← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

فأمرهم أن يَرمُلوا ثلاثةَ أشواط وأن يمشوا بين الرُّكْنين، فلما رَمَلوا قال المشركون: أهؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى وهنتهم، هؤلاءِ أجلدُ منا (١). وقال ابن الكلبي: خرج رسولُ الله ﷺ من المدينة ومعه الخيل، واستعمل على الخيل محمد بن مسلمة وعلى السلاح بشير بن سعد، وبلغ قريشًا فخافوا منه، فبعثوا إليه مِكْرزَ بن حفص فلقيه بمَرِّ الظهران، فقال: يا محمد ما عُرِفْتَ صغيرًا وكبيرًا إلا بالوفاء، فما هذا السلاح؟ فقال: ما أَدْخُلُ عليكم به وإنما يكون قريبًا مني، فرجع فأخبرهم فاطمأنوا (٢). وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: حدَّثنا حُجَيْنُ، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراءِ بن عازبٍ قال: اعتمرَ رسولُ الله ﷺ في ذي القَعْدَة فأبى أهل مكة أن يَدَعُوْهُ يدخل مكة، حتى قاضاهم أن يعود في العام المقبل ويقيمَ بها ثلاثة أيام، وذكر حديث الكتاب وأَنْ لا يدخل مكة من السلاح إلا السيف في القِرابِ ولا يخرج من أهلها أحد إلا من أراد أن يتبعه، فلما دخلها ومضى الأجل أتوا عليًا وقالوا: قل لصاحبك يخرج عنا، فقد مضى الأجل، فخرج رسول الله ﷺ (٣). وللبخاري ومسلم زيادة: فتبعتهم ابنةُ حمزةَ تُنادي: يا عمِّ، يا عمِّ، فتناولها عليٌّ فأخذ بيدها وقال لفاطمة: دونَكِ ابنةَ عمك فاحتمليها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أحق بها هي ابنة عمي، وقال جعفر: بنت عمي وخالتُها تحتي، وقال زيد: بنت أخي، فقضى بها رسولُ الله ﷺ لخالتها، وقال: "الخالَةُ بمنْزِلَةِ الأُمِّ" وقال لعلي: "أَنتَ منِّي وأَنا منكَ" وقال لجعفر: "أَشبَهتَ خَلْقِي وَخُلُقِي" وقال لزيد: "أَنتَ أَخُونا ومَولانا" (٤). واختلف العلماء في اسم بنت حمزة: فقيل: أمامة، وقيل: عنزه، وقيل: فاطمة، وخالتُها أسماء بنت عميس.

стр. 1612

وقال الواقدي: أقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثًا، فجاءه حويطب بن عبد العزى في نفر من قريش فقالوا: قد انقضى الأجل فاخرج عنا، وكان قد تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية، زَوَّجَها به العباس وهي خالة عبد الله بن عبد العزى (١). وقال البلاذُري: [وكانت ميمونة قبل رسول الله ﷺ عند] أبي سَبرة بن أبي رُهْمٍ وتوفي، فأرسل رسول الله ﷺ أبا رافعٍ مولاه ومعه أوس بن خَوْليّ الأنصاري إلى العباس فزوَّجه إياها بمكة، فلما قال له المشركون: اخرج عنا قال: ما ضَرَّكم لو تركتموني فأعرستُ عندكم وصنعتُ لكم طعامًا فحضرتموه، فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك، ووكَّلوا به جماعةً منهم حُوَيْطب (٢). قال ابن إسحاقَ: فقال لهم سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁: البلدُ بلدُ رسول الله ﷺ وبلد آبائه، فقال له رسول الله ﷺ : مهلًا يا سعيدُ، أو: مَهْ، وخَلَّف رسولُ الله أبا رافع عند ميمونة، فخرج بها على قلوصٍ، فجعل أهل مكة يُنَفِّرونه ويقولون: لا باركَ اللهُ لك (٣). ولما خرج رسولُ الله ﷺ من مكة نادى مناديه: لا يبقى بها أحد من المسلمين. قال هشام: والصَّحيحُ: أن العباسَ زوَّجه بها بموضع يقال له: سَرِف وبنى بها فيه لَمَّا حلَّ من عمرته عند عودته إلى المدينة. وتوفيت بهذا المنزل في سنة إحدى وستين، وسنذكرها هناك إن شاء الله تعالى. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: حدَّثنا عفان بن مسلم، حدَّثنا وهيب، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ تزوَّجَ مَيمونةَ وهو مُحرمٌ. متفق عليه (٤). وعن ابن عباس أيضًا: أن رسول الله ﷺ تَزوَّج ميمونةَ وهما مُحرمانِ (٥).

стр. 1613

وفيها: كانت سرية ابن أبي العَوْجاءِ إلى بني سُلَيْم في ذي الحجة (١): لما رَجع رسول الله ﷺ من عُمرَةِ القضاء، فنزل ابن أبي العوجاء بساحة بني سُلَيم في خمسين رجلًا فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا: لا حاجة لنا فيه واستمدوا الأَمداد من كل ناحية، فقاتلَ هو وأصحابه قتالًا شديدًا حتى قتل منهم عامتهم، واَرْتُثَّ ابن أبي العوجاء في القتلى فتحامل حتى قدم المدينة. فصل وفيها توفي بِشْرُ بن البراء (٢) ابن معرور بن صخر بن خَنْساء الأنصاري، وأمه خُليدةُ بنت قيس أشجعية، وأبوه البراء شهد العقبة ومات بالمدينة في صفر قبل قدومِ رسول الله ﷺ إليها مهاجرًا بِشَهْرٍ، وبِشْرٌ من الطبقة الأولى، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والخندق والحديبية وخيبر وأكل مع رسولِ الله ﷺ من الشاةِ المسمومةِ. واختلفوا في وفاته: فقيل: إنه لَمَّا أكل من الشاةِ ماتَ مكانه، وقيل: بعد شهر، وقيل: أقام شهورًا إلى آخر السنة. قال موسى بن عقبة: لما قال رسولُ الله ﷺ : "ارفعوا أيديكم فإن كتف هذه الشاة يخبرني أنه مسموم" قال بشر: والذي أكرمك لقَدْ وَجَدْتُ ذلك في أكلي الذي أكلت، وذكره، وفيه: فلم يَقُمْ بِشْر من مكانه حتى عادَ لَوْنُه مثل الطَّيلَسان وماطَلَهُ وَجَعُه حتى كان لا يتحوَّلُ إلا ما حُوِّلَ، واحتجم يومئذ رسول الله ﷺ على الكاهل، حجمه أبو هلال مولى بني بياضه بالقَرْنِ والشفرة، وبقي رسول الله ﷺ بعده ثلاث سنين حتى كان مرضه الذي توفي فيه فقال: "ما زَالَت أُكلةُ خَيبرَ تُعاودُني، وهذا أَوانُ قَطْعِ أَبْهَري" (٣)

стр. 1614

فكان المسلمون يرون أن رسول الله ﷺ مات شهيدًا مع ما أكرمه الله به من النبوة (١). والأَبْهَرُ: عِرقٌ في القلب إذا انقطع مات صاحبه. ولما مرض رسولُ الله ﷺ مَرَضَ موتهِ دخلت عليه أم بشر تعودُهُ فقال لها ذلك (٢). وكان لبشر ابنة يقال لها: سُلافة، وأمها حُمَيْمَةُ بنتُ صَيْفي من بني سَلِمة، تزوجها [أبو] قتادة بن ربعي بن بَلْدَمة من بني سَلِمةَ، فولدت له عبد الله وعبد الرحمن (٣). وأُمُّ بِشْرٍ خُليدةُ بنت قَيس بن ثابت بن خالد بن أشجع، أسلمت وبايعت رسول الله ﷺ وروت عنه. عن محمود بن لبيد، عن أم بِشْر أنها قالت: يا رسول الله، تَتَعارفُ الموتى؟ فقال: "تَرِبَت يَداكِ، النَّفسُ الطَّيَّبةُ طَيرٌ في الجنَّة، فإنْ كانَ الطَّيرُ يتَعارَفُونَ في رُؤوسِ الشَّجرِ، فإنَّهم يَتعارَفُون" (٤). وعن عائشة ﵂ قالت: دخلت أم بشر على رسول الله ﷺ في مَرَضِه الذي مات فيه وهو محموم فَمَسَّتْهُ، وقالت: ما وجدتُ مِثْلَ وَعْكٍ عَلَيْكَ على أَحَدٍ، فقال: "كما يُضاعَفُ لنا الأَجرُ، كَذلِكَ يُضاعَفُ عَلينا البَلَاءُ" وقال: "ما يَقولُ النَّاسُ"؟ قالت: زعموا أن بك ذات الجَنْبِ، فقال: "ما كانَ اللهُ ليُسَلِّطَها عليَّ، وإنَّما هي هَمزَةٌ من الشَّيْطان، ولكنَّه من الأُكْلَة التي أَكَلتُ أَنا وابنكِ يَومَ خيبرَ، ما زَالَ يُصِيبني منها عِدادٌ، حتى كان هذا أَوانُ انقطاع أبْهَري" (٥). ثُويبةُ مولاة أبي لهب (٦) وهي التي أرضعت رسول الله ﷺ بلبن ابنها مسروحٍ، وكان رسول الله ﷺ يَصِلُها

стр. 1615

ويحسنُ إليها، واختلفوا في إسلامها، وذكرها أبو الفرج بن الجوزي ﵀ من جملة النساء اللاتي لهن صُحْبَة ورُؤيَةٌ (١). حليمة بنت أَبي ذُؤيب (٢) السعدية التي أرضعت رسول الله ﷺ ، أسلمت هي وزوجُها ودخلت على رسولِ الله ﷺ فاحترمها وثنى لها وسادة وبسط لها رداءه وقال: "أُمِّي أُمِّي" (٣). حدثت عن رسول الله ﷺ . سعدُ بنُ خَوْلَةَ (٤) بن سعيد حليف بني عامر بن لؤي، وهو من أهل اليمن، أسلم قديمًا وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وهو من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا وأُحُدًا والخندقَ والحديبية. قال سعد بن أبي وقاص ﵁: كنت معَ رسولِ الله ﷺ في حجة الوداع فمرضتُ مرضًا أشْفَيتُ منه على الموت، فعادَني رسولُ الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن لي مالًا كثيرًا وليس يَرِثُني إلا ابنةٌ لي، أَفَأُوْصي بِثُلثَيْ مالي؟ قال: "لا"، قلت: فبالشطر؟ قال: "لا"، قلت: فثلث مالي؟ قال: "الثُّلثُ، والثُّلثُ كَثيرٌ، إنَّكَ يا سَعْدُ، أن تَدَعَ وَرَثَتكَ أَغنِياءَ خَيرٌ لكَ مِن أَن تَدَعَهُم عَالةً يَتكَفَّفُون النَّاسَ، إنَّك يا سَعدُ، لَنْ تُنْفِقَ نَفَقةً تبتَغِي بها وَجهَ اللهِ إلَّا أُجِرْتَ عليها، حتى اللُّقمةَ تَجعَلُها في فِي امرَأتِكَ" قال: قلت: يا رسول الله، أُخَلَّفُ بعد أصحابي؟ قال: "إنَّكَ لنْ تُخَلَّفَ فتَعملَ عَمَلًا تَبتَغي بهِ وَجْهَ الله إلَّا ازْدَدْتَ بهِ دَرَجةً ورِفْعَةً، ولَعلَّك أن تُخلَّفَ حتى يَنفَعَ الله بكَ أَقوامًا ويَضُرَّ بكَ أَقوامًا آخرين، اللَّهمَّ أمضِ لأَصحابي هِجْرَتَهم ولا تَردَّهُم على أعقابِهِم، لكنِ البائِسُ سَعْدُ بن خَوْلَة" يرثي له النبي ﷺ وكان مات بمكة. أخرجاه في "الصحيحين" (٥). ومعناه: أن رسول الله ﷺ كان يكرهُ لمن هاجر إلى المدينة أن يُقيمَ بعد نُسُكِه بمكَّةَ.

стр. 1616

وقيل: إن سعد بن خولة إنما دخل مكة لحاجةٍ ويعود فأدركه الموت، وله رؤية وصحبة. وقيل: هو مولى أبي رُهْم. وقيل: مولى حاطب بن أبي بلتعة. وقيل: إن امرأته ولدت بعد وفاته بأَربعين يومًا فمرَّ بها أبو السنابل (١) فقال: أراك تتهيّأين للأَزواج، لا، إلَّا بعد أربعة أشهر وعشرٍ، فأخبرتْ رسولَ الله ﷺ فقال: "انكَحِي مَن شِئْتِ" (٢). الوليد بن الوليد بن المغيرة (٣) أبو الوليد، من الطبقة الثانية من المهاجرين، كان أبوه من المستهزئين برسولِ الله ﷺ وأمه أميمة بنت الوليد من بَجيلة، خرج مع الكفار يوم بدر وهو على دينهم، فأسره عبد الله بن جحش بن رِئاب، وقيل: سَليطُ بن قيس من الأنصار، فقدم في فدائه أخواه خالد وهشام، وأبى رسولُ الله ﷺ أن يدفعه إلا بشِكَّةِ (٤) أبيه، وكانت درعًا فَضفاضةً وسَيْفًا وبَيْضةً، فأبى ذلك خالدٌ وأطاع هشام أخوه لأبيه وأُمه فَفَدَوْهُ بأربعةِ آلاف درهمٍ، وقوَّمُوا الشِّكَّةَ بألف درهم منها، وقيل: بمئة دينار ودفعوها إلى رسول الله ﷺ ، فلما خرجا إلى ذي الحُلَيْفةِ أفلت منهما إلى المدينة فعادا إليه، وقالا: هلّا كان ذلك قبل أن تَخْرُجَ من أيدينا مأَثَرَةُ أَبينا يعني الشِّكَّةَ؟ فقال: ما كنت لأُسلم حتى أَفْتَدِيَ، لئلا تقول قريش: إنما أسلم فرارًا من الفِداء، فرجعا به إلى مكة وحبساه فكان رسول الله ﷺ يقنُتُ ويقول في قنوته: "اللَّهمَّ أنجِ الوَليدَ بن الوَليدِ، وسَلَمةَ بنَ هِشامٍ، وعيَّاشَ بنَ أبي رَبيعةَ" الحديث، وهو في "الصحيح" (٥)، ثم إنه أفلت من مكة إلى الساحل فأقام مع أبي بصير يقطع الطريق على قريش، فلما مات أبو بصير قَدِمَ المدينةَ فأقام بها حتى توفي فبكته أم سَلَمة ﵂ وقالت: [من مجزوء الكامل]

стр. 1617

يا عينُ بَكِّي للوليـ … ــد بن الوليد بن المغيرهْ كان الوليد بن الوليـ … ـــد أبو الوليد فتى العشيرهْ فسمعها رسول الله ﷺ فقال: "لا تَقُولي كَذا، وقُولي ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩] " (١). وكان قد وُلدَ للوليدِ ولد فسمّاه الوليد، وكُنِّيَ به، فغير رسول الله ﷺ اسمَه وسماه عبدَ الله (٢). ولعبد الله بن الوليد ابن اسمه سلمة، ولسلمة ابن اسمه أيوب ورث دار خالد بن الوليد بالقَعدد. وقيل: إن الوليد أفلت من الوثاق بمكة فقدم المدينة، فسأله رسول الله ﷺ عن عيّاشٍ وسَلَمة، فقال: تركتهما في ضيق وشدة وهما في وَثاقٍ: رِجْلُ أَحَدِهما مع رِجْلِ صاحبه، فقال رسول الله ﷺ : "انطلق حتى تنزل على القَيْنِ فإنه قد أسلم واحْتَل في إخراجهما"، فانطلقَ فأخْرجهما، فقدموا المدينة، وتبعهم خالد ونفَرٌ من قريش إلى عُسفان ثم رجعوا عنهم (٣). وأخرج الإمام أحمد رحمة الله عليه في "المسند" له حديثًا، فقال: حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حِبان، عن الوليد بن الوليد بن المُغِيرة المخزومي أنه قال: يا رسولَ الله، إني أجد وَحْشَةً، فقال: "إذا أَخَذْتَ مَضجِعَكَ فَقُل: أَعُوذُ بكلماتِ اللهِ التَّامَّةِ من غَضَبهِ وشَرِّ عِبادِه، ومِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وأَن يَحضُرونِ، فإنَّه لا يَضُرُّكَ وبالحَرَى أَن لا يَقْرَبكَ" (٤). * * *

стр. 1618

السنة الثامنة من الهجرة فيها: قَدِمَ عمرو بن العاص وخالدُ بن الوليد وعثمانُ بن طلحة العَبدري على رسولِ الله ﷺ في صَفَر إلى المدينةِ مسلمين (١). قال عمرو: كنت للإسلام مجانِبًا مباعدًا معانِدًا، حضرتُ بدرًا مع الكفار فنجوتُ، وحضرت أحدًا والخندق فنجوتُ، فقلت في نفسي: كم أُوْضِعُ! فوالله لَيَظْهَرَنَّ محمدٌ على قريش، فلحقت بمالي بالوَهْطِ (٢)، فلما حَضَرَتِ الحديبيةُ وانصرف رسولُ الله ﷺ إلى المدينة بالصلح، قلت: والله لَيَدْخُلَنَّ محمدٌ مكَّةَ من قابل، ولئن دخلها فليست لنا بمنزل، وكنت أقول: لو أسلمتْ قريشٌ ما أَسْلَمْتُ، فقدمتُ مكَّة فجمعت رجالًا من قريش كانوا يرون برَأْيي ويسمعون مني ويُقَدِّموني فيما نابَهم فقلت لهم: إني لأرى محمدًا يعلو الأمور عُلُوًّا مُنْكرًا، وإنِّي قد رأيت رَأْيًا فما تَروْن فيه؟ قالوا: وما ذاك؟ قلت: نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمدٌ على قومِنا، كنا تحت يد النجاشي أحبَّ إلينا من أن نكون تحت يدِ محمدٍ، وإن ظهر قومُنا، لا يأتينا منهم إلا خير، فقالوا: هذا الرأي. فجمعنا أَدَمًا كثيرًا هًدِيَّةً وكان يحب الأَدَمَ، فقدمنا عليه فوالله إنّنا لعنْدَهُ إذ قدم عليه عمرو بن أمية الضَّمْري وكان رسولُ الله ﷺ قد بعثه في شأن جعفر وأصحابه وتزويجِ أُمِّ حبيبة، فدخل عليه ثم خرج من عنده، فقلت لأصحابي: لو سألت النجاشيَّ فأعطاني عمرًا فضربت عنقه فترى قريش أنني قد قتلتُ رسولَ محمدٍ، فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبًا بصديقي هل معك هدية؟ قلت: نعم، الأَدَمُ الكثير فقدَّمْتُه إليه، فأعجبه وفرَّق منه شيئًا في بطارقته وأمر بحفظ الباقي، فلما رأيت طيبَ نَفْسِه قلت له: أَيُّها الملكُ، رأيت رجلًا خرج من عندك وهو رسول رجلٍ هو عَدُوُّنا قتل أشرافَنا ووتَرَنا، فادفعه إلي لأقتله. فغضب غضبًا شديدًا ورفع يده فضرب بها أنفي، فظننت أنه قد كُسِرَ، فلو انشقت الأرضُ لدَخَلْتُ فيها فرقًا

стр. 1619

منه، وسال الدم على ثيابي ووجهي من أنفي، وأصابني من الذل ما لا أقدر أن أصفه، وقال: ويحكَ أعطيك [رسولَ] رسولِ الله ﷺ منْ يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى فتقتله. فقلت: أيها الملك أكذلك هو؟ قال: إيْ والله، وَيْحَكَ يا عَمْرو أطِعني واتَّبعه، فإنَّه والله على الحق وسيظهر على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون. فقلت: أيها الملك لو ظننتُ أنك تكره ذلك ما سألتك، فاستحيا مني، فقلت: أَتُبايعني على الإسلام وقد غيَّر الله ما في نفسي، فبسط يده فبايعتُه، فدعا بطَسْتٍ فغسل الدم عني وكساني غير ثيابي، فخرجت إلى أصحابي وكتمتُ إسلامي وأتيت إلى موضع السفنِ فوجدت سفينةً قد شُحِنَت فركبتُ فيها حتى إذا انتهوا إلى الشُّعَيْبةِ (١) خَرجتُ منها ومعي نفقة، فاَبْتَعْتُ بعيرًا وخرجتُ أريدُ المدينةَ، حتى إذا كنت بالهَدَّةِ إذا برجلين فتأملتهما فإذا خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة فقلت: أين تريدان؟ فقال خالد: نُريد محمدًا فقد دخل الناس في الإسلام فلو أقمنا لأُخِذْنا برِقابنا كما تُؤخذ الضبع برقبتها في مغَارها، فقلت: والله وأنا أريد محمدًا، فسرنا نحو المدينة وإذا بصائح يصيح: يا رباح، فتفاءلنا به، فلما رآنا قال: قد أعطت مكة المقادةَ بعد هذين، فظننتُ أنه يعني خالدًا وإيّايَ، ثم ولى مدبرًا إلى المسجد يُبَشِّرُ رسولَ الله ﷺ بقدومنا وقد أَذَّنَ العصرُ فأنَخْنا ولبسنا صالح ثيابنا ودخلنا المسجد، فلما رآنا رسولُ الله ﷺ تهلَّلَ وجهُه والمسلمون حوله قد سُرُّوا بقدومنا، فتقدم خالد وعُثمانُ فأسلما، ثم تقدمت إليه، فوالله ما هو إلا أن جلستُ بين يديه فلم أستطع أن أرفع طَرْفي إليه حياءً منه، فقلت: أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولم يحضرْني ما تأَخَّر، فقال: "إنَّ الإسلامَ يَجُبُّ ما قَبلَهُ، والهِجْرَةَ تَجُبُّ ما قَبْلَها" (٢). وفي رواية: فقلت: على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، قال: "نعم". وأما خالدُ بن الوليد ﵁ فقال: لما أراد الله بي من الخير ما أراد قذف في قلبي الإسلامَ وحَضَرَني رُشْدي، وقلت: كنت في هذه المواضعِ كُلِّها على محمد، وليس موطنٌ أحضره إلَّا وأَنْصَرِفُ وأنا أرى في نفسي أنني مُوْضِعٌ في غيرِ شيء، وأَنَّ محمدًا

стр. 1620

سيظهر، ودافَعَتْه قريشٌ يوم الحديبية بالرَّاحِ فقلت: أين المذهبُ؟ أَخْرج إلى هرقل فأدخل في النصرانية وأترك ديني وأقيم مع عجمٍ رومٍ أصير تبعًا لهم وذلك عيب علي؟ ودخل رسول الله ﷺ مكة عامَ عمرة القضاء فتغيَّبْتُ فكتبَ إليّ أخي: لم أر أعجبَ من ذهابِ رأيك عن الإسلام وعَقْلُكَ عَقْلُكَ، ومِثْلُ الإسلام يجهله أحد؟! وقد سأل رسول الله ﷺ عنك فقلت: يأتي الله به فقال: "ما مثلُ خالدٍ مَن يَجْهَلُ الإسلامَ" فاستَدْرِكْ يا أخي ما فاتك. فلما جاءني كتابه نشطتُ للخروج وسرَّتني مقالةُ رسول الله ﷺ فأجمعتُ الخروجَ إلى المدينة وطلبت مَنْ أُصاحبُ، فلقيمت عثمان بن طلحة فأخبرته بما أريد، فأسرع الإجابة وخرجنا جميعًا فأدلجنا سَحَرًا فلما كنا بالهَدَّةِ إذا بعمرو بن العاص فقال: مرحبًا بالقوم، فقلنا: وبك، فقال: إلى أين؟ قلنا: نريد رسول الله، فقال: وأنا أيضًا أريد ذلك، فقدمنا المدينة في أول يومٍ من صفرٍ سنة ثمان فسلمت على رسول الله ﷺ بالنُّبوة، فرد بوجه طَلْقٍ فقلت: يا رسول الله، اغفر لي كلَّ ما صنعتُ، فقال: "الإسلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَه". وتقدم عمرو وعُثمان فأسلما، قال خالد: فوالله ما كان رسول الله ﷺ يوم أسلمتُ يَعْدِلُ بي أحدًا من أصحابه (١). وروى الواقدي (٢) عنه قال: أوقع الله الإسلام في قلبي فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الحديبية خرجت في خيل المشركين فلقيته بعسفان فقمت بإزائه فصلى بأصحابه الظهر، فَيَمَّمْتُ أن أُغيرَ عليه، ثم لم يصحَّ عزمي وكانت خيرةً، فأطلعه الله على ما في نفسي، فصلى بأصحابه صلاة الخوف، وقت العصر فوقع ذلك مني موقعًا، وقلت: الرجلُ ممنوعٌ منا ومن غيرنا، ثم افترقنا فلما صالحته قريشٌ يومَ الحديبيةِ قلت في نفسي: أين أذهب؟ أذهب إلى النجاشي وهو قد اتبع محمدًا، وأصحابُه آمنون عنده؟ أفأخرج إلى هرقل فأتنصر وأقيم عنده؟ أو أقيمُ بمكة في داري؟ فبينا أنا في ذلك إذ قدم علينا رسولُ الله ﷺ في عُمْرَةِ القضاء فتغيَّبْتُ ولم أشهد دُخُولَه، وكان أخي الوليد بن الوليد معه فأرسل إلي أخي … وذكر بمعنى ما تقدم، فأجمعت الخروجَ إلى رسول الله ﷺ

стр. 1621

فلقيت صفوان بن أمية، فقلت: يا أبا وهب ما ترى ما نحن فيه؟ إنما نحن أَكَلَةُ رَأْسٍ، وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قَدِمْنا عليه واتبعناه فإن شرفَه شرفُنا. فقال: لو لم يَبْق من قريشٍ غيري ما تبعتُه أبدًا. فافترقنا وقلت: رجلٌ موتورٌ يطلب وِتْرَه، قُتِلَ أبوه وأخوه ببدر وعمُّه بأُحد، فلقيت عكرمة بن أبي جهل فقلت له مثلَ ما قلت لصَفْوانَ فردَّ علي كما ذكر صفوان، فقلت: فاطْوِ ما قلتُ لك، فلقيت عُثمانَ بنَ طَلْحَةَ فقلت له: إنما نحن بمنزلةِ ثَعْلَبٍ في جُحْرٍ لو صُبَّ عليه ماءٌ لخَرجَ، فقال: صدقت. واتَّعَدْنا بَطْنَ يَأْجَج فوافَينا، وأدْلَجْنا، فلقينا عمرو بن العاص بالهَدَّةِ فرافقنا إلى المدينة، فلقيني أخي فقال: أَسْرِعْ، فإن رسول الله ﷺ في انتظاركم، فدخلنا عليه فأسلمنا. وقال خليفة بن خياط: كان إسلام خالد بين الحديبية وخيبر (١). وإسلام عمرو بن العاص سنة ست (٢). وهو وهم، والأصح أن إسلامهما كان في هذه السنة في صفر. وفيها: كانت سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني المُلَوِّح بالكُدَيْد (٣)، في ربيع الأول، وكان في بِضْعةَ عَشَرَ رجلًا، فأخذوا الحارث بن مالك بن البَرْصاء فقال لهم: خرجت لأُسلم فقال له غالب: إن كنت خرجتَ لهذا فما يضرُّك رباطُ يوم وليلة، فربطه وسلَّمه إلى رُوَيْجلٍ وقال له: إن نازعك وثاقه فاحتزَّ رأسَه، فلما قدم المدينة أسلم واستاق غالبٌ أموالَهم ونَعمَهم. وفيها: كانت سرية غالب (٤) أيضًا إلى [مُصابِ] أصحاب بشير بن سعد، فساق نعمهم وعاد إلى المدينة في ربيع الأول. وفيها: كانت سرية كعب بن عمير الغِفاري (٥) إلى ذات أطلاح بناحية الشام بعد

стр. 1622

وادي القرى، وهو مكان كثير الطَّلْح، في خمسة عشر رجلًا، وكانت قضاعةُ بذاتِ أطْلاح في خلق كثير، فقاتلوهم فأصابوا أصحاب كعب وعاد كعب إلى المدينة جريحًا. وقيل: كان أمير هذه السرية عمرو بن كعب الغِفاري. وفيها: كانت سرية سعد بن زيد بن مالك بن كعب بن عبد الأشهل (١)، في رمضان إلى مناةَ بالمُشَلَّلِ فهدمها. وفيها: كانت غزاة مؤتة (٢) في جمادى الأولى. وسببها أن النبي ﷺ بعث رسولًا اسمه الحارث بن عُمَيْرٍ الأَزْدي، وقيل: ابن عمرو الأزدي إلى صاحب بُصرى بكتابٍ، فلما نزل أرْضَ مؤتة وهي أدنى أرض البلقاء إلى الحجازِ عَرَض له شُرَحْبيل بنُ عَمْرو الغساني فقتله، ولم يُقْتَلْ للنبي ﷺ رسولٌ سِواه، وبلغ رسولَ الله ﷺ فنَدَبَ المسلمين للمسير إلى الشام فخرجوا فعسكروا بالجُرْف في ثلاثة آلاف فارس، وأمّر عليهم رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، قال: "فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة" وعقد لزيدٍ لواءً أبيضَ ودفعه إليه، وخرج رسولُ الله ﷺ يُشَيِّعُهم وقال لهم: ائتوا مقتل الحارث بن عُمَيْر فادعوا من هُناكَ إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلَّا قاتلِوهم واستعينوا بالله عليهم، ولم يزل معهم إلى ثَنِيَّةِ الوَداع. وودَّعَ الناسُ بعضُهم بعضًا فبكى عبد الله بن رواحة فقال الناس: ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما أبكي على الدنيا ولا صَبابةً بها، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فقد أخبرني أني وارد ولم يخبرني أني صادر، فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم وردَّكم إلينا سالمين، فقال: [من البسيط] لكنني أسألُ الرحمنَ مغفِرةً … وضربةً ذات فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا أو طعنةً بيَدَي حَرَّان مُجْهِزَةً … بحربةٍ تُنفِذُ الأحشاءَ والكَبِدا

стр. 1623

ثم مَضَوْا حتى نزلوا أرض الشام فبلغهم أن هِرَقْلَ قد نزل أرض البلقاءِ في مئة ألف من الروم وانضمت إليه المُسْتَعْرِبةُ من لَخْمٍ وجُذام وبَلْقَيْن وغيرِهم في مئة ألف، فأقاموا ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا: نكتبُ إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعددِ عدونا، قال ابن رواحة: يا قوم والله إن الذي تكرهون لَلَّذي خرجتم له تطلبون الشهادةَ، إنا لا نقاتل الناس بِعُدَّةٍ ولا قُوَّةٍ ولا كَثْرةٍ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانْطَلِقُوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إمّا ظهورٌ وإمّا شهادةٌ، فقال الناس: صدق والله ابنُ رواحة، وساروا حتى نزلوا أرض مَعان، فبلغهم أن هِرَقْلَ قد نزل البلقاء في الروم والقبائل المستعربة، وكان على ميمنة العرب شُرَحْبيلُ بنُ عمرو الغساني وعلى الميسرة مالك بن زافلة والروم في القلب، وساروا حتى بلغوا مَشارف قرية عند مؤتة، وانحاز المسلمون إلى مؤتة وجعلوا على الميمنة قطبَةَ بن قَتادة العُذْرِي وعلى الميسرة عُبادة بن مالك الأنصاري وزيد وجعفر وابن رواحة في القلب. وفي معان يقول عبد الله بن رواحة: [من الوافر] أقمنا ليلتينِ على مَعانٍ … وأعقب بعْدَ فَترتهم جُمُومُ فَرُحْنا بالجيادِ مسوَّماتٍ … تنفَّسُ في مناخِرِها السَّمومُ إلى مأب نسيرُ مَسيرَ عَجْلٍ … ولو كانت بها عَرَبٌ ورُومُ فرام الله أعينهم فجاءت … عوابس والغبار لها يَريمُ بذي لَجَبٍ كأن البِيْضَ فيه … إذا جُليت تُماثِلُها النجومُ وكان زيَد بن أرقم مقيمًا في حجر ابن رواحة، قال زيد: فكنت معه في هذه الغزاة فبينا هو يسير إذ تَمثَّلَ: [من الوافر] إذا أدنيتني وحملتِ رَحْلي … مسيرةَ أربعٍ بعد الحِساءِ فشأنُك فانعمي وخلاكِ ذَمٌّ … ولا أَرجعْ إلى أهلي ورائي وعادَ المسلمون وغادَرُوني … بأرض الشَّام مُشتهي الثَّواءِ (١) هنالِكَ لا أُبالي هَجْرَ خِلٍّ … من الخِلّان مُنْقطعِ الإِخاءِ

стр. 1624

قال زيد: فبكيت وارتفع صوتي فقال: يا لكع أتأنف لي بالشهادة؟! وترجع إلى المدينة على ناقتي، وكان كما قال، ثم التقى الفريقان فتقدم زيد بن حارثة فقاتل في نحر العدو قتالًا شديدًا لم يُرَ مثله، فمالوا عليه فاقتَسَمتْهُ الرماح فشاط عليها - أي هلك - فنادى الناس أين جعفرُ؟ فقال: ها أنا ذا وأخذ الراية وتقدم فقاتل قتالًا عظيمًا، فلما أَلحَمَهُ القتالُ اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، وهو أول من عَقَر فرسًا في الإسلام، ثم ارتجز: [من الرجز] يا حبذا الجنةُ واقترابُها طيّبةً وباردًا شرابها والرومُ رومٌ قد دنا عذابها عَلَيَّ إن لاقيتها ضِرابُها ولما أخذ جعفرٌ الرايةَ جاءه الشيطان فمنّاهُ الحياةَ وكرَّه إليه الموتَ فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلبي؟ ثم قاتل حتى قتل، فنادى الناس عبدَ الله بنَ رواحة في جانب العسكر ومعه ضِلَعُ جمل يَنْهَشُه ولم يكن ذاق طعامًا قبل ذلك بثلاثة أيام فرمى بالضِّلَعِ ثم قال: وأنتِ مع الدنيا، ثم تقدم فقاتل فأصيبت أُصبعه فجعل يقول: [من الرجز] هل أنت إلَّا أُصبعٌ دَميتِ وفي سبيل الله ما لَقِيتِ يا نفس إلَّا تُقتَلي تموتي إن تفعلي فِعْلَهما هُديتِ هذا حياضُ الموتِ قد صَليتِ وما تَمنيتِ فقد لقيتِ وإن تأخرتِ فقد شَقيتِ ثم قال: يا نفس إلى أي شيء تتوقين؟ إلى فلانةٍ فهي طالق ثلاثًا، وإلى فلان وإلى فلان - غِلْمان له - هم أحرار، وإلى معجفٍ - حائطٍ - فهو لله ولرسوله ثم قال:

стр. 1625

يا نفسُ مالك تكرهينَ الجنَّهْ أُقسم بالله لتنزلِنَّةْ طائِعةً أو لتُكْرَهِنَّهْ فَطالما قد كنت مطمئنَّهْ هل أنت إلا نطفةٌ في شَنَّهْ قد أجْلبَ الناس وشدوا الرَّنَّهْ ولما قُتِلَ عبد الله بن رواحة صاح ثابتُ بنُ أَقْرم: يا قوم اتفقوا على واحد منكم فقالوا: أنت، فقال: ما أنا بفاعل، فاصطلحوا على خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء. وقال الهيثم: دفع عبد الله بن رواحة الراية إلى ثابت فدفعها ثابت إلى خالد وقال: أنت أعرفُ مني بالقتال، فقال خالد: لا بل أنت أحق، يعني أن ثابتًا كان قد شهد بدرًا، فقال ثابت: خذها أيها الرجل فوالله ما أخذتُها إلا لك فأخذها وواقع القوم فانحازوا. وأخرج البخاري عن خالد أنه قال: لقد انقطعت في يدي يوم مُؤتة تسعةُ أسياف فما بقي في يدي إلَّا صفيحةٌ يَمانِيَةٌ (١). وقال الواقدي: انهزم المسلمون يوم مؤتة أقبح هزيمة، فلما أخذ خالد الراية انهزم الروم أقبح هزيمة. وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: حدَّثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، حدَّثنا الأسود بن شيبان [عن خالد بن سُمَير]، قال: قدم علينا عبد الله بن رَباح فاجتمعَ عليه الناس، فقال: حدَّثنا أبو قَتادة فارسُ رسول الله ﷺ قال: بعثَ رسولُ الله ﷺ جَيْشَ الأمراء وقال: "عَليكُم زيدُ بنُ حارِثَةَ، فإنْ أُصيبَ زيدٌ فجعفرٌ، فإنْ أُصيبَ جعفرٌ فعبدُ الله بن

стр. 1626

رَواحةَ" فوثب جعفر فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما كنت لأرهب أن يستعمل علي زيد، فقال: "امْضُوا، فإنَّكَ لا تَدرِي أيُّ ذلكَ خيرٌ" فانطلق الجيش فلبثوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله ﷺ صعد المنبر وأمر أن ينادى: الصلاةُ جامعة، فاجتمع الناس فقال رسول الله ﷺ : "أَلا أُخْبِرُكُم عن جَيشِكُم هذا الغازي؟ إِنَّهُم انْطَلَقُوا حتى لَقُوا العَدُوَّ، فأُصيبَ زيدٌ شَهيدًا فاستَغْفِرُوا له" فاستغفر له الناس، ثم قال: "فأخَذَ اللِّواءَ جعفرٌ، فشدَّ على القَوْمِ حتى قُتِلَ شَهيدًا، فاستَغفِرُوا له، ثم أَخَذ اللِّواءَ عبدُ الله بنُ رَواحَةَ فأَثْبتَ قَدَميهِ حتى قُتلَ شَهيدًا، فاستَغفِرُوا له، ثم أَخَذَ اللِّواءَ خالدُ بنُ الوليدِ" ولم يَكُن مِنَ الأُمَراءِ هو أمَّر نَفسَهُ، ورفع رسول الله ﷺ أصبعه وقال: "اللَّهمَّ هُو سَيفٌ مِن سُيوفِكَ فانْصُرْهُ" فسُمي خالدٌ يومئذٍ سَيف اللهِ، ثم قال رسول الله ﷺ "انْفِرُوا فأمِدُّوا إِخوانَكُم ولا يتخلَّفَنَّ أَحَدٌ منكُم" فَنَفَر النَّاسُ في حرٍّ شديد مشاة وركبانًا (١). وعن أبي هريرة قال: رُفِعَت الأرضُ لرسولِ الله ﷺ فرأى مصارع القوم فَنَعاهم واحدًا واحدًا، فلما أخذ خالدٌ اللواءَ قال رسول الله ﷺ : "الآنَ حَمِيَ الوَطيسُ" (٢). وقال ابن إسحاق: قدم جيشُ مؤتةَ إلى المدينة لم يُفْقَد من أعيانهم إلّا الأمراءُ الثلاثةُ ونفرٌ يسير، وخرج الناسُ ورسولُ الله ﷺ معهم، فجعلوا يحثون في وجوههم الترابَ ويقولون: يا فُرَّارُ، ورسولُ الله ﷺ يقولُ: "لَيسُوا بفُرَّارٍ، ولكنَّهم الكُرَّارُ إنْ شاءَ الله تعالى" وكان قد حمل عبد الله بن جعفر بين يديه (٣). ذكر من استشهد يوم مؤتة جابر بن عمرو بن زيد، أبو كلاب (٤) النجَّاري، من الطبقة الثانية من الأنصار، وأمه شيبة بنت عاصم نجارية. قال ابن عبد البَرِّ: شهد جابر بدرًا وأحدًا والخندق والعقبة، وجعله رسولُ الله ﷺ

стр. 1627

يوم بدر على الساقة (١). قال ابن سعد: كان له ثلاثة إخوة صحبوا رسول الله ﷺ منهم: الحارث استشهد يوم اليمامة وقيسٌ قُتِلَ يومَ مُؤتَةَ (٢). جعفر بن أبي طالب، أبو عبد الله ﵁، كان أَسَنَّ من علي كرَّم الله وجهه بعشرِ سنين، أسلم قديمًا قبل دخولِ رسول الله ﷺ دارَ الأرقمِ، وكان يسمى: ذا الهِجْرتَيْن، ويكنى أبا المساكين لأنه كان يتلطَّفُ بهم، وكان من المهاجرين الأولين، والمقدَّمَ بالحبشة على أصحاب رسول الله ﷺ والمترجِمَ عنهم عند النجاشي، واختط له رسولُ الله ﷺ دارًا بالمدينة إلى جانب مسجده، وآخى بينه وبين معاذ بن جبل، وأنكر الواقدي ذلك، لأن المؤاخاة كانت قبل بدر، ثم انقطعت بآيةِ الميراث وجعفر يومئذ بالحبشة (٣). ذِكْرُ مَقْتَلِه: قال ابن عمر ﵄: أَمَّر رسولُ الله ﷺ في غزوة مؤتة زيدَ بنَ حارِثةَ، ثم جعفرًا، ثم ابنَ رواحة وكنت معهم في تلك الغزاة، فالتمسنا جعفرًا فوجدناه في القتلى ووجدنا فيما أقبلَ من جسده بضعًا وسبعين ما بين طعنةِ رمح وضربةِ سيف ورمية سهم، ليس في دبره منها شَيْءٌ. أخرجه البخاري (٤). وقال الواقدي: ضربه رومي فقطعه نصفين، فوقعَ أحد نصفيه في كَرْمٍ، فوجدوا في نصفه ثلاثين جراحة (٥). وقال البخاري: كان ابن عمر إذا سلم على عبد الله بن جعفر يقول: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين (٦). لأن النبي ﷺ أخبر بذلك. وقال ابن [سعد] رَفَعَهُ إلى أبي عامر قال: قال رسول الله ﷺ "رأيت أصحاب مؤتة

стр. 1628

في الجنة على سرر متقابلين، ورأيت جعفرًا مَلَكًا ذا جناحين مضرَّجًا بالدماء مصبوغَ القَوادِمِ" (١). وقال ابن عباس: قال النبي ﷺ : مرَّ بي البارحةَ جعفرٌ في نفر من الملائكة له جناحان مُخضَّبَ القوادم بالدم، يريدون أرض بيشة (٢). قال الشعبي: بيشة من أطيبِ أراضي اليمن وأحسنِها، قريبةٌ من قبر هود ﵇، يجتمع إليها الشهداء والصائمون. قال الجوهري: بيشة - بكسر الباء - اسم موضع، قال الشاعر (٣): سقى جَدَثًا أَعراضُ غَمْرةَ دُوْنَه … وبيشةَ وَسْميُّ الربيع ووابِلُه وقال عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: جاء رسولُ الله ﷺ إلى بيت جعفر فوجدهم يبكون عليه فقال: "لا تَبْكُوا على أَخِي، فإنَّه يَطِيرُ في الجنَّة" فحَلَق رُؤُوسَهُم، وقال: "أَمَّا مُحمدٌ: فَشبيهٌ بعَمِّنا أبي طَالِبٍ، وأمَّا عبدُ الله: فَشبيهٌ بخَلْقِي وخُلُقي" ثم صنع لهم طعامًا وجعلهم معه في أهله، وقال: "أنا وَلِيُّهُم في الدُّنيا والآخِرةِ" (٤). وقال الواقدي: دعا رسول الله ﷺ بأولاد جعفر وهم ثلاثةٌ: عبدُ الله ومحمدٌ وعونٌ، وأمهم أسماء بنتُ عُمَيْس فشمَّهم ودمعت عيناه وقال لأمهم: "استَوصي بهم خيرًا" ولم تكن علمت، فقالت: وما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: "أصيبَ جَعفرٌ وأَصحابُه في هذا اليَومِ" فأخذت تصيح فقال: "لا تَفعَلي فإنَّه يَطيرُ في الجنَّة بجَناحَينِ" ثم دخل على فاطمة ﵂ وهي تبكي وتقول: واعمَّاه، فبكى وقال: "يا بنيةُ، على مثلِ جعفرٍ فلتَبكِ البَواكي" (٥).

стр. 1629

وأخرج الإمام أحمد رحمة الله عليه في "المسند" عن عبد الله بن جعفر ﵄ بمعناه، وذكر له في أوله: بعث رسول الله ﷺ جيشًا واستعمل عليهم زيد بن حارثة، ثم جعفرًا، ثم ابن رواحة، وذكر فيه: ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليهم، وذكر أن رسول الله ﷺ صعِدَ المنبر وأخبر بمصارع القوم، ثم أمهل ثلاثًا، ثم أتى آل جعفر فقال: "لا تَبْكُوا على أَخِي بعدَ اليوم، ادْعُوا لي بَني أَخِي" فجيء بنا كأننا أَفراخٌ فدعا بالحلَّاقِ فحلَقَ رؤوسنا ثم قال: "أَمَّا محمدٌ فَشبيهٌ بعمِّنا أبي طالبٍ، وأمَّا عبدُ اللهِ فَشَبيهٌ بخَلْقي وخُلُقي" ثم أخذ بيدي فأشالها وقال: "اللهمَّ اخْلُفْ جَعفَرًا في أَهلِه، وبارِك لِعَبدِ اللهِ في صَفَقةِ يمنيه - قالها ثلاثًا -" فجاءت أُمُّنا فذكَرَتْ يُتْمنا فقال: "العيلةَ تخافين [عليهم] وأَنا وليُّهمُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ" (١). وفي "المسند" أيضًا عن عبد الله بن جعفر أن رسول الله ﷺ قال: "اصْنَعُوا لآلِ جَعفرٍ طَعَامًا، فَقد جاءَهُم ما يَشغَلُهُم، أو أَمرٌ يَشْغَلُهُم" (٢). وقال هشام: حضرت أَسْماءُ عند رسول الله ﷺ فقال: "وعَليكُمُ السَّلامُ" فقالت له: يا رسول الله، على من تَرُدُّ السلامَ؟ فقال: "هذا جَعفرٌ في كَبْكَبةٍ مِنَ الملائِكَةِ يُسَلِّمونَ عليَّ، وقد عوَّضه الله بجَناحَينِ" وفي رواية: "أَخَذَ اللِّواء بيدِه اليُمنى فقُطِعَتْ، ثم باليسرى فقطعت، فَعُوِّض بالجناحين فلذلك سُمِّي الطَّيار بجَناحَيهِ حيث شاء" (٣). وقال سعيد بن المسيب في مراسيله عن النبي ﷺ أنه قال: "مُثِّلوا لي في الجنةِ في خيمةٍ مِن دُرَّةٍ، كلُّ واحدٍ على سرير من ذَهَب، ورأيتُ في عنقِ زيدٍ وابنِ رَواحةَ صُدودًا، وأمَّا عُنُق جَعفَرٍ فَمُستَقيمٌ ليس فيه صُدودٌ، قال: فقيلَ لي: إنَّهما لما غَشِيَهما الموتُ كأنَّهما صَدَّا بوَجهَيهِما، أما جَعْفَرُ فإنَّه لم يَفْعَلْ" (٤). والصدود: الإعراض. وحكى شيخنا موفق الدين ﵀ عن ابن عمر ﵄ قال: وجدنا ما بين صَدْرِ

стр. 1630

جَعْفَر ومنكبيه وما أقبل منه تسعينَ جراحة ما بين ضربة وطعنة ورمية (١). قال الشيخ موفق الدين أيضًا: ولما جاء رسولَ الله ﷺ نَعْيُ جعفر وأصحابِه بكى وقال: "أَخَوَايَ ومُؤْنِسَايَ ومُحَدِّثَايَ" يعني جعفرًا وزيدًا (٢). وكان سِنُّه يوم قتل سبعًا وثلاثين سنة، لأنه كان أسن من علي ﵇ بعشر سنين، وقيل: كان له خمس وعشرون سنة، وقيل: ثلاثون سنة، وقيل: إحدى وأربعون سنة، والأول أقرب للصواب. ذكر أولاده: وهم: محمد، وعبد الله، وعون. فأما محمد فكان صغيرًا على عهد رسول الله ﷺ ، وكنيته أبو القاسم، تزوج أم كلثوم بنت عمه علي بعد موت عمر بن الخطاب ﵁. واختلفوا في وفاته: فذكر الأموي في "مغازيه" أنه كان مع محمد بن أبي بكر حين بعثه علي ﵁ واليًا على مصر، فلما قتل محمد بن أبي بكر هرب محمد بن جعفر إلى فلسطين، فاستجار بأخواله من خثعم فأجاروه، فطلبه معاوية منهم وقال للذي هو عنده: ادفعه إلينا، فقال: والله لا أدفعه إليك أبدًا، فقال: إنك لأَوْرَه، أي أحمق، فقال له الرجل: إني والله لأَوْرَه حين أقاتِلُ عن ابن عمك وأُقَدِّمُ ابن أختي حتى تَقْتُلَهُ، فأعرضَ عنه، فلم يزل عنده حتى مات (٣). وقال الهيثم: استشهد بِتُسْتَر. وذكر أبو الفرج الأنصاري: أنه قتل يوم صفين، برز له عبيد الله بن عمر بن الخطاب فاعتنقا ووقعا عن فرسيهما ميتين. وليس هذا القول بشيء.

стр. 1631

وكان لمحمد ولد اسمه: القاسم، تزوج أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر، وأُمهما زينبُ بنت علي ﵍، وأم زينب فاطمة ﵍، فولدت له طلحة وفاطمة، فتزوج فاطمة بنت القاسم حمزة بن عبد الله بن الزبير. وأما عبد الله بن جعفر ﵄ فسنذكره إن شاء الله تعالى في سنة ثمانين. وأما عون بن جعفر فكان غلامًا على عهدِ رسول الله ﷺ . وقال الهيثم: ادعى رجل اسمه المساور أنه ابن عون فأَقَرَّ به عبدُ الله بن جعفر وأعطاه عشرة آلاف درهم وزوجه ابنةً له كانت عمياء، فلما مات عبد الله نفاه أولاده، وليس لعون عَقِبٌ (١). أسند جعفر ﵁ الحديث عن رسول الله ﷺ وروى عنه ابنه عبد الله، وأبو موسى الأشعري، وابن عمر، وعمرو بن العاص، وابن مسعود، وعائشة، وأم سلمة وغيرُهم ﵃. * * * حُنَيف بن رِئاب [بن الحارث] بن أمية من بني عمرو بن عوف، من الطبقة الثانية من الأنصار، شهد أحدًا والمشاهدَ كُلَّها معَ رسولِ الله ﷺ ، واَستُشْهِدَ يومَ مؤتة، وكان له ولد يقال له: رِئاب، شهد الحديبية وبايع تحتَ الشجرةِ، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وقُتِل يوم اليمامة شهيدًا (٢). زيد بن حارثة بن شَراحيل بن عبد العزى بن امرئ القَيْس بن عامر، أبو أسامة الكَلْبي، مولى رسولِ الله ﷺ ويقال له: زيد بن محمد، وزيد الحِبِّ، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، وأمه سُعْدى بنت ثعلبة بن عبد عامر من طيئ، زارت قومها ومعها زيد وهو غلامٌ يَفَعةٌ فأغارت عليهم خيل لبني القَيْن بن قُضاعة فاحتملوا زيدًا فوافوا به سوقَ عكاظ فباعوه، فاشتراه حَكيم بن حِزام بن خويلد لعمته خديجةَ بنت خويلد رضوان الله عليها بأربع مئة درهم، وقيل: ست مئة، فلما تزوج رسول الله ﷺ خديجة رضوان الله عليها وهبته له فتبناه.

стр. 1632

ويقال: إن رسول الله ﷺ اشتراه لما خرج إلى الشام في تجارة لخديجة، وهو وهم. وقال ابن عبد البَرِّ: تبناه رسول الله ﷺ قبل النبوة بثمانِ سنين (١)، وكان رسول الله ﷺ أكبر منه بعشر سنين. ولما اشتد حزن أبيه عليه حين فقده أقام مدة يَنْشُده ويبكي وقال الشعر، فمن قوله (٢): [من الطويل] بَكيتُ على زيدٍ ولم أَدرِ ما فَعَل … أَحَيٌّ فَيُرجى أَم أتى دونَه الأَجَلْ فَوَالله ما أدرِي وإن كنْتُ سائِلًا … أَغالَكَ سهلُ الأَرْضِ أم غَالك الجبلْ أَلا لَيتَ شِعري هل لك الدَّهْرَ رجعةٌ … فَحَسبي من الدُّنيا رجوعُكَ لي بَجَلْ تُذكِّرُنيهِ الشَّمسُ عند طُلوعِهِا … وتَعْرِض ذِكراه إذا قارَبَ الطَّفَلْ وإن هبَّتِ الأرواحُ هيَّجْنَ ذِكْرَهُ … فيا طول ما حزني عليه ويا وَجَلْ سأُعْمِلُ نَصَّ العِيسِ في الأرض جاهِدًا … ولا أَسْأَمُ التَّطوافَ أو تسأمَ الإبِلْ حياتيَ أو تأتي عليّ مَنِيَّتي … وكلُّ امرئ فانٍ وإن غَرَّهُ الأَمَلْ وأُوصي به كعبًا وعَمْرًا كِلَيْهِما … وأُوصي يزيدًا ثم من بعدهِ جَبَلْ أراد كعب بن شراحيل أخا حارثة، وأما عمرو فهو ابن عم حارثة وهو عمرو بن الحارث بن عبد العزى، وكنيته أبو بشر، وهو جد محمد بن السائب الكلبي، وأما يزيد فهو أخو زيد بن حارثة لأمه وأبيه، وهو يزيد بن كعب بن شراحيل، وأما جبل: أراد جبلة، وهو أخو زيد لأمه وأبيه. وذكر بعض النساب، أن حارثة تزوج امرأة من طيئ وقيل: من بني نَبْهان، فأولدها جبلة وأسماء وأسامة وزيدًا ثم توفيت أمهم وبقوا عند جدهم لأمهم، وأراد حارثة حَمْلَهم إلى أهله فأبى جدهم وقال: عندي أرفق لهم، ثم تراضوا على أن يَحملَ جبلةَ وأسماء وأسامة ويبقى زيد عنده، فجاءت خيل من تِهامةَ من فَزارة فأغارت على طيئ فسبت زيدًا فوافت به سوق عكاظ، فرآه رسول الله ﷺ قبل أن يبعث، فقال لخديجة: "رأيت في السوق غلامًا من صفته كذا وكذا" يصف عقله وأدبه، فأمرت خديجة ورقة

стр. 1633

ابن نوفل فاشتراه من مالها، فوهبته لرسول الله ﷺ فتبنّاه إلى أن جاء رجل من كَلْب فنظر إلى زيد فعرفه فقال: أنت زيد بن حارثة؟ فقال: بل أنا زيد بن محمد، فقال: إن أباك وعمومتَك وإخوتَك قد أتعبوا الأبدان وأنفقوا الأموال بسببك (١). وقيل: حجَّ قومٌ من كلب فرأَوْه بمكة فعرفهم وعرفوه، فقال: هل فيكم من يبلغُ أهلي هذه الأبيات: [من الطويل] ألِكْني إلى قومي وإن كنت نائيًا … بأني قطينُ البيتِ عند المَشاعرِ فكُفُّوا عن الوَجْدِ الذي قد شَجاكمُ … ولا تُعْمِلوا في الأرض نَصَّ الأَباعرِ فإني بحمد الله في خَيْرِ أُسْرَةٍ … كرامِ مَعَدٍّ كابرًا بَعْدَ كابرِ فقالوا: نعم، وانطلقوا فأخْبَروا أهلَه، فخرج أبوه حارثة وكعب ابنا شراحيل فقَدِما مكَّةَ، فسألا عن رسولِ الله ﷺ ، فقيل: هو في المسجد، فدخلا فإذا هو في الحِجْرِ قاعدٌ فسلما عليه وقالا: يا ابنَ عبدِ المطلب، يا ابن سيَّدِ قومه أنتم أهلُ الله وجيرانُه وسكانُ حَرَمِه تفكُّون العاني وتطعمون الجائع وتكسونَ العاري وتحملون المنقطع، فقال: "ما الذي بكما"؟ قالا: جئناك في فداء زيدٍ ابننا فامنن علينا أَو أَحسن في فدائه إِلينا، فقال رسول الله ﷺ : "فهلَّا غَيرَ ذلك"؟ قالا: وما هو؟ قال: خيراهُ، فإنِ اختارَكُما، فهوَ لكُما بغيرِ فِداءٍ، وإنِ اختارَني، فما أنا بالذي أخْتارُ على مَنْ يَختارُني أَحدًا" فقالا: أحسنت والله لقد زِدْتَ على النِّصَفِ، فدعاه رسولُ الله ﷺ وقال: "يا زَيْدُ، أتَعْرِفُ هذين"؟ قال: نعم، هذا أبي وعمي، فقال: "أنا مَنْ قد عَلِمْتَ ورأيت صُحبَتي، فاخْتَرني أو اخْتَرْهُما" فقال: ما أنا بالذي أختارُ عليك أحدًا، أنت مني بمنزلة الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيدُ، أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك وأَهْلِكَ؟ قال: نعم، إني قد رأيت من هذا الرجل أشياءَ ما أنا بمفارقه ولا أختار عليه أحدًا أبدًا. فلما قال ذلك قام رسولُ الله ﷺ في الحِجْرِ وفيه أعيانُ قريش فقال: "يا مَن حَضَرَ مِنَ المَلأ، اشهَدُوا أَنَّ زَيدًا ابني، أَرِثُه ويَرِثُني" فلما سمع ذلك أبوه وعمه طابت نفوسُهما وانصرفا شاكِرَيْن، فدعي من ذلك اليوم زيد بن محمد زمانًا حتى جاء الإسلام (٢).

стр. 1634

وزوجه رسولُ الله ﷺ زينب بنت جحش وطلَّقها وتزوجها رسولُ الله ﷺ فقال المنافقون: تزوجَ محمد زوجة ابنه فنزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠] الآية، ونزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فدعي يومئذٍ زيد بن حارثة. ونُسب كل من تبنَّاه إلى أَبيه (١). وقال أسامة بن زيد: كان بين رسولِ الله ﷺ وبين زيدٍ عشرُ سنين، رسولُ الله ﷺ أكبر منه، وكان رجلًا قصيرًا آدم شديد الأُدْمَةِ في أنفه فَطَس (٢). قال المصنف ﵀: قوله: "كان آدم شديد الأُدْمَةِ" وَهْمٌ ولين، ففي حديث محرز المدلجي لما رأى أقدام زيد وأسامة، قال الدارقطني: وكان زيد أبيضَ أَحمرَ أشقرَ، وأسامة أسود (٣). وكُنْيَتُهُ أبو أسامة، وهو أول من أسلم من الموالي، شهد بدرًا وأحدًا والخندق والحديبية، واستخلفه رسول الله ﷺ على المدينة لما خرج إلى المرَيْسيع، وأمَّره رسول الله ﷺ في سبع أو تسع سرايا وكان من الرماة المذكورين. وقالت عائشة رضوان الله عليها: لو عاش زيد لاستخلفه رسول الله ﷺ على الأمة (٤). وقال ابن عباس: لم يسم أحد من الصّحابة باسمه في القرآن إلّا زيد ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عمه حمزة فأوصى حمزة ﵁ إليه. وقال أسامة بن زيد ﵁: اجتمع جعفر وعلي وزيد بن حارثة فقال جعفر: أنا أَحَبُّكُم إلى رسولِ الله ﷺ ، وقال عليٌّ كذلك، وقال زيد كذلك، فقالوا: انطلقوا بنا إلى رسولِ الله ﷺ نسأَلْهُ، فقال أسامة: فجاؤوا فاستأذنوا عليه فقال: "اخْرُج فانظُرْ مَنْ

стр. 1635

هَؤُلاءِ"؟ فخرجت فقلت: هذا جعفر وعلي يزيد ولم أقل: أبي، فقال: "إئْذَن لَهُم" فدخلوا فقالوا: يا رسولَ الله، من أَحبُّ النَّاس إليكَ؟ قال: "فاطمة"، قالوا: نسألُك عن الرجالِ؟ فقال: "أَمَّا أنتَ يا جعفرُ، فأشبَهَ خُلُقُكَ خُلُقي، وأَنتَ مني وشَجَرتي، وأمَّا أَنت يا عليُّ، فَخَتَني وأبو ولديَّ، وأَنا منكَ وأَنتَ منِّي، وأَمَّا أنتَ يا زيدُ، فَمولايَ ومنِّي وأَحبُّ القوم إليَّ" أخرجه الإمام أحمد رحمة الله عليه في مسند أُسامةَ ﵁ (١). وقالت عائشة رضوان الله علها: ما رأيت رسولَ الله ﷺ عُرْيانًا قط إلَّا مرَّةً واحدةً؛ جاء زيدُ بنُ حارِثَة من غَزاةٍ فاستفتح فسمع رسول الله ﷺ صوتَه فقام عُرْيانًا يجر ثوبَه فاعتنقه وقَبَّله (٢). وعن الهيثم وابن عبد البَرَّ عن أسامة بن زيد ﵄ قال: حدثني أبي قال: اكتريتُ دابَّةً من الطائف إلى مكة فمال بي الكاري إلى خَرِبة فقال: انزل فنزلت فإذا هي مملوءة قتلى، فأراد أن يقتلني فقلت: دعني أُصَلِّي ركعتين فقال: صَلِّ فقد صَلَّى هؤلاء قبلك فما نفعهم صلاتُهم، قال: فصلَّيْتُ ركعتين وأتاني ليقتلني فقلت: يا أرحم الراحمين، فسمع صوتًا يقول: لا تَقْتُله، فخرج يطلب الصوتَ وهابه وعاد ليقتلني فقلت: يا أرحم الراحمين فسمع صوتًا يقول: لا تقتله، فخرج يطلب الصوت وعاد ثالثًا، فبينا أنا كذلك إذا بفارس قد أقبل وبيده حربة فيها شعلة نار فطعنه بالحربة فقتله، فقلت: من أنت؟ فقال: ملك لما دعوت في المرة الأولى، كنت في السماء السابعة، فلما دعوت الثانية كنت في السماء الرابعة، فلما دعوت الثالثة كنت في السماء الدنيا، فقيل لي: أدركه، فأتيتك (٣). وقال أبو قتادة فارسُ رسول الله ﷺ : لما أصيب زيد بن حارثة أتى رسول الله ﷺ أهله فَجَهَشَتْ إليه ابنة زيد، فبكى حتى انتحب فقال له سعد بن عبادة: يا رسول الله ما هذا؟ قال: "شَوقُ الحَبيبِ إلى حَبيبِهِ" (٤).

стр. 1636

وقال علي ﵇: قال رسولُ الله ﷺ : "رَأَيتُ جَعفَرًا يَطِيرُ في الجنَّةِ تَدمى قادِمَتَاه، ورَأَيتُ زَيدَ بنَ حارِثَةَ دُونَ جَعفَر، فقلتُ: ما أَظُنُّ زَيدًا دونَ جَعفر، فقال لي جِبريلُ: لَيسَ زيدٌ بدُونِ جَعفَرٍ، وإنَّما فضَّلْنا جَعفَرًا لقَرابَتهِ مِنكَ" (١). استشهد زيدٌ وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقيل: ابن ثلاث وخَمْسين سنة. ذكر أولاده كان رسولُ الله ﷺ قد زَوَّجَ مولاتَه وحاضِنَتَهُ زيدَ بن حارثة فولدت له أسامة وكان زيد يكنى به، وكانت تزوجت في الجاهلية قَبْلَ زيدٍ عبيدَ بنَ عمر (٢) بن بلال الخزرجي، فولدت له أيمن فكنيت به، استشهد أيمن يوم خيبر. وقال محمد بن السائب: قدِمَتْ أم كلثوم بنت عقبة - وأمها أروى بنت كُرَيْز وأم أروى أمُّ حكيمٍ البيضاءُ بنت عبد المطلب - مهاجرةً إلى المدينة، فخطبها جماعة منهم: زيد بن حارثة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، فاستشارت أخاها لأمها عثمانَ رضوان الله عليه فقال: استشيري رسول الله ﷺ فاستشارته فأشار عليها بزيد، فتزوجته فولدت له زيد بن زيد، مات وهو صغير، ورُقيَّةَ ماتت في حِجْر عُثمان ﵁، وطلَّقَ زيد أُمَّ كُلثوم فتزوَّجَها عبدُ الرحمن بن عوف ﵁ ثم عمرو بن العاص، ولما طلَّق زيدٌ أم كلثوم تزوج دُرَّة بنتَ أبي لهب، ثم طلَّقها وتزوج هند بنت العوام (٣). وأخرج الإمام أحمد ﵀ في "المسند" لزيد حديثًا واحدًا عن أسامة بن زيد، عن أبيه زيد بن حارثة عن النبي ﷺ : "أنَّ جبريلَ أَتاه في أَوَّلِ ما أُوحِيَ إليهِ فَعَلَّمهُ الوُضُوءَ والصَّلاةَ، فلمَّا فَرَغَ مِنَ الوُضُوءِ أَخَذَ غَرْفَةً مِنَ الماءِ فَنَضَح بها فَرْجَه" (٤). * * *

стр. 1637

سراقة بن عمرو بن عطية، وأمه عُتَيْلَة (١) بنت قيس نجارية، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، أبلى يوم مؤتة بلاء حسنًا وليس له عَقِب. عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي، من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه كبشة بنت واقد، وكنيته أبو رواحة، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو عمرو، وهو أحد النقباء الاثني عشر، شهد العقبة مع السبعين، وبدرًا وأُحُدًا والخندق والحديبية وعُمْرةَ القضاء وخيبر، واستخلفه رسولُ الله ﷺ على المدينة في غزاة بدر الموعد، وبعثه بشيرًا إلى أهل العالية بغزاة بدر، وأرسله إلى أُسير بن رِزام اليهودي فقتله بخيبر، وظلَّ يَخْرُصُ كلَّ عامٍ نخل خَيْبَرَ إلى أن استُشْهِدَ. وقال موسى بن عقبة: لما بعثه رسول الله ﷺ إلى خيبر يَخْرُصُ نَخْلهم ويقاسِمُهم، جعلوا يُهدون له من الطَّعامِ وجمعوا من حُلِيِّ نسائهم وقالوا: هذا لك وخفِّفْ عنا وتهاونْ في القَسم. فقال: يا معاشر يهود، والله إنكم لَمِنْ أبغض خلق اللهِ إليَّ، وإنما بعثني رسولُ الله ﷺ عَدْلًا بينه وبينكم، فلا إِرْبَ لي في دنياكم ولن أحيفَ عليكم، وإنما عرضتم علي السُّحْتَ وأَنا لا آكله، فلما أقام الخَرْصَ خيَّرَهم فقال: إن شئتم ضمنت لكم نصيبكم وإن شئتم ضمنتم لنا وقمتم عليه، فاختاروا أن يَضْمَنوا ويُقيموا عليه. وقالوا: يا ابن رواحة هذا الذي تعملون، به تقومُ السماء والأرض، وإنما يقومان بالحق. وقال أبو الدرداء: لقد رأيتُنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره في اليوم الشديد الحر، [حتى] إنَّ الرجلَ ليضَعُ يَدَهُ على رأسه من شدة الحر وما في القوم صائمٌ إلا رسولُ الله ﷺ وعبدُ الله بن رواحة (٢). وقال النعمان بن بشير: أغمي على خالي عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تبكي وتقول: واجَبَلاه وارُكْناه، وتُعَدِّد عليه، فلما أفاق قال: ما قلتِ شيئًا إلا وقيل لي: أنت كذلك؟ (٣).

стр. 1638

ومدح عبدُ الله بن رواحة رسولَ الله ﷺ كثيرًا، وكان شاعرًا فصيحًا، واستنشده رسول الله ﷺ فأنشد: [من البسيط] يا هاشم الخَيْرِ إن الله فضلكم … على البرية فضلًا ماله غِيَرُ إني تَفَرَّسْتُ فيك الخيرَ أعرِفُه … والله يعلم أَنْ ما خانني البصرُ أَنتَ النبيُّ ومن يُحْرَمْ شفاعته … يَومَ الحسابِ فقد أَوْدى به القدرُ فَثبَّتَ الله ما آتاكَ من حَسَنٍ … تَثبيتَ موسى ونصرًا كالذي نُصِرُوا فقال رسول الله ﷺ : "وأَنتَ يا عبدَ اللهِ فثبَّتَكَ اللهُ أَحسَنَ الثَّباتِ" (١). وقال قيس بن أبي حازم: قال رسول الله ﷺ لعبد الله بن رواحة: "انزل، فَحرِّك بنا الرِّكابَ" فقال: يا رسول الله قد تركتُ قولي، فقال له عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: اسمع وأَطِع، فنزل وجعل يقول: يا رب لولا أنت ما اهتدينا ...... الأبيات فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهمَّ ارحَمهُ" فقال عمر: وجبت (٢). ومعنى قوله: "تركت قولي" لما نزل قوله تعالى ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ [الشعراء: ٢٢٤] قال ابن رواحة: هل ترى أنا منهم وترك الشعر، فنزل قوله تعالى ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] الآية (٣). وقد رثاه ورثى أصحابه ﵃ حسان بن ثابت فقال: [من الطويل] تأَوَّبَني ليلٌ بِيَثْرِبَ أَعْسَرُ … وهمٌّ إذا ما نَوَّمَ القومُ مُسْهِرُ لذكرى حبيب هيجت ليَ عَبْرةً … سَفوحًا وأَسباب البكاءِ التذكُّرُ بلى إن فِقْدانَ الحبيبِ بَليَّةٌ … وكَمْ من كريمٍ يُبْتلى ثم يَصْبِرُ رأيتُ خِيار المؤمنين تتابعوا … بمُؤتَةَ منهم ذو الجناحَينِ جَعفرُ وزيدٌ وعبدُ الله اِبنُ رواحة … تداعوا وأسباب المنيَّةِ تخطرُ

стр. 1639

غَداةَ [مضوا] بالمؤمنين يقودُهم … إلى الموت مَيْمونُ النقيبةِ أَزْهَرُ أَغَرُّ كضَوْءِ البدر من آل هاشمٍ … أَبيٌّ شريف القدر يَقْظانُ أَحْورُ (١) وليس لابن رواحة عَقِبٌ، وقد روى الحديث فأخرج له البخاري حديثًا موقوفًا (٢). وعن عبد الله بن رواحة أنه قدم من سفرٍ ليلًا فتعجل إلى امرأته، فإذا في بيته مصباح، وإذا مع امرأته صبي، فأخذ السيف فقالت امرأته: إليك عني فهذه فلانةُ تُمشطني، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره، فنهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا (٣). وعن عكرمة مولى ابن عباس: أن عبد الله بن رواحة كان مضطجعًا إلى جنب امرأته، فقام وخرج إلى الحُجْرة فواقع جارية له، وانتبهت امرأتُه فلم تره، فخرجت فإذا هو على بطن الجارية، فرجعت وأخذت شَفْرةً وخرجت فلقيها فقال: مهيم؟ فقالت: أما إني لو وجدتُكَ حيث كُنْتَ لَوَجَأْتُك بها فقال: وأين كنتُ؟ فقالت: على بطن الجارية فقال: ما كنت، قالت: بلى، قال: فإن رسول الله ﷺ نهى أن يقرأ القرآن وهو جُنبٌ، فقالت: فاقرأ فقال: [من الطويل] أتانا رسول الله يتلو كتابه … كما لاح مشهور من الصبح طالع أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا … به موقنات أَنَّ ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه … إذا استثقلت بالكافرين المضاجعُ فقالت المرأة: آمنت بالله ورسوله وكذبت بصري، قال: فغدوت إلى النبي ﷺ وأخبرته فضحك حتى بدت نواجذه (٤). قال الإمام أحمد رضوان الله عليه: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الحجاج، عن الحكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس قال: بعث رسولُ الله ﷺ عبدَ الله بنَ رواحة في سَرِيَّةٍ فوافق ذلك يومَ الجمعة فقدَّمَ أصحابه وقال: أَتَخَلَّفُ فأصلي مع رسول الله ﷺ الجُمُعَة ثم ألحقهم،

стр. 1640

فلما صلى رآه رسول الله ﷺ فقال له: "لو أَنْفَقْتَ ما في الأَرضِ ما أَدرَكْتَهُم" (١). عبد الله بن الربيع بن قيس بن عامر الخزرجي، من الطبقة الأولى من الأنصار، وأمه فاطمة بنت عمرو نجارية، شهد العقبة وبدرًا واستشهد بمؤتة. عبد الله بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، من الطبقة الأولى من المهاجرين وأمه صفية بنت المغيرة مخزومية، وكان اسمه الحكم فسماه رسول الله ﷺ عبد الله. عَبَّاد بن قيس بن عَبَسة، وقيل: عُبادة بن قيس بن أمية، من الطبقة الأولى من الخزرج شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . عبيد بن المُعلَّى بن لَوْذان الزُّرَقي، وأمه إِدامُ بنتُ عَوْفٍ نجارية، وهو من الطبقة الثانية من الأنصار. قيس بن عمرو بن زيد (٢) بن مَبْذول، من الطبقة الثانية من الأنصار، وأمه شَيْبَةُ بنتُ عاصم، شهِد المشاهد كُلَّها مع رسول الله ﷺ وقُتِلَ معه يوم مؤتة أخوه لأبيه وأُمِّه: جابرٌ. مسعود بن سُوَيد بن حارثة، من بني عدي بن كعب، من الطبقة الأولى من المهاجرين. وهب بن سعد بن أبي سَرْح بن الحارث بن حبيب بن جَذيمة بن مالك بن حِسْلٍ بن عامر بن لؤي، وأمه مُهانَةُ بنت جابر من الأشْعريين، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، شهد بدرًا في قول أكثرهم، وشهد أحدًا والخندق والحديبية وخيبر، ولما هاجر إلى المدينة نزل على كلثوم، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سويد، فقتلا جميعًا يوم مؤتة شهيدين، ووهبٌ ابنُ أربعين سنةً (٣). * * *

стр. 1641

وفيها: كانت سرية عمرو بن العاص إلى ذات السَّلاسِل (١)، وهي وراء ذات القُرى، وبينها وبين المدينة عشر ليالٍ في جمادى الأولى، وقيل: كانت قبل غزاة مؤتة. قال أبو محمد ابن حزم: بلغ رسولَ الله ﷺ أن جَمْعًا من قُضاعةَ قد جمعوا للغارة على المدينة، فعقد لعمرٍو لواءً أبيضَ ورايةً سوداءَ، وبعث معه ثلاث مئة من المهاجرين والأنصار، فبلغه أن القوم في جمع عظيم، فبعث رافع بن مَكِيْثٍ الجُهَني إلى رسول الله ﷺ يستمدُّه، فأمدَّه بأبي عبيدةَ بن الجراح ﵁ في مئتين من المهاجرين والأنصار، فيهم أبو بكر وعمر رضوان الله عليهم، وإنما أمَّرَ عمرو بنَ العاص وقدَّمه على من ذُكِرَ لأنَّ جَدَّته أمَّ العاص بن وائل من قُضاعة، وقيل: من بَليٍّ، وأمَّره لهذا المعنى، وأوصى رسولُ الله ﷺ أبا عبيدة ﵁ أن لا يخالف عمرًا فأدركه بأَرْضِ جُذام بذات السلاسل، وجاء وقت الصلاة فتقدم أبو عبيدة، فقال عمرو: أنا الأمير وأنت جِئْتَ مَدَدًا، فقال: يا عمرو، إن رسول الله ﷺ أوصاني وقال "لا تختلفا"، فإن عصيتني أطعتك، دونَك فصلِّ بالنَّاس، فصلَّى، وساروا نحو القوم فهربوا، فغنم المسلمون أموالهم وبعثوا بها إلى المدينة، وكتب عمرو إلى رسول الله ﷺ كتابًا يخبره بهزيمةِ العدو وَوَطْءِ بلادِهم، وأنْفَذَهُ مع عوف بن مالك الأشجعي (٢). وقال عمرو: لما بعثني رسولُ الله ﷺ عامَ ذاتِ السلاسل، فاحتلمتُ في ليلةٍ باردةٍ شديدةِ البَرْد فأشفقت إنِ اغتسلتُ أن أَهْلِكَ، فتيمَّمْتُ ثم صلَّيْتُ بأصحابي صلاةَ الصُّبحِ، فلما قدِمنا على رسول الله ﷺ ذكرتُ له ذلك فقال: "يا عمرو صلَّيْتَ بأصحابكَ وأنت جُنُبٌ؟ " فقلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إنِ اغتسلتُ أن أهلِك، وذكرت قولَ الله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فتيممت ثم صليت، فضحك ولم يقل شيئًا (٣). قال ابن إسحاق: ومنع عمرو أصحابه أن يُوْقِدوا في تلك الليلة نارًا وكانت ليلة

стр. 1642

باردةً، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فسأله فقال: كان في أصحابي قِلَّةٌ وفي العدوِّ كَثْرَةٌ فخشيت فقال: "أصبتَ" (١). وفيها: كانت سرية الخَبَطِ (٢)، وأميرهم أبو عبيدة بن الجراح ﵁، بعثه رسول الله ﷺ في ثلاث مئة من المهاجرين والأنصار قِبَلَ جُهينةَ، فأصابهم جَهْدٌ عظيم، فأكلوا الخَبَط حتى صارت أشداقهم كأشداق الإبل. قال الإمام أحمد: حدَّثنا حسن بن موسى، حدَّثنا زهير، حدَّثنا أبو الزبير (٣)، عن جابر قال: بعثنا رسول الله ﷺ وأمّر علينا أبا عبيدة نتلقَّى عيرَ قريش وزوَّدَنا جِرابًا من تمر، لم يَجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يُعْطينا تمرةً تمرةً، قال: فكيف كنتم تَصْنَعونَ بها؟ فقال: كُنَّا نَمُصُّها ثم نشرب عليها الماء فتَكْفِينا إلى الليل قال: وكنا نَضرِبُ بعصِيِّنا الخَبَطَ ثم نبلُّه بالماء فنأكله، قال: وانطلقنا إلى ساحل البحر فرُفِعَ لنا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هو دابة تدعى العَنْبَر قال أبو عبيدة: مَيِّتَةٌ، ثم قال: لا، بل نحنُ رسلُ رسولِ الله ﷺ وفي سبيله وقد اضطررنا فكُلوا، فأقَمنا عليه شهرًا ونحن ثلاث مئةٍ حتَّى سَمِنّا، ولقد رأيتُنا نَغْتَرِفُ من وَقْبِ عينيه بالقِلال الدُّهْنَ، ونقطع منه الفِدَرِ كقَدْرِ الثور، قال: ولقد أخذ أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلًا فأَقعدهم في وَقْب عينه وأخذ ضِلَعًا من أضلاعه فأقامها ثم رَحَل أعظم بعير معنا فمر من تحتها وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا له ذلك فقال: "هوَ رِزْقٌ أَخرَجهُ الله لَكُم، فَهَل مَعَكُم مِن لَحمِهِ شَيءٌ فَتُطعِمُونا؟ " فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله. أخرجه مسلم (٤). * * *

стр. 1643

وفيها: كانت سَرِيَّةُ أبي قَتادَةَ الأنصاري إلى خَضِرةَ (١)، وهي أرض مُحارب بنجد، في شعبان، بعثه رسولُ الله ﷺ في ستة عشر رجلًا، فشنُّوا الغارة على غَطَفان، وقتلوا أَشْرافهم، وساقوا مئتي بعير وألفي شاة وأربعَ نِسْوَة. وقيل: كان أميرُ هذه السَّرِيَّةِ عبدَ الله بنَ أبي حَدْرَد الأسلمي، وهو وَهْم؛ لأن سرية ابن أبي حَدْرَد إلى قيس بن رفاعة الجشمي في شعبان. هذا ذكرُ سرية عبد الله بن أبي حَدْرَد: قال الإمام أحمد رحمة الله عليه: حدَّثنا يعقوب، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد (٢) بن أبي عون، عن جدته، عن عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلمي أنَّه ذكر أنَّه تزوج امرأة، فأتى رسول الله ﷺ يستعينه في صَداقِها، فقال: "كَم أَصْدَقتَها؟ " قال: مئتي درهم، قال: "لو كُنتُم تَغْرِفُونَ الدَّراهِمَ من وَادِيكُم هذا ما زِدْتم، ما عِندي ما أُعطيكَ" قال: فمكثتُ، فدعاني رسول الله ﷺ فبعثني في سريَّة نحو نجد وقال: "لَعَلَّك أَنْ تُصيبَ شيئًا فأُنَفَّلَكَهُ". قال: فخرجنا حتى جئنا الحاضِرَ مُمْسينَ، فلما ذهبت فَحمةُ العِشاء، بَعَثَنا أميرُنا رَجُلَيْنِ رَجُلَيْنِ فأَحطنَا بالعسكر، وقال: إذا كَبَّرْتُ وحَمَلْتُ فكبَّروا واحمِلُوا، قال: وسمعت رجلا منهم يصيح: يا خَضِرةُ، فتفاءلتُ بأَنا سنُصيبُ منهم خَضِرة، فلما أغْنَمنا كبَّر أميرُنا وحمل، فكبَّرنا وحملنا، وكلُّ اثنين مِنَّا في ناحيةٍ، قال: فمر بي رجل في يده سيف فاتَّبعته، فقال لي صاحبي: إن أميرنا عهد إلينا أن لا نُمْعِنَ في الطَّلبِ، فقلت: والله لأَتْبَعَنَّهُ، فتبعته ورميته بسهم على جُرَيْداءِ مَتْنِه فوقع، وقال: اُدْنُ يا مُسلمُ إلى الجنة، فلم أَدْنُ إليه ورميته بسَهْم آخرَ فأثخنتُه فرماني بالسيف فأخطأني، وأخذت السيف فقتلته به واحتززتُ به رأسه، وشددنا عليهم فأخذنا نَعمًا كثيرًا وغَنِمْنا وانصرفنا، فأصبحت فإذا بعيري مقطورٌ ببعير عليه امرأةٌ شابَّةٌ جميلةٌ، فجعلَتْ تلتفتُ إلى خلفها وتكثرُ الالتفات، فقلتُ لها: إلى أيَنَ تلتفتينَ؟ فقالت: إلى رجل لو كان حيًّا لخالَطَكُم، قال: وظننت أنَّه صاحبي، فقلت: والله قد قَتَلْتُه وهذا سيفه، وهو معلَّق في قَتَبِ البعير

стр. 1644

الذي أنا عليه، وغِمْدُ السيف الذي ليس فيه شيء معلَّقٌ بقَتَبِ بعيرها، فلما قلت لها ذلك قالت: دونَكَ هذا الغمد فشِمْهُ فيه إن كنت صادقًا، فأخذته فشِمْتُه فطبَّقته، فلما رأت ذلك بكت، وقدمنا على رسولِ الله ﷺ فأعطاني من ذلك النَّعم الذي قَدِمْنا به (١). وقال الواقدي: كان عبد الله بن أبي حدرد قد تزوج امرأة، فاستعان برسولِ الله ﷺ في مهرها، فقال: "كَم مَهْرُها"؟ قال: أصدَقْتُها مئتي درهم، فقال: "سُبحان اللهِ، لو كُنتُم تأخُذُونَ الدَّراهِمَ مِن بَطن وادٍ ما زِدْتُم على هذا، ما عِندِي ما أُعطِيكَ" فأقمتُ أيامًا وأقبل قيس بن رِفاعةَ الجُشَمي في جيش كثيفٍ فنزل الغابةَ يريد أن يجمع النَّاسَ على حَرْبِ رسولِ الله ﷺ ، فدعاني رسولُ الله ﷺ ورجلين من المسلمين وقال: "اخرُجُوا إلى هذا الرجُلِ، وأتُوني بخَبرِه" وأعطانا شارِفًا عجفاءَ فحملنا عليها أحدَنا فما قامت حتَّى دعمها الرجالُ من خلفها وقال: "تبلَّغُوا علَيها واعتَقِبُوها"، قال: فخرجنا إلى الحاضِرِ عشيّةً مع غُروبِ الشَّمس، وكمنْتُ في ناحية وكمن صاحباي في ناحية، وقلت لهما: إذا سمعتماني قد كبَّرتُ فكبَّروا وشدوا معي على القوم، ثم كبَّرتُ وكبَّرا وشددنا عليهم، وكان لهم راعٍ فأبطأ عليهم، وكان قيسُ بن رِفاعةَ قد خَرجَ في طلبه بنفسه، قال عبد الله: ومرّ بي فرميتُه بسَهْم فوقع في فؤاده فمات وسيفه في عنقه، فوثبت إليه فقطعت رأسه، ثم شددنا على القوم فصاحوا: النَّجاءَ النَّجاءَ، واستَقْنا إبلًا كثيرة وغَنِمنا وجئنا بها إلى رسول الله ﷺ ، فوضَعْتُ رأس قيس بين يديه فدعا لي وأعانني بثلاثة عشر بعيرًا، فسقت مهر امرأتي من بعضها (٢). وفيها: كانت سرية أبي قتادة الأنصاري إلى بَطْنِ إِضَم (٣)، جبل بينه وبين المدينة ثلاثةُ بُرُدٍ، وكان في السَّرية مُحَلَّمُ بنُ جَثَّامة اللَّيثي وعبدُ الله بن أبي حَدْرَد المذكورُ آنِفًا. قال عبد الله: فلقينا عامِرَ بنَ الأَضْبط الأشْجعي على قَعودٍ، فسلَّم بتحية الإسلام فأمسكنا عنه، وحمل عليه مُحَلَّم بنُ جَثّامةَ فقتله لشيء كان في نفسه وأَخذ بعيره وسَلَبه،

стр. 1645

فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه الخبر، فأنكر علينا رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] الآية (١). قال المصنف ﵀: وهذا أحد الأقوال في سبب نزول هذه الآية. والثاني: أن المقداد خرج في سرية إلى قوم، فوجدهم قد تفرقوا وبقي منهم رجلٌ كثيرُ المالِ، فقصده المقداد فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله، فقتله، فنزلت هذه الآية (٢). والثالث: أن رجلًا من بني سُلَيمٍ مرَّ على نفر من المسلمين ومعه غنم فسلم عليهم فقالوا: ما سلَّم إلَّا مُتَعَوِّذًا، فقتلوه وأخذوا غنمه (٣). والرابع: أنها نزلت في سرية كان فيها أسامة بن زيد ﵄ أغار على قوم فهربوا وبقي منهم رجل قد أسلم يقال له: مِرْداس، فسلَّم عليهم، فقتله أسامة (٤). وقيل: إنَّما كان أميرُ السرية غالبَ بنَ فَضالةَ وأسامة معه. وقال الواقدي: إنَّما بعث رسول الله ﷺ هذه السرية في رمضان، وكانوا ثمانيةً، ثم خرجوا إلى غزاة الفتح فبلغهم خروجه فوافَوْه بالسُّقْيا (٥). وفيها: عُمِلَ المنبرُ، وقيل: في سنة سبع، قيل: عمله غلام للعباس يقال له: كِلاب، وقيل: صُباح، وقيل: غلام لامرأة من الأنصار يقال له: مِيْنا. وقال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع في المسجد، فشق عليه القيام فقال له تميم الداري: يا رسول الله، ألا أصنع لك منبرًا كما يصنعون بالشام؟ فشاور رسول الله ﷺ أصحابه فقالوا: لا بأس به، فقال العباس بن عبد المطّلب: يا رسول الله،

стр. 1646

إن لي غلامًا يقال له: كلاب، أَعمَلُ النَّاس لهذا، فقال له ﷺ : "مُرهُ فَليَعْملْه"، فأرسله إلى أَثْلِ الغَابة فقطع أَثْلةً، وعمل فيها دَرَجَتَيْنِ ثُمَّ جاء به فوضعه موضعه اليوم، فجاء رسولُ الله ﷺ فقام معه وقال: "مِنبَري هذا على تُرْعَةٍ من الجنة، وقَوائمهُ رَواتِب في الجنَّةِ" ثم سنَّ الإيمان على الحقوق عند منبره وقال: "مَن حَلَفَ عند مِنبَري كاذِبًا فَلْيَتبوَّأ مَقْعَده مِنَ النَّارِ" (١). وعن جابرِ بن عبد الله قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ ما بينَ مِنْبَري إلى حُجرَتي رَوضةٌ مِن رِياضِ الجنَّةِ، وإنَّ مِنْبَري على تُرْعَةٍ من تُرَعِ الجنَّةِ" (٢). وقال جابرٌ: كان رسولُ الله ﷺ يخطُبُ إلى جذع نخلة، فقالت امرأة من الأنصار كان لها غلام نجار: يا رسول الله إن لي غلامًا نجارًا، أفلا آمره يتخذ لك منبرًا تخطب عليه؟ قال: "بلى"، قال: فاتخذ له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر، فإنَّ الجذع الذي كان يقوم عليه كان يئنُّ كما يئنُّ الصبي، فقال النبي ﷺ : "إن هذا بكى لِما فَقَدَ مِنَ الذِّكْرِ". انفرد بإخراجه البُخاريّ (٣). وعن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ إذا خَطَب يستند إلى جِذع نخلة من سَواري المسجد، فلما صُنِعَ له منبره واستوى عليه اضطَربت تلك الساريةُ كحنين الناقة، حتى سمعها أهل المسجد، حتى نَزل إليها فاعتنقها فسكتت. أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (٤). ولم يزل المنبر على حاله حتَّى حج معاويةُ بعْدَما بُويعَ، فزاد فيه ستَّ درجات، فشق ذلك على الصحابة ﵃ وقالوا: غيَّر آثارَ رسول الله ﷺ وابتدع في الإسلام، فقال لهم سعيد بن المسيب: يا قوم لا تعجبوا من هذا واعجبوا من مروان بن الحكم كيف يقوم مقامَ رسول الله ﷺ يميت السُّننَ ويحيي البدع. وكان عزمُ مُعاويةَ إذا عاد من الحج نقْلَ المِنبرِ إلى الشام، فلما قفل من الحج أمر

стр. 1647

بنقله فأظلمت الدنيا وزُلزلت وجاءت الصواعقُ من كل مكان، فتركه وبقي على تلك الحال مدة أيام بني مروان، فلما ولي السفاح ردَّهُ إلى ما كان عليه في عهد رسول الله ﷺ وبقيت آثاره. * * * وفيها: كانت غزاةُ الفتحِ في رمضان (١)، أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد مؤتة جمادى الآخرة ورجب وشعبان. قال الواقدي: كانت خزاعة في الجاهلية قد أصابوا رجلًا من بكر وأخذوا ماله، فمر رجل من خزاعة على بني الدِّيل بعد ذلك فقتلوه، ووقعت الحرب بينهم (٢). قال ابن إسحاق: كان الذي أهاج الحرب بين خزاعةَ وبكرٍ، أن رجلًا من بني الحضرمي يقال له: مالك بن عَبَّاد خرج (٣) تاجرًا، فلما توسَّط أرض خُزاعةَ عَدَوْا عليه فقَتَلُوه، وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجلٍ من خزاعة فقتلوه، واستمرتِ الحربُ، فمرَّ بنو الأسود بن رِزْن - وهم ذُؤَيب وكُلْثوم وسَلْمى - فقتلوهم عند أنْصاب الحرم بعرفة، وكان بنو الأسود يُدَوْن في الجاهلية بدِيَتَيْن لفَضْلِهم في بني بكر. فبينا بنو بكرٍ وخزاعة على ذلك جاء الإسلام فحجز بينهم، فلما كان صلحُ الحديبيةِ دخلت خزاعةُ في عهد رسول الله ﷺ ، وبكرٌ في قريش، على ما تقدم. قال الواقدي: وكانت خزاعة حُلَفاءَ لعبد المطلب، فجاءت رسولَ الله ﷺ يوم الحديبية بكتاب الصلح فقرأه أبيّ بن كعب عليه وفيه: باسمك اللَّهم، هذا حلف عبد المطّلب بن هاشم لخزاعة، إذْ قَدِمَ عليه سَرَواتُهم وأهل الرأي منهم، غائبُهم مُقِرٌّ بما قضى عليه شاهدهم، إن بيننا وبينهم عهودَ الله وعقودَه، ما لا يُنسى أبدًا، ما أشرفَ ثَبير وثبت حِراء، وما بَلَّ بحرٌ صُوفة، لا يزداد

стр. 1648

فيما بيننا وبينكم إلّا تَجَدُّدًا أَبَدَ الدهر سَرْمدًا. فقال رسول الله ﷺ : "ما أعرَفَني بحقِّكُم وأَنتم على ما أسْلَفتُم عليه مِنَ الحِلْفِ، وكلُّ حِلفٍ كانَ في الجاهِليَّةِ لا يَزيْدُه الإسلامُ إلَّا تَأكِيدًا" (١). ولمسلم: عن جابر بمعناه، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "لا حِلْفَ في الإسْلامِ، وأَيُّما حِلْفٍ في الجاهِليَّةِ لم يَزِدهُ الإسلامُ إلَّا شِدَّةً، ولا حِلْفَ في الإسلام" (٢). قال الواقدي: وكان آخرَ ما كان بين خزاعة وكنانة وبكر أن أنس بن رهم الدِّيلي هجا رسولَ الله ﷺ فسمعه غلامٌ من خزاعةَ فضربه فشجَّه، فثار الشرُّ مع ما كان بينهم من العداوة، فلما دخل شعبان هذه السنة كلَّمت بكرٌ أشرافَ قريش في النُّصرة على خزاعة، فأعانهم على ذلك صفوان بن أميَّة ومِكْرَزُ بن حفص وحُوَيْطبُ بن عبد العزى وعِكرمةُ بن أبي جهل ولم يشاوروا أبا سفيان بن حرب، وقيل: إنهم شاوروه فأبى عليهم، ثم اتَّعدوا الوتيرَ: ماءٌ قريب من مكّة، وخرج رؤساء قريش بمن معهم إلى بكر، ورأس بكر نوفل بن معاوية الدِّيلي، فبيَّتُوا خزاعةَ ليلًا وهُمْ غارُّون، فلم يزالوا يقاتِلونهم حتَّى انتهَوْا إلى الحرم ودخلوا دارَ زَيْدِ بن وَرْقاء، وعاد رؤساء قريش في عمايةِ الصُّبْحِ إلى منازلهم وهم يظنون أنهم لم يُعْرَفوا وأَنَّ هذا لا يبلغ رسولَ الله ﷺ . وقَتَلوا من خُزاعة عشرين، فلما أصبحوا ندمت قريشٌ وعرفوا أنَّه سببٌ لنقض العهد بينهم وبين رسولِ الله ﷺ (٣). وجاء الحارثُ بن هشام وعبدُ الله بن أبي ربيعة إلى أبي سفيان بن حربٍ وأخبراه بما فعل القومُ، فقال: هذا أمر لم أشهده ولم أغب عنه وإنه لشرٌّ، والله ليغزونا محمد، ولقد حدثتني هند بنت عتبة أنها رأت رؤيا كرهتها، رأت دمًا أقبل من الحَجون يسيلُ حتَّى وقف بالخَنْدَمةِ، فكره القومُ ذلك، فقال له الحارث: ما لها سِواك؛ اُخْرجْ إلى محمد فكلِّمه في تجديد العهد وزيادة المدة.

стр. 1649

وقيل: إن أبا سفيان قال ذلك ابتداء، فخرج أبو سفيان ومولى له على راحلتين وهو يرى أنَّه أول من يخرج إلى رسول الله ﷺ فأسرع السير (١). وقال رسولُ الله ﷺ لعائشة رضوان الله عليها صبيحة كانت الوَقْعة بالوَتير: "يا عائِشَةُ، قد حَدَثَ في خُزاعةَ أَمرٌ"، فقالت: أفَترى قُريشًا تجترئ على نقض العهد بينك وبينهم وقد أفناهم السيف؟ فقال رسول الله ﷺ : "يَنقُضونَ العَهدَ لأَمرٍ يُريدُهُ الله تعالى بِهِم". قالت عائشة: لخير أو لشر؟ قال: "لخيرٍ" (٢). فخرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبًا من خزاعة يستنصرون رسولَ الله ﷺ ويخبرونه بالذي أصابهم من قريش، فقوموا المدينة ورسولُ الله ﷺ في المسجد ورأسُ خزاعة عمرو بن سالم، فاستأذن رسولَ الله ﷺ في الإنشاد فأذن له فقال: [من الرجز] لا هُمَّ إنِّي ناشدٌ محمدًا حِلْفَ أَبينا وأَبيكَ الأَتْلدا قد كُنْتُمُ وُلْدًا وكُنّا والدا ثُمَّتَ أسلمنا ولم نَنْزعْ يدا إن قريشًا أَخْلفوكَ المَوعِدا ونَقَضُوا مِيثاقَكَ المؤكَّدا فانصر هَداكَ الله نَصرًا أَيِّدا وادعُ عبادَ الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تَجرَّدا في فيلقٍ كالبحر يجري مُزْبِدا هم بيَّتونا بالوَتير هُجَّدا

стр. 1650

فقتَّلونا رُكَّعا وسُجَّدا وزَعموا أن لست تدعو أَحَدا وهُم أَذَلُّ وأَقلُّ عَدَدا فقام رسول الله ﷺ وهو يجر طرف ثوبه ويقول: "لا نُصرتُ إنْ لم أَنصُر بني كَعبٍ بما أنصُرُ منه نَفسِي" (١). وقال: "وكأنَّكُم بأبي سُفيانَ بن حرب وقَد جاءَ يقولُ: جدِّدِ العَهدَ وزِدْ في المدَّةِ وهو راجع بسَخَطِه". وكان القوم لما خرجوا من المدينة تفرقوا، وسلك بديل بن أصرم الطريق في نَفرٍ يسير، فلقيهم أبو سفيان فقال: أين كنتم؟ قال بديل: كنا في الساحل نصلح بين الناس في قتيل، قال: فهل أتيت محمدًا بيثرب؟ قال: لا نعلم أنه قد كان بالمدينة. فلما ارتحل بديلُ قام أبو سفيان إلى مباركهم ففتَّ أبعار إبلهم، فوجد فيها النوى فتيقن ذلك، فقدم المدينة فدخل على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنِّي كنتُ غائبًا عن صلح الحديبية فجدِّدِ الهدنةَ وزِدْ في المدَّةِ، فقال له رسول الله ﷺ : "ولهذا قَدِمتَ"؟ قال: نعم، قال: "فَهَل حَدَثَ منكُم حَدَثٌ"؟ قال: معاذ الله، فقال رسول الله ﷺ : "فَنَحنُ على مُدَّتِنا وصُلْحِنا يَومَ الحُديبيةِ". فقام من عنده فدخل على ابنته أُم حبيبة ﵂ فلما ذهب ليجلس على فراشِ رسول الله ﷺ طوته دونه، فقال: أرغبتِ بهذا الفراش عني، أو بي عنه؟ فقالت: بل هو فراشُ رسولِ الله ﷺ وأنت امرؤٌ مشركٌ نَجِسٌ، فقال: يا بنية، لقد أصابك بعدي شر، فقالت: هداني الله للإسلام وأنت تعبد حجرًا لا يسمع ولا يُبْصِر، واعجبًا مِنْكَ يا أَبَتِ، وأنت سيد قريش وكبيرها. فقال: أفَأتْرُكُ ما كان يعبد آبائي وأتبع دين محمد، ثم قام من عندها، فلقي أبا بكر ﵁ فقال له: يا ابن أبي قحافة كلِّمْ محمدًا، أو تُجيرُ أنتَ بين الناس، فقال أبو بكر ﵁: جواري في جِوارِ رسول الله ﷺ . ثم لقي عمرَ رضوانُ الله عليه فكلَّمه بمثل ما كلَّم به أبا بكر، فقال عمر: أنا أكلِّمُ رسول الله ﷺ ! والله لو وجدت الذَّرَّ يُقاتلكُم لأعْنتُها عليكم، فقال أبو سفيان: جُزِيتَ من فتى رحمٍ شرًا.
следующие страницы →