← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وفيها: كانت سرية عُكَّاشةَ بن مِحْصَن إلى الغَمْر (١)، في ربيع الآخرة، وهو ماء لبني أسد على ليلتين من فَيْد، ويقال له: غَمْر مرزوق، خرج رسول الله ﷺ (٢) في أربعين رجلًا منهم ثابت بن أَقْرَم، وشجاع بن وهب، فنزل ماءهم فهربوا، فساق مئتي بعير إلى المدينة. وفيها: كانت سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القَصَّةِ (٣)، في ربيع الآخر، وبين ذي القَصَّةِ والمدينةِ أربعةٌ وعشرون ميلًا من ناحية الرَّبَذةِ، وكان مع محمد عشرة من الأنصار، فَبَدرهُم العدوُّ فقتلوهم، ونجا محمد جريحًا مُثْخنًا. وفيها: كانت سرية أبي عبيدةَ بن الجراح ﵁ إلى ذي القَصَّة أيضًا (٤)، يطلب ثأرًا له، للذين قُتِلوا مع محمد، وكان هناك أنمار، وثعلبة، ومحارب، وكان أبو عبيدة في أربعين رجلًا، فلما بلغهم مجيئه هربوا في الجبال، فاستاق نَعَمَهمُ إلى المدينة،

стр. 1542

وأصابوا رجلًا واحدًا فأسلم، فتركه رسول الله ﷺ . وفيها: كانت سرية زيد بن حارثة (١) إلى بني سُليم في ربيع الآخر، وكانوا بمكان يقال له: الجَموم، بينه وبين المدينة أربعةُ بُرُدٍ، فمروا بامرأة من مُزَيْنَةَ يقال لها: حليمة، فدلَّتهم على العدو وساعدهم زوجها (٢)، فأصابوا من بني سُليم نَعَمًا وأسرى وشاءً، فلما عاد زيد إلى المدينة، حمل المرأة وزوجها ووهب الجميع لزوجها (٣). وفيها: كانت سرية زيد أيضًا إلى العيص (٤)، في جمادى الأولى، وبينه وبين المدينة أربعة أميال، في مئة وسبعين راكبًا يطلب عِير قريشٍ، جاءت من الشام، أخذها وما فيها، وأسر أبا العاص بن الربيع زوج زينب ﵍ بنت رسول الله ﷺ ، فقدم به المدينة. وقال الواقدي: هرب أبو العاص من زيد، فدخل المدينة ليلًا وأتى باب زينب ﵂ فاستجار بها فأجارته، فلما خرج رسول الله ﷺ لصلاة الفجر، صاحت زينب ﵍: أيها الناس، إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فلما سلَّم رسول الله ﷺ قال: "سَمِعتُم ما سَمِعتُ"؟ قالوا: نعم، قال: "فَوَالذي نَفسِي بِيَده ما عَلِمتُ بشَيءٍ ممَّا كَانَ، حتى سَمِعتُ ما سَمعتُم، إنه يُجِيرُ على النَّاس أَدناهُم، وقد أَجرتُ مَن أَجارَتْ زَينَبُ"، ثم قال: "يا بُنيَّةُ، أَكرِمي مَثواهُ، ولا يَخْلُصْ إليكِ؛ فإنَك لا تَحِلِّينَ له" ثم ردَّ عليه ماله. وخرج أبو العاص إلى مكة، ثم عاد إلى المدينة مسلمًا. وذكر موسى بن عقبة: أن الذي أسر أبا العاص إنما هو أبو بَصير وأبو جَندل، قال: لما قال رسول الله ﷺ لأبي بصير بعد قتل جُحيش: "اذهَبْ أَينَ شِئتَ". خرج في خمسة نفرٍ كانوا قدموا معه من مكة مسلمين، فنزلوا بين العِيص وذي المَروْة يقطعون الطريق

стр. 1543

على قريش، وأفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو في سبعين راكبًا أسلموا وهاجروا، وكرهوا أن يَقْدموا على النبي ﷺ في هدنة المشركين، فلحقوا بأبي بَصير، وكان أبو بَصير يَؤُمُّ بأصحابه، فلما قدم أبو جندل كان هو الإمامَ، واجتمع إليهم أُناس من بني غِفار وأسلمَ وجُهَينَة، وطوائفُ مسلمون حتى بلغوا ثلاث مئة مقاتل، فأرسلت قريش أبا سفيان بن حرب إلى رسول الله ﷺ يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير وأبي جندل ومن معهم أن يَقْدِموا عليه، وشكَوْا إليه ما يلاقون منهم، ولم يزل أبو بصير وأبو جندل وأصحابُهما بذلك المكان حتى مرَّ بهم أبو العاص من الشام في رِفْقة من قريش، فأخذوهم وأخذوا ما معهم، ولم يقتلوا منهم أحدًا لأجل أبي العاص وخَلَّوْا سبيله، فقدم المدينة فجاء إلى زينب ﵍، واستجار بها، وكلَّمها في أصحابه وما أُخِذَ لهم. فكلَّمت رسول الله ﷺ في ذلك، فقام خطيبًا وقال: "إنَّا صَاهَرنَا أُناسًا، وصَاهَرنا أَبا العاصِ فَنِعم الصِّهْرُ وجَدناهُ، وإنَّه أَقَبَل من الشَّام ومَعَه رِفقَةٌ، فأَخَذَهم أَبو جَنْدَلٍ وأَبو بَصِيرٍ، وأَخَذوا ما كانَ مَعَهم، وقد سَأَلتني زَينبُ أَن أُجِيرَهُم، فَهَل أَنتُم مجيرونَ أَبا العاصِ وأصحابَه"؟ قال الناس: نعم. وبلَغ أبا بصيرٍ وأبا جندلٍ، فردوا عليهم جميع ما أخذوه حتى العِقالَ، وكتب لهم رسول الله ﷺ يأمرهم بالقدوم عليه (١). * * * وفيها: كانت سريةُ زيدٍ - أيضًا - إلى الطَّرَفِ (٢) ما دون النُّخَيل على ستة وثلاثين ميلًا من المدينة قريبًا من المِراضِ في خمسةَ عشر رجلًا، فأغار على بني ثعلبة وعاد سالمًا. * * *

стр. 1544

وفيها: كانت سرية زيد - أيضًا - إلى حِسْمى (١) وراء وادي القُرى، فيها جبالٌ شواهقُ مُلْسُ الجوانب لا يكاد القتامُ (٢) يفارقها في جمادى الآخرة. قال الواقدي: وسببها: أن رسول الله ﷺ بعث دِحْيَةَ بنَ خليفةَ الكَلْبي إلى قيصر ملك الروم بكتابه، ثم عاد وقد أجازه قيصر وكساه، فلقيه الهُنيد بن عارض في ناسٍ من جُذام فقطعوا عليه الطريق، وأخذوا ما كان معه وأسروه. فسمع قوم من بني الضُّبَيب فاستنقذوه منهم، فلما قدم دِحية على رسول الله ﷺ أخبره، فبعث زيدًا في خمس مئة وردَّ معه دِحْيَةَ، وكان يسير ليلًا ويكمُنُ نهارًا حتى بغتهم، فقتل الهُنيدَ وأباه وابنه، وجماعةً من قومه، وسبى مئة من الرجال والنساء، وأخذ ألف بعير، وخمسة آلاف شاة، وكان فيهم قومٌ من جُذام، فقدم زيد بن رِفاعة الجُذامي المدينة بكتاب كان رسول الله ﷺ كتبه له ولقومه ليالي الهجرة، فأسلم وقومه، فرد عليه رسول الله ﷺ جميع ما أخذوه منهم، وقال له زيد بن رفاعة: يا رسول الله، لا تحرِّم علينا حلالًا ولا تحل حرامًا. فقال: "كَيفَ أَصنَعُ بالقَتْلَى"؟ فقال أبو يزيد بن عمرو - وكان من قوم رفاعة -: أطلق لنا من كان حيًا، ومن قتل فهو تحت قدميَّ هاتَيْن. قال: صدق، فردَّهم عليه. قال المصنف ﵀: وقول الواقدي إن هذه الواقعة كانت بسبب دحية عند رجوعه من عند قيصر، وهمٌ لأنَّ رسولَ الله ﷺ إنما كتب إلى قيصرَ وغيرِه بعد غزاة الحديبية في آخر هذه السنة، وجاءه الجواب في سنة سبع من الهجرة. وفيها: كانت سرية عبد الرحمن بن عوف (٣)، إلى دُوْمة الجندل إلى كلب، وعمَّمه رسول الله ﷺ بيده وقال له: "اغْزُ بسْمِ اللهِ، وعلى بَرَكةِ اللهِ، ولا تَغُلَّ ولا تَغْدِر، ولا تَقتُلْ وَليدًا ولا امْرأَةً". فسار حتى وصل إلى ماء بين خيبر وفَدَك يقال له: الهَمَج، فوجد

стр. 1545

رجلًا فأمّنه وسأله عنهم، فدلَّه عليهم، فصَبَّحهم وقت الغارة، فأسر سيدهم الأصبغ بن عمرو الكلبي فأسلم، وتزوج عبد الرحمن ابنته تماضر، فهي أم ولده سلمة بن عبد الرحمن، وهرب بعضهم فأخذ منهم خمس مئة بعير وألفي شاة (١). وفيها: كانت سرية علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى فَدَك (٢) في شعبان وفيها بنو سعد بن بكر، وكانوا قد عزموا على إمداد يهود خيبر، فأغار عليهم، وأخذ منهم خمس مئة بعير وألفي شاة، وكان معه مئة راجل. وفيها: في رمضان كانت سرية زيد بن حارثة إلى أم قِرْفَةَ (٣) بوادي القرى، على سبع مراحل من المدينة. وسببه: أن زيدَ بن حارثة خرج إلى الشام تاجرًا في جماعة، فلما عاد إلى وادي القرى لقيه جماعة فيهم أمُّ قِرْفةَ، فأخذوا ما كان معهم، وقتلوهم، وأثخنوا زيدًا بالجراح، فارتُثَّ بين القتلى ثم تحامل في الليل إلى المدينة، وأقام حتى اندملت جراحه، وكان قد نذر أن لا يغتسل من جنابةٍ حتى يغزوَ أُمَّ قرفة، فسار إليها في جيش كثيف فقتل مَن كان بالوادي، وأخذ أم قرفة فربطها بين بعيرين وساق بها حتى قطعها نصفين، ومثَّل بها. وكانت عجوزًا كبيرة منيعة يضرب بها المثل: لو كنت أعز من أم قرفة، ما زاد على هذا. واسمها: فاطمة بنت ربيعة، وقيل: بنت ربعة، وقيل: بنت حذيفة بن بدر، وأخذ سلمة بن الأكوع ابنتها سلمى، وقيل: حارثة بنت مالك، فسأله النبي ﷺ يهبُها له، فأهداها لخاله حَزْن بن أبي وهب، فولدت له عبد الرحمن بن حزن، ولما عاد زيد إلى المدينة طرق باب رسول الله ﷺ فقام إليه عريانًا واعتنقه وقبله. وقال الهيثم بن عدي: كان أبو بكر ﵁ أمير هذه السرية، والأصح: أن السرية التي كان أبو بكر رضوان الله عليه أميرها، وجرت له الواقعة مع سلمة كانت في سنة تسع.

стр. 1546

قال سلمة: خرجت مع أبي بكر في سرية، فأخذتُ امرأةً معها ابنةٌ لم يكن في العرب أحسنُ منها، فلما قدمنا المدينة، قال رسول الله ﷺ : "يا سَلَمةُ، هَبْها لي". فقلت: هي لك يا رسول الله، والله ما كشفت لها ثوبًا. فبعث بها إلى مكة ففدى بها أسارى من المسلمين (١). * * * وفيها: كانت سرية عبد الله بن رَواحة (٢) إلى أُسَيْرِ بن رِزام (٣) اليهودي بخيبر في شوال، وكانت اليهود قد أمَّرته عليها بعد قتل أبي رافع، فسار في القبائل يحرضهم على رسول الله ﷺ ، فبعث إليه عبدَ الله ابن رواحة، وعبدَ الله بن أُنَيس، وآخرَ، فلما جاؤوا إليه قالوا له: إن رسول الله ﷺ قد استعملك على خيبر، فاقدم عليه ليحسن إليك. فخرج معهم فلما وصل قَرْقَرةَ، ندم وعزم على الهرب، ففهم عبد الله بن أنيس حاله فقال: أغَدْرًا يا عدو الله، فقتله. * * * وفيها: كانت سرية كُرْز بن جابر إلى العُرَنِيِّين (٤)، في شوال، في عشرين فارسًا. قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا ابن أبي عدي، عن حُمَيد، عن أنس قال: أسلَمَ ناسٌ من عُرَيْنةَ فاجتوَوا المدينة، فقال لهم النبي ﷺ : "لو خَرَجتُم إلى ذَوْدٍ لَنا فَشَربتُم من أَلْبانِها" - ما قال حميد، وقال قتادة عن أنس: "وأَبْوَالِها" - فلما صَحُّوا كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي رسول الله ﷺ وساقوا الذَّوْدَ وهربوا، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم، فأُخِذوا، فقَطَّعَ رسول الله ﷺ أيديَهم وأرجلَهم، وسَمَر أَعينهم، وتركهم في

стр. 1547

الحَرَّةِ حتى ماتوا. أخرجاه في "الصحيحين (١) ". قال الواقدي: وكانت اللِّقاح خَمْس عشرة غِزارًا، فردّها إلى المدينة، وفقدوا منها واحدة نحروها، ويقال لها: الحناء، والذي خرج في آثارهم يسار مولى رسول الله ﷺ في ثلاثة نفر، وقيل: هم الرعاة، فعطفوا عليهم فقطعوا يد يسار ورجله، وغَرسوا في لسانه وعينيه شوكًا حتى مات، فبعث رسول الله ﷺ كُرْز بن جابر الفهري في خمسين فارسًا، فجاء بهم إلى المدينة، ففعل بهم ما ذكر أنس، وهذا كُرز هو الذي أغار على سَرْح المدينة، وخرج رسول الله ﷺ خلفه فلم يدركه، ثم منَّ الله عليه بالإسلام، وقتل يوم الفتح، لما يذكر إن شاء الله تعالى. * * * وفيها: كانت غزاة الحُدَيْبية (٢)، وهي شجرة حَدْباء على تسعة أميال من مكة، وقيل: هي اسم بئر. قال ابن إسحاق وغيره: خرج رسول الله ﷺ من المدينة معتمرًا في ذي القعدة لا يريد حربًا، واستنفر مَنْ حوله من الأعراب الذين يسكنون قريبًا من المدينة ليسيروا معه مخافة أن تَصُدَّهُ قريش عن البيت، فأبطأ عليه كثير منهم، فخرج في المهاجرين والأنصار، ولحقه بعض القبائل فصلى ركعتين، وركب راحِلَته القصواءَ بعد ما أحرمَ بعُمْرةٍ ليأمن الناس منه، وساق الهَدْيَ ليعلمَ الناسُ أنه جاء معظَّمًا للبيت، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وخرج يوم الإثنين لهلال ذي القعدة، ولم يأخذ معه من السلاح إلا السيوف في القُرُبِ، وأشْعَرَ بُدْنَهُ في شقها الأيمن، وساق الصحابة بُدْنَهم وأشعروها، وكان في البُدْنِ جَمَلُ أبي جهل الذي غنمه يوم بدر، وكان في رأسه بُرَةٌ من فضة ليغيظ به الكفار. وفي "المسند": عن ابن عباس قال: أهدى رسول الله ﷺ مئة بَدَنَةٍ فيها جملُ أبي

стр. 1548

جهل، في أنفه بُرَةٌ من فضة ليغيظ به المشركين (١). ولم يذكر في الحديبية. وقال هشام (٢): كان معه سبعون بَدَنةً، البَدَنَةُ عن عشرة أنفس، وهذا يدل على أنهم كانوا سبع مئة. وفي الصحيح: أنهم كانوا بضع عشرة مئة (٣). وقال ابن عباس: كانوا ألفًا وخمس مئة، وقيل: ألفًا وثلاث مئة (٤)، ويحتمل أنهم كانوا حين خرجوا من المدينة سبع مئة، ثم لحقهم الناس فزادوا على ألف فارس. قال الواقدي: وأخرج رسول الله ﷺ معه أم سلمة، فلما كان بعُسْفان لقيه بُسْر بن سفيان الخزاعي، وقيل: إنما لقيه بغَدير الأَشْطاط، فقال له: يا رسول الله، أو يا محمد، هذه قريش سمعت بمسيرك، فأَجْمَعَتْ على صدِّك عن البيت الحرام، وقد خرجوا بالعُوذِ المَطافيل، قد لبسوا جلود النمور، ونزلوا بذي طُوى يَأْلونَ بالله لا تدخُلُها عليهم أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدَّموه إلى كُراع الغَميمِ، وقدَّموا مئتي فارس مع خالد (٥). قال المصنف ﵀: وذكر الطبري في "تاريخه": أن خالد بن الوليد كان مع رسول الله ﷺ يومئذ مسلمًا، وأن عكرمة بن أبي جهل خرج من مكة في خمس مئة فارس، وأن النبي ﷺ قال لخالد بن الوليد: "هَذا ابنُ عَمِّكَ قَد أَتَاكَ في الخَيلِ". فقال خالد: أنا سيف الله وسيف رسوله، قال: فيومئذ سمي سيف الله. ثم قال خالد: يا رسول الله، ارم بي حيث شئت، فبعثه على خيل فلقي عكرمة في الشِّعب فهزمه، فأنزل

стр. 1549

الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] الآية (١). قال المصنف ﵀: والعجب من الطبري أن يذكر مثل هذا، ولا خلاف بين عُلماء النقل أن خالد بن الوليد أسلم في سنة ثمان من الهجرة. قال ابن إسحاق: ولما قال بسْر لرسول الله ﷺ ما قال، قال: "يا وَيْحَ قُريشٍ، ماذا عليهم لو خَلُّوا بَيني وبَين سائِرِ العربِ، فإنْ هُم أَصابُوني كان الذي أَرادُوا، وإنْ أَظْهَرَني اللهُ عليهم دَخَلُوا في الإِسلامِ وافِرينَ، واللهِ لا أَزالُ أُجاهِدُهم حتى يُظْهِرَ اللهُ أَمْرَه، أَو يَفْرق بَين سَالِفَتي وذاقِنَتي"، ثم قال: "مَن يخرج بنا على غير الطَّريقِ التي هُم عليها"؟ فقال رجل من أسلم: أنا. فسلك بهم طريقًا وَعِرَةً بين الشِّعاب، فشق ذلك على المسلمين، ثم خرجوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، فقال لهم رسول الله ﷺ : "قُولُوا: نَستَغفِرُ اللهَ ونَتُوبُ إليهِ". فقالوها، فقال: "والذِي نَفْسِي بِيَدهِ إنَّها لَلحِطَّةُ التي عُرِضَت على بني إِسْرائِيلَ، فلم يَقبَلُوها، وبدَّلُوها، ولم يَقُولُوها"، ثم قال: "اسْلُكُوا ذَاتَ اليَمينِ" في طريق يخرجه إلى ثَنِيَّةِ المُرار على مهبط الحديبية من أسفل مكة. فلما رأت قريش قَتَرَة الجيش، وأنه قد خالفهم في طريقهم، رجعوا ناكصين إلى مكة. ولما سلك رسول الله ﷺ في ثَنِيَّةِ المُرار، بَركت ناقتُه، فقال الناس: خَلَأَتِ القَصْواءُ. فقال رسول الله ﷺ : "ما خَلَأت، ولا هُو بخُلُقٍ لها، ولكِنَّها حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ عن مَكَّةَ، أَمَا والله لا تَدْعُوني قُرَيشٌ اليومَ إلى خُطَّةٍ يَسأَلوني فيها صِلَةَ الرَّحِم أو رُشْدًا إلا أَعطَيتُهم إيَّاها" (٢). وقد أخرج الإمام أحمد والبخاري - رحمهما الله - حديثًا رفعاه إلى المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمة ومروان بن الحكم، قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يُريد زيارة البيت، لا يُريد قتِالًا، وسَاق معه الهَدْيَ سبعين بَدَنَةً، وكان الناس سبعَ مئةِ رجلٍ، فكانت كل بدنة عن عَشَرَةٍ، حتى إذا كان رسول الله ﷺ بعُسْفان، لقيه بُسر بن سفيان الكَعْبي، فقال: يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجت معها العُوذُ المَطَافيل قد لبسوا جُلودَ النُّمور، معاهدون الله أن لا تدخُلَها عليهم عَنْوَةً أبدًا، وهذا خالد بن الوليد

стр. 1550

في خيلهم قد قدَّموه إلى كُراع الغَميم. فقال رسول الله ﷺ : "يا وَيْحَ قُرَيشٍ، لَقد أَكَلَتهُمُ الحَربُ، ماذا عليهم لو خَلَّوْا بيني وبينَ سائرِ النَّاسِ، فإنْ أَصابُوني كانَ الذي أَرَادُوا، وإنْ أَظْهَرَني اللهُ عليهم دَخَلُوا في الإسلامِ وهم وَافِرُونَ، وإنْ يَفعَلُوا قَاتَلُوا وبهم قُوَّةٌ، فماذا تَظنُّ قُرَيشٌ؟ واللهِ لا أَزَالُ أُجَاهِدُهم على الذي بَعَثَني اللهُ عليه - أوله - حتى يُظهِرَه اللهُ، أو تَنفَرِدَ هذه السَّالِفَةُ"، ثم أمر الناس فَسَلكوا ذات اليمين بين ظَهري الحَمْض على طريقٍ تخرجه على ثَنِيَّةِ المُرار والحديبية من أسفل مكة. قال: فسلكوا بالجيش تلك الطريق، فلما رأت قريش الجيش قد خالفوهم عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى مكة، ولما سلك رسول الله ﷺ ثَنِيَّةَ المُرار بركت ناقته، فقال الناس: خَلَأَتْ. قال: "ما خَلَأَت وما هو بخُلُقٍ لها، ولكِنْ حَبَسَها حَابِسُ الفيلِ، أما والله لا تَدعُوني قُرَيشٌ اليومَ إلى خُطَّةٍ يَسأَلوني فيها صِلةَ رَحِمٍ إلا أَعطَيتُهم إيَّاها". ثم قال للناس: "انزِلُوا". فقالوا: يا رسول الله، ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس. فأخرج رسول الله ﷺ سهمًا من كِنانته، فأعطاه رجلًا من أصحابه، فنزل في قَليب من تلك القُلُبِ فغرزه فيه، فجاش الماء حتى ضرب الناس عنه بعَطَن، فلما اطمأن الناس (١) إذا بِبُدَيْل بن وَرْقاءَ الخُزاعي في رجال من خُزاعة، فقال لهم كقوله لبُسْر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش، فقالوا: يا معشر قريش، إنكم تَعجَلون على محمد، إن محمدًا لم يأت لقتال، إنما جاء زائرًا لهذا البيت معظِّمًا لحقه، فاتهموهم. قال محمد بن إسحاق: قال الزهري: وكانت خزاعةُ عَيْبَةَ نُصْحٍ لرسول الله ﷺ مشركُها ومسلمها، لا يُخفون عنه شيئًا كان بمكة، قالوا: وإنْ كان إنما جاء لذلك، فلا والله لا يدخلها أبدًا علينا عَنْوةً، ولا تتحدث بذلك العرب. ثم بعثوا إليه مِكْرَزَ بن حَفْص أحدَ بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا رَجُل غَادِرٌ". فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ، كلَّمه بنحو ما كلَّم به أصحابه، فرجع إلى قريش فأخْبَرهم. فبعثوا إليه الحِلْسَ بنَ علقمة الكِنَاني وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله

стр. 1551

ﷺ قال: "هذا مِن قَومٍ يَتَأَلَّهونَ، فابعَثُوا الهَدْيَ". فلما رأى الهَدْيَ يسيل عليه من عُرْض الوادي في قلائده قد أكل أوبارَه من طول الحبس عن مَحِلِّه، رجع ولم يصلْ إلى رسول الله ﷺ إعظامًا لما رأى، فقال: يا معاشر قريش، قد رأيتُ ما لا يَحلُّ صَدُّه، الهَديَ في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن مَحِلِّه، فقالوا: اجلس، فإنما أنت أعرابي لا علم لك. فبعثوا إليه عُرْوةَ بن مسعود الثقفي فقال: يا معاشر قريش، إني قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمد من التعنيف وسوءِ اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعتُ من أطاعني من قومي، ثم جئت حتى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتَّهم. فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه فقال: يا محمد، قد جمعتَ أوباشَ الناس وجئت بهم لبيضتك لتفُضَّها، إنها قريش قد عاهدت الله أن لا تدخلها عليهم عَنوةً أبدًا، وايْمُ اللهِ لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدًا. قال: وأبو بكر ﵁ قاعدٌ خَلْفَ رسول الله ﷺ ، فقال له: امْصَصْ بَظْر اللّاتِ والعزى، أنحن ننكشف عنه؟ فقال: من هذا يا محمد؟ فقال: "ابنُ أَبي قُحافَةَ". فقال: أما والله لولا يدٌ كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها، ثم تناول لحية رسول الله ﷺ ، والمغيرةُ بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد، فقرع يده بقائم سيفه وقال: اكفُفْ يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل والله أنْ لا تصلَ إليك، فقال: يا محمد، من هذا؟ قال: "ابنُ أَخيكَ المُغيرةُ بنُ شُعبةَ". قال: يا غُدَرُ، وهل غَسَلْتَ سوأتك إلا بالأمس؟! فكلَّمه رسول الله ﷺ بما كلَّم به أصحابه، فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ وضوءًا إلا ابتدروه، ولا يَبْصُق بُصاقًا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شَعْرِه شيءٌ إلا أخذوه، فرجع إلى قريش فقال: إني والله جئت قيصرَ وكِسْرى والنجاشي في مُلكهم، والله ما رأيت مَلِكًا قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء أبدًا، فَرَوْا رأيكم. قال: وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك بعث خِراشَ بنَ أُمية الخُزاعي إلى مكة وحمله على جمل له يقال له: الثَّعلب، فأرادت قريش قتله فمنعهم الأحابيش حتى أتى

стр. 1552

رسول الله ﷺ ، فدعا عمر ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عدي أحدٌ يمنعني، وقد عَرَفَتْ قريشٌ عداوتي إيَّاها، وهذا عثمان بن عفان أعزُّ مني. فبعث إليهم رسولُ الله ﷺ عثمان بن عفان يخبرهم أنه لم يأت لحرب أحد، وإنما جاء مُعَظِّمًا لحُرْمةِ هذا البيت، وزائرًا له. فخرج عثمان حتى أتى مكة، فلقيه أبانُ بنُ سعيد بن العاص فنزل عن دابته، وحمله بين يديه، وردف خلفه، وأجاره حتى يُبَلِّغ رسالة رسول الله ﷺ ، فأتى عثمانُ أبا سفيان ووجوهَ قريش، فبلَّغهم رسالةَ رسول الله ﷺ فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطُفْ، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ ، قال: واحتبسته قريش عندها، وبلغ رسول الله ﷺ أن عثمانَ قد قتل. قال محمد بن إسحاق: فحدثني الزهري: أن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو، وقالوا: ائت محمدًا، فصالحه على أن يَرْجِعَ عنا العام، فوالله لا تتحدَّثُ العرب أنه دخل علينا عَنْوة أبدًا. فأتاه سهيل، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "قَد أَرادَ القَومُ الصُّلحَ حينَ بَعَثوا هذا الرَّجلَ" فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ، تكلَّما وطال الكلام بينهما، وتراجعا، واستقر الصلح. فلما الْتَأَم الأمر ولم يَبْقَ إلا الكِتابُ، وثب عمر فأتى أبا بكر فقال له: يا أبا بكر، أَوَلَيْسَ برسولِ الله، أَوَلسنا بالمسلمين، أَوَليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلامَ نُعطي الذِّلَّةَ في ديننا، فقال أبو بكر: الزم غَرْزَهُ حيث كان، فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد. ثم أتى عمرُ رسولَ الله ﷺ فقال له مثل ما قال لأبي بكر، فقال: "أَنَا عبدُ اللهِ ورَسُولُه، لَن أُخَالِفَ أَمرَهُ ولن يُضيِّعَني". قال عمر: فما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتقُ مِنَ الذي صنعتُ مَخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خَيْرًا. ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ فقال: "اكْتُب: بِسْمِ اللهِ الرَّحمن الرَّحيمِ"، فقال له سهيل بن عمرو: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهمَّ. فقال

стр. 1553

رسول الله ﷺ وسلم: "اكتُب: [باسْمِكَ اللَّهمَّ] هذا ما صَالَحَ عليه رسولُ اللهِ ﷺ سُهَيلَ ابنَ عَمْرٍو". فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله، لما قاتلتك، ولكن اكتب: محمد ابن عبد الله. قال: اكتُب: فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عَشْرَ سنين يأمنُ فيها الناس، ويكفُّ بعضُهم عن بعض، وعلى أنه من أتى محمدًا بغير إذن وليه ردَّه عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع محمد لم يردّوه عليه، وأن بيننا عَيْبَةً مكفوفةً، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وأن من أحب أن يدخل في عَقْد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عَقْد قريش وعهدهم دخل فيه. فدخلت خزاعة في عهد رسول الله ﷺ ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وكان في الكتاب: أن يَرْجِعَ عنا عامنا هذا فلا يدخلَ مكة، وإذا كان العام القابل خرجنا عنها، فدخلها بأصحابه ويقيم فيها ثلاثًا معهم سلاح الراكب، لا يدخلها بغير السيوف في القُرُبِ. فبينا علي يكتب الكتاب إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد، قد أَفلت إلى رسول الله ﷺ ، وقد كان أصحابُ رسول الله ﷺ حين خرجوا لا يشكُّون في الفَتْح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ ، فلما رأَوْا ما رأَوْا من الصلح والرجوع وما تحمَّل رسول الله ﷺ على نفسه، دخلهم من ذلك أمرٌ عظيم حتى كادوا يَهْلِكون. ولما رأى سهيلٌ أبا جندلٍ، قام إليه فضرب وجهه وقال: يا محمد، قد تَمَّتِ القضيةُ بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: "صَدَقتَ" فقام إليه فأخذ بتلابيبه. فصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معاشرَ المسلمين، أتردونَني إلى المشركين فيفتنونني عن ديني. قال: فزادَ الناسَ شرًا إلى ما بهم. فقال رسولُ الله ﷺ : "يا أبا جَندَلٍ، اصبِرْ واحْتَسِب، فإنَّ اللهَ جَاعِلٌ لكَ ولِمَن مَعَك من المُستَضعَفينَ فَرَجًا ومَخْرَجًا، إنَّا قد عَقَدنا بَيننا وبينَ القَومِ صُلْحًا، فأعطيناهُم على ذَلكَ عَهدًا، وأعطونا على ذلك عهدًا، وإنَّا لن نَغْدِرَ بهم". قال: فوثب عمر بن الخطاب وجعل يمشي إلى جنب أبي جَنْدَل ويقول: اصبر أبا جَنْدَل، فإنما هم المشركون وإنما هم دم كلب. ويُدْني إليه قائمَ السيفِ رجاءَ أن يأخذَهُ منه فيضربَ به أباه. قال: فضَنَّ الرجل بأبيه، فلما فرغا من الكتاب وكان رسول الله ﷺ يصلي في

стр. 1554

الحَرم وبعضه في الحل، فقام وقال: "أَيُّها النَّاسُ، انْحَروا واحلقُوا". فما قام أحد، فدخل رسول الله ﷺ على أمِّ سَلَمةَ فشكا إليها الناسَ، فقالت: يا رسول الله، قد دخلهم ما رأيتَ فلا تكلِّمَنَّ منهم إنسانًا، واعْمِدْ إلى هَدْيكَ حيث كان فانحره واحلق رأسك، فلو قد فعلتَ ذلك فعله الناس. فخرج رسول الله ﷺ ففعل ذلك، فقام الناس ينحرون ويحلقون حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وَسَطِ الطريق نزلت سورة الفتح. وجاء نِسْوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فطلّق عمر رضوان الله عليه امرأتين كانتا له في الجاهلية، فتزوج إحداهما معاويةُ بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة (١). قال موسى بن عقبة: وتفلَّت رجلٌ من أهل الإسلام من ثقيف يقال له: أبو بَصير بن أُسَيْد، فأتى رسولَ الله ﷺ مسلمًا مهاجرًا، فبعث في أثره الأخنسُ بن شَريق رجلين من بني مِنْقَر، أحدهما مولى، والآخر جحش بن خليفة من أنفسهم، وجعل لهما جُعْلًا في إحضاره، فدفعه رسول الله ﷺ إليهما، فخرجا به حتى إذا كانا بذي الحُلَيْفةِ سلَّ جحش سيفه ثم هزه وقال: سأضرب بسيفي هذا في الأوس والخزرج يومًا إلى الليل. فقال له أبو بَصير: أَوَ صارِمٌ سيفُك هذا؟ قال: نعم. قال: ناولنيه لأنظر إليه. فلما قبضه ضربه به حتى بَرد، ويقال: بل تناول سيف المِنْقري وهو نائم فقطع به إسارَه ثم ضربه به حتى برد، وطلب الآخر ففرَّ مذعورًا حتى دخل المسجد على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "لقد رأى هذا ذُعْرًا". فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ قال: قُتِلَ والله صاحبي، وإني والله لمقتول. وجاء أبو بَصير بسَلَبِ المقتول فقال: يا رسول الله، خمِّسْه. فقال: "إذا خَمَّسْتُه لم أَفِ لهم بالذي عَاهَدتُهم عليه، ولكِنْ عليك بسَلَبِ صاحِبِكَ واذهَب حيثُ شِئتَ". وقيل: جاء أبو بَصير إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، قد أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم. فقال رسول الله ﷺ : "ويلُ امِّه مِسْعَرُ حَرْبٍ لو كان له رجال". فلما سمع

стр. 1555

ذلك، عرف أنه سيرجع إليهم فخرج إلى سِيفِ البحر، وتفلت أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عِصابة، فما يسمعون بعِيرٍ خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوها، فقتلوهم وأخذوا أموالَهم، فأرسلت قريش إلى رسول الله ﷺ تناشده الله والرَّحِمَ لَما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فإنه آمن، فأرسل إليهم. وأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] حتى بلغ: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، وكانت حَمِيَّتُهم أنه لم يُقِرّوا ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وحالوا بينه وبين البيت. وقد أخرجه الحميدي في "الجمع بين الصحيحين" أتم من هذا (١). قال ابن إسحاق: والذي نزل بالسهم إلى القَليبِ ناجيةُ بن عمير الأسلمي سائقُ بُدْن رسولِ الله ﷺ ، ولما نزل وقفت عليه جارية من الأنصار وقالت: [من الرجز] يا أَيُّها المائِحُ دَلْوِي دُونَكا إنِّي رَأَيتُ النّاس يَحْمَدونكا يُثنُونَ خيرًا ويُمجِّدونَكا فقال وهو في القليب: قد علمتْ جاريةٌ يمانِيَهْ أنِّي أنا المائِحُ واسمي نَاجِيَهْ (٢) وقد فرقت العرب بين المائح والماتح، فجعلت النقطتين اللتين من تحت لمن تحت، واللتين من فوق لمن فوق. وقال جابر بن عبد الله: عَطِشَ الناس يوم الحديبية، وبين يدي رسول الله ﷺ رَكْوَةٌ يتوضأ منها، إذ جهش الناس إليه أو نحوه، فقال: "ما شأنكم"؟ قالوا: يا رسول الله، ليس لنا ماء نشرب منه ولا نتوضأ به إلا ما بين يديك. فوضع رسول الله ﷺ يده في الرَّكوة فجعل الماء يفيض من بين إصبعيه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا. قال سالم بن أبي الجعد: فقلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مئة ألف لكفانا، لكنا كنا خمس عشرة مئةً.

стр. 1556

أخرجاه في "الصحيحين" (١). تفسير الألفاظ الغريبة: "العوذ المطافيل": هي النِّياق التي وَضَعَت، لأن أولادَها تعوذ بها وأطفالها يأوون إليها. و"قَتَرةُ الجيش": غبرته. و"خَلَأَت الناقة": مثل حَرَنتِ الفرس. وقوله ﷺ : "حَبَسَها حَابسُ الفيلِ" وهو الله تعالى، فعل بها كما فعل بالفيل لما جيء به لهدم البيت. فإن قيل: فرسول الله ﷺ جاء زائرًا معظِّمًا للبيت، فما معنى حِران الناقة؟ فالجواب: إن فيه إشارةً إلى تعظيم البيت، أي: من جاء معظمًا له، هكذا حاله. فكيفَ من جاء مقاتلًا. وأما قوله ﷺ : "وإنَّما أُحِلَّت ليَ ساعةً من نهارٍ" لمكان الضرورة. و"جاش": اضطرب وزخر. و"الجَهْشُ": أن يفزعَ الإنسان إلى غيره، وهو يريد البكاء. وقوله: "ضَرب الناس بعَطَن" أي: تُرِكَت الإبل لتشرب من كثرة الماء. و"المعاطن": مبارك الإبل عند الماء للشرب. قال الواقدي: ولما رجع الحُلَيْس إلى قريش، وأنكر عليهم حبس البُدْن وقالوا له: أنت أعرابي لا علم لك. غضب وقال: والله ما على هذا حالفناكم، ولا عليه عاقدناكم، أن تصدوا عن بيت الله من جاء له معظّمًا، والذي نفسُ الحليسِ بيده لتُخَلُّنَّ بين محمد وبين ما جاء له، أو لأَنْفِرَنَّ بالأحابيش نفرةَ رجل واحد. فقالوا: كُفَّ عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به (٢).

стр. 1557

و"الأوباش": الأخلاط من الناس. وبيضة كل شيء: حوزته، ويقال: هم الأهل. وقول أبي بكر ﵁: "امصص بَظْرَ اللّات والعزى": هو سب لطاغية ثقيف وهي صنمهم. وأَخْذُ عُروةَ بلحية رسول ﷺ : إنما هو على عادة العرب في الملاطفة عند الكلام. والغَرْزُ: موضع الركاب. وقول عمر ﵁ ما قال إنما كان إعزازًا للدين لا اعتراضًا على رسول الله ﷺ ، ولم يعلم باطن الأمر فوقف مع الظاهر، ثم ندم واستغفر ربه. وقوله: "بيننا عيبةٌ مكفوفةٌ" أي: مُشْرَجة، وأراد بالعِياب القلوب، ومعناه: في صدورنا بقية من الغِلِّ والخِداع. وقوله: "لا إسلال" أي: السرقة الخفيفة و"الإغلال": الخيانة. و"الثمد": الماء القليل، وقيل: البئر لا مادة لها، وأعداد مياه الحديبية، العَدُّ: الذي لا انقطاع لمادته. وقوله ﷺ : "وَيلُ امِّه مِسعَرُ حَربٍ". معناه: كلمة تعجُّبٍ من الإِقدام، و"سِيْفُ البحر" جانبه. واسم أبي بَصير: عتبة بن أَسيد، والرجلان: حبيش بن جابر، ومولاه: كوثر، والمقتول: حبيش، والهارب: كوثر. ولما بلغ سهيل بن عمرو، قتلُ أبي بَصير صاحبهم أسند ظهره إلى الكعبة وقال: والله لا يفارق ظهري الكعبة حتى يَدُوا الرجل. فقال له أبو سفيان: إن هذا والله السَّفهُ، والله لا يَدُوه أبدًا (١). والمرأة التي طلقها عمر - رضوان الله عليه -: قريبة بنت أبي أمية، فتزوجها معاوية، وابنة جَرْوَل الخزاعي، وهي: أم كلثوم بنت عمرو بن جرول، وهي: أم عبد

стр. 1558

الله، تزوجها أبو جهم (١). قال المِسْوَر: كانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن هاجر إلى رسول الله ﷺ يومئذ بعد ما شرط سهيل بن عمرو على رسول الله ﷺ أن يرد إليهم من جاء مسلمًا، وكانت أم كلثوم عاتق فجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يُرْجِعها إليهم، فلم يرجعها لِما نزل فيهن: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٢) [الممتحنة: ١٠]. قال عروة: فأخبرتني عائشة أن النبي ﷺ كان يمتحنهن بهذه الآية إلى قوله ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠]. قال: فمن أقرت بهذا الشرط منهن، قال رسول الله ﷺ : "قد بايَعْتُكِ" كلامًا يُكلِّمُها به، والله ما مسَّتْ يده يد امرأة قط في المبايعة، وما بايعهن إلا بقوله (٣). وقال ابن عباس: لما كتب رسول الله ﷺ بينه وبين أهل مكة الكتاب، وفيه: من أتاه منهم رده عليهم، ومن أتى مكة من أصحابه لم يردوه عليه، وختم الكتاب، جاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة، وزوجها مسافر من بني مخزوم وكان كافرًا - وقال مقاتل: إن زوجها صيفي بن الراهب - فقال: يا محمد، اردد علي زوجتي فقد شرطتَ لنا ما شرطتَ، وهذه طينةُ الكتاب لم تجفَّ بعد. فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ (٤) [الممتحنة: ١٠] أي: اختبروهن، فيستحلفن أنهن ما خرجن بسببٍ غير الإسلام، فحلفت سُبيعةُ فأعطى زوجَها مهرَها، وما أنفق عليها ولم يردَّها عليه. فتزوجها عمرُ بن الخطاب ﵁ فكان رسول الله ﷺ يردُّ من جاءَهُ من الرجال، ولا يردُّ من جاءه من النساء بعد الامتحان، ويعطي أزواجهن مهورَهن وما أنفقوا عليهن. وقال مجاهد: كان عند طلحةَ بن عُبَيْدِ الله أروى بنتُ ربيعةَ بن الحارث بن عبد

стр. 1559

المطلب، فَفَرَّقَتْ بينهما هذه الآيةُ يعني قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وكان طلحةُ قد هاجرَ وهي على دينها بمكة، ثم أسلمت فتزوجها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، وكانت فيمن فرَّ من نساء الكفار فلم يردَّها رسولُ الله ﷺ وزوَّجها خالدًا. وكانت آمنة بنت بشر عند ثابت بن الدحداحية ففرت منه وهو يومئذ كافر، فزوجها رسول الله ﷺ سهلَ بنَ حُنَيفٍ فولدت له عبدَ الله بنَ سَهْلٍ. قال ابن عباس: وكان جميعُ من لحق بالكفار من نساء المسلمين المهاجرين راجعاتٍ عن الإسلام ستَّ نِسْوَةٍ: أم الحكم بنت أبي سفيان بن حرب كانت تحت عِياض بن شدّاد الفهري. وفاطمة بنت أبي أمية بن المغيرة أخت أم سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب ﵁ فلما أراد أن يهاجر أبت وارتدت. وأم كلثوم بنتُ جَرْوَل كانت تحت عمر أيضًا. وبَرْوَع بنت عقبة كانت تحت عثمان بن عفان (١) ﵁. وعبدة بنت عبد العزى بن نضلة وزوجها عمرو بن عبد ود. وهند بنت أبي جهل كانت عند هشام بن العاص بن وائل. فأعطاهم رسول الله ﷺ مهور نسائهم من الغنائم (٢). وقال سلمة بن الأكوع: قدمنا الحديبية مع النبي ﷺ ونحن أربعَ عشرة مئة وعلينا خمسون شاةً لا تُروينا، فقعد رسول الله ﷺ على جَبَا الرَّكيّةِ، فإمَّا دعا وإما بَصَقَ فيها فجاشت فسَقَيْنا واستَقَينْا، ثم دعانا رسول الله ﷺ للبيعة في أصل الشجرة، قال: فبايعتُه أوَّلَ الناس، ورآني أَعزلَ فأعطاني حَجَفَةً أوْ دَرَقَةً، ثم قال في أوسط الناس: "بَايِعْ"، فبايعته، ثم قال في آخر الناس: "أَلَا تُبايْعِني يا سَلَمةُ" فقلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم وآخرهم، قال: فبايعته الثالثة، ثم قال لي: "يا سَلَمةُ، أينَ

стр. 1560

حَجَفَتُك - أو دَرَقَتُك - التي أَعْطَيتُكَ"؟ فقلت: يا رسول الله، لقيني عمي عامر وهو أعزل فأعطيته إياها فَضِحَكَ فقال: "إنَّكَ كالذي قَال: اللَّهمُّ ابْغِني حَبِيبًا هو أَحَبُّ إليَّ مِن نَفْسِي". ثم إن المشركين راسلونا الصلح حتى مشينا بعضُنا في بعض واصطلحنا، قال: وكنت تبيعًا لطلحة بن عُبَيْد الله أسقي فرسه وأَحُسُّه وأخْدُمه وآكُل من طعامه، وتركتُ أهلي ومالي مهاجرًا إلى الله ورسوله، فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا في بعض أتيت شجرة فكَسَحْتُ شوكَها واضطجعت في أصلها وإذ قد أتاني أربعة من المشركين من أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فتحولت إلى شجرةٍ أُخرى فعلَّقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينا هم كذلك إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا لَلْمهاجرين، قُتل ابن زُنَيم فاخْتَرَطْتُ سيفي ثم شَدَدْتُ على أولئكَ الأربعةِ وهم رقود فأخذت سلاحَهم فجعلته ضِغْثًا في يدي، ثم قلت: والذي كرَّم محمدًا لا يرفع أحدٌ منكم رأسه إلا أخذتُ الذي فيه عيناه، ثم جئت بهم إلى رسول الله ﷺ ، وجاء عمي عامر برجل من العَبَلاتِ يقال له: مِكْرز بن هَوْذةَ يقودُه على فرسٍ مُجَفَّفٍ في سبعين من المشركين يقودهم إلى رسول الله ﷺ ، فنظر إليهم رسولُ الله ﷺ وقال: "دَعُوهُم، يَكُنْ لَهم بَدءُ الفُجورِ وثِناهُ" فعفا عنهم رسول الله ﷺ وأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ … ﴾ [الفتح: ٢٤] الآية، قال: ثم رجعنا إلى المدينة فنزلنا منزلًا وبيننا وبين بني لِحْيان جَبَلٌ وهم مشركون، فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رَقى الجبل طليعةً، قال: فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثًا (١). وعن أنس بن مالك قال: لما كان يومُ الحديبية هبط على رسول الله ﷺ وأصحابهِ ثمانونَ رجلًا من أهل مكة في السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غِرَّة رسول الله ﷺ ، فدعا عليهم وأُخِذوا فَعفا عنهم، ونزل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ … ﴾ الآية (٢). تفسير ألفاظ غريبه:

стр. 1561

"الجَبَا": بالفتح مقصور: نَثيلةُ البئر وهي ترابها الذي حولها تَراه من بعيد، و"الرَّكية": البئر قبل أن تُطوى. وقوله: "قتل ابن زُنَيم": ليس في الصحابة من يقال له ابن زنيم إلَّا سارية وأخوه أنس. و"الضِّغث": الحزمة من العيدان تجمع. و"العَبَلات": حي من قريش نُسِبوا إلى أمهم يقال لها: عبلة، وأمية الصغرى يقال لهم: العبلات، لأن أمهم اسمها عبلة. و"التجافيف": كل ما يمنع وصول الأذى إلى الإنسان. وعن جابر قال: نحرنا بالحديبية مع رسول الله ﷺ البَدَنَةَ عن عشرة والبقرة عن سبعة. متفق عليه (١). وقوله: "بايعت رسول الله ﷺ مرارًا" هذه بيعة الرضوان، وسببها أن رسول الله ﷺ بعث عثمان إلى مكة فاحتبسته قريش عندها وبلغ المسلمين أنهم قتلوه فقال رسول الله ﷺ : "لا أبرح حتى أناجزهم"، وكان هذا قبل الصلح. وقال إياس بن سلمة [عن أبيه]: بينا نحن على الحديبية إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : يا أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس، قال: فَثُرْنا إلى النبي ﷺ وهو تحت الشجرة فبايعناه (٢). قال الواقدي: وأول من بايعه سنان بن أبي سنان الأسدي (٣)، وقيل: أبو سنان (٤)، وهو وهم؛ أبو سنان قُتِل في حصار بني قريظة (٥). وضرب رسول الله ﷺ بيمينه على شماله وقال: "هذِه عن عُثْمانَ" يعني: أنه ما غاب إلا في حاجة الله ورسوله.

стр. 1562

قال ابن إسحاق: ولم يتخلف عن البيعة أحد (١)، وفيهم نزل: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. قال يزيد بن أبي عبيد: قلت لسلمة بن الأكوع: على أيِّ شيء بايعتم رسول الله ﷺ يوم الحديبية؟ قال: على الموت. أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وقال جابر بن عبد الله: بايعنا نبي الله يومَ الحديبية على أن لا نَفِرَّ (٣). وعن مَعْقِل بن يسار أنه شهد مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية وهو رافعٌ غصنًا من أغصان الشجرة بيده عن رأس رسول الله ﷺ وهو يبايع الناس، قال: فبايعوه على أن لا يفروا، وهم يومئذ ألف وأربع مئة (٤). قال جابر: إلّا الجَدَّ بنَ قَيْسٍ فإنه اختفى تحت شجرة، وفي رواية: تحت بطن بعيره يستتر به من الناس (٥). وكان منافقًا. وعن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا يَدخُلُ النَّارَ أَحَدٌ ممَّن بايَعَ تَحتَ الشَّجَرةِ" (٦). وقال جابر: جاء عبدٌ لِحاطبِ بنِ أبي بلتعة يشكو سيِّده فقال: والله يا رسول الله، ليدخُلَنَّ حاطبٌ النار، فقال له رسول الله ﷺ : "كَذَبتَ لا يُدخُلُها، إنَّه قد شَهِدَ بَدرًا والحُديبِيَةَ". انفرد بإخراجه مسلم (٧). وقال جابر: كنَّا يوم الحديبية ألفًا وأربع مئة فقال لنا رسول الله ﷺ : "أَنتُمُ اليَومَ خَيْرُ أَهلِ الأَرضِ". أخرجاه في "الصحيحين" (٨).

стр. 1563

وقال ابن عمر: بايعت رسول الله ﷺ يوم الشجرة أنا وأبي، ثم رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان تحتها، كانت رحمة من الله، قيل لنافع: فعلى أي شيء بايعوه؟ على الموت؟ قال: لا، على الصبر (١). وقال ابن إسحاق: كانوا إذا مروا على الشجرة صلوا عندها، فأمر عمر بن الخطاب رضوان الله عليه بقلعها لئلا يتخذوها حَنانًا (٢). وقال حبيب بن أبي ثابت: أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء الذين قتلهم عليٌّ رضوان الله عليه بالنَّهْروان، فقال: كنا بصِفِّين، فلما استحرَّ القتل بأهل الشام اعتصموا بتلًّ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى عليٍّ بمصحف وادْعُهُ إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك، فجاء به رجل وقال: بيننا وبينكم كتاب الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٢٣]، فقال علي ﵁: نعم أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتابُ الله، قال: فجاءته الخوارج ونحن ندعوهم يومئذ القرَّاء وسيوفهم على عواتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنين ما ننتظر بهؤلاء القوم الذين هم على التل؟ أَلا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟ فتكلم سهل بن حُنَيف وقال: أيها الناس، اتَّهموا أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني الصلح - الذي كان بين رسول الله ﷺ والمشركين ولو نرى قتالًا لقاتلنا، فجاء عمرُ فقال: أَلَسنا على الحقِّ وهم على الباطل؟ قال: "بَلَى"، قال: أَلَيس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: "بَلَى"، وذكر بمعنى ما تقدم، قال: وأنزل الله سورة الفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه ذلك فقال: أَوَفَتْحٌ هو؟ قال: "نعم" فطابت نفسه ورجع (٣). وقال أبو وائل: قال سهل بن حُنَيْفٍ: اتَّهموا رأيكم، فلقد رأيتُنا يوم أبي جندل لو نستطيع أن نردَّ أمر رسول الله ﷺ لرددناه - أو أرددناه يعني: أبا جندل - والله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر أفظعناه إلا أَسْهَل بنا إلى أمرٍ نعرفه، إلا هذا الأمر

стр. 1564

ما ندري كيف هو، ما شددنا منه خُصْمًا إلا انفتح خُصْمٌ آخرُ (١). "الخُصْمُ": جانب العِدْلِ وزاويتُه، وخُصْمُ كل شيء جانبه وناحيته. وأشار سهل إلى يوم صفين وهو كناية عن انتشار الأمر وصعوبة تلافيه. ومعنى قوله: "اتهموا رأيكم" أن الإنسان قد يرى رأيًا والصواب في غيره كما رأى عمر رضوان الله عليه ثم بان له أن الصواب ما رآه رسول الله ﷺ ، ومعناه أن عامة من صَدَّ رَسولَ الله ﷺ عن البيت أسلموا كأبي سفيان وسهيلِ بن عمرو وغيرِهما، وقد أظهر الله تعالى من أصلابهم من أَعزَّ بهم الدينَ. قال ابن إسحاق: ولما فرغوا من الكتاب أَشهدوا رجالًا من المسلمين منهم أبو بكر وعمر وعلي وابن عوف وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومن المشركين مِكْرَز بن حَفْص وحويطب بن عبد العزى وغيرهما (٢). وقال المِسْوَرُ: إن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يَحْلِقَ وكان الذي حلق رأسَه خِراشُ ابنُ أمية بنَ الفضل الخزاعي (٣). وقال البخاري: الذي حلق رأس رسول الله ﷺ معمر بن نضلة بن عوف (٤). وقال ابن عباس: حلق رجالٌ يوم الحديبية وقصَّر آخرون، فقال رسول الله ﷺ : "رَحِمَ اللهُ المُحلِّقينَ" قالوا: يا رسول الله، والمقصِّرين، فقال: "يَرحَمُ اللهُ المُحلِّقينَ" قالوا: والمقصِّرين، فقال: "يَرحَمُ اللهُ المُحلِّقينَ" قالوا: والمقصِّرين، قال لهم "والمُقَصِّرينَ" قالوا: فلم ظاهَرْتَ التَّرحمَ على المحلِّقينَ دون المقصِّرين؟ قال: "لأَنَّهمُ لم يَشُكُّوا" (٥).

стр. 1565

وقال الواقدي: أقام رسول الله ﷺ بالحديبية بضعة عشر يومًا، وقيل: عشرين يومًا ثم انصرف راجعًا إلى المدينة فنزل عليه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١] فهنأَه المسلمون (١). وقال عمر: أَفَتْحٌ هُو؟ قال: "نَعَم". قال جابر: ما كنا نَعُدُّ فتح مكة إلا يوم الحديبية بهذه السورة. ولما قسم رسول الله ﷺ غنائم خيبر لم يُعْطِ إلا من شَهِدَ الحديبية. وقال البراء: أنتم تعدون الفتح فتح مكة ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية (٢). وقال الشَّعْبي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ قال: فتح الحديبية، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وفتح عليه خيبر وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، وفرح المسلمون بظهور أهل الكتاب على المجوس (٣). وقال أنس: المراد به فتح مكة. وقال مجاهد: خيبر. والأول أشهر. وقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا عبد الرزاق عن مَعْمَر عن قتادة عن أنس قال: نزلت على النبي ﷺ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] الآية مَرْجِعَهُ من الحديبية، فقال: "لَقَد أُنزِلَت عليَّ آيةٌ أَحبُّ إليَّ مما على الأرضِ" ثم قرأها رسول الله ﷺ فقالوا: هنيئًا لك مريئًا فنحن ما يُفعلُ بنا؟ فنزلت: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ [الفتح: ٥]، إلى قوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أخرجاه في "الصحيحين" (٤). وقال الواقدي: دخل رسول الله ﷺ في العام المقبل في الشهر الذي صُدَّ عنها فيه، وذلك قوله تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (٥) [البقرة: ١٩٤]. وفي هذه الغزاة مرَّ رسول الله ﷺ على قبر أمه بالأبواء فنزل وصلى عندها ركعتين وبكى وأبكى الناس (٦).

стр. 1566

ولمسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: استأذنت ربي في زِيارَةِ قَبرِ أُمِّي، فأَذِنَ لي، واسْتَأْذَنتُه في الاستِغْفارِ لها فزُجِرْتُ، أو لم يُؤذَن لي" (١). وقال كعب بن عُجْرة: كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية ونحن محرمون وقد حصره المشركون، وكانت لي وَفْرَةٌ فجعَلَتِ الهوامُّ تسَّاقَطُ على وجهي، فمر بي النبي ﷺ فقال: "أَيُؤذيكَ هَوامُّ رَأسِكَ"؟ قلت: نعم، فأمره أن يحلق، ونزل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ (٢) [البقرة: ١٩٦] الآية. وفي هذه الغزاة صاد أبو قتادة حمار وحش، قال: خرجت مع النبي ﷺ زمن الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم، فرأيت حمار وحش فحملت عليه فصدته وأتيت به إلى رسول الله ﷺ وذكرت له أني لم أكن محرمًا وإنما صِدْتُه لكَ، فأمر أصحابه فأكلوا ولم يأكل حين أخبرته أنه صيد له (٣). وعن نافع مولى أبي قتادة: أن أصحابه أحرموا عام الحديبية ولم يحرم، ورأى حمار وحش وشدّ عليه فعقره، ثم جاء به فأكلوا منه، قال: وخبأت عضده معي فأدركنا رسول الله ﷺ فسألناه عن ذلك فقال: "إنَّما هوَ طُعمَةٌ أَطعَمَكُم اللهُ، فَكُلوا فهو حَلالٌ" (٤). وأخرجه الحميدي وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "هَل مَعَكم منه شيءٌ"؟ قلت: نعم، فناولته العضد فأكلها وهو محرم (٥). وفي هذه الغزاة نزل قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ [الواقعة: ٧٥] قال زيد بن خالد الجهني: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: "هَل تَدرُونَ مَاذا قَال

стр. 1567

رَبُّكُم"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "قال أَصبَحَ من عبادي مُؤمِنٌ بي كافِرٌ بالكَوكَبِ، مُؤمِنٌ بالكَوْكَبِ كافِرٌ بي، فأمَّا مَن قالَ: مُطِرْنا بِنَوءِ كَذا وكَذا فذلِكَ كافِرٌ بي مُؤمِنٌ بالكَوْكَبِ، ومَن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب" (١). ولمسلم بمعناه، وفيه: فنزل قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾ (٢). "السماء": المطر، لأنه يأتي من السماء فنسب إليها. و"الأنواء": ثمانية وعشرون نوءًا، أي: نجمًا معروفة، فكانت العرب تنسب إليها المطر. * * * وفيها: بعث رسول الله ﷺ الرسلَ، قال ابن عباس: بعث رسول الله ﷺ ستةَ نفر في ذي الحجة عند مرجعه من الحديبية مصطحبين: حاطب بن أبي بلتعة اللخمي إلى المقَوْقِس، وشجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شَمِر الغساني صاحب دمشق، ودِحْيَة بن خليفة الكلبي إلى قيصر، وسَليط بن عمرو العامري إلى هَوْذَة بن علي الحنفي، وعبد الله بن حُذافة السَّهمي إلى كسرى، وعمرو بن أمية الضَّمْري إلى النجاشي (٣). قال عكرمة: وكان كل رسول يتكلم بلسان القوم الذي أرسل إليهم. وقيل: إنهم خرجوا أول المحرم سنة سبع من الهجرة. قال الواقدي: لما كتب الكتب قيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ الخاتم من فضة وفصه منه. قال ابن سعد: فقيل لأبي العالية: ما كان نقشه؟ قال: صدق الله. وإنما الخلفاء

стр. 1568

بعده ألحقوا "لا إله إلا الله" سطر "محمد" سطر "رسول الله" سطر (١). وقال أنس: لما أراد رسول الله ﷺ أن يكتب كتابًا إلى الروم قالوا: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا من فضة، قال أنس: كأني أنظر إلى بياضه في يد رسول الله ﷺ نقشه: محمد رسول الله (٢). وعن أنس أن النبي ﷺ قال: "إنَّي قدِ اتَّخذْتُ خاتمًا، ونَقَشتُ عليه محمدٌ رسُولُ اللهِ، فلا تَنقُشُوا عليه" (٣). وعن أنس أن النبي ﷺ قال: "لا تَسْتَضيئوا بنارِ المُشرِكينَ، ولا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكُم عَربيًّا" (٤). أما الاستضاءةُ بنار المشركين فأخْذُ آرائهم، وأما النقش العربي فقال الحسن: لا تنقشوا عليه محمد رسول الله. وعن الشعبي: أن رسول الله ﷺ كتب في هذه الكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قال: وكان يكتب في صدر الإسلام باسمك اللهمَّ كما كانت تكتب قريش حتى نزل قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، فكتب بسم الله، حتى نزل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] فكتب: بسم الله الرحمن، حتى نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] فكتبها (٥). وفي رواية: وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى صاحب البحرين (٦). قال ابن سعد: وقد كتب لجماعة لم يضبط لهم تاريخ، وكتب لأساقفة نجران

стр. 1569

ورهبانهم: "أن لا يُغيِّرَ عليهم ما هُم فيه وما تَحتَ أيديهم، ولا يُغَيَّرَ أُسْقُفٌّ عن أُسْقفته، ولا راهِبٌ عن رَهبانيَّته، ولا كاهنٌ عن كهانَتِه" (١). قال المصنف ﵀: وقد بعث رسول الله ﷺ رسلًا إلى الأطراف إنما الكلام فيمن بعثه في هذه السنة. فصل: فأما حاطب حليفُ بني أسد بن عبد العزى فإنه سار إلى المُقَوْقِس صاحبِ الإسكندرية، فقبله وأكرمه، وكتب إلى رسول الله ﷺ جوابه: قد علمت أنه قد بقي نبي وقد أكرمتُ رسولك، وأهدى إليه هدية، وجعل كتاب رسول الله ﷺ في حُقٍّ من عاج وختم عليه ودفعه إلى قَهْرمانته وقال: احتفظي به (٢). وعاد حاطب من عنده في سنة سبع من الهجرة، وسنذكره إن شاء الله تعالى. فصل: وأما شجاع فهو حليف حرب بن أمية، شهد بدرًا، كتب رسول الله ﷺ على يده كتابًا إلى الحارث بن أبي شَمِر: سلامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له وأني رسوله، فأجب ليدوم لك ملكك. والسلام (٣). قال شجاع: فأتيتُه وهو بغوطة دمشق يهيئ الأموال لقيصر وكان قاصدًا إلى البيت المقدس، فأقمت على بابه أيامًا لا أصل إليه، وكان له حاجب يقال له: مري، فقلت له: أخبره بأني رسولُ رسولِ الله ﷺ ، فقال: إنك لا تصل إليه [حتى يخرج] في يوم كذا وكذا، وجعل يسألُني عن رسول الله ﷺ وصفته وما يدعو إليه، فكنت أحدثه فيرق حتى يغلِبَهُ البكاءُ ويقول: هذه والله صفته في الإنجيل، وأنا أؤمن به وأصدقه وأخاف من الحارث أن يقتلني، قال: وكنت في ضيافة الحارث وإكرامه إلى أن جلس يومًا ووضع تاجَه على رأسه وأذن لي في الدخول عليه، فدخلت ودفعت إليه الكتاب فقرأه ورمى به وقال: من ينتزع مني ملكي، أنا سائر إليه ولو كان باليمن، ثم عرض الناس

стр. 1570

وأمر بالخيل أن تُنْعَلَ وقال: أخبرْ صاحبك بما ترى، وكتب إلى قيصر يخبره بالخبر وبما قد عزم عليه، فكتب إليه قيصر لا تَسِرْ إليه ولا تتعرضْ له، فدعاني وأمر لي بمئة مثقال من الذهب، ووصلني حاجبه مري بنفقة وكِسْوة وقال: اقرأ على رسول الله ﷺ مني السلام. قال: فقدمت على رسول الله ﷺ وأبلغته ما جرى فقال: "بادَ مُلكُه" وأقرأتُه سلام مري فقال: وعليه السلام. ومات الحارث عام الفتح وتمزق ملكه (١). فصل: وأما دِحْيَةُ فقدم بكتاب رسول الله ﷺ [على قيصر] قال الإمام أحمد ﵀: حدَّثنا يعقوب، حدَّثنا ابنُ أخي ابنِ شِهاب، عن عمه محمدِ بنِ مُسلم، أخبرني عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن عبدَ الله بن عباس أخبره أن رسول الله ﷺ كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وبعث بكتابه مع دِحْيَةَ الكلبي وأمره رسول الله ﷺ أن يدفعه إلى عظيم بُصرى ليدفعه إلى قيصر، فدفعه عظيمُ بُصرى إلى قيصر، وكان قيصرُ لما كَشَف الله عنه جنود فارس، مَشَى من حِمصَ إلى إِيلْيَاء على الزَّرَابي تُبسَطُ له، قال ابن عباس: فلما جاء قيصرَ كتابُ رسول الله ﷺ قال حين قرأه: التمسوا لي من قومه من أسألُه عنه. قال ابن عباس: فأخبرني أبو سُفيان بنُ حَرب أنه كان بالشام في رجال من قريش قدموا تِجارًا، وذلك في الهدنة التي كانت بين يدي رسول الله ﷺ وبين قريش، قال أبو سفيان: فأتاني رسول قيصر فانطلق بي وبأصحابي حتى قدمنا إِيلْيَاء فأُدخلنا عليه، وإذا هو جالس في مجلس ملكه، عليه تاجه، وحوله عظماء الروم، فقال لتَرْجُمانه: سلهم أيهم أقرب نسبًا لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبًا إليه، قال: ما قرابتُك منه؟ قلت: هو ابن عمي، وقال أبو سفيان: وليس في الرَّكب يومئذ رجل من بني عبد مَناف غيري، فقال قيصر: ادن مني، فدنوت، وأمر أصحابي فَجُعِلوا خلف ظهري عند كتفي ثم قال لتَرْجُمانه: قل لأصحابه: إني سائل هذا عن هذا الرجل

стр. 1571

الذي يزعم أنَّه نبي، فإن كَذبَ فكَذِّبوه، قال أبو سفيان: فوالله لولا الاستحياء أن يأْثُر عني أصحابي الكذب لكذبته حين سألني، ولكن استحييت أن يأْثُروا عني الكذب فصدقته، ثم قال لتَرْجُمانه: قل له كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ فقلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القولَ فيكم أحدٌ قبله؟ قال: قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتَّبعوه أم ضُعفاؤهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أفيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتدُّ أحد منهم سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: قلت: لا. قال: فهل يَغْدِرُ بأَحدٍ؟ قال: قلت: لا، ونحن الآن في مدَّةٍ ونحن نخاف ذلك. قال أبو سفيان: ولم تُمكِّني كلمةٌ أُدْخِلُ فيها شيئًا أنتَقِصه بها غيرها لأني أخاف أن يؤثر عني. قال: فهل قاتَلْتُموه أو قَاتلَكُم؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان حربكم وحربه؟ قلت: سجالًا نُدَال عليه مرَّةً، ويُدال علينا أُخرى. قال: فما يأمرُكم؟ قلت: يأمرُنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا ويأمرنا بالصلاةِ والصِّدْق، والوَفاء والعَفاف، والمحافظة على العهود، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام. قال: فقال لتَرْجُمانه حين قلت ذلك له: قل له: إني سألتك عن نسبه فزعمتَ أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله قط؟ فزعمت أنْ لا؛ فقلتُ: لو كان أحدٌ قال هذا القول قبله، قلت: رجلٌ يأتمُّ بقولٍ قيل قبله. وسألتك: هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أنْ لا، فقلتُ: لم يكنْ ليكذبَ على الناس فكيف على الله. وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فزعمت أنْ لا، فقلتُ: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجلٌ يطلب مُلْكَ آبائه. وسألتك: أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فزعمتَ أن ضعفاءَهُم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتمَّ. وسألتك: هل يرتد أحد سَخْطةً لدينه. بعد أن يَدْخُلَ فيه؟ فزعمت أن لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشَتُه القلوبَ لا يَسْخَطُه أحد. وسألتك هل يغدِر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل. وسألتك هل قاتلتموه؟ فزعمت أنه قد فعل وأن الحرب بينكم تكون دُوَلًا تُدالون عليه ويُدالُ عليكم، وكذلك الرسل تبتلى وتكون لها العاقبة.

стр. 1572

وسألتك: ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله وحده لا شريك له ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، ويأمركم بالصدق، والصلاة، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وهذه صفة نبي، قد كنتُ أعلم أنه خارج، ولكن لم أظن أنه منكم، وإن يكن ما قلت فيه حقًّا فيوشك أن يملك موضع قدميَّ هاتين، والله لو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لُقيَّهُ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. قال أبو سفيان: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فأمر به فقرئ عليه فإذا فيه: "بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ: من محمَّدٍ عبدِ اللهِ ورَسولِهِ إلى هِرَقْلَ عظيم الرُّومِ سَلامٌ على من اتَّبع الهُدَى، أمَّا بعدُ: فإنِّي أَدعوكَ بدِعَايةِ الإسلامِ، أَسلِمْ تَسلم، يُؤْتِكَ الله أجرَكَ مرتين، فإن توليت فعليكَ إثمُ الأَرِيسيِّينَ - يعني الأكَرَة - و ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]. قال أبو سفيان: فلما قضى مقالته، علت أصوات الذين حوله من عظماء الروم، وكثر لَغَطُهم، فما أدري ماذا قالوا، وأمر بنا فأخرجنا. قال أبو سفيان: فقلت لأصحابي: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كَبْشَة؛ هذا ملك بني الأصفر يخافه، قال أبو سفيان: فوالله ما زلت ذليلًا مُستَيقِنًا أن أمره سيظهر حتى أدخل الله الإسلام قلبي، وأنا كاره. أخرجاه في "الصحيحين" و"المسند" (١). وللبخاري: وكان ابن الناطور - صاحبُ إِيلْيَاء وهِرَقْلَ - أُسْقُفَّهُ على نصارى الشام، فحدَّث أن هِرَقْلَ حين قدم إِيلْيَاء أصبح يومًا خبيث النَّفْس، فقال بعض بَطارقته: قد استنكرنا هيئتك، قال ابن الناطور: وكان هرقل حزَّاءً ينظر في النجوم، فقال لهم حين سألوه: رأيت الليلة حين نظرتُ في النجوم مَلِكَ الخِتان قد ظهر، فمن يَخْتَتنُ من هذه الأمة؟ فقالوا: اليهود فلا يُهِمَّنَّكَ شأنُهم، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيها من اليهود، فإنه ليس يختتنُ سواهم، فبينا هم على ذلك إذ أُتي هرقلُ برجل أرسله إليه ملكُ

стр. 1573

غسَّان يخبره عن خبر رسول الله ﷺ ، فقال هرقلُ: انظروا أمختتن هو أم لا؟ قال: فنظروا فإذا هو مختتن، فأخبروه، فسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون، فقال هرقل: هذا مَلِكُ هذه الأمةِ قد ظهر، ثم كتب هرقل إلى صاحب له بروميَةَ وكان نظيره في العلم يخبره، وسار هرقل إلى حمص ولم يَرِمْ حِمْصَ حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافقُ رأي هرقل على خروج رسول الله ﷺ وأنه نبي، فأَذِن هرقل لعظماء الروم: هل لكم في الصلاح والرشد وأن يَثْبُتَ ملكُكُم فَتُبايِعُوا هذا النبي؟ فحاصوا حيصةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبواب فوجدوها مُغَلَّقة فقال: عليّ بهم فدعاهم وقال: إني اختبرت شدتكم في دينكم، فرأيت منكم الذي أَحْبَبْتُ، فسجدوا له ورضوا عنه، وكان ذلك آخر شأن هرقل (١). وقد ذكر هذا الحديث أرباب السير، فقالوا: قال ابن عباس، حدثني أبو سفيان قال: كنا قومًا تِجارًا وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله ﷺ قد أنهكتنا وذهبت أموالنا، فلما كانت الهدنة بيننا وبينه، خرجتُ في نَفَر من قريش تجارًا إلى الشام، وكان وجهُ متجرنا غزَّةَ، فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان بأرض الشام من فارس وأخرجهم منها، وانتزع صليبه الأعظم، وكانوا قد سَلَبوه إيَّاه، وكانت حِمص منزله، فخرج يمشي على قدميه حين ردَّ الله عليه ما ردَّ، فصلى في بيت المقدس شكرًا لله تعالى وكانت تُبْسَطُ له البُسُطُ، ويلقى عليها الرَّياحينُ، فلما وصل إلى إيلْيَاء وقضى صلاته فيها ومعه بطارقته، أصبح ذات يوم مهمومًا يُقلِّبُ طرفه في السماء، فقيل له: ما لك؟ فقال: رأيت مَلِكَ الخِتانِ قد ظَهَر، فقال له بطارقته: ما نعلم أنَّه يختتن إلا اليهود، وذكر بمعنى ما تقدم، وقال: فبينا هم على ذلك إذ أتى رسولُ صاحبِ بُصرى برجل من العرب وكانت الملوك تَهادى الأخبار بينَها، فقال الرسول: أيها الملك، هذا من العرب من أهل الشاء والإبل، يحدث عن أمر عَجَبٍ حَدَثَ في بلادهم فَسَلْهُ عنه، فقال قيصر لتَرْجُمانه: سَلْهُ عن هذا الحديث الذي حدث ببلاده؟ فقال: خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي وقد اتَّبعه ناسٌ، وخالفه ناس، وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن كثيرة وقد تركتهم على ذلك.

стр. 1574

فقال قيصر: جَرَّدوه، فجرَّدوه فإذا هو مختونٌ فقال قيصر: هذا والله الذي رأيت، لا ما تقولون، فأطلقه ثم دعا صاحب شُرطَتِه، وقال: اقلب لي الشام ظهرًا وبطنًا حتى تأتيني برجل من قوم هذا الرجل الذي قد ظهر بالحجاز. قال أبو سفيان: فوالله إننا بغَزَّةَ إذ هجم علينا صاحب الشُّرطةِ فقال: أنتم من قوم هذا الرجل؟ قلنا: نعم، فقال: قوموا إلى الملك، قال: فانطلق بنا فدخلنا عليه فقال: أنتم من رَهْطِ هذا الرجل؟ قلنا: نعم، قال: فأيكم أمسُّ به رحمًا؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا - وايْمُ الله ما رأيت رجلًا كان أمكرَ من ذلك الأَقلف - فقال: ادْنُهْ، وأقعدني بين يديه وأقعد أصحابي خلفي، وقال: إني مسائله، فإن كذب فردوا عليه. قال أبو سفيان: فوالله لو كذبت ما ردوا علي ولكني كنت امرأً سيدًا أتكرم على الكذب، وعرفت أن أيسر ما في ذلك إن أنا كذبتُه أن يحفظوا ذلك عليّ، ثم يتحدثوا به عني، فلم أكذبه، ثم قال: أخبرني عن هذا الرجل ما يدعي؟ فجعلت أزهد له شأنه وأصغر له أمره وهو لا يلتفت إلي، وقال: أنبئني عما أسألك عنه من شأنه، فقلت: سل. فقال: كيف نسبُه فيكم؟ قلت: هو من أَمْحضِنا نَسَبًا. قال: فهل كان أحد من أهل بيته يقول مثل ما يقول فهو يتشبه به؟ قُلت: لا. قال: فهل كان فيكم ملكًا فسلبتموه ملكه فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه؟ قلت: لا. قال: فأخبرني عن أتباعه من هم؟ قلت: الضعفاء والمساكين وأحداث من الغِلمان والنِّساء، فأما ذوو الأنساب والأشراف من قومه فلم يتبعه منهم أحد. قال: فأخبرني عمن تبعه أيحبه ويلزمه أم يقليه ويفارقه؟ قلت: ما تبعه أحد ففارقه. قال: فهل يَغْدِر؟ قلت: بيننا وبينه هدنة ولا نأمن فيها من غدره. ولم أجد شيئًا مما سألني عنه أن أغمزه فيه غيرها فوالله ما التفتَ إليها مني، ثم كر علي الحديث. فقال: سألتك عن نسبه فقلت: إنه محض من أوسطكم نسبًا، وكذلك الأنبياء، فإن الله لا يختار نبيًا إلا من أوسط قومه نسبًا … وذكر بمعنى ما تقدم، وقال لأبي سفيان: قم، قال: فقمت من بين يديه وأنا أضرب إحدى يدي بالأخرى وأنا أقول: لقد أَمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة إذ أصبح ملوك بني الأصفر يهابونه بالشام (١).

стр. 1575

قال الزهري: فحدثني أسقفٌّ للنصارى أدركته زمن عبد الملك بن مروان أنه أدرك ذلك من أمرِ رسول الله ﷺ وهرقل وعَقَلَهُ قال: لما قدم عليه دِحْيَةُ بكتابِ رسول الله ﷺ كتب إلى صاحب له بروميَةَ كان يقرأُ الكتبَ يخبره بأمر الكتاب ويصف له ما فيه، فكتب إليه صاحبه وكان يكتب بالعبرانية والعربية: إنه النبي الذي كنَّا ننتظره، لا شك فيه فاتَّبِعْهُ وصدِّقْهُ، فجمع بطارقته في دسكرةٍ (١) ثم أغلق الأبواب واطَّلع عليهم من عُلِّيةٍ له، فخافهم على نفسه، وقال: يا معاشر الروم إنه قد أتاني كتابُ هذا الرجل يدعوني إلى دينه، وإنه والله النبي الذي كنَّا ننتظره ونجده في كتبنا فهلموا نصدِّقه ونتَّبِعه فتسْلَم لنا دُنْيانا وأُخرانا. قال: فنخروا نَخْرةَ رجلٍ واحد، ثم ابتدروا الأبواب فوجدوها مغلَّقةً فردَّهم وقال: إنَّما اختبرتكم فسجدوا له ورضوا عنه. وقال ابن إسحاق: قال هرقل لدحية: والله إني لأعلم أنه نبي ولكني أخاف على نفسي، ولكن اذهب إلى ضغاطر الأسقف واذكر له أمر صاحبك. فجاء إليه دِحيَةُ وعرَّفَهُ صفةَ رسول الله ﷺ وما يدعو إليه فقال: هذا صاحبك والله نبي، وهو الذي نجد صفته في كتبنا، ثم دخل بيتًا فنزعَ السواد عنه واغتسل ولبس ثيابًا بيضاء وأخذ عصاه وخرج إلى الروم في الكنيسة فقال: يا معاشر الروم إنه قد جاء كتاب من أحمد يدعونا فيه إلى الله تعالى، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن أحمد عبده ورسوله. فوثبوا إليه فقتلوه، فرجع دحية إلى هرقل فأخبره بما جرى فقال: والله إن ضغاطر عندهم والله أعظم مني وأجوزُ قولًا، فكيف آمنهم على نفسي (٢)؟! وفي رواية: أن هرقل قال لهم: هذا هو النبي المبعوث الذي بشر به عيسى وإني مُخيِّركم بين ثلاثةِ أَشياء: إما أن نَتَّبِعه فتسلم لنا بلادنا ودماؤنا وأموالنا، وإما أن نؤدي إليه الجزية فنكسر بها شوكته، وإما أن نصالحه على أرض سورية ويدع لنا الروم. فقالوا: أما دُخُولُنا في طاعته فكيف نفعل هذا ونحن أكثر أموالًا ورجالًا وأبعد بلادًا، وأما أداء الجِزْية فكيف نعطي العرب الذل والصَّغارَ ونحن أَعزُّ منهم، وأما أن

стр. 1576

نعطيه أرض سورية ويدع لنا الروم فكيف نعطيه بلادنا وأموالنا وأوطاننا، لا كان ذلك أبدًا، فوالله ما دعتنا ضرورة إلى ذلك. فقال: والله لتُؤَدُّنَّ أحد الأشياء الثلاثة إذا ضغطكم في بلادكم، ثم سار حتى وصل الدرب والتفت إلى الشام وقال: السلام عليك يا سورية، سلامَ مودِّع، ثم مضى حتى دخل القسطنطينية (١). فكان آخر العهد به. ويقال: إنه مات مسلمًا. وسورية أرض الشام وحَدُّها درب الروم. ورجع دِحْيَةُ إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخَبَرَ فقال: كان أحزمَ القوم. وقال موسى بن عقبة: خرج أبو سفيان إلى الشام تاجرًا فقدم على قيصر فأرسل إليه قيصر يسأله عن رسول الله ﷺ فلما جاءه قال: أخبرني عن هذا الرجل أيظهر عليكم؟ قال: ما ظهر علينا إلا مرَّةً وأنا غائب، ثم غزوتهم مرتين فبقرنا البطون وجدعنا الأنوف وقطعنا الذكور. فقال قيصر: أتراه كذابًا أو صادقًا؟ قال: بل هو كاذب. فقال قيصر: لا تقولوا هكذا، فإن الكذب لا يظهر به أحد، فإن كان فيكم نبيًا فلا تقتلوه فإن أفعلَ الناس لذلك اليهودُ (٢). فصل: وأما سَليطُ بن عمرو العامري فإنه قدم على هَوذة بن علي الحنفي ودفع إليه كتاب رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام فقرأه وكتب إليه: ما أحسنَ ما تدعونا إليه وأجلَّه وأنا شاعر قومي وخطيبهم والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك. وأجاز سَليطًا بجائزة ونفقةٍ وثياب من نسج هَجَر، فقدم على رسول الله ﷺ فأخبره فقال: "والله لو سألني سيابةً من الأرض ما أعطيته، باد ملكه" فمات عام الفتح، وكان من عقلاء الملوك (٣). والسَّيابة بفتح السين: البلحةُ.

стр. 1577

فصل: وأما عبدُ الله بنُ حُذافةَ السَّهْمي فقدم على كسرى. قال الواقدي: بعث رسول الله ﷺ إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب إليه: "بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ، من محمدٍ رَسولِ اللهِ إلى كِسْرَى عَظيمِ فارِسَ، سَلامٌ على من اتَّبع الهُدَى وآمَن باللهِ ورَسولِهِ، وشَهِدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنِّي رسولُ اللهِ إلى الناس كافة ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] الآية، أما بعدُ: فإنِّي أَدعوكَ بِداعِيَةِ اللهِ، فأَسْلِم تَسلَم، فإن أبيتَ فعليكَ إثمُ المجوسِ. والسَّلامُ". فلما قرأ كتابه خرقه وقال: يكتبُ إلي مثلُ هذا وهو عبدي، ثم كتب إلى باذان عاملِه باليمن أنِ ابعث إلى هذا الرجلِ الذي بالحجاز رجلين من عندك جَلْدين فليأتياني به. فبعث قَهرمانَه بابَوَيْه وكان كاتبًا حاسبًا ورجلًا آخر من الفرس يقال له: خُرَّخُسره وكتب معهما كتابًا إلى رسول الله ﷺ يأمره بالانصراف معهما إلى كسرى، وبلغ قريشًا ففرحوا، وقالوا: كفيتم أمره فقد نصب له العداوة ملك الملوك كسرى، فقدم الرجلان على رسول الله ﷺ ودخلا عليه وكلَّمه القهرمان وقال: إن شاهنشاه قد كتب إلى الملك باذان يأمره بإنفاذك إليه، وقد بعث بي لتنطلق معي، فإن فعلت كتب فيك الملك كتابًا إلى ملك الملوك ينفعك عنده ويكف عنك، وإن أبيت فهو مَن قد علمت، وإنه مهلكُكَ وقومَك ومخرب بلادك، وكانا قد حَلقا لِحاهما وأعفيا شواربهما، فكره رسول الله ﷺ النظر إليهما فقال: "وَيلَكُما مَن أَمَركُما بهذا"؟ قالا: ربنا، يعنيان كسرى، فقال رسول الله ﷺ : "لكنَّ ربِّي اللهُ أَمَرَني بإعفَاءِ لِحيَتي وقصِّ شَارِبي" ثم قال: "ارجِعا حتى تأتِياني غدًا" وأتى رسولَ الله ﷺ الخبرُ من السماء أنَّ الله قد سَلَّط على كسرى ابنه شيرويه فقتله في شهر كذا في ليلة كذا، فدعاهما فأخبرهما، فقالا: هل تدري ما تقول؟ فإنَّا قد نَقِمْنا عليك ما هو أيسر من هذا؟ أفنكتب عنك بهذا إلى الملك، قال: نعم وقولا له: "إنَّ دِيني وسُلطَاني سَيبلُغُ مُلكَ كِسْرَى، ويَنتهي إلى مُنتَهى الخُفِّ والحافرِ، وقولا له إن أَسْلَمتَ أعطيتك ما تحت قَدمَيكَ ومَلَّكتك على قومِكَ من الأَبناء" ثم أعطى خُرَّخسره مِنطَقَةً بها ذهب وفضة أَهداها له بعضُ الملوكِ، وخَرَجا من عنده، فقدما على باذان فأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا ملك، وإني لأراه كما يقول نبيًا، ولننظر ما قال،

стр. 1578

فإن كان حقًّا فهو نبيٌّ مُرسلٌ، وإن لم يكن فسنرى فيه رَأْيَنا. فلم يلبث أن قدم عليه كتاب شِيرُويه بن كسرى يقول فيه: أما بعد: فإنِّي قد قتلتُ كِسْرَى ولم أقتله إلا غَضَبًا لفارس لِما كان استحل من قتل أشرافها وسوءِ سيرته، وما قتلته إلّا برأيهم، فانظر من قبلك فخذ عليه الطاعة، والرجل الذي كتب إليك أبي بسببه فلا تُهِجْهُ حتى يأتِيكَ أمري فيه. والسَّلام. فلما قرأ كتابه قال: آمنت أن هذا الرجل رسول الله ﷺ فأَسلَم وأسلم معه الأبناء ومن كان باليمن من فارس، فكانت حمير تقول: لخُرَّخسره: ذو المِعْجَزة، للمنطقة التي أعطاه إياها رسول الله ﷺ هي بلسان حمير كذلك، فبنُوه اليوم ينسبون إليها (١). وسأل باذان قَهْرمانَه: هل مع الرجل شُرَطٌ؟ قال: لا، قال: هو نبي. وقال الزهري: كتب كسرى إلى باذان: بلغني أن رجلًا خرج بمكة يزعم أنه نبي، فسر إليه فاستتبه، فإن تاب وإلَّا ابعث إليَّ برأسه. فبعث باذان كتاب كسرى إلى رسول الله ﷺ فكتب إليه رسول الله ﷺ : "إنَّ اللهَ قَد وَعَدَني أَن يَقتُلَ كِسْرى في وَقتِ كَذا في شَهرِ كَذا" فقُتل في الوقت الذي ذكره رسولُ الله ﷺ ، فأسلم باذان ومن كان عنده من الفرس باليمن (٢). وقال الواقدي: قُتل كسرى ليلة السبت لست ساعات مضين من جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة. وقيل: لعشر مضين منه سنة ست من الهجرة. وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "إذا هَلَكَ كِسْرَى فلا كِسْرَى بعدَهُ، وإذا هَلَك قَيصَرُ فلا قَيصَرَ بعدَهُ، والذي نَفْسِي بيَدِه لَتُنْفقَنَّ كُنوزُهُما في سبيلِ الله". متفق عليه (٣). وكان كما قال، لأن أمر فارس انحل بعد أَبرويز، وكذا هرقل ما عاد إلى الشام واستولى المسلمون في مدة يسيرة على العراق والشام.

стр. 1579

فصل: وأما عمرو بن أمية الضمري فإنه قدم على النَّجاشي الأصحم ملك الحبشة، وكان قد كتب إليه رسول الله ﷺ : "سَلامٌ عليك، أما بعدُ: فإنِّي أَحمد إليكَ اللهَ الذي لا إلهَ إلا هُو، الملكُ القدوسُ السَّلامُ المؤمِنُ المُهيمنُ العزيزُ الجبَّارُ المتكبِّرُ، وأَشهَدُ أنَّ عيسى بنَ مريمَ روحُ اللهِ وكلمتُه أَلْقاها إلى مريمَ العذراءِ البَتُول الطيِّبة الحَصِينة، فحملَت بعيسَى فَهو مِن روح اللهِ، وإنِّي أدعوكَ إلى الله وحدَهُ لا شَريكَ له، وأن تَتَّبعني وتُؤمِنَ بي، فإنِّي رسولُ الله وحدَه لا شَريكَ له واستوصِ خيرًا بابن عمِّي جعفر وبمَن مَعَه من المُسلِمينَ وتواضَع لهم ولا تتكَبَّر عليهم، والسَّلام". فكتب إليه النجاشي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إلى محمد رسول الله من النَّجاشي الأصحم بن أبجر، سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، والحمد لله الذي هداني للإسلام، وقد بلغني كتابك فيما ذكرت [من أمر عيسى، فورب السماء والأرض، إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت] ثُفروقًا وقد عرفتُ ما بعثتَ به إلينا، وقد قرَّبنا ابن عمك وأصحابَه، وأشهد أنَّك رسول الله، وقد أسلمتُ على يد ابن عمِّك وبايعته وأسلمت لله رب العالمين، وقد بعثتُ إليك بابني أرها بن الأصحم، وإنِّي لا أملك إلا نفسي وإن شئت أن آتيكَ بنفسي فعلت (١)، والسَّلام. قال ابن إسحاق: فذكروا أنه بعث بابنه في ستين من الحبشة في سفينة ومعه هدايا حَبِرَة، فغرق في وسط البحر. وقال الواقدي: لما قرأ النجاشي كتاب رسول الله ﷺ نزل عن سريره وجلس على الأرض تواضعًا لله تعالى وقال: لو قدرت على إتيانه لأتيته. "الأصحم": الأسود يضرب إلى الصفرة، وقيل: هو لقب لملوك الحبشة و"الثفروق" قمع البُسْرةِ وقيل: قمعُ التمرة.

стр. 1580

قال ابن إسحاق (١): ثم كتب رسول الله ﷺ بعد ذلك كتابًا آخر إلى النجاشي بأن يزوِّجه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان ويبعث إليه بجعفر ومن عنده من المسلمين، فأخذ الكتاب وجعلهما في حُقًّ من عاج وقال: لا تزال الحبشة بخير ما دام هذان الكتابان بين أظهرهما. قال أنس: وليس بالنجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ (٢). قال المصنف: وظاهر هذا القول أنه كان في زمن النبي ﷺ نجاشي آخر ولم ترد الأخبار بذلك، والظاهر أن المشار إليه هو الذي صلى عليه رسول الله ﷺ . * * * وفيها: ذبح أبو بُردة بن نِيَار قبل صلاة العيد فأمره رسول الله ﷺ أن يُعيد الأضحية. قال البراء بن عازب: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "إنَّ أَوَّلَ ما نَبدَأُ بهِ في يَومِنا هذا: أَن نُصلِّي، ثم نَرجِع فَنَنْحر، فَمَن فَعَل ذلِكَ فَقَد أَصابَ سُنَّتنا، ومَن ذَبَح قَبلَ الصَّلاةِ، فإنَّما هوَ لَحمٌ قَدَّمه لأَهلهِ ليسَ مِنَ النُّسُك في شيءٍ". قال: وذَبح خالي أبو بُردة بن نِيَار فقال: يا رسول الله، ذبحتُ قبل الصلاة وعندي جَذَعةٌ خيرٌ من مُسِنَّةٍ، قال: "اجعَلْها مَكانَها، ولَن تجزئَ - أو توفي - عَن أَحَد بَعدَكَ". أخرجاه في "الصحيحين" (٣). * * * وفيها: وقع طاعون بالمدينة فأفنى الخلق، وهو أول طاعون وقع في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "إذا وَقَعَ بأَرضٍ وأَنتُم بها، فَلا تَخرُجُوا منها، وإِنْ سَمِعْتُم بهِ في أَرضٍ فَلا تَقْرَبُوها" (٤). * * *
следующие страницы →