شِيعَةٌ يتعَمّقون في الدِّين حتى يمرُقونَ منه كما يُمرقُ السّهمُ مِن الرَّمِيَّة" (١).
وذكر الطبري: أنّ ذا الخُوَيصرة قال لرسول الله ﷺ في مالٍ بعثه علي ﵇ من اليمن إلى رسول الله ﷺ (٢).
[عن أبي سعيد الخدري قال: بعث علي من اليمن إلى رسول الله ﷺ ] (٣) بذهبة في أديم مقروظٍ لم تُحَصَّلْ من تُرابها، فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة: بين زيدِ الخيل، والأقرعِ بن حابس، وعيينةَ بن حِصْن، وعلقمةَ بن عُلاثَةَ أو عامرِ بن الطُّفَيْلِ، فوجدَ من ذلك بعضُ الأنصار، فقال رسول الله ﷺ : "أَلَا تَأَمَنُوني وأنا أَمينُ مَنْ في السَّماءِ يَأْتينِي خَبرُها صَباحًا ومَسَاء"؟. ثم أتاه رجل غائرُ العينينِ مشرفُ الوجنتينِ، ناشِزُ الجبهةِ، كثُّ اللحيةِ، مشمِّرُ الإزارِ، محلوقُ الرأسِ فقال: اتّقِ الله يا رسولَ الله، فرفع رأسه إليه وقال: "وَيحكَ، أليسَ أَحَقُّ أَهلِ الأَرض أن يَتَّقيَ اللهَ أَنَا؟ " ثم أَدْبَرَ، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، أَلَا أَضْرِبُ عُنُقَه؟ فقال رسول الله ﷺ : "فَلَعلَّه يكونُ قد صلَّى" فقال خالد: رُبَّ مصَلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ﷺ : "إنِّي لم أُوْمَر أَن أُنَقِّبَ عن قلُوبِ النَّاسِ، ولا أَشقّ بُطُونَهم" ثم قال ﷺ : "سَيخرُجُ مِن ضِئضِئِ هذا .. وذكره" (٤).
فصل في المؤلفة قُلوبهم
فمنهم: الأَقْرع بنُ حابس التَّميمي المجاشعي، جُبَيْر بن مُطْعِم بن عدي، الحُرُّ بن قيس، الحارث بن هشام بن المغيرة، حويطب بن عبد العزى، حكيم بن حزام، حكيم ابن طليق، خالد بن قيس، سعيد بن اليربوع، سهيل بن عمرو، صَخر بن حرب، صفوان بن أمية، العلاء بن جارية الثقفي، العباس بن مِرداس السُّلَمي، عبد الرحمن بن يربوع، علقمة بن عُلاثة، عُمَيْر بن وهب، عمر بن مرداس، عمر بن مالك أبو السنابل، عيينة بن حِصْن، قيس بن عدي، قيس بن مَخْرمةَ، مالك بن عوف، مَخْرَمةُ بن نوفل،
стр. 1717
معاوية بن أبي سفيان، الحارث بن علقمة بن كَلَدَة وأخُوه النَّضْر، هشام بن عمرو، وقيل: زيد الخيل.
قال عمرو بن العاص: كان رسولُ الله ﷺ إذا جلس بين أصحابه يتحدَّثُ يُقْبِلُ بوجهه على أهلِ الرُّتَب يتألَّفُهم بذلك، فكان يقبل بوَجْههِ وحديثهِ عليَّ، حتى قلتُ: ما في أصحابه أحدٌ أحبُّ إليه مني، فسألته يومًا عن شيء ووَدِدْتُ أني لم أكن سألته فقلت: يا رسولَ الله، أَيما أحبُّ إليك أنا أم أبو بكر؟ فقال: "أَبُو بَكرٍ" فقلت: عمر فقال: عمر، وذكر عثمان وعليًا وجماعةً من أصحابه وهو يقول: فلان لمن أذْكُرُه ولم يذكرني، فعلمت أنه كان يتألَّفُني (١).
وقال أنس: كان الرجل يأتي النبي ﷺ لشيء يعطاه من الدنْيا، فلا يمشي حتى يكون الإسلامُ أَحبَّ إليه من الدنيا وما فيها (٢).
وقال الشعبي: لم يبق في الناس اليوم من المؤلفة قلوبهم أحدٌ، إنّما كانوا على عَهْدِ رسول الله ﷺ فلما وَليَ أبو بكر رضوان الله عليه انقطعت الرشا (٣).
وقال الشافعي: المؤلفة قلوبهم صِنْفان: مسلمون مجاهدون في سبيل الله، ومشركون أشراف مُطاعون، فالمشركون لا يُعْطَوْن شيئًا، أما المسلمون فأَرى أن يُعْطَوْا من الخُمْس ما يُتَألَّفُون به سوى سهامهم، لأن النبي ﷺ كان يتألَّفُ أقْوامًا في صدر الإسلام (٤).
وقال أبو جعفر محمد بن علي: سهم المؤلفة قلوبهم ثابت لم يتغير.
قال المصنف ﵀: وكان أشدَّهم على رسول الله ﷺ عيينةُ بن حِصْن بن حذيفة بن بدر من بني فَزارة، [واسم فزارة] (٥) عمرو، فضربه أخ له ففزره، وكنيته أبو مالِكٍ، ويقال لهم: بنو اللَّقيطة لأن جدَّتهُم وُجِدت لَقيطةً فَنُسِبوا إليها، وجدُّه حذيفةُ
стр. 1718
كان سيَّدَ غَطفان وقتلته بنو عبس، وابنه حِصْن كان سيدًا قتلته بنو عَقيل، وكان عيينة سَبَب الفِجار الثاني، لأنه أغار على سوق عُكاظ.
وأسلم قبل الفتح وكان منافِقًا، وارتدَّ وقاتل المسلمين مع طُليحة، ثم عاد إلى الإسلام فقبله أبو بكر رضوان الله عليه وأمَّنه. وعاش إلى زمن عثمان ﵁ ودخل عليه، فقال له: يا عثمان، سِرْ فينا بسيرة عمر، فإنه أعطانا حتى أغنانا، فقال: والله ما كنتَ راضيًا بسيرة عمر، ثم قال له: هل لك إلى العشاء؟ فقال: إني صائم، فقال: أتواصل؟ فقال: وما الوصال؟ قال: تَصِلُ يومَك بليلتِك، فقال: لا، صيامُ الليل أهونُ عليّ من صيام النهار. وذهبت عيناهُ في أيام عثمان ﵁ ومات فيها، ولم يضبط تاريخُ وفَاته.
وأما الأقرع بن حابس بن عِقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع التميمي، وكان سَيِّدَ قومِه، واسمه فراس، ولقب الأقرع لقرعٍ كان في رأسه، وهو نادى رسول الله ﷺ من وراء الحُجُرات، شهد حُنَينًا والطائف، قيل: وفتحَ مكة، وأسلم قبل الفتح، وشهد مع خالد بن الوليد مشاهده كلها واليمامة، ولم يذكر تاريخ وفاته، وقيل: إنه استعمل على جيش فدخل الجوزجان فأُصيبَ هو والجيش، وروى الحديث.
قال الإمام أحمد ﵀: حدَّثنا عفان، حدَّثنا وُهَيب، حدَّثنا موسى بن عُقبة، حدَّثني أبو سلمة ابنُ عبد الرحمن، عن الأقْرعِ بن حابِسٍ أنه نادى: يا رسول الله من وراءِ الحجرات، فقال: يا رسول الله، إن حَمْدي لزَيْنٌ، وإن ذمي لشَيْن، فقال رسول الله ﷺ : "ذاكَ اللهُ " (١).
وأما العباس بنُ مِرْداس بن أبي عامر، أبو الهيثم، وقيل: أبو الفضل السُّلَمي، وكان [العباس بن] (٢) مِرداس ممّنْ حرَّم شربَ الخمر في الجاهلية وقيل: هو أول من حرَّمها.
وقال الزبير بن بكار: كان العباس فارِسًا شاعرًا، وأسلم قبل الفتح، ووافى رسولَ الله ﷺ بقُدَيْدٍ في ألف فارسٍ من قومه. وقيل: في تسع مئة عليهم الدروع والسلاح التام، وبأيديهم القنا. وهو من الطبقة الثالثة من المهاجرين، ولم ينزل مكة
стр. 1719
ولا المدينة بل البادية، وكان يغزو مع النبي ﷺ ثم يرجع إلى بلاد قومه، وكانت له بدمشق [دار] وبقيَّةٌ (١).
وقال أبو الفرج الأصبهاني (٢): كان العباس فارسًا شاعرًا، شديد العارضة والبيان، سيدًا في قومه من كِلا طرفيه، وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، وأمه الخنساء بنت عمرو بن الشريد.
ذكرُ رجوع رسول الله ﷺ من الجِعِرانة إلى المدينة
وأقام بالجِعِرانة ثلاث عشرة ليلة، وخرج منها ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعْدة ليلًا، فأحرم من مُصَلّاهُ، فلم يزل حتى دخل مكة واستلم الركن، ويقال: إنه لما نظر إلى البيت قطع التلبية وأناخ راحلته عند باب بني شيبة، ودخل وطاف ثلاثة أشواط يرمل فيها وتمم طوافه، ثم خرج فسعى بين الصفا والمروة على راحلته، وحَلَق رأسه عند المروة أبو هند عَبْدُ بني بياضة، وقيل: حلقه خِراش بن أمية، ولم يَسُقْ رسول الله ﷺ هَدْيًا، ثم خرج من مكة فسلك على الجِعِرانة، ثم على سَرِف حتى انتهى على مَرِّ الظهران. واستعمل على مكة عتَّاب بنَ أَسِيد وقال له: "استعملتك على أهل الله" وخلَّفَ معاذ بن جبل وأَبا موسى الأشعري يُعَلِّمانِ الناسَ القرآنَ والفِقْهَ، وأقام الحج في هذه السنة عتاب بن أسيد، وحج ناس من المسلمين والمشركين على مُدَّتِهم (٣).
وقدم رسولُ الله ﷺ المدينة يومَ الجمعةِ لثلاثٍ بَقيْنَ من ذي القعدة.
وفيها: تزوجَ رسولُ الله ﷺ الكلابيةَ، واسمها: فاطمة بنت الضحاك، وقيل: عَمْرَةُ بنت يزيد بن عُبَيْد بن كِلاب، وقيل: العالية بنت ظبيان، وقيل: هي التي استعاذت منه فقال لها: "الحقي بأهلك"، فكانت تقول: أنا الشقيةُ. وقيل: إنها من بني بكر بن
стр. 1720
كلاب، ولما وصفها أبوها لرسولِ الله ﷺ قال: وأزيدك أنَّها لم تمرض قط، فقال رسول الله ﷺ : "ما لهذه عند الله من خير" فطلَّقها.
وقيل: إنه دخل بها، ولما خَيَّر نساءه اختارت قومها ففارقها.
وقيل: وجد بكَشْحِها بياضًا ففارقها، وتوفيت سنة ستين في قومِها (١).
وفيها: وَفَدَ على رسولِ الله ﷺ امرؤ القيس بن عابس بن المنذر بن امرئ القَيْس بن عمرو بن معاوية بن الحارث الأكبر بن معاوية بن كِنْدةَ، وهو ثور بن عقيل بن سبأ بن يَشجُب بن يعرُب بن قحطان الكندي، فأسلم ورجع إلى بلاده، ولما توفي رسولُ الله ﷺ ثبتَ على إسلامه ومنع قومه من الردة لما ارتَدَّ بعضهم مع الأشعث بن قيس، وهو من الطبقة الرابعة ممن وفد وشهد اليرموك، ونزل بَيْسان من أرض الشام.
وفيها: طلَّق رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة، فجعلت يومها لعائشة ﵂ فردَّها، وقيل: إنّه عَزَم على طلاقها فتركها.
وفيها: غلا السعر بالمدينة فقالوا: يا رسولَ الله سعِّر لنا، فقال: "إنَّ اللهَ هو الخَالِقُ البَاسِطُ الرزَّاقُ المُسَعِّرُ، وإنِّي لأَرجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ ولا أَحَدٌ يُطالِبُني بمَظْلِمةٍ ظَلمتُه إِيَّاها" (٢).
وفيها: قَدِمَ عُرْوَةُ بن مسعود الثقفي من الطائف على رسول الله ﷺ .
وفيها: وُلِدَ إبراهيمُ ﵇ ابن رسول الله ﷺ من مارية، في ذي الحجة، وكانت قابلته سلمى مولاة رسول الله ﷺ ، فخرجت إلى زوجها أبي رافع فأخبرته، فأخْبَرَ رسولَ الله ﷺ فوهب له عبدًا، وعقَّ عن إبراهيم شاةً يوم سابعِهِ، وحلق رأسه وتصدق بوزنه فضةً على المساكين، ودفن شعره في الأرض، وشقَّ مولدُه على نساءِ رسول الله ﷺ ولا مثلَ عائشة رضوان الله عليها (٣).
وتنافس فيه نساءُ الأَنْصار، أَيهنَّ ترضعه، فدفعه رسولُ الله ﷺ إلى أُمِّ بُرْدَة بنت المنذر بن زيد وزوجها البراء بن أوس أَنْصاري، وكان رسولُ الله ﷺ يقيل عندها، وكان لرسول الله ﷺ ثُلَّةُ غنَمٍ يروح عليها، ولبنُ لِقَاحٍ، فقال لعائشة: "انظُرِي إلى
стр. 1721
شَبَهي" فقالت: ما أرى شبهه، فقال: "ألا تَرَيْ إلى بَيَاضِه ولَحمِهِ" (١).
وقال أنس: قال رسول الله ﷺ : "ولد لي البارحة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم، فجاءني جبريل فقال: السلام عليك يا أبا إبراهيم". قال أنس: ودفعه إلى أم سيف، امرأة قَيْنٍ بالمدينة، فجاء يومًا وقد امتلأ البيت دُخانًا، فقلت لأبي سيف: أمسك فقد جاء رسول الله ﷺ فأمسك، ودعا رسولُ الله ﷺ بالصبي فضمَّه إليه، وقال ما شاء اللهُ أن يقول (٢).
وفيها توفيت
زينبُ بنتُ رسولِ الله ﷺ -
وأمها خديجة ﵂، وكانت أكبرَ بناته، وزوجُها: أبو العاص بن الربيع في الجاهلية ثم أسلم، وكانت زينب ﵍ أسلمت قبله بست سنين، فردَّها رسول الله ﷺ بالنكاح الأول، لم يحدث شهادة ولا صَداقًا. ورُويَ أنه ردَّها بنكاحٍ جديد وولدت له عليًا وأمامة، فأما علي فتوفي وقد ناهز الحُلُمَ، ودخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وهو رديفُه على ناقته وقيل: إنه عاش بعد رسول الله ﷺ ، وهو وهم.
وأما أمامةُ فهي التي كان رسول الله ﷺ يحملها في الصلاة على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا قام حملها (٣).
وأهدى النجاشي إلى النبي ﷺ حِلْيةً فيها خاتمٌ من ذهب، فبعث به إلى أمامة، وقال: "تحلَّيْ بهذا يا بُنيَّة" (٤).
ولما توفيت فاطمةُ ﵍ تزوَّج علي رضوان الله عليه أمامةَ، زوجه إياها الزبير بن العوام ﵁ وكان أبو العاص أوصى إليه، ولما احْتُضِرَ علي ﵇ قال لها: لا آمن أن يَخْطُبَكِ هذا الطاغيةُ بعد موتي - يعني معاوية - فإن كان لك في الرجال حاجةٌ فقد رضيت لك المغيرة بن نَوْفل عشيرًا.
стр. 1722
فلما انقضت عِدَّتُها كتب معاوية إلى مروان بن الحكم يأمره أن يخطبها عليه وبذلَ لها مئة ألف دينار، فأرسلت إلى المغيرة وأخبرته وقالت: هذا خطبني، فإن كانت لك بي حاجة فأَقْبِل، فجاء إلى الحسن ﵇ فخطبها إليه فزوَّجه إياها (١).
وقال ابن سعد: لما قُتِلَ عليٌّ رضوان الله عليه خطبها معاوية، فقال لها المغيرة بن نوفل: أتتزوجين بابن آكلة الأكياد، فلو جعلت أمرك إلي، قالت: نعم، فقال: قد تزوجتُكِ، قال ابن أبي ذئب: فجازَ نِكاحُهُ (٢).
وقال شيخنا موفق الدين ﵀: أهدي إلى رسول الله ﷺ قلادة من جَزْعٍ فقال: "لأَدْفَعَنَّها إلى أَحَبِّ أَهلِي إليَّ" فقال النساء: ذهبت بها ابنة أبي قحافة، فدعا رسول الله ﷺ أمامة بنت زينب فعلَّقها في عنقها (٣).
وقال الواقدي: كانت أم أيمن وسودة بنت زمعة وأم سلمة فيمن غَسَّل زينب ﵍، وقال لهنَّ رسول الله ﷺ : "اغْسِلْنَها وِتْرًا: ثلاثًا أو خَمسًا أو سَبعًا، واجعَلْنَ في الماءِ سِدْرًا وفي الأخيرةِ كافورًا، وابْدَأْنَ بميَامِنِها ومواضعِ الوُضوءِ منها". قالت أم عطية: فجعلنا رأسها ثلاثة قرون: ناصيتها وقرنيها، وألقَيناه خلفها، ثم دفع إلينا رسول الله ﷺ إزاره وقال: "أَشْعِرْنَها إيّاهُ" ففعلنا، ثم أدنَيْناها منه فصلى عليها ونزل في قبرها (٤).
وقال أنَس: شهدنا ابنة رسولِ الله ﷺ وهو جالس على القَبْرِ وعيناه تدمعان فقال: "هَل فيكُم رجلٌ لم يقارِف الليلةَ"؟ فقال أبو طلحة: نعم أنا، قال: "انزل" فنزل في قبرها (٥)، سلامُ الله ورحمته ورضوانه عليها.
عروة بن مسعود
ابن معتِّب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، وهو قسي بن منبِّه
стр. 1723
ابن بكر بن هوازن بن منصور، أَبو يَعْفور الثقفي، وأُمه سُبيعةُ بنت عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ.
قذف الله في قلبه الإسلام فقدِم المدينةَ على رسول الله ﷺ فأسلم في ربيع الآخر فسُرَّ رسول الله ﷺ والمسلمون بإسلامه، ونزل على أبي بكر رضوان الله عليه وقال: يا رسولَ الله، ائذنْ لي أن أذهبَ إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام، فأقدُمُ عليهم بِخَيْرِ ما وفد وافِدٌ على قومِه، فقال له رسول الله ﷺ : "إنهم إذًا قَاتِلُوكَ" فقال: يا رسولَ الله، لأنا أَحبُّ إليهم من أَبكارِ أولادهم، ثم استأذنه ثانيًا، فقال له مِثْلَ قوله الأول، وقال له: يا رسولَ الله، لو وجدوني نائمًا ما أَيقظوني، ثم استأذنه ثالثًا فقال له: "إن شِئتَ فاخرُجْ".
فسار إلى الطائف فقدمه عَشِيًّا ودخل منزلَه ليلًا، فأنكر قومُه دخولَه منزِلَه، فحيَّوْه بتحيَّةِ الشرك فقال: عليكم بتحية أهل الجنةِ، ثم دعاهم إلى الإسلامِ فاتهموه وقالوا: واللاتِ والعُزّى لقد وقع في نفوسنا حيث لم تحلقْ رأسَكَ أنك قد صبأتَ، ونالوا منه فحلُم عنهم، وخرجوا من عنده يأتمرون كيف يصنعون به، حتى إذا طلع الفجرُ أَوفى على غُرْفَةٍ له فأذَّن بالصلاة، فرماه رجلٌ من رهطه من الأحلافِ يقال له: وهب بن جابر بسَهْمٍ، وقيل: إنّ الذي رماه أَوسُ بن عوفٍ من بني مالكٍ وهو أَثبت، وكان عروةُ من الأحلافِ فأصابَ أكحله فلم يرقأ دمُه، وحَشَد قومُه ولبسوا السلاحَ، وفعل الآخرون كذلك، فلمّا رأى عروةُ ذلك قال: لا تقتلوا بي، فإني قد تصدَّقْتُ بدمي على قاتلي لأُصلحَ بينكم، فهي كرامةٌ أكرمني الله بها، وهي الشهادةُ ساقها الله إليَّ، ثم قال: أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله، أخبرني أنكم تقتلوني، ثم قال لرهطهِ: ادفنوني مع الشُّهداء الذين قُتِلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحلَ عنكم، فدفنوه معهم، وبلغَ رسولَ الله ﷺ قتلُه فقال: "مَثلُ عروة مثل صاحب ياسين دعا قومه إلى الصلاة فقتلوه" (١).
* * *
стр. 1724
السنة التاسعة (١) من الهجرة
فيها: قدم وفدُ بني أَسدٍ في أولِ المحرَّم إلى المدينة، وفيهم: طُلَيْحَةُ بن خُويلد بن نوفل، وكان يُعَدُّ بأَلفِ فارسٍ. وكان في الوفد ضرار بن الأزور والحضرمي بن عامر، فقال حضرمي: يا رسول الله، لقيناك مُتَدَرِّعين الليل البهيم في سنة شهباء لم تبعثْ إلينا بعثًا ولم تُرسِلْ إلينا رسولًا، ثم أسلم طُليحة وأخوه سلمة والقومُ، ثم ارتدّ طُليحة وأخوه بعد وفاة رسول الله ﷺ (٢)، ويقال: إن فيهم نزل قوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: ١٧].
وفيها: بعث رسولُ الله ﷺ لما رأى هلال المحرم المُصَدِّقين إلى العرب، فبعث بُريدةَ إلى أسلم وغفار، وعبادَ بنَ بِشرٍ إلى سُلَيْمٍ ومُزَيْنَة، ورافعَ بنَ مَكِيثٍ إلى جُهَيْنَةَ، وعمرو بنَ العاص إلى فَزارةَ، والضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كِلاب، وبُسْر بن سفيان إلى بني كعب، وابن اللُّتْبيَّة الأَزْدي إلى بني ذُبْيان، وبعث رجلًا من بني سعد على صدقاتِهم.
وقيل: إنما سعى على بني كعب نُعيم بن عبد الله النَّحَّام العدوي، فجاء وقد حلَّ بنواحيهم من بني تميم بنو عمرو وهم يشربون على غدير بذات الأشطاط، وقيل: وجدهم على عُسْفان، فأمر بجمع مواشي خزاعة ليأخذ منها الصدقة، فَحَسَرَتْ عليه خزاعة الصدقة من كل ناحية، فاستنكر ذلك بنو تميم وقالوا: ما هذا؟ أتؤخذ أموالكم منكم بالباطل؟ فقاموا إلى السلاح، فقال الخزاعيون: نحن قوم نَدينُ بدينِ الإسلام وهذا من ديننا، وقال التميميون: والله لا يصل إلى بعير منها أبدًا، فهرب المصدِّقُ خوفًا على نفسه، والإسلام يومئذٍ لم يَعُمَّ العربَ، وقَدِمَ المُصَدِّقُ على رسولِ الله ﷺ فأخبره الخبر، وأخرجت خزاعةُ بني تميم من بلادهم، وقالوا: لولا قرابتكم لما وصلتم إلى بلادكم، ليدخُلَنَّ علينا من محمدٍ بلاءٌ وعداوة، وعلى نفوسكم، فقال
стр. 1725
رسولُ الله ﷺ : "مَنْ لِهؤلاءِ الذين فَعَلوا ما فَعَلوا"؟ فقال عيينةُ بن حِصن: أنا والله لهم، أتبع آثارهم وآتيك بهم إن شاء الله فترى فيهم رأيك أو يُسْلموا.
وخرج في خمسين فارسًا من العرب ليس منهم مُهاجريٌّ ولا أَنْصاريٌّ، وكان يكمن بالنَّهارِ ويسير بالليل، حتى انتهى إلى العَرج، فاقتصَّ آثارهم فوجدهم قد عدلوا من السُّقيا يريدون أرض بني سُليم، فنزلوا في صحراء وسرَّحوا مواشيهم والبيوت خُلوف ليس فيها إلا النِّساءُ ونفرٌ، فاخذ منهم أَحَدَ عَشَرَ رَجلًا وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيًّا، وقَدِمَ بهم المدينةَ فحبسهم رسولُ الله ﷺ في دار رملة بنت الحارث (١).
وفيها: قدم وفد تميم بهذا السبب وهم عشرة من رؤسائهم: عطارد بن حاجب بن زُرارة، والزِّبْرِقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، وتميم (٢) بن سعد، وعمرو بن الأَهتَم، والأقرع بن حابس، ورياح بن الحارث بن مجاشع، فدخلوا المسجد قبل الظهر وسألوا عن سَبْيِهم فأُخبروا أنهم في دار رملة، فجاؤوهم فبكى الذراري والنساءُ، فرجعوا حتى دخلوا المسجد ورسولُ الله ﷺ يومئذ في بيت عائشةَ رضوان الله عليها وقد أذَّن بلال الظُّهرَ والناس ينتظرون خروجَ رسول الله ﷺ ، فتعجلوا خروجه، فنادَوْا: يا محمد، اخرج إلينا، فقال بلال: إن رسول الله ﷺ يخرج الآن، وخرج رسولُ الله ﷺ وأقام بلالٌ الصلاةَ فتعلقوا برسول الله ﷺ يكلِّمونه ويقولون له: أتيناك بخطيبنا وشاعِرِنا فاستمع لهم، وصلّى رسول الله ﷺ الظُّهْرَ، ثم دخل بيته فصلى ركعتين، ثم خرج فجلس، فقام عطارد بن حاجب فخطب وقال:
الحمد لله الذي له الفضل علينا، والذي جعلنا ملوكًا وأعطانا الأموال نفعل بها المعروف، وجعلنا أَعزَّ المَشْرِق وأكثرهم مالًا وعددًا، فمن مِثْلُنا في الناس، فمن فاخَرنا فَلْيُعَدِّدْ مثلَ ما عَدَّدْنا، ولو شئنا لأكثرنا من الكلام، ولكنا نستحي من الإكثار فيما أعطانا الله، أقول هذا إلا أن يأتي من يقولُ ما هو أفضل منا (٣).
فقال رسولُ الله ﷺ لثابت بن قيس بن شمّاس: "قُم فأَجِبهُم" فقال: الحمد لله الذي
стр. 1726
خلق السماواتِ والأرضَ، وقضى فيهما أمره، ووَسِعَ كلَّ شيءٍ علمُهُ، ثم كان فيما قدَّر لنا وأنعَم علينا أن اصطفى من خلقه رسولًا، أكرم الناس نَسبًا، وأشرفهم حسبًا، وأحسنهم زِيًّا، وأصدقهم حديثًا، أنزلَ عليه كتابَهُ، وجعله أمينًا على خلقه، وكان خِيرته من عباده، فدعا إلى الإيمان بالله، فآمن به المهاجرون من قومه، ثم كنا أول الناس إجابةً له، فنحن أنصارُ الله ورسولهِ، نقاتِلُ الناسَ حتى يقولوا: لا إله إلّا الله، فمن آمن بالله ورسوله مَنع منَّا دمَه وماله، ومن كفر بالله ورسولهِ جاهدناه وكان قتله علينا يسيرًا. أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات. ثم قَعَدَ.
فقالوا: يا رسولَ الله، ائذن لشاعِرنا، فأذن له، فقام الزبرقان بن بدر فقال: [من البسيط]
نحن الملوك فلاحيٌّ يعادِلُنا … فينا الملوك وفينا تُنْصَبُ البِيَعُ
وكم قَسَرْنا من الأحياءِ كُلِّهِمُ … عند النِّهاب وفَضلُ الخير يُتَّبَعُ
ونحن نُطعِمُ عند القَحْطِ ما أَكلُوا … من السَّديفِ إذا لم يُؤنَسِ القَزَعُ
وننحر الكُومَ عَبْطًا في أَرومتِنا … للنَّازلين إذا ما استُنْزِلوا شَبِعوا
ولا ترانا إلى حَيٍّ نُفَاخِرُهم … إلا استَعاذوا وكادَ الرأسُ يُقْتَطَعُ
فمَن يُفاخِرُنا في النَّاس نَفْخَرُهُ … فيَرجعُ القَولُ والأخْبَار تُسْتَمَعُ
فقال رسول الله ﷺ لحسان: "يا حسانُ، أَجبْ" فقام قال: [من البسيط]
إنَّ الذَّوائبَ من فِهْرٍ وإخْوَتِهم … قد شرَّعوا سُنَّةً للناسِ تُتَّبَعُ
أكرِمْ بقومٍ، رسولُ الله شِيعتُهم … إذا تفرَّقتِ الأهواءُ والشِّيَعُ
وأَنَّهم أفْضَلُ الأحياءِ كُلِّهِم … إنْ جَدَّ بالناسِ جِدُّ القولِ أو شَمِعُوا
قومٌ إذا حاربوا رَدُّوا عَدُوَّهُمُ … أو حاوَلُوا النَّفْع في أشْياعِهم نَفَعوا
إن كان في الناس سَبَّاقون بَعدهُمُ … فكلُّ سَبْقٍ لأَدْنى سَبقهم تَبَعُ
أَهْدى لهم مِدَحًا قلبٌ يُؤازِرُهُ … فيما أحب لسان حائكٌ صَنَعُ
من أبيات (١).
стр. 1727
وخلا الوفد بعضهم إلى بعض فقالوا: والله خطيبُهم أبلغُ من خطيبنا، وشاعرهم أَشعرُ من شاعِرنا وهم أَحْلَمُ منّا، وأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الحجرات: ٤] وردَّ رسول الله ﷺ الأسرى والسبي وأجازهم فأحسن جوائزهم، وكان عمرو بن الأهتم في رِحالهم وظَهْرِهم ومن أحدثهم سِنًّا، وقيس بن عاصم يبغضه فقال: يا رسول الله إنه قد تخلَّفَ غلام منا في رحالِنا وهو حَدَثٌ لا شرَف له، فقال رسول الله ﷺ : "وإن كان فإنَّه وافدٌ وله حقٌّ". فأعطاه رسول الله ﷺ مثل ما أعطى واحدًا من القوم، وبلغ عمرًا فقال يهجو قيس بن عاصم: [من البسيط]
ظَلِلْتَ تغتابُني سِرًّا وتشتُمني … عند الرسول فلم تصدقْ ولم تُصِبِ
سُدْناكمُ سُودَدًا رَهْوًا (١) وسؤدَدُكُم … بادٍ نواجذهُ مُقْعٍ على الذَّنَبِ
إن تُبغضونا فإن الرومَ أصلُكُمُ … والروم لا تملكُ البغضاءَ للعرب
وقال أبو إسحاق الثعلبي: جاءت بنو تميم إلى رسول الله ﷺ فنادوا على الباب: يا محمد اخرج إلينا، فإن مدحَنا زَيْنٌ وذمنا شيْنٌ، فخرج رسول الله ﷺ وهو يقول: "إنما ذلكم الله، مدحُه زَيْنٌ وذمُّه شَينٌ". فقالوا: نحن أناسٌ من بني تميم جئنا بشاعِرنا وخطيبنا لنُشاعِرَكَ ونفاخِرَكَ.
فقال رسول الله ﷺ : "ما بالشَّعرِ بُعثتُ، ولا بالفخارِ أُمرتُ ولكن هاتوا" فقال الزبرقان لشاب فيهم: قم فاذكر فضْلَكَ وفضْلَ قومك، وذكر بمعنى ما تقدم.
ثم إن حسانَ بنَ ثابتٍ أنشد بعد إجابته لشاعرهم بالأبيات المتقدمة: [من الطويل]
نصرنا رسولَ الله والدينَ عَنْوَةً … على رُغْمِ عاتٍ من مَعَدٍّ وحاضِرِ
فأَحياؤنَا مِنْ خَيْرِ مَنْ وَطِئَ الحَصا … وأمواتُنا من خيرِ أَهْلِ المقابرِ
فقام الأقرع وقال: قد قلت شعرًا فاسمعه مني، فإني ما جئت لِما جاءَ له هؤلاء، فقال: "هات" فقال: [من الطويل]
أتيناكَ كَيْما يَعْرِفَ الناسُ فَضْلَنا … إذا جاء أَمْرٌ عند ذكر المكارمِ
стр. 1728
وأَنا رُؤوسُ الناس من كل معشر … وأن ليس في أرض الحجاز كَدارِمِ
وأَنَّ لنا المِرْباعَ في كلِّ غارَةٍ … تكون بنَجدٍ أو بأَرْضِ التَّهائمِ
فقال رسول الله ﷺ : "يا حسان أجبه" فقال: [من الطويل]
بني دارم لا تَفْخَروا إنَّ فَخركُم … يعود وَبالًا عند ذِكْرِ المكارمِ
هَبِلْتُم، علينا تفخرون؟ وأَنْتُم … لنا خَوَلٌ مِنْ بين ظِئرٍ وخادِمِ
فقال رسول الله ﷺ : "لقد كُنْتَ غَنيًّا يا أَخَا بني دارمٍ أن تذكرَ الناس ما كانوا قد نَسوه" فكان قوله ﷺ أشدَّ من قول حسان.
ثم عاد حسان إلى شعره فقال:
فإن كُنْتُمُ جِئتُم لحقْنِ دمائِكم … وأموالِكم أن تُقْسَموا في المقاسِمِ
فلا تجعلوا لله نِدًّا وأَسْلِموا … ولا تَفْخَروا عِنْدَ النبي بدارِمِ
وإلاَّ وربِّ البيتِ مالت أكفُّنا … على هامِكم بالمرهفاتِ الصوارمِ
فقال الأقرع: والله إن محمدًا لَمُؤْتى له! تكلَّمَ خطيبُهم فكان أحسنَ قولًا، وتكلَّم شاعرهم فكان أشعرَ من شاعِرنا، ثم قال: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنك محمدٌ رسولُ الله.
فقال النبي ﷺ : "ما يَضُرُّك ما كان قَبْلَ هذا". ثم أعطاهم وكساهم وارتفعتِ الأصواتُ عند رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] الآيات، يعني جفاة بني تميم (١).
* * *
وفيها: كانت سرية قُطبَة بن عامر إلى الخَثْعمِ، في صَفَر (٢).
وفيها: كانت سرية الضَّحَّاكِ بنِ سفيان الكلابي إلى القُرَطاءِ إلى بني كِلاب في ربيع الأول (٣).
стр. 1729
وفي ربيع الأول وَفَدَ وَفْدُ عبد قيسٍ إلى المدينة.
قال الواقدي: كتب رسول الله ﷺ إلى البحرين أن يَقْدُمَ عليه عشرون رجلًا من عبد القيس، فقدموا ورَأْسُهم: عبدُ الله بن عوف الأشجُّ، وفيهم الجارود العبدي، ومنقذ بن حيان، فقال رسول الله ﷺ : "مرحبًا بكم وأهلًا، نِعْمَ الوَفْدُ وَفْدُ عَبْدِ القَيْس، أيُّكم الأشجُّ" وكان دَميمًا فقال: أنا، فنظر رسول الله ﷺ ، فقال الأشجُّ: يا رسول الله، المرءُ بأَصْغَرَيْهِ قلبهِ ولسانِه، فقال له: "فيك خَصْلتان يحبهما الله ورسوله: الحِلْمُ والأناةُ" فقال: أشيء حدث أم جُبِلْتُ عليه؟ فقال: "لا بل جُبِلْتَ عليه"، وكان الجارودُ نصرانيًا فأسلم وحسن إسلامَهُ، واسمه بشر، وأنزلهم رسولُ الله ﷺ دار رملة ومسح على وجه منقذ بن حيان، ثم أعطاهم جوائزهم وأحسن إليهم وانصرفوا (١).
وفيها: كانت سرية الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب، غير السرية الأولى (٢).
وفيها: وَفْدُ بكر بنِ وائل، في ربيع الأول، وكان فيهم بشير بن معبد السَّدوسي وأُمُّهُ الخَصاصيّة أزْدِيّةٌ، قال هشام: هي أُمُّ أَحدِ أجدادِهِ، وأسلم وحَسُنَ إسلامه وصار من أهل الصُّفَّةِ، وماشى رسول الله ﷺ يومًا فأخذ بيده وقال له: "يا ابن الخصاصية، ما أصبحت تنقم على الله حيث أصبحتَ تُماشي رسول الله"؟ فقال: ما أصبحت أَنْقِمُ شيئًا، قد أعطاني ربي كل خير (٣).
وكان في الوفد حسَّانُ بنُ حَوْط، بحاءٍ مهملة، وفيه يقول بعض ولده (٤): [من الرجز]
أنا ابنُ حسان بن حوطٍ وأبي
رسولُ بكرٍ كلها إلى النَّبي
* * *
стр. 1730
وفيها: كانت سرية علقمة بن مُجَزِّز المُدْلجي إلى جُدَّة في ربيع الآخر (١)، بلغ رسول الله ﷺ أن ناسًا من الحبشة تَراآهُمْ أهلُ الشُّعَيْبَةِ: - ساحلٍ بناحية مكَّةَ - في مراكِب، فبعث علقمةَ في ثلاث مئة رجلٍ، فانتهى إلى جزيرة في البحر، فخاضَ الماءَ إليهم فهربوا مِنه فانْصَرف، فلما كان ببعض المنازل استأذنه بعض الجيش في الانصراف حيث لم يَلْقَوا كَيْدًا، فأذِنَ لهم، وأمّر عليهم عبدَ الله بنَ حُذافةَ السَّهْمي، وكان فيه دُعابةٌ فنزلوا ببعض [الطريق] وأوقدوا نارًا يصطلون بها، فقال عبدُ الله: عزمت عليكم إلا تواثبتُم في هذه النار، فقام بعض القوم فتحجَّزوا حتى ظن أنهم واثبون فيها قال: اجلسوا، إنما كنت أضحك معكم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "مَن أَمَركُم بمَعصِيَةٍ فَلا تُطيعُوهُ" (٢).
وفيها: كانت سرية علي ﵁ في ربيع الآخر إلى الفُلْسِ (٣) صنمِ طيّئ، بعثه رسولُ الله ﷺ في خمسين ومئة رجلٍ من الأنصار على مئة بعير وخمسين فرسًا، فأجنبوا الخيل واعتقبوا الإبلَ حتى أغاروا على حيٍّ من أحياء العرب، وسألوا عن محلَّةِ آلِ حاتمٍ فَدُلُّوا عَليها، فشنُّوا الغارة مع الفجر فسَبَوْا حتى ملؤوا أيديهم من السبي والنَّعم والشاء، وهَدَموا الفلْسَ وكان صنمًا لطيء.
وفي رواية: خرج ومعه رايةٌ سوداء مع سهل، ولواء أبيض مع جبار بن صخر، وبين يديه دليلٌ خِرِّيتٌ، فسلكَ بهم طريق فَيْد، فلما انتهى بهم إلى موضع قال: قد بقي بينكم وبين الذي تُريدون يوم، فإن سرتم نهارًا رآكم رعاؤهم فيُنذِروا بكم، ولكن أَقيموا يومكم ها هنا ونمشي ليلتنا فَنُصَبِّحُهم في عماية الصبح، فنزلوا وسرَّحوا إبلهم، فبعث علي رضوان الله عليه أبا قتادة والحُبابَ بنَ المنذر وأبا نائلة على خيولهم يطوفون حول العسكر، فوجدوا غُلامًا أسودَ، فقالوا: من أنت؟ فقال: أطلب بُغْيتي، فأتَوْا به عَليًّا فشدد عليه، فقال: أنا غلام من طيء، بعثوني إلى هذا المكان وقالوا: إن رأيت خيل محمد فَطِرْ إلينا. فقال علي رضوان الله عليه: ما ترَوْنَ؟
стр. 1731
فقال جبار بنُ صَخْرٍ: أرى أن نَسري ليلًا على خيلنا والعبدُ معنا حتى نصَبِّحَهُم، فقال: سيروا واجعلوا العبد دليلًا وهو مكتوف يردفه بعضهم عقبه، فلما ابهارَّ الليل وقف وقال: أخطأت الطريق وتركْتُها ورائي فرجع بهم مقدارَ ميل ثم قال: أنا على خطأ، فقال علي رضوان الله عليه: أنا منك على خُدَعة، قدَّموه فاضْرِبوا عنقه. فلما رأى السيف قال: أرأيتكم إن صدقتكم أينفعني؟ قالوا: نعم، قال: فإني صنعت ما رأيتم لأنه أدركني ما يدرك الناس من الحياءِ فقلتُ: أقبلتُ بالقوم أدلهم على الحي من غير مِحْنَةٍ، فلما عايَنْتُ القتل كان لي عذرٌ، الحيُّ منكم قريب. فتَسمَّعوا نُباحَ الكلاب، فصبَّحوهم وَقت السَّحَر وسَبَوْا وأخذوا النساء والأموال، فنظرت جاريةٌ إلى العبد وهو موثوق فقالت: هذا عمل رسولِكم أَسْلَمَ، فقال: يا ابنة الأكارم والله ما فعلت حتى قُدّمْتُ لتُضْرَبَ عنقي.
وأصابوا أُخْتَ عدي بن حاتم فعزلوها ناحِيةً (١).
وقال هشام: جعل رسول الله ﷺ أخت حاتم في حظيرة، فمرَّ بها رسول الله ﷺ فنادته: يا محمد أنا ابنةُ سيد قومي، كان أبي يحمي الذِّمارَ، ويفكُّ العاني، ويَقْري الضَّيْفَ، ويُشْبعُ الجائع، ويُطْعِمُ الطعامَ، ولم يردَّ طالبَ حاجةٍ قط. فقال لها رسول الله ﷺ : "هذه صِفَةُ المؤمنينَ، لو كانَ أَبوكِ مُؤمنًا تَرحَّمنا عليه، أَطلِقُوا عنها، فإنَّ اللهَ يُحبُّ مكارِمَ الأَخلاقِ".
* * *
وفي ربيع الآخر قدم وفْدُ تُجيب، وكانوا ثلاثة عشر، ساقوا صدقاتِ أموالِهم إلى رسولِ الله ﷺ فسُرَّ بهم وأنزلهم وأحسن إليهم وأجازهم بأكثر مما كان يجيزُ الوفود، وقال: "هل بقي منكم أحد"؟ قالوا: غلام خَلَّفْناهُ في رحالنا، فدعاه وقال: "ما حاجتُكَ"؟ فقال: أن تدعو لي بأن يغفر الله لي ويجعل غِنايَ في قلبي، فدعا له، وأمر أن يُعطى مثل ما أعطى واحدًا مِنْهم، ورجعوا إلى بلادهم، ثم وافَوْا رسول الله ﷺ بالموسمِ سَنَةَ عشر فسألهم عن الغلام، فقالوا: ما رأينا أقنع منه بما رزقه الله تعالى،
стр. 1732
فقال رسول الله ﷺ : "إني لأرجو أن نموت جميعًا" فمات الغلامُ ورسولُ الله ﷺ في يومٍ واحدٍ (١).
* * *
وفي ربيع الآخر بعثَ رسولُ الله ﷺ الوليدَ بن عُقْبة بن أبي مُعَيْطٍ مُصَدِّقًا إلى بني المصطلق من خُزاعةَ وكانوا قد أسلموا وبَنَوُا المسجد، فلما دنا منهم الوليد خرج إليه عشرون رجلًا يتَلقَّوْنه بالجزور والغنم فرحًا به، فلما رآهم ولَّى راجعًا إلى المدينةِ وأخبرَ رسولَ الله ﷺ أنَّهم لقوْه بالسلاح وحالوا بينه وبين الصدقةِ، فهمَّ رسول الله ﷺ أن يبعث إليهم من يغزوهم، وبلغ القوم، فقدم عليه الذين لقوا الوليد وقالوا: يا رسول الله هل ناطقَنا أو كَلَّمنا كلمةً واحدةً؟ فأنزل الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الآية [الحجرات: ٦]. وقيل: كان بين الوليد وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمعوا به تلقَّوْه تعظيمًا لأمر رسول الله ﷺ ، فظنَّ أنهم يريدون قتله فهابهم ورجع (٢).
وفيها: قدم عدي بن حاتم إلى المدينة في جمادى الأولى.
قال عدي بن حاتم: ما كان رجلٌ من العرب أشدَّ كراهيةً لرسولِ الله ﷺ مني، لأني كنت رجلًا نصرانيًا شريفًا في قومي مَلِكًا عليهم، فخِفْتُ على مُلْكي ونَفْسي، فقلت لغلامي: أَعْدِدْ لي إبلًا سِمانًا فاحْتَبِسْها قريبًا مني، فإذا سمعت بجيش محمد وطئَ البلاد فآذنّي، فجاء يومًا فقال: هذه جيوشُ محمد، فاحتملتُ بأهلي وقلت: ألحقُ بالشام فأكون عندَ النَّصارى، وخلَّفتُ ابنةَ حاتمٍ بالحاضِر، وجاء علي بن أبي طالب فأصابها فيمن أصابَ وقدم بها على رسولِ الله ﷺ في سبايا طيّءٍ، وبلغ رسولَ الله ﷺ هربي إلى الشام، فجعل ابنة حاتم في حظيرةٍ، وذكر بمعنى ما تقدم من قولها: هلك الوالد وغاب الوافد، فلما كان في اليوم الثالث قال لها: "قد مَنَنْتُ عليك فلا تخرجي حتى تجدي من قومك ثِقةً". قالت: فقدم قوم من قُضاعة فَقلت: يا رسولَ الله قد قدم ركبٌ من قومي لي فيهم ثقة وبلاغٌ، قال: فكساني وأعطاني وحملني ودفع إلي نفقةً،
стр. 1733
فخرجتُ معهم حتى قدِمْتُ الشامَ.
قال عدي: فواللهِ إني لقاعدٌ في قومي إذ نظرت إلى ظعينةٍ تضرب إليّ، فقلت: ابنةُ حاتم؟! فإذا هيَ هيَ، قال: فخرجتُ، فقدِمْتُ على رسولِ الله ﷺ وهو في مسجده، فسلَّمْتُ عليه فقال: "مَنِ الرجُلُ"؟ فقلت: عدي بن حاتم، فقام وانطلق بي إلى منزله، فلقيته امرأة ضعيفةٌ فاستوقفَتْه فوقف لها، فكلَّمَتهُ في حاجتها فقضاها، فقلت في نفسي: والله ما هذا بملِكٍ، ثم دخل بيته وناولني وِسادةً من أدَمٍ حَشوُها من ليف وقال: "اجلِسْ عليها" فجلست عليها وجلس هو على الأرض، فقلت في نفسي: والله ما هذا بمَلكٍ، ثم قال: "إيهِ يا عديُّ، أَلَمْ تَكُ رَكوسِيًّا"؟ قلت: بلى، قال: "أَلَم تَسِرْ في قَومِكَ بالمِرْباعِ"؟ قلت: بلى، قال: "فإن ذلك لم يك في دينك".
الركوسيون: قرية من النصارى والصابئين. والمِرْباعُ: ما يأخذُه المقدَّمُ من الغنيمة، ومعناه: أن الغنائم لم تَحِلَّ لأحد إلا لهذه الأمَّةِ.
فقلتُ في نفسي: هذا نبيٌّ مرسلٌ يعلم ما نجهل، فقال: "لعلَّه إنما يمنعُكَ مِن الدُّخولِ في هذا الدِّينِ ما تَرَى من حَاجَتِهم، فَواللهِ لَيوشِكُ أن يَفيضَ المالُ فيهم، حتى لا يُوْجَدَ من يأخُذُهُ، [ولعلَّك إنما يمنعُكَ ما ترى مِن كَثرةِ عَدوِّهم وقلَّةِ عدَدِهم، فَوالله ليوشِكَنَّ يُسمع بالمرأةِ تخرجُ من القادسيَّةِ على بعيرِ، حتى تزورَ هذا البيت لا تخافُ] (١)، ولعلَّكَ إنما يمنعُكُ مِن الدُّخولِ فيه ما ترى من المُلكِ والسُّلطانِ، فَواللهِ لَيوشِكَنَّ أن تَسْمَع بالقُصُورِ البيضِ في أَرْضِ بابلَ قد فُتِحَتْ".
وأسلم عدي وكان يقول: قد مضت اثنتان وبقيت واحدة، رأيتُ القصورَ البيضَ قد فُتِحَتْ، ورأيت الظَّعينةَ تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف شيئًا حتى تأتي، وايْمُ اللهِ ليفيضَنَّ المالُ حتى لا يوجد من يأخُذُهُ (٢).
* * *
стр. 1734
وفي جمادى الآخرة قدم على رسول الله ﷺ واثِلَةُ بن الأَسْقَعِ وهو يتجهَّزُ إلى تبوك فأسلم، ورجع إلى قومه فهجره أبوه وقال: والله لا أكلمه أبدًا، وسمعته أختُه فأسلمت وجهَّزتْهُ إلى تبوك، فلحق برسولِ الله ﷺ فجهزه مع خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِر دومةَ، فجاء بسَهْمه من الغنيمةِ إلى كَعْب بن عُجْرَةَ، وكان قد حمله من المدينة إلى تبوك على جمله، وكان واثلةُ قد قال: من يَحْمِلُني وله سهمي؟ فقال له كعب: إنما حملتُك للهِ، ولم يأخذْ منه شيئًا (١).
وفيها: كانت غزاة تبوك (٢).
كانت الأنباط يَقْدُمونَ المدينة من الشام بالزيت ودقيقِ الحُوَّارَى، فكانت أخبارُ الشام عند المسلمين بهذا السبب، فقدمت قادمةٌ مِنْهم فأخبروا أن الرومَ جمعت جموعًا كثيرةً بالشام، وأن هِرَقْلَ رَزَقَ أصحابه رِزْقَ سَنةٍ، وأجلبت معه لَخْم وجُذامٌ وغَسَّان وعاملةُ وغيرهم، ونزلوا البلقاء، وعسكروا بها، وتخلف هِرَقلُ بحمص، وأنه يأتي إليهم ويقصدون الحجاز.
قال الواقدي: ولم يكن شيء من ذلك ولم يكن عدوٌّ أخوف [عند المسلمين منهم]. وكان رسولُ الله ﷺ لا يغزو غزاةً إلا ورّى بغيرها لئلا تذهب الأخبارُ حتَّى كانت غزاةُ تبوك، كان الحرُّ شديدًا واستقبل سفرًا بعيدًا وعدوًا كبيرًا، فجلَّى للناسِ أمره ليتأهبوا، وأخْبَرهم بالوجه الذي يريد، واستنفر القبائل وأهل مكّةَ، ورغَّبهم في الجهادِ، وذلك في زمنِ عسْرَةٍ من الناس وجَدْبٍ من البلاد وحين طابت الثِّمارُ، فالناس يحبون المقامَ في ثمارهم وظلالهم، وتكرهُ الشُّخوصَ عنها.
وأمر رسولُ الله ﷺ بحمل الصدقات، فأول من جاء أبو بكر رضوان الله عليه بمالهِ كلَّه، وهو أربعةُ آلاف درهم، فقال له رسول الله ﷺ : "هل أبقيت شيئًا"؟ قال: أبقيتُ الله ورسولَه.
وجاء عمرُ رضوان الله عليه بنصف ماله فقال له رسول الله ﷺ : "هل أبقيت شيئًا"؟
стр. 1735
قال: نعم نصف مالي، وبلغه ما جاء به أبو بكر رضوان الله عليه فقال: والله ما استَبقنا إلى خَيْرٍ قط إلا سبقني إليه أبو بكر.
وجهَّز عثمان بن عفان رضوان الله عليه ثلثَ الجيشِ، وقيل: جاء بألف بعير والفِ دينار فصبَّها في حِجْرِ رسول الله ﷺ فجعل يقلبها ويقول: "ما ضرَّ عثمانَ ما فعل بعد هذا".
وحمل عبدُ الرحمن بنُ عَوْفٍ ﵁ مئتي أُوْقية، وحمل معظم الصحابة ﵃ إلى رسول الله ﷺ ، وحمل العباس وطلحة وسعد بن عبادة ومحمد بن مَسلمة مالًا، وحمل عاصم بنُ عديٍّ تِسْعينَ وَسْقًا من تَمْرٍ (١).
وقال هشام: جلسَ رسولُ الله ﷺ على المنبر وحضَّ على الصدقة في سبيل الله، فجاءه العباسُ عمُّه بسبعين ألفًا، وعثمان بالف دينار ومئتي بعير.
وقال ابن إسحاق: أنفق عثمان رضوان الله عليه في ذلك الوجه نفقةً عظيمةً لم ينفق أحدٌ أعظمَ منها، وحمل على مئتي بعير (٢).
وحمل كلُّ أحد حتى النساء كن يبعثْن بمعاضِدِهن وخلاخيلهن وخواتيمهن وغير ذلك.
وضرب عسكرُ رسولِ الله ﷺ في ثنيَّةِ الوداع والناس كثير لا يجمعهم كتاب ولا ديوان، واستخلف رسولُ الله ﷺ على المدينة سِباعًا الغفاري، وقيل: محمد بنَ مَسْلَمةَ، وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، وخلَّفَ عليًا رضوان الله عليه في أهله، فقال: يا رسول الله خلَّفتني في النساء والصبيان؟ فقال: "أَلَا تَرضَى أَن تكُونَ منِّي بمنزِلَةِ هارُونَ من موسى" (٣).
وعقد رسولُ الله ﷺ الألوية والراياتِ على الثنية، فدفَع لواءَه الأعظمَ إلى أبي بكر
стр. 1736
رضوان الله عليه، ورايته العظمى إلى الزبير ﵁، وراية الأوسِ إلى أُسَيْد بن حضير، ولواءَ الخزرج إلى أبي دُجانةَ، وقيل: إلى الحباب بن المنذر.
وكانوا يرحلون عند مَيْلِ الشمس فما يزالون إلى الليل (١). وكان سيرُهم في خامسِ رجب، وقيل: في عاشره.
وكان قد تخلف عن رسول الله ﷺ نفرٌ من المسلمين أبطأت بهم النِّيَّةُ من غير شكٍّ منهم ولا ارتيابٍ، فمنهم: كعبُ بن مالك، ومُرارةُ بن الربيع، وهلال بن أمية، وأبو خيثمة (٢).
ولما سار رسولُ الله ﷺ إلى تبوك كان يتخلف رجلٌ، فيقولون: يا رسول الله تخلَّف فلان فيقول: "دعوه، إن يكُ فيه خَيْرٌ، فسَيُلْحِقْه الله بكم، وإن يك غير ذلك، فقد أراحكم الله منه"، فلاح راكبٌ فقال رسول الله ﷺ : "كُن أبا ذَرٍّ" فقالوا: هو أبو ذر، فقال: "يَرحمهُ اللهُ يَمشِي وَحدَهُ" (٣).
ورجع أبو خيثمة بعد مسير رسول الله ﷺ إلى أهله في يومٍ حارٍ، فوجد امرأتين له قد رشَّت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماءً وهيأت له فيه طعامًا، فلما نظر إلى ذلك قال: رسولُ الله ﷺ في الضَّحِّ والريحِ والحرِّ، وأبو خيثمةَ في ظلٍّ وماء بارد وطعام مهيَّأٍ وامرأة حسناء، مقيمٌ في ماله، ما هذا بالنَّصَفِ، ثم قال لأهله: لا أدخل عريشَ واحدةٍ منكما حتى ألحق برسولِ الله ﷺ فهيِّئا لي زادًا، ففعلتا، ثم قدَّم ناضِحَه وارتحل في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه بتبوك حين نزلها، وقد كان وافق عُمَيْر بنَ وهبٍ الجمحيَّ في الطريق فقال له: تخلَّفْ عني فلي ذنب، فلما دنا قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبلٌ، فقال رسول الله ﷺ : "كُن أبا خَيثمةَ" فلما وصل إلى رسول الله ﷺ وأخبره الخبَرَ فدعا له وقال خَيرًا (٤).
وحين مرَّ رسولُ الله ﷺ بالحِجْرِ ونزله ليستقي الناس من بئرها قال: "لا تشربوا من
стр. 1737
مائها ولا تتَوضَّؤا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فأعلِفُوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئًا" ثم ارتحل حتى نزل على البئرِ التي كانت تشرب منها الناقة، وأسرع الناسُ إلى دخولِ الحِجْر فقال رسول الله ﷺ : "ما تَدخُلونَ على قومٍ غَضِبَ اللهُ عليهم؟ ".
ولما نهاهم عن الشُّربِ من مياه الحجر قال: "لا يَخرجنَّ أَحدُ منكم اللَّيلةَ إلا وَمَعه صاحبٌ له" ففعل الناس ما أمرهم به، إلا رجلين من بني ساعدة، خرجَ أحدهما لحاجته، والآخَرُ في طلب [بعيرٍ له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خُنِقَ، وأما الذي ذهب في طلب] بعيره فاحتَملته الريحُ فطرحَتْه بجبلِ طيّء، فأُخْبِرَ رسولُ اللهِ ﷺ فقال: "أَلَم أَنهكَمُ أَن يخرجَ رَجلٌ منكم إلا وَمَعه آخَرُ" ثم دعا لِلَّذي خُنِقَ فشفي، وأما الآخر فإن طيِّئًا أهدته للنبي ﷺ لما قَدِم من تبوك (١).
وأصبح الناسُ في طريق تبوك على غير ماء، فشكَوْا إلى رسولِ الله ﷺ العطشَ. قال عبد الله بن أبي حدرد: فرأيته استقبل القبلةَ فدعا، ولا والله ما رأيت في السماء سحابًا، فما برح يدعو حتى إني لأَنْظُرُ إلى السحاب يتألف من كل ناحية، فما رامَ مقامَه حتى سحَّت علينا السماءُ بالرِّواءِ، ثم كشف الله عنا السماء من ساعتها وإن الأرضُ [إلا غدر تناخس فسقى الناس وارتَوَوا] (٢)، فقلتُ لرجل من المنافقين: أبقي بعد هذا شيء؟ فقال: سحابةٌ مارةٌ (٣).
ثم إن رسول الله ﷺ سار، حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقتُه، فخرج أصحابه في طلبها وعنده عُمارةُ بنُ حَزْمٍ الأنصاري، وكان في رَحْلِ عُمارةَ زيدُ بنُ اللُّصَيْت، فقال زَيدٌ: أليس محمد يزعم أنَّه نبي ويخبركم بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله ﷺ لعمارة: "إنّ رجلًا قالَ كذا وكذا، وإني لا أعلمُ إلا ما علَّمني الله، وقد دلَّني الله عليها، وإنها في الوادي الفُلاني قد حبستها شجرة بزمامها". فانطلقوا فجاؤوا بها، فرجع عمارة إلى رحله فأُخْبِر الخبرَ فقال رجلٌ: إنَّ زَيْدًا قال هذه المقالةَ قبلَ أن يأتي، فقام إلى زيد فوجأ عنقه وقال: يا عدو الله، في رَحْلي داهيةٌ ولا أدري، اُخْرُج عني. فيقال: إن زيدًا تاب، وقيل: لم يزل مُصِرًّا حتى هلك (٤) والله أعلم.
стр. 1738
حديثُ مسجدِ الضِّرار
قال يزيد بن رومان: أقبلَ رسولُ الله ﷺ حتى نزل بذي أَوان، وقد جاءه من أصحاب مسجد الضرار: مُعَتِّبُ بنُ قُشَيْر، وثعلبة وخِذَام، وأبو حبيبة، وعبد الله بن نَبْتَل، فقالوا: يا رسولَ الله إنّا رُسُلُ مَنْ خَلْفَنَا من أصحابنا، وإنا قد بنينا مسجدًا لذي العِلَّةِ والحاجةِ والليلةِ المطيرةِ، ونحن نحبُ أن تأتِيَنا فتصليَ بنا فيه - ورسولُ الله ﷺ يتجهز إلى تبوك - فقال: "إني على جَناحِ سفر، فإذا قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلَّيْنا بكم فيه"، فلما عادَ من تبوك ونزل بذي أوان، أتاه خبره وخبر أهلهِ من السماء، وكانوا إنّما بَنَوْهُ لأبي عامرٍ الراهبِ، فكان بالشَّام هاربًا، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح فابنوا لي مسجدًا، فإني قادمٌ بخيول الروم من عند قيصر فأُخْرِجَ محمدًا وأصحابه، وكان الذي بنوه اثني عشر (١).
وقال الثعلبي: جاء المنافقون إلى رسولِ الله ﷺ فسألوه أن يصلِّيَ فيه، فدعا بقميصِهِ ليلبَسه ويأتيَهم فأنزل الله عليه خبرَ السماء وما هموا به، فدعا مالكَ بنَ الدُّخشُم ومعن ابن عدي وعامر بن السَّكَن وقال: "اذهَبُوا إلى هذا المسجدِ الظَّالمِ أهلُه فاهدموه" (٢).
وقال ابن إسحاق والواقدي: بعث مالك بن الدخشم وعاصم بن عدي وقال لهما: "انطَلِقا إلى هذا المسجدِ الظالم أهلُهُ فاهدماهُ واحرقاه". فخرجا مُسْرِعَيْنِ، وأخذ مالك سَعَفًا من النخل وأشعل فيه نارًا، وانتهيا إليهم بين المغرب والعشاء وهم فيه وإمامهم يومئذ مُجَمِّعُ بن جارِيَة، قال عاصم: فأَحْرقْناه وهدمناه وثبت فيه منهم زيدُ بن جارية بن عامر فاحترقَتْ إِلْيَتاهُ، وجَعَلْناهُ مع الأرض وتفرَّقُوا، فلما قِدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ أعطاه لعاصم بن عديًّ يتخذه دارًا، فقال: ما كنت لأتَّخِذَ مسجدًا - قد نزل فيه ما نزل - دارًا، وإني لفي غِنىً عنه، أَعْطِه يا رسول الله ثابتَ بن أقرم، فأعطاه ثابتًا، وكان قد احترق معه دار وديعة بن ثابت ودار عامر إلى جنبها، وكان أبو لبابة بن عبد المنذر قد أعانهم فيه بخشب، وكان غير مغموصٍ عليه في النفاق، فلما هدم أخذ أبو لبابة خشبه ذلك فبنى به منزلًا (٣).
стр. 1739
والذين أسَّسوا مسجد الضِّرار كانوا خمسة عشر رجلًا (١)، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ الآية [التوبة: ١٠٧].
وقال الثعلبي: أمر رسولُ الله ﷺ أن يتخذ ذلك المسجد كناسة يلقى فيها الجِيفُ والنَّتنُ والقُمامةُ.
ومات أبو عامر بالشام وحيدًا فريدًا غريبًا، وفيه يقول كعب بن مالك: [من الوافر]
معاذ الله من فعلٍ خبيثٍ … كسَعيكَ في العَشيرةِ عبد عمروٍ
وقُلْتَ بأنَّ لي شَرفًا وذِكرًا … فَقِدْمًا بِعْتَ إيمانًا بكُفْرِ
وقال الثعلبي: سأل عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا منهم: بماذا أعَنْتَ في هذا المسجد؟ قال: بسارية، فقال عمر ﵁: أبشر بها في عنقك في نار جهنم.
وروي: أن بني عمرو بن عوف الذي بَنَوا مسجدَ قُباء سألوا عمر بن الخطاب رضوان الله عليه في خلافته ليأذن لمجمِّع بن جارية أن يَؤُمَّ بهم في مسجدهم فقال: لا ولا نِعْمة، أليس بإمامِ المسجد الضِّرار؟ فقال له مجمِّع: لا يا أمير المؤمنين، فوالله لقد صلَّيْتُ وأنا لا أعلم ما أضْمَروا عليه ولو علمت ما صلَّيتُ فيه، كنت غُلامًا قارِئًا للقُرآنِ وكانوا شُيوخًا قد عَشَوْا لا يقرؤون من القرآن شيئًا، وكنت أظنهم يتقرَّبون إلى الله ولم أعلم بما في نفوسهم. فعذره عمر رضوان الله عليه وصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قُباء (٢).
وروي عن ابن عباس، أن المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى مسجد قباء. وروي أنه مسجد رسول الله ﷺ .
وقدم رسولُ الله ﷺ المدينة يومَ الخميس عاشر رمضان، فبدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين وجلس، وكان قد تخلَّف عنه رَهْطٌ من المسلمين والمنافقين، فصفحَ عن المنافقين ولم يَعْذِرْ مَنْ تخلَّف من المسلمين إلا من كان عاجزًا، ومدح ذوي الأعذار من المسلمين.
стр. 1740
قال أنس: قال رسولُ الله ﷺ لما رجع من غزاة تبوك ودنا من المدينة قال: "إنَّ بالمدينةِ أَقوامًا، ما سِرْتُم مَسيرًا ولا قَطَعتُم واديًا إلا كانوا مَعَكم فيه"، فقالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: "وهُم بالمدينةِ، حَبَسهُم العُذْرُ". أخرجه البخاري (١).
قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا
لما قَدِمَ رسولُ الله ﷺ من تبوك لم يُعْذِرْ مَنْ تخلَّفَ عنه من المسلمين من أهل القُدرة، منهم: كعب بن مالك الشاعر، ومُرارة بن الربيع العَمْري، وهلال بن أُميَّةَ، وهم من الأنْصار، تخلفوا من غير عُذرٍ مع صحَّةِ إسلامهم، وإنهم لم يُغْمَصوا بالنِّفاق، فوقف رسول الله ﷺ أمرهم، ونهى الناسَ عن كلامهم حتى نزلت تَوْبَتُهم في القرآن.
وقد أخرج حديثهم الإمام أحمد والبخاري ومسلم رحمة الله عليهم:
عن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائدَ كَعْبٍ من بَنِيهِ حين عَمِيَ قال: سمعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يحدث حديثه حين تخلَّفَ عن رسولِ الله ﷺ في غزوة تبوك، قال كعب: لم أتخلَّفْ عن رسولِ الله ﷺ في غزوةٍ غزاها إلّا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت عن غزوة بَدْرٍ ولم يعاتِبْ أحدًا تخلف عنه، إنّما خرجَ رسولُ الله ﷺ والمسلمون يريدون عِيرَ قُريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غَيْرِ ميعادٍ، ولقد شهدتُ مع رسولِ الله ﷺ ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام وما أُحبُّ أن لي بها مشهد بَدرٍ، وإن كانت بدرٌ أَذكَرَ في الناس منها.
وكان من خبري حين تخلَّفتُ عن رسولِ الله ﷺ في غزوة تبوك، أني لم أكن قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلَّفْتُ عنه في تِلْكَ الغزوةِ، ولم يكن رسولُ الله ﷺ يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها، حتَّى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسولُ الله ﷺ في حَرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا واستقبل عَدوًّا كثيرًا، فجلَّى للمسلمين أَمْرَهُم ليتأهبوا أُهْبَة غزوِهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ الله ﷺ كثيرٌ ولا يجمعهم كتابٌ حافِظٌ، فَقلَّ رجلٌ يريدُ أن يتغيَّب إلا ظنّ أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحيٌ من الله ، وغزا رسولُ الله ﷺ تلك الغزوةَ حين طابتِ الثمارُ والظلالُ، فتجهز
стр. 1741
رسولُ الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهزَ معهم فأرجع ولم أقضِ شيئًا وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتَّى استمرّ بالناس الجِدُّ، فأصبح رسول الله ﷺ غادِيًا والمسلمون معه، ولم أَقْضِ من جهازي شيئًا، ثم غَدَوْتُ فرجعتُ ولم أقضِ شيئًا، فلم يزل ذلك يتمادى حتَّى أسرعوا وتفارطَ الغَزْوُ، فهممت أن أَرْتَحِلَ فأُدْرِكَهم فيا ليتني فَعلتُ ثم لم يُقَدَّرْ ذلك لي، فطفِقْتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج النبي ﷺ يُحْزِنُني أنَّني لا أرى لي أُسْوةً إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق، أو رجلًا ممَّن عَذَرَ اللهُ من الضعفاء، ولم يذكُرْني رسولُ الله حتَّى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فَعَل كَعبُ بنُ مالكٍ؟ " فقال رجلٌ من بني سَلمة: يا رسولَ الله، حبسه بُرْداه والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ، فقال له معاذُ بن جبل: بئس ما قلتَ، واللهِ يا رسولَ الله، ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسولُ الله ﷺ ، فبينا هو على ذلك رأى رجلًا مُبَيَّضًا يزولُ به السرابُ، فقال رسول الله ﷺ : "كُن أَبا خَيثَمةَ" فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الَّذي تصدق بصاعِ التمر حين لمزهُ المنافِقون.
قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافِلًا من تبوك، فطَفِقْتُ أتذكَّرُ الكَذِبَ وأقول: بِمَ أخْرجُ من سَخَطه؟ وأستعين على ذلك بكلِّ ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسولَ الله ﷺ قد أظلَّ قادِمًا زاح عني الباطلُ حتَّى عرفت أني لن أنجوَ منه بشيء أبدًا، فأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وصبَّح رسولُ الله ﷺ وكان إذا قدِمَ من سفرٍ بدأ بالمسجد فركَعَ فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءَهُ المخلَّفون فطفِقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رَجلًا، فقبلَ منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم، ووكَلَ سرائرهم إلى الله تعالى، حتَّى جئتُ، فلما سَلَّمت تبسم تَبَسُّمَ المغْضَبِ، ثم قال: "تعالَ"، فجئت أمشي حتَّى جلستُ بين يديه، فقال لي: "ما خلَّفكَ؟ أَلَم تكُن قدِ ابْتَعتَ ظَهْرَكَ"؟ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إني والله لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سَخَطهِ بعُذْرٍ، لقد أُعطيتُ جَدَلًا، ولكني والله لقد علمتُ لئن حدَّثتُك اليومَ حديثَ كَذِبٍ ترضى به عني ليوشِكَنَّ الله أن يُسخِطَك عَلَيَّ، ولئن حدثتك حديثَ صِدْقٍ تَجِدُ عليَّ فيه إني لأرجو فيه عقبى الله ، والله ما كان بي من عذر، والله ما كنت قطُّ أقوى ولا أيسرَ منى حينَ تخلَّفْتُ عنك. قال: فقال رسول الله ﷺ :
стр. 1742
"أمّا هذا فَقد صَدَقَ، فَقُم حتَّى يقضيَ اللهُ فيك".
فقمتُ، وثارَ رجالٌ من بني سَلِمَةَ فاتَبعوني فقالوا لي: والله ما علمناكَ أذْنَبْتَ ذَنْبًا قبل هذا، لقد عَجَزْتَ في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذَرَ إليه المخلَّفُون، فقد كان كافيك ذَنْبَكَ استغفارُ رسولِ الله ﷺ قال: والله ما زالوا يُؤَنِّبوني حتَّى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكَذِّبَ نفسي. قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قال: قلت من هما؟ قالوا: مُرارةُ بن ربيعة العَمْريُّ، وهلال بن أمية الواقِفيُّ، قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا لي فيهما أسوة، قال: فَمَضَيتُ حين ذكروهما لي.
قال: ونهى رسولُ الله ﷺ المسلمين عن كلامِنا أيُّها الثلاثةُ مِنْ بَيْنِ من تخلَّفَ عنه. قال: فاجتَنبَنا الناسُ، أو قال: تَغيَّروا لنا حتَّى تنكَّرت إلى نفسي الأرضُ فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة.
فأمّا صاحبايَ فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أَشَبَّ القوم وأَجْلَدَهُم، فكنت أخرجُ فأشهدُ الصَّلاةَ وأطوف في الأسواقِ ولا يكلِّمُني أحدٌ، وآتي رسولَ الله ﷺ فأسَلِّمُ عليه وهو في محله بعد الصلاة فأقول في نفسي: هل حرَّكَ شَفتيه لردّ السلام أم لا؟ ثم أُصَلِّي قريبًا منه وأُسارِقُه النَّظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نَظر إليَّ، وإذا التفتُّ نحوهُ أعرض عني.
حتَّى إذا طال عليَّ ذلك من جَفْوةِ المسلمين مشيتُ حتَّى تسوَّرْتُ جدار حائطِ أبي قتادة وهو ابن عمي وأحبُّ الناس إليَّ، فسلَّمْتُ عليه، فوالله ما ردَّ عليَّ السلامَ، فقلت له. يا أبا قتادة، أَنْشُدُكَ بالله هل تعلمُ أني أُحِبُّ الله ورسوله؟ قال: فسكتَ، فعدتُ فأنشدته، فقال: اللهُ ورسولُه أعلمُ، ففاضت عينايَ وتولَّيْتُ حتَّى تسوَّرْتُ الجدارَ.
فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نَبَطيٌّ من نَبَطِ أهل الشّام ممن قدم بالطعام يبيعُه بالمدينة يقول: من يدلُّ على كعب بن مالك؟ فطفِقَ الناسُ يشيرون له إلي، حتَّى جاءني فدفع إلي كتابًا من ملك غسان وكنت كاتبًا فقرأته، فإذا فيه: أما بعد، فإنّه قد بلغَنا أن صاحِبك قد جفاك، ولم يَجْعَلْكَ الله بدارِ هوان ولا مَضْيعةٍ، فالحَق بنا نُواسِكَ. قال: فقلتُ حين قرأتُها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيمَّمْتُ بها التَّنُّورَ فسجرتها.
стр. 1743
حتَّى إذا مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحيُ إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أُطَلِّقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزِلْها فلا تقرَبْها، قال: وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك، قال: فقلتُ لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتَّى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأةُ هلال بن أمية رسولَ الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله، هلال بن أمية شيخ ضائعٌ ليس له خادمٌ، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا، ولكن لا يقربنَّكِ" فقالت: إنه والله ما به حركةٌ إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسولَ الله ﷺ في امرأتك فقد أذن لامرأةِ هلال ابن أمية أن تخدمه، قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما يدريني ماذا يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنتُه فيها وأنا رجل شاب.
قال: فلبثت بذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلةً من حين نهى عن كلامنا، قال: ثم صَلَّيْتُ صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيتٍ من بيوتِنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا قد ضاقت عَلَيَّ نفسي وضاقت عليَّ الأرضُ بما رَحُبت، سمعتُ صوتَ صارخٍ أَوْفى على سَلْعٍ يقول بأعلى صوته: يا كعبَ بنَ مالكٍ، أبشر، قال: فخررتُ ساجدًا وعرفتُ أنْ قد جاءَ الفَرجُ.
قال: وآذنَ رسولُ الله ﷺ الناسَ بتوبةِ الله علينا حين صلى صلاة الفَجر، فذهب الناسُ يبشروننا، فذهب قِبَلَ صاحبيَّ مُبَشِّرون، وركض إليَّ رجلٌ فرسًا، وسعى ساعٍ من أسلمَ قِبَلي، وأوفى على الجبل، فكانَ الصوتُ أسرع من الفَرسِ، فلما جاءني الذي سمعتُ صوته يبشرني نزعت له ثوبيَّ فكسوتُهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعَرْتُ ثوبَيْنِ فلبستُهما، وانطلقتُ إلى رسول الله ﷺ يتلقاني الناس فَوْجًا فَوْجًا يهنَّئونني بالتوبة، ويقولون: ليهنِكَ توبةُ الله عليكَ، حتَّى دخلتُ المسجدَ فإذا رسول الله ﷺ حوله الناس، فقام طلحةُ بنُ عُبيد الله يهرولُ حتَّى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعبٌ لا ينساها لطلحة.
قال كعب: فلما سلَّمتُ على رسولِ الله ﷺ قال وهُوَ يَبْرُقُ وجهه من السرور: "أَبْشِر بخيرِ يومٍ مرَّ عليكَ منذُ ولَدَتكَ أمُّكَ" قال: فقلت: أَمِنْ عِنْدِكَ يا رسولَ الله، أم من عند
стр. 1744
الله؟ قال: لا، بل من عند الله، وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهُه حتّى كأنّ وجهه قطعةُ قَمَرٍ، قال: وكنا نَعرِف ذلك، قال: فلما سلمتُ بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : "أَمْسِكْ بعضَ مالكَ فهو خيرٌ لك"، قال: فقلت: فإني أُمْسِكُ سَهْمي الَّذي بخيبر، قال: فقلت: يا رسولَ الله، إن الله إنما أنجاني بالصِّدْقِ، وإنّ من توبتي ألِّا أحَدِّثَ إلا صدقًا ما بقيتُ، قال: فوالله ما علمتُ أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحْسَنَ مما أبلاني اللهُ، ووالله ما تعمَّدْتُ كَذبَةً منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي.
قال: فأنزل الله ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ حتى بلغ ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ حتى بلغ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩].
قال كعب: والله ما أنْعمَ الله عليَّ من نِعمةٍ قط بعد أن هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صِدقي رسولَ الله ﷺ أن لا أكون كذبته فأهْلِكَ كما هَلَك الذين كذبوا [فإن الله قال للذين كذبوا] حين أنزل الوحي شرَّ ما قال لأحد، فقال الله : ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ إلى قوله ﴿الْفَاسِقُينَ﴾ [التوبة: ٩٥].
قال كعب: كنا خُلِّفْنا أيُّها الثلاثةُ عن أمر أولئك الذين قَبِل منهم رسولُ الله ﷺ حين حَلَفُوا له، فبايعهم واستغفرَ لهم وأرجأ رسولُ الله ﷺ أَمْرَنا حتَّى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وليس الَّذي ذكر الله مما خُلِّفْنا تخَلُّفَنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرَنا عمن حَلَف له واعتذر إليه فقبل منه (١).
وفي حديث إسحاق بن راشد: ونهى النبي ﷺ عن كلامي وكلام صاحبيَّ، ولم يَنْهَ عن كلامِ أحدٍ من المتخلفين غَيرنا، فاجتَنَبَ الناسُ كلامَنا، فلبثتُ كذلك حتَّى طال
стр. 1745
عليَّ الأمر، وما من شيء أهم إليَّ من أن أموتَ فلا يصلي علي النبي ﷺ ، أو يموتَ رسولُ الله ﷺ فأكون من الناس بتلك المنزلةِ، فلا يُكَلَّمني أحد منهم ولا يسلِّم عليّ ولا يصلي عليَّ. قال: فأنزل الله توبتنا على نبيه ﷺ حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول الله ﷺ عند أم سلمة ﵂، وكانت أم سلمة ﵂ مُحْسِنَةً في شأني مَعْنِيَّةً بأمري، فقال رسول الله ﷺ : "يا أُمَّ سَلمة، تِيْبَ على كعبٍ" قالت: أفلا أرسل إليه فأُبشَّرُهُ؟ قال: "إذًا يَحْطِمَكُمُ الناسُ فيمنَعُونَكُم النَّوْمَ سائرَ اللَّيلِ"، حتَّى إذا صلّى رسول الله ﷺ صلاة الفجر آذنَ رسولُ الله ﷺ بتوبة الله علينا (١).
ونزل في غزاة تبوك جُمْلَةٌ من سورة براءة.
ولما رجع رسولُ الله ﷺ من تبوك قال له العباسُ بن عبد المطلب ﵁: يا رسول الله، إني أُريدُ أن أمدحكَ. فقال: "قل لا يَفضُضِ اللهُ فاكَ"، قال: فقال (٢): [من المنسرح]
مِنْ قبْلِها طِبْت في الظَّلال وفي … مُستودَعٍ حيث يُخْصَفُ الوَرَقُ
ثم هبطت البلاد لا بَشَرٌ … أنتَ ولا مُضْغَةٌ ولا عَلَقُ
بل نطفةٌ تركبُ السَّفينَ وقد … ألْجَم نَسْرًا وأهلَه الغَرَقُ
وَرَدْتَ نارَ الخليلِ مُكتَتمًا … فيها زمانًا ولست تحترق (٣)
تَنَقَّلُ من صُلْبٍ إلى رَحمٍ … إذا مضى عالَم بدا طَبَقٌ
حتَّى انتهى بيتكَ المهيمنُ من … خِنْدفَ علياء تحتها النُّطُقُ
وأنت لما ولدت أشرقت الـ … أرضُ وضاء من نورِكَ الأُفُقُ
فنحن في ذلك الضِّياء وفي النو … رِ وسُبْلِ الرشادِ نَخْتَرِقُ
وفي هذه السنة تتابعت الوفود على رسول الله ﷺ .
* * *
стр. 1746
وفد الطائف:
كان عمرو بن أمية أخو بني علاج مهاجرًا لعبد ياليل بن عمرو بن عمير، فجاء عمرو إلى باب عبدِ ياليل، فقيل له: عمرو واقف على بابك، فقال: هذا شيء ما كنت أَظُنُّه، وكان عمرو أَمْنَعَ في نفسه من ذلك، فخرج إليه ورحَّب به فقال له عمرو: إنه قد نزل بنا أمرٌ ليس معه هِجرَةٌ؛ إنه قد كان من أمْرِ هذا الرجلِ ما رأيتَ، وقد أسلَمَتِ العربُ كلُّها، وليس لكم بحربهم طاقة فانظروا في أمركم، فعند ذلك ائتمرت ثقيف، وقال بعضهم لبعض: الا تَرَوْنَ أنَّه لا يأمنُ لكم سِرْبٌ ولا يخرج منكم أحد إلا اقْتُطِعَ، فاتفقوا على أن يُرْسِلوا إلى رسول الله ﷺ رجلًا، فكلموا عبد ياليل فأبى أن يفعل، وخشي أن يفعلوا به إذا رجع كما فعلوا بعُرْوَةَ، وكانوا هم الذين أرسلوه إلى رسول الله ﷺ ثم قتلوه، وقال لهم عبدُ ياليل: لستُ فاعِلًا حتَّى تبعثوا معيَ رجالًا، فبعثوا معه خمسةً: رجلين من الأحلاف، وثلاثةً من بني مالك. من الأحلاف: الحكم بن وهب ابن مُعَتِّب، وشرَحْبيلُ بنُ غَيْلان بن سلمة بن معتِّبٍ، ومن بني مالك: عثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوف، ونُمَيْرُ بن خَرَشَةَ، فخرج بهم عبد ياليل وهو نابُ القَوْمِ وصاحبُ أمرهم، فلما فصلوا قناةَ، لقوا بها المُغيرةَ بنَ شُعْبَة يرعى رِكابَ رسولِ الله ﷺ وكانت رعايتها نُوَبًا على أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، فلما رآهم ترك الرِّكابَ عندهم وضَبَرَ يشتَدُّ ليبشَرَ رسولَ الله ﷺ بهم، فلقيه أبو بكرٍ ﵁ فأخبره بقدومهم وأنهم قد جاؤوا يريدون الإسلام وأن يكتبَ لهم رسولُ الله ﷺ كتابًا شرطوا فيه شروطًا على قومهم وبلادهم، فقال له أبو بكر الصديق ﵁: أَقْسَمْتُ عليك بالله لا تَسْبِقني إلى رسولِ الله ﷺ حتَّى أكونَ أنا الَّذي أُبشره، ففعل، ودخل أبو بكرٍ ﵁ فأخبر رسولَ الله ﷺ بقدومهم فسر، وقال لهم المغيرةُ: إذا دخلتُم على رسولِ الله ﷺ فحيوهُ بتحية الإسلام، فلما دخلوا عليه حيوه بتحية الشِّرْكِ، فضرب عليهم قُبَّةً فَي المسجد، وكان خالدُ بن سعيد بن العاص يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ وما كانوا يأكلونَ الطعامَ يأتيهم من عند رسول الله ﷺ حتَّى يأكل هو منه، حتَّى أسلموا وبايعوا، وكتب لهم رسولُ الله ﷺ كتابًا، وسألوه أن يَدَعَ لهم اللَّاتَ ولا يهدمها إلى ثلاث سنين، فأبى، فقالوا: سنة، فأبى، فسألوه فقالوا: شهرًا بعد قدومهم فأبى عليهم، وسألوه أن يُعفِيَهم
стр. 1747
من الصلاة وأن يكسروا أوثانَهم بأَيْديْهم: فقال: "أما الصلاةُ، فلا خَيرَ في دينٍ لا صلاةَ فيه" وأعفاهُم أن يكسر غيرُهم أوثانهم وأمّر عليهم عثمانَ بنَ أبي العاص الثقفي وكان من أحدثهم سِنًّا، وإنما كان حريصًا على الفقه وتعلُّمِ القرآن.
قال عثمان بن أبي العاص: آخرُ كلامٍ كلَّمني به رسولُ الله ﷺ إذِ استعملني على الطائف فقال: "خفِّفِ الصلاةَ على الناس" حتَّى وقِّتَ لي ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ وأشباهَها من القرآن (١).
وفي "المسند": "جوَّز في صلاتِكَ واقْدُرِ الناسَ بأَضْعفِهم، فإنَّ فيهمُ الصّغيرَ والكبيرَ وذا الحاجةِ" (٢). وفي "المسند": "واتَّخِذْ مؤذَّنًا، فلا يَأخُذ على أذانه أجرًا" (٣).
وكان قدومهم في رمضان، فلما أسلموا صاموا، وكان بلال ﵁ يأتيهم بفطرهم فيقولون: يا بلال، ما نرى الشمس توارت بَعْدُ، لما يرون من السَّدَفِ، فيضعُ بلالٌ يدهُ فيه ويأكل منه، ويقول: ما جئتكم حتَّى أكل رسول الله ﷺ ، ويأتيهم بسحورهم وقد تخوَّفوا الفجرَ وأمسكوا ويقولون: يا بلالُ، قد أصبحتَ، فيقول: نزلتُ ورسول الله ﷺ يتسحَّرُ. ولما توجّهوا إلى الطائف بعث معهم رسولُ الله ﷺ أبا سفيان بن حرب والمُغيْرة بن شُعبة لهدم اللَّاتِ، فلما قدما الطائف قال المغيرة لأبي سفيان: تقدَّمْ، فقال: أنت أولى بالدخول على قومك، وأقام أبو سفيان في ماله بذي الهَدْمِ، فلما دخلَ المغيرةُ على اللَّاتِ علاها بمِعْوَلٍ يضربُها، وقامَ دونه بنو معتَّب بالسلاح خشيةَ أن يُصابَ كما أُصيب عروةُ بن مسعود، وخرج نساءُ ثقيف حُسَّرًا يبكين عليها، ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واهًا لكِ، آهًا لكِ، ثم بعث إلى أبي سفيان بمالها وحُلِيِّها (٤).
وكان أبو مُلَيْحٍ بن عُرْوَةَ وقاربُ بنُ الأسود لما قُتِلَ عروةُ قدما على رسول الله ﷺ وأسلما، وقال لهما: "توَلَّيا خالكما أبا سفيان بن حرب" فقال أبو مليح: يا رسول الله،
стр. 1748
اقض دينَ أبي من مال الطَّاغية؟ قال: نعم، وقال له قارب بن الأسود: يا رسول الله، وعن الأسود فاقضه، فإن عروة والأسود كانا أَخَوَيْنِ لأبٍ وأمٍّ، فقال رسول الله: فإن الأسود مات وهو مشرك، فقال قارب: يا رسول الله إنما الدَّيْنُ علي وأنا الَّذي أُطالَبُ به، فإذا فَعَلْتَ وَصَلْتَ مُسْلِمًا.
وكتب النبي ﷺ إلى أبي سفيان أنِ اقض دَيْنَ عروة والأسود من مال الطاغية، ففعل (١).
وكانت سَدَنَةُ الطاغية من ثقيف بنو العجلَان.
قال هشام: كان سبب إسلام ثقيف أن مالكَ بن عوف النَّصْريَّ لما قدِمَ على رسول الله ﷺ بالجِعِرّانةِ وردَّ عليه ماله وأهلَه أسلم وحَسُنَ إسلامُه، واستعمله على القبائل، فقال له: يا رسول الله، أنا أكفيك ثقيفًا، فأزعجهم بالغارات والنَّهْبِ، فلما رأت ذلك ثقيفٌ مشوا إلى عبدِ ياليل وسألوه أن يقدم على رسول الله ﷺ ، فقدم هو وابناه في سبعين رجلًا وهم رؤساؤهم.
* * *
وفيها: في رمضان قدم على رسول الله ﷺ كتاب ملوك حمير وهَمْدان باليمن بإسلامهما، وبعث إليه زرعة بن ذي يزن (٢) مالك بن مرة الرهاوي، فَسُرَّ بهم رسولُ الله ﷺ ، فكتب إليهم بعد البسملة: "من محمدٍ رسولِ الله إلى ملوكِ هَمدانَ والمعافِر وحمير - وسماهم - أما بعد: فإني أَحْمَدُ إليكُم الله الَّذي لا إلَه إلا هو، والحمدُ للهِ الَّذي هَداكُم للإسلام، وإنا لَقينا رسُولكم ونحن قافلون من أرض الروم فبلَّغَنا رسالتكم، فأقيمُوا الصلاة وآتوا الزكاة وأدوا خُمْسَ أموالكم إلى الله ورسوله، وما يجب عليكم من الصدقات، وعليكم عُشْرُ ما سقت العيون والسماء … وذكر أسنان الإبل والبقر والغنم وما يجب فيها". وفيه: "وعلى كل حالم وحالمة من اليهود والنَّصارى دينار أو قيمتُه من المعافِر".
стр. 1749
وقوله: وحالمةٍ: سهو من الكاتب أو الراوي، لأن المرأة لا جزية عليها بالإجماع.
والمعافر: ضَرْبٌ من ثيابِ اليَمَنِ.
* * *
وفيها: قدمَ وفدُ فزارةَ، وكانوا سبعة عشر رجلًا ومنهم الحرُّ (١) بن حصن، وكان أصغرهم سنًا، فلقوه عند رجوعه من تبوك وهم على رحالٍ عِجاف، فسألهم رسولُ الله ﷺ فقالوا: أَسْنَتَتْ (٢) بلادُنا وهلكتْ مواشينا، وسألوه الدعاءَ لبلادهم بالحيا، فخطب ودعا لهم، فقال: "اللهمَّ اسق بلادك عاجلًا نافعًا، سقيا رحمةٍ لا سقْيا عذاب، اللهمَّ حوالينا ولا علينا". فعادوا إلى بلادهم وقد سقوا (٣).
وفيها: قدم وفد هَمْدان (٤)، وفيهم ذو المشعار مالك بن نَمَط فقام فقال: يا رسول الله أتَتْكَ نَصِيَّةٌ من همدان من كل حاضر وبادٍ، أتوك على قُلُص نواجٍ مُتَّصِلَةٍ بحبائلِ الإسلام، لا تأخُذُهُم في الله لومةُ لائم، من مِخْلافِ خارِف، وعهدهم لا يُنْقَضُ عن سنة ما قام لَعْلَعُ (٥) وجرى اليَعْفُور بصلع، فكتب لهم رسول الله ﷺ :
هذا كتابٌ من محمد رسول الله لِمخلاف خارف وأهل جِنابِ الهَضْب وحِقافِ الرَّمْل، لوافدها ذي المِشْعار مالك بن نمط ومن أسلم من قومه، على أن لهم فِراعَها ووِهاطها وعَرارَها ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون عُلَّافَها ويرعون حِقافها، وليأمن ذِمِّيهم وضامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصدقةِ: الثلب والنابُ والفَصيلُ والداجن والكبش الحواريُّ وعليهم فيه الضَّالع والقارِحُ.
تفسيره: "النصية" من الإبل والقوم والمال: خياره، و"القَلوص" من النوق: بمنزلة الجارية من النِّساء، و"النواج": النّاجيةُ بصاحبها. والمخلافُ: لأهل اليمن واحدُ المخاليف، وهو كورها، ولكل مخلاف اسم يعرف به، و"اليعفور": اسم واد،
стр. 1750
و"صلع": موضع لا يُنْبِتُ، و"الفِراع": أعالي الجبال، و"الوَهْطة": ما اطمأن من الأرض، و"العَرار": نَبْتٌ طيِّبُ الريح، و"العُلَّف": بتشديد اللام، ثمرُ الطَّلحِ، و"الحِقافُ": الرِّمال، و"الثِّلْبُ": الجمل الَّذي انكسرت أنيابه من الهَرَمِ وتناثر ذَنَبه، و"النَّاب": المسِنَّةُ من النوق، و"الفارض": البقرة الكبيرة، و"الداجن": الشاة تألف البيوت، و"الضِّلَعُ": الغَمْزُ في مَشْيِ البعير، و"القارح": ما أتت عليه خمس سنين.
وفيها: وَفَد على رسول الله ﷺ وَفْدُ الداريين.
قال زياد بن أبي هند الداري، عن أبيه (١): قدِمْنا على رسول الله ﷺ مكة ونحن ستة أنفس: تميم الداري وأخوه نُعَيْم بن أوس، والفاكه بن النعمان، وزيد بن قيس، وأبو هند بن عبد الرحمن، وأخوه الطيب بن عبد الله، فَسَمَّاهُ رسولُ الله ﷺ [عبد الرحمن] (٢) فأسلمنا وسألناه أن يعطينا أرضًا من أرض الشام، فأعطانا، وكتب لنا في جِلدِ أديم كتابًا فيه شهادة العباس وخُرَيْم بنِ قيس وشُرَحْبيل بن حسنة (٣).
قال أبو هند - فهو صاحب الحديث -: فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة هاجرنا إليه، وسألناه أن يجدد لنا كتابًا.
وفي رواية: فقالوا: ما شئتم؟ فقال تميم: أرى أن أسأله بيت المقدس وكُورَها، فقال أبو هند: أخاف أن لا يتمَّ لنا ذلك لأنه يكون بها ملك العوب، فقال تميم: فسألُه بيت جبرين، فقال أبو هند: فهذا أكبر، اطلبوا منه عين، وجبرون، وبيت إبراهيم، وطلبناه فكتب لنا، ثم قال: "إذا سمعتم أني قد هاجرت فاقدموا عليّ"، فلما هاجر قدموا عليه فجدد لهم الكتاب.
وقال الكلبي: قدم وفد الداريين على رسول الله ﷺ عند منصرفه من تبوك وكانوا عشرة، فمنهم: تميم ونُعَيْم ابنا أوس بن خارجة، [ويزيد بن قيس بن خارجة (٤)]
стр. 1751
والفاكه بن النعمان بن جبلة بن صفَّارة، وعزيز ومرة ابنا مالك (١)، والطيبُ وأبو هند ابنا ذر، وجبلة بن مالك بن صفّارة، وهانئ بن حبيب بن هانئ، وخارجة بن أسود (٢)، وقيل: وأسود بن جبير اللخمي، فأهدى هانئ بن حبيب لرسول الله ﷺ راوية خَمْر وأفراسًا وَقَباءً مُخَوَّصًا بالذهب - أي مَنْسوجًا - فقبِلَ القباءَ والأفراس وردَّ الخمر، وقال: "إن الله حرم شُرْبها وبَيْعَها" فانْطَلَقَ فأَهْرقها في بقيع الجُحْفَةِ، وأعطى رسول الله ﷺ القباء للعباس ﵁ فباعه من يهودي بثمانية الآف درهم. وسمى رسول الله ﷺ عزيزًا: عبدَ الرحمن، والطَّيِّبَ: عبدَ الله، فقال له تميم: يا رسول الله إن لنا جيرةً من الروم ولهم قريتان يقال لإحداهما: حِبْرى، والأخرى: بيت عينون، فإن فتح الله عليك بالشام فهبهما لي، فقال: "هما لك" (٣).
وقال الواقدي: وكتب رسول الله ﷺ لنُعيم بن أوس وأخيه تميم بن أوس: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أنطى محمد رسول الله نعيم بن أوس وأخاه تميمًا الداريَّيْنِ حِبْرى وبيت عَيْنُونَ بالشام، سَهْلها وجَبَلها وماءَها وأنْباطها وبقرها، ولعقبهِ من بعده، لا يحاقهما فيها أحد ولا يلج عليهم فيها بظلم، فمن ظلمهم وأخذ منهم شيئًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وكتب علي بن أبي طالب (٤).
وقال الهيثم: نسخة الكتاب: هذا ما أنطى محمدٌ رسولُ الله لتميم الداري وأصحابه، أنْطاهم عين، وحَبْرون، والمرْطومَ بيت إبراهيم بذمتهم، وجميع ما فيها، نَطية بتَّةً، وهي لأعْقابهم من بعدهم أبد الآبدين، فمن آذاهم فيه آذاه الله. وشهد أبو بكر ابن أبي قحافة ﵁، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية ابن أبي سفيان وكتب، وأقاموا عند رسول الله ﷺ بالمدينة حتَّى توفي، وقام أبو بكر رضوان الله عليه فأعطاهم ذلك، وأوصى لهم رسول الله ﷺ بمئة وَسْقٍ من تَمْر خيبر.
стр. 1752
وكتب أبو بكر رضوان الله عليه إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁: أما بعد، فامنع من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من الفَسَاد في قُرى الداريين، وإن كان أهلها قد أجلوا عنها وأراد الداريون أن يزرعوها فلهم ذلك، وإن أراد أهلها الرجوع إليها فهي لهم وهم بها أحق (١).
و"المرطوم": هو بيت إبراهيم ﵇ وهو موضع قبره، و"حِبْرى" قرية إلى جانب المَرْطوم.
ترجمة تميم الداري
وكنيته: أبو رُقَيَّةَ، ولم يكن له ولدٌ ذكَرٌ، إنما كانت له هذه البنتُ فكُنِّيَ بها. قاله يعقوب بن سفيان.
وقال ابن عبد البَرِّ: لم يُولَدْ له ولدٌ غَيْر رُقَيَّة، وكان نَصْرانيًّا فأسلم سنة تسع من الهجرة (٢).
وتميم من الطبقة الرابعة من الصحابة، نزل المدينة، وتحوّل إلى الشّام بعد قتل عثمان ﵁، وكان يقرأُ القرآن في ركعة، وربما ردّدَ الآية الواحدةَ إلى الصباح، وكان يشتري الرداء بألف درهم فيصلي فيه بالليل.
وفي تميم نزل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية [المائدة: ١٠٦].
وقال الحميدي عن ابن عباس: خرج رجل من بني سَهْمٍ مع تميم الداري وعدي بن بَدَّاء، فمات السهمي بأرضٍ ليس بها مسلمٌ، فلما قدموا بتَرِكَتِه فقدوا جامًا من فضةٍ مُخَوَّصًا بالذَّهَبِ، فأحلَفَهُما رسولُ الله ﷺ ثم وُجدَ الجامُ بمكَّةَ، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي بن بَدَّاء، فقام رجلانِ من أوليائه فحلفا لشهادتُنا أحقُّ من شهادَتهما وأن الجام لصاحبهم، فنزلت الآية، الكلام على الحديث (٣).
وقال تميم: خرجتُ من الشام إلى الحجاز حين بُعث رسول الله ﷺ فأدركني الليل
стр. 1753
في وادٍ فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة، فناداني منادٍ: عُذْ بالله، فإن الجن لا تجترئ على الله؛ قد خرج الرسولُ الأمين، وصلينا خلفه بالحَجونِ وأسلمنا واتَّبعناه، وذهب كيد الجن ورميت الشياطين بالشهب، فانْطَلِقْ إلى محمد ﷺ ، فلما أصبحتُ أتيتُ دَيْرَ أيوب وفيه راهبٌ فأخبرته، فقال: صدقَ، نجدُهُ يخرج من الحرم، وهو خير الأنبياء فلا تُسْبَقْ إليه. فقدمت على رسول الله ﷺ المدينةَ فأسلمت (١).
وهو أول من قصَّ في أيام عمر رضوان الله عليه، فقال له: ما تقولُ؟ قال: أقْرأ عليهم القرآن وآمرهم بالخَيْرِ وأنهاهم عن الشر، قال: افعل، فكان يقصُّ يومًا واحدًا في الجمعة، فلما قام عثمان رضوان الله عليه استزاده يومًا آخر (٢).
ومرّ به عمر رضوان الله عليه وهو يقص ومعه ابن عباس، فقال له: سَلْه عن زلَّةِ العالِمِ، فقال تميم: لأن العالِمَ إذا زلَّ زلَّ الناسُ فيؤاخَذ بهم (٣)، فقال عمر ﵁: أحسنت.
وقال أبو سعيد الخدري: أول من أسرج المسجدَ تميمٌ الداري (٤).
وسكن تميمٌ دمشقَ، ثم انتقل إلى فلسطين، فتوفي بها سنة أربعين، قاله الشيخ جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى، وقبره ببيت حبرون.
وروى الحديث عن النبي ﷺ ، وروى عنه من الصحابة: ابن عباس وأنس وأبو هريرة وغيرهم، وقدم مصر لغزو البحر فروى عنه جماعة من المصريين، وأخرج له الإمام أحمد رحمة الله عليه في "المسند" ثمانية أحاديث.
وقد روى رسول الله ﷺ حديث الجسَّاسةِ عن تميم الداري: كانت فاطمة بنت قيس من المهاجرات الأُوَلِ، وسألها الشَّعْبيُّ - واسمه عامرُ بن شَراحيل من شَعْب هَمْدان - فقال: حدثيني حديثًا سَمِعتيه من رسولِ الله ﷺ لا تُسْنديه إلى أحدٍ غيره، فقالت: لئن
стр. 1754
شئتَ لأفعلَنْ، فقال لها: أَجَلْ، حدَّثيني، قالت: نكحتُ ابنَ المغيرة وهو من خَيْرِ شباب قريش يومئذ، فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله ﷺ فلما تَأَيَّمْتُ خطبني عبد الرحمن بنُ عوفٍ في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ [وخطبني رسول الله ﷺ ] على مولاه أسامةَ بن زيد، فلما كلَّمني رسولُ الله ﷺ قلتُ: أمري في يَدِك فأنْكِحني من شئتَ، فقال: "انتَقِلي إلى أمِّ شَريك" وأُمُّ شريك امرأة غنيَّةٌ من الأنصار، عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها الضِّيفانُ، فقلت: سأفعل، فقال: "لا تَفْعلي، إنَّ أُمَّ شَريكٍ كثيرةُ الضِّيفانِ، وأَكْرهُ أن يَسقُطَ خِمارُكِ وَينكَشِفَ الثَّوبُ عن ساقَيْكِ، فيرى القَوْمُ منك بعضَ ما تَكرهينَ، ولكِن انْتَقِلي إلى ابنِ عمِّكِ، ابنِ أُمِّ مكْتُومٍ". فانتقلتُ إليه، فلما انقَضَتْ عِدَّتي سمعنا نداءَ منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاةَ جامعةً، فخرجت مع النساء إلى المسجد، فصَلَّيْتُ مع رسول الله ﷺ ، فكنت من النَّساء اللاتي بين ظهور القوم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته جلس على المنبر وهو يضحك فقال: "ما جَمَعتُكُم لرَغبَةٍ ولا لِرَهْبةٍ، ولكِنْ جمَعتكُم لأنَّ تميمًا الداري حدَّثني حديثًا وافَقَ ما كُنتُ حَدَّثتُكُم عن المسيحِ الدجَّالِ، حدَّثني أنَّه رَكِبَ في سفينةٍ بحريةٍ مع ثلاثينَ رجلًا من لَخْم وجُذام، فلعب بهم الموجُ شهرًا في البحر، ثم أَرْفؤوا إلى جزيرةٍ في البحرِ حينَ تغرُبُ الشمسُ، فجلسوا في قاربٍ ودخلوا الجزيرةَ، فَلَقِيتهم دابَّةٌ أَهْلَبُ كثيرُ الشَّعَرِ، لا يَدرون ما قُبُلُه من دُبُرِه، فقالوا: ويلكِ ما أنتِ؟ قالت: أنا الجسَّاسةُ، قالوا: وما الجسَّاسةُ؟ قالت: أيُّها القومُ، انْطَلقوا إلى هذا الرجلِ الَّذي في الدَّير فإنّه إلى لقائكُم بالأشواقِ، قال: فلما سَمَّت لنا رجلًا فرِقْنا منها أنْ تكُونَ شَيطانةً - أو شيطانًا - فانْطَلقنا سِراعًا حتَّى دَخَلنا الدَّيرَ فإذا فيه أعظمُ إنسانٍ رأيناهُ قطُّ خَلْقًا، وأشدُّهُ وثاقةً، مجموعةٌ يداه إلى عُنقه، ما بين رُكبتيه إلى كَعبهِ بالحديدِ، قلنا: ويلَكَ ما أنتَ؟ قال: قد قَدَرتُم على خَبري، فأَخبرُوني ما أَنتُم؟ قالوا: نحن أُناسٌ من العَرَب ركبنا في سفينةٍ بحريةٍ فصادَفْنا البحر حين اغْتلمَ، فلعب بنا الموجُ شهرًا ثم أَرْفأنا إلى جزيرتكَ هذه، فجلَسنا في أَقْرُبها فدخَلْنا الجزيرةَ فلقينا دابةٌ أَهْلبُ كثيرُ الشَّعَرِ .. وذكر القصة إلى قوله: فإنّه إلى خَبركم بالأشواق فأقبلنا إليكَ سراعًا وفزعنا منها، ولم نأمَنْ أن تكونَ شيطانةً، فقال: أَخبروني عن نخل بَيْسانَ؟ قلنا: عن أيِّ شيء تَسْتَخبر؟ قال: أسألكم
стр. 1755
عن نخلها هل يثمر؟ قلنا: نعم، قال: يوشك أن لا يُثْمِرَ، قال: أخبروني عن بحيرة طبريّةَ؟ قلنا: عن أيِّ شأنها تستخبرُ؟ قال: أسألكم هل فيها ماء؟ قلنا: هي كثيرة الماء، قال: إنّ ماءَها يوشك أن يذهب، قال: أخبروني عن عين زُغَر؟ قلنا: عن أيّ شأنها تَسْتخبرُ؟ قال: هل فيها ماء وهل يَزرَعُ أهلها بماء العين؟ قلنا: نعم هي كثيرةُ الماءِ وأَهلُها يزرعُون من مائها، قال: أخبروني عن نبي الأُمِّيينَ ما فَعَلَ؟ قلنا: قد خرج من مكَّةَ ونزل يَثْربَ، قال: قَاتَلتْهُ العَربُ؟ قُلنا: نَعَم، قال: كيفَ صَنَع بهم؟ فأَخبرناهُ أنَّه قد ظَهَر على من يَليهِ منَ العَرَبِ وأَطاعُوهُ، فقالَ: قد كانَ ذلك؟ قلنا: نَعَم، قال: أما إنَّ ذلك خير لهم أن يُطيعوهُ، وإنّي مُخبِرُكم عني، أنا المسيحُ، وإنِّي أُوْشِكُ أن يؤذنَ لي في الخُروج فأخرجَ، فأَسيرُ في الأرضِ فلا أَدَعُ قريةً إلا هَبطْتُها في الأربعينَ ليلةً غيرَ مكَّةَ وطَيبةَ: هما مُحَرَّمتانِ عليَّ كِلتاهُما، كلَّما أَردتُ أن أَدخُلَ واحدةً مِنها استَقبَلني مَلَكٌ بيدهِ السيفُ صَلْتًا يصدُّني عنها، وإنَّ على كل نَقْب منها ملائكةً يحرُسُونها، قال رسول الله ﷺ وطَعَن بمِخْصَرَتهِ في المِنْبَرِ: "هذه طيبةُ" يعني المدينة. قال: فإنّه أعجَبني حديثُ تميمٍ أنّه وافقَ الَّذي كُنْتُ أُحدَّثكم عنه وعن مكَّةَ والمدينةَ، إلا أنّه من بَحْرِ الشام أو بحر اليمن لا من قِبَلِ المشرق ما هو من قبل المشرق" يكرره وأومأ بيده إلى المشرق.
قالت: فحفظتُ هذا من قول رسول الله ﷺ ، وهذا حديث طويل أخرجه الحميدي (١) من أفراد مسلم.
* * *
وفيها: كتب رسول الله ﷺ إلى سمعان بن عمرو الكلابي كتابًا يدعوه إلى الإسلام، فرقَعَ به دَلْوَه، فقالت له ابنته: عَمَدْتَ إلى كتاب سيدِ العرب فرقعتَ به دلوك ستصيبك قارِعةٌ، فمرت به سريةُ رسولِ الله ﷺ فاستباحوا كل شيء كان له، فهرب، ثم قدم على رسول الله ﷺ مسلمًا، فرد عليه من ماله ما لم يُقسَم (٢).
* * *