← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

فقالت له عائشة: لكنك لستَ كذلك، فقلتُ لها: أَتأذنين لهذا أَن يدخُلَ عليك وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١] فقالت: وأيُّ عذابٍ أَشدُّ من العمى، أليس قد ذهب بصره وكَسَعَ (١). وهذا البيت من أبياتٍ يعتذر بها حسان إلى عائشة هو أولها، وبعده (٢): [من الطويل] حَليلَةُ خيرِ النَّاس دُنيا ومَنصِبا … نبيُّ الهُدى والمَكْرُماتِ الفَواضِلِ (٣) عقيلةُ حيٍّ من لؤيِّ بن غالبٍ … كرامِ المساعي مجدُهم غيرُ زائلِ مهذَّبةٌ قد طيَّب الله ذكرها … وطهَّرها من كل شرٍّ وباطلِ (٤) فإن كان ما قد قيل عَنِّيَ قلتُه … فلا رفَعَت سوطي إليَّ أناملي وإن الذي قد قيل ليس بلائطٍ … بكِ الدهرَ، بل قولُ امرئٍ بيَ ماحِلِ (٥) وكيف ووُدّي ما حَيِيتُ ونُصرتي … لآل رسولِ الله زَيْنِ المحافلِ له رُتَبٌ يعلو على الناسِ فضلُها … تُقَصِّرُ عنها سَوْرَةُ المتطاولِ (٦) فقالت عائشة رضوان الله عليها لمسروقٍ: إِنه كان يُنافح عن رسول الله ﷺ . وقالت: ما سمعت أحسن من قول حسان، وما تمثَّل به إلا رجوت له الجنة، فإنه هو القائل لأبي سفيان (٧): [من الوافر] هَجوتَ محمدًا فأَجبتُ عنه … وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ

стр. 1507

فإنَّ أبي ووالدَتي وعرضي … لعِرْضِ محمَّدٍ منكم وِقاءُ أتشتُمُهُ ولستَ له بكفءٍ … فَشرُّكُما لخيرِكُما الفِداءُ وقال الزهري: قال لي الوليد بن عبد الملك: أَبَلَغَكَ أن عليًّا كان فيمن قذف عائشة؟ فقلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن عائشة قالت لهما: إنَّ عليًّا كان مُسلَّمًا في شأنها (١). وقال الزهري: كتب إليَّ الوليد بن عبد الملك: الذي تولى كِبْرَه منهم علي بن أبي طالب. قال: فكتبت إليه: حدثني سعيد بن المسيب، وعروة، وعلقمة وعبيد الله بن مسعود كلهم يحدث عن عائشة، أن الذي تولى كِبْرَه منهم عبد الله بن أبي (٢). وقالت امرأةُ أبي أيوب الأنصاري لأبي أيوب: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ فقال: سبحانكَ، هذا بهتان عظيم، ثم قال: يا أم أيوب، لو كنتِ بدلَ عائشة أكنتِ تفعلينه؟ فقالت: لا والله. فقال: فعائشة والله خيرٌ مِنْكِ وأَطْهرُ (٣). وقال الواقدي: غاب رسول الله ﷺ في هذه الغزاة ثمانية وعشرين يومًا، وقدم المدينةَ لهلال رمضان (٤). وفيها: تزوج رسول الله ﷺ بزينبَ بنت جَحْش في ذي القعدة، في قول الواقدي (٥). والأصح أنه تزوجها قبل حديث الإفك (٦)، لِما رَوينا عن عائشة أنها قالت: وهي التي كانت تُساميني، ولقولها: وذلك بعد ضرب الحجاب، والحجاب إنما ضُرِب في تزويجه ﷺ بزينب بنت جحش بن رِئاب بن يَعْمَر بن صَبِرةَ بن مرة، من بني أسد بن خُزَيْمةَ، وأمها أمَيْمَةُ بنت عبد المطلب عمةُ رسول الله ﷺ .

стр. 1508

قال ابن عباس: خطب رسول الله ﷺ زينب من أخيها عبدِ الله بن جحشٍ على زيد ابن حارثةَ مولاه، وكان قد تبناه، فكان زيد مولى في الإِسلام، غريبًا في الجاهلية، فلما خطبها رسول الله ﷺ لنفسه أجابت، فلما علمت أنه خطبها لزيد أنكرت وأبت وقالت: أنا بنت عمتك، تزوجني مولىً لا أرضاه. وأبى أخوها عبد الله ذلك، وكانت بيضاءَ جميلة فيها حِدَّةٌ، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فقالت: رضيت. وجعلت أمرها بيد رسول الله ﷺ ، وفعل أخوها كذلك، فزوَّجها زيدًا وساق إليها عشرة دنانير وستين درهمًا ودرعًا وخمارًا ومِلْحَفَةً وإزارًا، وخمسين مُدًّا من طعام، وثلاثين صاعًا من تمر، فأقامت عند زيد حينًا، فقال له رسول الله ﷺ : "هل رابك منها شيء؟ " قال: هي سيئة الخلق، وتتعظَّمُ علي بشرفها، وتؤذيني بلسانها. وكان رسول الله ﷺ لا يصبر عن زيدٍ ساعة، فغاب عنه يومًا فجاء إلى بيته يطلبه فلم يجدْه، وقامت إليه زينب فقالت: ليس ها هنا، فادخلْ، فداك أبي وأمي. وعَجِلت زينب أن تلبس ثوبها لمّا قيل لها رسول الله ﷺ على الباب، فوثبت عَجِلَةً فأَعْجبتْ رسولَ الله ﷺ ، فولى يُهَمْهِمُ بشيء لم يُفْهَمْ منه إلا "سبحان مُقَلَّبِ القلوبِ أو مصرَّفِ القلوب … " وجاء زيدٌ إلى بيته فأخبرته زينبُ بما كان، فقال: هلَّا عرضتِ عليه الدخول؟ قالت: قد فعلت وأبى. قال: فهل قال شيئًا؟ قالت: نعم، قال كذا وكذا. فجاء زيد إليه فقال: يا رسول الله، بلغني أنك جئت إلى منزلي فهلّا دخلت؟ لعل زينب أعجبتك، أأُفارقها؟ فقال له: "أَمسكْ عَليكَ زَوجَكَ". فما استطاع زيد إليها سبيلًا بعد ذلك اليوم، ففارقها واعتزلها. فبينا رسولُ الله ﷺ عند عائشة إذْ أخذته غَشيةٌ فأفاق، ثم قال: "من يذهبُ إلى زينب فيبشَّرها، أن الله قد زَوَّجنيها من السماء، ثم قرأ ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الآيات (١).

стр. 1509

قال ابن عباس: فلو كتم رسول الله ﷺ شيئًا لكتم هذه الآية: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] (١). قال ابن مسعود: ما نزل على رسول الله ﷺ آيةٌ أشدُّ عليه منها. ولما تزوجها رسول الله ﷺ قال المنافقون: أيتزوجُ الرجلُ زوجةَ ابنه؟ فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٢) [الأحزاب: ٤٠]، وما كانوا يدعون زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ، إنما كانوا يدعونه زيد بن محمَّد، حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (٣) [الأحزاب: ٥]. قالت عائشة: فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُد لِما أَعْلَمُ مِن جمالها، وأخرى وهي أعظم الأمور، وهي: أن الله زَوَّجها، فكانت تَفْخَر علينا بذلك، وخرجت سَلْمى خادم رسول الله ﷺ فبشرتها بذلك فأعطتها أوضاحًا كانت عليها (٤). وقال أنس: لما انقضت عِدَّةُ زينب بنت جحش قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: "اذهَبْ فَاذكُرني لها". قال زيد: فلمّا قال لي ذلك عَظُمت في عيني أو في نفسي، فذهبت إليها فجعلت ظهري إلى الباب وقلت: يا زينب، إن رسول الله ﷺ يذكُرُكِ، وقد بعث بي إليك. فقالت: ما كُنْتُ لأُحدِثَ شيئًا حتى أُؤامر ربي. فقامت إلى مسجدها، وأنزل الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن. انفرد بإخراجه مسلم (٥). ومن حديث أنس قال: وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حتى أنزل الله، وكان أول ما نزل في مُبْتنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، أصبح رسول الله ﷺ بها عروسًا، فدعا القوم فأصابوا من الطعام، ثم خرجوا وبقي رَهْطٌ منهم عند النبي ﷺ فأطالوا المُكْثَ، فقام وخرج وخرجتُ معه لكي يخرجوا، فمشى ومشيتُ معه حتى جاء

стр. 1510

إلى عَتَبَةِ حُجْرةِ عائشة، وظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه حتى إذا دخلَ على زينب فإذا هم جلوسٌ لم يقوموا، فرجعَ ورجعتُ معه، حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة وظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا فَضُرِبَ بيني وبينه السترُ وأُنزل الحِجابُ. أخرجاه في "الصحيحين" (١). وفيه: فلم أر رسول الله ﷺ أولم على امرأة من نسائه ما أوْلَم على زينب، فإنه ذبح شاة وأطعم خبزًا ولحمًا (٢). * * * وفي هذه السنة كانت غزاة الخندق (٣) - وهي غزاة الأحزاب - في شوال، وقيل: في ذي القعدة. وسبب هذه الغَزاةِ: أن رسولَ الله ﷺ لما أجْلى بني النضير عن ديارهم، خرج سلَّامُ بن أبي الحُقَيْق، وحُيَيَّ بن أخْطَب، وكِنانةُ بن الربيع، في نفر من اليهود، فقَدِموا مكة ودَعَوْا قريشًا إلى حربِ رسولِ الله ﷺ ، وقالوا: نحن معكم حتى نستَأْصِلَ شأن هذا الرجل. فقالت لهم قريشٌ: أَنتم أصحاب كتابٍ وعلمٍ، أَدينُنا خيرٌ أم دينُ محمَّد؟ فقالوا: دينُكم، وأنتم أَوْلى بالحق منه، فَسَرَّ قُرَيْشًا ذلك، ونَشِطوا لحرب رسول الله ﷺ ، واتفقوا معهم على ذلك، وأرسل أبو سفيان إلى القبائل، فجاؤوا إليه من كل وجه، وجَمعَ الأَحابيشَ، وانضمت إليه أَسَد وغَطَفان وغيرُهم، فعقدوا اللواء في دار الندوة، وحمله عثمان بن أبي طلحة، وساروا في عشرة آلاف، ومعهم ثلاث مئة فرس، وألفَا بعيرٍ، وقيل: وخمس مئة، وأربعة آلاف دارع، ووافاهم عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ في أُلوفٍ من غَطَفانَ وفَزارةَ. ولما نزل أبو سفيان مَرَّ الظهران، وافته سُلَيْمٌ في سبع مئة رجل عليهم سفيان بن عبد شمس السُّلَمي أبو أبي الأعور الذي كان مع معاوية بِصِفِّين، وكان سفيان حليفًا لأبي

стр. 1511

سفيان بن حرب، وجاءت بنو أسد يقودها طُليحة بن خُوَيْلد الأسدي في ألف، وجاءت أشجع في أربع مئة يقودهم مسعود بن رُخَيْلة، وجاءت بنو مُرَّةَ في أربع مئة يقودها الحارث بن عوف، ووافاهم جميع اليهود فصاروا عشرين ألفًا. وبلغ رسولَ الله ﷺ ، فأشار عليه سلمان بحفر الخندق وقال: هو عندنا في بلاد فارس. وأشار أيضًا بعمل المِنْجَنيق وقال: إنه يعمل عندنا بفارس يدفع العدو. وسلمان يومئذ حر (١). وقال الواقدي: هذا أول مشهد شهده (٢). وخط رسول الله ﷺ الخندق من أُطُم الشيخين، طَرفِ بني حارثة إلى المَذادِ، وجعل كلَّ أربعين ذراعًا بين عشرة (٣). وخرج رسول الله ﷺ في ثلاثة آلاف من المسلمين نزلوا قريبًا من سَلْعٍ جعلوه وراء ظهورهم، والخندق بينهم وبين الكفار. واستخلف على المدينة ابنَ أُمَّ مَكْتوم، وأَمَر رسول الله ﷺ بالذراري والنساء والضُّعفاء، فَرُفِعُوا في الآطام. قال: وخرج يوم الاثنين لثمانِ ليالٍ مَضَيْنَ من ذي القعدة، وحمل لواءه زيد بن حارثة، وحمل لواءَ الأنصارِ سعدُ بن عبادة، وصار المسجد والبنيان وراءَ الخندق، ورتَّب على المدينةِ الحرسَ، فيهم: سلمةُ بن أسلم، وزيد بن حارثه، وجَعلَ شِعارَ المسلمين "حم لا ينصرون". قال ابن إسحاق: فبينمَا هم على ذلك إذ طلعت طلائع الأحزاب، فقال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (٤) [الأحزاب: ٢٢]. وأقبل أبو سفيان في قريش، فنزل بمُجْتَمعِ الأسيال بين الجرفِ

стр. 1512

والغابةِ (١) في عشرة آلاف، وجاءت غَطفان وأهل نجد فنزلوا بِذَنَبِ نَقَمَى إلى طرف أُحد، وأحدق باقي القبائل بالمدينة، وأبطأ على رسول الله ﷺ جماعة من المسلمين، وجعلوا يتسللون إلى أهاليهم. وكان جُعيلٌ عمل مع جماعة فسماه رسول الله ﷺ عمرًا (٢). وكان سلمانُ رجلًا قويًا، فاختصم فيه المهاجرون والأنصار، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا، فقال رسول الله ﷺ : "سلمانُ مِنّا أهلَ البيت" (٣). قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان، وحُذَيفة بن اليَمان، والنعمان بن مُقْرِّن المُزَني، وستة من الأنصار في أربعين ذراعًا، قال حذيفة: فظهرت علينا في الخندق صخرةٌ كسرت مَعاوِلنا، فأتى سلمانُ إلى رسول الله ﷺ وهو على جانب الخندق فأخبره بها، فقام ونزل إلى الخندق وضربها فانصدعت، وبرق منها بَرْقَةٌ أضاءت منها ما بين لابتيها - يعني المدينة - حتى كأنها مصباح، وكبَّر رسول الله ﷺ ، ثم ضربها ثانيًا وثالثًا وهي تَبْرُقُ كذلك، فسأله سلمان فقال: "أَمَّا في البَرقَةِ الأُولى: فإنِّي رَأَيتُ منها قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدائنَ كِسْرَى، كأَنَّها أَنْيَابُ الكلَابِ، فأَخبرَني جبريلُ ﵇ أنَّ أُمَّتي سَتَظهرُ عَليها، وأَمَّا في الثَّانية: فأَضاءَتْ لي القُصُورُ الحُمْرُ من أَرضِ الشَّامِ والرُّومِ، وأَخبرَني جبريلُ أنَّ أُمَّتي سَتَظهرُ عليها، وأمَّا في الثَّالثة: فَأَضَاءتْ لي قُصُورُ صَنْعَاءَ، وأَخبرني جبريلُ أنَّ أُمَّتي سَتَظهرُ عليها". فاستبشر المسلمون، فقال المنافقون: يا عجبًا، أيمنِّيكم الباطلَ، يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة، ومدائن صنعاء والشام، وأنها ستُفْتَحُ لكم وأنتم تحفِرون الخندق، ولا تستطيعون أن تخرجوا من المدينة! وأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ (٤) [الأحزاب: ١٢].

стр. 1513

فكان أبو هريرة يقول لما فتحت هذه الأمصار في زمن عُمَر وما بعده: افتحوا ما بدا لكم فوالذي نفسُ أبي هريرة بيده ما فتحتم مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلاّ وقد أعطي محمدٌ ﷺ مفاتيحَها (١). وقال جابر: مكث النبي ﷺ وأصحابه وهم يحفرون الخندق ثلاثًا لم يذوقوا طعامًا، فقالوا: يا رسول الله، إن ها هنا كُدْيَةً مَن الجبل، فقال رسول الله ﷺ : "رُشُّوهَا بالمَاءِ"، فرشوها، ثم جاء النبي ﷺ فأخذ المِعْوَل والمِسْحاة، ثم قال: "بِسْمِ اللهِ"، وضرب ثلاثًا فَصارت كثيبًا مُهالًا. قال جابر: فحانت مني التفاتة، فإذا رسول الله ﷺ قد شد على بطنه حجرًا. أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وقال البراء بن عازب: رأيت رسولَ الله ﷺ ينقلُ معنا التراب ويقول: واللهِ لولا اللهُ ما اهتدَيْنا … ولا تصدَّقْنا ولا صَلَّيْنا فأَنْزِلَنْ سَكينةً علَيْنا … وثبِّتِ الأقدامَ إن لاقَيْنا والمُشرِكونَ قد بَغَوا علينا … إذا أرادوا فتنةً أبينا يرفع صوته وقد وارى التراب بياضَ إبطيه. أخرجاه في "الصحيحين" (٣)، والأبيات لعبد الله بن رواحة. قال أنس: وكانوا يُؤْتَوْنَ بملء كَفًّ من شعير، فَيُصْنَعُ لهم بإهالَةٍ سَنِخةٍ، ويوضع بين أيديهم والقوم جياعٌ وهي بشِعَةٌ في الحَلْق ولها ريح منكرة. انفرد بإخراجه البخاري (٤). ولما استقر نزول الكفار على المدينة، خرج حُيَيُّ بنُ أَخْطَب إلى كعب بن أسد صاحبِ عَقْدِ بني قريظة، وكان كعب قد وادع رسول الله ﷺ على قومه، وعاهده أن لا يُعينَ عليه، فلما علم كعب بمجيء حيي، أغلق باب الحصين دونه، فناداه: يا كعب،

стр. 1514

افتح لي. فقال: لا أفتح لك، إنك امرؤ مَشؤوم، وقد عاهدتُ محمدًا فلم أرَ منه غيرَ الوفاءِ والصدقِ، فلستُ بناقضٍ ما بيني وبينه، فقال: ويحك افتح الباب، فقال: ما أنا بفاعل، فقال: والله ما أغلقتَ بابَك دوني إلا خوفًا على جَشيشتك (١) لئلا آكلَ مَعك منها، فأَحْفَظَ ذلك كعبًا ففتح له الباب، فدخل وقال: يا كعب قد جئتك بعِزِّ الأبد وببحرٍ طام: أبي سفيان في قريش، والأحابيش، وقبائل العرب، فأنزلْتُهم حولَ المدينة في عشرين ألفًا، وعاهدتهم أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدًا وأصحابه، فقال له كعب: جئتني بذل الدهر، وجَهامٍ (٢) قد أُهريقَ ماؤه، ورعد وبرق ليس فيه مطر، فَدَعْني وما أنا عليه مع محمَّد، فلم أر منه ما أكره، فلم يزل بكعب يفتله في الذِّرْوَةِ والغارب (٣) حتى سمح له بنقض العهد الذي كان بينه وبين رسول الله ﷺ ، وأنه إن رجعت قريش وغَطَفانُ، ولم يصيبوا من محمَّد شيئًا أنه يدخل معه حصنه فيصيبَه ما أصابه. ولما بلغ النبي ﷺ ذلك، ندب جماعة من أصحابه منهم: سعد بن عبادة، وعبد الله ابن رواحة، وخوّاتُ بن جُبَير، وقال: "انطلقوا إلى قريظة، واعْلَموا لنا عِلْمَها فإن كان حقًّا فالْحَنوا لَحْنًا ولا تفشوه، فَتَفُتُّوا في أعضاد الناس وإن كان كعب على الوفاء فأذيعوه". فخرج إليهم، فإذا هم أبلغ مِمّا بلغه عنهم، فعادوا وأخبروا رسول الله ﷺ ، فقال: "حسبنا الله ونعم الوكيل" (٤). واشتد الحصار على المسلمين، وجاؤوهم من فوقهم ومن أسفلَ منهم حتى ظن المؤمنون الظنونَ، ونَجمَ النفاقُ وتحدث المنافقون، وقال معتِّب أخو بني عمرو بن عوف: يَعِدُنا محمدٌ أن نأكل كنوزَ كِسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط (٥).

стр. 1515

وقال أوسُ بن قَيْظي أحد بني حارثة: يا رسولَ الله، إن بيوتنا عورةٌ - أي خالية -، فَأْذَنْ لنا أن نرجع إلى ديارنا فإنها خارجَ المدينة. وكان ذلك عن رأي رجال من قومه المنافقين (١). فلم يأذن لهم وأقاموا محاصَرين بضعًا وعشرين، ولم يكن بينهم قتال إلا الرميُ بالنبل يتناوبون عليهم. قال أنس: لما اشتد القتال جاءهم أبو سفيان بن حرب، وخالد بن الوليد، وعكرمة ابن أبي جهل، وعمرو بن العاص، وضرار بن الخطاب الفهري، ووجوه القبائل والأحابيش، واستمر القتال بينهم عامَّةَ النهار، وفاتَ رسولَ الله ﷺ أربعُ صلوات، فلما رجع الناسُ إلى منازلهم، أمر بلالًا فأذَّنَ وأقام لكل صلاة (٢). ولما طال الأمر، كتب أبو سفيان إلى النبي ﷺ : باسمك اللهمَّ أحلف باللات والعُزَّى، وإساف ونائلة وهُبَل، لقد سِرْتُ إليك لأستأصِلَكَ وأصحابَك، فرأيتُك قد اعتصمتَ بمكيدة ما كانت العرب تعرفها، وإنما تَعرفُ ظِلَّ رماحها وشبا سُيوفها، وما فعلتَ هذا إلا فرارًا من سيوفنا ولقائنا، وإن لك مني يومًا كيوم أُحدٍ والسلام. وبعث بالكتاب مع أبي أسامة الجُشَمي، وأراد بالمكيدة الخندق، فقرأه أبي بن كعب على رسول الله ﷺ ، فأمره أن يكتب جوابه، فكتب: "بسم اللهِ الرَّحمن الرَّحيم، من محمدٍ رَسول الله إلى صَخرِ بن حربٍ، أما بعد، فقد أتاني كتابك يا أحمقَ بني [غالب] وسفيهَهم، وقديما غرك بالله الغرور، وسيحولُ الله بينكَ وبينَ ما حَاولتَ، ويجعلُ لنا العاقِبةَ، ولَيأتينَّ عليكَ يومٌ أكسِرُ فيه اللاَّت والعُزَّى، وإسافَ ونَائلةَ، وهبلَ، والسلام (٣) ". ولما اشتد الحصارُ على الناس، بعث رسول الله ﷺ إلى عُيَيْنَةَ بنِ حِصْن، والحارثِ ابنِ عَوْفٍ بن أَبي حارثة المُرِّي (٤)، وهما قائدا غطفان، فصالحهما على أن يعطيَهما

стр. 1516

ثُلُثَ ثمار المدينة، ويرجعا بمن معهما. فأجابا وكتب بينهما كتاب الصُّلح، ولم يبق إلا الإشْهادُ. فاستشار رسول الله ﷺ سعدَ بن معاذ وسعدَ بن عبادة في ذلك، فقالا: يا رسول الله، آلله أمرك بهذا أم رأيٌ رأيتَ من عندك؟ فقال: "لَو أَمَرني اللهُ ما شَاوَرتُكُما، ولكنْ رأيتُ العربَ قد رَمَتكُم عن قَوسٍ واحدَةٍ، وكَالَبُوكُم من كلِّ جانبٍ، فأردتُ أن أكسِرَ شَوكَتَهم عنكم". فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وإياهم على شِرْكٍ وعبادةِ أوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يَطْمعون أن يأكلوا منها تمرة واحدة إلا قِرىً أو بيعًا، فحين أكرمنا الله بالإِسلام، وأعزَّنا بك نعطيهم أموالنا، والله ما نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال رسول الله ﷺ : "أَنتُم وذَاكَ". فتناول سعد الكتاب فَمحاه وقال: ليَجْهَدوا علينا جهدهم. وكان عيينة بن حصن والحارث بن عوف قد جاءا مُستخفيين من أبي سفيان ليشهدوا الصلح، فمد عيينة بن حصن رجليه بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال له أسيد بن حضير: يا عينَ الهِجْرِسِ (١)، اقبضْ رِجلَيْكَ عن رسول الله ﷺ ، وإلا أخذت الذي فيه عيناك، والله لا نُعطيكم إلا السيف، والله يا رسول الله إن كانوا ليأكلون العِلْهِزَ من الجَهْد، وما طمعوا بهذا. فقاما وهما يقولان: والله لا نُدْرِكُ من هؤلاء شيئًا (٢). وكان فوارسُ من قريش يقاتلون ويترامَون منهم: عَمرو بن عَبد وُدّ بن أبي قيس أخو بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهُبَيْرَةُ بن أبي وهب، ونوفل بن عبد الله، وضِرار بن الخطاب الفِهْري، ومِرْداسُ (٣) من بني محارب بن فِهْر، وغيرُهم قد لبسوا للقتال، فجاؤوا يومًا للقتال مشاة وركبانًا، فوقفوا على الخندق، فلما تأملوه عجبوا وقالوا: مكيدة ما كانت العرب تعرفها، فقال بعضهم: مع محمَّد رجل من فارس يدلُّه على مثل هذا، يعنون سلمان الفارسي. ثم قصدوا مكانًا ضَيِّقًا من الخندق فاقتحموه، وجالت خَيْلُهم في السَّبْخَةِ بين

стр. 1517

الخندق وسَلْع، وأقبل علي بن أبي طالب ﵁ في نفر من الصحابة ﵃، فأخذ عليهم الثُّغْرة التي اقتحموها وأقبلتِ الفرسانُ تُعْنِقُ نحوهم (١). ذكرُ مَقْتَلِ عمرو بن عبد وُدّ: قال الواقدي: لم يشهد عمرو أحدًا، وإنما قاتل يوم بدر قتالًا شديدًا، فأُثخِنَ بالجِراحات وهرب إلى مكة، فلما كان يومُ الخندق خرج مُعْلمًا ليُرى مكانه، وهو يومئذ ابنُ سبعين سنةً، وكان يُعَدُّ بأَلْفِ مقاتل، فدعا إلى البِراز، فلم يبرز إليه أحد، فقال رسول الله ﷺ : "مَن لهُ"؟ فقال علي بن أبي طالب ﵁ وكرَّم وجهه: أنا، فعمَّمه بيده وأعطاه سيفه ذو الفقار، فبرز إليه وناداه: يا عمرو، إنك عاهدت الله أن لا يدعوك رجل من قريش إلى خَطْبَيْن (٢) إلا أجبته إلى أحدهما. قال: أجل. قال: فإني أدعوك إلى الله ورسوله والإِسلام. فقال: لا حاجة لي في ذلك. قال: فأنا أدعوك إلى البراز. فعرفه، فقال: ولم يا ابن أخي فوالله ما أُحِبُّ أن أَقْتُلَكَ. فقال علي ﵁ وأرضاه: ولكني أُحِب أن أقتلك. وناداه رسول الله ﷺ : تقدم على اسم الله. فعند ذلك غضب عمرو وأنشد: [من مجزوء الكامل] ولقد بُحِحْتُ من النِّدا … ءِ لجمعِهم هَل مِن مُبارِزْ وَوَقفتُ إذ جَبُنَ الشُّجا … عُ توقُّفَ البَطلِ المناجِزْ إنَّي كذلِكَ لم أَزلْ … متسرِّعًا نحو الهَزاهِزْ إنَّ الشجاعةَ في الفتى … والجودَ من خير الغرائز فأجابه عليٌّ رضوان الله عليه: [من مجزوء الكامل] لا تعجلنَّ فقد أَتا … كَ مُجيبُ صوتِك غيرُ عاجزْ ذو نيَّةٍ وبَصيرةٍ … والصَّدقُ منجى كلَّ فائزْ إنَّي لأَرجو أَن أُقيـ … ـمَ عليكَ نائحةَ الجنائزْ مِن ضَربةٍ فوهاءَ يَبْـ … ـقَى ذكرُها عند الهزاهزْ

стр. 1518

وفي رواية: فقال له عمرو: فارجع فإنك شاب. فأغلظ له علي ﵁ في القول، فغضب وعَرْقَبَ فرسه. ثم تجاولا ساعةً وثار بينهما الغبار، فانجلى عن عمرو وهو قتيلٌ، اختلفا ضربتين سبقه علي ﵁ ففلق رأسه، ويقال: أن عمرًا جَرح عليًا ﵇ في رأسه، ولما قَطع يَدَ عَمروٍ انقضَّتْ عُقابٌ فأخذت كفه وفي خِنْصَرِه خاتمُه، فحملتِ الخِنْصَر وطارت إلى مكة فألقته فعرفته أُختُه، فقالت: قتل أخي. فلما عاد أبو سفيانَ إلى مكةَ، قالت: من قتلَ أخي؟ قالوا: علي بن أبي طالب، فقالت (١): [من البسيط] لو كان قاتلُ عمروٍ غَيْرَ قاتِلهِ … لطال حزني عليه آخر الأبدِ لكنَّ قاتلَه مَنْ لا يُقادُ به … من كان يُدْعى أبوه بيضةَ البلدِ ولما قُتِلَ عمرو ولَّت خيولُ أهله وأصحابه خارجةً من الخندق منهزمة، وقتل معه رجلان: مُنَبَّه بنُ غَنم بن عبيد بن السبّاق بن عبد الدار، أصابه سهم فأثْخَنه فمات بمكَّةَ منه، ومن بني مخزوم نَوْفل بن عبد الله بنِ المُغيرة، وكان ممن اقتحم الخندق، فرمَوْه بالحجارةِ وقد تورّط فيه فنادى: يا معاشر العرب، قِتْلَةٌ أحسنُ من هذه. فقتله علي رضوانُ الله عليه، وقيل: الزبير رضوان الله عليه. فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ ليبيعَهم جُثَّته، فقال: "لا حاجَةَ لنا في جِيفَتِهِ ولا في ثَمَنِهِ، فإنَّه خبيثٌ، خُذوه". فأخذوه (٢). وقال ابن إسحاق: وكانت عائشة رضوانُ الله عليها وأمُّ سعدِ بن معاذ ﵁ في أُطُمٍ من آطامِ بني حارثة، فمر سعدُ بن معاذ وعليه دِرْعٌ مُقَلَّصة قد خرج منها ذِراعُه وهو يقول: [من الرجز] لبِّثْ قليلاً يشهدِ الهيجا حَمَلْ … لا بأسَ بالموتِ إذا جاءَ الأَجَلْ قالت عائشة: فقلت: يا أمَّ سَعْد، وَدِدْتُ أن دِرْعَ سَعْدٍ أسبغُ مما هي، فإني أخاف عليه. قالت: فرماه حِبّان بن قيس بن العَرِقَة بسهم فقطع أكحله، وقال: خُذْها وأنا ابن العَرِقَةِ، فقال سعد ﵁: عَرَّقَ الله وَجْهَكَ في النار، اللهمَّ إن كنتَ أَبقيتَ من حَرْبِ

стр. 1519

قريش شيئًا فأبقني لها فإنه لا قومَ أحبُّ إلي أن أجاهدَهم من قومٍ كذَّبوا رسولَك، وآذَوْه، وأخرجوه، اللهمَّ ولا تُمِتْني حتى تُقِرَّ عَيْني من بني قريظة، واجعله لي شهادة (١). وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية. قالت عائشة ﵂: واقتحمتُ حَديقةً فيها نفرٌ من المسلمين، فيهم عمر بن الخطاب ﵁، وفيهم رجل عليه تَسْبِغَةٌ لا يُرى منه إلا عيناه، والتسبغة: المِغْفر. فقال لي عمر: إنك لجريئةٌ ما جاء بك؟ وما يدريك لعله يكون تحوُّزٌ أو بلاءٌ. فوالله ما زال يلومُني حتى وَدِدْتُ أن الأرض انشقت ساعتئذٍ فدخلت فيها، فكشف الرجل عن وجهه فإذا هو طلحة بن عُبَيْد الله، فقال لعمر: ويحك يا عمر، قد أكثرتَ، فأين الفرار؟ أين التحوُّزُ إِلا إلى الله تعالى (٢)؟ وقال عبدُ الله بن كعبِ بن مالك: ما أصاب سَعْدًا يومئذٍ إلا أبو أُسامةَ الجُشَمي، حليفُ بني مخزوم، رماه بالسهم في أكحله (٣). حديث نُعَيْم بن مسعود الغطفاني: قال علماءُ السَّيَرِ: كان نُعيمُ بنُ مسعودٍ صديقًا لبني قُريظة، نديمًا لكعب بن أسد يَقْدمُ عليه فيكرمُه ويُزَوَّدُه من التمر، فلما اشتد الأمر برسول الله ﷺ والمسلمين، قال نُعَيْمٌ: فأوقع الله الإِسلام في قلبي، فكتمت قومي ذلك، وأتيتُ رسولَ الله ﷺ ليلًا، فقال: "مَا جَاءَ بِكَ؟ " فأخبرته بإسلامي، وقلت: قد كتمتُه عن قومي، فَمُرْني بما شئت، فقال له رسول الله ﷺ : "خَذِّل عنَّا ما استطعت، فإن الحربَ خَدْعَةٌ". فخرج نُعيمٌ فأتى بني قُريظة، فرحَّبوا به وقالوا: ما جاء بك؟ فقال: قد عرفتم وُدِّي إياكم، وكان صديقًا لهم في الجاهلية، قالوا: صدقت ولا نَتَّهِمُك في شيء. فقال: إن قريشًا وغطفانَ ليسوا من أهل هذه البلاد، وإنما جاؤوا طلبًا للغنائم، فإن أصابوها وإلا رجعوا إلى بلادهم، وخلَّوْا بينكم وبين محمدٍ، ولا طاقةَ لكم به، فلا تقاتلوه معهم

стр. 1520

حتى تأخذوا رهائنَ من أشرافهم. فقالوا: نِعْمَ الرأيُ رأيتَ، ونِعْمَ ما أشرتَ به. ثم خرج من عندهم وأتى أبا سفيان ومن معه من قريشٍ، فقال: يا معاشرَ قريش، قد علمتم وُدي إياكم وفِراقي محمدًا، وقد بلغني أمرٌ فاكتموه عَليَّ. قالوا: وما هو؟ قال: إن بني قريظةَ قد ندِموا على نقضِ العهد بينهم وبين محمدٍ ﷺ ، وقد أرسلوا إليه يقولون: قد نَدِمْنا على ما فعلنا، فهل ترضى عنا بأن نأخذَ من أشراف قريش وغطفانَ أُناسًا رهائن، فندفعَهُم إليك فتضربَ أعناقهم؟ قال: نعم، فإن بَعَثَتْ إليكم يهودُ تطلبُ رهائنَ فلا تُعْطوهم. ثم خرج فأتى غَطَفانَ، فقال لهم كما قال لقريش، فلما كانت ليلةُ السبت، أرسل أبو سفيان ورؤوسُ غطفانَ إلى بني قريظةَ يقولون: لسنا بدار مُقام، وقد هلك الخُفُّ والحافِر فأعِدوا للقتال غدًا حتى نناجزهم. وكان الرسول عكرمةَ بنَ أبي جهل ووجوهَ قريشٍ وغطفان، فقالت بنو قريظة: إن غدًا يومُ السبت، والعملُ علينا فيه حرامٌ، ومع هذا فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رهائنَ من أشرافكم يكونوا بأيدينا ثِقةً، فإننا نخشى أن تُضَرِّسكُم الحرب فترحلوا عنا وتتركونا ومُحمَّدًا في قُطْرٍ واحد، فيستأصلَنا. فلما رجعت الرسل إليهم قالوا: صدق نُعيمٌ والله. ثم أرسلوا إلى قريظة: إِنّا لا ندفع إليكم أحدًا، فإن شئتم أن تخرجوا فتقاتلوا وإلا فلا. فقالت قريظة: صدق والله نعيم. وانخذل الفريقان (١). حديثُ صَفيةَ بنتُ عبد المطلب ﵂ مع اليهودي: كانت صفيةُ ﵂ في حِصْنِ فارعٍ، وهو حصنُ حسّانَ بنِ ثابتٍ، قالت: وكان حسانُ معنا فيه مع النساء والصبيان، فجاء يهودي فجعل يُطيفُ بالحصنِ وليس بيننا وبين قريظة من يَدْفَعُ عنا، ورسولُ الله ﷺ والمسلمون في نُحور أعدائهم لا يقدرون أن يصلوا إلينا، ولا يدفعون عنا. قالت: فقلت: يا حسان، والله ما آمنُ هذا اليهوديَّ أن يَدُلَّهم على عَوْراتِ الحِصن فيأتون إلينا، فانزل فاقتله.

стр. 1521

فقال حسان: يا بنت عبد المطلب، قد عَرَفْتِ ما أنا بصاحبِ هذا، وكان حسانُ من أجبن الناس. قالت: فلما يَئِستُ منه اعتَجَرْتُ وأخذتُ عمودًا ونزلتُ ففتحتُ باب الحصن، وأَتَيْتُه من خلفِه فضربته بالعمود حتى قتلتُه، وصعدتُ الحصن فقلت: يا حسان، أنزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعْني من سَلْبه إلا أنه رجل. فقال: يا بنت عبد المطلب، ما لي بِسَلَبِهِ حاجةٌ (١). حديث رحيلهم: خذلهم اللهُ وأَيْبَسَ ضُرُوعَ مواشيهم، وأرسل عليهم رياحًا شديدة باردة فأظلمتِ الدُّنيا، وجعلت تكفأُ قدورهم وترمي آنيتهم. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩] الآيات. وتقلَّعتِ الأوتادُ، وطَفِئت النيرانُ، وجالت الخيل بعضُها في بعض، وأرسل الله عليهم الرعبَ، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيدُ كلَّ حي يقول: يا بني فلان، هَلمُّوا إلي. فإذا اجتمعوا إليه، قال: النجاءَ النجاءَ أُتيتم، فانْهَزموا من غير قتال. وقال محمَّد بن كعب القُرَظي: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفةَ بن اليمانِ: يا أبا عبد الله، رأيتُم رسولَ الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: وكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نَجْهَدُ، قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناهُ يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا ولفعلنا، فقال حذيفة: يا ابن أخي، والله لقد رأيتُني ليلة الأحزابِ مع رسول الله ﷺ يوم الخندق في ليلة باردة لم أجد قبلها ولا بعدها بردًا أشدَّ منه، فصلى رسول الله ﷺ هُوِيًّا من الليل، ثم التفت إلينا وقال: "مَن يَقومُ فَيذهَبُ

стр. 1522

إلى هَؤلاءِ القَومِ فَيأتِينَا بخَبرهِم، أَدخَلَه الله الجنَّةَ" فما قام أحد منا من الخوفِ والبردِ والجوعِ، فعل رسولُ الله ﷺ ذلك ثلاثًا. فلما لم يقم أحدٌ، دعاني فقال: "قُم يا حُذيفةُ" فلم يكن لي بُد من القيام حين دعاني، فقلت: لبيك يا رسول الله، وقمت حتى أتيته وإن جَنْبَيَّ ليضربان، فمسح على رأسي ووجهي ثم قال: "ائتِ هَؤلاءِ القومَ حتى تأتيَني بخبرهم، ولا تُحدِثَنَّ شيئًا حتى تَرجِعَ إليَّ"، ثم دعا لي فقال: "اللهمَّ احفظهُ من بَين يَدَيْه ومِن خَلفِهِ، وعن يَمينِهِ وعن شِمَالِهِ، ومِن فَوقِهِ ومِن تَحتِهِ". قال: فشددت عليّ أَسلابي، وأخذت قوسي وأَسْهُمي، وانطلقت أمشي كأنما أمشي في حَمَّامٍ حتى دخلت في القوم، وأرسل الله عليهم ريحًا قَطَعَتْ أَطنابَ خيامهم، وذهبت خيولهم، فلم تدع لهم شيئًا حتى أهلكته، وأبو سفيان قاعد يصطلي، فأخذتُ سهمًا ووضعتُه في كَبِد قَوْسي وأردتُ أن أرميَهُ، فذكرتُ قولَ رسول الله ﷺ : "لا تُحدِثَنَّ حَدَثًا حتى ترجعَ" فرددت سهمي إلى كنانتي، فلما رأى أبو سفيان ما تفعل الريحُ وجنودُ الله بهم، قام فقال: يا معاشر قريش، ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه فلينظر من هو، فأخذت بيد جليسي فقلت: من أنت؟ فقال: سبحان الله ما تعرفني؟! أنا فلان بن فلان، فإذا هو رجل من هَوازن، فقال أبو سفيان: يا معاشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مُقام، ولقد هلك الكُراع والخُفُّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلَغَنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذا الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل. ثم قام إلى جَمَلِهِ وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوقف على ثلاث قوائم، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم، وسمعتْ غطفانُ بما صنعت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم، وهزم الله الأحزاب، فرجعتُ إلى رسول الله ﷺ فأخبرته الخبر، فضحك حتى بدت ثناياه في سوادِ الليل، وذهب عني الدَّفْءُ، فأدناني رسول الله ﷺ فأنامَني عند رجليه، وألقى عليّ طرف ثوبه، وألزق صدري ببطن قدمه (١). وقد أخرج مسلم بمعناه عن حذيفة فقال فيه: فقال رسول الله ﷺ : "قُم يا حُذَيفَةُ" فلم أجد بُدًّا إذ دعاني باسمي إلَّا أن أقوم، فقال: "لا تَذْعَرْهُم"، قال: فأردت أن أَرْميَ

стр. 1523

أبا سفيان ولو رميته لأصبتُه، فرجعت فأخبرت النبي ﷺ ، فلما فرغتُ قُرِرْتُ فألبسني فَضلَ عباءة كانت عليه، فلم أزل نائمًا حتى أصبحت، فقال: "قم يا نَوْمانُ" وفيه: فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمّام (١). معناه: من شدة الخوفِ، يشير إلى حرارة الفَزَع. وللبخاري، عن سليمان بن صُرَد قال: قال رسول الله ﷺ حين أُجْليَ الأحزابُ عنه -: "الآنَ نَغزُوهُم ولا يَغزُونَنَا، نحنُ نسِيرُ إلَيهم" (٢) أي: نغزوهم في ديارهم. فغزاهم عام الفتح. وقال الواقدي: دعا رسول الله ﷺ في مسجد الأحزاب يوم الإثنين والثلاثاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الظهر والعصر. قال جابر: فعرفنا البِشْرَ في وجهه (٣). وكان من دعائه: "اللهمَّ مُنْزِلَ الكتاب سريعَ الحساب، اهزم الأحزاب" وفي رواية: "ومجري السحاب اهزمهم وزلزلهم". أخرجاه في "الصحيحين" (٤). قوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ أي: من فوق الوادي من قِبل المشرق، عليهم مالك ابن عوف النَّصْري، وعيينةُ بن حِصْن، وطُليحةُ بن خويلد الأسدي، وحُييُّ بن أخطب في بني قريظة، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ يعني: من بطن الوادي من قِبَل المغرب: أبو سفيان بن حرب في قريش ومن تبعه من الأحابيش، وأبو الأعور عمرو بن سفيان من قبل الخندق، ولم يقتل من المسلمين في غزاة الخندق سوى ستة نفر من الأنصار: منهم: عبد الله بن سهل بن زيد الخزرجي من الطبقة الأولى، وأمه: الصَّعْبة بنت التيِّهان بن مالك، شهد عبد الله بدرًا وَأحدًا، ورماه رجل من بني عوف بسهم في الخندق فقتله. ومنهم: كعب بن زيد بن قيس، من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه: ليلى بنت عبد الله الأنصارية، شهد بدرًا، وأحدًا، وبئر معونة، وارتُثَّ في ذلك اليوم، واستُشْهِدَ بالخندق، قتله ضِرار الفِهْري، وليس له عَقِبٌ.

стр. 1524

وفيها: كانت غزاة بني قريظة (١). قال علماء السير: لما انصرف الأحزاب عن المدينة، لحق أبو سفيان بمكة، وعُيينةُ بنجد، والأعراب بأماكنها، دخل رسول الله ﷺ بيت عائشة ﵂، ووضع المسلمون سلاحهم، فجاء جبريل ﵇ مُعْتَجِرًا بعِمامةٍ من إستبرق، وقيل: كانت سوداء، قد أرخى ذُؤابتيها بين كتفيه، وهو على بَغْلةٍ عليها قَطيفةٌ أو رِحالةٌ من ديباج، فوقف عند موضع الجنائز، فخرج إليه رسول الله ﷺ ، فقال له: "يا محمَّد، عَذيرُكَ (٢) من مُحاربٍ! أَوَ قَدْ وَضعتَ السَّلاح، واللهُ يأمُرُكَ أن تَسيرَ إلى بني قُريظَةَ". فخرج راكبًا على حمار عُرْيٍ والناس يمشون بين يديه، ودعا عليًا رضوان الله عليه فدفع إليه لواءه، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مَكتوم، وسار إليهم في ثلاثة آلاف من المسلمين، وستة وثلاثين فرسًا، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة، أو القعدة (٣). وقال له جبريل ﵇: إني مُزلزلٌ عليهم حُصونَهم. وقد روى الإِمام أحمد رحمة الله عليه، عن عائشة رضوان الله عليها: أن رسول الله ﷺ لما فرغ من الأحزاب، دخل إلى المُغْتَسلِ ليغتسل، فجاءه جبريل ﵇ فقال: أَوَقَدْ وضعتم السلاح، ما وضعت الملائكة أسلحتها، أو ما وضعنا سلاحنا أو أسلحتنا بَعْدُ، اِنْهَدْ إِلى بني قريظة. قالت عائشةُ: كأني انظر إلى جبريل من خلل الباب قد عصب رأسه من الغبار في زقاق بني غَنْم (٤). فسار إليهم رسول الله ﷺ فحاصرهم بضع عشرة ليلة. وفي رواية: خمس عشرة

стр. 1525

ليلة، فاشتد عليهم البلاء ولم ينصرهم أحد، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ وكان مُثْخَنًا من الجرح الذي أصابه يوم الخندق. وللبخاري، عن أنس قال: كأنِّي أَنظُرُ إلى غُبار ساطع في سكة بني غَنْم، موكب جبريل حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة (١). وعن ابن عمر قال: لما رجع النبي ﷺ من الأحزاب قال: "لا يُصَلَّيَنَّ أحدٌ العَصرَ إلَّا في بَني قُريظَةَ". فأدرك بعضهم العصرَ في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يُرِدْ ذلك مِنّا. فذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فلم يُعَنِّفْ منهم أحدًا. أخرجاه في "الصحيحين" (٢). قال ابن إسحاق: وسار علي ﵇ بالراية حتى إذا دنا من الحصون، سَمع مقالةً قبيحة في حق رسول الله ﷺ فرجع، فلقيه في الطريق فقال له: يا رسول الله، لا عليك أن تدنو من هؤلاء الأخابث، قال: "أَظنُّكَ سَمعتَ لي مِنهم أَذًى" قال: نعم، قال: لو قد رأوني لم يقولوا شيئًا من ذلك. فلما دنا رسول الله ﷺ من حصونهم، ناداهم: "يَا إخْوَةَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، هَل أَخْزاكُمُ اللهُ وأَنَزلَ بِكُم نِقْمتَهُ؟ " فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنتَ جهولاً. ومرَّ رسولُ الله ﷺ على أصحابه فقال: "هل مرَّ بكم أحدٌ؟ " قالوا: نعم، مرَّ بنا دِحْيَةُ بنُ خليفةَ الكَلْبي على بغلة شهباء عليها قَطيفةٌ من ديباج. فقال رسول الله ﷺ : "ذَلكَ جبريلُ ﵇ بُعِثَ إلى بَني قُريظَةَ، يُزَلزِلُ عَليهم حُصُونَهُم، ويَقذِف الرُّعبَ في قُلُوبهم". ثم نزل رسول الله ﷺ على بئر من آبارهم، وتلاحق به الناس (٣). وقال الواقدي: لما دخل رسول الله ﷺ بيت عائشة رضوان الله عليها، جاءه جبريل ﵇ وعلى ثناياه النَّقع، فقال له: إلى بني قريظة (٤). وضرب رسول الله ﷺ على سعد بن معاذ في المسجد قبة، وترك عنده امرأة من

стр. 1526

المسلمين يقال لها: رُفَيْدَة، كانت تداوي الجرحى، وتقوم على المرضى تحتسب فعلها عند الله تعالى، وكان كَلْمُ سَعْدٍ قد انفجرَ (١). وقال هشام (٢): حاصرهم رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار، وكان حُييَ بن أخطب قد دخل في حصن كعب بن أسد وفاءً لكعبٍ بما عاهده عليه، فلما تيقنوا أن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يُناجزَهم، اجتمعوا وتشاوروا، فقال لهم كعب بن أسد: قد نزل بكم ما تَرَوْنَ فاختاروا إحدى ثلاث: إما أن نبايعَ هذا الرجل ونصدِّقَه وقد علمتم أنه نبي مُرْسَلٌ، وأنه الذي قد وجدتم نَعْتَه في كتابكم، فآمنوا به، واحقنوا دِماءَكم، وأحرزوا أموالكم وأولادكم ونساءكم، فأبَوْا وقالوا: لا نتركُ دينَنا، قال: فتعالَوْا حتى نقتلَ أبناءَنا ونساءنا، ونخرجَ بسيوفنا، فإما أن نُقْتَلَ أو نَظْفَرَ، فإن قُتِلنا لم يكن وراءنا هَمٌّ، وإن ظَفِرنا فما نعجزُ عن اتخاذ الأبناء والنساء. قالوا: فإذا قتلنا أهلنا فأي عيش يبقى لنا بعدهم. قال: فإن أبيتم فالليلةُ ليلةُ السبت ومحمدٌ وأصحابه آمنون من خروجنا إليهم، فأخرجوا فلعلنا أن نصيب منهم غِرَّة، فقالوا: لا تُفْسِدْ علينا سبْتَنا فنُمْسَخَ كما مُسِخَ غيرُنا. فقال لهم: يا إِخْوَةَ القِرَدَةِ، والله ما بات أحدكم منذُ ولدته أمه ليلة من الدهر حازمًا! ثم اتفقوا فيما بينهم أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ يطلبوا منه أبا لُبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف ليستشيروه في أمرهم، وكانوا حلفاء الأوس. قال أبو لبابة: فقال لي رسول الله ﷺ : "اذهَب إلى حُلفَائِكَ، فإنَّهم أَرسَلُوا إليكَ من بَينِ الأَوسِ والخَزرَجِ"، فدخلت إليهم فمشَوْا إلي، وبكى النساءُ والصبيانُ وقالوا: نحن مواليك دون الناس كلهم، وقد عرفت ما صنعنا في أمرك وأمر قومك يومَ الحدائقِ ويومَ بُعاثٍ، وكلَّ حَرْبٍ كنتم فيها، وقد اشتد علينا الحصار وهلكنا، وخيَّرنا بأن [لا] يفارقنا حتى ننزل على حكمه، فماذا ترى؟ فإنا قد اخترناك على غيرك. فرقَّ لهم وقال: نعم فانزلوا على حكمه. وأشار إلى حلقه إِنه الذبح.

стр. 1527

قال أبو لُبابةَ: فوالله ما زالَت قدمي عن مكانها حتى ندمت واسترجعت، وقلت: خُنْتُ الله ورسولَه، ونزلتُ، وإنَّ لحيتي مبتلةٌ بالدموع والناس ينتظرون رجوعي إليهم، فأخذت طريقًا من وراء الحِصنِ إلى المسجد، فربطت نفسي إلى ساريةٍ، وبلغ النبي ﷺ صنيعي. فقال: "دَعُوه حتَّى يُحْدِثَ الله فيهِ ما يَشَاءُ، لو كانَ جاءَني لاسْتَغفَرتُ له، فإذْ لم يَأتِني وذَهَب، فَدعُوهُ". فأقام سبعًا لا يأكل ولا يشرب في حَرٍّ شديد وقال: لا أزال كذا حتى أفارقَ الدنيا أو يتوبَ الله علي. قالت أم سلمة: فرأيتُ رسولَ الله ﷺ يَحُلُّ رباطه، وإن رسول الله ﷺ ليرفع صوته يكلمه ويخبره بتوبته، وما يدري كثيرًا مما يقول من الجَهْدِ والضعفِ، ولقد كان الرباط حَزَّ في ذراعه، وكان من شَعَرٍ، وكان يداويه بعد ذلك دهرًا (١). وقال ابن إسحاق: نزلتْ توبةُ أبي لبابة ورسولُ الله ﷺ في بيت أم سَلَمةَ. قالت: فقلت: ألا أُبَشَّره؟ قال: "بَلَى". فناديته: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك. فثار الناس ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكونَ رسولُ الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده. فجاء رسول الله ﷺ فأطلقه (٢). قال الواقدي: وأسلم في تلك الليلة جماعة من قُرَيظة والنَّضير منهم: عمرو بن سُعْدى القُرَظي، وكان قد أبى أن ينقض ما بينه وبيت رسول الله ﷺ لما نقضت قريظة، وقال: لا أَغْدِرُ بمحمد. فخرج في تلك الليلة، فمر بحرسِ رسول الله ﷺ ، وفيهم محمَّد بن مسلمة فلم يعرض له، فذهب فلا يدرى أين سلك (٣). قال البلاذري: ومن أشراف قريظة أسيد بن أعصم الساحر أخو لبيد، ورفاعة بن زيد بن التابوت، والزَّبِير بن باطا، وقردم بن كعب، وكعب بن أسد، وكان المشار إليهم، في آخرين (٤).

стр. 1528

ولما أصبحوا، نزلوا على حُكْمِ رسول الله ﷺ ، فتواثبت الأوس وقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا دونَ الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج ما فعلت، يشيرون إلى بني قينقاع الذين شفع فيهم عبد الله بن أبي. فقال لهم رسول الله ﷺ : "يَا مَعَاشِرَ الأَوْسِ، أَمَا ترَضَوْن أَن يحكُمَ فيهم رَجلٌ مِنكُم؟ " قالوا: بلى. قال: "فَذَاكَ سعدُ بنُ معاذٍ". قالوا: رضينا، فقال: "عَليَّ بسَعدِ بن مُعاذٍ". فجيء به على حمار وعليه إِكافٌ من ليف، فجعلوا يقولون: يا أبا عمرو، حُلفاؤك ومواليك ومَنْ قَدْ عَلِمْتَ. وسعد يقول: أنا لا أبالي في الله لومة لائم. فقال له رسول الله ﷺ : "احكُم فِيهم". فقال: أحكم فيهم أن يُقْتَلَ مُقاتِلُهم، وتُسبى ذراريهم، وتُقْسَمَ أموالُهم، فقال رسول الله ﷺ : لقد حكمت فيهم بحكم الله ورسوله، وأنزلهم رسول الله ﷺ دار ابنة الحارث، امرأةٍ من بني النجار (١). وكان من حكم سعد أن يقتل كل من جَرت عليه الموسى (٢). قال عطية القُرَظي: وكانوا يقتلون من أنبت، فكنت فيمن لم يُنْبِت (٣). ثُمَّ كُتِّفوا، وجعل عليهم رسول الله ﷺ عبد الله بن سلام، ثم جلس رسول الله ﷺ في السوق الذي هو اليوم سوقُ المدينة، وحفر لهم الخنادق، وخدَّ لهم الأخاديد، وأُخْرِجوا رَسْلاً فضربت أعناقهم، وكان عِدَّتُهم من الست مئة إلى السبع مئة أو ثمان مئة، وقيل: أربع مئة، وفيهم كعب بن أسد، وحُيَيُّ بن أخطب، وعَزَّال بن شمويل (٤). ولما جيء بحُييِّ بنِ أخطب، كان عليه حُلَّةٌ قضاعية (٥) قد شقَّقها من كل جانب لئلا يلبسَها غيرُه، ويداه مجموعةٌ إلى عُنُقه، فلما رأى رسولَ الله ﷺ قال: والله ما لمتُ نفسي في عداوتك، ولكنه من يَخْذُلِ اللهَ يُخْذَلْ، وهذا أمر قَدَّره الله، ومَلْحمةٌ كتبها على بني إسرائيل، ثم قُدَّمَ فَضُرِبَتْ عنقه (٦).

стр. 1529

وكان الزَّبِير بنُ باطا يكنى أبا عبد الرحمن قد منَّ على ثابت بن قيس بن شمّاس؛ أخذه يوم بُعاث أسيرًا، فجز ناصيته وأطلقه. وكان الزَّبير شيخًا كبيرًا فرآه ثابت في ذلك اليوم فعرفه وقال له: هل تعرفني؟ فقال: وهل أجهلك؟ قال: فإني أريد اليوم أن أجزيك بِيَدِكَ عندي، فقال: إن الكريم يجزي الكريم. فجاء ثابتٌ إلى رسول الله ﷺ فاستوهبه منه وعرَّفه يَدَهُ عنده فوهبه له، فقال له: إن رسول الله ﷺ قد وهب لي دمك. فقال: شيخٌ كبيرٌ لا مال ولا أهل، فما يصنع بالحياة؟ فاستوهب ثابت ماله، وأهله وولده وأتاه فأخبَره، فقال: أي ثابت ما فعل الذي كأَنَّ وَجْهَه مرآةٌ صَقيلةٌ يترآى فيها العذارى وجوههن، كعبُ بن أسد؟ قال: قتل، قال: فما فَعَل سيِّدُ الحاضِر والبادي حُيَيُّ بنُ أخطب؟ قال: قتل، قال: فما فعل مُقَدَّمُنا إذا شدَدْنا، وحامينا إذا كررنا: عَزّال بن شمويل قال: قتل. وعدَّ جماعة، وثابت يقول: قتلوا. فقال له: يا ثابت، فإني أسألك بيدي عندك إلَّا ألحقتني بالقوم، فوالله ما في العيش بعدهم خَيْر حتى ألقى الأحبة. فقال له: تلقاهم في نار جهنم، فقتله (١). وقالت عائشة رضوان الله عليها: لم يقتلْ من نسائهم إلا امرأةٌ واحدة، والله إنها لقاعدة عندي تتحدث وتضحك ظَهْرًا وبطنًا، ورسول الله ﷺ في السوق يقتلُ رجالَهم، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ فقالت: ها أنا والله. فقلت لها: مالك ويلك؟ قالت: أُقتلُ. قلت: ولم؟ قالت: لحَدَثٍ أحدثته. فذهبوا بها فضربوا عنقَها، فلا أنسى طيبَ نَفْسِها، وكثرةَ ضحكها. وقد عَرَفَتْ أنها تُقْتَلُ، وهذه المرأة رمت على خَلَّاد بن سويد رحًا فقتلته، فقتلها رسول الله ﷺ (٢). وقسم رسول الله ﷺ أموالهم، ونساءهم وأولادهم بين المسلمين، ووُجِدَ في حصونهم ألفٌ وخمس مئة سيف، وألف رمح، وألف وخمس مئة ترس، وأموالٌ عظيمة، ومواشي كثيرة، فكانت السُّهمانُ بعد ما أَخرجَ رسول الله ﷺ الخُمْسَ على ثلاثة آلافٍ ونَيِّفًا وسبعين سهمًا، للفارس سهمان (٣)، وللراجل سهم، واستعمل على

стр. 1530

الخُمس مَحْمِيَةَ بنَ جَزْءٍ الزُّبيدي، وبعث رسول الله ﷺ سعد بن زيد الأنصاري إلى نجد بسبايا من قريظة، فابتاع له بها خيلًا وسلاحًا (١). وكان رسول الله ﷺ يَهب ويَعتق من الخُمس، واصطفى رَيحانة بنت عمرو بن جُنافة، وكانت عنده حتى توفي عنها وهي في مِلكه، وكان أراد أن يتزوجها فأبت، وقالت: إذا كنت في المِلْكة، كان أخفَّ عليَّ وعليك. ولما سباها، أقامت مدة على يهوديتها، فهجرها حتى أسلمت، وبشره بإسلامها ثعلبةُ بنُ سَعْيَةَ فَسُرَّ بها (٢). * * * وفيها: سقط رسول الله ﷺ من الفرس، فجُحش على شقه الأيمن. قال الإِمام أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمَّد بن عمرو، حدثنا علي بن خلَّاد، عن أبيه، عن ثابت، عن أنس قال: سَقَط رسول الله ﷺ من فَرَس، فَجُحِشَ شِقه الأَيمنُ، فدخلوا عليه فصلى بهم قاعدًا وأشار إليهم أن اقعدوا، فلما سلم قال: "إِنَّما جُعِلَ الإمامُ إمامًا ليُؤْتَمَّ به، فلا تَختَلِفوا عليه، فَإذا كَبَّر فكَبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا صَلَّى قاعِدًا فَصلُّوا خلفه قعودًا". أخرجاه في "الصحيحين (٣) ". * * * وفيها فُرضَ الحج (٤)، قال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن الزهري، عن نافع، عن ابن عمر قال: قدم وفْدُ ضِمامِ بن ثَعلبةَ من بني سَعْد على رسول الله ﷺ سنة خمس من الهجرة، فذكر لهم فرائض الإِسلام من الصَّلاة، والزَّكاة، والصَّيام، والحجَّ (٥).

стр. 1531

فصل وفيها توفي جُلَيبيب (١) من بني ثعلبةَ، حليف الأنصار، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار. قال الإِمام أحمد: حدثنا عفان، وقال ابن سعد: حدثنا عارم قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن كِنانة بن نُعَيم العَدَوي، عن أبي بَرْزَةَ الأسلمي: أن جُلَيبيبًا كان امرءًا من الأنصار، وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا كان لأحدهم أيَّمٌ، لم يزوَّجْها حتى يُعْلِمَ رسولَ الله ﷺ ؛ ألَهُ فيها حاجةٌ أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ ذات يوم لرجل من الأنصار: "أَتُزوَّجني ابْنَتَك"؟ قال: نعم. قال: "لَستُ أُريدُها لِنَفْسِي" قال: فَلِمَن؟ قال: "جُلَيبيب"، قال: حتى أستأمر أُمَّها، فأَخبرها. فقالت: حَلْقى، لَعَمْرُ اللهِ لا أُزوِّجُها، فلما قام أبوها ليأتيَ رسولَ الله ﷺ ، قالت الفتاةُ من خِدرها: من خطبني إليكما؟ قالا: رسولُ الله ﷺ ، قالت: أفتردَّانِ على رسول الله ﷺ أمره؟ ادْفَعاني إليه، فإنه لا يُضَيِّعُني. فذهب أبوها إلى رسول الله ﷺ فقال: شأنك بها، فزوِّجْها من شئت. فزوَّجها جُلَيْبيبًا، فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهمَّ صُبَّ عليهمُ الخَيْرَ صَبًّا، ولا تَجعَل عَيشَهُما كدًّا". فبينا رسول الله ﷺ في مغزى له، قال: "هَل تَفْقِدُونَ من أَحَدٍ"؟ قالوا: نفقد فلانًا وفلانًا. فقال: "ولَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيبيبًا. فَاطْلُبُوه"، فوجدوه في القتلى إلى جانب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه، فقال رسول الله ﷺ : "هَذا منَّي وأنا مِنهُ"، فوضعه رسول الله ﷺ على ساعديه حتى حفروا له، ماله سَريرٌ إلَّا ساعِدَيْ رسول الله ﷺ حتى وضعه في قبره. قال ثابت: فما كان في الأنصار أيِّمٌ أنْفَقَ منها (٢). وقول المرأة: "حلقى" بإسكان اللام مخففة معناه: أصابها وجع في حلقها. خلاّد بن سُوَيْد ابن ثعلبةَ الأنصاري الخزرجي (٣) من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه عَمْرة بنت

стр. 1532

سعد خزرجية، شهد العقبة مع السبعين، وبدرًا، وأحدًا، والخندق، ووثبت عليه بَنانةٌ من حِصْنٍ لبني قريظة فشدخت رأسه، فقتلها رسول الله ﷺ به - وقد ذكرناه - ولمّا قتل، جاءت أمه مُنْتَقِبَةً فقيل لها: أتنتقبين وقد قُتِلَ خَلادٌ؟ فقالت: إن كنت رُزِئتُ خَلّادًا فما رُزِئتُ حياءَ وجهي. سعد بن معاذ (١) ابن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، أبو عمرو، من الطبقة الأولى من الأخيار، وأمه: كَبْشةُ بنتُ رافع بن معاوية خزرجية، أسلمت وبايعت. وأسلم سعد على يَدَيْ مُصْعَبِ بن عمير، فأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل، وشهد بدرًا وأحدًا وثبت يومئذ مع رسول الله ﷺ ، وآخى بينه وبين أبي عُبيدة بن الجراح، وقيل: بينه وبين سعد ابن أبي وقاص. وقال أبو المتوكل: إن نبي الله ﷺ قال: "الحمَّى حظُّ كلِّ مُؤمِنٍ مِنَ النَّارِ"، فسألها سعد فلزمته، فلم تفارقه حتى مات (٢). قال أبو سعد: وكواه رسول الله ﷺ بالنار مرتين بسبب جرحه، وكان جُرحَ في الخندق. وقال سعدٌ لمّا جرح: اللهمَّ إنك تعلمُ أنه ليس أحدٌ أحبَّ إلي أن أجاهدَهم فيك من قومٍ كذَّبوا رسولك وأخرجوه، اللهمَّ وإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان قد بقي من حرب قريش شيء فأبقني أجاهدهم فيك، اللهمَّ إن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافْجُرْها واجعل موتي فيها. فانفجرت من ليلته، فلم يَرُعْهُم - وفي المسجد معه قومٌ من بني غِفار - إِلاّ والدمُ يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا الذي يأتينا من قِبَلِكُم؟ فإذا جرح سعد يَغْذو دَمًا، فما زال يسيل حتى مات (٣).

стр. 1533

وقال جابر: رُمِيَ سعدُ بنُ معاذٍ يومَ الأحزاب فَقُطِعَ أكحلُه، فحسمه رسول الله ﷺ بالنار، فحسمه أخرى فانتفخت يده فنزفه، فلما رأى ذلك قال: اللهمَّ لا تُخرجْ نفسي حتى تُقِرَّ عيني من بني قريظة. فاستمسك عِرْقُه فما قطر منه قطرة، فلما نزلوا على حكمه - وكانوا أربع مئة - فَقُتِلوا، انفتق عِرْقُه فمات (١). وقالت عائشة رضوان الله عليها: انفجر جرح سعد وقد كان برأ، فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، والذي نفسي بيده إني لأَعْرِفُ بكاء أبي من بكاء عمر. قيل لها: فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عيناه لا تدمعان على أحد ولكنه إذا وَجِدَ فإنما هو آخذ بلحيته (٢). وقال ابن إسحاق: إنما توفي سعد قبل قتل بني قريظة وقسمة أموالهم، ويقال: مرت به عَنْز وهو مضطجع في المسجد فأصابت جُرحه، فما رَقَأ حتى مات. (٣) وقال الواقدي: كانت وفاتُه في ذي القعدة وهو ابن سبع وثلاثين سنةً، وصلى عليه رسول الله ﷺ ، وحمل جِنازته بين العَمودَيْنِ مقدار ثلاثين ذراعًا، وحفروا قبره فوجدوا منه رائحة المسك، ودفن بالبقيع (٤). وعزّى رسول الله ﷺ أمه فيه وقال لها: "ابنك أول من ضحك الله إليه" (٥). وقال ابن سعد، يرفعه إلى رجل من الأنصار قال: لما قَضى سعدٌ في بني قريظة ثم رجع، انفجر جرحه، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فأتاه فأخذ رأسه فوضعه في حِجره، وسُجِّيَ بثوب أبيض إذا مُدَّ على وجهه خرجت رجلاه، وكان رجلًا أبيضَ جسيمًا، فقال رسول الله ﷺ : "اللهمَّ إنَّ سَعْدًا قد جَاهَدَ في سَبيلِكَ، وصَدَّقَ رَسولَكَ، وقَضَى الذي عَليه، فَتقبَّلْ رُوحَهُ بِخَيرِ ما تَقَبَّلْتَ بهِ رُوحًا". وسمع سعد كلام رسول الله ﷺ ففتح

стр. 1534

عينيه، ثم قال: السلام عليك يا رسول الله، أما إني أشهد أنك رسول الله. فلما رأى أهل سعد أن رسول الله ﷺ قد وضع رأسه في حجره ذُعِروا من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله أمَر مِنْ ملائكتِه عَدَدَكُم ليشهدوا وفاة سعد" (١). وقال الحسن: لما مات سعد، وكان سمينًا جَزْلًا، جعل المنافقون وهم يمشون خَلْفَ جِنازته يقولون: لم نرَ كاليوم رجلًا أخف. وقالوا: تدرون لم ذلك؟ لِحُكْمِه في بني قريظة، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "والذي نَفْسِي بيَدِه لَقَد كَانَتِ المَلائِكَةُ تَحمِلُ سَرِيرَهُ". (٢) وقال ابن عمر رضوان الله عليهما: بلغني أنه شهد سعد بن معاذ سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض. وقال رسول الله ﷺ : "لقد ضُمَّ صاحبُكم ضمَّةً، ثم فُرَّجَ عنه (٣) ". وفي رواية: فخرج رسول الله ﷺ يمشي في جنازته على رؤوس أصابعه، فقيل له في ذلك: فقال: أمَا قَدَرتُ أَن أَضَعَ قَدمي على الأَرْضِ مِن كَثْرةِ ما نَزَلَ مِنَ الملائِكَةِ في جَنَازتهِ (٤) ". وفي رواية ابن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "هَذا العَبدُ الصَّالِحُ الذي تَحرَّكَ له العَرشُ، وفُتِحتْ له أَبوابُ السَّماءِ، وشَهِدَه سَبعونَ ألفًا مِنَ الملائِكَةِ لم يَنزِلوا الأرضَ قبلَ ذَلكَ، ولَقَد ضُمَّ ضَمَّةً، ثم أُفرِجَ عنه (٥) ". وفي رواية عن سعيد المقبري قال: لما دَفَنَ رسول الله ﷺ سعدًا قال: لو نجا أحد من ضَغْطَةِ القبر، لنجا سعد، ولقد ضُمَّ ضمة اختلفت منها أضلاعه من أثر البول (٦). وقال جابر: قال رسول الله ﷺ : "لَقَد اهتَزَّ العَرشُ لمَوتِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ" (٧).

стр. 1535

وقالت أسماء بنت يزيد: إن رسول الله ﷺ قال لأم سعد بن معاذ: "أَلَا يَرقأُ دَمعُكِ ويَذهَبُ حُزنُكِ، فإنَّ ابنَكِ أَوَّلُ مَن ضَحِكَ الله لَه، واهتَزَّ له العَرشُ" (١). وروى الحسن، عن النبي ﷺ أنه قال: "لَقَد اهتَزَّ عَرشُ الرَّحمنِ لوفاةِ سَعدٍ". فرحًا به، قوله: فرحًا به، تفسير من الحسن (٢). وقال البخاري يرفعه إلى جابر بن عبد الله: قال رسول الله ﷺ : "اهتَزَّ العَرشُ لموتِ سَعدِ بن معاذٍ". فقال رجل لجابر: فإن البراءَ يقول: "اهتَزَّ السَّريرُ". فقال: إِنَّه كان بين هذين الحيين ضغائنُ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اهتَزَّ عَرشُ الرَّحمنِ لموتِ سَعدِ ابن معاذٍ" (٣). وعن البراء: أن رسول الله ﷺ أُتيَ بثوبِ حريرٍ فجعلَ أصحابُه يتعجَّبون من لينه، فقال رسول الله ﷺ : "لَمناديلُ سَعدِ بن مُعاذٍ في الجنَّةِ أَلْيَنُ مِن هَذا" (٤). وأُتِيَ النبي ﷺ وسلم بجُبَّةٍ من ديباجٍ منسوجةٍ بالذهب، بعث بها أُكَيْدِرُ دُوْمةِ الجَنْدَل في غَزاةِ تبوك، فعجب الناسُ منها، فقال رسولُ الله ﷺ : "أَتَعجَبونَ منها، لَمَنادِيلُ سَعدٍ في الجنَّة أَحسَنُ مِمَّا تَرَونَ" (٥). وكان لسعد ﵁ من الولد: عمرو وعبد الله، أمهما هند بنت سِماك بن عتيك بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل. وكان لعمرو بن سعد من الولد تسعة نفر وثلاث نسوة، منهم: عبد الله بن عمرو، قُتِلَ يومَ الحَرَّة، ولسعدِ بن معاذٍ عَقِبٌ (٦). أسند سعد الحديث عن رسول الله ﷺ . * * *

стр. 1536

ذكر أخي سعد لأبيه وأمه: واسمه: عمرو (١)، من الطبقة الأولى من الأنصار وليس له عقب، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عُمَيْر بن أبي وقاص، شهد عمرو بدرًا، وقتل: يوم أحد، وكان له يومَ قُتِلَ ثنتان وثلاثون سنةً. عَمرة بنت مسعود (٢) ابن قيس بن عمرو، أم سعد بن عُبادة الخزرجي، توفيت وسعدٌ مع رسول الله ﷺ بدُوْمَةِ الجندل، فلما قدم رسول الله ﷺ أتى قبرها فصلى عليها، وسأله سعد عن نَذْرٍ كان عليها، فقال: "اقضِهِ عَنها" (٣) أسلمت عمرة، وبايعت، وتوفيت في شهر ربيع الأول. وقال ابن عباس: قال سعد بن عبادة: يا رسول الله، إن أمي ماتت وأنا غائب عنها، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: "نَعَم". قال: يا رسول الله، فإني أُشهِدُك أن حائطي المِخْرافَ صدقةٌ عنها (٤). وقال قتادة: سمعت الحسن يحدث عن سعد بن عبادة أن أمه ماتت، فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت فأتصدق عنها؟ قال: "نعم". قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: "سَقْيُ المَاءِ". قال: فتلك سقايةُ آلِ سعد بالمدينة (٥). وكان الحسن يقول: قد شرب أبو بكر وعمر من سقاية أم سعد (٦). وهب بن مِحْصَن بن حُرْثان (٧) أبو سنان الأسدي أخو عُكّاشة، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرًا، وأحدًا، والخندق، وتوفي ورسول الله ﷺ يحاصر بني قُريظة، وله أربعون سنة.

стр. 1537

السنة السادسة من الهجرة فيها: كانت سرية محمد بن مَسْلَمة الأنصاري (١) لعشرٍ خَلَوْنَ من المحرم إلى القُرَطاءِ، بطنٍ من بني كلاب، كانوا ينزلون ماءً يقال له: البَكَرات قريبًا من ضَرِيَّةَ، وبين ضَرِيَّةَ والمدينةِ سبعُ ليال، فشنَّ عليهم الغارة، وأسر ثُمامةُ بن أُثال الحَنَفي وقتل منهم جماعة، وساق مئة وخمسين بعيرًا، وثلاثة آلاف شاة، وغاب عن المدينة تسع عشرة ليلة. وفيها: كانت غزاةُ بني لِحيان (٢) في ربيع الأول، وقيل: في جمادى الأولى. خرج رسول الله ﷺ من المدينة في مئتي رجل، واستخلف عليها ابنَ أم مَكتوم، وأظهر أنه يريد الشام، وسار نحو عُسْفانَ في طلب ثأر خُبَيْب بن عدي وأصحابه، وسلك على جبل يقال له: غُراب قريبًا من المدينة في طريق الشام، ثم عطف نحو ناحية المَحَجَّة فنزل على ماء لبني لَحيان يقال له: غُرَان، في واد بينه وبين عُسْفان خمسُ ليالي حيث كان مُصابُ أصحاب بئر مَعونة، فنزل هناك فترحَّم عليهم واستغفر لهم. وسمعتْ به بنو لحيان فهربوا إلى رؤوس الجبال، وبعث أبا بكر رضوان الله عليه في عشرة، فوصل إلى كُراعِ الغَميم ليُرْعِبَ أهلَ مكة، وقيل: في هذه الغزاة مر رسول ﷺ بقبر آمنة بعُسْفان. وفيها: كانت غزاة الغابة (٣) في ربيع الأول، ويقال لها: غزاة ذي قَرَدٍ، وهي على بَريدٍ من المدينة.

стр. 1538

قال ابن إسحاق: رجع رسول الله ﷺ من غزاة بني لحيان، فأغار عُيَيْنَةُ بنُ حِصْن بن بدر الفَزاري في خيل غَطَفان على لِقاحِ رسول الله ﷺ ، وكانت عشرين لَقْحةً ترعى بالغابة، وفيها رجل من بني غَطَفان وامرأة، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة، وكان عيينة في أربعين فارسًا. وقيل: إن الرجل الراعي كان ابن أبي ذر، وجاء الصَّريخُ إلى المدينة فنودي: يا خيلَ اللهِ اركبي. وهي أول ما نودي بها في المدينة، وبعث رسول الله ﷺ أبا عُبيدة بن الجرَّاح وسَلَمة بن الأكوع في آثارهم. قال البخاري: حدثنا حسان، عن محمد بن طلحة، عن حُميد، عن ثابت، عن سَلَمة بن الأكوع قال: خرجتُ قبل أن يؤذَّن بالأولى، وكانت لِقاحُ رسول الله ﷺ ترعى بذي قَرَد، فلقيَني غلامٌ لعبد الرحمن بن عوف، فقال: أُخِذَتْ لِقاحُ رسول الله ﷺ . قلت: من أخذها؟ قال: غطفان. فصرخت ثلاث صرخات: يا صباحاهُ. قال: فأسمعتُ ما بين لابَتَيْها - أو لابَتَيِ المدينةِ - ثم اندفعت على وجهي فأدركتهم يسقون على الماء، فجعلت أرميهم بنبلي وكنت راميًا، وأقول: أنا ابن الأكوع، اليومُ يومُ الرُّضَّعِ. وأَرْتَجِزُ حتى استَعَدْتُ اللِّقاح منهم، واستلبت ثلاثين بُرْدَةً. قال: وجاء النبي ﷺ والناس معه، فقلت: يا نبي الله، قد حَمَيْتُ القومَ الماءَ. فقال: "يا ابنَ الأَكْوَعِ، مَلكْتَ فَأَسْجِح". قال: فرجعنا، وأَرْدَفَني رسول الله ﷺ ناقته حتى دخلنا المدينة. وهو حديث طويل متفق عليه (١). وفيه قال سلمة: فرجعنا من (٢) الحديبية إلى المدينة، فنزلنا منزلًا، بيننا وبين بني لحيان جَبَلٌ - وذكر ما يدل على أن هذه الغزاة بعد غزاة الحديبية - وبنو لحيان مشركون، فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رَقيَ ذلك الجبلَ في تلك الليلة طليعةً لرسول الله ﷺ وأصحابه. قال سلمة: فرقيته مرتين أو ثَلاثًا، ثم قَدِمْنا فبعث رسول الله ﷺ بظهره مع غلامه رَباح، فخرجت معه بفرس طلحة، وذكر غارةَ عبد الرحمن الفزاري على المدينة، وأَخْذَهُ ظَهْرَ رسول الله ﷺ وقَتْلَ راعيه. قال سلمة: فقلت: يا رَباحُ، خذ هذا الفرسَ، فأبلغه طلحةَ بن عُبَيْد الله، وأَخْبر

стр. 1539

رسول الله ﷺ أن المشركين قد أغاروا على سَرْحِه، ثم قمت على أَكَمَةٍ فاستقبلت المدينة وناديت: يا صَبَاحَاهُ ثلاثًا، ثم خرجتُ في آثار القوم أرميهم بالنبل، فألحقُ رجلًا فأصكُّه (١) سَهْمًا حتى خَلَصَ نَصْلُه إلى كتفيه، وأقول: خذها وأنا ابن الأكوع، فما زلت أرميهم وأعْقِرُهم، فإذا رجع فارس إليَّ جلست في أصل شجرة ثم أرميه فأعقِره، حتى دخلوا في مضايق الجبل، فجعلت أعلو على الجبل وأرميهم بالحجارة حتى خَلَّصْتُ ظَهْرَ رسول الله ﷺ أجمَعَهُ، وألقَوْا أكثر من ثلاثين بُردةً، وثلاثين رمحًا، ولا يطرحون من شيء إلا جعلت عليه آرامًا (٢) من الحجارة يعرفها النبي ﷺ وأصحابه، حتى إذا أتوا متضايِقًا من ثَنِيَّةٍ أتاهم فلان بن بدر الفزاري، فجلسوا يَتَضَحَّوْنَ، وجلست على رأس قَرْنٍ، فقال الفزاري: ما هذا؟ فقالوا: لقينا منه البَرْحَ، ما فارقنا منذ غَلَّس، يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا، فقال: فليقم إليه نفر منكم أربعة. قال: فصعد إلي منهم أربعة، فلما أمكنوني من الكلام قُلْتُ لهم: هل تعرفوني؟ قالوا: لا، قلت: أنا سلمة بن الأكوع والذي كَرَّمَ وَجْهَ محمد ﷺ لا أطلب رجلًا منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيُدركَني. فرجعوا، وإذا بفوارسِ رسول الله ﷺ يتخلَّلون الشجَرَ وفي أوائلهم الأَخْرَمُ الأَسَدي على إثره أبو قَتادَةَ الأنصاري، وعلى إثره المِقدادُ بن الأسود الكِندي. قال: فأخذت بِعِنان الأَخرَم، وقلت: يا أخْرَم، احذرهم لا يقتطعوك حتى يلحقَ رسولُ الله ﷺ وأصحابُه، فقال: يا سلمة، إن كنتَ تؤمنُ بالله واليوم الآخر، وتعلم أنَّ الجنةَ حقٌّ والنار حق، فلا تَحُلْ بيني وبين الشهادة. قال: فخلَّيته، فالتقى هو وعبد الرحمن الفزاري، فعثر بعبد الرحمن فرسه وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحوّل على فرسه، ولحق أبو قتادةَ فارسُ رسول الله ﷺ عبدَ الرحمن فطعنه فقتله، فوالذي كرَّم وجه محمد ﷺ لتبعتهم أعدو على رِجْلَيَّ حتى ما أرى ورائي من أصحاب رسول الله ﷺ أحدًا ولا غبارهم شيئًا حتى يعدِلُوا قبل غروب الشمس إلى شِعْبٍ فيه ماء يقال له: ذا قَرَدٍ ليشربوا منه وهم عطاش قد ولَّوْا هاربين، قال: فحلَّيْتُهم عنه (٣)، فما ذاقوا منه

стр. 1540

قطرة. قال: ويخرجون فَيشتدون في ثَنِيَّةٍ، فأعدو فألحق منهم رجلًا فأصكُّه بسَهْم في نُغض (١) كتفه وقلت: خذها وأنا ابن الأكوع. فقال: يا ثكلته أمه، أكْوَعُه بُكْرَةَ (٢)؟ قلت: نعم يا عدوَّ نفسه. قال: وأوردوا فرسين على ثنيَّةٍ، فجئت بهما أسوقُهما إلى رسول الله ﷺ . ولحقني عامرٌ بسطيحةٍ فيها مَذْقَةٌ من لبن، وسطيحةٍ فيها ماءٌ فتوضأت وشربت، فأتيت رسولَ الله ﷺ وهو على الماء الذي حَلَّيْتهم عنه، فإذا رسول الله ﷺ قد أخذ تلك الإبلَ، وكلَّ بُرْدَةٍ ورُمحٍ استنقذته من المشركين، وكلَّ شيءٍ خلَّصتُه، وإذا بلال قد نحر ناقة من الإبل الذي استنقذت من القوم وهو يشوي منها لرسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، خَلِّني، وأَنْتَخِبُ من القوم مئة رجل فأتبعُ القوم فلا أُبقي منهم مُخبِّرًا إلا قتلته. فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه في ظل النار، وقال: "يا سَلَمةُ، أَتُراكَ كُنتَ فَاعِلًا"؟ قلت: نعم والذي أكرمك، فقال: "إِنَّهم الآَنَ ليُقْرَوْنَ في أَرضِ غَطَفانَ". فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جَزورًا، فلما كشطوا جلده رأوا غبارًا، فقالوا: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين، فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ : "خَيرُ فُرسانِنَا اليَومَ أَبو قَتَادَةَ، وخَيرُ رَجَّالَتِنا سَلَمةُ". قال: وأعطاني رسول الله ﷺ سهمين: سهم للفارس وسهم للراجل، فجمعهما لي جميعًا، ثم أردفني رسول الله ﷺ على العَضْباءِ راجعين إلى المدينة. قال: فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ (٣). وسنذكر تمام الحديث إن شاء الله تعالى في غزاة خيبر.

стр. 1541

وفيها: كانت سرية عُكَّاشةَ بن مِحْصَن إلى الغَمْر (١)، في ربيع الآخرة، وهو ماء لبني أسد على ليلتين من فَيْد، ويقال له: غَمْر مرزوق، خرج رسول الله ﷺ (٢) في أربعين رجلًا منهم ثابت بن أَقْرَم، وشجاع بن وهب، فنزل ماءهم فهربوا، فساق مئتي بعير إلى المدينة. وفيها: كانت سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القَصَّةِ (٣)، في ربيع الآخر، وبين ذي القَصَّةِ والمدينةِ أربعةٌ وعشرون ميلًا من ناحية الرَّبَذةِ، وكان مع محمد عشرة من الأنصار، فَبَدرهُم العدوُّ فقتلوهم، ونجا محمد جريحًا مُثْخنًا. وفيها: كانت سرية أبي عبيدةَ بن الجراح ﵁ إلى ذي القَصَّة أيضًا (٤)، يطلب ثأرًا له، للذين قُتِلوا مع محمد، وكان هناك أنمار، وثعلبة، ومحارب، وكان أبو عبيدة في أربعين رجلًا، فلما بلغهم مجيئه هربوا في الجبال، فاستاق نَعَمَهمُ إلى المدينة،

стр. 1542

وأصابوا رجلًا واحدًا فأسلم، فتركه رسول الله ﷺ . وفيها: كانت سرية زيد بن حارثة (١) إلى بني سُليم في ربيع الآخر، وكانوا بمكان يقال له: الجَموم، بينه وبين المدينة أربعةُ بُرُدٍ، فمروا بامرأة من مُزَيْنَةَ يقال لها: حليمة، فدلَّتهم على العدو وساعدهم زوجها (٢)، فأصابوا من بني سُليم نَعَمًا وأسرى وشاءً، فلما عاد زيد إلى المدينة، حمل المرأة وزوجها ووهب الجميع لزوجها (٣). وفيها: كانت سرية زيد أيضًا إلى العيص (٤)، في جمادى الأولى، وبينه وبين المدينة أربعة أميال، في مئة وسبعين راكبًا يطلب عِير قريشٍ، جاءت من الشام، أخذها وما فيها، وأسر أبا العاص بن الربيع زوج زينب ﵍ بنت رسول الله ﷺ ، فقدم به المدينة. وقال الواقدي: هرب أبو العاص من زيد، فدخل المدينة ليلًا وأتى باب زينب ﵂ فاستجار بها فأجارته، فلما خرج رسول الله ﷺ لصلاة الفجر، صاحت زينب ﵍: أيها الناس، إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فلما سلَّم رسول الله ﷺ قال: "سَمِعتُم ما سَمِعتُ"؟ قالوا: نعم، قال: "فَوَالذي نَفسِي بِيَده ما عَلِمتُ بشَيءٍ ممَّا كَانَ، حتى سَمِعتُ ما سَمعتُم، إنه يُجِيرُ على النَّاس أَدناهُم، وقد أَجرتُ مَن أَجارَتْ زَينَبُ"، ثم قال: "يا بُنيَّةُ، أَكرِمي مَثواهُ، ولا يَخْلُصْ إليكِ؛ فإنَك لا تَحِلِّينَ له" ثم ردَّ عليه ماله. وخرج أبو العاص إلى مكة، ثم عاد إلى المدينة مسلمًا. وذكر موسى بن عقبة: أن الذي أسر أبا العاص إنما هو أبو بَصير وأبو جَندل، قال: لما قال رسول الله ﷺ لأبي بصير بعد قتل جُحيش: "اذهَبْ أَينَ شِئتَ". خرج في خمسة نفرٍ كانوا قدموا معه من مكة مسلمين، فنزلوا بين العِيص وذي المَروْة يقطعون الطريق

стр. 1543

على قريش، وأفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو في سبعين راكبًا أسلموا وهاجروا، وكرهوا أن يَقْدموا على النبي ﷺ في هدنة المشركين، فلحقوا بأبي بَصير، وكان أبو بَصير يَؤُمُّ بأصحابه، فلما قدم أبو جندل كان هو الإمامَ، واجتمع إليهم أُناس من بني غِفار وأسلمَ وجُهَينَة، وطوائفُ مسلمون حتى بلغوا ثلاث مئة مقاتل، فأرسلت قريش أبا سفيان بن حرب إلى رسول الله ﷺ يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير وأبي جندل ومن معهم أن يَقْدِموا عليه، وشكَوْا إليه ما يلاقون منهم، ولم يزل أبو بصير وأبو جندل وأصحابُهما بذلك المكان حتى مرَّ بهم أبو العاص من الشام في رِفْقة من قريش، فأخذوهم وأخذوا ما معهم، ولم يقتلوا منهم أحدًا لأجل أبي العاص وخَلَّوْا سبيله، فقدم المدينة فجاء إلى زينب ﵍، واستجار بها، وكلَّمها في أصحابه وما أُخِذَ لهم. فكلَّمت رسول الله ﷺ في ذلك، فقام خطيبًا وقال: "إنَّا صَاهَرنَا أُناسًا، وصَاهَرنا أَبا العاصِ فَنِعم الصِّهْرُ وجَدناهُ، وإنَّه أَقَبَل من الشَّام ومَعَه رِفقَةٌ، فأَخَذَهم أَبو جَنْدَلٍ وأَبو بَصِيرٍ، وأَخَذوا ما كانَ مَعَهم، وقد سَأَلتني زَينبُ أَن أُجِيرَهُم، فَهَل أَنتُم مجيرونَ أَبا العاصِ وأصحابَه"؟ قال الناس: نعم. وبلَغ أبا بصيرٍ وأبا جندلٍ، فردوا عليهم جميع ما أخذوه حتى العِقالَ، وكتب لهم رسول الله ﷺ يأمرهم بالقدوم عليه (١). * * * وفيها: كانت سريةُ زيدٍ - أيضًا - إلى الطَّرَفِ (٢) ما دون النُّخَيل على ستة وثلاثين ميلًا من المدينة قريبًا من المِراضِ في خمسةَ عشر رجلًا، فأغار على بني ثعلبة وعاد سالمًا. * * *

стр. 1544

وفيها: كانت سرية زيد - أيضًا - إلى حِسْمى (١) وراء وادي القُرى، فيها جبالٌ شواهقُ مُلْسُ الجوانب لا يكاد القتامُ (٢) يفارقها في جمادى الآخرة. قال الواقدي: وسببها: أن رسول الله ﷺ بعث دِحْيَةَ بنَ خليفةَ الكَلْبي إلى قيصر ملك الروم بكتابه، ثم عاد وقد أجازه قيصر وكساه، فلقيه الهُنيد بن عارض في ناسٍ من جُذام فقطعوا عليه الطريق، وأخذوا ما كان معه وأسروه. فسمع قوم من بني الضُّبَيب فاستنقذوه منهم، فلما قدم دِحية على رسول الله ﷺ أخبره، فبعث زيدًا في خمس مئة وردَّ معه دِحْيَةَ، وكان يسير ليلًا ويكمُنُ نهارًا حتى بغتهم، فقتل الهُنيدَ وأباه وابنه، وجماعةً من قومه، وسبى مئة من الرجال والنساء، وأخذ ألف بعير، وخمسة آلاف شاة، وكان فيهم قومٌ من جُذام، فقدم زيد بن رِفاعة الجُذامي المدينة بكتاب كان رسول الله ﷺ كتبه له ولقومه ليالي الهجرة، فأسلم وقومه، فرد عليه رسول الله ﷺ جميع ما أخذوه منهم، وقال له زيد بن رفاعة: يا رسول الله، لا تحرِّم علينا حلالًا ولا تحل حرامًا. فقال: "كَيفَ أَصنَعُ بالقَتْلَى"؟ فقال أبو يزيد بن عمرو - وكان من قوم رفاعة -: أطلق لنا من كان حيًا، ومن قتل فهو تحت قدميَّ هاتَيْن. قال: صدق، فردَّهم عليه. قال المصنف ﵀: وقول الواقدي إن هذه الواقعة كانت بسبب دحية عند رجوعه من عند قيصر، وهمٌ لأنَّ رسولَ الله ﷺ إنما كتب إلى قيصرَ وغيرِه بعد غزاة الحديبية في آخر هذه السنة، وجاءه الجواب في سنة سبع من الهجرة. وفيها: كانت سرية عبد الرحمن بن عوف (٣)، إلى دُوْمة الجندل إلى كلب، وعمَّمه رسول الله ﷺ بيده وقال له: "اغْزُ بسْمِ اللهِ، وعلى بَرَكةِ اللهِ، ولا تَغُلَّ ولا تَغْدِر، ولا تَقتُلْ وَليدًا ولا امْرأَةً". فسار حتى وصل إلى ماء بين خيبر وفَدَك يقال له: الهَمَج، فوجد

стр. 1545

رجلًا فأمّنه وسأله عنهم، فدلَّه عليهم، فصَبَّحهم وقت الغارة، فأسر سيدهم الأصبغ بن عمرو الكلبي فأسلم، وتزوج عبد الرحمن ابنته تماضر، فهي أم ولده سلمة بن عبد الرحمن، وهرب بعضهم فأخذ منهم خمس مئة بعير وألفي شاة (١). وفيها: كانت سرية علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى فَدَك (٢) في شعبان وفيها بنو سعد بن بكر، وكانوا قد عزموا على إمداد يهود خيبر، فأغار عليهم، وأخذ منهم خمس مئة بعير وألفي شاة، وكان معه مئة راجل. وفيها: في رمضان كانت سرية زيد بن حارثة إلى أم قِرْفَةَ (٣) بوادي القرى، على سبع مراحل من المدينة. وسببه: أن زيدَ بن حارثة خرج إلى الشام تاجرًا في جماعة، فلما عاد إلى وادي القرى لقيه جماعة فيهم أمُّ قِرْفةَ، فأخذوا ما كان معهم، وقتلوهم، وأثخنوا زيدًا بالجراح، فارتُثَّ بين القتلى ثم تحامل في الليل إلى المدينة، وأقام حتى اندملت جراحه، وكان قد نذر أن لا يغتسل من جنابةٍ حتى يغزوَ أُمَّ قرفة، فسار إليها في جيش كثيف فقتل مَن كان بالوادي، وأخذ أم قرفة فربطها بين بعيرين وساق بها حتى قطعها نصفين، ومثَّل بها. وكانت عجوزًا كبيرة منيعة يضرب بها المثل: لو كنت أعز من أم قرفة، ما زاد على هذا. واسمها: فاطمة بنت ربيعة، وقيل: بنت ربعة، وقيل: بنت حذيفة بن بدر، وأخذ سلمة بن الأكوع ابنتها سلمى، وقيل: حارثة بنت مالك، فسأله النبي ﷺ يهبُها له، فأهداها لخاله حَزْن بن أبي وهب، فولدت له عبد الرحمن بن حزن، ولما عاد زيد إلى المدينة طرق باب رسول الله ﷺ فقام إليه عريانًا واعتنقه وقبله. وقال الهيثم بن عدي: كان أبو بكر ﵁ أمير هذه السرية، والأصح: أن السرية التي كان أبو بكر رضوان الله عليه أميرها، وجرت له الواقعة مع سلمة كانت في سنة تسع.
следующие страницы →