وقت القائلة.
قالوا: وروحانيّ الهرمِ الغربيِّ غلام أمرد عريان أصفر اللون، وقد رؤي وقت المغوب وهو يدور حول الهرم. وهناك هرم مُلَوَّن وروحانيّه شيخٌ نوبي عليه بُوْطُل (١) وبيده مبخرة، وقد رُؤي ليلًا حول الهرم.
ولما ملك ابن طولون (٢) مصرَ حفر على أبواب الأهرام فلم تعرف، فوجدوا في الحفر قطعةَ مرجان مكتوب عليها سطور باليوناني، فأحضر من يعرف ذلك القلم، وإذا هي أبيات شعر فترجمت فكان فيها:
أنا بانيُ الأهرامِ في مصرَ كلها … ومالكها قدمًا بها والمقدَّمُ
تركتُ بها آثارَ علمي وحكمتي … على الدهرِ لا تبلى ولا تتثلَّمُ
وفيها كنوزٌ جمَّة وعجائبٌ … وللدّهرِ لينٌ مرةً وتهجُّمُ
وفيها علُومي كلُّها غيرَ أنني … أرى قبلَ هذا أَن أموتَ فتعلمُ
سَتُفْتَحُ أقفالي وتبدو عجائبي … وفي ليلةٍ في آخرِ الدهرِ تنجم
ثمانٍ وتسعٌ واثنتانِ وأربعٌ … وتسعون من بعد المئين تسلم
ومن بعد هذا جزء تسعين برهة … وتلقى البرابي تستحرّ وتهدم
تدبَّرْ مقالي في صخورٍ قطعتها … بسيفي وأَفْنَى قبلها ثم تُعْدَم
فجمع ابن طولون الحكماءَ وأمرهم بحساب هذه المدة فلم يقدورا على تحقيق ذلك فيئس وزال الطمع.
ومنها: المطالب، وهي كثيرة بمصر، إلا أنَّ الغالبَ عليها أنَّ لها طِلسماتٍ تمنعُ من الوصول إليها.
وحكى الهيثم بن عدي وغيره، أنَّ رجلًا جاء إلى عبد العزيز بن مروان وهو على
стр. 187
مصر من قبل أبيه مروان بن الحكم، فقال له: أيها الأمير إني قد وجدتُ كتابًا قديمًا يشير إلى بعض الأماكن، أنَّ فيه كنزًا فيه أموالٌ وجواهر لا تحصى، فخرج معه إلى ظاهر مصر على أميال، وجاء به إلى تلٍّ عظيم فقال: تحت هذا التلّ، فقال: ومن أين لك هذا؟ فقال: إذا كشفنا هذه التلَّ ظهر لنا بلاطٌ مختلفُ الألوان، ثم نحفر فيظهر لنا بابٌ من الصُّفْرِ ففيه المطلب، فأزالوا بعضَ التل فظهر البلاط والباب، فأزالوا عنه التراب وإذا عليه أقفالٌ عجيبةٌ، فعالجوها حتى فتحوها، فإذا بدرجٍ يأخذ إلى بهوٍ عظيم فيه قناطر ومجالس عليها أبواب الذهب مرصعة بالجواهر، وفيها من الأموال والياقوت والجوهر ما لا يحصى، وإذا بالدَّرج من نحاس مشبك، وفي أول درجةٍ عمودٌ من ذهب، وفي أعلاه ديك عيناه ياقوتتان تساويان خراجَ الدنيا، وجناحاه من زمرد، فضرب بعضهم رأس الديك فلمع شيء كالبرق الخاطف، وهو ما في عيني الديك من الياقوت فبانت الدرج بأسرها والبهو، فبادر واحدٌ فوضع قدمه على أول درجة، فلما استقرتْ قدماه عليها ظهر سيفان عظيمان عاديان من عن يمين الدرجة وشمالها، فالتقيا على الرجل فقدَّاه نصفين، فأهوى جسمه على الدرج، فلما استقرَّ على بعضها اهتزَّ العمود وصَفَر الديك صفرةً عظيمةً أسمعت من كان بعيدًا، وحَرَّكَ جناحيه، وظهرتْ أصواتٌ مزعجة قد عملت على الكواكب بالحركات ينزعج لها السامع، وتقدم آخر فالتقت عليه السيفان فقدَّته نصفين، ثم آخر وآخر حتى قتلت ألف رجل، فقال عبد العزيز: حسبنا، هذا أمرٌ لا يُدْرَكُ ولا يوصلُ إليه، ثم أمر بردِّ الترابِ على الموتى فكانت الحفيرةُ قبورهم.
ومنها: جبل الطير بصعيد مصر، فيه شقٌّ، فإذا كان يومٌ مُعيَّن من السنة جمع عنده زرازير الدنيا، فيأتي كلُّ زَرزور فيدخل منقاره في الشقِّ ثم يخرجه ويطير، ويأتي آخر فيفعل كذلك، طولَ النهار يأتي زَرزور ويذهب زَرزور إلى وقت الغروب، فيأتي آخر الزرازير فيدخل منقاره في الشقِّ فينضمُّ عليه ويبقى معلَّقًا طول العام إلى ذلك اليوم، فينفتح الشقّ ويسقط ذلك الزرزور ويأتي غيره.
ومنها: عمود السواري بالإسكندرية، وليس في الدنيا مثله، وقد شاهدته، ويقال: إن أخاه بأسوان.
стр. 188
ومن عجائب المغرب: نار في جزيرة صقلية تشتعلُ فيها حجارةٌ ولا تمكن أحدًا من الوقود منها، قالوا: وليس بصقلية نملة.
ومنها حجارة بالقيروان تقذفها النيران بالليل، وفي النهار دخان، وهي في جبل يقال له: البركان.
ومنها: بيتان بالأندلس يعرفان بالملوك، فلما فتحت الأندلس في زمان الوليد بن عبد الملك بن مروان وجدوا هذين البيتين، ففتحوا أحدهما فإذا فيه أربعة وعشرون تاجًا، على كل تاج اسم صاحبه مكتوبٌ عليه ومبلغُ سنِّهِ، وما ملك من السنين، ووجدوا فيه مائدة سليمان ﵇ وهي من الذهب، وقيل من الياقوت، وعليه أطواق الجوهر الثمين، فحملت إلى الوليد، ووجدوا على باب البيت الآخر أربعة وعشرين قفلًا، كان كلَّما ملكَ واحدٌ منهم تلك البلاد زاد قفلًا، ولا يعلمون ما في البيت، فقال لهم بعض الرهبان: إنّ آخر ملوك الأندلس يُفْتَحُ على يديه، قالوا: لا بد من فتحه، فنهاه الحكماء فخالفهم وفتحه، فإذا رجال من العرب قد صُوّروا على خيولهم، وعليهم العمائم والأسلحة، فدخلت العربُ جزيرةَ الأندلس في السنة التي فتح فيها الباب.
ومنها: ما حكاه جدي عن عبد الله بن عمرو بن العاص في "كتاب التبصرة" قال: ومن العجائب سوداني من نحاس على قضيب من نحاس على الباب الشرقي برومية، فإذا كان أوانُ الزيتون صفَّر ذلك السوداني فلا تبقى سودانية تطير إلا جاءت بثلاث زيتونات: زيتونةً في منقارها وزيتونتان في رجليها، فألقته على ذلك السوداني، فيحمله أهلُ رومية فيعصرون منه ما يكفيهم لِسُرُجِهِمْ وإدامهم إلى العام المقبل (١).
* * *
стр. 189
فصل في الطبائع
قال علماء الأوائل: العالم وما فيه أربعة أجزاء:
فالربع الأول: المشرق، وجميع ما فيه حارّ رطبٌ، وله الهواء والدم، وله ريح الجنوب، وزمانه ربيعٌ، ويختصُّ من الكواكب بالقمرِ والزهرة، وله من البروج الحمل والثور والجوزاء.
والربع الثاني: المغرب، وجميع ما فيه رطب، وله الماء والبلغم، وله من الريح الدَّبور، وله الشتاء، ومن الكواكب عطارد والمشتري، ومن البروج الجدي والدلو والحوت.
والربع الثالث: اليمن، وجميع ما فيه حارٌّ يابس، وريحه الصَّبا، وله المِرَّة الصفراء والصيف، ومن الكواكب الشمس، ومن البروج الأسد والسرطان والسنبلة.
والربع الرابع: شمالي (١) له ريح الشمال، وله الخريف، ومن الكواكب زحل والمِريخ، ومن البروج الميزان والعقرب والقوس.
قلت: وهذا تقسيمُ بعضِ الأوائل، والأصحُّ أنَّ الشمس تختصُّ بالمشرق، وكذا المريخ يختص بالترك، وأن العقرب يختص بأرض الحجاز.
قالوا: والطبائع أربع: فالأولى: طبيعة النار، وهي حارة يابسة، والثانية: طبيعة الهواء، وهي حارة رطبة، والثالثة: طبيعة الماء، وهي باردة رطبة، والرابعة: طبيعة الأرض، وهي باردة يابسة، فاثنتان منها يذهبان الصعداء وهما النار والهواء، واثنتان يرسبان سفلًا وهما الأرض والماء.
* * *
стр. 190
فصل في ذكر سكانها وما ورد في قطانها (١)
روى مجاهد عن ابن عباس قال: كان في الأرض أمم قبل آدم أيضًا (٢).
وقال الجوهري: الحنُّ حيٌّ من الجن، قال: ويقال الحنّ خلق بين الإنس والجن (٣).
وروى مقاتل عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: أولُ من سكن الأرضَ أمةٌ يقال لهم: الحنّ والبن، ثم سكنها الجنّ، فأقاموا يعبدون الله تعالى زمانًا، فطال عليهم الأمد فأفسدوا، فأرسل الله إليهم نبيًّا منهم يقال له: يوسف، فلم يطيعوه وقاتلوه، فأرسل الله الملائكة فأجلتهم إلى البحار، وكان مدة إقامتهم في الأرض ألفَ عام (٤).
قلت: وقد ضعَّف العلماءُ رواياتِ مقاتل، فإن الله تعالى لم يبعث نبيًّا قبل آدم، وإنما قيل: بأنَّ يوسفَ كان ملكًا لهم فعصوه.
حدثنا عبد القادر الرُّهاوي بإسناده عن وهب بن منبه عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ بالمَغْربِ أَرضًا بيضاءَ تَسيرُ الشَّمسُ فيها أربعِين سنةً، بها أمَّةٌ منَ النَّاس لم يَعْصوا الله طَرْفَةَ عَينٍ" قالوا: يا رسول الله، فأينَ الشيطانُ منهم؟ قال: "ما يَدرُون هل خُلِقَ الشَّيطانُ أم لا" قالوا: فمن بني آدم هم؟ قال: "ما يَدْرُون خُلِقَ آدمُ أم لا" (٥).
قلت: والأصحُّ أنه موقوف على ابن بريدة عن أبيه.
* * *
стр. 191
فصل في ذكر من ملكها، وقطع سبلها وسلكها
حدثنا عبد العزيز بن محمود البزار بإسناده عن سعيد بن المسيب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ملك الأرضَ أربعةٌ: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان ذو القرنين وسليمان، والكافران نمرود وبختنصر، وسيملكها خامسٌ من أهل بيتي" (١). وقيل: إنه موقوف على ابن عباس، والمراد به العمران من الأرض، فإن الخراب مفاوز ومهالك وقفار وبحار.
وقال أبو الحسين بن المنادي: ملك الأرض من الجنّ والإنس ثمانية: ثلاثة من الجن وخمسة من الإنس، فمن الجن طَهْمُورُث وكيَوْمَرث وأوشنج، ومن الإنس جمشاد من ولد قابيل، كان يقطع الدنيا في يوم كما تقطعها الشمس، ونمرود وبيوراسب، وهو الضحاك، والإسكندر وسليمان.
قلت: وقد وهم ابنُ المنادي فإن كيَوْمَرث وطَهْمُورُث وأوشنج من ولد آدم، حتى إن طائفة تزعم أن كيَوْمَرث هو آدم. ولم يوافق ابن المنادي أحذ على أن هؤلاء الثلاثة من الجنّ.
وأما ما ذكره عن جمشاد ففي غاية البعد، والعقولُ السليمةُ تأباه، ولا خلاف بين علماء السير أن الله طرد ولدَ قابيل إلى جبال الهند ولعنهم، ولم يكن في نسل قابيل ملكٌ ولا رئيس، وأنهم هلكوا في زمان الطوفان، لما نذكر، والاعتماد في هذا الباب على ما روينا عن ابن عباس.
* * *
стр. 192
فصل في ذكر من تحتها من السكان، وهل هو ريح أو جماد أو حيوان (١)
روى السُّدي عن أشياخه: أنَّ لكلِّ أرض سكانًا، فسكان الأرض الثانية: الريح العقيم، وهي التي أهلكت قوم عاد، وسكان الثالثة: حجارةُ جهنَّم التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٤]، وفي الرابعة: كبريت جهنَّم، وفي الخامسة: حيَّات جهنم، وفي السادسة: عقاربها، كالبغال الدُّهم وأذنابها مثل الرماح، وسكان السابعة: إبليسُ وجنوده.
وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: في كلِّ أرض آدم كآدمكم (٢).
وهذا القول بعيد (٣) لم يرد به خبر ولا أثر، وإنما هو آدم واحد، وهو أبو البشر، وقد أخذ على أبي العلاء المعري قوله (٤): [الطويل]
وما آدمٌ في مَذهَبِ العَقْل واحدٌ … ولكنه عندَ القِياسِ أَوادِمُ
ومذهبُ الأوائل أن الأرض على صفةٍ واحدة كالمُحَّة في البيضة، وإنما تختلف أجناسها، وليس تحتها سوى الماء.
* * *
стр. 193
فصل في ذكر النار، التي أعدّها الله للفجار (١)
قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: كنَّا جلوسًا عند النبي ﷺ فسمعنا وَجْبَة، فقال رسول الله ﷺ : ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا حَجَرٌ أُرسِل في جهنَّم سبعينَ خريفًا والآن انتهى إلى قَعْرِها". انفرد بإخراجه مسلم (٢).
الوَجْبَة: السقطة مع هَدَّةٍ. وهذا الحديث يدل على أنَّ النارَ في الأرض، وقد نص عليه ابن سلام، وقال: كذا هو في التوراة، فإن قيل: ففي حديثِ المعراج أن النبي ﷺ رآها تلك الليلة في السماء (٣)، فالجواب أنه ﷺ قال: ورأيت الجنةَ والنار، ولم يقل: رأيتُ النار في السماء.
وأنبأنا جدي بإسناده عن قتادة -وفي رواية ابن أبي الدنيا: عن شعبة- قال: أخبرني من رأى عبادةَ بن الصامت على حائط بيت المقدس الشرقيِّ يبكي ويقول: من ها هنا أخبرنا رسول الله ﷺ أنَّه رأى جهنَّم ليلةَ المعراج، قال: ولذلك سمي وادي جهنم (٤).
ويحتمل أن الله تعالى أراه إياها في تلك الليلة كما جلَّى له بيتَ المقدس، وذلك أبلغُ في إظهار القدرة، ولأنَّ النارَ حبس، والحبسُ يكون في جهة السفل، بخلافِ الجنة لأنها بستان، والبستان يكون في جهة العلوِّ.
روى مجاهد عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: ٤٤] قال: هي دركات بعضها فوق بعض، فأولها جهنم، ثم لظى، ثم الحُطَمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية (٥).
стр. 194
قلت. قرأت على شيخنا أبي اليُمن زيد بن الحسن الكندي رحمه الله تعالى: قال قرأت على شيخنا أبي منصور بن الجواليقي قال: اشتقاق جهنم من قول العرب: ركيَّةٌ جِهنَّام -بكسر الجيم- إذا كانت بعيدةَ القعر (١). وكذا قال في "الصحاح": جهنم اسمٌ من أسماء النار التي يعذب الله تعالى بها عباده.
وأما لظى، فقال الجوهري: هي اسم من أسماء النار، وأصلها من التلهب.
وأما الحُطَمَة، فمن الحَطْم، وهو الكسر، لأنها تحطِمُ ما يُلْقَى فيها.
وأما السعير، فمن التسعُّر، وهو التوقد.
وأما سقر، فمن البعد، ومُصْمَقِرّ (٢): شديد الحر.
وأما الجحيم، فقال الجوهري: كلُّ نارٍ عظيمة في مهواة فهي جحيم، من قوله تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾ [الصافات: ٩٧]، والجاحم: المكانُ الشديدُ الحرِّ.
قال الجوهري: وأما الهاوية، فإنما يقال: هاوية بغير ألف ولام، قال الله تعالى:
﴿فَأُمُّهُ هَاويَةٌ (٩)﴾ [القارعة: ٩] أي مستقرَّة في النار، قال: والنار تجمع الكل (٣).
وقد جاءت في ذكر النار أحاديث:
قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "نارُكُم هذه ما يُوقِدُ بَنو آدَمَ جُزءُ واحد من سبعينَ جُزءًا مِن حر جَهَنَم" قالوا: يا رسول الله، والله إنَّها لكافية، فقال: "إنَّها فُضِّلَتْ عليها بتسعةٍ وسِتينَ جُزءًا كُلُهنَّ مِثلُ حرِّها". أخرجاه في الصحيحين أيضًا بهذا الإسناد (٤).
стр. 195
[وفي الصحيحين أيضًا] عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : "اشتَكَت النَّارُ إلى ربِّها فقالت: يا ربِّ، أكلَ بعضي بَعْضًا فَنَفِّسني، فأَذِنَ لها أن تَتَنفَّس نَفَسين: نَفَسًا في الشِّتاءِ ونَفَسًا في الصَّيفِ، فأشدُّ ما تَجدُون من الحرِّ فمن حرِّ جَهَنَّم، وأشدُّ ما تجدونَ من البَرْد فمن زَمْهَريرِها (١) ". في أخبار كثيرة.
قال أحمد بن حنبل: حدثنا أبو اليمان بإسناده عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال لجبريل: "مَا لي لم أَرَ مِيكَائيلَ ضَاحِكًا قطُّ، فقال: مُنذ خَلَق الله النَّارَ لم يَضْحكْ"، أخرجه أحمد في "المسند" (٢).
وقال أحمد: حدثنا أبو عبد الرحمن بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ عند ذكر النار: "أهلُ النَارِ كل جَعْظَريٍّ جَوَّاظٍ مُستَكبِرٍ جَمَّاع مَنَّاع (٣) ".
الجَعْظَري: الفظُّ الغليظ، ذكره الجوهري، وقال: قال ابن السكيت: يقال للرجل إذا كان قصيرًا غليظًا: جِعْظارة، بكسر الجيم (٤). والجوَّاظ: الجَمُوع المَنُوع، وقال الجوهري: الجظ: الرجل الضخم، قال: وفي الحديث: "أهل النارِ كلّ جظٍّ مستكبر" قال: وكذا الجعظ (٥).
فصل
ومذهب أهل الحقّ أن النار مخلوقة، وقالت المعتزلة والجهمية: لم تُخلق بعدُ، لأنها دارُ تعذيب وجزاء، وليس هذا وقته. ولنا قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤] والمُعَدُّ ما يكونُ موجودًا، وما ذكره فنقول: جهنم حبسُ العصاةِ، فوجودها أبلغُ في الزجر من عدمها، وعلى هذا الخلاف الجنة، لما نذكر.
стр. 196
فصل في خلق الجن والشياطين وأصلهم إبليس اللعين
قال علماء اللغة: أصل الجن من الاستتار، ومنه: الجنين، لأنه مستتر في بطن أمه.
وقال الجوهري: إنما سموا بذلك لأنهم لا يُرون (١). قال الجوهري (٢) أيضًا: الشيطان كلُّ عاتٍ متجبر من الجنّ والإنس والدواب، ومَن بَعُدَ غَورُهُ في الشرِّ.
واختلفوا في اشتقاقه على قولين، أحدهما: مِنْ شَطَنَ، أي: بَعُدَ عن الخير. والقول الثاني: أنه من شاط يشيط إذا احترق، ومنه شاطت القِدر.
وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "خُلِق الجانُّ من مارجٍ من نار" (٣).
وقد فسَّره ابن عباس فقال: المارجُ هو لسانُ النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت (٤).
وقال الجوهري: المارجُ نارٌ لا دخانَ لها خُلِقَ منها الشيطان (٥).
واختلفت الرواية عن ابن عباس: هل الجانُّ إبليس أم غيره؟
فروى عنه عكرمة أنه قال: إبليس أصل الجانِّ والشياطين، وهو أبو لكلِّ.
وروى مجاهد عنه أنه قال: الجانُّ اسمه سُومان، وهو أبو لجنّ كلّهم كما أن آدم أبو لبشر.
وروى سعيد بن جبير عنه أنه قال: هذا الفن خمسة أنواع: جانٌّ، وجنٌّ وشيطان، وعفريت، ومارد، وأضعفها الجانُّ وهو مسيخ الجنِّ، كما أن القردة والخنازير مسيخ الإنس، وأقواها المارد (٦).
стр. 197
وقال الحسن البصريّ: الشياطين أولاد إبليس، لا يموتون إلا معه، والجنّ يموتون قبله.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خلق الله الجانَّ قبل آدم بألفي سنة. وقد روي مرفوعًا والموقوف أصح.
وحكى السدي عن أشياخه قالوا: في الجنِّ: المؤمن والكافرُ والقدريةُ والمعتزلة والجهمية والشيعة وجميع الفرق.
وحكى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: هم على أصناف، على صور الحياتِ والعقارب والأُسد والذئاب والثعالب ونحوها.
وقال الترمذي بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتلوا الأسودين ولو كنتم في الصلاة: الحيةَ والعقرب". ورواه أبو داود، وفيه: أمر رسول الله ﷺ بقتلهما (١).
قلت: وعامة العلماء على جواز قتل الحية والعقرب في الصلاة، وكرهه إبراهيم النخعي لأنه عمل كثير، وقد روي أن النبي ﷺ أمر بأن يُؤْذَنوا قبل قتلهم، فقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه بإسناده عن جرير بن عبد الله قال: أمر رسول الله ﷺ أصحابه إذا ظهروا في مكان أن يُؤذَنوا بالانصراف قبل قتلهم (٢). يقال: خلِّ الطريق ومرَّ بإذن الله، يعني إذا تصور الجنُّ في صورة الحيّات والعقارب.
وقال ابن أبي ليلى: الحية البيضاء التي تمشي مستويةً هي الجانُّ، فتلك التي تُنذر قبل قتلها، أما غيرها فلا تنذر بل تقتل.
قال أبو جعفر الطحاوي: والمختار عند أصحابنا: قتل الجميع بغير إنذار، لحديث أبي هريرة الذي روينا، فإنه مطلق في حقِّ الكلّ، قال: لأنه بلغنا أنَّ النبي ﷺ عهد ليلةَ
стр. 198
الجنّ وأكد عليهم العهودَ والمواثيقَ أنهم لا يدخلون بيوتَ أمَّته ولا يظهرون، فإن ظهروا قُتلوا، فإذا ظهروا فقد نقضوا العهدَ فيجب قتلهم. ولكن الأولى هو الإنذار عملًا بالروايات كلها، فإن لم يرجع قتله.
وروى عروة أن عائشة ﵁ قتلت حيّةً فأُتيتْ في منامها فقيل لها: أقتلتِ مسلمًا؟ فقالت: لو كان مسلمًا لما دخل بيوتَ أزواج رسول الله ﷺ ، فقيل لها: هل كان يدخلُ عليكِ إلّا وعليكِ ثيابك؟ فأصبحتْ فزعة، فتصدقت باثني عشر ألفًا (١).
وروى مجاهد عن ابن عباس: أن الكلابَ من ضعفاء الجن، وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "الكلب الأسود شيطان"، انفرد بإخراجه مسلم (٢)، وفيه: الكلب الأسود البهيم.
وبهذا الحديث يحتجُّ أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه: أنّ الكلبَ الأسود البهيم يقطعُ الصلاة، وهو قول أهل الظاهر.
وروي عن أحمد أنه قال: الذي لا أشك فيه أن الكلب البهيم يقطعُ الصلاة، ويروى عن معاذ وطاووس ومجاهد، قال أحمد: وفي نفسي من المرأة والحمار شيء.
وعند أهل الظاهر يقطع الصلاةَ مرورُ الكل.
قلت: ومذهب أصحابنا ومالك والشافعي وعامة الفقهاء أنه لا يقطع الصلاةَ مرورُ شيء من ذلك، لقوله ﵇: "لا يقطعُ الصلاةَ مرورُ شيء" (٣)، وحديث أبي ذرّ لا حجَّة فيه وقد بيَّنا هذا في "شرح البداية".
وقال الحسن البصري: الجن ثلاثة أصناف: صنف في البرّ، وصنف في البحر، وصنف في الهواء.
وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: هم أربعون جيلًا، كلُّ جيل ست مئة ألف، وهم مأمورون ومنهيون.
стр. 199
واختلفوا هل بعث فيهم نبيٌّ أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه بعث إليهم نبي اسمه يوسف، لقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم: ٦٨] فعلى هذا هم يُحشرون ويحاسبون.
والقول الثاني: أنه لم يبعثْ فيهم نبي وإنما كان فيهم النذر، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، قاله مجاهد. وقال الضحاك والكلبي: كانت الرسل قبل محمد ﷺ يبعثون إلى الإنس والجنِّ جميعًا.
* * *
стр. 200
فصل في ذكر إبليس وجنوده، وأولاده وحشوده (١)
اختلفوا في اشتقاقه، قال علماء التفسير: اشتقاقه من الإبلاس وهو الإياس، وإبليس قد يئس من رحمة الله، قال الجوهري: يقال أَبْلَس فلان إذا سكت غمًّا.
واختلفوا في اسمه، فقال الجوهري: كان اسمه عزازيل (٢). وهو قول ابن عباس، وروي عن ابن عباس أن اسمه: الحارث.
واختلفوا في كنيته على قولين: أحدهما: أبو مرة، والثاني: أبو الغمر.
واختلفوا هل كان من الملائكة أو من الجنِّ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه كان من الملائكة، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس.
والثاني: أنه كان من الشياطين، قاله الحسن البصري، قال: ولم يكن من الملائكة قط، واحتج بقوله تعالى: ﴿إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].
الثالث: أنه لا من الملائكة ولا من الجن، بل هو خلق مفردٌ خلقه الله تعالى من النارِ كما خلق آدمَ من الطين، قاله مقاتل (٣).
وقد رجَّحَ علماءُ التفسير قول ابنِ عباس أنه كان من الملائكة، واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤، الكهف: ٥٠] وهذا استثناء متصلٌ، فدلَّ على أنه منهم.
وأما قول الحسن: إنه كان من الجن، وما احتجَّ به من الآية فقد فسَّره ابن عباس وقال: أشرافُ الملائكةِ وأكرمهم يقال لهم: الجنُّ، لأنهم استتروا عن أعين الملائكة لشرفهم، وكان إبليس منهم، قال: وكان له سلطانُ السماءِ الدنيا وسلطانُ الأرض، وكان يسمَّى: طاووسَ الملائكةِ، وليس في سماء الدنيا مكانٌ إلا وقد سجد عليه، ولما عصتِ الجنُّ في الأرض بعثه الله في طائفةٍ من الملائكة فطردوهم إلى الجزائر وأطرافِ
стр. 201
الجبال فاغترَّ في نفسه، وقال: مَنْ مِثلي. ولم يسجد لآدم، فمسخه الله تعالى شيطانًا.
قلت: وظاهر الآيات يقتضي التعارض فينبغي التوقف، وقد قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] وإذا كان مخلوقًا في الأصل من النار، فكيف يُخْلَقُ من النور، لأن الملائكة خُلِقوا من النور لما نذكر.
وذكر أبو جعفر الطبري (١): أن إبليس بُعِثَ حاكمًا في الأرضِ، فقضى بين الجنِّ ألفَ سنة، ثم عرَج إلى السماء فأقام يتعبّد حتى خُلِقَ آدم.
وقال شهر بن حوشب: كان إبليس من الجن الذين يعملون في الأرض بالفساد، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء.
وقال قتادة: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] خرج عن طاعته، والفسقُ الخروج، من قولهم: فسقتِ الرُّطَبة إذا خرجتْ من قشرها.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن ثابت البناني قال: بلغنا أن إبليس ظهر ليحيى ﵇، فرأى عليه معاليقَ من كل شيء، فقال له: ويحكَ ما هذه المعاليق؟ فقال: الشهواتُ التي أُصيبُ بها بني آدم، قال: فهل لي فيها من شيء؟ قال: ربما شبعتَ فتثقلُ عن الصلاة وتُغْلَبُ على الذكر، فقال يحيى: فللَّه عليَّ أن لا أملأَ بطني من طعام أبدًا. فقال إبليس: ولله عليَّ أن لا أنصحَ مسلمًا أبدًا (٢).
وبه، قال ابن عباس: قال: كان إبليس يأتي يحيى بن زكريا طمعًا أن يفتنه، وعرف ذلك يحيى منه، وكان يأتيه في صور شتَّى، فقال له: أحبُّ أن تأتيني في صورتك التي أنت عليها، فأتاه عليها فإذا هو مشوَّه الخلق كريهُ المنظر، جسدُهُ جسدُ خنزير، ووجههُ وجهُ قرد، وعيناه مشقوقتان طولًا، وأسنانُه كلُّها عظمٌ واحد، وليس له لحية، ويداه في منكبيه، وله يدان أخريان في جانبيه، وأصابعه حلقة (٣) واحدة، وعليه لباس المجوسِ واليهود والنصارى، وفي وسطه مِنْطَقةٌ من جلودِ السباع فيها كيزان معلَّقة، وعليه جلاجل، وفي يده (٤) جرسٌ عظيم، وعلى رأسه بيضةٌ من حديد معوجة كالخُطَّاف،
стр. 202
فقال يحيى: ويحك ما الذي شوَّه خلقتك؟ فقال: كنتُ طاووس الملائكة فعصيتُ الله فمسخني في أخسِّ صورة، وهي ما ترى، قال: فما هذه الكيزان؟ فقال: شهوات بني آدم، قال: فما هذا الجرس؟ قال: صوت المعازف والنوح، قال: فما هذه الخطاطيف؟ قال: أخطف (١) بها عقولهم، قال: فأين تسكن؟ قال: في صدورهم وأجري في عروقهم (٢)، قال: فما الذي يعصمهم منك؟ قال: بغضُ الدنيا وحب الآخرة (٣).
وقال جدي ﵀ بإسناده إلى عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فجاءَ رجلٌ أقبحُ الناسِ وجهًا وثيابًا وأنتنهم ريحًا، حافيًا يتخطَّى رقابَ الناس، فجلس بين يدي النبي ﷺ فقال: مَنْ خلقك؟ قال: "اللهُ"، قال: فمن خلق السماء والأرض؟ قال: "اللهُ"، قال: فمن خلق الله؟ فقال رسول الله ﷺ : "هذا إبْليسُ جَاء يُشكككم في دينكم" (٤)، قال جدّي: هذا حديث لا أصلَ له، وفي إسناده عبد الله بن جعفر، ضعيفٌ يتهم في الأحاديث.
وروي عن أبي الحسين ابن المنادي قال: يجيء الشيطان الذي يقال له: القَرْقَفَنَّة (٥) في صورة طائر، وفي رواية: يجيء الشيطان في صورة طائر يقال له: القَرْقَفَنَّة، فيخفق بجناحيه على عينِ الرجل الذي يقرّ أهله على الفاحشة فلا يُنكرها بعد ذلك.
وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن جابرِ بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "يَضعُ إبليسُ عَرشَهُ على الماءِ، ثم يبعثُ سراياه، فأَدناهُم عنده مَنزلةً أعظَمُهم فِتنةً، يجيءُ أحدُهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعْتَ شيئًا، ويجيء أحدُهم فيقولُ: ما تركتُه حتى فرَّقتُ بينَه وبينَ أهلِه، فيُدْنيه منه ويلتزمُه ويقول: نعمْ، أنْتَ أنْتَ" انفرد بإخراجه مسلم (٦).
وذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن ابن مسعود: إن الشيطان إذا طاف بأهل
стр. 203
مجلسِ ذِكرٍ ليفتِنَهم فلم يقدرْ على التفرقةِ بينهم، فأغرى بين مجلس آخر فاقتتلوا، فقام أهل الذكر فحجزوا بينهم حتى تفرقوا (١).
وذكر عبد الله أيضًا عن قتادة قال: إن لإبليس شيطانًا يقال له: قبقب، يجمّه أربعين سنة، فإذا دخل الغلامُ في هذه الطرق قال له: دونك وإيّاه، فإنما أجممتك لمثل هذا، أَجْلبْ عليه وافتنه (٢).
وقال أحمد بإسناده عن أنس بن مالك: إن رسول الله ﷺ قال: أوّلُ من يُكْسَى حلةً من النَّار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويَسحبُها من خلفِه، وذريتُه من بَعدِه، وهو يُنادي يا ثُبُوراه، وينادون: يا ثُبُورَهم، حتى يقفُوا على النّارِ فيقول: يا ثبُورَه، ويقولون: يا ثبورَهم، فيقالُ لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤﴾ [الفرقان: ١٤] أخرجه أحمد في "المسند" (٣)، والثبُور: الهلاك والخسران.
وقال أحمد بإسناده عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الشَّيطانَ قد يَئِسَ أنْ يَعْبُدَه المُصَلُّونَ، ولكنْ في التَّحريشِ بَينَهم" انفرد بإخراجه مسلم (٤). ولمسلم، عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا أَذَّنَ المؤذنُ هَرَبَ الشَّيطانُ حتى يكونَ بالرَّوْحاءِ" من المدينةِ ثلاثونَ ميلًا (٥).
فصل في ذكر أولاده
قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: بلغنا أن لإبليسَ أولادًا كثيرين، واعتماده على خمسةٍ منهم: ثَبْر والأَعور ومِسْوَط وداسم وزَلَنْبُور.
وقال مقاتل: لإبليس ألفُ ولدٍ، ينكح نفسه ويلدُ ويبيضُ كلَّ يوم ما أراد (٦).
стр. 204
وقال كعب الأحبار: ومِن أولاده المُذْهَب وخَنْزَب وهفاف ومُرَّة والولهان والمتقاضي.
فأما ثَبْر: فصاحب المصائب، يأمر بلطم الخدود وشقِّ الجيوب ودعوى الجاهلية.
وأما الأعوَر: فصاحب الزنا يُزينه إلى الذكور والإناث.
وأما مِسْوَط: فصاحب الكذب والنميمة.
وأما داسم: فيري الرجلَ عيوبَ أهله فيبغِّضهم إليه.
وأما زَلَنْبُور: فيركز رايته في الأسواق ويأمرهم بالتطفيف والخيانة.
وأما المُذْهَب: فموكل بالعلماء يردُّهم إلى البدع.
وخَنْزَب: موكَّل بالمصلين يلقي عليهم النوم والسبات، وقد روي في خَنْزَب حديث فقال أحمد بإسناده إلى أبي العلاء بن الشخِّير، أن عثمان بن أبي العاصي الثقفي قال: يا رسولَ الله، حال الشَيطانُ بَيني وبينَ صَلاتي وبينَ قراءتي، قال: "ذاك الشَّيطانُ يقالُ له: خَنْزَب، فإذا أَحْسَسْته فتعوَّذْ بالله منه، واتفُلْ على يَساركَ ثلاثًا" قال: ففعلتُ ذلك فأذهبه الله عني. انفرد بإخراجه مسلم (١).
وهفاف: صاحب الخمرة.
ومُرَّةُ: صاحب اللواط.
والولهان: يوسوس في الوضوء، وقد ورد فيه حديث، قال الترمذي بإسناده عن أبيِّ بن كعب عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ للوُضُوءِ شَيطانًا يَقال له: الوَلْهان، فهو وَسْواسُ الماءِ" إلا أن هذا الحديث فيه مقال، قال الترمذي: هذا الحديثُ ليس بالقويّ، لا نعلم أحدَّا أَسنده غير خارجة بن مصعب، وخارجةُ ليس بالقويّ عند أصحابنا (٢).
وذكره جدي ﵀ في "الواهية (٣) ".
стр. 205
وأما المتقاضي: فإن الإنسانَ إذا عمل عملًا في السرِّ تقاضاه حتى يتحدث به في العلانية.
وروى مجاهد عن ابن عباس قال: أول دينار وجد في الأرض أخذه إبليس وقبَّله ووضعه على عينيه، وقال: أنت قرة عيني وثمرة فؤادي، لا أبالي بابن آدم، إذا أحبَّك هو عبدي حقًّا. وقد رواه عكرمة عن ابن عباس وقال فيه: فوضع الدينار في يده اليمنى والدرهمَ في اليسرى وقال: سمَّيتكما نَجيحًا ومُنْجِحًا.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل بإسناده عن عبد العزيز بن رفيع قال: بلغني أنه إذا عُرِجَ بروح المؤمن إلى السماء تقول الملائكة: سبحان الله مَن نجَّى هذا العبدَ من الشيطان؟ أو: يا ويحه كيف نجا (١)؟.
حدثنا أبو اليمن الكندي بإسناده عن الحسن قال: جاء إبليس إلى حكيم فقال له: ويحك لِمَ تُضِلُّ الناس؟ فقال له: إلى ها هنا انتهتْ حكمتك؟ وهل أقدرُ على إضلال من خلقه الله سعيدًا؟ قال فبينما هو يحدثه إذ مرّت امرأة بيدها جرَّةُ عسل، فوقعت فانكسرت، فجلس الناسُ يلعقونَ العسلَ ويلعنون إبليس، فقال إبليس للحكيم: انظر إلى جهلهم يأكلون العسل ويلعنونني، فإن نسبوه إلى فعلي كفروا حيث جعلوا الحكم لي، وإن كان فعلَ الله فما ذنبي؟
وبه: قال الحسن: كان عابدٌ في بني إسرائيل جليل القدر في زمان عيسى ﵇، وكان مجتهدًا في العبادة، فاجتهد إبليس أن يفتنهُ فلم يقدر عليه، فجاءه في ليلة كثيرةِ المطر والثلج، فوقف تحت صومعته وناداهُ يا راهبُ، فقال: من أنت؟ فقال: عيسى بن مريم، افتحْ لي، ما ترى هذا البرد؟! فقال: لا حاجةَ لي بلقائك، إنك أمرتنا أن نعبدَ الله وحده ونبالغَ في العبادة وإن موعدنا يوم القيامة، فاذهبْ فلا تشغلني عن العبادة، ولم يفتح له.
وسنذكر من أخبار إبليس طرفًا في قصة آدم ﵇، إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 206
فصل في خلق السماوات والآثار العلويات (١)
أظهر الله سبحانه في السماء دلائل على ربوبيته ووسائل إلى قدرته:
منها: أنه جعلها سقفًا مرفوعًا لتكونَ ظلًّا.
ومنها: أنها بغير عمد تحتها ولا علاقة فوقها.
ومنها: سعتها والنفع بزيادة التصرف فيها وكونها زينةً للناظرين.
ومنها: استواؤها ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ﴾ [الملك: ٣، ٤] بالنظر والاستدلال، وقيل: بالنزهة والاعتبار.
ومنها: لونُها الذي لم يتغير على مرورِ الزمان وتقلُّبِ الحَدَثان، ثم هو أحسنُ الألوان، وأقوى للبصر، وأحدُّ للنظر، والأطباءُ إنما يأمرون بإدمان النظر إلى الخضرة ليقوى البصر. وقيل: هي بيضاء ولكنْ مِن بُعدِها تُرى خضراء.
ومنها: إمساكها بيد القدرة ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١].
ومنها: أنها ظلٌّ لبني آدم لقوله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾ [الطور: ٥].
ومنها: أن الخلقَ يضعونَ الأساسَ أوَّلًا ثم السقفَ بعد ذلك، والله تعالى أفعاله خلاف أفعالِ العباد.
ومنها: أن بناءَ أهلِ الدنيا تحته أوسعُ من الفوق، وبناءُ الله على ضدِّه.
ومنها: أن بناءَ الخلقِ ينهدمُ على طول الأيام، وبناءُ الله تعالى لا ينهدم ولا يتغير ولا يسقط منه شيء.
إذا عرفنا هذا قلنا: قال الجوهري: كل ما علاك فأَظلَّكَ فهو سماء، ومنه قيل: لسقف البيت سماء، ويقال للسحاب: سماء، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] ويسمَّى المطرُ: سماء، قال الشاعر:
стр. 207
إذا نزلَ السماءُ بأرضِ قوم … رَعَيناهُ وإنْ كانُوا غِضَابا
هذا كلام الجوهري (١).
وقال الفراء والزجَّاج: لفظُ السماواتِ واحدٌ ومعناه الجمع، بدليل قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (٢) [البقرة: ٢٩].
وقال أبو حنيفة أحمد بن داود الدِّينوري في "كتاب الأنواء" في السماوات: قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقال في موضع آخر: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] قلت: وما ذكروه من معنى السموّ والارتفاع والمطر وغيره فإنما هو مجاز، أما الحقيقة، فيرادُ به السماءُ المعروفة.
وقد ورد في السماء أخبارٌ وآثار:
قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنِّي أرى ما لا تَرَوْن، وأَسمعُ ما لا تَسْمَعون: أَطَّتِ السماءُ وحُقَّ لها أنْ تَئِطَّ، ما فيها مَوضعُ أربعِ أصابعَ إلا وعليه مَلَكٌ ساجدٌ" (٣).
قال الجوهري: الأطيط: صوتُ الرَّحْلِ والإبل من ثِقَل أحمالها (٤).
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أراد الله خَلْقَ المخلوقات خلق الماء فثار منه دخان، فارتفع فخَلَقَ منه السماء وجعلها سماءٌ واحدة، ثم فتقها فجعلها سبعًا ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] أي ما قَدَّرَ أنْ يكونَ فيها من الملائكة والنجوم وغير ذلك.
وروى عنه عكرمة في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] قال: الفروج: الشقوق وكذا الفطور، قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (٥):
стр. 208
شَقَقْتِ القلبَ ثم ذَرَرْتِ فيه … هواكِ فَلِيمَ فالْتَام الفطورُ
وقال الربيع بن أنس: السماءُ الأولى من مَوج مكفوف، والثانية من صخرة، والثالثة من حديد، والرابعةُ من صُفْر أو نحاس، والخامسةُ من ذهب، والسادسة من فضة، والسابعة من الياقوت الأحمر (١).
وروى الوالبيُّ عن ابن عباس قال: الأولى من زمردة خضراء، والثانية من فضة، والثالثة من ذهب، والرابعة من لؤلؤ، والخامسة من الياقوت، والسادسة من المرجان، والسابعة من النور. قال: وأما سماءُ الدنيا فهي الرقيع، وقال أبو حنيفة الدِّينَوري: الرقيعُ اسمُ علمِ للسماء، وفي الحديث: "من سبعة أرقعة" (٢).
وقال مقاتل: والثانية ركماء، والثالثة جوفاء، والرابعة طرفة، والخامسة أدماء، والسادسة عروبين، والسابعة عروبًا.
فصل في أبوابها
روي عن ابن عباس أنه قال: لها أبوابٌ كثيرة منها بابُ المطر، ومن قوله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١]، وباب الرزق ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]، وباب النزول ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [فصلت: ٣٠] وباب الوحي ﴿بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢]، وباب صعود الأعمال ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
وحكى جدّي في "كتاب التبصرة" وقال: قال أبو الحسين بن المنادي: لا خلاف بين العلماء أن السماءَ على الأرض مثل القبة، وأن العالمَ مثل الكرة، وأنها تدور بما فيه من الكواكب على قطبين ثابتين غير متحركين، أحدهما في ناحية الشمال، والآخر في ناحية الجنوب مطلعَ سهيل، وأن كرةَ الأرضِ مثبتةٌ وسط كرة السماء كالنقطة من
стр. 209
الدائرة، إلى ها هنا ذكر جدي (١).
ورأيت في كتاب ابن المنادي تمامَ هذا الفصل قال: والأرضُ على نَمَطٍ واحدٍ من جميع الجهات، والأفلاكُ تدورُ على محورين وقطبين ثابتين، ومَن كان مسكنه وسط الأرض عند استواء ساعات الليل والنهار رأى المحورين والقطبين، ومَن كان في بلاد الشمال يرى القطبَ الشمالي، ومَن كان في بلاد الجنوب يرى القطبَ الجنوبيَّ (٢).
وقال جالينوس: العالم شبه البيضة، والسماءُ موضعُ القشر، والهواء موضع البياض، والأرض موضع المُخِّ.
فصل
واختلفوا هل الأفلاك هي السماوات أم هي غيرها؟ على قولين: أما مذهبُ الأوائل فإنها هي بعينها، وأما مذهب المتشرعين (٣) فهي غيرها، وقد رواه العوفي عن ابن عباس واحتج بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقال في آية أخرى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣].
وسمِّي الفلَكُ فَلَكًا لاستدارته، ومنه: فَلْكة المغزل، بفتح الفاء لاستدارتها، وأما الفُلْكُ -بالضم- فالسفينة، قال الله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٩].
وقال قوم بانَّ الفَلَكَ هو القطبُ، وليس بشيء، لأن القطبَ لا يزولُ ولا يتغير كما لا يزول قطب الرحى.
فصل
ومذهب جملة المسلمين أنَّ السمواتِ سبع، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [الطلاق: ١٢].
ومذهب الأوائل والمنجمين أنها تسعة أفلاك، فأولها أقربُها إلى الأرض وهو
стр. 210
أصغرها وهو فَلك القمر، ثم الذي يليه فلَك عُطارد، ثم فَلك الزُّهرة، ثم فلَك الشمس، ثم فَلك المِرِّيخ، ثم فلَك المُشْتَري، ثم فلَك زُحَل وهو السابع، والثامن فلك البروج وفيه سائر الكواكب الثابتة، والتاسع الفلك الأعظم الحاكم على جميع الأفلاك وله أسام منها: الأثير، لأنه يؤثِّر في غيره وغير لا يؤثّر فيه، ومنها: القسريُّ، لأنه يدير الأفلاك دورةً قسرية في كلِّ يوم وليلة دورة واحدة، ومنها: فلك الاستواء، ومنها: المستقيم، ومنها: الأطلس، ويزعمون أنه ليس وراءَهُ شيءٌ ولا فيه كوكب ولا غيره، ويدير الأفلاك على القطبين الثابتين الذين ذكرناهما، قالوا: وبينه وبين الأرض خمسون ألف سنة، ويسمى المحيطَ أيضًا، لأنه يُحيط بكلِّ شيء ولا يحيط به شيء.
قال بَطْلَيمُوس: وهو أخفُّ الأفلاكِ وأضوؤها، لأنه منها في جوهره كذلك، ولهذا ارتفع على الكل، قال: والذي من دونه يقال له: فلك البروج، وفلك الأفلاك، لأنه يدور بأفلاك الكواكب، ثم دونه أفلاكُ الكواكب السبعة.
ومنهم من يقول: هي أفلاك كثيرة (١)، وهذه الأفلاك من طبيعةٍ أخرى بخلاف الطبائع الأربع التي بدون فلك القمر من النار والهواء والتراب والماء، لأنها لو كانت من هذه لزمها ما يلزم هذه من الكون والفساد والاستحالة والزيادة والنقصان، فالفلك وما فيه طبيعة خامسة ولم يخبروا عن ماهيَّتها بأكثر من هذا.
وقال بَطْلَيمُوس أيضًا: صورة الفلك وهيئات بروجه على مثال البطيخة المخططة، أعلاها وأسفلها كالنقطتين، وكلّ بيتٍ بين خطين بمنزلة البرج، واتساقُ بروجه على مثال اتساقِ بيوتها وخطوطها.
وقال أفلاطن: الأفلاكُ كهيئة الأُكَرِ، بعضُها فوقَ بعض، والفلك التاسع محيطٌ بجميع الطبائع والمخلوقات، وليس فيه كوكب، وهو يدير الكلَّ من المشرق إلى المغرب كل يوم وليلة دورة واحدة، والأفلاكُ الثمانيةُ تدورُ من المغربِ إلى المشرقِ.
وشبَّهوا ذلك بسفينةٍ تجري مع الماءِ وفيها رَجُل يمشي مُصْعِدًا. ولهم في هذا بحث طويل.
стр. 211
واستدلوا أيضًا على ذلك بأنّ الشمس والقمر يدوران في اليوم والليلة دورةً واحدةً، قال: والبروجُ نصفُ سُدْسِ الفلك، وفلكُ البروج وما فيه من الكواكب يدور على القطبين اللذين ذكرنا غير قطبي الفلك الأعظم، وعرضُ الأرضِ من القطبِ الشمالي إلى القطبِ الجنوبي الذي هو مطلع سهيل في موضع خط الاستواء ثلاث مئة وستون درجة فيكون الجملة تسعة آلاف فرسخ.
قلت: وينبغي أن يكون هذا على وجه التقريب والظنِّ والتخمين لا على وجه القطع واليقين.
ونُقِلَ عن فيثاغورس أنه قال: العالم الأرضيُّ متصلٌ بالعالم السماوي، والفلكُ يتحرك حركةً مستديرة دائمة، فتتحرك الكواكبُ بتحريكه، وحركة الكواكب على هذا العالم تفعل فيه الاستحالة ويحدث فيه الكون والفساد، وفسادُ كلِّ شيء بكون شيء آخر، وأن حركات الكواكب الدائمة توجب الكونَ الطبيعي الدائم، وليس في الحركات حركةٌ تامة غير المستديرة، لأن المتحرك بها لا يسكن لأنه لا نهايةَ لحركتها، بخلاف الحركات المختلفات لأنها غير تامة (١)، ولهم في هذا اصطلاح عجيب. ويقال: إن هذا كلَّه كلامُ أفلاطن لأنه أقام يرصد الأفلاكَ سبعين سنة، وسنذكره في باب الحكمة إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 212
فصل في البروج ومطالعها
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾ [الحجر: ١٦] وقال ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] وقال عزَّ من قائل: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ [البروج: ١]. وقال الجوهري: والبرج واحدُ بروجِ السماء، وبرجُ الحصنِ ركنه، قال: وربما سمي الحصن به، قال الله تعالى: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] هذا كلام الجوهري (١).
وقال الحسن البصري: البروجُ القصورُ، وفي السماء قصورٌ مثل قصور الأرض.
وقال أبو إسحاق الثعلبيّ في تفسير قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ قال: يعني منازلَ الكواكبِ السبعة السيارة، وهي اثنا عشر برجًا: الحمل والثور والجَوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجَدي والدلو (٢) والحوت.
فالحمل والعقرب: بيتا المِرِّيخ، والثور والميزان: بيتا الزُّهرة، والجوزاء (٣) والسنبلة: بيتا عُطارد، والسرطان: بيت القمر، والأسد: بيت الشمس، والقوس والحوت: بيتا المشتري، والجدي والدلو: بيتا زُحل.
قال: فهذه البروجُ مقسومةٌ على الطبائع الأربع، فيكون نصيبُ كلّ واحدٍ منها ثلاثة بروج، وتسمى المثلثات، فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.
قال: واختلف أهل التفسير في معنى البروج، فروي عن عطية العوفي في تفسير الآية قال: هي قصور فيها الحرس (٤)، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾
стр. 213
وقال مجاهد وقتادة: هي النجوم (١). وقال عطاء: هي السُّرُج، وهي أبواب السماء التي تسمى المجرة. هذا كلام الثعلبي.
قلت: وقد نصَّ ابنُ عباس في رواية الوالبي عنه أنها البروج المعروفة التي أشرنا إليها.
وقال أبو حنيفة الدِّينَوري: الناس مُجمِعونَ على أنها اثنا عشر برجًا لا يختلفون في ذلك، وأن الله تعالى قسمها ترابيع وتثاليث، وهي مقسومةٌ على الكواكب السبعة كما ذكرنا، قال الدِّينَوَري: وتسميها كلُّ أمةٍ بلسانها ويتفقون في المعنى، وكلهم يبتدئ بالحمل على الترتيب المذكور.
وقال أبو محمد عبد الجبار المعروف بالخَرَقي في "كتاب التبصرة" (٢) له: فالحَمَلُ ثلاثة عشر كوكبًا، والخارج عن الصورة خمسة كواكب، وصورته صورة كبش مُقَدَّمُهُ إلى جهة المغرب ومؤخره إلى جهة المشرق، وهو ملتفتٌ إلى خلفه حتى صار خَطْمه (٣) على ظهره، ومن كواكبه الشَرَطَين من منازل القمر.
والبرج الثاني: الثور ثلاثة وثلاثون كوكبًا، والخارج عن الصورة أحد عشر كوكبًا، وهو على صورةِ النصفِ المقدَّم من الثور، قد نَكَّسَ رأسَهُ للنَطْحِ، وقد قُطع بنصفين، على سرته، مقدَّمُه إلى المشرق ومؤخَرُه إلى المغرب، من كواكبه الثريا والدَّبَران وهما من منازل القمر.
والبرجُ الثالث: التوأمان، وبعرف بالجوزاء: ثمانية عشر كوكبًا، والخارج عن الصورة سبعة كواكب، وصورته صورة صبيين قائمين واحدهما قد وضع يده على منكب الآخر، ورأسهما وسائر كواكبهما في الشمال والمشرق على طرف المجرة، وأرجلهما إلى المغرب.
стр. 214
والبرج الرابع: السَّرطان سبعة كواكب، والخارج عن الصورة أربعة كواكب، مقدَّمُه إلى ناحية المشرق، ومؤخره إلى المغرب والجنوب على أثر التوأمين فإنهما مائلان إلى الجنوب في نفس المجرة.
والبرج الخامس: الأسد سبعة وعشرون كوكبًا، والخارجُ عن الصورة ثمانيةُ كواكب، وصورته تامة ومن كواكبه قلبُ الأسد كوكب نيِّر.
والبرج السادس: السُّنبُلة، ويعرف بالعذراء: ستة وعشرون كوكبًا، والخارج عن الصورة ستة كواكب، وصورتها صورةُ جاريةٍ ذات جناحين قد أرسلت ذيلها، ورأسها على الصَّرْفة: وهي كوكب نيِّر، ومن كواكبها السِّماكُ الأعزل كوكب نيِّر على كتفها الأيسر.
والبرج السابع: الميزان ثمانية كواكب وصورته كاسمه، والخارج عن الصورة تسعة كواكب.
والبرج الثامن: العقرب أحد وعشرون كوكبًا، والخارج عن الصورة ثلاثة كواكب، وصورتها تامة، ومن كواكبها قلب العقرب، كوكب نيِّر.
والبرج التاسع: القوس ويسمى الرامي، أحد وثلاثون كوكبًا خلف كواكب العقرب، وصورته صورة حيوان تركَبَ من إنسان وفرس كأنه جسد دابَّة إلى العنق، ثم يبرز من مغرز العنق نصفُ رجل قد وضع السهمَ في قوسه وأَغْرَقَ في النزع.
والبرج العاشر: الجدي ثمانية وعشرون كوكبًا، وهو على النصف على صورة النصف المقدم من جدي، والثاني من مؤخر سمكة إلى ذنبها.
والبرج الحادي عشر: الدَّلو، يعرف بساكب الماء: اثنان وأربعون كوكبًا، الخارج عن الصورة ثلاثة كواكب، وصورته صورة رجل قائم مادِّ اليدين بأحدهما كوزٌ قد قلبه وانصبَّ الماء إلى مقام رجليه وجرى الماء من تحتها إلى الجنوب، ويسمى الدالي (١) أيضًا.
والبرج الثاني عشر: الحُوت أربعة وثلاثون كوكبًا، والخارج عن الصورة أربعة
стр. 215
كواكب، وصورته صورة سمكتين قد وُصِلَ ذنبُ إحداهما بذنبِ الأخرى بخيط يسمى خيط الكَتَّان.
قال الخَرَقي: فجملةُ هذه الكواكب ثلاث مئة، وفي قول عنه: أنها ثلاث مئة وأربعون كوكبًا.
قلت: وقد ذكر الجوهري هذه البروج وأخلَّ بالبعض، فقال: الحَمَلُ: أول البروج (١). والثَّور: برج في السماء (٢). والجوزاء: نجم يقال إنها تعترض في جوز السماء، أي: وسطها، وجوز كلِّ شيء وسطه (٣). قال: والسَّرطان برج في السماء (٤).
ولم يذكر الأسد، قال: والسُّنبُلة برج في السماء (٥). ولم يذكر الميزان. قال: والعقرب: برج في السماء (٦). وكذا القوس (٧) والجدي والدلو (٨) والحوت (٩)، قال: والجدي نجم إلى جانب القطب تعرف به القبلة (١٠). ولم يتعرض الجوهري لعدد الكواكب وصورها.
فصل في ما لكلِّ برج من البلدان
قال علماء الهيئة: للحَمَل بابل وفارس وأَذْرَبِيجان، وللثور: هَمَذَان والأكراد، وللجوزاء: جُرجان وكِيلان (١١) ومُوْقان، وللسرطان: الصين وشوقي خُراسان،