← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

إن لي غلامًا يقال له: كلاب، أَعمَلُ النَّاس لهذا، فقال له ﷺ : "مُرهُ فَليَعْملْه"، فأرسله إلى أَثْلِ الغَابة فقطع أَثْلةً، وعمل فيها دَرَجَتَيْنِ ثُمَّ جاء به فوضعه موضعه اليوم، فجاء رسولُ الله ﷺ فقام معه وقال: "مِنبَري هذا على تُرْعَةٍ من الجنة، وقَوائمهُ رَواتِب في الجنَّةِ" ثم سنَّ الإيمان على الحقوق عند منبره وقال: "مَن حَلَفَ عند مِنبَري كاذِبًا فَلْيَتبوَّأ مَقْعَده مِنَ النَّارِ" (١). وعن جابرِ بن عبد الله قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ ما بينَ مِنْبَري إلى حُجرَتي رَوضةٌ مِن رِياضِ الجنَّةِ، وإنَّ مِنْبَري على تُرْعَةٍ من تُرَعِ الجنَّةِ" (٢). وقال جابرٌ: كان رسولُ الله ﷺ يخطُبُ إلى جذع نخلة، فقالت امرأة من الأنصار كان لها غلام نجار: يا رسول الله إن لي غلامًا نجارًا، أفلا آمره يتخذ لك منبرًا تخطب عليه؟ قال: "بلى"، قال: فاتخذ له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر، فإنَّ الجذع الذي كان يقوم عليه كان يئنُّ كما يئنُّ الصبي، فقال النبي ﷺ : "إن هذا بكى لِما فَقَدَ مِنَ الذِّكْرِ". انفرد بإخراجه البُخاريّ (٣). وعن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ إذا خَطَب يستند إلى جِذع نخلة من سَواري المسجد، فلما صُنِعَ له منبره واستوى عليه اضطَربت تلك الساريةُ كحنين الناقة، حتى سمعها أهل المسجد، حتى نَزل إليها فاعتنقها فسكتت. أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (٤). ولم يزل المنبر على حاله حتَّى حج معاويةُ بعْدَما بُويعَ، فزاد فيه ستَّ درجات، فشق ذلك على الصحابة ﵃ وقالوا: غيَّر آثارَ رسول الله ﷺ وابتدع في الإسلام، فقال لهم سعيد بن المسيب: يا قوم لا تعجبوا من هذا واعجبوا من مروان بن الحكم كيف يقوم مقامَ رسول الله ﷺ يميت السُّننَ ويحيي البدع. وكان عزمُ مُعاويةَ إذا عاد من الحج نقْلَ المِنبرِ إلى الشام، فلما قفل من الحج أمر

стр. 1647

بنقله فأظلمت الدنيا وزُلزلت وجاءت الصواعقُ من كل مكان، فتركه وبقي على تلك الحال مدة أيام بني مروان، فلما ولي السفاح ردَّهُ إلى ما كان عليه في عهد رسول الله ﷺ وبقيت آثاره. * * * وفيها: كانت غزاةُ الفتحِ في رمضان (١)، أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد مؤتة جمادى الآخرة ورجب وشعبان. قال الواقدي: كانت خزاعة في الجاهلية قد أصابوا رجلًا من بكر وأخذوا ماله، فمر رجل من خزاعة على بني الدِّيل بعد ذلك فقتلوه، ووقعت الحرب بينهم (٢). قال ابن إسحاق: كان الذي أهاج الحرب بين خزاعةَ وبكرٍ، أن رجلًا من بني الحضرمي يقال له: مالك بن عَبَّاد خرج (٣) تاجرًا، فلما توسَّط أرض خُزاعةَ عَدَوْا عليه فقَتَلُوه، وأخذوا ماله، فعدت بنو بكر على رجلٍ من خزاعة فقتلوه، واستمرتِ الحربُ، فمرَّ بنو الأسود بن رِزْن - وهم ذُؤَيب وكُلْثوم وسَلْمى - فقتلوهم عند أنْصاب الحرم بعرفة، وكان بنو الأسود يُدَوْن في الجاهلية بدِيَتَيْن لفَضْلِهم في بني بكر. فبينا بنو بكرٍ وخزاعة على ذلك جاء الإسلام فحجز بينهم، فلما كان صلحُ الحديبيةِ دخلت خزاعةُ في عهد رسول الله ﷺ ، وبكرٌ في قريش، على ما تقدم. قال الواقدي: وكانت خزاعة حُلَفاءَ لعبد المطلب، فجاءت رسولَ الله ﷺ يوم الحديبية بكتاب الصلح فقرأه أبيّ بن كعب عليه وفيه: باسمك اللَّهم، هذا حلف عبد المطّلب بن هاشم لخزاعة، إذْ قَدِمَ عليه سَرَواتُهم وأهل الرأي منهم، غائبُهم مُقِرٌّ بما قضى عليه شاهدهم، إن بيننا وبينهم عهودَ الله وعقودَه، ما لا يُنسى أبدًا، ما أشرفَ ثَبير وثبت حِراء، وما بَلَّ بحرٌ صُوفة، لا يزداد

стр. 1648

فيما بيننا وبينكم إلّا تَجَدُّدًا أَبَدَ الدهر سَرْمدًا. فقال رسول الله ﷺ : "ما أعرَفَني بحقِّكُم وأَنتم على ما أسْلَفتُم عليه مِنَ الحِلْفِ، وكلُّ حِلفٍ كانَ في الجاهِليَّةِ لا يَزيْدُه الإسلامُ إلَّا تَأكِيدًا" (١). ولمسلم: عن جابر بمعناه، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "لا حِلْفَ في الإسْلامِ، وأَيُّما حِلْفٍ في الجاهِليَّةِ لم يَزِدهُ الإسلامُ إلَّا شِدَّةً، ولا حِلْفَ في الإسلام" (٢). قال الواقدي: وكان آخرَ ما كان بين خزاعة وكنانة وبكر أن أنس بن رهم الدِّيلي هجا رسولَ الله ﷺ فسمعه غلامٌ من خزاعةَ فضربه فشجَّه، فثار الشرُّ مع ما كان بينهم من العداوة، فلما دخل شعبان هذه السنة كلَّمت بكرٌ أشرافَ قريش في النُّصرة على خزاعة، فأعانهم على ذلك صفوان بن أميَّة ومِكْرَزُ بن حفص وحُوَيْطبُ بن عبد العزى وعِكرمةُ بن أبي جهل ولم يشاوروا أبا سفيان بن حرب، وقيل: إنهم شاوروه فأبى عليهم، ثم اتَّعدوا الوتيرَ: ماءٌ قريب من مكّة، وخرج رؤساء قريش بمن معهم إلى بكر، ورأس بكر نوفل بن معاوية الدِّيلي، فبيَّتُوا خزاعةَ ليلًا وهُمْ غارُّون، فلم يزالوا يقاتِلونهم حتَّى انتهَوْا إلى الحرم ودخلوا دارَ زَيْدِ بن وَرْقاء، وعاد رؤساء قريش في عمايةِ الصُّبْحِ إلى منازلهم وهم يظنون أنهم لم يُعْرَفوا وأَنَّ هذا لا يبلغ رسولَ الله ﷺ . وقَتَلوا من خُزاعة عشرين، فلما أصبحوا ندمت قريشٌ وعرفوا أنَّه سببٌ لنقض العهد بينهم وبين رسولِ الله ﷺ (٣). وجاء الحارثُ بن هشام وعبدُ الله بن أبي ربيعة إلى أبي سفيان بن حربٍ وأخبراه بما فعل القومُ، فقال: هذا أمر لم أشهده ولم أغب عنه وإنه لشرٌّ، والله ليغزونا محمد، ولقد حدثتني هند بنت عتبة أنها رأت رؤيا كرهتها، رأت دمًا أقبل من الحَجون يسيلُ حتَّى وقف بالخَنْدَمةِ، فكره القومُ ذلك، فقال له الحارث: ما لها سِواك؛ اُخْرجْ إلى محمد فكلِّمه في تجديد العهد وزيادة المدة.

стр. 1649

وقيل: إن أبا سفيان قال ذلك ابتداء، فخرج أبو سفيان ومولى له على راحلتين وهو يرى أنَّه أول من يخرج إلى رسول الله ﷺ فأسرع السير (١). وقال رسولُ الله ﷺ لعائشة رضوان الله عليها صبيحة كانت الوَقْعة بالوَتير: "يا عائِشَةُ، قد حَدَثَ في خُزاعةَ أَمرٌ"، فقالت: أفَترى قُريشًا تجترئ على نقض العهد بينك وبينهم وقد أفناهم السيف؟ فقال رسول الله ﷺ : "يَنقُضونَ العَهدَ لأَمرٍ يُريدُهُ الله تعالى بِهِم". قالت عائشة: لخير أو لشر؟ قال: "لخيرٍ" (٢). فخرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبًا من خزاعة يستنصرون رسولَ الله ﷺ ويخبرونه بالذي أصابهم من قريش، فقوموا المدينة ورسولُ الله ﷺ في المسجد ورأسُ خزاعة عمرو بن سالم، فاستأذن رسولَ الله ﷺ في الإنشاد فأذن له فقال: [من الرجز] لا هُمَّ إنِّي ناشدٌ محمدًا حِلْفَ أَبينا وأَبيكَ الأَتْلدا قد كُنْتُمُ وُلْدًا وكُنّا والدا ثُمَّتَ أسلمنا ولم نَنْزعْ يدا إن قريشًا أَخْلفوكَ المَوعِدا ونَقَضُوا مِيثاقَكَ المؤكَّدا فانصر هَداكَ الله نَصرًا أَيِّدا وادعُ عبادَ الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تَجرَّدا في فيلقٍ كالبحر يجري مُزْبِدا هم بيَّتونا بالوَتير هُجَّدا

стр. 1650

فقتَّلونا رُكَّعا وسُجَّدا وزَعموا أن لست تدعو أَحَدا وهُم أَذَلُّ وأَقلُّ عَدَدا فقام رسول الله ﷺ وهو يجر طرف ثوبه ويقول: "لا نُصرتُ إنْ لم أَنصُر بني كَعبٍ بما أنصُرُ منه نَفسِي" (١). وقال: "وكأنَّكُم بأبي سُفيانَ بن حرب وقَد جاءَ يقولُ: جدِّدِ العَهدَ وزِدْ في المدَّةِ وهو راجع بسَخَطِه". وكان القوم لما خرجوا من المدينة تفرقوا، وسلك بديل بن أصرم الطريق في نَفرٍ يسير، فلقيهم أبو سفيان فقال: أين كنتم؟ قال بديل: كنا في الساحل نصلح بين الناس في قتيل، قال: فهل أتيت محمدًا بيثرب؟ قال: لا نعلم أنه قد كان بالمدينة. فلما ارتحل بديلُ قام أبو سفيان إلى مباركهم ففتَّ أبعار إبلهم، فوجد فيها النوى فتيقن ذلك، فقدم المدينة فدخل على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنِّي كنتُ غائبًا عن صلح الحديبية فجدِّدِ الهدنةَ وزِدْ في المدَّةِ، فقال له رسول الله ﷺ : "ولهذا قَدِمتَ"؟ قال: نعم، قال: "فَهَل حَدَثَ منكُم حَدَثٌ"؟ قال: معاذ الله، فقال رسول الله ﷺ : "فَنَحنُ على مُدَّتِنا وصُلْحِنا يَومَ الحُديبيةِ". فقام من عنده فدخل على ابنته أُم حبيبة ﵂ فلما ذهب ليجلس على فراشِ رسول الله ﷺ طوته دونه، فقال: أرغبتِ بهذا الفراش عني، أو بي عنه؟ فقالت: بل هو فراشُ رسولِ الله ﷺ وأنت امرؤٌ مشركٌ نَجِسٌ، فقال: يا بنية، لقد أصابك بعدي شر، فقالت: هداني الله للإسلام وأنت تعبد حجرًا لا يسمع ولا يُبْصِر، واعجبًا مِنْكَ يا أَبَتِ، وأنت سيد قريش وكبيرها. فقال: أفَأتْرُكُ ما كان يعبد آبائي وأتبع دين محمد، ثم قام من عندها، فلقي أبا بكر ﵁ فقال له: يا ابن أبي قحافة كلِّمْ محمدًا، أو تُجيرُ أنتَ بين الناس، فقال أبو بكر ﵁: جواري في جِوارِ رسول الله ﷺ . ثم لقي عمرَ رضوانُ الله عليه فكلَّمه بمثل ما كلَّم به أبا بكر، فقال عمر: أنا أكلِّمُ رسول الله ﷺ ! والله لو وجدت الذَّرَّ يُقاتلكُم لأعْنتُها عليكم، فقال أبو سفيان: جُزِيتَ من فتى رحمٍ شرًا.

стр. 1651

ثم دخل على عثمان رضوان الله عليه فقال: ليس في القوم أحد أقربُ بي وأمسُّ رحمًا منك، فقال: جواري في جِوار رسول الله ﷺ (١). فدخل على فاطمة ﵂ وعندها علي رضوان الله عليه والحسن والحسين رضوان الله عليهما يَدِبّانِ بين يديهما فقال لها: يا بنت محمد، أَجيري بين الناس، فقالت: أنا امرأة، فقال: قد أجارت أختك أبا العاص بن الربيع وأجاز ذلك محمدٌ، فقالت: هذا إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: مُري أحدَ ابنيك هذين أن يجير بين النَّاس، فقالت: هما صَبِيَّان وليس مثلُهما يُجير، فقال لعلي رضوان الله عليه: يا أبا الحسن، أجر بين النَّاس أو كَلَّم محمدًا، فقال: ويحك يا أبا سفيان ليس أحد منا يستطيع أن يكلِّمَ رسولَ الله ﷺ فيما يكره، فقال: أشِرْ عليَّ. قال: ما أجد لك شيئًا مثل أن تقوم فتجير بين النَّاس، فإنَّك سَيَّدُ بني كنانة، قال: فهل ينفعني؟ قال: لا أظن ذلك ولكن لا أجد لك غيره (٢). فقام وصاح: ألا إنِّي قد أجرتُ بين النَّاس، فقال له رسول الله ﷺ : "أَنتَ تَقولُ هذا يا صخرُ" ثم ركب راحلته وسار نحو مكّة وكانت غَيْبتُه قد طالت واتهمته قريش وقالوا: قد صبأ واتبع محمدًا وكتم إسلامه، فدخل على امرأته هِنْد ليلًا، فقالت: قد طالت غيبتك حتَّى اتَّهَمَكَ قومُك، فإن كنت مع طول غيبتك جئتهم بنُجحٍ فأنت الرجل، ثم دنا منها وجلس مَجلِسَ الرجلِ من امرأته فجعلت تقول: ما الخبر؟ قال: لم أجد إلَّا ما قالَ عليٌّ، فضربت برجلِها في صدره وقالت: قم قُبَّحْتَ من رسولِ قومٍ، فلما أصبح حلق رأسه عند إِساف ونائلة وذبح لهما ومسح بالدم رؤسهما إبراءً لما اتهمته به قريش، ثم سأله أعيان قريش عما جرى فأخبرهم، قالوا: فأجاز محمد قولك؟ قال: لا، قالوا: والله ما زاد عليّ على أن لَعِبَ بك (٣). وقال رسولُ الله ﷺ لعائشة رضوان الله عليها: "جَهِّزينا ولا يَشعُر أَحدٌ"، فكتمت ذلك (٤).

стр. 1652

ولما أجْمَعَ رسولُ الله ﷺ على المسير إلى مكّة كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى صفوان بن أميَّة وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وأعيان قريش يخبرهم الخبر، ودفع الكتاب إلى سارة مولاة المطلب - وقيل: اسمها كَنود من مُزينةَ - وجعل لها جُعْلًا على أن تبلغ الكتاب إلى قريش، فجعلته في رأسِها وفتلت عليه قُرونَها وخرجت به، فأتى رسولَ الله ﷺ الخبرُ من السماء، فقال لعلي والزبير ﵄: "أَدركا المَرأَةَ فإن معها كتابَ حاطبٍ إلى الكفار بما أزْمَعْنا عليه"، فخرجا فأدركاها بذي الحليفة، فاستنزلاها وفتَّشا رحلها وفتشاها فلم يجدا شيئًا، فقال علي رضوان الله عليه: والله لتخرجن الكتاب أو لأكْشِفَنَّكِ، فلما رأت الجدَّ حلَّت قُرونها وأخرجته، فرجعا به إلى رسول الله ﷺ فدعا حاطبًا وقال: "ما دَعاكَ إلى هذا"؟ فقال: يا رسول الله، والله إنِّي مؤمن بالله ورسوله ما غيَّرْتُ ولا بدَّلْتُ، ولكن ليس لي في مكّة عشيرةٌ وأهل، وولدي بين ظهرانيهم فصانَعْتُهم عليهم. فقال عمر رضوان الله عليه: دعني أضرب عنقه فقد نافق. فقال رسول الله ﷺ : "وما يُدرِيكَ يا عمرُ، لَعلَّ اللهَ اطلَعَ على أهلِ بدرٍ، فَقالَ: اعمَلُوا ما شِئتُم فقد غَفَرتُ لَكُم". وأنزل الله تعالى في حاطب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] الآية (١). وقد أخرجا القصة في "الصحيحين" أن عبد الله بن أبي رافع سمع عليًّا يقول: بعثني رسول الله ﷺ والزبيرَ والمقدادَ فقال: "انطَلِقُوا حتَّى تأتوا رَوْضَةَ خاخٍ، فإنَّ بها ظَعينَةً معها كتابٌ، فخُذُوه منها". فانطلقنا إليها تَعادَى بنا خَيْلُنا حتَّى أتينا الرَّوضة، فإذا نحن بالظَّعينةِ، فقلنا: أخرجي الكتابَ، فقالت: ما معي كتاب، فقلت: لُتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لتُلْقينَّ الثياب، قال: فأخرجت الكتاب من عِقاصِها، فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ "يا حاطِبُ، ما هذا"؟ فقال: لا تَعْجَلْ عليَّ يا رسول الله، إنِّي كنت امرءًا ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان مَن معك من المهاجرين لهم قراباتٌ يَحمون أهاليهم بمكة، فأحببتُ إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا - أو فيهم يدًا - يحمدون بها قرابتي، وما فعلتُ ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا

стр. 1653

رضى بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "قد صَدَقَكُم". فقال عمر: دعني أضرب رَقَبَةَ هذا المنافق. فقال رسول الله ﷺ : "إنَّه قد شَهدَ بدرًا، وما يُدرِيكَ لَعلَّ الله اطَّلَعَ على أَهلِ بَدرٍ، فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُم فَقَد غَفَرتُ لَكُم". متفق عليه (١). و"روضة خاخ": مكان قريب من المدينة. و"العِقاص": الخَيْط الذي يعقص به الشعرُ الملصق القريب. قال البلاذري: ومضت سارة من فورها إلى مكة وكانت مُغَنِّيةً، فأقبلت تهجو رسول الله ﷺ وتتغنى بذلك، فأمر يوم الفتح بقتلها (٢). وقال الثعلبي: هي سارة مولاة عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت رسول الله ﷺ من مكّة إلى المدينة بعد بدر بسَنَتين فقال لها: "أمسلمة جئت؟ " قالت: لا، قال: "أفمهاجرة؟ " قالت: لا، قال: "فما جاء بك؟ " فقالت: أنتم الأهل والعشيرة والموالي، وقد ذهب مواليَّ واحتجت حاجة شديدة، فقدمت عليكم لتحملوني وتكسوني، فقال لها رسول الله ﷺ : " [أَينَ] أنتِ مِن شَبابِ أَهلِ مكَّةَ"؟ وكانت مغنية نائحة، فقالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر. فحث رسول الله ﷺ بني عبد المطّلب فكسوها وحملوها، فأتاها حاطب حليف بني أسد بني عبد العزى فكتب معها إلى أهل مكّة كتابًا وأعطاها عشرة دنانير. وقال مقاتل: أعطاها عشرة دنانير وكساها بُرْدًا، وكتب معها إلى أهل مكّة أن رسول الله ﷺ [يريدكم] فخُذوا حِذْركم. وخرجت تريد مكّة، ونزل جبريل فأخبر رسول الله ﷺ ، فأرسل عليًا وعمارًا وعمر والزبيرَ وطلحةَ والمقدادَ وأبا مَرْثَدٍ الغنويَّ وكانوا فرسانًا وقال: "انطَلِقُوا إلى رَوضَةِ خاخ فإنَّ بها ظَعِينَةً مَعَها كِتابٌ من حاطِبٍ إلى المُشرِكينَ، فَخُذُوهُ منها وخَلُّوا سَبيلَها، وإنْ لم تَدفَعْه إليكُم فاضرِبُوا عُنُقَها". فلما وصلوا إليها سألوها فأنكرت، ففتشوها فلم يجدوا معها شيئًا فهموا بالرجوع، فقال علي: والله ما كَذَبَنا ولا كُذبنا وسلَّ سيفَه، وقال: أخرجي الكتاب وإلا ضربت

стр. 1654

عنقك، فلما رأت الجدَّ أخرجتهُ من ذوائبها قد خبأته في شعرها، فخلوا سبيلها، فرجعوا بالكتاب وذكر بمعنى ما تقدم (١). ذِكْرُ مسير رسول الله ﷺ إلى مكّة: كتب إلى القبائل فقدم عليه إلى المدينة أَسلمُ وغِفارُ ومُزينةُ وجُهينةُ وأشجعُ، وبعث إلى بني سُليم فوافوه بقُدَيْدٍ، فأما جميع العرب فخرجوا معه من المدينة في عشرة آلاف. قال علماء السير: وخرج يوم الأربعاء بعد العصر لعشر مضين من رمضان وهو صائم، واستخلف على المدينة أبا رُهْم كلثومَ بن حُصَين الغِفاري، وعلى الصلاة ابنَ أم مكتوم، وسار في المهاجرين والأنصار، ووافته القبائل على المياه. قال الواقدي: لقيه العباس بن مرداس بقُدَيد في ألف من بني سليم وأنس بن عباس (٢)، وكان أنس وفد على رسول الله ﷺ المدينة في بني سُلَيْم وفيهم قيس بن نُشْبَة، فسمع كلامَ رسول الله ﷺ ورجع إلى بني سليم وقال: والله لقد سمعت تراجم الروم، وهَمْهَمةَ فارس، وكَهانة الكُهَّانِ، وقصائد العرب، فما يُشبه كلام محمد شيئًا من ذلك، فأسلموا ترشدوا، فأسلموا وكان لهم صنم وله سادن يقال له: غاوي بن عبد العزى، فدخل يومًا على الصنم فرأى ثعلبين يبولان عليه فقال: أَربٌّ يبول الثعلبانِ برأسه … لقد ذَلَّ من بالت عليه الثعالب ثم شد على الصنم فكسره وجاء رسول الله ﷺ مسلمًا فقال له: "ما اسمك"؟ فقال: غاوي بن عبد العزى، فقال: "أَنتَ راشدُ بنُ عبدِ رَبِّه" وحَسُنَ إسلامه، وأقطعه رسولُ الله ﷺ رُهاطًا وفيها عين يقال لها: عين الرسول، وعقد له لواءً على قومه وقال: "خَيْرُ سليمٍ راشِد" وكان يَقْدُمُ سُلَيْمًا أنسُ بن عباس يوم الفتح (٣). ولما نزل رسولُ الله ﷺ -قُدَيْدًا وافته القبائِلُ من الأعراب الذين حول المدينة: أسْلَم

стр. 1655

وغِفار ومزينةُ وجهينةُ وأشجع ونحوهم، فعقَد لهم الراياتِ وفرَّقها فيهم، ولحقه عُيَينةُ ابنُ حِصن بالعرج والأقرع بن حابس بالسُّقْيا (١). قال البلاذري: ولقيه العباس بن عبد المطلب بذي الحليفة قد أظهر إسلامه، فأمره أن يبعث بثقله إلى المدينة ويعودَ ليشهدَ فتح مكّة وقال له: "يا عَمِّ، هِجرتُكَ آخِرُ هِجرَةٍ، كما أنَّ نُبُوَّتي آخِرُ نبوَّةٍ" (٢). وعمّى الله الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبرٌ عن رسول الله ﷺ ولا يدرون ما هو فاعِلٌ. وقال الواقدي: نَزلَ رسولُ الله ﷺ بالعرج، ولا يعلم النَّاس أين يقصد إلى قريش أو إلى هوازن أو إلى ثقيف، فقال كعب بن مالك: أنا أعلم لكم علمه، فجاء فجثا بين يديه وقال: [من الوافر] قضينا من تِهامةَ كُلَّ رَيْبٍ … وخيبرَ ثُمَّ أَجمَمْنا السُّيوفا نُسائِلُها ولو نَطَقت لقالَتْ … قَواطعُهنَّ دَوسًا أو ثَقيفا ولستُ لمالك إن لم تَرَوْها … بساحة دارهم مِنّا ألوفا ونَنتَزغُ الخيام ببطن وَجٍّ … ونَتركُ دارَهم منهم خُلُوفا فتبسم رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا، فلما نزل مَرَّ الظهران تيقنوا أنَّه قاصدٌ مكَّةَ (٣). وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكَدِيدَ ثم أفطر (٤). قال الزهري: وكان الفِطْر آخر الأمرين من رسول الله ﷺ وإنما يؤخذ من أمر رسول الله ﷺ بالآخِر فالآخِر. أخرجه مسلم (٥). وقال ابن عباس: خرج رسول الله ﷺ إلى مكة فصام حتى بلغ عُسْفان، ثم دعا بماءٍ

стр. 1656

فرفعه على يده ليريه الناس فأفطر حتى قدم مكّة، وذلك في رمضان، وكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله ﷺ وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر (١). وأخرجه الحميدي وفيه: خرج رسولُ الله ﷺ من المدينة في عشرة آلاف وذلك على رأس ثماني سنين ونصف من هجرته أو من مقدمه المدينة، فسار بمن معه من المسلمين إلى مكّة يصوم ويصومون حتى بلغ الكَديد، وهو ما بين عُسْفانَ وقُدَيْد أفطر وأفطروا، فلم يزل مفطرًا حتى انسلخ الشهر فصبَّح رسول الله ﷺ مكّة لثلاث عشرة مضت من رمضان (٢). ولمسلم: عن جابر قال: لما بلغ رسول الله ﷺ كُراعَ الغَميم وصام الناس، قيل له: قد شق على الناس، فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه، فأفطر بعضهم وصام البعض، وبلغ رسول الله ﷺ فقال: "أُولئكَ العُصاةُ" (٣). قال الواقدي: ولما كانتِ الليلةُ التي نزل بها رسول الله ﷺ مَرَّ الظهران خرج أبو سفيان بن حرب وحكيمُ بن حزام وبُدَيْلُ بن ورقاء الخزاعي - وكان نازلًا بمكة - يتجسَّسون الأخبار، فقال العباس ﵁: واسوءَ صباحاه، والله لئن بَغَت ابن أخي قريشًا في دارها ودخل مكّة عَنْوَةً إنه لَهلاكُ [قريشٍ] آخرَ الدهر، قال: فجلست على بغلةِ رسول الله ﷺ البيضاء وقلت: أَخْرُجُ إلى الأَراك لعلي أرى حطَّابًا أو صاحبَ لبن يدخل مكّة فيخبرهم بمكانِ رسول الله ﷺ فيأتونه فيأخذون منه أمانًا. قال العباس: فوالله إنِّي لأطوف في الأَراك إذ سمعت صوتَ أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وأبو سفيان يقول: والله ما رأيت نيرانًا مثل هذه، فقال بُدَيْلٌ: هذه نيرانُ خُزاعةَ، وكانوا قد أوقدوا في تلك الليلة عشرة آلاف نار، فقال أبو سفيان: خزاعة أقلُّ من ذلك وأذلُّ، قال العباس: فناديته: أبا سفيان، فَعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، فقال: لبيك، فداك أبي وأمي ما وراءك؟ قلت: هذا رسول الله ﷺ قد دَلَفَ إليكم في عشرةِ آلافٍ من المسلمين ولا قِبَلَ لكم به، وقلت: اركب على

стр. 1657

عَجُزِ هذه البغلة فأستأمنُ لك رسول الله ﷺ فوالله لئن ظَفِرَ بك لَيَضْرِبَنَّ عُنقَكَ، قال: فَرَدِفَني فخرجت أَركضُ البَغْلةَ، فكلّما مررت بنارٍ قالوا: هذا عمُّ رسول الله ﷺ على بغلته، حتَّى مررتُ بنارِ عمر بن الخطاب ﵁ فلما رأى أبا سفيان عرفه فقال: الحمد لله الذي أمكن منك يا عدوَّ الله بغير عقد ولا عهد، ثم اشتد نَحو رسولِ الله ﷺ وركَضْتُ البغلةَ حتى اقتحمت باب القبة فسبقته، ثم جاء فقال: يا رسولَ الله، هذا عدوُّ الله ابنُ حرب قد أمكن الله منه فدعني أَضْرب عنقه، قال: فقلت: فإني قد أجرته فلا سبيل عليه، فأكثر عمر القول، فقلت: يا ابن الخطاب والله ما تَفْعَلُ هذا إلا لأنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان رجلًا من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، فقال: مهلاً يا عباس، فوالله إن إسلامَك يومَ أسلمتَ كان أحبَّ إلي من إسلام الخطَّابِ لو أسلم، لأنَّ إسلامَك سرَّ رسولَ الله ﷺ [فقال رسول الله ﷺ ] "قد أجرنا من أجرتَ وأمنّا من أمنتَ فاذهب به حيثُ شئت، حتَّى تغْدوَ به عليَّ الغَداة"، قال: فذهبتُ به إلى منزلي ثم عدتُ به على رسول الله ﷺ فقال له: "ويحَكَ يا أبا سُفيانَ، ألم يأْنِ لكَ أن تَعلَمَ أنِّي رسولُ الله" فقال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك، أما هذه ففي النَّفس منها شيء، فقال له العباس: ويحك أسلم وإلا قتلك، فأَسْلَمَ (١). وروي أنَّه قال له رسول الله ﷺ : "ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلَّا الله؟ " فقال: بلى بأبي أنت وأمي، قد كان يقع في نفسي أن لو كان مع الله إله لأغنى عنا شيئًا. ثم أسلم. ثم قال رسول الله ﷺ : يا عم، اذهب به فاحبسه عند خَطْم الجبل بمضيق الوادي حتَّى يمرَّ عليه جندُ الله، قال العباس: فقلت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجلٌ يُحِبُّ الفَخْرَ فاجعل له شيئًا يكون له فخرًا له في قومه، فقال: "مَن دَخلَ دارَ أَبي سُفيانَ فهو آمِنٌ، ومَن أَغلَقَ بابَه فهو آَمِنٌ". ومضيت به إلى خَطْمِ الجبل وجعلتِ القبائلُ تمر به فيقول: من هؤلاء؟ فأقول سُلَيم، فيقول: مالي ولسُلَيْم، ويمر بجُهَيْنةَ فيقول: من هذه؟ فأقول جهينة، فيقول: مالي ولجهينة، كذلك حتى أقبل موكبُ رسولِ الله ﷺ والكتيبةُ الخضراءُ وفيها رسول الله ﷺ والمهاجرون والأنصار في الحديد لا يُرى منهم إلَّا الحَدَقُ

стр. 1658

فقال: من هؤلاء؟ قلت: كتيبة رسول الله ﷺ فقال: لقد أوتي ابن أخيك ملكًا عظيمًا، فقلت: ويحك إنَّما هو النبوة، فقال: نعم، فقلت: اِلحقْ بقومك فحذَّرهم، فذهب سريعًا حتَّى دخل المسجد فصرخ بأعلى صوته: يا معاشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به، قالوا: وما ترى؟ قال: من دخل داري فهو آمن، قالوا: ويحك فما تُغني عنا دارك؟ قال: من دخل المسجد أو أغلق بابه فهو آمن، ثم جاء ليدخل داره فقالت له هند: وراءك قبحك الله، فإنَّك شرُّ وافدٍ (١). فإن قيل: فلم خص رسول الله ﷺ دار أبي سفيان؟ قلنا: لوجهين: أحدهما: لما ذكر العباس. والثاني: لأنَّ النبي ﷺ كان إذا أوذي بمكة ونالت قريش منه دخل دار أبي سفيان فأَمِنَ (٢). قال الزهري: فأراد رسول الله ﷺ مكافأته على ذلك وحَقْنَ دمِه، لأنَّ قلوب أصحابه ﵃ كانت حَرَّى عليه. وحكى الطبري في إسلام أبي سفيان وجهًا آخر: عن ابن عباس قال: لقي أبو سفيان بن حرب وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة رسول الله ﷺ بنيق العُقاب بين مكّة والمدينة، فحجبهما، فقالت أم سلمة: يا رسول الله، ابنُ عمك وصِهْرُكَ، تشير إلى أبي سفيان وأخيها عبد الله، فقال: "لا حاجة لي بهما بعدما قالا وفعلا" فخرج الخبر إليهما، وكان مع أبي سفيان ولدٌ له صغير فقال: والله لتأذنن لي أو لآخذن بيد ابني هذا ثم لنذهبنَّ في الأرض حتى نموت جُوعًا وعطشًا، فأذن لهما بعدما رقَّ لهما، فلما دخلا عليه أسلما، وقال أبو سفيان أبياتًا في مدح رسول الله ﷺ منها: وهادٍ هداني غير نفسي ونالني … مع الله من طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ فضرب رسول الله ﷺ بيده في صدر أبي سفيان وقال: "أنت فعلت هذا" (٣).

стр. 1659

قال المصنف ﵀: وهذه رواية شاذة. وقد أخرج الحميدي من أفراد البخاري حديثًا: عن [هشام بن] عروة بن الزبير، عن أبيه قال: لما سار رسولُ الله ﷺ إلى مكَّةَ عامَ الفتح وبلغ ذلك قريشًا، خرج أبو سفيان وحكيمُ بن حزام وبُدَيْلُ بن ورقاء يتحسسون الخبر عن رسول الله ﷺ ، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مَرَّ الظهران، فإذا هم بنيرانٍ كأنها نيرانُ عَرَفَةَ، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنَّها نيرانُ عرفة، فقال بديلُ بن وَرْقاء: هذه نيران بني عمرو بن عوف، يعني الأنصار، فقال أبو سفيان: هم أقلُّ من هذا، فرآهم ناس من حرسِ رسولِ الله ﷺ فأدركوهم فأخذوهم، فأتَوْا بهم رسولَ الله ﷺ فأسلم أبو سفيان، فلما سارَ رسولُ الله ﷺ قال للعباس: "احتَبسْ أَبا سُفيانَ عندَ خَطْمِ الجبَلِ حتَّى يَنظُرَ إلى المُسلمِينَ" فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمرُّ عليه كتيبةً كتيبةً، فمرت كتيبة فقال للعباس: من هذه؟ قال: غِفار، فقال: مالي ولغِفار، ثم مرت جُهينة وبنو سليم وسعد بن هُذَيْم وهو يقول كذلك، حتَّى أقبلت كتيبةٌ لم يَرَ مثلَها قال: من هذه؟ قال: الأنْصار عليهم سعد بن عبادة بيده الرايةُ، فلما رأى سعدٌ أبا سفيان قال له: يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستَحلُّ الكعبة - والملحمة: الحربُ - فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الذِّمار - بذال معجمة - يوم يحمي الإنسان أهله، كأنه تمنى ذلك، ثم جاءت كتيبة وهي أجلُّ الكتائب فيهم رسولُ الله ﷺ والمهاجرون ورايته بيد الزبير بن العوام، فلما مر رسول الله ﷺ بأبي سفيان قال له: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: ما قال؟ قال: كذا وكذا، قال: "كَذَبَ سَعدٌ، ولكِنْ هَذا يَومٌ يُعظِّمُ اللهُ فيه الكَعْبةَ". وأمر رسول الله ﷺ أن تُركَزَ رايتُه بالحَجون، وأمر رسول الله ﷺ خالد بن الوليد أن يدخل مكّة من أعلاها من كَداء، ودخل رسول الله ﷺ من كُدًى، فَقُتِلَ من خيل خالد بن الوليد يومئذٍ رجلان: حُبَيشُ بنُ الأَشعر وكُرْزُ بنُ جابر الفِهْري. انفرد بإخراجه البخاري (١). وقال نافع بن جبير: سمعت العباس يقول للزبير بن العوام لما رَكَزَ رايته بالحَجون: يا أبا عبد الله أههنا أَمَرَكَ رسول الله ﷺ أن تركُزَ الرايةَ؟ قال: نعم (٢).

стр. 1660

وفي رواية الواقدي: أَنَّ سعدًا نادى أبا سفيان: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذلَّ الله قريشًا، فقال رسول الله ﷺ : "اليومَ يومُ الرَّحمة، اليوم أَعزَّ اللهُ قُريشًا" (١). و"كَدَاءُ": بالمد وفتح الكاف: موضع بأعلى مكّة. و"كُدَى" بضم الكاف والقَصر: موضع بأرضٍ أسفَلَ مكّة. قال ابن إسحاق: قال رسولُ الله ﷺ للزبير ﵁: أقم هنا عند الحَجون بالراية ولا تبرحْ مكانك حتَّى آتيك، وكان في طريق خالد بنو بكر بن عبد مناف والأحابيش، كانت قريش قد استنفرتهم فمنعوا خالدًا من الدُّخُول فقاتَلهم فانهزموا، وكان رسولُ الله ﷺ قد أوصى خالدًا والزبير رضوان الله عليهما وقال لهما: "لا تقاتلا إلَّا من قاتلكما". وقال الواقدي: أمر رسولُ الله ﷺ الزبيرَ أن يدخل من كَداء وسعد بن عبادة من كُدى، ولما عزم سعدٌ على الدخول سمعه رجل من المهاجرين يقول: اليوم يوم الملحمة وتُسْتَحلُّ الحرمة، فقال: يا رسول الله لا نأمن أن يكون لسعد في قريشٍ اليومَ صَوْلَةٌ؛ إنه يقولُ كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ لعلي ﵁: "أَدْرِكْه فخذِ الرَّاية منه وادخُلْ بها ولا تُقاتِلْ أَحَدًا إلَّا أَن يُقاتلَكَ"، ولما قال سعد ما قال شق ذلك على قريش، فعارضت امرأة رسول الله ﷺ وقالت (٢): [من الخفيف] يا نَبيَّ الهدى إليك لجا حيْـ … ـيُ قُريشٍ ولاتَ حينَ لَجاءِ حين ضاقَتْ عليهمُ سعةُ الأَر … ضِ وعادَاهم إله السَّماءِ إِنَّ سعدًا يُريدُ قاصمة الظهـ … ـرِ بأَهل الحجونِ والبطحاءِ خَزْرجيٌّ لو يستطيعُ من الغيـ … ـظِ رمانا بأَنْجُمِ العوَّاءِ فانهينه فإنه الأَسد الأسوَ … دُ والليثُ والغٌ في الدماءِ فلئن أَقحم اللواءَ ونادى … يا حماةَ اللواءِ يوم اللقاءِ لتكونَنَّ بالبقاعِ قُريشٌ … نهبةَ القاعِ في أكفِّ الإِماءِ إنه مصلتٌ يديرُ لها الرأ … يَ صَموتٌ كالحيَّةِ الرَّقطاءِ

стр. 1661

وَغِرُ الصدر لا يَهمُّ بشيءٍ … غير سفكِ الدما وسبي النساءِ وقيل: إن الشعر لضرار بن الخطاب الفهري. وروى ابن إسحاق عن أم هانئ أنها جاءت إلى فاطمة فقالت: ألا تعذريني من زوجك، استجار بي رجلان من أحمائي من بني مخزوم فزعَمَ زوجُكِ أَنه يقتلُهما، فقالت فاطمة: ومالك والمشركين تجيريهم علينا، فوجَدَتْها أشدَّ من زوجها، فأتت رسول الله ﷺ فأجارهما (١). وقال الواقدي: دخل الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة على أم هانئ يومَ الفتح فاستجارا بها، فدخل عليها أخوها علي ﵁ فلما رآهما شَهَرَ السَّيْفَ عليهِما، فقامت إليه أم هانئ فاعتَنَقَتْهُ وقالت: أتصنع بي هذا من بين سائر النَّاس لتبدأَنَّ بي قبلهما، فقال: أتجيرين المشركين؟! وخرج. قالت: فأتيتُ رسولَ الله ﷺ فأخبرته فقال: "قد أَجَرنا مَنْ أَجَرْتِ وأمَّنَّا مَن أمَّنْتِ" فرجعت إليهما فأخبرتهما فرجعا إلى منازلهما، فقيل لرسول الله ﷺ : هما جالسان في ناديهما، فقال: "لا سَبيلَ عليهما قَد أمَّنَّاهُما"، ثم قال الحارث: فاستحييتُ من رسول الله ﷺ أن أراه وقد قاتلته في كل موطن، ثم أذكر بِرَّه وصِلَته فجئته مسلمًا فقال: "الحمدُ لله الذي هَداكَ للإسلَامِ" (٢). وقال الواقدي: مرَّ رسول الله ﷺ يوم الفتح وهو على ناقته وعلى رأسه المِغْفَرُ وأبو بكر ﵁ إلى جانبه، فرأى بنات سعيد قد نشرن شُعورَهُنَّ وهُنَّ يَلْطمن وجوهَ الخيل بخُمُرِهِنَّ، فتبسم رسول الله ﷺ وقال لأبي بكر رضوان الله عليه: أنشدني قول حسان فأنشد (٣): [من الوافر] تظلُّ جيادُنا مُتَمطِّراتٍ … يُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النَّساءُ واختلفوا إلى من دفع رسول الله ﷺ الراية على ثلاثة أقوال:

стр. 1662

أحدها: إلى علي رضوان الله عليه وقد ذكرناه. والثاني: إلى الزبير ﵁. والثالث: إلى قيس بن سعد بن عبادة. قال ابن الكلبي: قال رسول الله ﷺ لقيس: "اذهب إلى أبيك فخذ منه الراية" فجاء قيس إلى أبيه فقال: ادفع إليّ الراية فامتنع وقال: لا أسلمها إلَّا بأمارة، فعاد قيس إلى رسول الله ﷺ فأخبره فدفع إليه عمامته فعرفها سعد فدفع إليه الراية (١). قال الكلبي: فأحب رسول الله أن لا يخيب قصد المرأة ولا يشق على سعد فدفع الراية إلى ابنه. وقال الواقدي: أمر رسول الله ﷺ خالدًا أن يدخل من الليط أَسفل [مكة وفيها أسلم وسليم] (٢) وغفار وجهينة ومزينة، وكان خالد على المجنِّبة اليُمنى، والزبير ﵁ على اليسرى، ودخل رسول الله ﷺ من أَذاخِرَ فنزل بأعلى مكّة وضربت له قبة هناك. وكان صفوان بن أمية، وعكرمةُ بن أبي جهل، وسُهيل بن عمرو، وأوباش قريش والعبيدُ قد اجتمعوا بالخَنْدَمَة ليُقاتلوا رسول الله ﷺ وكان خالد في مقابلتهم فانهزموا، وكان حِماسُ بن قيس بن خالد البكري قَبْلَ مَقْدَمِ رسولِ الله ﷺ يَريشُ نَبْلاً له ويُصْلِحُه، فقالت له امرأته: لمن تصنع هذا؟ فقال: لمحمد وأصحابه، فقالت: والله ما أرى شيئًا يقوم لِمُحمدٍ، فقال: والله إني لأرجو أن أُخْدِمَكِ بعض أصحابه، ثم قال: إن يُقبلوا اليوم فمالي عِلّهْ … هذا سلاح كاملٌ وأَلَّهْ ثم شهد الخندمة، وأقبل منهزمًا حتَّى أتى بيته، فدخل فقالت له زوجته: أين الخادم الذي وعدتني به ما زلت منتظرتك منذ اليوم؟ فقال: دعي عنك هذا، أَغْلقي بابي فمن أغلق بابه فهو آمن، فقالت: ويحك، أَلم أَنْهَكَ عن قتالِ محمدٍ؟ فقال: [من الرجز] إنك لو شهدتِ يوم الخَندمهْ إذ فَرَّ صَفْوان وفَر عِكْرِمهْ وأبو يزيد قائمٌ كالموتَمَهْ

стр. 1663

واستقبلتهم بالسيوفِ المسلمهْ يَقْطعْنَ كلَّ ساعدٍ وجُمجمهْ ضربًا فلا تَسْمَعُ إلَّا غمغمَهْ (١) لهم نَهِيتٌ خلفنا وهَمْهَمَهْ لم تنطقي في اللوم أَدنى كلمهْ (٢) قال هشام: دَخل رسول الله ﷺ يوم الفتح، وأُسَيد بن حُضير رضوان الله عليه في كتيبته الخضراء، على ناقته القصواء، وكان نهى عن القتال، فرأى بارقة السيوف فأرسل إلى خالدٍ وقال: أَلم أنْهَكَ عن السيفِ؟ فقال: ما وقع في أُذني إلَّا ضَعِ السيفَ، إنهم قاتلوني فقاتلتهم، فقال رسول الله ﷺ : أَمر الله خيرٌ. قال الواقدي: قُتِل من المشركين بالخَنْدَمةِ أَربعةٌ وعشرون من قريش، وأَربعةٌ من هُذَيْل، واستُشهد من المسلمين ثلاثةٌ: كُرْزُ بن جابر بن حُسَيْل أَبو عبد الرحمن الفِهري، وأُمه أسماء بنت مالك فِهريَّةٌ، وهو من الطبقة الثالثةِ من المهاجرين، وهو الذي أَغار على سَرْحِ المدينةِ وأَخذ لقاح رسول الله ﷺ في السنة الثانيةِ من الهجرة، ثم منَّ الله عليه بالإسلام في السَّنةِ الثَّانية أيضًا، وشهدَ الحديبيةَ وخيبر (٣). وعن أبي هريرة قال: أَقبل رسولُ الله ﷺ يوم الفتح فدخل مكَّةَ، وبعث الزُّبير على إحدى المجنَّبتين، وبعث خالدًا على المجنَّبةِ الأُخرى، وبعثَ أَبا عبيدةَ على الحُسَّرِ، فأَخذوا بطن الوادي، ورسولُ الله ﷺ في كتيبةٍ، وقد وبَّشَت قريشٌ أَوباشَها وقالوا: نُقَدِّمُ هؤلاءِ، فإن كان لهم شيءٌ، كُنّا معهم وإن أُصيبوا، أَعطينا الذي سُئِلنا. قال أبو هريرة: ففطن رسول الله ﷺ فقال لي: "اهتِفْ بالأَنصارِ" فهتفتُ بهم فجاءوا فأَطافوا برسول الله ﷺ فقال: "أَلا تَرَوْنَ إِلى أَوْباشِ قُريشٍ وأَتْباعهم"؟ ثم قال

стр. 1664

بيدَيْهِ إحداهما على الأخرى "احصُدُوهم حَصدًا حتى تُوافوني بالصَّفا" قال: فانطلقنا فما يشاء أَحد منّا أن يقتل منهم من شاء إلا قتله، وما أَحد منهم يُوجِّه إلينا شيئًا، فجاء أبو سفيان فقال: أُبيدَتْ أَو أُبيحت خَضراءُ قريش، لا قُريشَ بعد اليوم، فقال رسول الله ﷺ : "مَن أَغلَقَ بابَه فَهو آمِنٌ، ومَن دَخَل دارَ أَبي سُفيانَ فهو آمِنٌ" فغلق النَّاسُ أبوابهم، وأَقبل النَّاس إلى دار أبي سفيان، وأقبل رسول الله ﷺ [إلى] الحِجْرِ وطاف بالبيتِ وفي يده قوسٌ قد أَخَذَ بِسِيَتِهِ، فأَتى في طوافه على صنم إلى جانب البيتِ يعبدونه، فجعل يطعن بها في عينه ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] ثم أتى الصفا فعلاه حيثُ ينظر إلى البيت ورفع يديه، وجعل يذكر الله بما شاء أَن يذكره ويدعوه [والأنصار تحته، قال] يقول بعضهم: أَما الرجلُ فقد أدركَتْه رغبةٌ في قرابته، ورأفةٌ بعشيرته، وجاءه الوحي، وكان إذا جاء لم يرفع أَحدٌ منا طَرْفَه إلى رسول الله ﷺ حتَّى يقضي. فلما قضى رفع رأسه وقال: "يا معاشرَ الأَنصارِ، أَقُلتُم كَذا وكَذا"؟ فقالوا: نعم، فقال: "كَلاَّ، ما اسمي إذًا، إنِّي عبد الله ورسولُه، هاجرتُ إلى الله وإليكم، فالمَحْيا مَحياكُم، والمَماتُ مماتُكُم"، فأقبلوا يبكون ويقولون: والله ما قُلنا إلَّا ضِنًّا بالله ورسوله، فقال: "إنَّ اللهَ ورَسُولَهُ يُصدِّقانِكُم". انفرد بإخراجه مسلم (١). وعن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح وحولَ الكعبة ثلاث مئةٍ وستون صنمًا، فجعل يطعنُها بعودٍ في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: ٤٩]. أَخرجاه في "الصحيحين" (٢). وقال هشام: ما دخل رسول الله ﷺ مكَّة إلَّا محرمًا، إلَّا في يوم الفتح فإنَّه دخلها وعليه السلاح. ولما استقر في المسجد طافَ وسعى وجلس في ناحية المسجد. وعن أَبي هريرة قال: دخل رسول الله ﷺ يومَ الفتح مكّةَ وعليه عمامةٌ سوداء ورايتُه سوداء ولواؤه أسود (٣).

стр. 1665

قال الواقدي: والتفت رسول الله ﷺ إلى بَعْضِ الأَنصارِ فقال له: كيف قال حسَّان ابن ثابت؟ فأنشده: [من الوافر] عَدِمنا خَيْلَنا إن لم تَرَوْها … تُثير النَّقْع من طرفي كَداءِ (١) وهو إقواء من أبياتٍ أَوَّلُها: عَفَت ذاتُ الأَصابعِ فالجِواءُ … إِلى عَذْراءَ منزلُها خَلاءُ كأنَّ سلافةً من بيتِ رأسٍ … يكونُ مِزاجَها عسلٌ وماءُ ونَشربُها فَتَتركُنا ملوكًا … وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا اللِّقاءُ عَدِمنا خَيلنا إن لم تَروْها … تَسيلُ بها كُديٌّ أَو كَداءُ يُنازِعْنَ الأعنَّةَ مُصغياتٍ … على أكتافها الأَسَلُ الظِّماءُ تظلُّ جيادُنا متمطِّراتٍ … يُلَطَّمُهُنَّ بالخُمُرِ النساءُ فإِمَّا تُعْرِضُوا عنا اعْتَمرنا … وكانَ الفَتْحُ وانكشَفَ الغِطاءُ وإلَّا فاصبروا لِجلادِ يَومٍ … يُعينُ الله فيه مَنْ يشاءُ وجبريلٌ رسولُ الله فينا … وروحُ القُدْسِ ليس له كِفاءُ لنا في كلِّ يوم من مَعَدٍّ … قِتال أو سِبابٌ أو هِجاءُ هَجَوْتَ محمَّدًا فأجَبْتُ عنه … وعِنْدَ الله في ذاكَ الجزاءُ أتذكرُهُ ولستَ له بكُفءٍ … فشرُّكُما لخيرِكُما الفِداءُ ومَنْ يَهجو رَسولَ اللهِ مِنكم … ويَمدَحُهُ ويَنصُرُه سَواءُ فإنَّ أبي ووالدتي وعِرْضي … لِعرضِ محمد منكم فِداءُ وعن أبيّ بن كعب قال: لما كانَ يومُ أُحُدٍ قُتِل من الأَنْصار ستّون رجلًا وستّةٌ من المهاجرين، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : إن كان لنا يومٌ مثلُ هذا من المشركين لنُرْبيَنَّ عليهم، فلما كان يوم الفتح قال رجل لا يُعْرَفُ: لا قُريشَ بعد اليوم، فنادى منادي رسول الله ﷺ : أمِنَ الأسودُ والأبيضُ إلَّا فلانًا وفلانًا، ناسٌ سمّاهم رسول الله

стр. 1666

ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] الآية، فقال رسول الله ﷺ : "نَصبِرُ ولا نُعاقِبُ" (١). وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: حدّثنا يحيى، عن حسين المعلِّم، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لما فُتِحت مكَّةُ على رسولِ الله ﷺ قال: "كُفُّوا السِّلاحَ، إلَّا خُرْاعةَ عن بَني بَكْرٍ" فأذِنَ لهم رسولُ الله ﷺ في ذلك حتى صلى العصر، ثم قال: "كُفُّوا السِّلاح" فلقي رجل من خزاعة رجلًا من بني بكر عِنْدَ المُزْدَلِفة فقتله، وبلغ رسولَ الله ﷺ فقام خطيبًا مُسْنِدًا ظهرَهُ إلى الكعبة فقال: "إنَّ أَعدَى النَّاسِ على الله مَن قَتَل في الحَرَمِ، أو قَتَلَ غَيرَ قاتِلِه، أو قَتَلَ بذُحُولِ الجاهليَّةِ" (٢). وقال الحارث بن البرصاء: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول يوم الفتح: "لا تُغزى قريش بعد هذا اليومِ إلى يوم القيامة" يعني على: كفر (٣). ذكر حديث أَخْذِ المفتاح: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: لما دخلَ النبيُّ ﷺ يومَ الفَتْحِ إلى مكّة بعث إلى أم عُثمان بن طلحة أَنِ: "ابعثِي إلينا مِفتاحَ البَيتِ" قالت: لا واللات والعزى لا أبعث به إليه، فأراد رسول الله ﷺ أن يَبعث إليها من يأخذه منها قَهْرًا، فقال ابنها عثمانُ: يا رسول الله، إنَّها حديثة عهد بكفر فابعثني إليها، فقال له: "اذهب" فجاءها فقال: يا أماه، قد حدث أمر غير الذي كان، فإن لم تَدْفعي المِفتاحَ قُتِلْتُ أنا وأخي، فدفعته إليه، فجاء به مسرعًا، فلما دنا من رسول الله ﷺ عثر فَوقَع المفتاحُ من يده، فقام رسولُ الله ﷺ فحنا عليه وفتح الباب ودخل، فَقام عند أركان البيت وأرجائِه يدعو، ثم صلى ركعتين بين الأسطوانتين ثم خرج، فقام على الباب، فتطاول إليه العباس رجاء أن يجمع له بين السقاية والحِجابة، فقال: "يا عُثمانُ، خذ ما أعطاكم الله، خذوها خالدةً

стр. 1667

تالدةً لا يَنْزِعُها عنكم إلا ظالم" (١). وفي "زاد المسير": عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ طلب مفتاحَ البيت يوم الفتح من عُثمان بن طلحة، فذهب عثمان ليعطيه إياه فقال له العباس: بأبي أنت وأمي اجمعه لي مع السقاية، فكفَّ عثمانُ يده مخافة أن يُعْطِيَهُ للعباس، فقال النبي ﷺ : "يا عُثمانُ، هاتِ المفتاحَ" فأعاد العباس قوله، وكف عثمانُ يدَه، فقال رسول الله ﷺ : "هاتِ المفتاحَ إنْ كُنتَ تُؤمنُ بالله واليومِ الآخِرِ" فقال: هاكه يا رسول الله بأمانة الله، ففتح البيت ودخل فنزل جبريل بهذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢) [النساء: ٥٨]. قال العلماء: هذه الآية وإن نزلت على سبب فهي عامة في الودائع وغيرها من الأمانات. وقال الواقدي: أمر رسول الله ﷺ بلالًا أن يمضي إلى عُثمان بن طلحة ويأتيه بالمفتاح، فجاء بلال إليه وقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تأتي بمفتاح الكعبة -[ومفتاح الكعبة] يومئذ عند أمه وهي بنت شُهَيْد - فقال لها عُثمان: يا أماه إن رسول الله ﷺ قد أرسل يطلب المفتاح، فقالت له: أعيذك بالله أن تكون الذي يذهب بمأثُرةِ قومِه، فقال: لتدفعنَّه إلي أو ليأتينك غيري فيأخذه منك، فأدخلته في حُجْزَتها وقالت: أي رجل يدخل يده ها هنا؟، فبينما هما على ذلك إذ سمع صوت أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما في الدار وعمر يقول: أخرج يا عُثمان، فقالت أمه: يا بنيَّ خُذْهُ أنت أحب إلي من أن يأخذه غيرك، فأتى به رسولَ الله ﷺ فناوله إياه … وذكر الحديث (٣). قال الواقدي: وقد سمعت في المفتاح وجهًا آخر عن ابن عمر ﵁ قال: أقبل رسول الله ﷺ [يوم الفتح على بعير لأسامة بن زيد، وأسامة رديف رسول الله ﷺ ومعه

стр. 1668

بلال وعثمان بن طلحة، فلما بلغا رأس الثنية أرسل عثمان فجاءه بالمفتاح فاستقبله به، قالوا: وكان عثمان قدم على رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص مسلمًا قبل الفتح، فخرج معنا من المدينة (١). وقال الواقدي: وكان رسول الله ﷺ قد قبض السقاية من العباس وقبض المفتاح من عثمان، فلما جلس قال: "ادعوا إليَّ عثمان" فدعي له عثمان بن طلحة، وكان رسول الله ﷺ ] قد قال لعثمان بن طلحة يومًا بمكة وهو يدعوه إلى الإسلام والمفتاح بيد عُثمان: "لعلَّكَ يا عثمانُ ترى هذا المفتاح بيَدِي أَضَعه حيثُ شِئتُ"، فقال له عثمان: لقد هَلكَت قُريشٌ وذلَّت، فقال رسول الله ﷺ : "بَل عَمَرَتْ وعَزَّت". فلما دفع إليه المفتاح وولى ناداه رسول الله ﷺ فقال له: "يا عُثمان، أَتَذكُر يَومَ كَذا وكَذا؟ " فذكر عثمان فقال: أشهد أنك رسول الله (٢). وعن ابن عباس قال: خطب رسول الله ﷺ يوم الفتح فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه ثم قال: "أَيُّها النَّاسُ، إنَّكم مِن آدَمَ وآدَمُ من التَّرابِ" ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] ثم قال: "يا مَعاشِرَ قُريشٍ، ماذا تَرونَ أنِّي فاعِلٌ بِكُم؟ " قالوا: خيرًا، قال: "اذهَبُوا فَأَنتُمُ الطُّلَقاءُ". فأعتقهم رسولُ الله ﷺ وقد كان الله أمكَنَهُ من رِقابهم وكانوا قباله، فلذلك يسمون الطلقاء (٣). ثم قال: "ألا كل دَيْن ودَمٍ ودَعْوى ومأَثُرةٍ كان في الجاهلية فهو تحت قدمي، وأول ما أضَعُ دمَ ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب" (٤) وذكر بمعنى ما ذكر الواقدي ثم قال: "يا معاشر قريش قد أذهب الله عنكم نَخْوَةَ الجاهلية". وابن ربيعة بن الحارث اسمه آدم، وقيل: إياس، وقيل: تَمَّام، كان مسترضعًا في بني سعد أصابه حجر فقتله. قال ابن عباس: إنما خطب بعد الظهر، وفي رواية: خطب في اليوم الثاني.

стр. 1669

قال عكرمة: حدثني ابن عباس قال: وقف رسولُ الله ﷺ بالحَزْوَرةِ وقال: "واللهِ إنَّكِ لَمِنْ أَحَبِّ أَرْضِها إليَّ، وإنَّكِ لخيرُ البلادِ أو لَخيرُ أَرضِ اللهِ، ولَولا أنَّ قَومَكِ أَخرَجُوني مِنْكِ لَما خَرَجتُ" (١). "وإنَّما أُحِلَّت لي ساعةً مِن نَهارٍ، وقَد عادَت كحُرْمتِها بالأمسِ" (٢). وعن أبي هريرة قال: لما فتح الله على رسوله مكة قام فيهم فحَمِد الله وأثنى عليه ثم قال: "إنَّ اللهَ حَبَسَ عن مكَّةَ الفيلَ، وسَلَّطَ عليها رسُولَه والمؤمنِينَ، وإنَّما أُحِلَّت لي ساعةً مِن نهارٍ"، ثم قال: "هي حَرامٌ إلى يَومِ القِيامَةِ لا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُنَفَّر صَيدُها، ولا تَحلُّ لُقَطَتُها، ومَن قُتِلَ له قتيلٌ فهو بخير النظرين: إمَّا أن يفدى، وإمَّا أن يَقْتُلَ". فقام رجل من أهل اليمن يقال له: أبو شاه، فقال: يا رسول الله، اكتبوا لي. فقال: "اكتبُوا لأَبي شاهٍ". قيل: للأوزاعي: ما قوله: اكتبوا لي؟ ما يكتبون له؟ قال: خطبته التي سمعها. متفق عليه (٣). صعود بلال على ظهر الكعبة: فأذَّنَ وصعد وقريش في رؤوس الجبال، منهم الخائف ومنهم من يطلبُ الأمان، فلما قال: "الله أكبر" تزعزت بيوتُ مكّة، فلما قال: "أشهد أن لا إله إلَّا الله" خرَّت الأصنام سجَّدًا، فلما قال: "وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله" تقول جويرية بنت أبي جهل: لقد أكرم الله أبا الحكم حيث لم يسمع نهيق عَبْدِ بني جُمَح على ظهر الكعبة، قد لعمري رفع لك ذكرك، أما الصلاةُ فنصلي، ولكن والله ما نحب من قتل الأحبة أبدًا. وقال خالد بن سعيد بن العاص: الحمد لله الذي أكرم أبي فلم ير هذا اليوم ولم يسمع هذا الصوت. وقال الحارث بن هشام: واثكل أُماه ليتني مِتُّ قَبل اليوم. وقال الحكم بن مروان: هذا والله الحدث العظيم، أن يصيح عبد بني جمح ينهق على بنيَّة أبي طلحة. وقال سهيل بن عمرو: إن كان هذا سخطًا من الله فسيُغيّره، وإن كان لله فيه رضى

стр. 1670

فسيقره. وقال أبو سفيان بن حرب: أما أنا فلا أقول شيئًا، لو قلت شيئًا لأخبرته هذه الحصاة، وجاء رسولَ الله ﷺ الوحيُ بما قالوا، فجاء إليهم ووقف عليهم وقال: أنتَ قلت كذا وأنت قلت كذا، فقال أبو سفيان: وأنا قلتُ شيئًا؟ فقال: لا، وضحك (١). وقالت أم هانئ: ذهبتُ إلى رسول الله ﷺ يوم الفتح فوجدته يغتسل وابنته فاطمة تستره بثوب، فسلَّمتُ عليه، فقال: "مَن هذِه؟ " فقلت: أنا أم هاني بنت أبي طالب. فقال: "مَرحَبًا يا أُمَّ هانئ". فلما فرغ من غُسْلهِ قام فصلى ثماني ركعات مُلتحفًا في ثوب واحد، فلما انصرف من صلاتِه قلتُ: يا رسول الله، زعم ابنُ أبي أنه قاتلٌ رجلًا قد أجرتُه، فلانُ بن هبيرة، فقال رسول الله ﷺ : "قد أَجَرْنا مَن أَجَرْتِ يا أُمَّ هانئ". وكان ذلك ضُحىً. أخرجاه في "الصحيحين" ولمسلم بمعناه (٢). وعنها قالت: لما فتح الله على رسولِه مكَّة فرَّ إليَّ رجلان من أحمائي من بني مخزوم، فأجَرْتُهما وأدخلتُهما بيتي، فجاء أخي فقال: لأقتلنهما، فقلت: إني قد أجرتُهما، وأَغلقتُ عليهما بابي، ثم جئت رسولَ الله ﷺ بأعلى مكَّة فوجدته يغتسل من جَفْنَةٍ فيها من أَثر العَجين، وابنته فاطمة تسترُه بثوبٍ، فلما فرغ من غُسْلِه أخذ ثوبه فتوشحه، ثم ركع ثماني ركعات من الضحى، ثم أقبل عليّ وقال: "مَرحَبًا وأَهلًا يا أُمَّ هانئ، ما جاءَ بكِ؟ " فأخبرته الخبر فقال: "لَيسَ بقاتِلِهما" (٣). ذِكْرُ النفرِ الذين أَباح رسول الله دِماءَهم: وهم أَنس بن زُنَيمٍ بن عمرو بن عبد الله من كنانة، وهو أخو ساريةَ بنِ زُنَيمٍ صاحب وقعة نهاوَنْد، والحارثُ بنُ نُقَيد، وصفوان بن أُمية، وعبدُ الله بن خَطَل، وعبد الله بنُ سعد بن أبي سَرْح، وعكرمةُ بن أبي جهل، ومِقْيَسُ بن صبابةَ، ووحشي قاتل حمزة، وهَبّار بن الأَسود. ومن النساءِ: سارة مولاة عمرو بن هاشم بن عبد المطلب، وفَرْتنى، وقُرَيبَةُ، وهند

стр. 1671

بنت عتبة امرأة أَبي سفيان بن حرب. فأما أنس بن زنيم فكان قد نقل إلى رسول الله ﷺ أنَّه قد هجاه، فقال يعتذر (١): [من الطَّويل] أَنتَ الذي تُهدى مَعَدٌّ بأمرِهِ … بلِ الله يَهديها وقال لَكَ اشهَدِ فما حَمَلَت مِن ناقَةٍ فَوقَ رَحْلِها … أبرَّ وأَوفَى ذِمَّةً مِن مُحمَّدِ أَحثَّ على خيرٍ وأوسعَ نائلًا … إِذا راحَ يهتزُّ اهتزازَ المهنَّدِ وأكسى لبُرْدِ الخالِ قبل احْتِذائِهِ … وأعطى لرأسِ السابِح المتجَرِّدِ تعلم رسولَ الله أنَّكَ مُدْرِكي … وأنَّ وعيدًا مِنْكَ كالأَخْذِ باليدِ تعلَّمْ رسولَ اللهِ أنكَ قادِرٌ … على كلِّ سكن من تِهامٍ ومُنْجِدِ ونُبِّي رسولُ الله أَني هَجْوْتُه … فلا رفَعَتْ سَوْطي إليَّ إذًا يدي سوى أنني قد قلتُ يا ويحَ فِتْيةٍ … أُصيبوا بنحسٍ يَومَ طَلْقٍ وأَسْعُدِ ذُؤَيبًا وكُلثومًا وسَلمى تَبايَعُوا … جميعًا فإِلَّا تَدمعِ العينُ أكْمَدِ على أن سَلْمى ليس فيهم كمِثْلهِ … وإخوته أَوْ هَلْ ملوكٌ كأَعْبُدِ فإنِّيَ لا عِرضًا خَرَقْتُ ولا دَمًا … هرقت، ففكّر عالم الحق واقْصُدِ وتعلم أن الركبَ ركبُ عُوَيْمرٍ … هُمُ الكاذِبُونَ المُخْلِفُو كلَّ مَوْعِدِ يشير إلى خزاعة وما نَقلوا إلى رسول الله ﷺ عنه، عَنَى ذؤيبًا وكُلثومًا وسَلمى وكانوا من سادات العرب يُدَوْنَ بدِيَتَيْنِ لفضلهم في بني بكر، وهم: بنو الأسود بن رَزْن مروا على خزاعة فقتلوهم عند أنصاب الحرم، فكانوا سببًا لإعانةِ قريشٍ على خُزاعةَ (٢). لما قدموا على رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله إن أنس (٣) بنَ زُنَيْم الدِّيلي هجاك، فأهدر دمه، فلما قال هذه الأبيات كلَّمه فيه نوفل بن معاوية الدَّيلي سيِّدُ بكر، وقال: يا رسول الله كذبتْ عليه خزاعةُ، وأطنب فيه، فقال رسول الله ﷺ : "قد عفوت عنه".

стр. 1672

وقال بُدَيْل بن أَصْرَم يرد على أنس (١): [من الطَّويل] بكى أنسٌ رَزْنَاً فأعوزه البُكا … وأشفق لَمَّا أوقَد الحربَ مُوقِدُ ويبكي على سلمى وكلثومَ بعدَه … سقاهم بكأس الموت قيسٌ ومَعْبَدُ * * * وأمَّا الحارث بن نقيد (٢) بن وهب بن عبد بن قصي بن كلاب، ويقال له: الحويرث، كان شديدًا على رسولِ الله ﷺ يهجوه ويهجو أصحابه ويؤذيه، فلقيه علي ﵁ يوم الفتح فقتله كافرًا (٣). وكان له ولد اسمه جبير بن الحارث من التابعين، قال الواقدي: أدرك رسول الله ﷺ ولم يرو عنه شيئًا. وقال ابن عبد البر: في صحبته نَظَر (٤). وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة، روى عن أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما وغيرهما، وروى عنه عروة بن الزبير وابن المسيب وغيرهما، شهد اليرموك، فسمع صائحًا يصيح: يا خيل الله اركبي، يا معاشر المسلمين هذا يوم من أيام الله تعالى قاتلوا فيه بلا حياء. قال: فتأملتُه فإذا به أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد. * * * وأمَّا صفوان بن أمية فهرب يوم الفتح حتى أتى الشُّعَيْبَةَ ومعه غلامه يَسار فقال له: ويحك انظر من تَرى، فنظر فقال: هذا عمير بن وهب، فقال صفوان: ما أصنع بعمير، والله ما جاء إلا يريد قتلي، قد ظاهر محمدًا فلحقه، فقال: يا عمير ما كفاك ما صنعت

стр. 1673

بي؛ حمَّلْتني دَيْنَكَ وعيالَكَ وجئت تريدُ قتلي، فقال: أبا وهب، جُعِلْتُ فِداكَ جئتك من عندِ أَبرِّ النَّاس وأوصلِ الناس وقد أَمَّنَك، فقال: والله لا أرجع معك حتَّى تأتيني بعلامةٍ أَعْرِفُها، فرجع وقال: يا رسول الله قال كذا وكذا، فقال: "خذ عِمامتي" وهي البُرْدَةُ التي دخل بها رسولُ الله ﷺ يوم الفتح مُعْتَجِرًا بها، فعاد بها إليه فجاء معه فوافى النَّبي ﷺ وهو يُصلِّي العصرَ، فوقف حتَّى سلَّم وناداه: يا محمد إن هذا جاء ببردك وزعم أنك أَمَّنْتَني فقال: "نعم أَبا وهب"، فأقام مع رسول الله ﷺ على حاله حتَّى خرج معه إلى هَوازن وهو كافِرٌ. وأرسل إليه رسول الله ﷺ يستعير سلاحًا، فقال: أطَوْعًا أو كُرْهًا؟ قال: "بل عارِيَّة مؤداة" فأعاره مئة دِرْعٍ وسلاحًا وحمله إلى حنين وشهد حنَيْنًا والطائِفَ وهو على شركه، ثم رجع إلى الجِعْرانة، فبينما رسول الله ﷺ يسير في الغنائم ينظر إليها وصفوان معه، فجعل ينظر إلى شِعْبٍ مُلئ نَعَمًا وشاءً ورِعاءً، فأدام النظر إليه ورسول الله ﷺ يرمُقه فقال: "أبا وَهبٍ، يُعجبُكَ هذا الشِّعْبُ؟ " قال: نعم فقال رسول الله ﷺ : "هُوَ لَكَ وما فِيهِ"، فقال صفوان عند ذلك: ما طابت نفسُ أحدٍ بمثل هذا إلا نفسُ نبي، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأسلم مكانه (١). وكانت تحته فاختةُ بنت الوليد بن المغيرة، فأسلمت قبله ففرَّقَ الإسلامُ بينهما، فلما أسلم رُدَّت عليه بالنِّكاح الأول (٢)، وقيل: بنكاحٍ جديد. وأمَّا عبدُ الله بنُ خَطَل فقال أنس: دخل النَّبيُّ ﷺ يومَ الفتح مكَّة وعلى رأسه المِغْفَرُ، فلما نزعه جاءه جبريل فقال: ابن خَطَل متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقْتُلُوه" فقتلوه (٣). قال أبو بَرْزَةَ الأسلمي: أخرجتُه من بين أَستار الكعبةِ فضربت عنقه بين الركن والمقام، وهربت قَيْنتاه، فقُتِلَت إحداهما وعاشت الأخرى إلى زمن عثمان رضوان الله

стр. 1674

عليه، فكُسِرَ ضِلَعٌ من أضلاعها فماتت فقضى عثمان فيها بثمانية آلاف درهم، الستة آلاف دِيَتُها وألفين تعظيمًا لأَمْرِ الجنايةِ في الحرم (١). * * * وأمَّا عبد الله بن سعد بن أبي سرح فأمه مُهانةُ بنت جابر من الأشعريين، قدمت على رسولِ الله ﷺ مسلمة، فأحسن إليها ووصلها، فعادت إلى مكة مرتدة تهجوه وتهجو المسلمين، فصادفها علي رضوان الله عليه يوم الفتح فقتلها (٢). وعبد الله أخو عثمان رضوان الله عليه من الرَّضاعة، فلما كان يومُ الفتح جاء إليه وقال: أنت أخي من الرضاعة فكلِّمْ محمدًا فِيَّ، فإنَّه إن رآني قتلني، فإن ذنبي أعظم الذنوب. فلم يُرَعْ رسولُ اللهِ ﷺ إلَّا وعثمانُ ﵁ آخذٌ بيد عبد الله فقال: يا رسولَ الله، أخي من الرَّضاعة، فأعرض عنه، فردَّد عليه الكلام وأكبَّ عليه يقبِّلُ رأسَه ويقول: فداك أبي وأمي، قال: "نعم" وكان رجلٌ من الأنصار نذر أن يقتله وكان حاضِرًا، فقال له رسول الله ﷺ : "هلَّا وَفَّيتَ بنَذرِكَ" فقال: انتظرتك أن تومئ إليَّ، فقال: "الإيماءُ خيانةٌ، ما كانَ لنبيًّ أَنْ يُومئَ" (٣). * * * وأما عكرمة بن أبي جهل فإنه هرب يوم الفتح، فاستأمنت له زوجته رسولَ الله ﷺ فأمَّنَه، فخرجت في طلبه، وكان قد ركب البحر فهبَّ بهم فجعل النَّواتي يَدْعون الله ويُوَحِّدونَه فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله تعالى، فقال: هذا إله محمد الذي يدعو إليه فأرجعوني، فرجع ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فوقف بين يديه ومعه امرأته فقال: إلامَ تدعو؟ فقال: إلى شهادة أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله، وأن تقيم الصَّلاة وتؤتي الزكاة … وعدَّ له خصال الإسلام. فقال عكرمة: والله ما دعوتَ إلَّا إلى

стр. 1675

الحق. ثم أسلم، وردَّ عليه رسول الله ﷺ امرأته بالنكاح الأَول (١). وأما مِقْيسُ بن صبابة فكان رسول الله ﷺ أهدر دمه، فلما كان يومُ الفتحِ شرب الخمرَ وأصبح مصطبحًا في ندامى له، فعلم بمكانه نُميلةُ بنُ عبد الله فأتاه فوجده يترنم: [من الوافر] دَعيني أَصطَبِح بَكْرًا فَإنِّي … رَأيتُ الموتَ نقَّبَ عن هشامِ ونَقَّب عن أَبيك أبي يزيدٍ … أَخي القَيْناتِ والشَّرْبِ الكِرامِ بهم أَرسَت رَواسِيَ من ثَبيرٍ … ومن ثَوْرٍ ولم يُصْمم صَمامِ تُغنيني الحمامُ كأنَّ رَهْطي … خُزاعةُ أو أناسٌ من جُذامِ قال: فبادره نُميلةُ فضربه بالسيف حتى برد. ويقال: إنه خرج وهو يتمثل بين الصفا والمروة، فرآه المسلمون فقتلوه (٢). * * * وأما وحشي فهرب إلى الطائف، ثم قدم على رسول الله ﷺ مُسْلِمًا (٣). * * * وأما هبَّار بن الأسود فكان رسول الله ﷺ أهدر دمه فهرب يوم الفتح. قال جبير بن مطعم: كنت جالسًا معَ رسول الله ﷺ في مسجده بالمدينة منصرفه من الجِعِرَّانةِ فطلعَ هبَّارُ بن الأسود، فنظر إليه القوم وقالوا: هذا هبَّارٌ، فقال رسول الله ﷺ : "قَد رَأَيتُه"، وأراد بعض القوم أن يقوم إليه، فقال له رسول الله ﷺ : "اجْلِس" فوقف عليه هبار وقال: السلام عليك يا رسول الله، وذكر الشهادتين، ثم قال: لقد هربت منك في البلاد وأردت اللحاق بالأعاجم، ثم ذكرت عائدتك وفضلك وبرك وصفحك، واعتذر طويلًا فقال رسول الله ﷺ : "قد عَفوتُ عنك، وقد أحسنَ الله إليكَ إذ هَداكَ للإسلامِ، والإسلامُ يَجُبُّ ما قَبلهُ". وخرجت سلمى مولاةُ رسول الله ﷺ فقالت: لا أنعم

стр. 1676

الله بك عينًا، أنت الذي فعلت وفعلت، فقال: "إنَّ الإسلامَ مَحا ذلكَ" (١) ونهى رسول الله ﷺ عن سبَّه وقال له: "سُبَّ من سَبَّكَ" (٢). * * * وأما هند بنت عتبة فأسلمت. ولما قتل النفر الذين عيَّنَهم رسولُ الله ﷺ سُمع النوح عليهم بمكة، وجاءه أبو سفيان بن حرب فقال: فداك أبي وأمي، البقيةَ على قومك، فقال رسول الله ﷺ : "لا يقتل قرشي بعد اليوم صبرًا" يعني: على كفر (٣). * * * وطُلبَ عبدُ الله بنُ الزَّبَعْرى فهرب إلى نجران، فحصنوا حصنهم، وأرسل حسانُ بن ثابت إلى ابن الزَّبَعْرى بأبيات منها: [من الكامل] لا تَعدَمَنْ رَجُلًا أحلَّكَ بُغْضُه … نَجرانَ في عيشٍ أحَذَّ لئيمِ بَلِيَتْ قَناتُكَ في الحروبِ فأُلفِيَتْ … خَمّانةً جوفاء ذاتَ وُصومِ غَضَبُ الإلهِ على الزَّبَعْرى وابنه … وعذابُ سُوءٍ في الحياة مقيمِ فلما وقف على الأبيات تهيَّأ للخروج، فقال له هبيرة: أين تريد؟ قال: محمدًا، قال: تتبعه؟ قال: نعم، قال: يا ليت أني رافقتُ غيرك، والله ما ظننت أنك تتبع محمدًا أبدًا، قال: على أَيّ شيء أُقيمُ عِنْدَ الحارثِ بن كعب وأدع ابن عمي خير النَّاس وقومي وداري، وجاء إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، والحمد لله الذي هداني للإسلام، لقد عاديتك وأَجْلَبْتُ عليك، وركبت الفرس والبعير، ومشيت على قدمي في عداوتك، ثم هربت منك إلى نجران … واعتذر، فقال رسول الله ﷺ : "الحمدُ للهِ الذي هَداكَ إلى الإسلامِ، والإسلام يَجُبُّ ما قَبْلَهُ" (٤).

стр. 1677

وقال لما أسلم (١): [من الكامل] منعَ الرُّقادَ بلابلٌ وهمومُ … والليلُ معتلجُ الرواقِ بَهيمُ مِمّا أَتاني أَنَّ أَحمدَ لامَني … فيه، فبتُّ كأَنَّني محمومُ يا خَيْرَ مَنْ حملتْ على أَوصالِها … عيرانةٌ سُرُحُ اليدين غَشُومُ إِنِّي لمعتَذِرٌ إليك منَ الذي … أَسْدَيْتُ إِذْ أَنا في الضلالِ أَهيمُ أَيام تأمرني بأسوأ خُطَّةٍ … سَهْمٌ وتأمرني بها مخزومُ وأما هُبيرة فأقام بنجران ومات بها كافرًا. وأسلمت أم هانئ فكتب إليها لَمّا بلغه إسلامُها في أبيات (٢): فإن كنتِ قد تابعتِ دينَ محمَّدٍ … وقطَعَتِ الأَرحامَ مِنك حِبالُها فكوني على أعلى سحوق بهضبةٍ … مُلَمْلَمةٍ حَمراءَ يَبْسٍ بلالُها * * * وأما سهيل بن عمرو فقال: لما دخل رسول الله ﷺ مكّة أغْلَقْتُ بابي، وأرسلت إلى ابني عبد الله أن يطلب لي جوارًا من رسولِ الله ﷺ فإني لا آمن القتل، وجعلتُ أتذكَّرُ آثاري وما فعلتُ يوم الحُدَيْبِيَةِ، وقتال رسولِ اللهِ ﷺ في كلِّ مَوْطنٍ، وطلب لي عبد الله أمانًا، فقال رسول الله ﷺ : "هو آمن" وقال لمن حوله: "من لقي منكم سُهَيْلًا فلا يُحِدَّ النظر إليه، فإن له عَقْلًا وشَرفًا وَلْيَخْرُجْ من بيته آمنًا"، فأخبره ابنه بمقالةِ رسول الله ﷺ فقال سهيل: كان والله بَرًّا صغيرًا وكبيرًا. وكان سهيل يُقْبِلُ ويُدْبِرُ ولا ينظر إليه أحد، وخرج مع رسول الله ﷺ إلى حُنين وهو كافر فأسلم بالجِعِرَّانة (٣). ذِكْرُ مُبايعةِ النِّساء: قال أبو حبيبة مولى الزبير: لما كان يوم الفتح أسلمت هند بنت عتبة، وأم حكيم

стр. 1678

بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة بن أبي جهل، وكلثوم بنت المعدل كنانية امرأة صفوان بن أمية، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، ونسوةٌ من قريش، فأتين رسول الله ﷺ وهو بالأَبْطح وعنده زوجتاه وابنته فاطمة ونساء من بني عبد المطلب فبايعنه، فقالت هند: يا رسول الله، الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه، لتمسني رَحِمُك يا محمد، فإني امرأة مؤمنةٌ بالله، ثم كشفت عن نقابها وقالت: هند بنت عتبة، فقال لها: "مَرحبًا بكِ" فقالت: والله يا رسول الله، ما كان على الأرض من أهل خِباء أَحبُّ إلي من أن يَذِلّوا من خِبائك، ولقد أصبحتُ وما على الأرض من أهل خِباء أحبُّ إِليَّ من أن يَعِزُّوا من أهل خبائك. فدعا لها رسول الله ﷺ وقرأ عليهن القرآن وبايعهن، فقالت هند: يا رسول الله ألا نصافحك؟ فقال: "إنَّي لا أُصافِحُ النِّساءَ" (١). وقال الهيثم: جاءت هند متنكرة في النساء إلى الصفا ورسول الله ﷺ جالس عنده، وعمر بن الخطاب رضوان الله عليه قائم على رأسه وبيده السيف صَلْتًا، فبايعه النَّاس وهند قد أرسلت خِمارَها على وجهها خوفًا من القَتْلِ، فقال رسول الله ﷺ : "أبايعكُنَّ على أَن لا تُشرِكنَ باللهِ شَيئًا". قلْنَ: نَعم. قال: "ولا تَزْنين". فقالت هند: وهل تزني الحرَّة. فقال: "ولا تَسْرِقنَ ولا تَقْتُلنَ أَولادَكُنْ". فقالت: أما الأولاد فإنا ربَّيْناهم صغارًا وقتلتموهم كِبارًا، وأمَّا السَّرقة فقد كنت أصبت من مال أبي سفيان ولا أَدري أيحلُّ لي ذلك أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ : "وإنَّكِ لهِنْدٌ؟ "، قالت: نعم. فقال: "مَرحبًا وأَهْلًا". وكان أبو سفيان حاضِرًا فقال: أما ما مضى فأنت منه في حِلًّ، ومنَ الآن فلا. فقالت: يا رسول الله اعف عني. فقال: "عَفا الله عنكِ" (٢). وهذا بمكة، وأمَّا في المدينة فقد بايعه معظم نساء الأنصار. ولما أسلمت هند كَسَرَت كلَّ صنم كان في بيتها وقالت: لقد كنا منهم في غرور، وأهدت إلى رسول الله ﷺ جدْيَيَنِ مَرْضُوفَيْن وسقاء من لبن، فأتت الجارية خيمته فاستأذنت، فأذن لها فدخلت وسلمت وقالت: إن مولاتي أرسلت إليك بهذه الهدية وهي معتذرة إليك، وتقول: إن غنمنا اليوم قليلة.

стр. 1679

فقال رسول الله ﷺ : "بارَكَ اللهُ لكُم في غَنَمِكُم وأَكثَر أَولادَها". فرجعت الجارية إليها فأخبرتها فَسُرَّت بذلك (١). ذكر إسلام أبي قُحَافة: قالت أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ ﵂: لما كان عامُ الفتح ونزل رسول الله ﷺ بذي طوى، قال أبو قحافة لابنة له صغيرةٍ أصغر ولده: يا بُنيَّةُ أشرفي بي على أبي قُبَيْسٍ، وكان قد كُفَّ بَصرُه، فأشرفت به عليه فقال: ماذا ترَيْن؟ فقالت: أرى سوادًا مُجْتمعًا وأرى رجلًا يَشْتَدُّ بين ذلك السواد، فقال: تلك الخيل، أسرعي بي إلى منزلي، فخرجت به سريعًا حتى هبطت الأَبْطح، فلقيتها الخيل وفي عنقها طوق من وَرِق فاقتطعه إنسان من عُنِقها، فلما دخل رسولُ الله ﷺ المسجد خرج أبو بكر رِضوانُ الله عليه فجاء بأبيه يقودُه، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "وهلّا تركتَ الشيخَ في بيته حتَّى كنتُ أَجيئُه"، فقال: يا رسول الله، هو أحق أن يمشيَ إليك، فأجلسه بين يديه ثم مسح على صدره وقال: "أَسلِمْ تَسْلَم" فأسلم، ثم قام أبو بكر رضوان الله عليه فأخذ بيد أخته وقال: أنشد الله والإسلامَ رجلًا رَأى طوق أختي فردَّه، قالها مرارًا، فما أجابه أحد فقال: يا أُخَيَّةُ احتسبي طوقكِ، فوالله إن الأمانة في الناس اليوم لقَليل (٢). * * * وجاء أبو أحمد الأعمى بن جحش إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني لما هاجرتُ إلى الله ورسوله باع أبو سفيان داري بأربع مئة دينار وأُريدُ ثمنَها، فكان أبو سفيان حاضرًا، فقال له رسول الله ﷺ : "أَلا تَرضى بها دارًا في الجنَّةِ؟ " قال: بلى (٣). ذكر إسلام عُتْبةَ ومُعتِّب ابني أَبي لهب: وأمهما أم جَميل بنت حَرْب، حَمَّالة الحطب، قال رسولُ الله ﷺ يوم الفتح للعباس

стр. 1680

﵁: "أينَ ابنا أَخيكَ عُتْبةُ ومُعتِّبٌ"؟ فقال: حاضران، فجاء بهما فَسُرَّ رسولُ الله ﷺ بإسلامهما، وخرجا معه من فوره وشهدا حنينًا وثبتا، وأصيبت عين مُعتِّبٍ يوم حنين، وأقاما بمكة بعد الفتح، ولم يقم بها أحد من بني هاشم سواهما (١). ولما دخل رسولُ الله ﷺ مكّة قيل له: ألا تنزلُ بَعْضَ بيوتك؟ فقال: "وهل ترك لي عَقيلٌ من منزل" (٢). وكان عَقيلٌ قد باع منزل رسول الله ﷺ ومنازل بني هاشم، فضربت لرسول الله ﷺ قُبَّةٌ بالحَجون، فكان يمشي من الحَجونِ إلى المسجد وقتَ كل صلاة. وقال ابن عباس: كان لرسولِ الله ﷺ صديقٌ من ثقيف أو دوس، فلقيه يوم الفتح براويةٍ من خمر، فقال له رسول الله ﷺ : "أَما عَلِمتَ أنَّ اللهَ حَرَّمَها"؟ فسارَّ غلامه بشيء، فقال له رسول الله ﷺ : "ما الذي قُلْتَ له؟ " قال: قلت له: اذهب بها إلى الزورة فبعها، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّ الذي حَرَّمها حَرَّم ثَمَنَها" فأمر بها فأُفْرِغَتْ بالبطحاء. انفرد به مسلم (٣). ذكرُ ما استسلف رسول الله ﷺ من المال: استسلف من عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم، واستقرض من صفوان بن أمية خَمْسين ألف درهم، ومن حُويطب بن عبد العزى أربعين ألفًا، فقسم الجميع بين أصحابه من أهل الضعْفِ، فلما فتح الله عليه هوازن أَوْفى الجميع وزادهم. ذكر تجديد أنصاب الحرم: وكان أَوَّلَ من وضعها آدمُ وإبراهيم وجبريل يريه ذلك، ثم لم تُحرّكْ حتى كان إسماعيل فجدَّدها، ثم لم تُحَرَّكْ حتى كان قصي فجددها، ثم لم تحرك حتى كان يوم الفتح فجدَّدَها رسولُ الله ﷺ ، ثم لم تحرك حتى كان عمر بن الخطاب رضوان الله عليه

стр. 1681

[فبعث مخرمةَ بنَ نوفل وأَزهر بنَ عبدِ عوف وحُوَيطبَ بنَ عبد العُزّى وسعيد بن يربوع المخزومي فجددوها، ثم كان عثمان بن عفان ﵁] فبعث هؤلاء النفر فجددوها، ثم حج معاوية [فبعثهم فجددوها]، ثم جددها عبد الملك بن مروان (١). * * * وفي هذه الغزاةِ تزوجَ رسولُ الله ﷺ مليكة بنت داود الليثية (٢). وقيل: اسمها عَمْرة بنت كعب، وقيل: إنها كنانية، وأنه دخل بها وماتت عنده (٣). وقال الزهري: ما تزوج رسولُ الله ﷺ كِنانية قط، ولا دخل بهذه (٤). وهي التي استعاذت منه، وتزوجها قبل الفتح، وقيل: بعده، وكان أبوها قُتلَ يوم الفتح. قال البلاذري: كانت حَدَثة جميلة، فجاء إليها بعض أزواج رسول الله ﷺ فقالت لها: ألا تستَحينَ أن تنكحي قاتلَ أبيك؟ فاشمأزت، وقالت: فكيف أصنع؟ فقالت لها: إذا جاء إليكِ فقولي: أعوذ بالله منك، ففعلت فقال رسول الله ﷺ : "لقد عذت بمعاذ" وفارقها (٥). والتي قالت لها عائِشةُ رضوان الله عليها. وقال أبو حصين الهذلي: قَدِمت على رسول الله ﷺ مكَّةَ امرأةٌ من نساءِ بني سعد بن بكر بِنِحْيٍ مملوءٍ سَمْنًا وجرابٍ فيه أَقِطٌ، فدخلت عليه وهو بالأَبطح، فانتسبت له فعرفها ودعاها إلى الإسلام فأسلمت، فقبل هديتها، وسألها عن حليمة فأخبرته بوفاتها فذرفت عيناه، ثم سألها: "من بقي منهم؟ " فقالت: أخواك وأختاك وهم والله محتاجون إلى بِرَّكَ وصِلَتك، ولقد كان لهم موئِلٌ فذهب، فقال لها رسول الله ﷺ : "أين أهلُك؟ " فقالت: بذات أَوْطاس، فأمر لها بكسوة وأعطاها حمل ظعينة ومئتي درهم، فانصرفت وهي تقول: نِعْمَ والله المكفول كنت صغيرًا، ونعم المرءُ كبيرًا عظيمَ البركة (٦).

стр. 1682

فصل في المتعة حدَّث الربيع بن سَبْرَةَ الجُهَنيُّ عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الفتح فأقمنا خمس عشرة ما بين يوم وليلة، فأذن لنا رسول الله ﷺ في المتعة، فخرجت أنا وابنُ عمٍّ لي، فلقينا فَتاةً من بني عامر بن صعصعةَ كأنها البكرة وأنا قريب من الدَّمامة، وعليّ برد جديد وعلى ابن عمي بُرْدٌ خَلَق وابنُ عمي وَسيمٌ، فقلنا لها: هل لك أن يستمتع منك أحدُنا؟ قالت: وهل يصلح ذلك؟ قُلنا: نعم، فجعلت تنظرُ إلى ابن عمي، فقلتُ لها: بُردي هذا بُرْدٌ جَديد وبرد ابن عمي خلَقٌ، قالت: برد ابن عمك لا بأس به، فاستمتع منها، فلم نَخْرجْ من مكة حتى حرَّمها رسول الله ﷺ (١). قال المصنفُ ﵀: وقد اختلف الناس في جواز المتعة، فعامة العلماء على أنها باطلة، وروي جوازها عن جماعة منهم علي (٢)، وابن عباس (٣)، وجابر بن عبد الله (٤)، وأبي سعيد الخدري (٥) وعطاء بن أبي رباح، وابن جُرَيْج، وابن أبي مُليكة، وطاووس (٦) وحكاه أصحابنا. قال ابن عبد البَرِّ: حرَّم مالكٌ المتعة في أهل المدينة والشافعي في أهل الحجاز، وأبو حنيفة في أهل الكوفة، والأوزاعي في أهل الشام، والليث في أرض مصر،

стр. 1683

والحسن في أهل البصرة. واحتجَّ من أباحها بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، وبأحاديث منها: ما روي عن ابن مسعود قال: غزونا مع النبي ﷺ وليس معنا نِساءٌ، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهى رسولُ الله ﷺ عن ذلك، ثم رخَّص لنا في المتعة، وكان أحدنا يأخذ المرأة أو ينكِح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ ابن مسعود ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] متفق عليه (١). ولعامة العلماء قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] والمتعة ليست من هذا القبيل، ألا ترى أنها ترتفع من غير طلاق ولا يجري بينهما توارث. وأخرج البخاري عن علي ﵁ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عام خيبر عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية (٢). وكذا قال عمر: أباح رسول الله ﷺ المتعة ثم حرَّمها. وأما الآية فالمراد بها الاستمتاع بطريق النكاح المؤبد لا المؤقت، لأنه وسيلة إلى الأغراض المطلوبة من التناسل والتوالد وغيره، والتوقيت يبطله. وروي أن عروة بن الزبير قال لابن عباس: أهلكت نفسَك وأهلكت الناسَ، فقال له: وما هو يا عُرَيُّ؟ قال: إِباحةُ المتعةِ، وقد كان أبو بكر وعمر ينهيان عنها فقال: أُخْبِرُكَ عن رسول الله ﷺ وتخبرني عن أبي بكر وعمر، فقال عروة: هما كانا أعلم بالسنة منك. وقال سعيد بن جُبير: قيل لابن عباس: لقد أكثرت في المتعة حتى سارت بها الركبان، وقال فيها الشاعر: [من البسيط] أقول وقد طال الثواء بنا معًا … يا صاح هل لكَ في فتوى ابن عباسِ

стр. 1684

يا صاحِ هل لك في بيضاءَ آنسِةٍ … تكونُ مثواك حتى رجعةِ الناسِ فانزعج ابن عباس وقال: ما إلى هذا ذهبت، ثم قام خطيبًا في يوم عرفة وقال: أيها الناس إن المُتعةَ حرامٌ كالميتةِ والدمِ ولحمِ الخنزير (١). وقال جابر بن يزيد: والله ما فارق ابن عباس الدنيا حتى رجع إلى قول الصحابة في تحريم المتعة. وكان عمر رضوان الله عليه يقول: والله لا أوتى برجل أباح المتعة إلا رجمته (٢). * * * وبثَّ رسولُ الله ﷺ سراياه حول مكة وهو مقيم بها وسيَّر خالد بن الوليد لهدم العُزَّى، فخرج في ثلاثين فارسًا فهدمها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فقال: "هَدَمْتَها"؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: "فَهَل رَأَيتَ شَيئًا"؟ قال: لا، قال: "فَإِنَّكَ لم تَهدِمْها، فارجعْ إِليها" فرجع وهو متغير، فجرَّد سيفه، فخرجت امرأة عُريانةٌ سوداءُ ناشرة شعرَها، قال خالد: فأخذني في ظهري قُشَعْرِيرَة وأقبل إليها وبيده السيف فضربها فجزَلَها اثنتيْنِ، ثم رجع إلى رسولِ الله ﷺ فأخبره، فقال: "تِلكَ العُزَّى، وقد يَئسَت أَن تُعبدَ بِبلادِكُم أَبَدًا". وكان هدمُها لخمس بقين من رمضان، وسادِنُها أفلح بن النَّضْرِ السُّلَميُّ (٣). * * * وبعث رسول الله ﷺ بالطُّفَيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكَفَّيْنِ صنمَ عَمْرو بن حُمَمَةَ الدَّوْسي فهدمه وحَرَّقَهُ بالنار (٤). ذكر هدم سُواع صنم هُذَيل: قال عمرو بن العاص: انتهيت إليه وعنده السادن فقال: ما الذي تريد منه؟ قلت:

стр. 1685

أَمرني رسول الله ﷺ بهدمه، فقال: لا تَقْدِرُ؛ إنه يمتنع عليك، فقلت له: وأنت إلى الآن في الباطل، وهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنوت منه فَهدمته وقلت للسادن: كيف ترى؟ فقال: أسلمت لله رب العالمين (١). ذكر مسير خالد إلى بني جَذِيمةَ: لما افتتح رسولُ الله ﷺ مكّة بعث خالدَ بنَ الوليدِ داعيًا ولم يبعثه مقاتلاً، فخرج حتى نزل على بني جَذيمة بن عامر بن مناة بن كنانة وهم على ماء لهم يقال له: الغُمَيصاء، وكانوا قد أصابوا في الجاهلية عمه الفاكه بنَ المغيرة وعوفًا أبا عبد الرحمن ﵁، فلما غشيهم أخذوا السلاح، فقال خالد: إن الناس قد أسلموا فَضعوا السلاح، وأبى جَحْدَم - رجل منهم - أن يضع سلاحه، وقال: يا بني جَذيمة، إنه خالد، ولا والله ما بعد وضع السلاح إلاَّ الإِسارُ وما بعد الإِسارِ إلاّ ضَرْبُ الأعناق، فقالوا: يا جَحْدم، تريد أن تُصيبَ دِماءَنا، فإن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وأَمِنَتِ الناس، فلم يزالوا به حتى أخذوا سلاحه، فنزل خالد وأمر برجال منهم فأسروا وضربت أعناقهم، فبلغ رسول الله ﷺ فقال: "اللَّهمَّ إنِّي أبرأُ إليك ممَّا عَمِلَ خالدُ بن الوليدِ" ثم دعا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال: "اخرُج إلى هؤلاءِ القومِ فدِ دِماءَهم وأَموَالَهمَ، واجَعْل أَمرَ الجاهليةِ تحت قَدمَيْكَ" وأعطاه مالًا، فخرج فوَدَى دماءهم وأموالهم حتى أعطاهم ثمنَ مِيْلَغَةِ الكلب، وبقيت بقيةٌ من المال فقال: أعطيكم هذا احتياطًا لرسولِ الله ﷺ فيما لا يعلم وفيما لا يعلمون فأعطاهم إياه، ثم قَدِمَ على رسول الله ﷺ فاستقبل القبلةَ ورفَع يديه حتى رُؤي بياض إبطيه، ثم قال: "اللَّهمَّ إنِّي أَبرَأُ إليكَ ممَّا فَعَل خالدُ بن الوليدِ" (٢). وقال ابن سعد: لما رجع خالد من هَدْمِ العزى إلى رسول الله ﷺ وهو مقيم بمكة بعث إلى بني جَذيمة داعيًا إلى الإسلام لا مقاتلًا، فخرج في ثلاث مئة وخمسين من المهاجرين والأنصار وبني سُليم، فقيل لبني جَذيمة: هذا خالد في المسلمين، فقالوا:
следующие страницы →