← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

[فبعث مخرمةَ بنَ نوفل وأَزهر بنَ عبدِ عوف وحُوَيطبَ بنَ عبد العُزّى وسعيد بن يربوع المخزومي فجددوها، ثم كان عثمان بن عفان ﵁] فبعث هؤلاء النفر فجددوها، ثم حج معاوية [فبعثهم فجددوها]، ثم جددها عبد الملك بن مروان (١). * * * وفي هذه الغزاةِ تزوجَ رسولُ الله ﷺ مليكة بنت داود الليثية (٢). وقيل: اسمها عَمْرة بنت كعب، وقيل: إنها كنانية، وأنه دخل بها وماتت عنده (٣). وقال الزهري: ما تزوج رسولُ الله ﷺ كِنانية قط، ولا دخل بهذه (٤). وهي التي استعاذت منه، وتزوجها قبل الفتح، وقيل: بعده، وكان أبوها قُتلَ يوم الفتح. قال البلاذري: كانت حَدَثة جميلة، فجاء إليها بعض أزواج رسول الله ﷺ فقالت لها: ألا تستَحينَ أن تنكحي قاتلَ أبيك؟ فاشمأزت، وقالت: فكيف أصنع؟ فقالت لها: إذا جاء إليكِ فقولي: أعوذ بالله منك، ففعلت فقال رسول الله ﷺ : "لقد عذت بمعاذ" وفارقها (٥). والتي قالت لها عائِشةُ رضوان الله عليها. وقال أبو حصين الهذلي: قَدِمت على رسول الله ﷺ مكَّةَ امرأةٌ من نساءِ بني سعد بن بكر بِنِحْيٍ مملوءٍ سَمْنًا وجرابٍ فيه أَقِطٌ، فدخلت عليه وهو بالأَبطح، فانتسبت له فعرفها ودعاها إلى الإسلام فأسلمت، فقبل هديتها، وسألها عن حليمة فأخبرته بوفاتها فذرفت عيناه، ثم سألها: "من بقي منهم؟ " فقالت: أخواك وأختاك وهم والله محتاجون إلى بِرَّكَ وصِلَتك، ولقد كان لهم موئِلٌ فذهب، فقال لها رسول الله ﷺ : "أين أهلُك؟ " فقالت: بذات أَوْطاس، فأمر لها بكسوة وأعطاها حمل ظعينة ومئتي درهم، فانصرفت وهي تقول: نِعْمَ والله المكفول كنت صغيرًا، ونعم المرءُ كبيرًا عظيمَ البركة (٦).

стр. 1682

فصل في المتعة حدَّث الربيع بن سَبْرَةَ الجُهَنيُّ عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الفتح فأقمنا خمس عشرة ما بين يوم وليلة، فأذن لنا رسول الله ﷺ في المتعة، فخرجت أنا وابنُ عمٍّ لي، فلقينا فَتاةً من بني عامر بن صعصعةَ كأنها البكرة وأنا قريب من الدَّمامة، وعليّ برد جديد وعلى ابن عمي بُرْدٌ خَلَق وابنُ عمي وَسيمٌ، فقلنا لها: هل لك أن يستمتع منك أحدُنا؟ قالت: وهل يصلح ذلك؟ قُلنا: نعم، فجعلت تنظرُ إلى ابن عمي، فقلتُ لها: بُردي هذا بُرْدٌ جَديد وبرد ابن عمي خلَقٌ، قالت: برد ابن عمك لا بأس به، فاستمتع منها، فلم نَخْرجْ من مكة حتى حرَّمها رسول الله ﷺ (١). قال المصنفُ ﵀: وقد اختلف الناس في جواز المتعة، فعامة العلماء على أنها باطلة، وروي جوازها عن جماعة منهم علي (٢)، وابن عباس (٣)، وجابر بن عبد الله (٤)، وأبي سعيد الخدري (٥) وعطاء بن أبي رباح، وابن جُرَيْج، وابن أبي مُليكة، وطاووس (٦) وحكاه أصحابنا. قال ابن عبد البَرِّ: حرَّم مالكٌ المتعة في أهل المدينة والشافعي في أهل الحجاز، وأبو حنيفة في أهل الكوفة، والأوزاعي في أهل الشام، والليث في أرض مصر،

стр. 1683

والحسن في أهل البصرة. واحتجَّ من أباحها بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، وبأحاديث منها: ما روي عن ابن مسعود قال: غزونا مع النبي ﷺ وليس معنا نِساءٌ، فقلنا: ألا نختصي؟ فنهى رسولُ الله ﷺ عن ذلك، ثم رخَّص لنا في المتعة، وكان أحدنا يأخذ المرأة أو ينكِح المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ ابن مسعود ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] متفق عليه (١). ولعامة العلماء قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] والمتعة ليست من هذا القبيل، ألا ترى أنها ترتفع من غير طلاق ولا يجري بينهما توارث. وأخرج البخاري عن علي ﵁ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عام خيبر عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية (٢). وكذا قال عمر: أباح رسول الله ﷺ المتعة ثم حرَّمها. وأما الآية فالمراد بها الاستمتاع بطريق النكاح المؤبد لا المؤقت، لأنه وسيلة إلى الأغراض المطلوبة من التناسل والتوالد وغيره، والتوقيت يبطله. وروي أن عروة بن الزبير قال لابن عباس: أهلكت نفسَك وأهلكت الناسَ، فقال له: وما هو يا عُرَيُّ؟ قال: إِباحةُ المتعةِ، وقد كان أبو بكر وعمر ينهيان عنها فقال: أُخْبِرُكَ عن رسول الله ﷺ وتخبرني عن أبي بكر وعمر، فقال عروة: هما كانا أعلم بالسنة منك. وقال سعيد بن جُبير: قيل لابن عباس: لقد أكثرت في المتعة حتى سارت بها الركبان، وقال فيها الشاعر: [من البسيط] أقول وقد طال الثواء بنا معًا … يا صاح هل لكَ في فتوى ابن عباسِ

стр. 1684

يا صاحِ هل لك في بيضاءَ آنسِةٍ … تكونُ مثواك حتى رجعةِ الناسِ فانزعج ابن عباس وقال: ما إلى هذا ذهبت، ثم قام خطيبًا في يوم عرفة وقال: أيها الناس إن المُتعةَ حرامٌ كالميتةِ والدمِ ولحمِ الخنزير (١). وقال جابر بن يزيد: والله ما فارق ابن عباس الدنيا حتى رجع إلى قول الصحابة في تحريم المتعة. وكان عمر رضوان الله عليه يقول: والله لا أوتى برجل أباح المتعة إلا رجمته (٢). * * * وبثَّ رسولُ الله ﷺ سراياه حول مكة وهو مقيم بها وسيَّر خالد بن الوليد لهدم العُزَّى، فخرج في ثلاثين فارسًا فهدمها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فقال: "هَدَمْتَها"؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: "فَهَل رَأَيتَ شَيئًا"؟ قال: لا، قال: "فَإِنَّكَ لم تَهدِمْها، فارجعْ إِليها" فرجع وهو متغير، فجرَّد سيفه، فخرجت امرأة عُريانةٌ سوداءُ ناشرة شعرَها، قال خالد: فأخذني في ظهري قُشَعْرِيرَة وأقبل إليها وبيده السيف فضربها فجزَلَها اثنتيْنِ، ثم رجع إلى رسولِ الله ﷺ فأخبره، فقال: "تِلكَ العُزَّى، وقد يَئسَت أَن تُعبدَ بِبلادِكُم أَبَدًا". وكان هدمُها لخمس بقين من رمضان، وسادِنُها أفلح بن النَّضْرِ السُّلَميُّ (٣). * * * وبعث رسول الله ﷺ بالطُّفَيل بن عمرو الدوسي إلى ذي الكَفَّيْنِ صنمَ عَمْرو بن حُمَمَةَ الدَّوْسي فهدمه وحَرَّقَهُ بالنار (٤). ذكر هدم سُواع صنم هُذَيل: قال عمرو بن العاص: انتهيت إليه وعنده السادن فقال: ما الذي تريد منه؟ قلت:

стр. 1685

أَمرني رسول الله ﷺ بهدمه، فقال: لا تَقْدِرُ؛ إنه يمتنع عليك، فقلت له: وأنت إلى الآن في الباطل، وهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنوت منه فَهدمته وقلت للسادن: كيف ترى؟ فقال: أسلمت لله رب العالمين (١). ذكر مسير خالد إلى بني جَذِيمةَ: لما افتتح رسولُ الله ﷺ مكّة بعث خالدَ بنَ الوليدِ داعيًا ولم يبعثه مقاتلاً، فخرج حتى نزل على بني جَذيمة بن عامر بن مناة بن كنانة وهم على ماء لهم يقال له: الغُمَيصاء، وكانوا قد أصابوا في الجاهلية عمه الفاكه بنَ المغيرة وعوفًا أبا عبد الرحمن ﵁، فلما غشيهم أخذوا السلاح، فقال خالد: إن الناس قد أسلموا فَضعوا السلاح، وأبى جَحْدَم - رجل منهم - أن يضع سلاحه، وقال: يا بني جَذيمة، إنه خالد، ولا والله ما بعد وضع السلاح إلاَّ الإِسارُ وما بعد الإِسارِ إلاّ ضَرْبُ الأعناق، فقالوا: يا جَحْدم، تريد أن تُصيبَ دِماءَنا، فإن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وأَمِنَتِ الناس، فلم يزالوا به حتى أخذوا سلاحه، فنزل خالد وأمر برجال منهم فأسروا وضربت أعناقهم، فبلغ رسول الله ﷺ فقال: "اللَّهمَّ إنِّي أبرأُ إليك ممَّا عَمِلَ خالدُ بن الوليدِ" ثم دعا علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال: "اخرُج إلى هؤلاءِ القومِ فدِ دِماءَهم وأَموَالَهمَ، واجَعْل أَمرَ الجاهليةِ تحت قَدمَيْكَ" وأعطاه مالًا، فخرج فوَدَى دماءهم وأموالهم حتى أعطاهم ثمنَ مِيْلَغَةِ الكلب، وبقيت بقيةٌ من المال فقال: أعطيكم هذا احتياطًا لرسولِ الله ﷺ فيما لا يعلم وفيما لا يعلمون فأعطاهم إياه، ثم قَدِمَ على رسول الله ﷺ فاستقبل القبلةَ ورفَع يديه حتى رُؤي بياض إبطيه، ثم قال: "اللَّهمَّ إنِّي أَبرَأُ إليكَ ممَّا فَعَل خالدُ بن الوليدِ" (٢). وقال ابن سعد: لما رجع خالد من هَدْمِ العزى إلى رسول الله ﷺ وهو مقيم بمكة بعث إلى بني جَذيمة داعيًا إلى الإسلام لا مقاتلًا، فخرج في ثلاث مئة وخمسين من المهاجرين والأنصار وبني سُليم، فقيل لبني جَذيمة: هذا خالد في المسلمين، فقالوا:

стр. 1686

ونحن مسلمون قد صلَّينا وبَنينا المساجدَ وأذَّنّا فيها وصدَّقْنا محمدًا ﷺ ، فقال لهم خالد: ما أنتم؟ فقالوا: مسلمون، وقال: فما بالُ سلاحكم عليكم؟ قالوا: إن بيننا وبين قوم من العرب عداوةً فَخِفْنا أن تكونوا هم، فأخذنا السلاح لندفع عن أنفسنا، قال: فضعوا السلاح، فقال لهم جَحْدم: ويحكم يا بني جذيمة، والله إنه خالد، ولا يريد منا ما يراد بالمسلمين وقد عرفتموه، فما زالوا يكلِّمونه حتى ألقى سيفه وقالوا: نحن مسلمون وقد فتح الله مكة، فقال: والله ليأخذنَّكم بما تعلمون من الأحقاد القديمة، فقال خالد: استأسروا، فاستأسروا وأمر بهم فكُتِّفوا ودَفَع إلى كلِّ رجلٍ من المسلمين الرجلَ والرجلين فباتوا في وَثاقٍ، فكانوا إذا جاء وقت الصلاة كلَّموا المسلمين فيصلون ثم يربطون، فلما كان في السحر والمسلمون قد اختلفوا بينهم، فقائل يقول: إنّما أسرهم ليذهبَ بهم إلى النبي ﷺ ، وناس يقولون: إنما يختبرهم ليبلوَ طاعتهم، فلما كان وقت السحر نادى مناديه: من كان معه أسيرٌ فليدافّه، والمدافَّةُ الإجهاز عليه بالسيف، فأما بنو سُلَيْم فقتلوا كلَّ أسيرٍ في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار فأطلقوا أسراهم، وكان في الجيش عبد الله بن عمر ﵁ فأطلق أسيره (١). قال الإمام أحمد رحمة الله عليه: حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا مَعْمَر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: بعث رسولُ الله ﷺ خالدَ بن الوليد إلى بني جَذيمة فدعاههم إلى الإسلام، فلم يجيبوا ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صَبَأْنا. وذُكر أنهم لما قدموا على النبي ﷺ أَخْبَروه بما صنع خالد، فرفع يديه وقال: "اللَّهمَّ إنَّي أَبرَأُ إليكَ ممَّا صَنَعَ خَالدٌ" مرتين (٢). وقال الواقدي: لما أرسل المهاجرون والأنصار أسراهم غضب خالد، فقال له أبو أسيد الساعدي: اتق الله يا خالد، والله ما كنا لنقتل قومًا مسلمين، قال: وما يدريك؟ فقال: قد سمعنا إقرارهم بالإسلام ورأينا مساجدهم (٣). ولما قدم خالد على النبي ﷺ عاب عليه عبد الرحمن بن عوف ﵁ ما صنع وقال:

стр. 1687

يا خالد، أخذت القومَ بأمر الجاهلية قاتلك الله، وأعان عمر ﵁ على خالدٍ، فقال خالد: أخذتُهم بقتل أبيك، فقال عبد الرحمن: كذبت والله لقد قتلتُ قاتلَ أبي بيدي، واستشهد بعثمانَ ﵁ فقال: نعم، ثم قال عبد الرحمن: ويحك يا خالد، ولو لم أقتل قاتل أبي أكنت تقتل قومًا مسلمين بأبي في الجاهلية؟ فقال: من أخبرك أنهم أسلموا؟ فقال: أهلُ السَّرِيَّةِ كلُّهم (١). ذكر من شهد الفتح ومدة مُقام النبي ﷺ -: شهد مع رسولِ الله ﷺ الفتح عشرةُ آلافٍ من المهاجرين والأنصار والقبائل، وقيل: شهده اثنا عشر ألفًا، وبُرَيدةُ بن الحُصَيْب في خمس مئة وخزاعةُ في خمس مئة. وأقام بمكة تسع عشرة ليلة يَقْصُرُ، وإذا سلَّم من صلاته يقول: "يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سَفْرٌ". وقيل: أقام خمس عشرة ليلة، وقيل: عشرين ليلة، وكان قُدومُه لعشر ليالٍ بقين من رمضان، واستخلف على مكة عتَّابَ بنَ أَسِيْد بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس أميرًا وهو ابن ثماني عشرة سنة، وقيل: ابن عشرين، ومعاذَ بن جبل يعلَّمهم السُّنَنَ والفقه. * * * وفيها: كانت غزاةُ حُنَيْن (٢) في شوال، وحُنَيْن: اسم موضع، وقيل: جبل بتهامة، وقيل: وادٍ إلى جانب ذي المجاز: بينه وبين مكة ثلاث ليال. وسبب هذه الغزاة، لما فرغ رسول الله ﷺ من مكة بلغه أن أشراف ثقيف وهوازن اتفقوا وجمَّعوا، وجعلت هوازن أمرها إلى مالك بن عوف النَّصْري وهو يومئذ ابنُ ثلاثين سنةً، وكان في ثقيف سيدان: قاربُ بن الأسود بن مسعود، وذو الخِمار سُبَيْع

стр. 1688

ابن الحارث، ويقال له: الأحمر بن الحارث (١)، وتجمعت كلها إلى هوازن، وكان مالك بن عوف قد مضى بنفسه إلى الطائف ودعاهم إلى قتال رسول الله ﷺ فأجابوه، وخرج غيلان بن سلمة الثقفي ومعه ثقيف وعشرة من ولده على عشرة أفراس، ولم يحضرها من هوازن كعبٌ ولا كِلابٌ. وحضرها دُرَيْدُ بن الصِّمَّةِ في بني جُشَم وهو ابن ستين أو سبعين ومئة سنة، شيخ كبير لا يراد منه إلا رأيُه ومعرفتُه بالحروبِ، وكان شيخًا مُجرّبًا قد ذهب بصره وأَمْرُ الناسِ يومئذ ثقيفٍ وغيرها إلى مالك بن عوف النَّصْري، وأمرَ الناسَ فجاؤوا بأموالهم ونسائهم وأهلهم فنزلوا بأَوْطاس وادٍ عند حُنَيْن فعسكروا به، والأمدادُ تأتيهم من كل ناحية. وأمرُ جُشَم إلى درَيْد بن الصِّمَّةِ [بن بكر بن] (٢) علقمة بن خُزاعة بن غزية بن جشم ابن معاوية بن بكر، وقد جعلوه في شجارٍ مثل الهودج يقاد به على بعير، فلما نزل الناس (٣) لمس بيده الأرض وقال: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوْطاس، فقال: نعم [مجال الخيل، لا حَزْنٌ ضَرِس، ولا سهل دَهِسٌ، مالي] (٤) أسمع رُغاءَ البعير، ونُهاقَ الحمير، ويُعارَ الشاءِ، وخُوارَ البقر، وبكاء الصغير، قالوا: ساق مالكٌ مع الناس أولادَهم ونساءَهم وأموالهم، فقال: يا معاشر هوازن، أمعكم من بني كلاب أحد؟ قالوا: لا، قال: فمعكم من بني كعب بن ربيعة أحد؟ قالوا: لا، قال: فهل معكم من بني هلال بن عامر؟ قالوا: لا، فقال دريد: لو كان خيرًا ما سبقتوهم إليه، ولو كان ذِكْرًا وشرفًا ما تخلفوا، فأطيعوني وارجعوا وافْعلوا كما فعلوا، فأَبَوْا عليه، فقال: أين مالك؟ فدُعِيَ به فقال: يا مالك، إنك مقاتلٌ رجلًا كريمًا وأنت رأسُ قومِكَ، إن هذا اليوم كائن له ما بعده من الأيام، يا مالك مالي أسمع رُغاء البعير، ونهاق الحمير، وخوار البقر، ويعار

стр. 1689

الشاء، وبكاء الصغير؟ فقال: سُقْتُ مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم، قال دريد: ولم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهلَه ومالَه وولده وشاءه حتى يقاتِلوا عنهم، فنفض دريد يده وقال: راعي ضأن، ماله وللحرب، وهل يردُّ المنهزمَ شيءٌ؟ إنها إن كانت لك، لم يَنْفَعْكَ إلا رجل بسيفه ورمحهِ، وإن كانت عليك، فُضِحْتَ في أهلك ومالك، يا مالكُ، إنك لن تصنع بتقديم بَيْضَةِ هوازن إلى نُحور الخيل شيئًا، فإن كانت لك لحِق بك مَنْ وراءَكَ، وإن كانت عليك ألفاكَ ذلك وقد أحرزت أهلَكَ ومالَكَ. فغضب مالك وقال: والله لا أُغَيِّرُ أمرًا أَصنعُه، إنك قد كَبرتَ وكبر عملك وحدث بعدك من هو أبصر منك بالحرب. فقال دريد: يا معاشر هوازن، والله ما هذا لكم برأي، هذا فاضحكم في عورتِكم وممكِّنٌ منكم عدوَّكم، ولاحقٌ بحصن ثقيف وتارِككم، فانصرفوا ودعوه. فسلَّ مالكٌ سيفه ثم نكسه، وقال: والله يا معاشر هوازن لتُطيعُنَّني أو لأتكئنَّ على السيف حتى يخرج من ظهري، وكره أن يكون لدريد فيها ذكرٌ، فقال بعضهم لبعض: والله لئن عصينا مالكًا وهو شاب ليقتلن نفسه ونبقى مع دريد شيخ كبير لا قتال فيه، فأَجْمعوا رأيهم على مالك، فلما رأى ذلك دريدٌ قال: هذا يوم لم أشهده ولم أَغِبْ عنه: [من مجزوء الرجز] يا ليتني فيها جَذَعْ أخُبُّ فيها وأَضَعْ أقود وَطْفاءَ الزَّمَعْ كأنَّها شاةُ صَدَعْ وخرج رسول الله ﷺ من مكّة في عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار والقبائل الذين شهدوا معه الفتح، وفي ألفين من أهل مكة من الطُّلقاء، وكان المشركون أربعة آلاف فقال قائل: لن نُغْلَبَ اليوم من قِلَّةٍ، فلما سمع النبي ﷺ ذلك ساءَه (١). وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيرُ الأصحابِ أربَعةٌ، وخَيرُ السَّرايا

стр. 1690

أَربعُ مئةٍ، وخَيرُ الجيوشِ أَربعةُ آلافٍ، ولا يُغلبُ اثنا عَشرَ ألفًا من قِلَّةٍ كَلمتُهُم واحدةٌ" (١). وقال أبو واقد الليثي: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنين، وكان لكفارِ قريش ومَنْ سواهم شجرةٌ عظيمةٌ خضراءُ يقال لها: ذات أنواط، يأتونها في كل سنة يُعَلِّقون عليها أسلحتهم ويذبحون عندها ويعكفون عليها يومًا، فبينا نحن نسيرُ مع رسول الله ﷺ أتينا شجرة عظيمة خضراء فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذاتَ أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال: "اللهُ أَكبَرُ، قُلتُم والذي نَفسِي بيَدهِ كما قالَ قَومُ مُوسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] لتَأخذُنَّ سَنَنَ مَن قَبلكم" (٢). قال: وانتهى رسول الله ﷺ إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء، لعشر ليالٍ خَلَوْنَ من شوال (٣). وقال أمية بن عبد الله بن عثمان بن عفان: بعث مالك بن عوف عيونًا ممن معه، فأتوه وقد تقطعت أوصالُهم فقال: ويلكم ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالًا بيضًا على خَيْلٍ بُلْقٍ، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فما ردَّه ذلك عن وجهه (٤). ودعا رسول الله ﷺ ابنَ أبي حَدْرَدٍ الأسلميَّ فقال له: انطلق فادخل في الناس حتى تأتيني بأخْبارِهم، فانتهى إلى خِباء مالك فسمعه وهو يقول لأصحابه: إن محمدًا لم يلق قط مثل المرة، وإنما لقي قومًا أغْمارًا لا عِلم لهم بالحرب فيظهر عليهم، فإذا كان في السحر فصفوا مواشيكم وأبناءكم ونساءكم من ورائكم، ثم اكسروا جفون سيوفكم واحملوا حملة رجل واحد، فإنكم تلقونه بعشرين ألف سيف. وهذا يدل على أنهم كانوا عشرين ألفًا. ورجع ابن أبي حَدْرَدٍ إلى رسول الله ﷺ فأخْبَرهُ، فقال عمر: كذب ابن أبي حَدْرَدٍ، فقال ابن أبي حدرد: لئن كذَّبتني يا عمر، فلطالما كذَّبتَ بالحق، فقال عمر رضوان الله

стр. 1691

عليه: أتسمع يا رسول الله ما يقول؟ فقال رسول الله ﷺ : "صَدَق، كُنتَ ضالاَّ فَهَداكَ اللهُ" (١). وخرج من مكة رجالٌ فُرسانًا ومُشاةً ينظرون لمن تكون الدائرة، فيصيبون من الغنائم، ولا يكرهون أن يكون الصَّدْمُ للنبي ﷺ وأصحابه. وخرج أبو سفيان بن حرب في أثر العسكر، كلما مرّ بترس ساقط أو رمح أو متاع من متاع النبي ﷺ حمله على بعيره، والأزلام في كنانته حتى أَوْقَر جمله. وخرج صفوان ولم يُسْلِم وهو في المدة التي جعلها رسول الله ﷺ له، وحكيم بن حزام، وحُويطب بن عبد العزى، وسُهيل بن عمرو، والحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة، والكل ينظرون لمن تكون الدائرة وهم خلف الجيش (٢). وعبّأ رسول الله ﷺ أصحابه صُفوفًا في السحر، وعقد الألوية ووضع الرايات مع أهلها، فكان لواءُ المهاجرين بيد علي ﵁، ولواء الخزرج بيد الحُبابِ بن المنذر، وقيل: مع سعد بن عُبادة، ولواء الأوس بيد أُسيد بن حُضَيْر، ورايةٌ بيد عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، ورايةٌ بيد سعد بن أبي وقاص، في كل بطن وقبيلة لواء أو راية (٣). ذِكْرُ القتال: انحدر رسولُ الله ﷺ بأصحابه وقد مضت مقدمته على تعبئته في وادي حُنين، وركب بغلته الدُّلدُل، وظاهَرَ بِدِرْعَيْنِ، ولبس المِغْفَرَ والبَيْضَةَ. وقال أنس بن مالك: لما انتهينا إلى وادي حنين وهو وادٍ من أودية تِهامة، له مضايقُ وشُعَبٌ، فاستُقْبِلنا من هوازن بشيء، لا والله إنْ رأيتُ مثله قط، من السَّوادِ والكَثرةِ، قد ساقُوا نِساءهم وأموالهم وأبناءَهم وذراريهم، ثم صَفُّوا صفوفًا، فجعلوا النساءَ فوق الإبل وراء صفوف الرجال، ثم جاؤوا بالإبلِ والبقرِ والغنمِ فجعلوها وراءَ ذلك لئلا يفرُّوا، فلما رأينا ذلك السوادَ حسبناه رجالًا، فبينا نحن في غَبَشِ الصُّبْحِ إنْ

стр. 1692

شَعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي وشُعَبهِ، فحملوا علينا حملة رجل واحد، فانكشفتْ أوَّل الخيول مُوَلِّيةً، وتَبعهم أهلُ مكة وتبعهم الناسُ منهزمين لا يَلْوُون على شيء، فسمعتُ رسولَ الله ﷺ والتفت عن يمينه ويساره والناس مُنْهزمون وهو يقول: "يا أَنصارَ اللهِ، وأَنصارَ رَسُولِهِ، أنا عبدُ اللهِ ورَسُولُه، أنا عبدُ اللهِ ورَسُولُه" ثم تقدم بحربته، فوالذي بعثه بالحق ما ضربنا بسيف ولا طعنَّا برمح حتى هَزَمَهُم الله، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى العسكرِ وأمر بأن يُقتل كلُّ من قُدِرَ عليه منهم، وجعَلَت هوازن تؤول وثاب من انهزم من الناس (١). وقال جابر بن عبد الله الأنصاري: سبق رسولَ الله ﷺ مالكُ بن عوف إلى الوادي، فانحطّ بهم في عَمايةِ الصبح، وثارت في وجوههم الخيلُ فشدَّت عليهم، وانكفأ الناس منهزمين، وانحازَ رسول الله ﷺ ذاتَ اليمين ثم قال: "أَيُّها الناسُ، هَلُمُّوا إليَّ، أنا رسُولُ اللهِ، أنا مُحمدٌ" ومعه رَهْطٌ من أهلِ بيته ورَهْطٌ من المهاجرين، والعباسُ آخذٌ برأسِ بَغْلته البيضاء، ورسولُ الله ﷺ عليها قد شَجرها، وثبت معه من أهلِ بيته علي ابن أبي طالب رضوان الله عليه، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأيمن بن عبيد، وهو ابن أم أيمن، وأسامة بن زيد، وثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر رضوان الله عليهما. قال: ورجلٌ من هَوازن على جمل أحمر بيده راية سوداء على رأس رمحٍ طويل أمام هَوازن، وهوازن خلفه، إذا أدرك الناسَ طَعنَ برمحه، وإذا فاته الناسُ رفعَ رمحه لمن وراءه فاتبعوه، فلما انهزم مَنْ كان مع النبي ﷺ من جُفاة أهلِ مكة، تكلَّم رجالٌ منهم بما في أنفسهم من الضِّغْنِ (٢). وعن جابر قال: لما رأى رسول الله ﷺ يوم حنين ما رأى قال: "يا عباسُ اصرَخْ بالأَنْصار" فنادى العباس: يا أصحاب السَّمُرةِ، فأجابوه: لبيكَ لبيكَ، فجعل الرجلُ منهم يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر عليه، فيقذف درعه ويأخذُ سيفَه وقوسه ثم يَؤمُّ الصوتَ، حتى اجتمع إلى رسول الله ﷺ منهم مئة، وأشرف رسول الله ﷺ في ركائبه

стр. 1693

وقال: "الآن حَميَ الوَطِيسُ". وروى عبد الله بن بُرَيْدَةَ عن أبيه قال (١): انكشف الناسُ يومَ حُنينٍ عن رسول الله ﷺ ولم يبق معه إلا رجل يقال له: زيد، أخذ بعنان بغلته الشهباء فقال له: "وَيحكَ ادعُ النَّاسَ"، فنادى: أيها الناسُ، هذا رسول الله ﷺ فلم يجبه أحد، فقال: "ادعُ الأنصارَ" فنادى: يا معشر الأنصار، فلم يجبه أحد، فقال: "خُصَّ الأوسَ والخزرجَ" فنادى: يا معشر الأوسِ والخزرج، فلم يجبه أحد، فقال: "ويحكَ ادعُ المهاجرينَ، إن للهِ في أعناقِهم بيعتَيْنِ وهذا رسُولُ الله ﷺ يَدْعوهُم" فأقبل منهم ألف قد كسروا جفون سيوفهم، فأتوا رسول الله ﷺ ثم مشوا قُدُمًا حتى فتح الله على يديه (٢). وعن العباس ﵁ قال: لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركون، فولَّى المسلمون يومئذ، ولقد رأيتُ رسول الله ﷺ وما معه إلا أبو سفيان بن الحارث آخذ بثَفَرِ (٣) بغلة رسول الله ﷺ فأخذتُ بلجامها وكنت رجلًا صيِّتًا، فقال: "يا عباسُ، اصرخ بالأنصار: يا أصحاب السَّمُرةِ" فناديت، فأقبلوا كأنهم الإبلُ إذا حنَّت إلى أولادها، يقولون: لبَّيكَ لبَّيكَ، وثاب الناس، فقال رسول الله ﷺ : "الآنَ حميَ الوَطيسُ" ثم أخذ بيده من الحصى فرماهم به ثم قال: "انْهَزمُوا ورَبِّ الكَعبَةِ" فانهزموا، وركَضَ رسول الله ﷺ بغلته خَلْفَهم (٤). وقيل: لما ناداهمُ العباسُ ﵁ رجعوا وهم يقولون: الكرة بعد الفرة، ورسول الله ﷺ يقول: "اللَّهمَّ إنِّي أَنشُدكَ وعْدَكَ، اللَّهمَّ لا ينبغي لهم أَن يظهروا علينا" (٥). وقال هشام بن الكلبي: ثبت مع رسول الله ﷺ ثلاث مئة رجل من أهل بيته وغيرهم. وسأل رجلٌ البراءَ بن عازب فقال: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حُنَيْن؟ فقال

стр. 1694

البراء: لكن رسول الله ﷺ لم يفِرَّ؛ كانت هوازن ناسًا رُماةً، وإنّا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم فاستقبلونا بالسِّهام، ولقد رأيت رسول الله ﷺ على بغلته البيضاء وإن أبا سفيان بن الحارث آخذٌ بلجامها، ورسول الله ﷺ يقول: "أنا النَّبيُّ لا كَذِبْ أَنا ابْنُ عَبدِ المُطَّلِبْ". أخرجاه في "الصحيحين" (١). وقال سلمة بن الأكوع: لما غَشَوا رسول الله ﷺ نزل عن بغلته ثم قبض قَبْضةً من الأرض واستقبلهم بوجهه وقال: "شاهت الوجوه" فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ الله عينيه ترابًا بتلك القبضة، فولوا منهزمين، وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين (٢). وقال البلاذري: قال العباس ﵁: كنت آخذًا يومَ حنين بحكمَة بغلةِ رسول الله ﷺ ، وأقبل نفر من كِنانة يريدونه فدنا منه أحدهم، فاحتضنت الرجلَ وصحت بأقرب موالي رسول الله ﷺ إليَّ وقلت: اضربه ولا تتق مكاني ولا تُبالي أَيَّنا قُتِلَ، فقتله المولى، ثم جاء آخرُ يريدُه ففعلت به كذلك، حتى قتلنا ستة أنفس من القوم، فقبَّل رسول الله ﷺ وجهي. وفي يوم حنين يقول العباس: [من الطويل] نصرنا رسولَ الله في الحرب سبعة … وقد فرَّ من قد فرَّ عنه فأقشعوا وثامِنُنا لاقى الحِمامَ بسَيْفِهِ … بما مسَّه في الله لا يتوجع يعني نفسه وابنه الفضل وعلي بن أبي طالب وأبا سفيان بن الحارث وأسامة بن زيد وأبا رافع وأيمن بن أم أيمن (٣). ذكرُ أقوالِ أهلِ الأضْغَانِ: قال أبو سفيان بن حرب: ما تَنْتهي هزيمتهُم إلاّ إلى البحر، وأخرج الأزلامَ من كِنانتهِ يستقسم بها، فقال له رجل مِن أَسلم يقال له أبو مغيث: أما والله لولا أني سمعت

стр. 1695

رسول الله ﷺ ينهى عن قتلك لقتلتك. وصرخ كَلَدةُ بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية وهما مشركان: ألا بَطَلَ السحرُ اليومَ، فقال له صفوان: اُسْكت فضَّ الله فاك، فوالله لأن يَرُبَّني رجلٌ من قُريش أحبُّ إلي من أن يربَّني رجلٌ من هوازن (١). وقال سهيل بن عمرو: لا يجتبرُها محمد وأصحابه، فقال عكرمة بن أبي جهل: إن هذا ليس بقول، إنما الأمر بيد الله ليس إلى محمد منه شيء، إن أُديل عليه اليوم فإن له العاقبة غدًا، فقال له سهيل: والله إن عهدك بخلافه لحديث، فقال له: يا أبا يزيد إنا كنا والله نُوضِعُ في غير شيء وعقولنا عقولنا، نعبد حجرًا لا يضر ولا ينفع (٢). وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة: خرجتُ مع رسول الله ﷺ إلى حُنين وقد أضمرت غِرَّته وقلت: عسى أن أصيب بثأرِ قريش، فلما اختلطَ الناسُ اخترطتُ سيفي وقصدتُه، فلما رفعت يدي رفع لي شُواظٌ من نارٍ كالبرق فسقط السيف من يدي، وناداني رسول الله ﷺ وقال: "أعيذُك بالله يا شيبة" أَطْلعه على ما كان في نفسي، فقلت: أشهد أنك رسول الله، وأحببتُه، فهو أحب إلي من سمعي وبصري (٣). ذِكْرُ هزيمة المشركين: كانت الهزيمة أولاً على هوازن، فخلَّفوا الذَّراري، ثم تنادوا: يا حماة السوء اُذكروا الفضائح، فتراجعوا فانكشف المسلمون. فقال الطُلقاءُ بعضهم لبعض: اخذُلوه فهذا وقته، فانهزموا، فهم أول من انهزم. وقال جابر بن عبد الله: لما انكشف الناسُ والله ما رجعت راجعةُ هزيمتهم حتى وجدنا الأسرى عند رسول الله ﷺ مُكتَّفين، ولما انكشفَ الناسُ قال رسول الله ﷺ لحارثة بن النعمان: يا حارثة كم ترى من الرجال الذين ثبتوا؟ قال: فحزَرْتُهم فكانوا مئة رجل (٤).

стр. 1696

وكان من دعاء رسول الله ﷺ لما انهزم الناس وبقي في المئة الصابرة: "اللهمَّ لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان" فقال له جبريل ﵇: لقد لُقِّنْتَ الكلماتِ التي لَقَّنَ اللهُ موسى يوم فلق البحر أمامه وفرعون خلفه (١). ويقال: إن المئة الصابرة يومئذ ثلاثة وثلاثون من المهاجرين، وسبعة وستون من الأنصار. وقصد أبو دجانة الرجلَ الذي كان على الجمل الأحمر وبيده رايةٌ سوداء على رمح طويل، وكان قد أكثر القتل في الناس، فعرقَبَ جَمَله وشدَّ عليه هو وعلي فقتلاه (٢). وبلغت هزيمةُ المسلمين مكّة، ثم تراجعوا، فأسهم لهم رسول الله ﷺ جميعًا، وجعلت أم سُليمٍ تقول: يا رسول الله أرأيت هؤلاء الذين فروا عنك وخذلوك، لا تعْفُ عنهم إذا أمكنك الله منهم، اقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين، فقال: "يا أم سُلَيْمٍ قد كفى الله" (٣). ولقد قَتل أبو طلحة يومئذ عشرين بطلًا وسَلَبهم. ولما حمل المسلمون على المشركين قتلوهم وأسرعوا إلى قَتْل الذُّريَّة [فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "ما بالُ أقوامٍ ذَهَب بهم القَتل حتى بَلغَ الذُّريّة] أَلا لا تُقْتَلُ الذُّريةُ" قالها ثلاثًا، فقال أُسيد بن حضير: أليس هم أولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : "أوَليسَ خيارُكُم أولادَ المُشرِكينَ، كلُّ نَسَمةٍ تُولَدُ على الفِطْرةِ، حتى يُعْرِبَ عنها لسَانُها، فأَبَواها يهوِّدَانها ويُنَصِّرانِها" (٤). وقال جبير بن مُطْعِمٍ: لما تراءينا نحن والقوم رأينا سوادًا لم نر مثله قط، فأقبل مثل الظلمة السوداء من السماء حتى أظلمت علينا وعليهم وسدت الأفق، فنظرنا فإذا وادي حنين يسيل بنمل أسود مبثوث لم نشك أنه نصر أيَّدَنا الله به (٥).

стр. 1697

وقال رجل من المشركين: التقينا نحن وأصحاب محمد فلم يقفوا لنا حَلْبَ شاةٍ، فلما كشفناهم جعلنا نخترقهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء - يعني رسولَ الله ﷺ فلاقانا رجال بيضُ الثياب، حسانُ الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، فرجعنا ورَكِبونا (١). وحُكيَ أيضًا عن رجل يقال له: شجرة من بني نصر أنه قاله بعدما انهزموا، وبلغ رسول الله ﷺ فقال: "تلك الملائكةُ". وقال الواقدي: نزلت الملائكة يوم حنين، سيماهم عمائم حمر قد أرخوها، فنظر إليهم الكفار فانهزموا (٢). وقال مالك بن أوس بن الحدَثان: حدثني عِدَّةٌ من قومي أنهم رأوا يومئذ رجالاً بيضًا على خيلٍ بُلْقٍ، عليهم عمائم حمرٌ، أرخوها بين أكتافهم بين السماء والأرض، كتائب كتائب، ما يستطيع أحد من الرعب ينظرُ إليهم (٣). وهربت ثقيف بعد أن قُتِلَ منهم مئة رجل تحت راياتهم حتى دخلوا حصن الطائف. وقال أبو قتادة: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين، فاستدرت له فأتيته من ورائه فضربته بالسيف على حَبْلِ عاتقه، فأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأَرْسلني، فلقيتُ عمرَ بنَ الخطاب ﵁ فقال: ما بال الناس؟ فقلت: أَمْرُ اللهِ، ثم رجع الناسُ وجلس رسولُ الله ﷺ فقال: "مَن قَتَلَ قَتيلًا فَلهُ سَلَبُه إذا كانت له بيِّنَةٌ" فقمت وقلت: من يشهدُ لي، ثم جلستُ، وقمت ثانيًا وثالثًا فقال: "مَالَكَ يا أبا قَتادَةَ؟ " فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسَلَبُهُ عندي، فأرضه من حقه، فقال أبو بكر: لاها اللهِ إذًا، لا يَعْمِدُ إلى أَسَدٍ من أُسْدِ الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سَلَبَه، فقال رسول الله ﷺ : "صدق فأعطِهِ إيَّاه" قال: فأخذت الدرع فابتعت به مَخْرَفًا، فإنّه لأول مال تأثَّلْتُه في الإسلام.

стр. 1698

أخرجاه في "الصحيحين" (١). وهذا الحديث يتضمن فتوى أبي بكر رضوان الله عليه بحضرة رسول الله ﷺ . ومرّ رسولُ الله ﷺ على امرأة مقتولةٍ، وكان قد قدَّم خالدًا في مقدِّمتهِ مع بني سُلَيم فأرسل إليه وقال: "لا تَقتُلنَّ امرأةً ولا عَسِيفًا" (٢) أي: أجيرًا. وفي رواية: "ما كانت هذه تقاتل فلم قتلت". وجاءته الشيماءُ بنت الحارث بن عبد العزى أُخته من الرضاعة بعد أن أتعبوها من المشي وهي تقول: والله إني أخت صاحبكم، ولا يُصَدِّقُونها، فلما دخلت على رسول الله ﷺ قالت: يا محمد إني أختك من الرضاعة، فقال: "وما علامة ذلك"؟ قالت: عضضتني في إبهامي هذه وأنا مُتورِّكَتُكَ بوادي السرور ونحن نرعى بَهْمَ أبيك وأبي، وأَرَتْهُ مكان العضَّةِ، فعرف العلامة وقام لها قائمًا وبسط لها رداءه ثم أجلسها عليه، ورحَّب بها وسألها عن أمه وأبيه فأخبرته بموتهما، فدمعت عيناه، وخيَّرها بين المقام عنده وبين الرجوع إلى أهلها، وأسلمت فأحسن إليها ووهبها ثلاثة أَعْبُدٍ وجاريةً، فأحدهم يقال له: مكحول، فزوجوه الجارية (٣). ثم عادت إلى رسول الله ﷺ بالجِعِرّانةِ فأعطاها نَعَمًا وشاءً (٤). وهرب مالك بن عوف إلى حصن الطائف. ذِكْرُ الغَنائمِ: كانت الإبل أربعًا وعشرين ألفًا، والبقر ثلاثة آلاف، والغنم أربعين ألفًا، ومن الخيل ألفان، ومن السبايا ستة آلاف، وقيل عشرة آلاف، ومن الفِضَّة شيء كثير، فأمر رسول الله ﷺ بإصدار الجميع إلى الجِعِرّانةِ ليعودَ إلى الطائف، وولَّى مسعودَ بنَ عمرو القاري ذلك، وقيل: استعمل على السبي مَحْمِيةَ بن جَزْءٍ.

стр. 1699

وقال الحَريش بن هلال القريعي من شعراء الحماسة (١): [من الوافر] شَهِدْنَ مع النبيِّ مُسَوَّماتٍ … حُنَيْنًا وَهْيَ داميةُ الحوامي (٢) ووقعة خالدٍ شهدَتْ وحكَّت … سنابكَها على البلد الحرامِ (٣) نُعرِّضُ للسيوف إذا التقينا … وُجوهًا لا تُعَرَّضُ للِّطامِ ولستُ بخالعٍ عَنِّي ثِيابي … إذا كَرَّ الكُماةُ ولا أُرامي ولكنِّي يجولُ المُهرُ تحتي … إلى الغاراتِ بالعضْبِ الحُسامِ ذكر من استشهد من المسلمين في ذلك اليوم: أيمن بن عُبَيْد بن زيد، وقيل: ابن عمرو (٤) الخزرجي، وهو ابن أم أيمن مولاةِ رسولِ الله ﷺ ، وهو أخو أسامة بن زيد ﵄ لأمه، وهو من الطبقة الثالثة، وثبت يوم حنين مع رسول الله ﷺ ووقاه بنفسه، وقُتِلَ بين يديه، ويقال له: الحبشي ﵁. آبي اللَّحْمِ، واسمه الحُوَيْرثُ بن عبد الله، وقيل: اسمه عبد الله بن عبيد بن مالك، من بني غِفار، وهو من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وإنما سمي آبي اللحم لأنه أبى أن يأكل من اللحم ما ذبح على النصب والأصنام. سراقةُ بن الحارث بن عدي الأنصاري من بني العَجْلان. أبو عامر الأشعري، واسمه عُبَيْد، وقيل: عبد الله، وقيل: عبيد الله بن وهب، حليف بني تميم رهطِ أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، وهو عم أبي موسى الأشعري، قال أبو نعيم: قتله دُريد بن الصِّمة. وهو وهم لأن دريدًا كان شجاعًا شيخًا كبيرًا عاجزًا عن القتال، وإنما قتله سلمة بن دريد. وقال أبو موسى الأشعري: لما فرغ رسولُ الله ﷺ من حُنَيْن بعث أبا عامر على جيش إلى أَوْطاس، فلقي دُرَيْدَ بن الصمة، فقُتِلَ دريدٌ وهزم الله أصحابه.

стр. 1700

قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر فرُميَ أبو عامرٍ في رُكبته، رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه وقلت: يا عم، من رماك؟ فقال: ذاكَ قاتلي الذي رماني تَراه؟ فلحقت الرجل فلما رآني ولّى هاربًا، فاتَّبَعْتُه وجعلت أقول: ألا تستحي، فوقف فالتقينا، فقتلته ثم رجعت إلى أبي عامر فقلت له: قد قَتَل الله صاحبك، فقال: انزع هذا السهم فنزعته فنزا منه الماءُ، قال: فانْطَلِقْ إلى رسولِ الله ﷺ وأقرِئه مني السلام واسأله أن يستغفر لي، ثم لِتَخْلُفْني على الناس، ومكث يسيرًا ومات، فلما رجعتُ إلى رسول الله ﷺ دخلت عليه وهو في بيت على سرير مُرْمَل وعليه فِراش وقد أثر رِمال السرير في ظهره وجنبه، فأخبرته خبر أبي عامر، فدعا له واستغفر، فقلت: ولي، فقال: "اغفرِ اللَّهمَّ لعبدِ اللهِ بنِ قيسٍ ذَنبَهُ، وأَدخِلْهُ مُدْخَلًا كريمًا يومَ القيامةِ" (١). وقال الواقدي: بارز أبو عامر عشرة فقتل تسعة، وبرز له العاشر وهو مُتَعمِّمٌ بعمامة صفراء فقال أبو عامر: اللهمَّ اشهد، فقال الرجل: اللهمَّ لا تشهد، فضرب أبا عامر فأثبته، فحملوه وبه رَمَقٌ، واستخلف أبا موسى الأشعري ففتح الله عليه، وقتل قاتلَ أبي عامر وجاء إلى رسول الله ﷺ فاستغفر لأبي عامر، فقال له أبو موسى: يا رسول الله، فهذا لأبي عامر فادع لي، فقال: "اللَّهمَّ اغفِر لأبي موسى، واجْعَلهُ في أَعْلَى أُمَّتي" (٢). يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب، جمح به فرسه، فقتله المشركون. ذكر من قتل من الكفار: قتل منهم زيادة على المئة، وقيل: تسعون، وقيل: سبعون، فمن أعيانهم: دُرَيد بن الصِّمَّة (٣)، واسم الصمة: معاوية، وكنية دريد: أبو قُرة الجُشَمي، وهو الذي خَطَبَ الخنساء ابنةَ عمرو بن الشريد فلم تُجِبْهُ فقال: [من الوافر] كفاك الله يا ابنة آل عمرو … من الفتيان أمثالي ونفسي أَتَزْعمُ أنني شيخ كبيرٌ … وهل أَنْبأْتُها أني ابنُ أمسِ

стр. 1701

ودريد يعد في الشعراء الفرسان، ووفد على الحارث بن أبي شَمِر الغَسَّاني. وقال أبو حاتم: كان مالك بن عوف يخرج بدريد في الحروب يتيمَّن برأيه، ولم يخالفه إلا في هوازن. ذكر مقتله: يقال: إن أبا عامر الأشعري قتله، فرماه ابنه سلمة بن دريد بسهم فقتل أبا عامر. وقال الواقدي: لما انهزم الناس يوم حنين أتوا الطائفَ، وعسكر ناس منهم بأَوْطاس، وتوجه بعضهم نحو نَخْلَةَ، فبعث رسولُ الله ﷺ في آثارهم، فأدرك ربيعةُ بن رُفَيعْ بن وهبان السلمي دريدَ بن الصمة، فأخذ بخِطام جمله وهو يظن أنه امرأة وهو في شِجارٍ له (١)، فأناخ الجملَ، وإذا فيه شيخ كبير ابن ستين ومئة وهو لا يعرفه، فقال له دريد: ما تريد؟ قال: قتلك، قال: وما تريد إلى المُرْعِشِ الكبير الفاني الأَدْرَدِ (٢)، فقال الفتى: ما أُريد إلى غيره ممَّن هو على مِثْلِ دينه، فقال له دُرَيد: من أنت؟ فانتسب له، وضربه بسيفه فلم يُغْنِ شيئًا، فقال دريد: بئس ما سلَّحتكَ أُمُّكَ، خذ سيفي من وراء الرَّحْل في الشِجار واضرب به وارفع عن العِظامِ واخفض عن الدماغ، فإني كنتُ كذلك أقتُلُ الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قَتْلتَ دُرَيْد بن الصمة، فربَّ يوم قد منعت فيه نساءك، فلمّا ضَرَبَهُ تكشَّف عَجُزُه وبطونُ فَخْذَيْه فإذا بها مثلُ القراطيس من ركوب الخيل، فلما رجع ربيعةُ إلى أمه أخبرها فقالت: والله لقد أعتق دُرَيْدٌ أُمَّهاتٍ لك ثلاثًا في غَداة واحدة وجزَّ ناصية أبيك، فقال الفتى: لم أشعر (٣). فقالت عَمْرة (٤) في قتل ربيعةَ دريدًا: [من الوافر] جَزى عني الإلهُ بني سُلَيْمٍ … وأَعقَبَهم بما فَعلوا عَتاقِ (٥) وأسْقَانا إذا قُدنا إليهم … دِماءَ خِيارِهم عندَ التلاقِي

стр. 1702

فربَّ عظيمةٍ دافَعْتَ عنهم … وقد بَلغَت نُفوسُهم التَّراقِي وربَّ مُنَوِّهٍ بكَ من سُلَيْمٍ … أَجَبْتَ وقد دعاكَ بلا رِماق وربَّ كريمةٍ أَعْتَقْتَ منهم … وأُخرى قد فَكَكْتَ مِنَ الوَثاق فكانَ جَزاؤُنا مِنْهم عُقوقًا … وهمًّا ماعَ منهُ مُخُّ ساقِ وهرب سَلَمةُ بنُ دريد مع مالك بن عوف، فلما طلع مالك على ثَنيَّةٍ قال لأصحابه: قفوا حتى يمضيَ ضُعفاؤكم ويلحقوا بإخوانكم، ووقف حتى مضوا (١). واختلفوا في سِنِّ دريد، فقيل: ستون ومئة سنة، وقيل: مئة وسبعون سنة، وقيل: مئتا سنة وعِشْرون سنةً. وقال أبو عبيدة: كان دُريد ميمونَ النقيبة، غزا مئة غزوة، وأدرك أوَّلَ الإسلام ولم يسلم حتى قُتِلَ كافرًا. وكانت بنو يربوع قتلوا الصِّمةَ، فأوقع بهم دريدٌ فقتلهم. وكان له إخوة: عبد الله وعبد يغوث وقيس وخالد بنو الصِّمة، وأمهم جميعًا ريْحانةُ بنت معدي كَرِب الزبيدي أخت عمرو، وكان الصِّمة سباها (٢) ثم تزوجها، فأولدها بنيه، وفيها يقول أخوها عمرو: [من الوافر] أَمِنْ ريحانةَ الداعي السميعُ … يُؤرّقني وأصحابي هجوع وأما عبد الله فيقال له: العارض، أغار هو ودريد على نَعَمٍ لقيس فاستاقوها، فلما كانوا ببعض الطريق نزل عبد الله في مكان، فقال له دريد: لا تفعل، فجاءت قيسٌ فأحاطت بهم، فأول من قتل عبد الله وكان أشجع إخوة دريد، فقال دريد: [من الطويل] أَمَرْتُهُمْ أَمْري بِمُنْعَرَجِ اللِّوى … فلم يستبينوا الرُّشْدَ إلا ضُحى الغَدِ فلما عَصَوني كنتُ منهم وقد أرى … غَوايتهم وأَنَّني غَيْرُ مُهْتَدِ وما أنا إلاَّ من غَزِيَّة إِنْ غَوت … غَوَيْتُ وإن تَرْشُد غَزيةُ أَرْشُدِ فقلت لهم ظُنّوا بأَلفَيْ مُدَجَّجٍ … سَراتُهم في الفارسيّ المُسَرَّدِ

стр. 1703

وإن يكُ عَبْدُ الله خَلّى مكانَه … فما كان وَقَّافًا ولا طائِشَ اليَدِ كميشُ الإزارِ خارجٌ نصفُ ساقِه … بَعيدٌ من الآفات طلاَّعُ أَنْجُدِ قليلُ التَّشكِّي للمصيباتِ حافظٌ … منَ اليومِ أعقابَ الأحاديثِ في غَدِ صَبا ما صَبا حتَّى علا الشَّيبُ رَأْسَه … فلمَّا علاه قال للباطل ابعُدِ وأوَّلها: أَرَثَّ جديدُ الحَبْل مِن أُمِّ مَعْبَدِ … بعاقبةٍ وأخلفت كلَّ موعد وأُمُّ معْبَد: امرأة دريد، لما جزع على أخيه عاتبت وصغَّرت أمر أخيه عبد الله، فألحقها بأهلها وكان عبد الله يكنى أبا فُرغان، وأبا ذُفافَة، وأبا أوفى. واليوم الذي قتل فيه يسمى: يوم اللِّوى، واليوم الذي ظهر فيه دريد يسمى: يوم الدلائل، فإنه أخذ بثأر أخيه وقتل سادات غطفان واستَقْراهم حيًّا حيًّا. وأما عبدُ يغوث بن الصِّمة فقتله بنو مُرَّة. وأما قَيسُ بن الصمة فقتله بنو كلاب. وأما خالد بن الصمة فقتله بنو الحارث بن كعب (١). وأنزل الله تعالى في قصة حنين ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ الآية [التوبة: ٢٥]. غزاة الطائف (٢) وسار رسولُ الله ﷺ من فَوْرٍ على تعبئته وقد تحصَّن القومُ بحصنهم، وقدَّم خالدَ بن الوليد في مقدَّمتهِ. وكان عروةُ بن مسعود وغَيْلانُ بن سَلَمة بجُرَشَ يتعلَّمان عمل الدباباتِ والمجانيق لأجل حصنهم (٣).

стр. 1704

وسلك رسول الله ﷺ على نَخْلةِ اليمانية ثم على لِيَّةَ، وابتنى بها مسجدًا بيده، وأصحابهُ ينقلون إليه الحجارة. وأُتي يومئذٍ برجلٍ من بني ليث قتلَ رجلًا من هُذيلٍ فسلَّمه إلى هذيل فقتلوه، وكان أوَّلَ دمٍ أُقيد في الإسلام، وحرقَ قصرَ مالك بن عوف بلِيَّة ولم يكن به أحدٌ، ومالك بن [عوف في] (١) حصن ثقيف، ومضى رسول الله ﷺ حتى نزل قريبًا من الطائف، فجاءهم النَّبْلُ كأنَّه الجرادُ، حتى أُصيبَ من المسلمين أناسٌ، فقال له الحُبابُ بن المنذر: إن كان نزولك يا رسول الله عن أمرٍ، سلَّمنا، وإن كان عن غيرِ أمرٍ، فالرأيُ أن نتأخَّر، فقال: "انظروا مَكانًا مُرتَفِعًا" فنزلوا في موضع مسجد الطائف خارجًا من القرية، وأبو محجن يرمي من فوق الحصن بمعابل (٢) كأنها الرماحُ ما يسقُطُ له سَهْمٌ، وخرج من الحصنِ امرأةٌ ساحرةٌ فاستقبلت الجيش بعورتِها، يدفعون بذلك عن حصنهم (٣). وشاور رسولُ الله ﷺ أصحابه في ذلك، فقال له سلمان: قد كُنَّا بفارسَ ننصُبُ المجانيق [وإن لم يكن المنجنيق] (٤) طال الثواءُ، فأمره بعملهِ ونصبه على الحصن، وعمل يزيدُ بن ربيعةَ دبابتين، ونثر رسول الله ﷺ حَسَكًا من عيدانٍ حول حصنهم، ودخل المسلمون تحت الدبابتين وهما من جلود البقر، وقاتلوا ثم رجعوا إلى جدار الحصن ليحصروه، فرمى عليهم القوم سكك الحديد المُحْماةَ بالنار فأحرقوا الدبابتين، وخرج بعض المسلمين منهما، فسُمِّيَ: يوم الشَّدْخَةِ، ورماهم القومُ بالنَّبْلِ فقتلوا جماعةً، فأمر رسول الله ﷺ بقطع أعنابهم وتحريقها، فنادى منادي القوم: يا محمدُ، لمَ تقطعُ أموالَنا؟ إما أن تأخذَها إن ظَفِرت علينا، وإمّا أن تدَعَها لله والرَّحِمِ، فقال رسول الله ﷺ : "إنِّي أدَعها لله والرَّحمِ" فتركها (٥). وتقدَّم أبو سفيان بن حرب والمُغيرةُ بن شعبةَ إلى ثقيفٍ فقالا: أمِّنونا حتى نتكلَّم،

стр. 1705

فأَمّنوهما. فدَعَوا نساءً من قريشٍ ليخرجنَ إليهما وهما يخافان السبيَ عليهن، منهن ابنة أبي سفيان كانت عند عروة بن مسعود ولم يكن عروةُ حاضرًا، والفِراسِيَّةُ بنتُ سُويد بن عمرو بن ثعلبة عند قارِب بن الأسود، وامرأةٌ أُخرى (١). وكان رجلٌ يقومُ على الحِصْنِ فيقول: روحوا يا رعاءَ الشاء، يا عبيد محمد، فقال رسول الله ﷺ : "اللهمَّ روّحه إلى النار" فرماه سعد بن أبي وقاص ﵁ بسهم فوقع في نَحْرهِ، فهوى من الحصن ميِّتًا، فَسُرَّ رسول الله ﷺ بذلك (٢). ورمى أبو محجن عبدَ الله بنَ أبي بكرٍ ﵄، ثم أُخرجَ السهمُ من الجرحِ وبرِئ واندمل، وأمسك أبو بكر [السهمَ عنده، وتوفي عبدُ الله، وقدمَ أبو محجن في خلافةِ أبي بكر]، فأخرج له السهم وقال: هل تعرف هذا يا أبا محجن؟ فقال: [كيف] لا أعرفُه وأنا بَرَيتُ قدحه ورِشْتُه ورميتُ به ابنك، والحمد لله الذي أكرمه بيدي ولم يُهنِّي بيده (٣). ونادى منادي رسول الله ﷺ : أَيما عبدٍ نزل إلينا من الحصن فهو آمن، فنزل جماعةٌ منهم: أبو بكرة نُفَيعُ بن الحارث بن مسروح، وكان [عبدًا] للحارث بن كَلَدةَ، وكُنِّي بأبي بكْرة لأنه نزل من الحصنِ في بكْرةٍ، فسلَّمه رسول الله ﷺ إلى عمرو بن العاص يعلِّمُه القُرآنَ والسُّنَنَ، وكذا فعل بالباقين؛ دفع إلى كلَّ واحدٍ من المسلمين رجلًا يمونُه ويعلِّمه (٤). فلما أسلم هل الطائف تكلَّموا فيهم ليُرَدُّوا إلى الرِّقِّ، فقال رسول الله ﷺ : "أولئك عتقاء الله، لا سبيلَ لكم عليهم" فبلغ ذلك من أهل الطائفِ. وقال ابن إسحاق: ردّ رسول الله ﷺ كل عبدٍ إلى مولاه لمّا أَسلم مواليهم. وقال عُيَيْنةُ بن حصنٍ: يا رسول الله، ائذن لي حتى آتي الحصن فأُكلِّمهم، فأذن له فجاءهم وقال: أَدنو منكم وأنا آمِن؟ فعرفه أبو محجن فقال: أَدْنُوه، فدخل الحصنَ فقال: فداكم أبي وأُمي، واللهِ لقد سرَّني منكم ما رأيتُ، واللهِ إنْ في العربِ أحدٌ مثلكم، واللهِ ما لاقى محمد مثلكم قطُّ، ولقد ملَّ المُقامَ فاثبتوا في حِصْنِكم فإنه حصين، وسلاحكُم كثيرٌ. فلما خرج قالت ثقيف لأبي مِحْجَن: إنا كَرِهْنا دخوله علينا،

стр. 1706

وخَشينا أن يُخبِرَ محمدًا بخَللٍ رآه في حصنِنا. فقال أبو محجن: لا تخافوا، فليس على محمدٍ أشدُّ منه وإن كان معه. فلمّا رجع إلى رسول الله ﷺ قال له: ما الذي قُلْتَ لهم؟ قال: قلتُ لهم: ادخلوا في الإسلامِ؛ فواللهِ لا يبرحُ محمدٌ عُقْرَ داركم حتى تنزِلوا، فخُذوا لأنفسكم أمانًا، فإنه قد نزل ساحة غيركم: بني قينقاع والنضير وقُريظة وخيبر أهل العِدَّةِ والحَلْقةِ، فقال له رسول الله ﷺ : كذبتَ، قلتَ لهم كذا وكذا، الذي قال، فقال عُيينةُ: أَستغفرُ اللهَ، فقال عمر ﵁: دعْني أَضرب عُنُقَه، فقال رسول الله ﷺ : "لا يتحدَّثُ الناسُ أَني أَقتلُ أصحابي". وأَغلظ له أبو بكر ﵁ وقال: ويحك يا عُيينة، إنّما أنت أبدًا تُوضعُ في الباطل، لنا مِنْكَ من يوم بني النضير وقريظة وخيبر والخندق، تُجْلِبُ علينا وتقاتِلُنا بسيفك، ثم أسلمتَ كما زعمتَ فتحرِّضُ علينا عدوَّنا؟! فقال: أستغفرُ اللهَ وأتوب إليه، لا أعود إليه أبدًا (١). ودخل رسول الله ﷺ على أم سلمة ﵂ وعندها عبد الله بن أبي أمية والمخنث يقول له: إن فتح الله عليكم الطائفَ غدًا فعليك بابنة غَيْلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فسمعه رسول الله ﷺ فقال لأم سلمة: "لا يَدخُلْ هذا عليكِ" (٢). ذكر رحيل رسول الله ﷺ - قال ابن إسحاق: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر رضوان الله عليه وهو محاصرٌ ثقيفًا: "يا أبا بكر إني رأيت كأنني أُهْدِيَت لي قَعْبَةٌ مملوءة زُبْدًا، فنقرها ديكٌ فهرَاق ما فيها". فقال: يا رسول الله، ما أظنك تدرك منهم ما تريد، فقال رسول الله ﷺ : "ولا أنا، ما أرى ذلك". ثم إن خولة بنت حكيم بن أمية بن الأوقص السُّلَمِيَّةَ امرأة عثمان بن مظعون ﵁ قالت: يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حُلِيَّ باديةَ بنتِ غَيْلان بن سلمة أو حُلِيَّ الفارعةِ بنت عَقيل وكانتا من أجمل نساء ثقيف، فقال لها رسول الله ﷺ : "وإنْ لم يَكُن أُذِنَ لي في ثَقيفٍ"، فخرجت إلى عمر بن الخطاب رضوان الله عليه فأخبرته،

стр. 1707

فدخل على رسول الله ﷺ فسأله فقال: "نَعَم" فقال: ألا أُوذِنُ الناسَ بالرحيل؟ قال: "بَلَى" فأذَّن فيهم بالرحيل (١). وبعث رسولُ الله ﷺ حنظلةَ بن الربيع ابن أخي أكثم بن صيفي إلى أهل الطائف ينظرُ هل يريدون الصلح أم لا؟ فدخل عليهم فسألهم فقالوا: الموتُ دونَ ذلك، فرجع إلى رسول الله ﷺ . ونادى سعيد ابن عمرو بن عِلاجِ الثقفي من الحصن: ألا إن الحي لمقيم، فقال عيينة: أجل والله، مَجَدةٌ كِرامٌ، فقال له رجل من المسلمين: قاتلك الله يا عيينة تمدح قومًا مشركين وقد جئت تنصر رسول الله ﷺ ؟! فقال: إني والله ما جئت أقاتل معكم ثقيفًا، ولكن أردت إذا فتح محمد الطائفَ أن أُصيب من ثقيف جاريةً فأتَّطِئَها لعلها أن تلد ذكرًا، فإن ثقيفًا قومٌ مذاكِير (٢). فلما ولّى عيينةُ قال رسول الله ﷺ : "هذا الأحمق المطاعُ" (٣). وقال أبو هريرة: لما مضت خمسةَ عَشَرَ يومًا من حصارهم استشار رسول الله ﷺ نوفلَ بن معاوية الدِّيلي فقال: "مَا تَرَى؟ " قال: يا رسول الله ثَعْلَبٌ في جحر إن أقمت عليه أخَذْتَه، وإن تركته لم يضرك شيئًا، قال: ولم يؤذن له في فتحها، فأذَّن عمر في الناس بالرحيل فضَجُّوا، فقال رسول الله ﷺ : "فاغدُوا على القِتال" فغدَوْا فأصاب المسلمين جراحاتٌ، فقال رسول الله ﷺ : "إنا قَافِلُونَ إنْ شاءَ اللهُ" فسرُّوا بذلك وجعلوا يرحلون ورسول الله ﷺ يضحك (٤). وأقام رسول الله ﷺ بضعًا وعشرين ليلة - والله أعلم - وكل ذلك يصلي ركعتين. وقال أبو إسحاق الثعلبي: حاصر الطائف إلى آخر شوال. فلما دخل ذو القعدة وهو شهرٌ حرامٌ لا يَحِلُّ القتال فيه انْصَرفَ عنهم، وكان معه من نسائه أم سلمة وأخرى قيل: هي زينب بنت جحش.

стр. 1708

ولما رحل عن الطائف قيل له: ادع عليهم، فقال: "اللهمَّ اهد ثقيفًا وائتِ بهم" (١) فاستجاب الله دعاءه. ذِكْرُ المُسْتَشْهد من المسلمين: سعيد بنُ سعيد بن العاص بن أمية، وعُرْفُطةُ بن حباب (٢) بن حبيب، وقيل: الحباب بن جُبير، وعبد الله بن أبي بكر الصديق ﵄ رمي بِسَهْمٍ فمات بالمدينة منه، وعبد الله بن أبي أمية مات من رميةٍ رُميها يومئذٍ، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، والسائب ابن الحارث [بن قيس بن عدي، وأخوه عبد الله بن الحارث، وجليحة بن عبد الله بن محارب، والحارث] (٣) بن سهل بن أبي صَعْصَعة، والمنذر بن عبد الله بن وَقْش بن ثعلبة، ورُقَيْم بن ثابت بن زيد بن لَوْذان، وقيل: ويزيد بن زمعة بن الأسود، جمح به فرسه إلى حصن الطائف فقتلوه، وثابت بن ثعلبة (٤) بن زيد بن حَرام. ومما قيل في الطائف من الشعر لما فرغ النبي ﷺ من مكة وحنين قول كعب بن مالك قبل نزوله على الطائف (٥): [من الوافر] قضينا من تِهامةَ كلَّ رَيْبٍ … وخيبرَ ثم أَجْمَمْنا السُّيوفا نُخبِّرُها ولو نطقت لقالت … قواطِعُهنَّ دوسًا أو ثقيفا فلستُ لمالك إن لم يزركم … بساحة داركم منها ألوفا وننتزع العُروشَ ببطن وَجًّ … وتُترك دارُكم منكم خُلوفا نجاهد لا نبالي من لقينا … أَأَهلكنا التِّلادَ أَم الطريفا بأمر الله والإسلام حتى … أقَمنا الدين مُعْتَدِلاً حنيفا

стр. 1709

ذكر رجوع النبي ﷺ إلى الجِعِرّانةِ: خرج من الطائف، ففي منحدره إلى الجِعِرَّانةِ لقيه سراقة بن مالك بن جُعْشُم الذي تبعهم في طريق المدينة لما هاجر النبي ﷺ ، قال سراقة: فدفعت الكتابَ الذي كتبه لي أبو بكر وناديتُ: أنا فلان وهذا كتاب رسول الله ﷺ فعرفني، فقال: "اُدْنُ" فدنوت، فقال: "هذا يَومُ وَفَاءٍ وبِرٍّ" فأسلمت وسقت إليه الصدقة (١). وانتهى رسول الله ﷺ إلى الجِعِرَّانة والغنائم والسبي بها، وقد اتخذ للسبي حظائر يستظلون بها من حر الشمس، وكان السبي ستة آلاف، فأمر رسول الله ﷺ بشر بن سفيان الخزاعي أن يقدم مكة فيشتري للسبي ثيابًا يكسوهم بها ففعل (٢). ذِكْرُ ما فَرَّق من السَّبْيِ: أعطى عبد الرحمن بن عوف ﵁ جارية منهن فوطئها بالملك بعد أن حاضت. وأعطى صفوان بن أمية أخرى، وعلي بن أبي طالب أخرى يقال لها: رَيْطة، وأعطى عثمان رضوان الله عليه أخرى اسمها زينب بنت خُناس (٣) فوطئها فكرهته، وأعطى عمر ﵁ جاريةً فأعطاها لابنه عبد الله، فبعث بها إلى أخواله بني جمح بمكة ليصلحوها حتى يطوف بالبيت ثم يعود إليها قال: فبينا أنا أطوف بالبيت وفي عزمي أن أعود إليها فأطأها، فلما خرجتُ من المسجد وإذا بالناس يَشْتَدُّون، فقلت: ما لهم؟ قالوا: رُدَّ سَبْيُ هوازن، فقلت لأهلها: دونكم إياها، فأخذوها. وأعطى جبير بن مطعم جارية فلم يطأها، وأعطى طلحة بن عبيد الله وأبا عبيدة بن الجراح والزبير بن العوام ﵃ جواري فوطئوهن، وهذا كله بحنين، فلما رجع إلى الجِعِرانة أقام يتربص أن يقدم عليه وفد هوازن (٤).

стр. 1710

وقال أنس: نادى رسول الله ﷺ يوم أوطاس: "أَلَا لا تُوطأُ الحَبَالى حتى يَضعْنَ، ولا غَيرَ الحَبَالى حتى يَستبرِئْنَ بحَيضَةٍ" (١). وعن سلمة بن الأكوع قال: رخص رسول الله ﷺ في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها (٢). وعنه عن رسول الله ﷺ : "أَيُّما رجل وامرَأةٍ تَوافَقَا، فَعِشْرَةُ ما بَينهُما ثَلاثُ لَيالٍ، فإنْ أَحَبَّا أَن يَتَزايَدا، أَو يتَّارَكا" فما أدري أشيء كان لنا خاصة أم للناس عامة (٣). ذكر وفد هوازن: لما أصاب رسولُ الله ﷺ ما أصاب من أموال هوازن وسباياهم أدركه وفدهم بالجِعِرَّانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، نحن الأهل والعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يَخْفَ عليك، وقام خطيبهم زهير بن صُرَد فقال: يا رسول الله، إنّما في الحَظائر من السبايا خالاتُك وعماتُك وحواضِنُك اللاتي كن يكْفُلْنَك، ولو كنا ملَكَنا ابن أبي شمر الغسَّاني أو النعمان بن المنذر، ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجونا بِرَّهما وعائِدتَهما وعَطْفَهما، وأنت خير المكفولين، وأنشده (٤): [من البسيط] اُمنُنْ علينا رسولَ اللهِ في كَرَمٍ … فإنك المرءُ نَرْجوه ونَدَّخِرُ اُمنُنْ على بيضةٍ اِعْتَاقَها قَدَرٌ … مُمَزَّقٌ شملُها في دَهْرها غِيَرُ اُمنُنْ على نِسوَةٍ قد كنتَ تَرْضَعُها … إذ فُوكَ يَملؤُهُ مِن مَحضِها دِرَرُ اللاَّئي إذْ كنتَ طفلًا كنت تَرضَعُها … وإذ يزينُك ما تأتي وما تذرُ ألا تداركها نعماءُ تَنشُرُها … يا أرجَحَ الناس حِلْما حين يُخْتَبَرُ لا تجعلنّا كمن شالت نَعامتُه … واستبقِ منّا فإنا معشر زُهُر إنا لنَشْكُرُ آلاءً وإن قَدُمَتْ … وعندنا بعد هذا اليوم مُدَّخَر

стр. 1711

فقال رسول الله ﷺ : "نِساؤُكُم وأَبناؤُكُم أَحبُّ [إليكم أم أموالكم؟ " فقالوا: يا رسول الله خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحبُّ] (١) إِلينا، فقال: "مَا كانَ لي ولبَني عَبدِ المطَّلبِ فهوَ لكُم، وإذا صلَّيتُ الظهرَ بالناسِ فَقُومُوا وقُولُوا: إنا نَستَشفِعُ برسُولِ اللهِ ﷺ إلى المُسلِمينَ وبالمُسلمينَ إلى رسُول الله ﷺ في أَبنائِنَا ونِسائِنَا"، فلما صلوا الظهر فعلوا ما أمرهم به، فقال رسول الله ﷺ : "ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم" وقال المهاجرون والأنصار: ما كان لنا فهو لله ورسوله، وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال العباس بن مرداس السلمي: أما أنا وبنو سليم [فلا، فقالت بنو سليم:] بلى ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، فقال رسول الله ﷺ : "من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ستة فرائض من أَوَّلِ فَيءٍ نُصيبُه" فقال المسلمون: رضينا وسلمنا، ودفعوا ما كان بأيديهم من السبي إلى أهاليهم (٢). وكان عيينةُ قد اختار من السبي عجوزًا كبيرة وقال: هذه أم الحي، لعلهم أن يُغلوا بفِدائها وعسى أن يكون لها في الحي نسبٌ، فجاء ابنها إليه فقال: هل لك في مئة من الإبل؟ قال عيينة: لا، فانصرف وجعلت العجوز تقول لابنها: دعه فوالله ليتركني بغير فداء، فرجع الفتى إليه فقال عيينة: هل لك فيما دعوتني إليه؟ قال: لا أزيدك على خمسين ناقة، فقال عيينة: خذها بغير شيء لا بارك الله لك فيها، لا حاجة لي إليها، فقال ابنها: هي عُريانةٌ، فأَخَذ لها منه شملة (٣). وكان رسولُ الله ﷺ قال: "إن قدرتم على بجاد - رجلٍ من بني سعد بن بكر - فلا يفوتنكم" وكان قد أحدث حدثًا فظفر به المسلمون فأتوا به، وكانت الشيماء أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة، فسألته فيه فأطلقه لها (٤). ولما ردَّ رسول الله ﷺ على هوازن نساءهم وأبناءهم اتبعه الناس يقولون: يا رسول الله اقسِم علينا فيئنا، حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعَتْ رِداءهُ، فقال: "أَيُّها

стр. 1712

الناسُ، رُدُّوا عليَّ رِدَائي، فَوَالذي نَفسِي بيَدهِ، لو كانَ لَكُم بِعَدَدِ شَجَرِ تِهامَةَ نَعمًا لقَسمتُه عليكُم، ثم ما ألفيتُموني بَخيلًا ولا جَبانًا ولا كذَّابًا" (١). حديث الغار: عن أبي سعيد قال: أصبنا سبايا يوم حنين، فكنا نلتمس فِداءهُنَّ، فسألنا رسول الله ﷺ عن العزل فقال: "اصنَعُوا ما بَدا لَكُم، فما قَضَى اللهُ فهو كائنٌ، ولَيسَ مِن كلِّ الماءِ يكونُ الولدُ". انفرد بإخراجه مسلم (٢). وقال أبو سعيد: كانت اليهود تزعم أن العزلَ: الموْؤدةُ الصُّغْرى، فقال رسول الله ﷺ : "كذبتِ اليَهودُ، ولو أَرَادَ اللهُ أنْ يَخلقَهُ لم يَستَطعْ أحَدٌ أنْ يَصرِفَهُ". أخرجه الإمام أحمد رحمة الله عليه في "المسند" (٣). ذكر ما أعطى رسول الله ﷺ المؤلفة قلوبهم: أعطى أبا سفيان بن حرب مئة بعير، وابنه معاويةَ مئة بعير، وحكيمَ بن حِزام مئة بعير، والنَّضْرَ بن الحارث (٤) بن كَلَدَة بن علقمة مئة بعير، والعلاء بن جارِيةَ الثقفي مئة من الإبل، وسهيل بن عمرو مئة من الإبل، وحويطب بن عبد العزى مِئةً من الإبل، وسهل بن مُطعِم مئة من الإبل، وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر دون المئة (٥). وأعطى مَخْرمة بنَ نوفل الزهري وعُمير بن وهب الجُمَحي وهشام بن عمرو، وأعطى سعيد بن يَربوع بن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل. وأعطى عبّاس بن مِرداسَ السُّلمي أباعِرَ (٦) فسخطها، وعاتب رسول الله ﷺ فقال: وإيقاظِيَ القومَ أَن يرقُدُوا … إذا هَجَعَ الناسُ لم أَهْجَعِ

стр. 1713

فأصبحَ نَهْبي ونَهْبُ العُبَيـ … ـدِ بينَ عُيينةَ والأَقْرعِ وقد كنتُ في الحَربِ ذا تُدْرَإٍ … فلم أُعْطَ شيئًا ولم أُمْنَعِ إلا أَفائِلَ أُعْطِيتُها … عديدَ قوائمها الأربعِ فما كان حِصنٌ ولا حابِسٌ … يفوقان مِرداسَ في مَجْمَعِ وما كنت دون امرئٍ منْهما … ومن تَضَعِ اليومَ لا يُرْفَعِ فقال رسول الله ﷺ : "اذهَبُوا فاقْطَعُوا لِسَانَهُ" فزادوه حتى رضي (١). وقال الواقدي: أخذ بلال بيده ليذهب به فيقطع لسانه فقال: يا معاشر المسلمين انقطع لساني، وأعطاه مئة من الإبل (٢). وقال صفوان بن أميَّة: أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ (٣). وقيل لرسول الله ﷺ : أعطيت عيينة والأقرع وتركت جعيل بن سُراقة الضَّمْري؟! فقال: "والذي نَفسِي بيَدهِ، لَجعيلٌ أَحَبُّ إليَّ من طِلاعِ الأرض كلها مثل عيينةَ والأَقرعِ، ولكنِّي تَأَلَّفتُهما لِيُسْلِما، وَوَكَلْتُ جُعَيْلًا إلى إسلامِهِ" (٤). وجُعيل من الطبقة الثانية من فقراء المهاجرين، شهد أُحدًا وما بعدها وكان صالحًا (٥). وكان رسول الله ﷺ قد غنم فضة كثيرة، فقال أبو سفيان بن حرب: يا رسول الله أصبحت أكثر قريش مالاً! فتبسم، فقال: أعطني من هذا المال، فقال لبلال: "يا بلال زِنْ لأبي سفيان أربعين أوقية" فأعطاه ومئة من الإبل، فقال أبو سفيان: فداك أبي وأمي إنك لكريم، لقد حاربتك فنعم المُحارَبُ كنت، ثم سالمتك فنعم المسالَمُ كنت، جزاك الله خيرًا (٦).

стр. 1714

وقال حكيم بن حزام: سألت رسول الله ﷺ بحنين مئة من الإبل فأعطانيها، ثم سألته مئة فأعطانيها، ثم سألته مئة فأعطانيها، ثم قال: "يا حكيمُ بنَ حزامٍ، إنَّ هذا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوٌ، فَمن أَخَذَه بسخَاءِ نفسٍ، بُورِكَ له فيهِ، ومَن أَخَذَه بإشرافٍ، لم يُبارَكْ له فيهِ، وكانَ كالذي يَأكُلُ ولا يَشبَعُ، واليدُ العُليا خَيرٌ مِنَ السُّفلَى، وابْدَأْ بمَن تَعُولُ". فكان حكيم يقول: والذي بعثك بالحق لا أَسْأَلُ أحدًا بعدك شيئًا. وكان عمر بن الخطاب رضوان الله عليه يقول: أيها الناس إني أشهدكم على حكيم أنِّي أدعوه إلى عطائه فيأبى أن يأخذه (١). قال الواقدي: والثابت أن رسولَ الله ﷺ أعطى هؤلاء من الخُمْسِ (٢). وأَمَر زيدَ بنَ ثابتٍ بإحصاءِ الغَنائم ففعل، وكان أبو حذيفة العدوي يتقاسم الغنم (٣). ذكر معاتبة الأنصار رسول الله ﷺ -: قال أبو سعيد الخُدري: لما أصاب رسولُ الله ﷺ الغنائمَ يوم حُنينٍ، وقسم في المنافقِين من قريش وسائر العرب ولم يعطِ الأنصار شيئًا، وَجَدوا في نفوسهم وقالوا: لَقِيَ واللهِ رسولُ الله ﷺ قومه، فقال سعدُ بن عبادة: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنْصار قد وجدوا في نفوسهم عليك، قال: "ولم"؟ قال: لأنك قسمت الغنائم في قريش والعرب، ولم يك فيهم من ذلك شيء، قال: "فأَينَ أنتَ من ذلكَ يا سعدُ"؟ قال: ما أنا إلاّ امرؤ من قومي، قال: "فاجْمَعْ لي قَومَكَ"، فجمعهم في حظيرة، فقام رسول الله ﷺ خطيبًا فحَمِدَ الله وأثنى عليه وقال: "يا مَعاشِرَ الأنصارِ، أَلَم آتكُم ضُلَّالًا فَهَداكُمُ اللهُ بي؟ وعَالةً فَأَغناكُمُ اللهُ بي؟ وأَعَداءً فَألَّفَ بينَ قُلُوبكُم بي"؟، قالوا: بلى، قال: "أَلَا تُجيبُونَني" قالوا: وما نقول؟

стр. 1715

قال: "قُولُوا، ولو شِئتُم لَقُلتُم فُصُدَّقْتُم: جِئتَنَا طرِيدًا فَآوَيناكَ، وعَائِلاً فآسَيْنَاكَ، وخائفًا فأَمَّناكَ، ومَخذْولاً فنَصرناكَ"، فقالوا: المنُّ لله ورسوله. فقال: "أَوجَدْتُم في لُعاعَةٍ مِنَ الدُّنْيا أَلَّفْتُ بها قومًا ليُسْلِموا، وَوَكَلْتُكُم إلى إسلامِكُم؟ أَلَا ترضَوْنَ أَن يذهبَ الناسُ إلى رحالهم بالشَّاءِ والبَعيرِ، وتذهبون إلى رِحالِكُم برسولِ اللهِ ﷺ ، والذي نَفسي بيَدهِ، لو أنَّ الناسَ سَلَكُوا شعْبًا وَسَلكتِ الأنصارُ شِعْبًا، لَسَلكْتُ شِعْبَ الأَنْصارِ"، فبكى القوم حتى اخْضَلَّتْ لِحاهُم، وقالوا: رضينا بالله ورسوله (١). ذكر إسلام مالك بن عوف النّصري: [وقال رسول الله ﷺ لوفد هوازن، وسألهم عن مالك بن عوف: ما فعل؟] (٢) فقالوا: هو بالطائف، فقال: "أخبروه فإن أتاني مُسلمًا رَدَدْتُ عليه أهلَه ومالَه وأعطيتُه مئةً من الإبل" فأُخْبِرَ مالكٌ فخرج من حصن الطائف فحبسوه (٣)، فأمر براحلته فهيئت، وأمر بفرس له فأُتي به، فخرج ليلًا حتى لحق برسولِ الله ﷺ بالجِعِرانة أو بمكَّةَ، فردّ عليه ماله وأهله، وأعطاه مئة من الإبل، واستعمله على من أسلم من قومه (٤). * * * وفي هذه الغزاة قال ذو الخُويصرة واسمه - حُرقوص بن زهير - لرسول الله ﷺ : اعدل فما عدلت. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: أتى ذو الخويصرة التميمي إلى رسول الله ﷺ وهو يقسم الغنائم بحنين فقال: يا محمد، قد رأيتُ ما صنعتَ، فقال: "وكيفَ"؟ قال: لم أَرَكَ عَدَلْتَ، فغضب رسول الله ﷺ وقال: "إذا لم يكُنِ العَدلُ عِندي، فَعِندَ مَن يَكُونُ؟! " فقال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، فقال: "دَعهُ، فإنَّه سيكونُ لهذا

стр. 1716

شِيعَةٌ يتعَمّقون في الدِّين حتى يمرُقونَ منه كما يُمرقُ السّهمُ مِن الرَّمِيَّة" (١). وذكر الطبري: أنّ ذا الخُوَيصرة قال لرسول الله ﷺ في مالٍ بعثه علي ﵇ من اليمن إلى رسول الله ﷺ (٢). [عن أبي سعيد الخدري قال: بعث علي من اليمن إلى رسول الله ﷺ ] (٣) بذهبة في أديم مقروظٍ لم تُحَصَّلْ من تُرابها، فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة: بين زيدِ الخيل، والأقرعِ بن حابس، وعيينةَ بن حِصْن، وعلقمةَ بن عُلاثَةَ أو عامرِ بن الطُّفَيْلِ، فوجدَ من ذلك بعضُ الأنصار، فقال رسول الله ﷺ : "أَلَا تَأَمَنُوني وأنا أَمينُ مَنْ في السَّماءِ يَأْتينِي خَبرُها صَباحًا ومَسَاء"؟. ثم أتاه رجل غائرُ العينينِ مشرفُ الوجنتينِ، ناشِزُ الجبهةِ، كثُّ اللحيةِ، مشمِّرُ الإزارِ، محلوقُ الرأسِ فقال: اتّقِ الله يا رسولَ الله، فرفع رأسه إليه وقال: "وَيحكَ، أليسَ أَحَقُّ أَهلِ الأَرض أن يَتَّقيَ اللهَ أَنَا؟ " ثم أَدْبَرَ، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَه؟ فقال رسول الله ﷺ : "فَلَعلَّه يكونُ قد صلَّى" فقال خالد: رُبَّ مصَلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ : "إنِّي لم أُوْمَر أَن أُنَقِّبَ عن قلُوبِ النَّاسِ، ولا أَشقّ بُطُونَهم" ثم قال ﷺ : "سَيخرُجُ مِن ضِئضِئِ هذا .. وذكره" (٤). فصل في المؤلفة قُلوبهم فمنهم: الأَقْرع بنُ حابس التَّميمي المجاشعي، جُبَيْر بن مُطْعِم بن عدي، الحُرُّ بن قيس، الحارث بن هشام بن المغيرة، حويطب بن عبد العزى، حكيم بن حزام، حكيم ابن طليق، خالد بن قيس، سعيد بن اليربوع، سهيل بن عمرو، صَخر بن حرب، صفوان بن أمية، العلاء بن جارية الثقفي، العباس بن مِرداس السُّلَمي، عبد الرحمن بن يربوع، علقمة بن عُلاثة، عُمَيْر بن وهب، عمر بن مرداس، عمر بن مالك أبو السنابل، عيينة بن حِصْن، قيس بن عدي، قيس بن مَخْرمةَ، مالك بن عوف، مَخْرَمةُ بن نوفل،

стр. 1717

معاوية بن أبي سفيان، الحارث بن علقمة بن كَلَدَة وأخُوه النَّضْر، هشام بن عمرو، وقيل: زيد الخيل. قال عمرو بن العاص: كان رسولُ الله ﷺ إذا جلس بين أصحابه يتحدَّثُ يُقْبِلُ بوجهه على أهلِ الرُّتَب يتألَّفُهم بذلك، فكان يقبل بوَجْههِ وحديثهِ عليَّ، حتى قلتُ: ما في أصحابه أحدٌ أحبُّ إليه مني، فسألته يومًا عن شيء ووَدِدْتُ أني لم أكن سألته فقلت: يا رسولَ الله، أَيما أحبُّ إليك أنا أم أبو بكر؟ فقال: "أَبُو بَكرٍ" فقلت: عمر فقال: عمر، وذكر عثمان وعليًا وجماعةً من أصحابه وهو يقول: فلان لمن أذْكُرُه ولم يذكرني، فعلمت أنه كان يتألَّفُني (١). وقال أنس: كان الرجل يأتي النبي ﷺ لشيء يعطاه من الدنْيا، فلا يمشي حتى يكون الإسلامُ أَحبَّ إليه من الدنيا وما فيها (٢). وقال الشعبي: لم يبق في الناس اليوم من المؤلفة قلوبهم أحدٌ، إنّما كانوا على عَهْدِ رسول الله ﷺ فلما وَليَ أبو بكر رضوان الله عليه انقطعت الرشا (٣). وقال الشافعي: المؤلفة قلوبهم صِنْفان: مسلمون مجاهدون في سبيل الله، ومشركون أشراف مُطاعون، فالمشركون لا يُعْطَوْن شيئًا، أما المسلمون فأَرى أن يُعْطَوْا من الخُمْس ما يُتَألَّفُون به سوى سهامهم، لأن النبي ﷺ كان يتألَّفُ أقْوامًا في صدر الإسلام (٤). وقال أبو جعفر محمد بن علي: سهم المؤلفة قلوبهم ثابت لم يتغير. قال المصنف ﵀: وكان أشدَّهم على رسول الله ﷺ عيينةُ بن حِصْن بن حذيفة بن بدر من بني فَزارة، [واسم فزارة] (٥) عمرو، فضربه أخ له ففزره، وكنيته أبو مالِكٍ، ويقال لهم: بنو اللَّقيطة لأن جدَّتهُم وُجِدت لَقيطةً فَنُسِبوا إليها، وجدُّه حذيفةُ

стр. 1718

كان سيَّدَ غَطفان وقتلته بنو عبس، وابنه حِصْن كان سيدًا قتلته بنو عَقيل، وكان عيينة سَبَب الفِجار الثاني، لأنه أغار على سوق عُكاظ. وأسلم قبل الفتح وكان منافِقًا، وارتدَّ وقاتل المسلمين مع طُليحة، ثم عاد إلى الإسلام فقبله أبو بكر رضوان الله عليه وأمَّنه. وعاش إلى زمن عثمان ﵁ ودخل عليه، فقال له: يا عثمان، سِرْ فينا بسيرة عمر، فإنه أعطانا حتى أغنانا، فقال: والله ما كنتَ راضيًا بسيرة عمر، ثم قال له: هل لك إلى العشاء؟ فقال: إني صائم، فقال: أتواصل؟ فقال: وما الوصال؟ قال: تَصِلُ يومَك بليلتِك، فقال: لا، صيامُ الليل أهونُ عليّ من صيام النهار. وذهبت عيناهُ في أيام عثمان ﵁ ومات فيها، ولم يضبط تاريخُ وفَاته. وأما الأقرع بن حابس بن عِقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع التميمي، وكان سَيِّدَ قومِه، واسمه فراس، ولقب الأقرع لقرعٍ كان في رأسه، وهو نادى رسول الله ﷺ من وراء الحُجُرات، شهد حُنَينًا والطائف، قيل: وفتحَ مكة، وأسلم قبل الفتح، وشهد مع خالد بن الوليد مشاهده كلها واليمامة، ولم يذكر تاريخ وفاته، وقيل: إنه استعمل على جيش فدخل الجوزجان فأُصيبَ هو والجيش، وروى الحديث. قال الإمام أحمد ﵀: حدَّثنا عفان، حدَّثنا وُهَيب، حدَّثنا موسى بن عُقبة، حدَّثني أبو سلمة ابنُ عبد الرحمن، عن الأقْرعِ بن حابِسٍ أنه نادى: يا رسول الله من وراءِ الحجرات، فقال: يا رسول الله، إن حَمْدي لزَيْنٌ، وإن ذمي لشَيْن، فقال رسول الله ﷺ : "ذاكَ اللهُ " (١). وأما العباس بنُ مِرْداس بن أبي عامر، أبو الهيثم، وقيل: أبو الفضل السُّلَمي، وكان [العباس بن] (٢) مِرداس ممّنْ حرَّم شربَ الخمر في الجاهلية وقيل: هو أول من حرَّمها. وقال الزبير بن بكار: كان العباس فارِسًا شاعرًا، وأسلم قبل الفتح، ووافى رسولَ الله ﷺ بقُدَيْدٍ في ألف فارسٍ من قومه. وقيل: في تسع مئة عليهم الدروع والسلاح التام، وبأيديهم القنا. وهو من الطبقة الثالثة من المهاجرين، ولم ينزل مكة

стр. 1719

ولا المدينة بل البادية، وكان يغزو مع النبي ﷺ ثم يرجع إلى بلاد قومه، وكانت له بدمشق [دار] وبقيَّةٌ (١). وقال أبو الفرج الأصبهاني (٢): كان العباس فارسًا شاعرًا، شديد العارضة والبيان، سيدًا في قومه من كِلا طرفيه، وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وأمه الخنساء بنت عمرو بن الشريد. ذكرُ رجوع رسول الله ﷺ من الجِعِرانة إلى المدينة وأقام بالجِعِرانة ثلاث عشرة ليلة، وخرج منها ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعْدة ليلًا، فأحرم من مُصَلّاهُ، فلم يزل حتى دخل مكة واستلم الركن، ويقال: إنه لما نظر إلى البيت قطع التلبية وأناخ راحلته عند باب بني شيبة، ودخل وطاف ثلاثة أشواط يرمل فيها وتمم طوافه، ثم خرج فسعى بين الصفا والمروة على راحلته، وحَلَق رأسه عند المروة أبو هند عَبْدُ بني بياضة، وقيل: حلقه خِراش بن أمية، ولم يَسُقْ رسول الله ﷺ هَدْيًا، ثم خرج من مكة فسلك على الجِعِرانة، ثم على سَرِف حتى انتهى على مَرِّ الظهران. واستعمل على مكة عتَّاب بنَ أَسِيد وقال له: "استعملتك على أهل الله" وخلَّفَ معاذ بن جبل وأَبا موسى الأشعري يُعَلِّمانِ الناسَ القرآنَ والفِقْهَ، وأقام الحج في هذه السنة عتاب بن أسيد، وحج ناس من المسلمين والمشركين على مُدَّتِهم (٣). وقدم رسولُ الله ﷺ المدينة يومَ الجمعةِ لثلاثٍ بَقيْنَ من ذي القعدة. وفيها: تزوجَ رسولُ الله ﷺ الكلابيةَ، واسمها: فاطمة بنت الضحاك، وقيل: عَمْرَةُ بنت يزيد بن عُبَيْد بن كِلاب، وقيل: العالية بنت ظبيان، وقيل: هي التي استعاذت منه فقال لها: "الحقي بأهلك"، فكانت تقول: أنا الشقيةُ. وقيل: إنها من بني بكر بن

стр. 1720

كلاب، ولما وصفها أبوها لرسولِ الله ﷺ قال: وأزيدك أنَّها لم تمرض قط، فقال رسول الله ﷺ : "ما لهذه عند الله من خير" فطلَّقها. وقيل: إنه دخل بها، ولما خَيَّر نساءه اختارت قومها ففارقها. وقيل: وجد بكَشْحِها بياضًا ففارقها، وتوفيت سنة ستين في قومِها (١). وفيها: وَفَدَ على رسولِ الله ﷺ امرؤ القيس بن عابس بن المنذر بن امرئ القَيْس بن عمرو بن معاوية بن الحارث الأكبر بن معاوية بن كِنْدةَ، وهو ثور بن عقيل بن سبأ بن يَشجُب بن يعرُب بن قحطان الكندي، فأسلم ورجع إلى بلاده، ولما توفي رسولُ الله ﷺ ثبتَ على إسلامه ومنع قومه من الردة لما ارتَدَّ بعضهم مع الأشعث بن قيس، وهو من الطبقة الرابعة ممن وفد وشهد اليرموك، ونزل بَيْسان من أرض الشام. وفيها: طلَّق رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة، فجعلت يومها لعائشة ﵂ فردَّها، وقيل: إنّه عَزَم على طلاقها فتركها. وفيها: غلا السعر بالمدينة فقالوا: يا رسولَ الله سعِّر لنا، فقال: "إنَّ اللهَ هو الخَالِقُ البَاسِطُ الرزَّاقُ المُسَعِّرُ، وإنِّي لأَرجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ ولا أَحَدٌ يُطالِبُني بمَظْلِمةٍ ظَلمتُه إِيَّاها" (٢). وفيها: قَدِمَ عُرْوَةُ بن مسعود الثقفي من الطائف على رسول الله ﷺ . وفيها: وُلِدَ إبراهيمُ ﵇ ابن رسول الله ﷺ من مارية، في ذي الحجة، وكانت قابلته سلمى مولاة رسول الله ﷺ ، فخرجت إلى زوجها أبي رافع فأخبرته، فأخْبَرَ رسولَ الله ﷺ فوهب له عبدًا، وعقَّ عن إبراهيم شاةً يوم سابعِهِ، وحلق رأسه وتصدق بوزنه فضةً على المساكين، ودفن شعره في الأرض، وشقَّ مولدُه على نساءِ رسول الله ﷺ ولا مثلَ عائشة رضوان الله عليها (٣). وتنافس فيه نساءُ الأَنْصار، أَيهنَّ ترضعه، فدفعه رسولُ الله ﷺ إلى أُمِّ بُرْدَة بنت المنذر بن زيد وزوجها البراء بن أوس أَنْصاري، وكان رسولُ الله ﷺ يقيل عندها، وكان لرسول الله ﷺ ثُلَّةُ غنَمٍ يروح عليها، ولبنُ لِقَاحٍ، فقال لعائشة: "انظُرِي إلى
следующие страницы →