← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

نعطيه أرض سورية ويدع لنا الروم فكيف نعطيه بلادنا وأموالنا وأوطاننا، لا كان ذلك أبدًا، فوالله ما دعتنا ضرورة إلى ذلك. فقال: والله لتُؤَدُّنَّ أحد الأشياء الثلاثة إذا ضغطكم في بلادكم، ثم سار حتى وصل الدرب والتفت إلى الشام وقال: السلام عليك يا سورية، سلامَ مودِّع، ثم مضى حتى دخل القسطنطينية (١). فكان آخر العهد به. ويقال: إنه مات مسلمًا. وسورية أرض الشام وحَدُّها درب الروم. ورجع دِحْيَةُ إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخَبَرَ فقال: كان أحزمَ القوم. وقال موسى بن عقبة: خرج أبو سفيان إلى الشام تاجرًا فقدم على قيصر فأرسل إليه قيصر يسأله عن رسول الله ﷺ فلما جاءه قال: أخبرني عن هذا الرجل أيظهر عليكم؟ قال: ما ظهر علينا إلا مرَّةً وأنا غائب، ثم غزوتهم مرتين فبقرنا البطون وجدعنا الأنوف وقطعنا الذكور. فقال قيصر: أتراه كذابًا أو صادقًا؟ قال: بل هو كاذب. فقال قيصر: لا تقولوا هكذا، فإن الكذب لا يظهر به أحد، فإن كان فيكم نبيًا فلا تقتلوه فإن أفعلَ الناس لذلك اليهودُ (٢). فصل: وأما سَليطُ بن عمرو العامري فإنه قدم على هَوذة بن علي الحنفي ودفع إليه كتاب رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام فقرأه وكتب إليه: ما أحسنَ ما تدعونا إليه وأجلَّه وأنا شاعر قومي وخطيبهم والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك. وأجاز سَليطًا بجائزة ونفقةٍ وثياب من نسج هَجَر، فقدم على رسول الله ﷺ فأخبره فقال: "والله لو سألني سيابةً من الأرض ما أعطيته، باد ملكه" فمات عام الفتح، وكان من عقلاء الملوك (٣). والسَّيابة بفتح السين: البلحةُ.

стр. 1577

فصل: وأما عبدُ الله بنُ حُذافةَ السَّهْمي فقدم على كسرى. قال الواقدي: بعث رسول الله ﷺ إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب إليه: "بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ، من محمدٍ رَسولِ اللهِ إلى كِسْرَى عَظيمِ فارِسَ، سَلامٌ على من اتَّبع الهُدَى وآمَن باللهِ ورَسولِهِ، وشَهِدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنِّي رسولُ اللهِ إلى الناس كافة ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] الآية، أما بعدُ: فإنِّي أَدعوكَ بِداعِيَةِ اللهِ، فأَسْلِم تَسلَم، فإن أبيتَ فعليكَ إثمُ المجوسِ. والسَّلامُ". فلما قرأ كتابه خرقه وقال: يكتبُ إلي مثلُ هذا وهو عبدي، ثم كتب إلى باذان عاملِه باليمن أنِ ابعث إلى هذا الرجلِ الذي بالحجاز رجلين من عندك جَلْدين فليأتياني به. فبعث قَهرمانَه بابَوَيْه وكان كاتبًا حاسبًا ورجلًا آخر من الفرس يقال له: خُرَّخُسره وكتب معهما كتابًا إلى رسول الله ﷺ يأمره بالانصراف معهما إلى كسرى، وبلغ قريشًا ففرحوا، وقالوا: كفيتم أمره فقد نصب له العداوة ملك الملوك كسرى، فقدم الرجلان على رسول الله ﷺ ودخلا عليه وكلَّمه القهرمان وقال: إن شاهنشاه قد كتب إلى الملك باذان يأمره بإنفاذك إليه، وقد بعث بي لتنطلق معي، فإن فعلت كتب فيك الملك كتابًا إلى ملك الملوك ينفعك عنده ويكف عنك، وإن أبيت فهو مَن قد علمت، وإنه مهلكُكَ وقومَك ومخرب بلادك، وكانا قد حَلقا لِحاهما وأعفيا شواربهما، فكره رسول الله ﷺ النظر إليهما فقال: "وَيلَكُما مَن أَمَركُما بهذا"؟ قالا: ربنا، يعنيان كسرى، فقال رسول الله ﷺ : "لكنَّ ربِّي اللهُ أَمَرَني بإعفَاءِ لِحيَتي وقصِّ شَارِبي" ثم قال: "ارجِعا حتى تأتِياني غدًا" وأتى رسولَ الله ﷺ الخبرُ من السماء أنَّ الله قد سَلَّط على كسرى ابنه شيرويه فقتله في شهر كذا في ليلة كذا، فدعاهما فأخبرهما، فقالا: هل تدري ما تقول؟ فإنَّا قد نَقِمْنا عليك ما هو أيسر من هذا؟ أفنكتب عنك بهذا إلى الملك، قال: نعم وقولا له: "إنَّ دِيني وسُلطَاني سَيبلُغُ مُلكَ كِسْرَى، ويَنتهي إلى مُنتَهى الخُفِّ والحافرِ، وقولا له إن أَسْلَمتَ أعطيتك ما تحت قَدمَيكَ ومَلَّكتك على قومِكَ من الأَبناء" ثم أعطى خُرَّخسره مِنطَقَةً بها ذهب وفضة أَهداها له بعضُ الملوكِ، وخَرَجا من عنده، فقدما على باذان فأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا ملك، وإني لأراه كما يقول نبيًا، ولننظر ما قال،

стр. 1578

فإن كان حقًّا فهو نبيٌّ مُرسلٌ، وإن لم يكن فسنرى فيه رَأْيَنا. فلم يلبث أن قدم عليه كتاب شِيرُويه بن كسرى يقول فيه: أما بعد: فإنِّي قد قتلتُ كِسْرَى ولم أقتله إلا غَضَبًا لفارس لِما كان استحل من قتل أشرافها وسوءِ سيرته، وما قتلته إلّا برأيهم، فانظر من قبلك فخذ عليه الطاعة، والرجل الذي كتب إليك أبي بسببه فلا تُهِجْهُ حتى يأتِيكَ أمري فيه. والسَّلام. فلما قرأ كتابه قال: آمنت أن هذا الرجل رسول الله ﷺ فأَسلَم وأسلم معه الأبناء ومن كان باليمن من فارس، فكانت حمير تقول: لخُرَّخسره: ذو المِعْجَزة، للمنطقة التي أعطاه إياها رسول الله ﷺ هي بلسان حمير كذلك، فبنُوه اليوم ينسبون إليها (١). وسأل باذان قَهْرمانَه: هل مع الرجل شُرَطٌ؟ قال: لا، قال: هو نبي. وقال الزهري: كتب كسرى إلى باذان: بلغني أن رجلًا خرج بمكة يزعم أنه نبي، فسر إليه فاستتبه، فإن تاب وإلَّا ابعث إليَّ برأسه. فبعث باذان كتاب كسرى إلى رسول الله ﷺ فكتب إليه رسول الله ﷺ : "إنَّ اللهَ قَد وَعَدَني أَن يَقتُلَ كِسْرى في وَقتِ كَذا في شَهرِ كَذا" فقُتل في الوقت الذي ذكره رسولُ الله ﷺ ، فأسلم باذان ومن كان عنده من الفرس باليمن (٢). وقال الواقدي: قُتل كسرى ليلة السبت لست ساعات مضين من جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة. وقيل: لعشر مضين منه سنة ست من الهجرة. وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "إذا هَلَكَ كِسْرَى فلا كِسْرَى بعدَهُ، وإذا هَلَك قَيصَرُ فلا قَيصَرَ بعدَهُ، والذي نَفْسِي بيَدِه لَتُنْفقَنَّ كُنوزُهُما في سبيلِ الله". متفق عليه (٣). وكان كما قال، لأن أمر فارس انحل بعد أَبرويز، وكذا هرقل ما عاد إلى الشام واستولى المسلمون في مدة يسيرة على العراق والشام.

стр. 1579

فصل: وأما عمرو بن أمية الضمري فإنه قدم على النَّجاشي الأصحم ملك الحبشة، وكان قد كتب إليه رسول الله ﷺ : "سَلامٌ عليك، أما بعدُ: فإنِّي أَحمد إليكَ اللهَ الذي لا إلهَ إلا هُو، الملكُ القدوسُ السَّلامُ المؤمِنُ المُهيمنُ العزيزُ الجبَّارُ المتكبِّرُ، وأَشهَدُ أنَّ عيسى بنَ مريمَ روحُ اللهِ وكلمتُه أَلْقاها إلى مريمَ العذراءِ البَتُول الطيِّبة الحَصِينة، فحملَت بعيسَى فَهو مِن روح اللهِ، وإنِّي أدعوكَ إلى الله وحدَهُ لا شَريكَ له، وأن تَتَّبعني وتُؤمِنَ بي، فإنِّي رسولُ الله وحدَه لا شَريكَ له واستوصِ خيرًا بابن عمِّي جعفر وبمَن مَعَه من المُسلِمينَ وتواضَع لهم ولا تتكَبَّر عليهم، والسَّلام". فكتب إليه النجاشي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إلى محمد رسول الله من النَّجاشي الأصحم بن أبجر، سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، والحمد لله الذي هداني للإسلام، وقد بلغني كتابك فيما ذكرت [من أمر عيسى، فورب السماء والأرض، إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت] ثُفروقًا وقد عرفتُ ما بعثتَ به إلينا، وقد قرَّبنا ابن عمك وأصحابَه، وأشهد أنَّك رسول الله، وقد أسلمتُ على يد ابن عمِّك وبايعته وأسلمت لله رب العالمين، وقد بعثتُ إليك بابني أرها بن الأصحم، وإنِّي لا أملك إلا نفسي وإن شئت أن آتيكَ بنفسي فعلت (١)، والسَّلام. قال ابن إسحاق: فذكروا أنه بعث بابنه في ستين من الحبشة في سفينة ومعه هدايا حَبِرَة، فغرق في وسط البحر. وقال الواقدي: لما قرأ النجاشي كتاب رسول الله ﷺ نزل عن سريره وجلس على الأرض تواضعًا لله تعالى وقال: لو قدرت على إتيانه لأتيته. "الأصحم": الأسود يضرب إلى الصفرة، وقيل: هو لقب لملوك الحبشة و"الثفروق" قمع البُسْرةِ وقيل: قمعُ التمرة.

стр. 1580

قال ابن إسحاق (١): ثم كتب رسول الله ﷺ بعد ذلك كتابًا آخر إلى النجاشي بأن يزوِّجه أمّ حبيبة بنت أبي سفيان ويبعث إليه بجعفر ومن عنده من المسلمين، فأخذ الكتاب وجعلهما في حُقًّ من عاج وقال: لا تزال الحبشة بخير ما دام هذان الكتابان بين أظهرهما. قال أنس: وليس بالنجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ (٢). قال المصنف: وظاهر هذا القول أنه كان في زمن النبي ﷺ نجاشي آخر ولم ترد الأخبار بذلك، والظاهر أن المشار إليه هو الذي صلى عليه رسول الله ﷺ . * * * وفيها: ذبح أبو بُردة بن نِيَار قبل صلاة العيد فأمره رسول الله ﷺ أن يُعيد الأضحية. قال البراء بن عازب: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "إنَّ أَوَّلَ ما نَبدَأُ بهِ في يَومِنا هذا: أَن نُصلِّي، ثم نَرجِع فَنَنْحر، فَمَن فَعَل ذلِكَ فَقَد أَصابَ سُنَّتنا، ومَن ذَبَح قَبلَ الصَّلاةِ، فإنَّما هوَ لَحمٌ قَدَّمه لأَهلهِ ليسَ مِنَ النُّسُك في شيءٍ". قال: وذَبح خالي أبو بُردة بن نِيَار فقال: يا رسول الله، ذبحتُ قبل الصلاة وعندي جَذَعةٌ خيرٌ من مُسِنَّةٍ، قال: "اجعَلْها مَكانَها، ولَن تجزئَ - أو توفي - عَن أَحَد بَعدَكَ". أخرجاه في "الصحيحين" (٣). * * * وفيها: وقع طاعون بالمدينة فأفنى الخلق، وهو أول طاعون وقع في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "إذا وَقَعَ بأَرضٍ وأَنتُم بها، فَلا تَخرُجُوا منها، وإِنْ سَمِعْتُم بهِ في أَرضٍ فَلا تَقْرَبُوها" (٤). * * *

стр. 1581

وفيها: تزوج عمر بن الخطاب رضوان الله عليه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح، فولدت له عاصم بن عمر فطلقها عمر ﵁ بعد ذلك فتزوجها يزيد بن جارية (١)، فولدت له عبد الرحمن بن يزيد، فهو أخو عاصم لأمه. * * * وفيها: أجدبت الأرض فاستسقى رسول الله ﷺ (٢). قال أنس بن مالك: أصابت الناسَ سَنةٌ على عهد رسول الله ﷺ ، فبينا رسول الله ﷺ يخطب على المنبر يوم الجمعة إذ قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا أن يسقينا، فرفع رسول الله ﷺ يديه وما في السماء قَزَعةٌ، فثار سحابٌ أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر على لحيته، قال: فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي أو رجل غيره، فقال: يا رسول الله، غرق المال وتهدم البناء، ادع الله لنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه وقال: "اللَّهمَّ حَوَالينَا ولا عَلينا" قال: فما جعل يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا انفرجت حتى صارت المدينة مثل الجَوْبةِ، حتى سال وادي قناة شهرًا، ولم يجئ أحد من ناحيةٍ إلّا حدّث بالجَوْدِ. أخرجاه في "الصحيحين" (٣). وقد رواه الهيثم بن عدي، وفيه أن الأعرابي أنشد: [من الطويل] أتيناك والعذراء يَدمى لبانُها … وقد شُغِلَتْ أُمُّ الرّضيع عن الطِّفْلِ وليس لنا إلا إليك فِرارُنا … وليس فِرار الناس إلّا إلى الرُّسلِ فرفع رسول الله ﷺ يديه إلى السماء وقال: "اللَّهمَّ اسْقِنا غَيثًا مُغِيثًا، عامًّا طَبَقًا سحًّا" فنشأت سحابةٌ من وراء سَلْعٍ مثلُ التُّرس ثم انتشرت وأمطرت سبعًا، فشكى الناس إلى رسول الله ﷺ فقال: "اللَّهمَّ على الآكَامِ والظِّرابِ والجبالِ والأوديةِ ومنابتِ

стр. 1582

الشَّجرِ". قال: فتقطعت وخرجنا نمشي في حر الشمس. وفي رواية: فانجاب السحاب مثل الإكليل عن المدينة فضحك رسول الله ﷺ وقال: "للهِ دَرُّ أبي طالبٍ لو كان حيًّا لَقَرَّت عينُه، فمن يُنشِدُنا قوله؟ فقام علي ﵁ فقال: تريد قوله (١): [من الطويل] وأبيض يُستسقى الغَمامُ بوجههِ … ثِمالُ اليَتامى عِصمةٌ للأَراملِ يَلُوذُ به الأَقْيالُ مِن أَهلِ هاشمٍ … فهم عندَه في نِعمةٍ وفَواضلِ وهذان البيتان لأبي طالب في أبيه عبد المطلب لما استسقى فسُقي. وفيها: وَقَفَ عمر بن الخطاب رضوان الله عليه أموالَه (٢). قال ابن عمر: أصاب عمر أرضًا بخيبر فاستأمر النبي ﷺ بها فقال: "إن شِئتَ حَبَستَ أَصلَها وتَصَدَّقت بها". فتصدق بها في الفقراء والقربى والرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والضَّيف، لا جناح على مَن وَلِيها أن يأكل منها بالمعروف غير متأثِّلٍ فيها مالًا. أخرجاه في "الصحيحين" (٣). * * * وفيها: ظاهرَ أوس بن الصامت من امرأته، واسمها خولة بنت مالك بن ثعلبة، وقيل في نسبها غير ذلك، وقيل: خويلة، وقيل: فاطمة، وقيل: جميلة. والأول أشهر (٤). قال الإمام أحمد رحمة الله عليه: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن تميم بن سَلَمة، عن عروة، عن عائشة، قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءَت المُجادلةُ إلى النَّبي ﷺ وأنا في ناحية البيت لا أسمع ما تقول، فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٥) [المجادلة: ١] الآية.

стр. 1583

وقد حكى الثعلبي عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن اسمها جميلة، وكانت حسنة الجسم، فرآها أوس بن الصامت ساجدة في صلاتها، فنظر إلى عجزها، فلما انصرفت أرادها فامتنعت عليه، فغضب وكان امرءًا فيه سرعة ولَمَم، فقال: أنت عليَّ كظهر أمي، وكان الظهارُ والإيلاءُ من طلاق الجاهلية، فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت علي، فقالت: لا تقل ذلك، ائت رسول الله ﷺ فسله، فقال: إني لأستحي منه أن أسأله عن مثل هذا، قالت: فدعني أسأله، قال: سليه، فأتت رسول الله ﷺ وأنا أغسل شق رأسه فقالت: يا رسول الله، إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابةٌ غَنِيَّةٌ ذاتُ مالٍ وأهلٍ، حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي، وتفرق أهلي، وكبر سني، ظاهر مني، وقد ندم، فهل من شيء تبعثني به؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "حَرُمْتِ عليه". فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، قد طالت صحبتي ونفضتُ له بطني. فقال لها رسول الله ﷺ : "ما أراك إلا حرمت عليه، ولم أُؤمر في شأنك بشيء" فجعلت تراجع رسول الله ﷺ فإذا قال لها حرمت عليه هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، اللهمَّ فأنزل على لسان نبيك، وكان هذا أوَّلَ ظِهارٍ كان في الإسلام. فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر فقالت: انظر في أمري جُعلتُ فداك يا رسول الله، فقالت لها عائشة: اقصري حديثك ومجادلتك أما تَرَيْنَ وجه رسول الله ﷺ ؟ وكان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه أخذه مثل السُّبات، فلما مضى الوحي قال: "ادْعِي زَوجَكِ" فجاء فتلا عليه الآيات ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١] الآيات، وبيَّن حُكْمَ الظِّهار، وجعل فيه الكفارة، ثم قال له رسول الله ﷺ : "هَل تَستَطيعُ أنْ تَعتِقَ رَقَبةً"؟ قال: إذًا يذهب مالي كله وأنا قليل المال. فقال رسول الله ﷺ : "فَهَل تَستَطيعُ أن تَصُومَ شَهرين مُتَتابعَينِ"؟ فقال: يا رسول الله، إني إن لم آكل في النهار ثلاث مرات كَلَّ بصري وخشيت أن تَعْشوَ عيني. قال: "فَهَل تَستَطيعُ أن تُطْعِمَ سِتينَ مِسكِينًا"؟ قال: لا إلَّا أن تعينني على ذلك. فقال رسول الله ﷺ : "إني مُعينُكَ بخمسةَ عَشَر صاعًا، وأنا داعٍ لكَ بالبركةِ" فأعانه

стр. 1584

رسول الله ﷺ بخمسة عشر صاعًا، ونزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] الآية (١). قال الزهري: كان الظهار طلاقًا في الجاهلية، فنقل الشرع أصله، ونقل حكمه إلى تحريم مؤقت بالكفارة. وكذا الإيلاء. وخولة هذه هي التي مرَّ بها عمر بن الخطاب ﵁ بعد ما ولي الخلافة ومعه الجارود العبدي فسلَّم عليها، فقالت له: إيهًا يا عمر، عهدتك بالأمس في سوق عكاظ تدعى عُميرًا تَزَع الصبيان بعصاك، ثم لم تذهب الأيام والليالي حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام والليالي حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أن من خاف الوعيد قرب عليه البعيد ومن حذر الموت خشي الفوت. فبكى عمر، فقال لها الجارود: لقد أغلظت لأمير المؤمنين، فقال له عمر: مه، دعها، أما تعرفها؟ هذه خولةُ التي سمع الله كلامها من فوق سبع سماواته، فعمر أولى أن يسمع كلامها (٢). * * * وفيها: سابق رسول الله ﷺ بناقته العضباء وهو اسمها، فَسُبِقَتْ. قال أنس: كانت ناقة رسول الله ﷺ تُسمَّى العضباء، وكانت لا تكاد تُسْبَقُ، فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فشق ذلك على المسلمين، حتى عرف رسول الله ﷺ ذلك في وجوههم وقالوا: يا رسول الله سُبقت العضباء، فقال: "حقٌّ على اللهِ أنْ لا يرفعَ شيئًا من الدُّنيا إلَّا وَضَعه". أخرجه البخاري (٣). وفي رواية: أن لا يُرْفَعَ شيءٌ من الدنيا … وذكره (٤). * * *

стр. 1585

فصل وفيها توفيت أم رُومان (١) بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس، وقيل: أم رومان بنت عامر بن عميرة بن ذُهْل، وذكره إلى كنانة، وقيل: أم رومان بنت الحارث بن الحويرث بن قيس بن غنم. امرأة الحارث بن سَخْبَرة بن جُرثومة بن عاديةَ الأزدي، قدم بها من السَّراة إلى مكة وولده منها، فحالف أبا بكر الصديق ﵁ ثم مات بمكة، فتزوجها أبو بكر ﵁ فولدت له عائشة وعبد الرحمن ﵄. أسلمت أم رومان بمكة قديمًا وبايعت وهاجرت إلى المدينة مع أهل رسول الله ﷺ وبناته، وكانت امرأةً صالحةً، توفيت في ذي الحجة سنة ست من الهجرة، ونزل رسول الله ﷺ في قبرها وقال: "مَن سَرَّه أن يَنظُرَ إلى امرأةٍ من الحُورِ العِينِ فَلينظُر إلى أُمِّ رُومان". وقال بعض العلماء: عاشت بعد رسول الله ﷺ دهرًا طويلًا وروت عنه الحديث (٢). وأخرج لها البخاري حديثًا واحدًا (٣). عتبة بن أَسِيد (٤) ابن جاريةَ الثقفي أبو بصير، وأمه سالمة، قرشية، وهو من الطبقة الأولى من

стр. 1586

المهاجرين، وقد ذكرنا قصته زمن الحديبية، وأن قريشًا سألوا رسول الله ﷺ أن يدخله ومن معه إلى المدينة، فكتب إليه فجاءه كتاب رسول الله ﷺ وهو مريض قد أشرف على الموت، فوضعه على عينيه وجعل يقرأُه ويبكي، ومات وهو في يده، فغسله أصحابه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه بناحية العِيصِ وبنوا عليه مسجدًا، وقدموا المدينة، فأخبروا رسول الله ﷺ فترحم عليه واستغفر له. قال موسى بن عقبة: تولى أمره أبو جندل بن سهيل. مُحرِز بن نَضْلَة (١) ابن عبد الله بن مُرَّةَ، أبو نَضْلَة الأسدي، من الطبقة الأولى من المهاجرين، وكان يلقب: فُهَيرة، آخى رسول الله ﷺ بينه وبين عُمارة بن حَزم. شهد محرز بدرًا وأحدًا والخندق، وقتل يوم الغابة، وهي غزاة ذي قَرَد سنة ست مع رسول الله ﷺ . قال صالح بن كيسان: قال محرز بن نضلة: رأيت سماء الدنيا فرجت لي حتى دخلتُها، فانتهيت إلى السماء السابعة وسدرة المنتهى، فعرضتها على أبي بكر الصديق ﵁ وكان أعبر الناس، فقال: أبشر بالشهادة، فقتل بعد ذلك بيوم. خرج مع رسول الله ﷺ إلى الغابة يوم السَّرْح، وهي غزوة ذي قَرد سنة ستٍّ، قتله مسعدة بن حكمة. شهد محرز بدرًا، وهو ابن إحدى أو اثنتين وثلاثين سنة، وكان يوم قتل ابن سبع أو ثمان وثلاثين سنة. والله أعلم (٢). * * *

стр. 1587

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء الرابع [٧ - ١٠ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه محمد بركات - عمار ريحاوي

стр. 1588

السنة السابعة من الهجرة فيها كانت غزاةُ خيبر (١). قال الطبري: لما رجع النبي ﷺ من الحديبية أقام بالمدينةِ بقيَّةَ ذي الحجّة، ثم خرج إلى خيبر في بقية المحرم. وقال ابن إسحاق: كانت في صفر (٢). وقال الواقدي: في جُمادى الأولى. واستخلف على المدينةِ سِباعَ بنَ عُرْفُطة (٣)، ودفع لواءه إلى عليِّ ابن أبي طالب ﵁. وقيل: إلى الحُبابِ بن المنذر (٤). وقال موسى بن عقبة: خرج رسول الله ﷺ في رايتين، ولم تكنِ الراياتُ قبل خيبر وإنَّما كانتِ الألوية. وكان شعارُهم "يا منصورُ، أَمِتْ". وساروا إلى خيبر، وهي على ثمانيةِ بُرُدٍ من المدينةِ. وأَخرج معه أُمَّ سَلَمة، ومضى بالجيشِ حتى نزل قريبًا من خيبر، فقال له الحباب بن المنذر: يا رسولَ الله، اِنزلْ بين حصونهم لِنَقْطعَ عنهم الأخْبارَ والمادةَ، فنزل وادي الرَّجيع، بين خَيبر وغَطَفان، فحالَ بينهم، لأنهم كانوا مظاهرين لهم على رسولِ الله ﷺ (٥). فلما سمعت غَطَفانُ بنزولهم هناك جمعوا جمعًا عظيمًا لِيُساعِدوا اليهودَ، ثم خافوا على أهلهم وأموالهم فتخلَّوْا عنهم (٦). ونازل رسول الله ﷺ حصونَهم، وكانت كثيرة، منها: القَموصُ، حصنُ كِنانةَ بن أبي الحُقَيْقِ، ونَطاةُ والصَّعْب والكَتيبةُ والوَطيحُ وناعِم والسَّلالم، وهو أحصنُها، وقيل: نطاةُ. ولم يعلموا بنزولهِ ﷺ ، حتى بَغَتهم، وكانوا قد خرجوا أوَّلَ النهار على عادتهم معهم المَساحي

стр. 1589

والفؤوسُ للعمل، فلم يشعروا برسولِ الله ﷺ إلا وقد نزلَ بساحتهم فقالوا: محمدُ والخميسُ، فولَّوْا هاربين إلى حصونهم، ورسول الله ﷺ يقول: "اللهُ أكبر خَرِبَتْ خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساءَ صباحُ المنذَرِين" (١). قال الواقدي: فقاتلهم رسولُ الله ﷺ قتالًا شديدًا، وقُتِلَ من أصحابه جماعة (٢). وأَوَّلُ حصنٍ افتتحه حصنُ ناعم، وعنده قُتِل محمود بن مَسْلَمة، ألقت عليه امرأةٌ رحًى فقتلته، ثم فتح حِصْنًا حِصْنًا، فلما رأوا ذلك التجؤوا إلى نطاةَ والوَطيح والسَّلالم (٣). حديث مَرْحَب: واختلفوا في قاتله، فروى الإمام أحمد ﵀ يرفعه إلى بُرَيْدَة قال: حاصرنا خيبر، وأخذ أبو بكرٍ اللواءَ فلم يُفْتح له، ثم أخذه عُمَرُ فَلم يُفْتَحْ له، فقال رسول الله ﷺ : "إِنِّي دافعٌ اللِّواءَ غَدًا إلى رَجُلٍ يُحِبُّه اللهُ ورَسولُه [ويُحبُّ اللهَ ورَسُولَه] لا يَرجعُ حتى يُفْتَح له، أو على يَديه". قال: فَبقينا طيِّبةً نفوسُنا أن الفتح غَدًا، فلما صلى الفَجر قام فدعا باللِّواء، والناسُ على مصافِّهم، ودعا عليًا، فقال له: "اذهبْ فانزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام" فأخذ اللواء فبرز إليه مرحب وهو يقول: [من الرجز] قد عَلِمَتْ خيبرُ أني مَرْحَبُ … شاكي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجرَّبُ أَطْعَنُ أحيانًا وحينا أَضْرِبُ … إذا الليوثُ أقبلت تلهَّبُ ثم قال: هل من مبارز؟ فقال علي: أنا الذي سمَّتْني أمي حَيْدَرَهْ … كليثِ غاباتٍ كريه المنظَرَهْ عَبْلُ الذراعين شديدُ القَسْورهْ … أَضْرِبُ بالسيفِ رقابَ الكَفَرَهْ ثم ضرب رأس مَرْحَبٍ بالسيف فقتله، وجاء برأسه إلى رسول الله ﷺ فَسُرَّ به ودعا له (٤). وحكى الطبري عن بُرَيْدةَ قال: كان رسولُ الله ﷺ ربما أخذتْه الشَّقيقةُ فلم يخرجْ

стр. 1590

إلى الناس، فأخذ أبو بكرٍ الراية فقاتل ورجع، ثم أخذ عمرُ فقاتل ورجع، ثم أخذها عليٌّ ﵇، فبرز مَرْحَب وعليه مِغْفَرٌ مُعَصْفرٌ يمانٍ، وعلى رأسه حَجَرٌ قد ثقبه مثلَ البيضة، فضربه عليٌّ فَقَدَّ البيضةَ ورأسَه حتى وقع في أضراسه، وفتح الله الحصن (١). وقال موسى بن عقبة وابن إسحاق: لما برز مَرْحَبٌ قال رسول الله ﷺ : مَنْ لهذا؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا يا رسولَ الله، فبرز إليه فضرب محمدًا بالسيف فاتقاه بِدَرَقَتِه فنشب فيها، وضربه محمد بالسيف فقتله. فخرج أخوه ياسر فقال: قد علمت خيبرُ أني ياسرُ شاكِ السلاحِ بطل مُغاوِرُ إذا الليوثُ أقبلت تبادرُ وأحجمت عن صولتي المغاوِرُ أن حماي فيه موت حاضر فبرز إليه الزبيرُ بن العوام فقالت صفيةُ: أَيقتلُ ابني يا رسول الله؟ فقال: بل ابنك يقتله، فضربَهُ الزبير فقتله (٢). وقال أبو رافع مولى رسولِ الله ﷺ : خرجنا مع علي بن أبي طالب ﵇ إلى الحصن لما بعثه رسول الله ﷺ بِرايتِه، فخرجوا إلينا فقاتَلونا، فطَرَح علي تُرسَه من يده وتناول بابًا كان عند الحصن، فَترَّس به، فلم يزلْ في يده حتى فتح الله على يده، ثم ألقاه من يده، فلقد رأيتني في سبعةِ نفرٍ نجتهد أن نَقْلِبَ ذلك البابَ فلم نقدر عليه (٣). وقال ابن إسحاق: حاصرهم رسول الله ﷺ وفتح حصونهم إلا الوطيحَ والسلالمَ، فتحصن من بقي منهم فيهما، [حتى إذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم ويحقن

стр. 1591

دماءهم، ففعل، وكان رسول الله ﷺ قد حاز الأموال كلها، فلما سمع بهم أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا إلى رسول الله ﷺ ] يسألونه مثل ذلك. وكان الذي مشى بينهم مُحَيِّصةُ بن مسعود أخو بني حارثة، فلم يزل أهلُ خَيبر على ذلك حتى سألوا رسولَ الله ﷺ أن يعاملهم بالأموال على النِّصْفِ، فعاملهم على أنه متى شاء أن يُخرجَهمُ أخرجهم، وصالحه أهل فَدَك على مثل ذلك، فكانت خيبر فيئًا للمسلمين، وفَدَكٌ خالصة لرسول الله ﷺ ، لأنهم لم يُوجِفُوا عليها بخيلٍ ولا رِكابٍ (١). وقال ابن عمر: أتى رسولُ الله ﷺ أهلَ خيبر عند الفجر، فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قَصْرِهم، وغلبهم على الأَرْضِ والنخيل، وصالحهم على أن يحقُنَ دماءَهم ولهم ما حملَتْ رِكابُهم، وللنبي ﷺ الصفراءُ والبيضاءُ والحَلْقَةُ والسِّلاحُ، وشرطوا أن لا يكتموه شيئًا وأن يُخْرجَهم، وإن كتموا شيئًا فلا ذِمَّة لهم ولا عهد، فلما وجد المال الذي غَيَّبوه في مَسْكِ الجمل سبى نِساءهم وغلب على الأرض والنخيل ودفعها إليهم على الشطر، وكان ابن رواحة يخرُصُها عليهم ويضمنهم الشطر (٢). وكان جبَّار بن صخر الأنصاري يخرصُها أيضًا (٣). وعن ابن عباسٍ: أن رسول الله ﷺ دفع خيبر أرضَها ونخلها مقاسمةً على النِّصْفِ (٤). حديث الغنائم: قال علماءُ السِّيَرِ: وأمر رسولُ اللهِ ﷺ بالغنائمِ، فجُمعت، واستعمل عليها فَرْوَةَ بنَ عمرو البَياضي، وكان المسلمونَ ألفًا، والخيلُ مئتي فرسٍ، وكان مع رسولِ الله ﷺ نساءٌ مسلماتٌ، فرضَخَ لَهُنَّ من الفَيءِ، ولم يَضْرِبْ لهنَّ بِسَهْمٍ، وكانت المقاسمةُ على خمسةِ أسهُمٍ: سهمٌ لله والرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، والمساكين،

стр. 1592

وابن السبيل، وطعمةٌ لأزواج رسول الله ﷺ ، وقُسِّمت خيبر على أهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، ولم يغب عنها إلا اليسير، ولم يحضُرْها جابرُ بنُ عبدِ الله، فأعطاه رسولُ الله ﷺ منها كَمَنْ حَضَرها (١). قال ابن سعد: ولما قسم رسول الله ﷺ خيبر، جعل نِصْفَ سهمه لنوائبهِ ونَوازِله، فلما صارت الأموال بيده لم يكنْ للمسلمينَ مَنْ يعملُها، فدفعها إلى اليهودِ، يعملونَها على نِصْفِ ما يخرجُ منها، فلم يزالوا كذلك إلى زمن عمر بن الخطاب ﵁ فأجلاهم إلى الشام، وقسم الأموال بين المسلمين (٢). لِما نذكر. حديث صفية بنت حيي ﵂ -: كانت قد رأت في منامِها وهي عروسٌ بكِنانةَ بن أبي الحُقَيْقِ أن قمرًا وقع في حِجْرِها، فقصَّت رؤياها على كِنانة، فلطمها، فاخضَرَّت عينها، قال: وما ذاك إلّا لأنك تَتَمنَّيْنَ مَلِكَ الحجازِ محمَّدًا. فلما فُتِحت خَيْبَرُ أُتيَ رسولُ الله ﷺ بكنانة وكان عنده كَنْزُ بني النضير، فسأله عنه فأنكر، فقال رجلٌ من اليهود: رأيت كِنانةَ يُطيفُ كلَّ غداة بهذه الخَرِبَةِ، فقال رسول الله ﷺ : "أَرأَيتَ إِن وَجَدناهُ عندكَ، قَتَلنَاكَ؟ " قال: نعم، فأمر رسولُ الله ﷺ بتلك الخَرِبةِ فحُفرت، فأخرج منها بعض الكنز، فسأله عن الباقي فأنكر، فدفعه إلى الزبير وقال: "عذَّبه حتى يُقِرَّ بالباقي" وكان الزبير يقدح بزَنْدٍ في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه إلى محمد بن مَسْلَمةَ، فقتله بأخيه محمود بن مَسْلمة. ولما وصلت صفية إلى رسول الله ﷺ سألها عن عينها فأخبرته فَعَجِبَ (٣). وفي حديث أنسٍ الذي رواه: أنَّ رسول الله ﷺ غزا خيبر، قال: فصلَّيْنا عندها صلاةَ الغَداةِ بغَلَسٍ، فركبَ رسولُ الله ﷺ وأبو طلحة وأنا رديفُ أبي طَلحةَ، فأجرى رسول الله ﷺ في زقاق خيبر، وإنَّ رُكْبتِي لتَمَسُّ فَخِذَ نبي الله، وانحسر الإزار عن فخذِ

стр. 1593

نبي الله فإني لأرى بياضَ فَخِذه، فلما دخل القرية قال: "اللهُ أَكبَرُ خَرِبَت خَيبرُ؛ إنا إذا نَزَلنا بقوم فَساء صباحُ المنذَرين" قالها ثلاثًا، وقد خرج القوم إلى أعمالهم فقالوا: محمدٌ والخَميسُ، فأصبناها عَنْوةً، فجُمع السَّبْيُ، فجاء دِحْيَةُ فقال: يا رسول الله، أعطني جاريةً من السَّبْيِ، فقال: "اذهَبْ فَخُذ جارِيَةً" فأخذ صفيَّةَ بنت حيي، وذُكِرَ أن رجلًا (١) قال: يا رسول الله، أعطيت دِحْيَةَ صفية بنت حيي سيدة بني قريظة والنضير! ما تصلح إلا لك، فقال رسول الله ﷺ : "ادعوه". فجاء بها، فلما نظر إليها رسولُ الله ﷺ قال: "خُذ جارِيَةً مِنَ السَّبْيِ غَيرَها". قال: ثم إن نبي الله أعتقها وتزوجها. فقال ثابت لأنس: يا أبا حمزة، ما أَصْدَقها؟ قال: نَفْسَها، أعتقها وتزوجها، حتى إذا كُنّا بالطريق جَهَّزَتْها أمّ سُلَيْمٍ، فأهدَتْها له من الليل، فأصبح رسول الله ﷺ عروسًا، فقال: "مَن كانَ عندَهُ شَيءٌ فَلْيجئْ بهِ" وبسط نِطْعًا، فجعل الرجل يجيء بالبُرِّ والرجلُ يجيء بالسمن، قال: وأحسبه ذكر السَّوِيقَ، قال: فحاسوا حَيْسًا، وكانت وليمة رسول الله ﷺ (٢). وعن أنسٍ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: "الْتَمِسُوا لي غُلامًا مِن غِلمانِكُم يَخْدُمُني" فخرج أبو طلحة يُرْدِفُني وراءه، فكنت أخدم رسولَ الله ﷺ ، فكنت أسمعُه يكثرُ أن يقولَ: "اللَّهمَّ إنِّي أَعوذُ بكَ مِن الهمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَل، والبخلِ والجُبنِ، وضَلَعِ الدَّيْن وغَلبةِ الرجال" فلم أزل أَخْدُمُه حتى أقبلنا من خيبر، وأقبل بصفية بنت حُيَيّ قد حازها، فكنتُ أراه يُحَوِّي لها بعباءةٍ أو بكساءٍ، ثم يُرْدِفُها خلفه، حتى إذا كنا بالصَّهْباء صَنَع حَيْسًا في نِطْعٍ، ثم أرسلني فدعوت رِجالًا فأكلوا، فكان ذلك بناءَه بها، ثم أقبل حتى بدا له أُحُدٌ، فقال: "هَذا أُحُدٌ، هذا جَبَلٌ يُحبُّنا ونُحبُّه" فلما أشرف على المدينة قال: "اللَّهمَّ إنِّي أُحَرِّمُ ما بينَ لابَتَيْها، كما حرَّمَ إبراهيمُ ﵇ مكَّةَ، اللَّهمَّ بارِكْ لهُم في صَاعِهم ومُدِّهم". أخرجاه في "الصحيحين" (٣). وقال موسى بن عقبة: أعطى رسول الله ﷺ دِحْيَة مكان صفية ابنتي الربيع بن أبي الحُقَيْق.

стр. 1594

وعن ابن عباسٍ قال: لما أراد رسولُ الله ﷺ أن يخرجَ من خيبر قال الناس: الآنَ نَعلمُ أَسُرِّيَّةٌ صَفِيَّةُ أمَّ امرأةٌ؟ فإن كانت امرأة [فإنه سيحجبها، وإلا فهي سرية، فلما خرج أمر بستر فسُتر دونها، فعرف الناس أنها امرأة]، ولما أراد أن يركب أدنى فَخِذَهُ منها لتركب عليها، فأبت إجلالًا لرسولِ الله ﷺ ووضعت ركبتها على فَخِذِه فحملها، فلما كان الليلُ ودخل الفُسطاطَ وهي معه جاء أبو أيوبٍ الأنصاريُّ فوضع رأسه على باب الفُسْطاط، فلما أصبح رسول الله ﷺ سمع حركته فقال: من هذا؟ قال: أنا خالد، قال: ما شأنك؟ قال: يا رسول الله جاريةٌ شابةٌ حديثةُ عَهْدٍ بعُرْسٍ وقد صَنَعْتَ بأهلها وزوجِها ما صنعت، فإن تَحرَّكَتْ، كنتُ قريبًا مَنك، فقال: "يَرْحَمُكَ الله يا أبا أَيوب" (١). وقال ابن إسحاق: أُتِيَ رسولُ الله ﷺ بصفيةَ وامرأةٍ أخرى معها، فَمَرَّ بهما بلالٌ على قتلى يهود، فلما رأتهم المرأة التي مع صفية صاحت وصكَّت وَجْهَها وحَثَتْ على رأسها الترابَ، فلما رآها رسولُ الله ﷺ قال: "أَغْرِبُوا عنِّي هذه الشَّيطانَة" وأمر بصفِيَّةَ فَحِيزَتْ خلفه، وأَلقى عليها برِدائه، فعرف الناسُ أنه اختارها لنفسه، وقال لبلال: "أَنُزِعَتْ منكَ الرَّحمةُ حيثُ تمرُّ على قتلى رجالهما" (٢) [ذكر من استشهد بخيبر] ثَقْف، وقيل: ثقاف بن عمرو بن سُمَيْط، أخو مالك ومِدْلاج، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، من حلفاء بني عبد شمس، شهد بدرًا وأحدًا والخندق والحديبية، وقتله أُسير اليهودي في يوم خيبر (٣). الحارث بن حاطب بن عمرو بن عبيد، وأمه أمامة بنت الصامت بن خالد، والحارث من الطبقة الثانية من الأنصار، وهو الذي بعثه (٤) رسول الله ﷺ من الطريق

стр. 1595

لَمَّا توجَّهَ إلى بدر إلى بني عمرو بن عوف لشيءٍ بلغه عنهم، وضرب له بأَجْرِه وسَهْمِه، وشهد أحدًا والخندق والحديبية، فلما حاصر رسول الله ﷺ خيبر رماه رجل من حصنٍ بحَجَرٍ فدمغَه، وهو أخو ثعلبة بن حاطب لأبيه وأمه، وفي ثعلبة نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥] وسنذكره إن شاء الله. ربيعةُ بن أكثم بن سخبرة بن عمرو، أبو يزيد الأسدي من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا وأحدًا وهو ابن ثلاثين سنة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ورماه الحارث اليهودي أبو زينب من النَّطاةِ بحجر فقتله في حصار خيبر، وهو ابن سبع وثلاثين سنة. رفاعة بن عبد المنذر بن رفاعة بن زَنْبَر، أبو رافع أخو أَبي لبابة الأنصاري، شهد رفاعة بدرًا، وله رؤيةٌ وروايةٌ (١). عامر بن الأكْوَعِ سنان بن عبد الله بن قُشير من بني أفصى، من الطبقة الثانية من المهاجرين، أسلم الأكوع قديمًا هو وابناه عامرٌ وعمرو، وصحبوا رسولَ الله ﷺ ، وعامرٌ عمُّ سَلَمة بن الأكوع، فسلمة بن عمرو بن سنان، وسنان هو الأكوع (٢). قال سلمة: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر فَسِرْنا فقال رجل من القوم لعامر: ألا تُسْمِعُنا من هُنَيَّاتِكَ، وكان عامر رجلًا شاعرًا، فنزل يحدو بالقوم ويقول: تاللهِ لولا اللهُ ما اهتدينا ولا تصدَّقْنا ولا صَلَّينا ونحن عن فضلِكَ ما استغنَينا فثبِّتِ الأقدامَ إن لاقَيْنا وأَنْزِلَنْ سكينةً علينا فاغفِر فداءً لك ما اقتنَيْنا

стр. 1596

إنا إذا صيح بنا أَتَيْنا وبالصياح عَوَّلوا علينا فقال رسول الله ﷺ : "مَن هذا؟ " قالوا: عامر، قال: "يَرحَمُه اللهُ"، فقال رجل من القوم: وَجَبَتْ يا نبيَّ الله، لولا مَتَّعْتَنا به. وقيل: إن القائل عمر بن الخطاب رضوان الله عليه. وخرج مَلِكُهم مَرْحَب يخطر بسيفه ويقول: قد علمت خيبرُ أني مَرْحَبُ ...... الأبيات المتقدمة. وقال: قد علمت خيبر أني عامر … شاك السلاح بطل مُغاوِرُ ثم التقيا، فاخْتَلفا ضَرْبتين، فوقع سيفُ مَرْحَب في تُرس عامرٍ، وذهب عامر يَسْفُلُ له فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نَفْسُهُ. قال سلمة: فخرجت فإذا بِنَفَرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ يقول: بطلَ عملُ عامرٍ، قَتَلَ نَفْسَه، قال: فأتيتُ رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقلت: يا رسول الله بطَلَ عملُ عامر، قال: "مَن قالَ ذلكَ"؟ قال: قلتُ: نَفَرٌ من أصحابك، قال: "كَذَب مَن قالَ ذلكَ، بل له أَجْرُه مَرَّتَين" (١). وفي رواية عن سلمة قال: أتينا خيبر فحاصرناهم وأصابتنا مَخْمَصَةٌ شديدة، ثم إن الله فتحها، فلما أمسى الناس اليومَ الذي فتحت فيه خيبر، وأوقدوا نيرانًا كثيرة، فقال رسول الله ﷺ : "ما هذه النِّيرانُ؟ على أيِّ شيءٍ يُوقِدُونَ"؟ قالوا: على لحوم الحُمُرِ الإِنسِيَّة. فقال رسول الله ﷺ : "أَهريقُوها واكسِرُوا القُدُورَ" فقال رجل: يا رسول الله أو نَغْسِلُها؟ فقال: "أَو ذلك" فلمَّا تصافَّ القوم كان سيف عامرٍ فيه قِصَرٌ، فتناولَ به يهوديًا ليضربه فرجع ذُبابُ سيفه فأصاب ركبته فمات منها، فلما قَفَلوا قال سلمةُ: رآني رسول الله ﷺ شاحبًا شاكيًا، قال سلمة: فأخذ بيدي أَو هوَ آخِذٌ بيدي، فقلت: فدًى لك أبي وأمي، زعموا أنَّ عامرًا حَبِطَ عمله، فقال: "من قاله"؟ قلت: فلانٌ وفلانٌ وأُسَيْدُ بنُ الحُضَيْر، فقال: "كَذَبَ مَن قاله، إنَّ له لأَجْرَينِ" وجمع بين أصابعه أَو أُصْبَعَيْه

стр. 1597

"إنه لَجاهِدٌ مُجاهِدٌ، قلَّ عَرَبيٌّ مشى بها مثلَهُ" (١). وفي رواية: إن أصحاب رسول الله ﷺ شكُّوا فيه وقالوا: رجل مات بسلاحه، وقال سلمةُ: يا رسول الله إن قومًا ليهابون الصلاة عليه، فقال: "كذبوا" (٢) وذَكَرَهُ. متفق عليه. ومعنى يهابون الصلاة عليه: أي الدعاء له، ومعنى يسفُل: أي يَخْطُرُ يده إلى أسفل. وروى ابن سعد: أن النبي ﷺ قال: إن عامرًا يعوم في الجنة عوم الدُّعْمُوصِ (٣). وهو دُويبةٌ تغوص في الماء. محمودُ بنُ مَسْلَمةَ بن سلمة بن خالد، حليف بني عبد الأشهل، من الطبقة الثانية من الأنصار، وأمه خُليدَةُ بنت أبي عُبَيْدٍ، شهد أُحُدًا والخندقَ والحديبية، ألقت عليه امرأة (٤) بخيبر رحًى قَسَمَتِ البَيْضَةَ على رأسه فمات، فَقُبِرَ هو وعامر بن الأكوع في قبرٍ واحدٍ لأنهما قُتِلا في يوم واحد، وقبرهما في غارٍ بالرَّجيع، وله رؤية ورِوايةٌ. وفي ذلك اليوم قُتِلَ مَرحَب. النعمانُ بنُ ثابت بن النعمانِ بن أُمية بن البُرَك وهو امرؤ القيس، وكُنْيةُ النعمان: أَبو ضَيَّاح - بضاد معجمة [وياءٍ] مشدَّدة وحاء مهملة - شهد بدرًا وأحدًا والخندقَ والحديبيةَ وخيبرَ وقُتِلَ بها شهيدًا، ضَربه رجلٌ منهم بسهم فأطَنَّ قِحْفَ رأسه، وليس له عَقِبٌ. * * * قال الواقدي: قُتِلَ من المسلمين في غزاة خَيبر ستةَ عَشَرَ رجلًا، ذكرنا أعيانهم، ومن اليهود سبعون رجلًا (٥). منهم الحارث - أبو زينب التي سَمَّت رسولَ الله ﷺ ومرحبٌ وياسرٌ وأُسَيْرٌ وكِنانةُ بن أبي الحُقَيْقِ، وغيرُهم.

стр. 1598

وعن أبي هريرة قال: شهدنا معَ رسولِ الله ﷺ خيبرَ، فقال لِرجلٍ ممن يدَّعي الإسلام: "هَذا مِن أَهلِ النَّارِ" فلما حضَر القتالُ قاتل الرجل قِتالًا شديدًا، فأصابه جِراحةٌ، فأُخبِرَ رسولُ الله ﷺ بقتاله، فلما كان في الليل لم يَصْبِرْ على ألم الجِراح فقتل نفسه، فأُخْبِرَ النبيُّ ﷺ فقال: "اللهُ أكبَرُ، أَشهَدُ أَنِّي عبدُ اللهِ ورَسولُه" ثُمَّ أَمرَ بلالًا فنادى في الناس: "إِنه لا يَدْخُلُ الجنةَ إلا نفسٌ مُؤمنةٌ أو مُسلِمةٌ، وإنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هذا الدينَ بالرجلِ الفَاجِرِ". أخْرَجاه في "الصحيحين" (١). ولما فرغ رسولُ الله ﷺ من خيبر أهدت له زينبُ بنت الحارث اليهودية - ابنة أخي مَرْحَب، امرأةُ سَلَّام بن مِشْكَم - شاةً مَصْلِيَّةً، وكانت قد سألت: أَيُّ الأعضاءِ أحبُّ إليه؟ فقيل لها: الذراعُ، فأكثرت فيه السُّمَّ، وجاءت بالشاة إلى رسول الله ﷺ فَتَناول من الذراع مُضغَةً فلم يُسِغْها، فلفظَها، وكان عنده بِشْرُ بن البراء بن مَعْرور فأخَذَ [كما أخذ] رسولُ الله ﷺ فأساغها، ثم قال النبي ﷺ : "إنَّ هَذا الذِّراعَ لَيُخْبِرُني أنَّه مَسمُومٌ" فدعا بها فسألها فاعترفت، فقال: "ما حَمَلَكِ على هَذا"؟ فقالت: بلغتَ مِنْ قومي ما قد بلغتَ، فقلتُ: إن كان نبيًّا، فَسَيُخْبَرُ، وإن كان مَلِكًا، استرحنا منه (٢). قال البخاري: فَعفا عنها ولم يقتلها (٣). وقال الواقدي: الثابتُ عنْدنا أنه قتلها (٤). وقال الهيثم: لما مات بِشْر بن البراء دفعها إلى أوليائه، فقتلوها به. وفيها: حرَّمَ رسول الله ﷺ لُحومَ الحُمُرِ الإنْسِيَّة، وقد كانت مباحةً قبل ذلك. قال أبو ثعلبة: غزوتُ مع النبي ﷺ خيبر، فأصبنا بها حُمُرًا من الحُمُرِ الإنسية فذبحناها، وأُخْبِر رسول الله ﷺ فأمر عبد الرحمن بن عوف فنادى في الناس: "إنَّ

стр. 1599

لُحومَ الحُمُر الإِنسِيَّةِ لا تَحلُّ لِمَن يَشهَدُ أَنِّي رَسولُ اللهِ" (١). وقد روى هذه السُّنَّة جماعة من الصحابة منهم: علي بن أبي طالب (٢) وجابر بن عبد الله (٣)، والبراء بن عازب (٤). وكذا يَحْرُمُ أكلُ البغال عند عامة الفُقهاءِ والعلماء، وعند مالك رحمة الله عليه لا يَحْرُم شيء من ذلك لقوله ﵇ لغالب بن أبجر وكان له حُمُر: كُلْ من سَمينِ مالِكَ (٥). إلَّا أَنه مَنْسُوخٌ بحديث خيبر. وقال جابر: حرَّم رسولُ الله ﷺ لحومَ البغال، وكلَّ ذي ناب من السباع، وذي مِخْلَبٍ من الطير (٦). [وفيها:] نهى رسول الله ﷺ أن يسقي الرجل ماءَه زَرْعَ غَيره. قال رويفع بن ثابت البَلَوِيُّ: قال رسول الله ﷺ يوم خيبر: "مَن كانَ يُؤمنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، فلا يَسقِي ماءَهُ زَرعَ غيرِه، مَن كانَ يُؤمِن باللهِ واليَومِ الآخِرِ، فلا يَقَع على امرأةٍ مِنَ السَّبيِ حتى يَسْتَبرِئها" (٧). * * * وفيها: قدم جعفرُ بن أبي طالب على رسول الله ﷺ وهو بخيبر، فقام إليه رسول الله ﷺ فاعتنقه وقَبَّلهُ وقال: "ما أَدرِي بأَيِّهما أُسَرُّ: بقُدومِ جَعفر أو بفتح خيبر" (٨) وسأل رسولُ الله ﷺ المسلمينَ أن يُسْهموا له ولأصحابه، ففعلوا. وقال عبد الله بن الإمام أحمد رحمة الله عليهما: حدثني أبي، عن علي بن المَديني

стр. 1600

قال: كنتُ جالسًا في مجلس مالك بن أنس، فاستأذن عليه سفيان بن عُيينة، فأذِنَ له فدخل فسلَّم، وقال: السلام خاصٌّ وعام، السلام عليك أبا عبد الله، فقال مالك: وعليك السلام أبا محمد ورحمةُ الله وبركاته، وقام إليه فصافحه، وقال: لولا أنَّ المعانقة بِدْعَةٌ لعانَقْتُكَ، فقال سُفْيان: قد عانق من هو خير مني مَنْ هو خيرٌ منك، قال مالك: رسولَ الله ﷺ وجعفرًا؟ قال: نعم، قال مالك: ذاك خاصٌّ وليس بعامًّ، فقال سفيان: ما عَمَّ جعفرًا يعمنا وما خصَّه يَخُصُّنا. ثم قال سُفْيان: يا أبا عبد الله أتأذن لي أن أُحَدِّثَ في مجلسك؟ قال: نعم، حدثنا عبد الله بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس: أن جعفر بن أبي طالب لما قدم من أرض الحبشة تَلقَّاه رسول الله ﷺ واعتنقه وقال: جعفرٌ أَشْبَهُهُم بي خَلْقًا وخُلُقًا (١). * * * وفيها: قَدِمَ أبو هريرة على رسول الله ﷺ بخيبر. قال الواقدي: قدم الطُّفَيْلُ بن عَمْرو الدَّوْسيُّ وقومُه المدينةَ بعدما أسلموا، في سبعين راكبًا، وفيهم أبو هريرة، ورسولُ الله ﷺ بخيبر، فخرجوا إليه، فلقوه هناك، فأسهم لهم، وقَدِموا معه المدينة فقال الطفيل: يا رسول الله لا تُفَرِّقْ بيني وبين أصحابي، فأَنْزَلَهُم حَرَّةَ الدجاح، وقال أبو هريرة: لما أقبلتُ أُريدُ الإسلام كان معي غلام ضلَّ عني وأقبل غلامي بعد ذلك وأنا جالس عند رسولِ الله ﷺ فقال: يا أبا هريرة هذا غلامك قد أتاك، فقلت: يا رسول الله إني أشهدك أنه حر. وفي رواية: لما قدمتُ على رسول الله ﷺ قلت وأنا في الطريق: [من الطويل] يا ليلةً من طولِها وعنائها … على أنها من دارةِ الكفر نَجَّتِ فقدمتُ على النبي ﷺ فبايعتُه، فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام فقال: هذا غلامك، فقلت: هو حر لوجه الله (٢). وفي أفراد البخاري، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: أتَيْنا رسولَ الله ﷺ وهو بخيبر بعدما

стр. 1601

افتتحها، فقلت: يا رسول الله أَسْهِم لي، فقال بعض بني سعيد بن العاص: لا تُسْهِمْ له، قال أبو هريرة: فقلت: يا رسول الله هذا قاتِلُ ابنِ قَوْقَل، فقال ابن سعيد بن العاص: واعجبًا لِوَبْرٍ تدلَّى علينا من قُدوم ضَأنٍ، ينعى عَليَّ قَتْلَ رجلٍ مسلم أكرمه الله بيَدَيَّ ولم يُهنّي بيده، أو على يده. قال عنبسةُ بن سعيدٍ راوي الحديث: فلا أدري أسهم له أم لا (١)؟ وأخرج البخاري بمعناه فقال: إن رسول الله ﷺ بعث أَبان بن سعيد بن العاص على سَرِيَّةٍ من المدينةِ قِبَلَ نجدٍ، فَقدِم أبان وأَصحابه على رسول الله ﷺ بخيبر بعدما افتتحها. قال أبو هريرة: فقلتُ: يا رسولَ الله، لا تَقْسِمْ لهم. فقال أبان: وأنت بهذا يا وَبْرُ انْحَدَر من رأس ضال. فقال رسول الله ﷺ : "يا أَبانُ، اجْلِسْ". فلم يقسِم لهم (٢). الوبْر بإسكان الباء: دويبة تشبه السِّنَّوْر (٣). والقَدوم: بالتخفيف ما تقدَّم من الشاة. ورواه البخاري: ضال، وهو جبل. وغيره يقول: ضأن. والتدلّي: النزول. وابن قَوْقل: رجلٌ من الأنصارِ. وابنُ سعيد هو أَبان. وإنما قال ذلك احتقارًا لأَبي هريرة. وقيل: إنه لم يُسْهم له. وسنذكرُ أَخبار أَبي هريرة إن شاء الله تعالى في سنة ثمانٍ وخمسين. وفيها: كانت غزاةُ وادي القُرى (٤). قال أبو هريرة: خرجنا مع رسولِ الله ﷺ إلى خيبر فلم يغنم ذهبًا ولا فِضَّةً، وغَنِمنا المتاعَ والطعام والثيابَ، ثم انطلقنا إلى وادي القُرى مع رسولِ الله ﷺ . ومع رسولِ الله عبدٌ - أهداه له رجل جاءه من جُذام يُدعى رفاعة بن زيد من بني ضُبَيب - يُقال له: مِدعَم. فلما نزلنا الوادي قام العبد يحلُّ رحله، فجاءه سهم عائر فقتله، فقلت: هنيئًا له الجنة، فقال رسولُ الله ﷺ : "كلَّا والذي نَفسُ محمدٍ بيده، إن شَمْلَتَهُ الآن لتَحتَرقُ عليه

стр. 1602

في النَّار، أو تحترقُ عليه نارًا" وكان قد غَلَّها من فَيْءِ المسلمين يَوْمَ خَيبر، فسمع ذلك رجلٌ من الصحابة فقال: يا رسول الله أصبت شِراكين لنَعْلٍ لي، فقال: "هذا لَكَ شِراكانِ مِن نارٍ" (١). واختلفُوا في غزاة وادي القرى: هل هي داخلة في غزاة خيبر أو منفردة عنها؟ وفيها: كانت ليلة التَّعريسِ. قال الترمذي: حدَّثنا محمود بن غَيلان، حدَّثنا النَّضْر، عن صالح بن أبي الأَخضر، عن الزُّهري، عن ابن المُسَيِّب، عن أبي هريرة قال: لما قفلَ رسولُ الله ﷺ من خيبرَ أسرى ليلةً، حتى إذا أدركه الكَرى أَناخَ فعرَّسَ، فقال النبي ﷺ : "هَل مِن رَجلٍ يَحفَظُ علينا الطَّريق لعلَّنا نَنامُ"؟ فقال بلال: أنا يا رسولَ الله، فنزل ونزل الناس، فنام وناموا، وقام بلالٌ يُصلي، فصلى ما شاء الله، ثم استند إلى بعيرِه واستقبل الفجر بطَرْفِه فغلبته عينُه فنام، فلم يُوْقِظْني إلَّا حر الشمس، فكان أوَّلَ من هَبَّ من نومِه النبيُّ ﷺ فقال: "ما صنَعْتَ يا بِلالُ"؟ فقال: يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفوسكم، فقال: "صدقْتَ" ثم سار غير كثير، ثم أناخ فتوضَّأ وصلى ركعتين ثم صلى الفَجْرَ (٢). ولمسلمٍ: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لِيَأخُذْ كُلُّ رَجلٍ رَأسَ راحلته، فإنَّ هَذا مَنزِلٌ حَضَرنا فيه الشَّيطانُ" قال: ففَعلنا، فدعا بالماء فتوضأ ثم صلى ركعتين قبل صلاة الغَداة، ثم أقيمت الصلاة فصلى الغَداة (٣). * * * وفيها: نزلت آية التيمم، وقيل: في غزاة ذات الرقاع، وقيل: في غزاة المريسيع. قال البخاري: حدَّثنا عبد الله بن يوسف، أَنبأنا مالكٌ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعضِ أسفارِه، حتى إذا كنا بالبَيْداءِ - أو بذات الجيش - انقطع عِقْدٌ لي، فأقام رسولُ الله ﷺ على

стр. 1603

التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء، أو وَلَيْسَ معهم ماء، فأتى الناسُ أبا بكرٍ فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشةُ؛ أقامتْ بالناس على غير ماء، فجاء أبو بكر فأغلظ لها، قالت: ورسولُ الله ﷺ نائمٌ، رأسُه على فَخِذي، وقال ما شاء، وجعل يَطْعُنُ بيده في خاصرتها، قالت: ولا يمنعني من التحرك إلا مكانُ رسولِ الله ﷺ ، فنام حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آيةَ التيمم، فقال أُسَيْدُ بنُ حُضَيْر وهو أحد النقباء: ما هي بأول بركتِكُم يا آل أبي بكر، ما نزل بكِ أمرٌ تكرهينَه إلا جعل الله للمسلمين منه فرجًا ولكِ منه مخرجًا. قالت: فَبَعَثْنا البعيرَ الذي كان تحتي أو كنت عليه فإذا العقد تحته (١). وفيها: كانت قصة الحجَّاج بن عِلاط بن خالد بن ثُوَيْرَةَ السُّلَمي (٢)، وهو من الطبقة الثالثة من المهاجرين، شهد فتح خيبر. قال أرباب السير: كانت تحته أمُّ شَيْبَة أختُ بني عبد الدار، وكان كثير المال، فلما رجع رسولُ الله ﷺ قال له: يا رسول الله إن لي أموالًا بالحجاز وبمكة، وذهبي عند أُمِّ شيبة، وإن عَلِمَتْ بإسلامي هي ومَنْ عنده مالي ذهب، فَأْذَنْ لي في الذهاب قبل أن يفشو الخبر، فأذن له وقال: قل ما شئت. قال الحجاج: فخرجت وأسرعت المسير، فلما كنت بالثنية البيضاء رأيت رجالًا يتجسَّسون أخبار رسول الله ﷺ من قريش وقد علموا أنه صار إلى خيبر وهي قريةُ الحجاز، ريفًا ومَنَعَةً ورجالًا وعُدَّةً وسِلاحًا، فلما رَأَوْني قالوا: الحجاجُ؟! ولم يكونوا علموا بإسلامي، فقالوا: أخبرنا عن القاطعِ، فقلت: عندي من الخبر ما يسرُّكم، فالتبطوا بجانِبَيْ ناقتي يقولون: إيه يا حجَّاجُ، فقلت: هُزِمَ هَزيمةً لم يُهْزَمْ مثلَها قطُّ وأُسِر وقُتِلَ أصحابُهُ قتلًا ذريعًا، وأرادت اليهودُ قتله فقال رؤساؤهم: دَعُوه حتى نَبعثَ به إلى مكَّةَ فيقتلونه بين أظهرهم بِمنْ كان أصاب من رجالهم، ففرِحوا وانطلقوا إلى أهلها فبشَّروهم، فقلتُ: أَعينوني على جمع مالي من غُرَمائي حتى أَقْدُمَ على خيبر فأَشتري من الذين أصابوا من أموال محمدٍ ﷺ وأصحابهِ قبل أن يسبقَني التُّجَّار، فجمعوا مالي في أسرع وقت، وجئت إلى صاحبتي فأخذتُ ما كان عندها وقلت لها

стр. 1604

مثلَ ما قلت لهم، ولما شاع الخبر بمكة التقاني العباس فقال: ويحك يا حجاج، ما الذي جئت به؟ فقلت: اذهب إلى مكان كذا، فأخذتُ جميعَ مالي وخرجت، فقلت له: أبشر فَتَح الله على ابن أخيك خيبرَ وتركتُه عروسًا على بنت ملك خيبر، وقد أسلمتُ وجئتُ أَخَذْتُ مالي خوفًا من أَن أُغْلَبَ عليه، فاكتُمْ عني ثلاثًا. فلما كان بعد ثلاث لبس العباس حُلَّةً وتخلَّقَ ثم خرج يطوف بالبيتِ، فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل، هذا والله التَّجَلُّدُ في المصيبةِ، فقال: ويلكم فتح الله خيبرَ على رسول الله ﷺ وأعرسَ بابنة ملكهم، وأحرز رسولُه أموالَهم ونخيلَهم وقسَّمها بين المسلمين، فقالوا: من جاء بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به لقد دخل عليكم مسلمًا وأخذ أمواله وانطلق ولحق رسولَ الله ﷺ ليكون معه، فقالوا: قُتِلْتَ عدوَّ الله، أما واللهِ لو عَلِمْنا لكان لنا وله شأن من الشأن. فلم يلبثوا أن جاء الخبر بذلك، فأعتق العباس في ذلك اليوم عبدًا له يقال له: أبو زبيبة. وقال موسى بن عقبة: لما سمع العباس بِما أخْبَرَ بهِ الحجاجُ أولًا أراد أن يقوم فلم يقدر على القيام. * * * قال الواقدي: وفيها رد رسول الله ﷺ ابنته زينب ﵍ على أبي العاص بن الربيع ﵁ (١) وفيها: قدمت أم حبيبة ﵂ بنت أبي سفيان من الحبشة على رسولِ الله ﷺ وهو بالمدينة، وكان قد كتب إلى النجاشي فزوَّجه إيَّاها، وكانت قد هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش فتنصَّر ومات هناك. وعن إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أم حبيبة ﵂ قالت: رأيت في المنام كأنَّ عبيدَ الله بنَ جَحْشٍ زوجي بأسوأ حال، وأشوهِ صورة، ففزعتُ وقلتُ: تَغيَّرتْ واللهِ حالُه. فإذا هو يقول حين أصبح: يا أم حبيبة إني نظرت في هذا الدين فلم أر دينًا خيرًا من دين النصرانية، وكنتُ قد دِنْتُ بها، ثم دخلتُ في دينِ محمد، ثم رجعت

стр. 1605

إلى النصرانية، قالت: فقلت له: والله ما خِيْرَ لك، وأخْبرتُه بما رأيت له فلم يحفَلْ بي، وأكبَّ على الخمر يشربُه حتى مات، فرأيت في المنام كأن آتيًا يقول: يا أمَّ المؤمنين، ففزعْتُ، وأوَّلْتُها أن رسولَ الله ﷺ يتزوجني، قالت: فما هو إلا أن انقضت عِدَّتي، فما شعرتُ إلَّا بجارية النجاشي يقال لها: أبرهة كانت تقوم على ثيابِه ودُهْنِهِ تستأذن عَلَيَّ، فأذِنْتُ لها فدخلتْ، وقالتْ: الملك يُسَلِّمُ عَلَيْكِ ويقول: إِن رسول الله ﷺ كتب إليَّ أن أزَوِّجَه إيَّاكِ، فقلت: بشَّرك اللهُ بالخير، فقالت: وَكِّلي من يُزَوِّجُك، فأرسلتُ إلى خالدِ ابنِ سعيد بن العاص فوكَّلْتُه، وأعطيت أبرهةَ سِوارَيْنِ من فِضَّةٍ وخَدَمَتَيْنِ كانتا في رِجْلي وخواتيم فضة كانت في أصابعي سرورًا بما بشَّرتني به، فلما كان العَشِيُّ أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن كان هناك من المسلمين فحضروا وخطب النجاشي خطبة بليغة؛ حَمِدَ الله وأثنى عليه وصلى على رسوله وقال: أما بعدُ فإن رسولَ الله ﷺ كتب إلي أن أُزَوِّجَه أم حبيبة، فأجبته إلى ما دعاني إليه وأصْدَقْتُها من مالي أربع مئة دينار وصبَّها بين يدي القوم، فحمد الله خالد بن سعيد وصلى على رسوله وقال: قد أجبت رسولَ الله ﷺ إلى ما سأل، فبارك الله لرسوله. ثم حضَر الطعامُ فأكلوا وانصرفوا. وفي روايةٍ: أنَّ أم حبيبة دفعت إلى أبرهة خمسين دينارًا فلم تقبلها وردت عليها جميع ما أعطتها وقالت: إن الملك أمرني أن لا أَرْزَأَكِ شيئًا، وإني قد أَسْلَمْتُ وبايعتُ رسولَ الله ﷺ وقد أمر الملك نساءه أن يبعثنَ إليك بكلِّ ما عندهُنَّ من العِطْر - ثم جاءتني بعودٍ وعَنْبرٍ ومسكٍ وحُلِيٍّ كثيرةٍ - فقَدِمْتُ بذلك على رسول الله ﷺ وأخبريه أَني قد بايعته وهذه حاجتي إليك، قالت: فلما قدمت عليه أخبرته فقال: وعليها السلام، ولما بلغ أبا سفيان قال: ذاك الفحل الذي لا يُقدَعُ أَنْفُه (١). وفي تزويج أم حبيبة نزل قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ (٢) [الممتحنة: ٧]. قال الواقدي: وبعث النجاشي أم حبيبة ﵂ مع شُرَحْبيل بن حَسَنَة. * * *

стр. 1606

وفيها: قدم حاطب بن أبي بلتعة (١) من عند المُقَوْقِس صاحب الإسكندرية على رسول الله ﷺ بهديَّةٍ، وهي أربعُ جوارٍ منهن مارية وهي أم إبراهيم ﵇ ابن رسول الله ﷺ ، وسيرين، وبغلتُه الدُّلْدُل، وحماره اليعفور، وأَلْفُ دينار من ذهب وعشرين ثوبًا، وخَصِيٌّ يقال له: مأبور، شَيْخٌ كبير كان أخًا لمارية، أقام على دينه حتى قدم المدينة. وكان حاطب قد دعا مارية وسيرين إلى الإسلام فأسلما قبل وصولهما إلى المدينة، فأنزلهما رسولُ الله ﷺ على أم سُلَيْم بنت مِلْحان، وكانت أُمُّ إبراهيم وضيئةً بيضاءَ جميلةً جَعْدَةً من كورةِ أَنْصِنا، فَوطِئها رسولُ الله ﷺ بملك اليمين، ثم حولها إلى مالهِ بالعالية، كان قد أخذه من بني النضير وكان يأتيها فيه، وكانت في مَشْرَبةٍ تعرف بمشربةِ أم إبراهيم - والمشربة: المَنْظَرةُ - وكان الخصيُّ يختلف إليها، فكثَّر الناس فيه وقَالوا: عِلْجٌ يَدْخُلُ على عِلْجَةٍ، فبلغ رسولَ الله ﷺ فدعا عليًا رضوان الله عليه وقال: انطلق، فإن وجدته عندها فاقتله، فقال: يا رسول الله إذا بعثتني أكون كالسِّكَّةِ المُحْماةِ أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فقال؟ فأقبلتُ متوشَّحًا بالسيف وإذا به عندها فاخترطت السيف فأقبلت نحوه، فلما رآني صَعِد نخلةً هناك وألقى نفسه على قفاه وشغر برجليه فإذا هو أَجَبُّ مَمْسوحٌ، ليس له قليل ولا كثير، فأغمدتُ السيف وأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: "الحمد لله الذي يصرف عنا أهل البيت" (٢). قال الواقدي: إنما أمر بقتْله لأنه كان كافرًا لم يسلم. وقال المنافقون: إنه فحل فأكذب الله المنافقين. وأما سيرين فوهبها رسول الله ﷺ لحسانَ بنِ ثابتٍ فأولدها عبد الرحمن. وأما بغلته الدُّلدُل فبقيت إلى أيام معاوية. وأما حماره اليعفور فَنَفَقَ في حِجَّة الوداع عند منصرفه منها.

стр. 1607

ولما قرأ رسولُ الله ﷺ كتاب المقوقس قال: "ضَنَّ بمُلكِهِ". وفيها: قدم أبو موسى الأشعري (١) على رسول الله ﷺ المدينةَ في خمسين رجلًا ومعه إِخْوتُه وكانوا قد ركبوا من اليمن في سفينة وأرسوا بجُدَّة، فلقوه وقد قَفَل من خيبر. قال أنس: قال رسول الله ﷺ : "يَقدُمُ عليكم غَدًا قَومٌ هم أَرَقُّ قُلوبًا للإسلامِ منكُم". قدم الأشعريون فيهم أبو موسى الأشعري، فلمّا دَنَوْا من المدينة جعلوا يرتجزون؛ يقولون: غَدًا نَلقَى الأَحبَّه محمدًا وحِزبَه فلما قدموا تصافَحوا، فكانوا أوَّلَ من أحدث المصافحة. أخرجه الإمام أحمد (٢) رحمة الله عليه. وفيها: كانت سرية عمر بن الخطاب ﵁ إلى هَوازن (٣) في شعبان إلى مكان يقال له: تُرَبَةُ، على أربعِ ليالٍ من مكة، وقيل: على أربعة أميال، في ثلاثين راكبًا فانهزموا وعاد إلى المدينة. وفيها: كانت سرية أبي بكر رضوان الله عليه إلى نجد (٤)، قال سلمة بن الأكوع: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر إلى فَزارة وكنت معه، فلما دَنَوْنا من الماءِ عرَّسَ وشنَّ الغارةَ وقت الصبح، فقتلتُ سبعةً من الكفار، ورأيت عُنُقًا من الناس فيهم الذراري فخشيتُ أن يسبقوني إلى الجبل فأدركتهم ورميت بِسَهْمٍ بينهم وبين الجبل، فلما رأَوْه قاموا -

стр. 1608

أي: وقفوا - وإذا أنا بامرأة من فَزارة عليها قَشْعٌ من أَدَم معها ابنةٌ لها من أجمل العرب، فجئت بها إلى أبي بكر فنفَّلني ابنتها، فلم أكشف لها ثوبًا [حتى قدمت المدينة، ثم باتت عندي فلم أكشف لها ثوبًا حتى لقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال: "يا سَلَمَةُ، هَب لي المَرأْةَ" فقلت: يا نبي الله، والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبًا، فسكت حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله ﷺ في السوق ولم أكشف لها ثوبًا، فقال: "يا سَلَمةُ، هَبْ لي المَرأة، لله أبوك" فقلت: هي لك يا رسول الله قال:] فبعث بها إلى مكة ففدى بها أسرى المسلمين. وفيها: كانت سرية بشير بن سعد إلى بني مرة (١)، في شعبان بناحيةِ فَدَك في ثلاثين راكبًا، وقيل: في ثلاثين راجلًا، فساق أموالهم ونَعَمهم فأدركوه فقتلوا أصحابه وجُرِحَ في كعبه فاَرتُثَّ بين القتلى فَعاد إلى المدينة. وفيها: كانت سرية علي ﵇ (٢) إلى بني سعد في شعبان، فَهزمهم وساق أموالهم إلى المدينة. وفيها: كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى المَيْفَعةِ (٣)، وراءَ بطن نخلةَ في رمضان إلى بني عدي وبني غزال، في مئةٍ وثلاثين رجلًا فاستاقوا النَّعَمَ والشاءَ. وقال ابن إسحاق: إنما كانت إلى يُمْنٍ وجُبَارٍ. وفيها: كانت سرية أسامة بن زيد ﵄ إلى الحُرقات من جُهَيْنةَ (٤). قال أسامة: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحُرْقةِ أو الحُرْقات من جُهَيْنةَ، فصبَّحناهم فقاتلناهم، قال: وكان منهم رجل إذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا وإذا أدبروا كان

стр. 1609

حاميهم، قال: فَغَشيتُه أنا ورجل من الأنصار، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكفَّ عنه الأنصاري وقتلته أنا، وبلغ رسولَ الله ﷺ فقال: "يا أُسامةُ، أقَتَلْتَهُ بَعدَما قال لا إِلَه إلا اللهُ"؟ فقلت: يا رسول الله، إنما كان متعوِّذًا من القتل، قال: فكرّرها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ. وفي رواية عن أسامة: أنه قال: لما قَتَلْتُه عرض في نفسي منه شيء، فَذُكِرَ لرسولِ الله ﷺ فقال: "مَنْ لَكَ بلا إِله إلَّا الله يَومَ القِيامة"؟ قال: قلت: يا رسول الله قالها مخافةَ القتل، فقال: "أَلَا شَقَقتَ عَن قَلبِه حتَّى تَعلَمَ مِن أَجلِ ذلك أَم لا؟ مَن لَك بلا إِله إلَّا اللهُ يَومَ القيامة" فما زال يقول ذلك حتى وددت أني لم أسلم يومئذ. أخرجاه في "الصحيحين" (١). ولمسلم: كيف تَصْنَعُ بلا إله إلا الله، قال: وأسامة يقول: يا رسول الله استغفرْ لي، ورسول الله ﷺ لا يزيده على ذلك (٢). وفيها: كانت سرية بَشيرِ بن سَعْدٍ إلى الجِنابِ (٣) مِن خيبر ووادي القرى، في ثلاث مئة رجل، وكان قد جمع عُيَيْنَةُ بنُ حصن في ذلك المكان جمعًا كثيرًا، فقدم حُسَيْل بن نُوَيْرةَ الأَشجَعي فأخبر رسولَ الله ﷺ بذلك وأَنَّ عُيَيْنَةَ قاصدُهُ، فأرسل إليه بشيرَ بنَ سَعْدٍ فانهزم عيينة، فساق بشير النَّعمَ والشاءَ إلى المدينة وقتل عبدًا لعيينة. وفيها: كانت عمرة القضاء (٤) في ذي القعدة، خرج رسول الله ﷺ من المدينة لهلال ذي القعدة - وهو المسير الذي صده المشركون فيه - في ألفين، وقادَ مئة فرس، معه السلاح، وساق ستين بَدَنةً، وجعل عليها ناجية بن جُنْدب الأَسلمي، واستخلف على المدينة أبا رُهْم الغفاري، فلما سمعت به قريش صعدوا إلى الجبال ودخلوا في الشعاب.

стр. 1610

وقال أنس: لما أراد رسول الله ﷺ أن يدخل مكة استأذن أَهْلَها فأذنوا له، فدخلها من الثَّنِيَّةِ التي تُطْلِعُ على الحَجون، وبين يديه عبد الله بن رواحة آخِذٌ بزمام ناقته يرتجز ويقول: [من الرجز] خَلُّوا بني الكفارِ عن سبيلهِ خَلُّوا فكلُّ الخَيْرِ مع رسولهِ يا ربِّ إني مؤمن بقيلهِ أَعْرِفُ حقَّ الله في قَبولهِ نحن ضربناكُم على تَأْويلهِ كما ضربناكُم على تنزيلهِ ضربًا يُزيلُ الهامَ عن مَقيلهِ ويُذْهِلُ الخليل عن خليلهِ فقال له عمر بن الخطاب: يا ابن رواحة أفي حرم الله وبين يدي رسول الله تقول الشعر؟ فقال رسول الله ﷺ : "خَلِّ عنه يا عمرُ، فلَهِيَ أَسْرَعُ فيهم مِن نَضْحِ النَّبلِ" (١). وقال ابن عباس: اصطف من بقي من الكفار بمكة عند دار الندوة لينظروا إلى رسولِ الله ﷺ وأصحابِه، فلما دخل المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده الأيمن منه ثم قال: "رَحِمَ اللهُ امرءًا أَراهُم مِن نَفسِهِ قُوَّةً" ثم استلم الركن اليَماني، وخرج يُهَرْوِلُ وأصحابه معه يفعلون ذلك، فهرول ثلاثة أشواط ومشى باقيها، وإنما فعل ذلك لأن المشركين قالوا: قد وَهَنَتْهم حُمّى يثرب، فرمل في الطواف وسعى بين الصفا والمروة فصار ذلك سُنَّةً، ثم فعله في حجة الوداع (٢). وعن ابن عباس قال: قدم رسولُ الله ﷺ وقد وَهَنَتْهُم حُمَّى يثرب فقال المشركون: إِنَّه يَقْدُمُ اليوم قومٌ قد وَهَنَتْهُم الحمّى ولقوا منها شرًّا، فأَطْلَعَ الله نبيَّهُ على ما قالوا،

стр. 1611

فأمرهم أن يَرمُلوا ثلاثةَ أشواط وأن يمشوا بين الرُّكْنين، فلما رَمَلوا قال المشركون: أهؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى وهنتهم، هؤلاءِ أجلدُ منا (١). وقال ابن الكلبي: خرج رسولُ الله ﷺ من المدينة ومعه الخيل، واستعمل على الخيل محمد بن مسلمة وعلى السلاح بشير بن سعد، وبلغ قريشًا فخافوا منه، فبعثوا إليه مِكْرزَ بن حفص فلقيه بمَرِّ الظهران، فقال: يا محمد ما عُرِفْتَ صغيرًا وكبيرًا إلا بالوفاء، فما هذا السلاح؟ فقال: ما أَدْخُلُ عليكم به وإنما يكون قريبًا مني، فرجع فأخبرهم فاطمأنوا (٢). وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: حدَّثنا حُجَيْنُ، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراءِ بن عازبٍ قال: اعتمرَ رسولُ الله ﷺ في ذي القَعْدَة فأبى أهل مكة أن يَدَعُوْهُ يدخل مكة، حتى قاضاهم أن يعود في العام المقبل ويقيمَ بها ثلاثة أيام، وذكر حديث الكتاب وأَنْ لا يدخل مكة من السلاح إلا السيف في القِرابِ ولا يخرج من أهلها أحد إلا من أراد أن يتبعه، فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليًا وقالوا: قل لصاحبك يخرج عنا، فقد مضى الأجل، فخرج رسول الله ﷺ (٣). وللبخاري ومسلم زيادة: فتبعتهم ابنةُ حمزةَ تُنادي: يا عمِّ، يا عمِّ، فتناولها عليٌّ فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونَكِ ابنةَ عمك فاحتمليها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أحق بها هي ابنة عمي، وقال جعفر: بنت عمي وخالتُها تحتي، وقال زيد: بنت أخي، فقضى بها رسولُ الله ﷺ لخالتها، وقال: "الخالَةُ بمنْزِلَةِ الأُمِّ" وقال لعلي: "أَنتَ منِّي وأَنا منكَ" وقال لجعفر: "أَشبَهتَ خَلْقِي وَخُلُقِي" وقال لزيد: "أَنتَ أَخُونا ومَولانا" (٤). واختلف العلماء في اسم بنت حمزة: فقيل: أمامة، وقيل: عنزه، وقيل: فاطمة، وخالتُها أسماء بنت عميس.

стр. 1612

وقال الواقدي: أقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثًا، فجاءه حويطب بن عبد العزى في نفر من قريش فقالوا: قد انقضى الأجل فاخرج عنا، وكان قد تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية، زَوَّجَها به العباس وهي خالة عبد الله بن عبد العزى (١). وقال البلاذُري: [وكانت ميمونة قبل رسول الله ﷺ عند] أبي سَبرة بن أبي رُهْمٍ وتوفي، فأرسل رسول الله ﷺ أبا رافعٍ مولاه ومعه أوس بن خَوْليّ الأنصاري إلى العباس فزوَّجه إياها بمكة، فلما قال له المشركون: اخرج عنا قال: ما ضَرَّكم لو تركتموني فأعرستُ عندكم وصنعتُ لكم طعامًا فحضرتموه، فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك، ووكَّلوا به جماعةً منهم حُوَيْطب (٢). قال ابن إسحاقَ: فقال لهم سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁: البلدُ بلدُ رسول الله ﷺ وبلد آبائه، فقال له رسول الله ﷺ : مهلًا يا سعيدُ، أو: مَهْ، وخَلَّف رسولُ الله أبا رافع عند ميمونة، فخرج بها على قلوصٍ، فجعل أهل مكة يُنَفِّرونه ويقولون: لا باركَ اللهُ لك (٣). ولما خرج رسولُ الله ﷺ من مكة نادى مناديه: لا يبقى بها أحد من المسلمين. قال هشام: والصَّحيحُ: أن العباسَ زوَّجه بها بموضع يقال له: سَرِف وبنى بها فيه لَمَّا حلَّ من عمرته عند عودته إلى المدينة. وتوفيت بهذا المنزل في سنة إحدى وستين، وسنذكرها هناك إن شاء الله تعالى. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: حدَّثنا عفان بن مسلم، حدَّثنا وهيب، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ تزوَّجَ مَيمونةَ وهو مُحرمٌ. متفق عليه (٤). وعن ابن عباس أيضًا: أن رسول الله ﷺ تَزوَّج ميمونةَ وهما مُحرمانِ (٥).

стр. 1613

وفيها: كانت سرية ابن أبي العَوْجاءِ إلى بني سُلَيْم في ذي الحجة (١): لما رَجع رسول الله ﷺ من عُمرَةِ القضاء، فنزل ابن أبي العوجاء بساحة بني سُلَيم في خمسين رجلًا فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا: لا حاجة لنا فيه واستمدوا الأَمداد من كل ناحية، فقاتلَ هو وأصحابه قتالًا شديدًا حتى قتل منهم عامتهم، واَرْتُثَّ ابن أبي العوجاء في القتلى فتحامل حتى قدم المدينة. فصل وفيها توفي بِشْرُ بن البراء (٢) ابن معرور بن صخر بن خَنْساء الأنصاري، وأمه خُليدةُ بنت قيس أشجعية، وأبوه البراء شهد العقبة ومات بالمدينة في صفر قبل قدومِ رسول الله ﷺ إليها مهاجرًا بِشَهْرٍ، وبِشْرٌ من الطبقة الأولى، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وخيبر وأكل مع رسولِ الله ﷺ من الشاةِ المسمومةِ. واختلفوا في وفاته: فقيل: إنه لَمَّا أكل من الشاةِ ماتَ مكانه، وقيل: بعد شهر، وقيل: أقام شهورًا إلى آخر السنة. قال موسى بن عقبة: لما قال رسولُ الله ﷺ : "ارفعوا أيديكم فإن كتف هذه الشاة يخبرني أنه مسموم" قال بشر: والذي أكرمك لقَدْ وَجَدْتُ ذلك في أكلي الذي أكلت، وذكره، وفيه: فلم يَقُمْ بِشْر من مكانه حتى عادَ لَوْنُه مثل الطَّيلَسان وماطَلَهُ وَجَعُه حتى كان لا يتحوَّلُ إلا ما حُوِّلَ، واحتجم يومئذ رسول الله ﷺ على الكاهل، حجمه أبو هلال مولى بني بياضه بالقَرْنِ والشفرة، وبقي رسول الله ﷺ بعده ثلاث سنين حتى كان مرضه الذي توفي فيه فقال: "ما زَالَت أُكلةُ خَيبرَ تُعاودُني، وهذا أَوانُ قَطْعِ أَبْهَري" (٣)

стр. 1614

فكان المسلمون يرون أن رسول الله ﷺ مات شهيدًا مع ما أكرمه الله به من النبوة (١). والأَبْهَرُ: عِرقٌ في القلب إذا انقطع مات صاحبه. ولما مرض رسولُ الله ﷺ مَرَضَ موتهِ دخلت عليه أم بشر تعودُهُ فقال لها ذلك (٢). وكان لبشر ابنة يقال لها: سُلافة، وأمها حُمَيْمَةُ بنتُ صَيْفي من بني سَلِمة، تزوجها [أبو] قتادة بن ربعي بن بَلْدَمة من بني سَلِمةَ، فولدت له عبد الله وعبد الرحمن (٣). وأُمُّ بِشْرٍ خُليدةُ بنت قَيس بن ثابت بن خالد بن أشجع، أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ وروت عنه. عن محمود بن لبيد، عن أم بِشْر أنها قالت: يا رسول الله، تَتَعارفُ الموتى؟ فقال: "تَرِبَت يَداكِ، النَّفسُ الطَّيَّبةُ طَيرٌ في الجنَّة، فإنْ كانَ الطَّيرُ يتَعارَفُونَ في رُؤوسِ الشَّجرِ، فإنَّهم يَتعارَفُون" (٤). وعن عائشة ﵂ قالت: دخلت أم بشر على رسول الله ﷺ في مَرَضِه الذي مات فيه وهو محموم فَمَسَّتْهُ، وقالت: ما وجدتُ مِثْلَ وَعْكٍ عَلَيْكَ على أَحَدٍ، فقال: "كما يُضاعَفُ لنا الأَجرُ، كَذلِكَ يُضاعَفُ عَلينا البَلَاءُ" وقال: "ما يَقولُ النَّاسُ"؟ قالت: زعموا أن بك ذات الجَنْبِ، فقال: "ما كانَ اللهُ ليُسَلِّطَها عليَّ، وإنَّما هي هَمزَةٌ من الشَّيْطان، ولكنَّه من الأُكْلَة التي أَكَلتُ أَنا وابنكِ يَومَ خيبرَ، ما زَالَ يُصِيبني منها عِدادٌ، حتى كان هذا أَوانُ انقطاع أبْهَري" (٥). ثُويبةُ مولاة أبي لهب (٦) وهي التي أرضعت رسول الله ﷺ بلبن ابنها مسروحٍ، وكان رسول الله ﷺ يَصِلُها

стр. 1615

ويحسنُ إليها، واختلفوا في إسلامها، وذكرها أبو الفرج بن الجوزي ﵀ من جملة النساء اللاتي لهن صُحْبَة ورُؤيَةٌ (١). حليمة بنت أَبي ذُؤيب (٢) السعدية التي أرضعت رسول الله ﷺ ، أسلمت هي وزوجُها ودخلت على رسولِ الله ﷺ فاحترمها وثنى لها وسادة وبسط لها رداءه وقال: "أُمِّي أُمِّي" (٣). حدثت عن رسول الله ﷺ . سعدُ بنُ خَوْلَةَ (٤) بن سعيد حليف بني عامر بن لؤي، وهو من أهل اليمن، أسلم قديمًا وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وهو من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا وأُحُدًا والخندقَ والحديبية. قال سعد بن أبي وقاص ﵁: كنت معَ رسولِ الله ﷺ في حجة الوداع فمرضتُ مرضًا أشْفَيتُ منه على الموت، فعادَني رسولُ الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن لي مالًا كثيرًا وليس يَرِثُني إلا ابنةٌ لي، أَفَأُوْصي بِثُلثَيْ مالي؟ قال: "لا"، قلت: فبالشطر؟ قال: "لا"، قلت: فثلث مالي؟ قال: "الثُّلثُ، والثُّلثُ كَثيرٌ، إنَّكَ يا سَعْدُ، أن تَدَعَ وَرَثَتكَ أَغنِياءَ خَيرٌ لكَ مِن أَن تَدَعَهُم عَالةً يَتكَفَّفُون النَّاسَ، إنَّك يا سَعدُ، لَنْ تُنْفِقَ نَفَقةً تبتَغِي بها وَجهَ اللهِ إلَّا أُجِرْتَ عليها، حتى اللُّقمةَ تَجعَلُها في فِي امرَأتِكَ" قال: قلت: يا رسول الله، أُخَلَّفُ بعد أصحابي؟ قال: "إنَّكَ لنْ تُخَلَّفَ فتَعملَ عَمَلًا تَبتَغي بهِ وَجْهَ الله إلَّا ازْدَدْتَ بهِ دَرَجةً ورِفْعَةً، ولَعلَّك أن تُخلَّفَ حتى يَنفَعَ الله بكَ أَقوامًا ويَضُرَّ بكَ أَقوامًا آخرين، اللَّهمَّ أمضِ لأَصحابي هِجْرَتَهم ولا تَردَّهُم على أعقابِهِم، لكنِ البائِسُ سَعْدُ بن خَوْلَة" يرثي له النبي ﷺ وكان مات بمكة. أخرجاه في "الصحيحين" (٥). ومعناه: أن رسول الله ﷺ كان يكرهُ لمن هاجر إلى المدينة أن يُقيمَ بعد نُسُكِه بمكَّةَ.
следующие страницы →