← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

والفاكه بن النعمان بن جبلة بن صفَّارة، وعزيز ومرة ابنا مالك (١)، والطيبُ وأبو هند ابنا ذر، وجبلة بن مالك بن صفّارة، وهانئ بن حبيب بن هانئ، وخارجة بن أسود (٢)، وقيل: وأسود بن جبير اللخمي، فأهدى هانئ بن حبيب لرسول الله ﷺ راوية خَمْر وأفراسًا وَقَباءً مُخَوَّصًا بالذهب - أي مَنْسوجًا - فقبِلَ القباءَ والأفراس وردَّ الخمر، وقال: "إن الله حرم شُرْبها وبَيْعَها" فانْطَلَقَ فأَهْرقها في بقيع الجُحْفَةِ، وأعطى رسول الله ﷺ القباء للعباس ﵁ فباعه من يهودي بثمانية الآف درهم. وسمى رسول الله ﷺ عزيزًا: عبدَ الرحمن، والطَّيِّبَ: عبدَ الله، فقال له تميم: يا رسول الله إن لنا جيرةً من الروم ولهم قريتان يقال لإحداهما: حِبْرى، والأخرى: بيت عينون، فإن فتح الله عليك بالشام فهبهما لي، فقال: "هما لك" (٣). وقال الواقدي: وكتب رسول الله ﷺ لنُعيم بن أوس وأخيه تميم بن أوس: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا ما أنطى محمد رسول الله نعيم بن أوس وأخاه تميمًا الداريَّيْنِ حِبْرى وبيت عَيْنُونَ بالشام، سَهْلها وجَبَلها وماءَها وأنْباطها وبقرها، ولعقبهِ من بعده، لا يحاقهما فيها أحد ولا يلج عليهم فيها بظلم، فمن ظلمهم وأخذ منهم شيئًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وكتب علي بن أبي طالب (٤). وقال الهيثم: نسخة الكتاب: هذا ما أنطى محمدٌ رسولُ الله لتميم الداري وأصحابه، أنْطاهم عين، وحَبْرون، والمرْطومَ بيت إبراهيم بذمتهم، وجميع ما فيها، نَطية بتَّةً، وهي لأعْقابهم من بعدهم أبد الآبدين، فمن آذاهم فيه آذاه الله. وشهد أبو بكر ابن أبي قحافة ﵁، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية ابن أبي سفيان وكتب، وأقاموا عند رسول الله ﷺ بالمدينة حتَّى توفي، وقام أبو بكر رضوان الله عليه فأعطاهم ذلك، وأوصى لهم رسول الله ﷺ بمئة وَسْقٍ من تَمْر خيبر.

стр. 1752

وكتب أبو بكر رضوان الله عليه إلى أبي عبيدة بن الجراح ﵁: أما بعد، فامنع من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من الفَسَاد في قُرى الداريين، وإن كان أهلها قد أجلوا عنها وأراد الداريون أن يزرعوها فلهم ذلك، وإن أراد أهلها الرجوع إليها فهي لهم وهم بها أحق (١). و"المرطوم": هو بيت إبراهيم ﵇ وهو موضع قبره، و"حِبْرى" قرية إلى جانب المَرْطوم. ترجمة تميم الداري وكنيته: أبو رُقَيَّةَ، ولم يكن له ولدٌ ذكَرٌ، إنما كانت له هذه البنتُ فكُنِّيَ بها. قاله يعقوب بن سفيان. وقال ابن عبد البَرِّ: لم يُولَدْ له ولدٌ غَيْر رُقَيَّة، وكان نَصْرانيًّا فأسلم سنة تسع من الهجرة (٢). وتميم من الطبقة الرابعة من الصحابة، نزل المدينة، وتحوّل إلى الشّام بعد قتل عثمان ﵁، وكان يقرأُ القرآن في ركعة، وربما ردّدَ الآية الواحدةَ إلى الصباح، وكان يشتري الرداء بألف درهم فيصلي فيه بالليل. وفي تميم نزل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية [المائدة: ١٠٦]. وقال الحميدي عن ابن عباس: خرج رجل من بني سَهْمٍ مع تميم الداري وعدي بن بَدَّاء، فمات السهمي بأرضٍ ليس بها مسلمٌ، فلما قدموا بتَرِكَتِه فقدوا جامًا من فضةٍ مُخَوَّصًا بالذَّهَبِ، فأحلَفَهُما رسولُ الله ﷺ ثم وُجدَ الجامُ بمكَّةَ، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي بن بَدَّاء، فقام رجلانِ من أوليائه فحلفا لشهادتُنا أحقُّ من شهادَتهما وأن الجام لصاحبهم، فنزلت الآية، الكلام على الحديث (٣). وقال تميم: خرجتُ من الشام إلى الحجاز حين بُعث رسول الله ﷺ فأدركني الليل

стр. 1753

في وادٍ فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة، فناداني منادٍ: عُذْ بالله، فإن الجن لا تجترئ على الله؛ قد خرج الرسولُ الأمين، وصلينا خلفه بالحَجونِ وأسلمنا واتَّبعناه، وذهب كيد الجن ورميت الشياطين بالشهب، فانْطَلِقْ إلى محمد ﷺ ، فلما أصبحتُ أتيتُ دَيْرَ أيوب وفيه راهبٌ فأخبرته، فقال: صدقَ، نجدُهُ يخرج من الحرم، وهو خير الأنبياء فلا تُسْبَقْ إليه. فقدمت على رسول الله ﷺ المدينةَ فأسلمت (١). وهو أول من قصَّ في أيام عمر رضوان الله عليه، فقال له: ما تقولُ؟ قال: أقْرأ عليهم القرآن وآمرهم بالخَيْرِ وأنهاهم عن الشر، قال: افعل، فكان يقصُّ يومًا واحدًا في الجمعة، فلما قام عثمان رضوان الله عليه استزاده يومًا آخر (٢). ومرّ به عمر رضوان الله عليه وهو يقص ومعه ابن عباس، فقال له: سَلْه عن زلَّةِ العالِمِ، فقال تميم: لأن العالِمَ إذا زلَّ زلَّ الناسُ فيؤاخَذ بهم (٣)، فقال عمر ﵁: أحسنت. وقال أبو سعيد الخدري: أول من أسرج المسجدَ تميمٌ الداري (٤). وسكن تميمٌ دمشقَ، ثم انتقل إلى فلسطين، فتوفي بها سنة أربعين، قاله الشيخ جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله تعالى، وقبره ببيت حبرون. وروى الحديث عن النبي ﷺ ، وروى عنه من الصحابة: ابن عباس وأنس وأبو هريرة وغيرهم، وقدم مصر لغزو البحر فروى عنه جماعة من المصريين، وأخرج له الإمام أحمد رحمة الله عليه في "المسند" ثمانية أحاديث. وقد روى رسول الله ﷺ حديث الجسَّاسةِ عن تميم الداري: كانت فاطمة بنت قيس من المهاجرات الأُوَلِ، وسألها الشَّعْبيُّ - واسمه عامرُ بن شَراحيل من شَعْب هَمْدان - فقال: حدثيني حديثًا سَمِعتيه من رسولِ الله ﷺ لا تُسْنديه إلى أحدٍ غيره، فقالت: لئن

стр. 1754

شئتَ لأفعلَنْ، فقال لها: أَجَلْ، حدَّثيني، قالت: نكحتُ ابنَ المغيرة وهو من خَيْرِ شباب قريش يومئذ، فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله ﷺ فلما تَأَيَّمْتُ خطبني عبد الرحمن بنُ عوفٍ في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ [وخطبني رسول الله ﷺ ] على مولاه أسامةَ بن زيد، فلما كلَّمني رسولُ الله ﷺ قلتُ: أمري في يَدِك فأنْكِحني من شئتَ، فقال: "انتَقِلي إلى أمِّ شَريك" وأُمُّ شريك امرأة غنيَّةٌ من الأنصار، عظيمة النفقة في سبيل الله، ينزل عليها الضِّيفانُ، فقلت: سأفعل، فقال: "لا تَفْعلي، إنَّ أُمَّ شَريكٍ كثيرةُ الضِّيفانِ، وأَكْرهُ أن يَسقُطَ خِمارُكِ وَينكَشِفَ الثَّوبُ عن ساقَيْكِ، فيرى القَوْمُ منك بعضَ ما تَكرهينَ، ولكِن انْتَقِلي إلى ابنِ عمِّكِ، ابنِ أُمِّ مكْتُومٍ". فانتقلتُ إليه، فلما انقَضَتْ عِدَّتي سمعنا نداءَ منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاةَ جامعةً، فخرجت مع النساء إلى المسجد، فصَلَّيْتُ مع رسول الله ﷺ ، فكنت من النَّساء اللاتي بين ظهور القوم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته جلس على المنبر وهو يضحك فقال: "ما جَمَعتُكُم لرَغبَةٍ ولا لِرَهْبةٍ، ولكِنْ جمَعتكُم لأنَّ تميمًا الداري حدَّثني حديثًا وافَقَ ما كُنتُ حَدَّثتُكُم عن المسيحِ الدجَّالِ، حدَّثني أنَّه رَكِبَ في سفينةٍ بحريةٍ مع ثلاثينَ رجلًا من لَخْم وجُذام، فلعب بهم الموجُ شهرًا في البحر، ثم أَرْفؤوا إلى جزيرةٍ في البحرِ حينَ تغرُبُ الشمسُ، فجلسوا في قاربٍ ودخلوا الجزيرةَ، فَلَقِيتهم دابَّةٌ أَهْلَبُ كثيرُ الشَّعَرِ، لا يَدرون ما قُبُلُه من دُبُرِه، فقالوا: ويلكِ ما أنتِ؟ قالت: أنا الجسَّاسةُ، قالوا: وما الجسَّاسةُ؟ قالت: أيُّها القومُ، انْطَلقوا إلى هذا الرجلِ الَّذي في الدَّير فإنّه إلى لقائكُم بالأشواقِ، قال: فلما سَمَّت لنا رجلًا فرِقْنا منها أنْ تكُونَ شَيطانةً - أو شيطانًا - فانْطَلقنا سِراعًا حتَّى دَخَلنا الدَّيرَ فإذا فيه أعظمُ إنسانٍ رأيناهُ قطُّ خَلْقًا، وأشدُّهُ وثاقةً، مجموعةٌ يداه إلى عُنقه، ما بين رُكبتيه إلى كَعبهِ بالحديدِ، قلنا: ويلَكَ ما أنتَ؟ قال: قد قَدَرتُم على خَبري، فأَخبرُوني ما أَنتُم؟ قالوا: نحن أُناسٌ من العَرَب ركبنا في سفينةٍ بحريةٍ فصادَفْنا البحر حين اغْتلمَ، فلعب بنا الموجُ شهرًا ثم أَرْفأنا إلى جزيرتكَ هذه، فجلَسنا في أَقْرُبها فدخَلْنا الجزيرةَ فلقينا دابةٌ أَهْلبُ كثيرُ الشَّعَرِ .. وذكر القصة إلى قوله: فإنّه إلى خَبركم بالأشواق فأقبلنا إليكَ سراعًا وفزعنا منها، ولم نأمَنْ أن تكونَ شيطانةً، فقال: أَخبروني عن نخل بَيْسانَ؟ قلنا: عن أيِّ شيء تَسْتَخبر؟ قال: أسألكم

стр. 1755

عن نخلها هل يثمر؟ قلنا: نعم، قال: يوشك أن لا يُثْمِرَ، قال: أخبروني عن بحيرة طبريّةَ؟ قلنا: عن أيِّ شأنها تستخبرُ؟ قال: أسألكم هل فيها ماء؟ قلنا: هي كثيرة الماء، قال: إنّ ماءَها يوشك أن يذهب، قال: أخبروني عن عين زُغَر؟ قلنا: عن أيّ شأنها تَسْتخبرُ؟ قال: هل فيها ماء وهل يَزرَعُ أهلها بماء العين؟ قلنا: نعم هي كثيرةُ الماءِ وأَهلُها يزرعُون من مائها، قال: أخبروني عن نبي الأُمِّيينَ ما فَعَلَ؟ قلنا: قد خرج من مكَّةَ ونزل يَثْربَ، قال: قَاتَلتْهُ العَربُ؟ قُلنا: نَعَم، قال: كيفَ صَنَع بهم؟ فأَخبرناهُ أنَّه قد ظَهَر على من يَليهِ منَ العَرَبِ وأَطاعُوهُ، فقالَ: قد كانَ ذلك؟ قلنا: نَعَم، قال: أما إنَّ ذلك خير لهم أن يُطيعوهُ، وإنّي مُخبِرُكم عني، أنا المسيحُ، وإنِّي أُوْشِكُ أن يؤذنَ لي في الخُروج فأخرجَ، فأَسيرُ في الأرضِ فلا أَدَعُ قريةً إلا هَبطْتُها في الأربعينَ ليلةً غيرَ مكَّةَ وطَيبةَ: هما مُحَرَّمتانِ عليَّ كِلتاهُما، كلَّما أَردتُ أن أَدخُلَ واحدةً مِنها استَقبَلني مَلَكٌ بيدهِ السيفُ صَلْتًا يصدُّني عنها، وإنَّ على كل نَقْب منها ملائكةً يحرُسُونها، قال رسول الله ﷺ وطَعَن بمِخْصَرَتهِ في المِنْبَرِ: "هذه طيبةُ" يعني المدينة. قال: فإنّه أعجَبني حديثُ تميمٍ أنّه وافقَ الَّذي كُنْتُ أُحدَّثكم عنه وعن مكَّةَ والمدينةَ، إلا أنّه من بَحْرِ الشام أو بحر اليمن لا من قِبَلِ المشرق ما هو من قبل المشرق" يكرره وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظتُ هذا من قول رسول الله ﷺ ، وهذا حديث طويل أخرجه الحميدي (١) من أفراد مسلم. * * * وفيها: كتب رسول الله ﷺ إلى سمعان بن عمرو الكلابي كتابًا يدعوه إلى الإسلام، فرقَعَ به دَلْوَه، فقالت له ابنته: عَمَدْتَ إلى كتاب سيدِ العرب فرقعتَ به دلوك ستصيبك قارِعةٌ، فمرت به سريةُ رسولِ الله ﷺ فاستباحوا كل شيء كان له، فهرب، ثم قدم على رسول الله ﷺ مسلمًا، فرد عليه من ماله ما لم يُقسَم (٢). * * *

стр. 1756

وفيها: وَفَدَ وَفْدُ بني البَكَّاء، وهم: معاوية بن ثَوْر بن عُبادة وهو يومئذ ابن مئة سنة، ومعه ابنه بِشر، والفُجَيْعُ بن جُنْدَع (١)، وعبد عمرو، فأكرمهم رسولُ الله ﷺ وأجازهم، فقال له معاوية بن ثور: يا رسول الله، إني قد كَبرت فامسح على وجه ابني بِشر، فمسح عليه ووهبه أَعْنُزًا عُفْرًا - أي بيضاء - فكانت السَّنَةُ تُصيب بني البكَّاءِ ولا تصيبهم، وفي ذلك يقول محمد بن بِشْر بن معاوية: [من الكامل] وأبي الَّذي مَسَحَ الرَّسُولُ بوجههِ … ودعا له بالخَيْرِ والبَرَكاتِ أعطاه أحمدُ إذ أَتَاهُ أَعْنُزًا … عُفْرًا ثَواجِلَ لَسْنَ باللَّجِباتِ يملأْنَ رِفْدَ الحَيَّ كلَّ عَشِيَّةٍ … ويعودُ ذاك المَلْءُ بالغَدَواتِ بُورِكنَ مِن مِنَحٍ وبُورِكَ مانِحًا … وعليه منِّي ما حَييتُ صَلاتي وكتب لهم رسول الله ﷺ كتابًا فهو عند الفُجيع وقومه (٢). وفيها: قدم وفد بني عُقيل بن كعب، وفيهم ربيع بن معاوية بن خفاجةَ بن عمرو بن عقيل، وعقال بن خويلد وغيرهما، وأخذ عليهم رسول الله ﷺ الإسلام، وقال لعقال ابن خويلد: قُلْ أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن هُبَيْرة بنَ النُّفاضة نِعْمَ الفارسُ يوم قرني لبان (٣) - اسم موضع. فقال له: قل أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن الصريح تَحْت الرِّغْوة، فقال ثلاثًا له، فأَسْلَم، فكتب لهم رسول الله ﷺ العقيق، ويُسمى: عقيق بني عُقيل، وفيه عيون ونخل، وكتب لهم في أديم أحمرَ (٤). * * * وفي هذه السنة جرت قصة ثعلبة بن حاطب أحد المنافقين. قال أبو أمامة الباهلي: جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، اُدْعُ الله أن يرزقَني مالًا، فقال: "وَيْحَكَ يا ثَعْلَبةُ، أَمالَك في رسولِ الله أُسوةٌ حَسَنةٌ، والذي نَفسي بيدهِ، لو أَردْتُ أَن تسيرَ الجبالُ معيَ ذَهَبًا وفضةً لَسَارت". ثم

стр. 1757

أتاه ثانيًا وثالثًا، فقال: يا رسولَ الله، ادعُ الله أن يرزقني مالًا، فوالذي بعثكَ بالحقِّ لئن رزقني الله مالًا لأؤدِّيَنَّ إلى كلِّ ذي حقٍّ حقَّه. فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهم ارزُقْ ثعلبةَ مالًا" قالها مرتين، فاتَّخذ غَنَمًا فنمت كما يَنْمو الدودُ، وضاقت عليه المدينةُ فتنحى عَنْها، ونزل واديًا من أوديتها وهي تزداد، وكان يصلِّي مع رسول الله ﷺ الظُّهرَ والعَصْرَ ويصلي في غنمه باقي الصلوات، ثم كثرت فتباعد عن المدينة وانقطع عن الصلوات والجُمَعِ، فسأل رسول الله ﷺ عنه ذات يوم فقال: "ما فَعَل ثَعلبةُ"؟ فقالوا: يا رسول الله، كَثُرَ ماله فأبْعَد عن المدينة، فقال: "يا وَيحَ ثعلبةَ"، وأنزل الله آية الصدقات، فبعث رسول الله ﷺ رجلًا من بني سُلَيم وآخر من جُهينةَ على الصدقات وقال لهما: "مرَّا بثعلبةَ وببني سُلَيم"، فمرَّا بثعلبةَ فقرآ عليه أسنان الصدقة، فقال: ما هذه إلّا جزية، انطلِقا حتَّى تفرُغا ثم عودوا إليَّ، فذهبا إلى بني سُليم فاستقبلهما رجل من بني سُليم بصدقته وقد عزل لهما خِيارَ ماله، فقالا: ما هذا عليك، فقال: خُذَاها طيِّبةً من نفسي. وعادا إلى ثعلبةَ فلم يعطهما شيئًا، وقال: حتَّى أرى رأيي. وأقبلا لمّا رآهما رسول الله ﷺ فقال قبل أن يتكلما: "يا وَيحَ ثعلبةَ" مرتين، فأخبراه بقول ثعلبة وفِعلِ السُّلمي، فأنزل الله في ثعلبة: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥] الآيات وعند النبي ﷺ رجل من أقارب ثعلبة، فخرج حتَّى أتاه فقال: ويحكَ يا ثعلبُ، قد أنزل الله فيكَ كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتَّى أتى النبي ﷺ فسأله أن يقبل صدقته، فقال: "إنّ الله مَنَعني أن أَقبَلَ صدقَتكَ" فحثى الترابَ على رأسه وجعل يبكي، فقال له رسول الله ﷺ : "هذا فِعْلُكَ بنَفْسكَ، قد أَمَرتُكَ فلم تُطِعْني". وتوفي رسولُ الله ﷺ ولم يقبلْ منه شيئًا، ولما وَلِيَ أبو بكرٍ ﷺ أتاه فعرض عليه أَخْذَ الصَّدقةِ فقال: لم يأخُذْها مِنْكَ رسولُ الله ﷺ أفآخذها منك أنا؟ ثم مات أبو بكر ﵁، وقام عمر ﵁ فجاءه يعرِضُها عليه، فقال له كذلك، ثم قام عثمان ﵁ فجاءه فعرضها عليه، فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر، أفأقْبَلُها أنا؟ ولم يأخذ منه شيئًا، فمات في أيام عثمان ﵁ (١). * * *

стр. 1758

وفيها: بعث رسول الله ﷺ أبان بن سعيد بن العاص بن أمية على الصدقات إلى البحرين، وأبان من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وأمه: هند بنت المغيرة المخزومي، وأبوه كنيته: أبو أُحَيْحَةَ، مات كافرًا بالطائف، وكان له أولاد: أبان، وعمرو، وخالد، وعبيدة، والعاص، أما خالد وعمرو فأسلما قديمًا وهاجرا إلى الحبشة، وأما العاص وأبان وعبيدة فخرجوا إلى بدر مع الكفار، فقتلَ عليٌّ العاص كافرًا، وقتلَ الزبير ﵁ عبيدة كافرًا، وأفلتَ أبانُ صاحبُ هذه الترجمة، فكاتبه أخواه خالدٌ وعمرو من الحبشة: أَسْلِم، فقال: لا أَدَعُ دينَ آبائي، وأقام بمكة على كفره، حتَّى كان زَمَنُ الحُدَيْبية، ودخل عثمان ﵁ إلى مكة رسولًا من عند رسول الله ﷺ فأجاره، ثم قدم خالد وعمرو من الحبشة سنة سبع مع أصحاب السفينتين وكتبا من الشُّعَيْبةِ إلى أبان وهو بمكّة: اقدُم علينا، فقدِم عليهم ورسول الله ﷺ بخيبر، فأسلم وحسن إسلامه، وولَّاه رسول الله ﷺ صدقات البحرين سنة تسع فسار إليها، وأقام بها حتَّى ارتدتِ العربُ بعد وفاةِ رسول الله ﷺ وكان قد جمع مئة ألف، فقدم بها على أبي بكر ﵁ فسُرَّ به، وكان معه ثلاثُ مئة من عبد القَيْسِ، فأكرمهم أبو بكر ﵁، وقال له: ارجع إلى عملك، فقال: والله لا عملتُ لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ فلم يُكْرِهه أبو بكر ﵁ (١). * * * وفيها (٢): رجم رسول الله ﷺ ماعزًا والغامدية. [وقد روى القصة جماعة من الصحابة منهم بريدة بن الحصيب، وجابر بن سمرة، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعمران بن الحصين وغيرهم. فأما حديث بريدة فقال [أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا بشير بن المهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال] (٣): كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل

стр. 1759

يقال له: ماعز بن مالك، فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت، وأريد أن تطهرني، فقال له رسول الله ﷺ : "ارْجِع"، فلما كان من الغد أتاه، فاعترف عنده بالزنا، فقال له رسول الله ﷺ : "ارْجِع"، ثم أرسل إلى قومه، فقال: "ما تَعرِفُون من ماعِزِ بن مالكٍ الأَسْلَمي، هَل تَرونَ به بأْسًا، أو تُنْكِرون من عَقلِه شيئًا"؟ فقالوا: لا، ثم عاد إلى رسول الله ﷺ الثالثة والرابعة، فأرسل إلى قومه، فقالوا: ما نعلمه إلا وفيَّ العقل من صالحينا، فأمر رسول الله ﷺ فحفر له حفرة إلى صدره، ثم أمر الناس أن يرجموه. قال بريدة: كنا نتحدث - أصحاب النبي ﷺ أن ماعزًا لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يطلبه، وإنما رجمه عند الرابعة (١). وقال أحمد رحمة الله عليه: حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن سعد، أخبرني أبي يزيد ابن نعيم بن هزَّال، عن أبيه قال: كان ماعز بن مالك في حِجر أبي، فأصاب جاريةً من الحي، فقال له أبي: ائت رسول الله ﷺ فأخبره بما صنعت، لعلَّه يستغفر لك، فخرج، فأتاه، فقال: يا رسول الله، إني زنيتُ فأقم علي كتاب الله، فأعرض عنه إلى أن أتاه الرابعة، فقال: "إنَّكَ قد قُلْتَها أَربَعَ مرَّاتٍ، فبِمَن؟ " قال: بفلانة، قال: "هَل ضاجَعْتَها؟ هل جامَعْتَها؟ " قال: نعم، فأمر به، فرجم، فوجد مَسَّ الحجارةِ، فخرج يشتد، فلقيه عبد الله ابن أُنَيس، فنزع له بوَظِيفِ بعير، فقتله، فذُكر ذلك لرسول الله ﷺ -فقال: "هَلَّا تَركتُموه، لَعلَّه يَتوبُ، فيَتُوبَ اللهُ عليه، يا هزَّالُ، لو كُنتَ سَترتَه بثَوبِكَ كانَ خيرًا لكَ مِمَّا صَنَعتَ بهِ" (٢). وروى ماعز عن النبي ﷺ أنَّه سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "إيمانٌ باللهِ وَحدَهُ، ثم الجِهادُ، ثم حَجَّةٌ مَبرُورَةٌ - أو بَرَّةٌ - تَفْضُل سائِرَ العَمَلِ، كما بينَ مَطلِعِ الشَّمسِ إلى مَغربِها" أخرجه الإمام أحمد ﵀ (٣). وقال بريدة (٤): كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ فجاءته امرأة من غامدٍ، فقالت: يا

стр. 1760

رسول الله، إنِّي قد زنيتُ وأُريد أن تطهرني، فقال لها: "ارْجِعي" فجاءته ثانيًا وثالثًا، فاعترفت عنده، فقال لها: "ارْجِعي" فقالت: فلعلَّك أن تردَّني كما ردَدْتَ ماعزًا، فوالله إني لَحُبلى، فقال لها رسول الله ﷺ : "أَمَّا الآنَ فاذْهَبي حتَّى تَلِدِي"، فلما وَلَدت جاءت بالصبي تحمله، فقالت: ها قد وَلَدت، قال: "فاذْهَبي فأَرْضِعيه حتَّى تَفْطمِيه". فلما فطمته، جاءت به، وفي يده كِسْرةُ خبز فقالت: يا نبي الله، هذا الصَّبي قد فطمته، فأمر رسول الله ﷺ بالصبي، فدفعه إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر لها حفرة، فجعلمت فيها إلى صدرها، ثم أمر الناس أن يرجُموها، فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى به رأسَها، فنضح الدم على وجه خالد، فسبَّها، فقال ﵇: " [مهلًا يا خالد] فَوَالذي نَفسِي بيَدِه، لقد تابَت تَوبَةً، لو تابَها صاحبُ مَكْسٍ لغُفِرَ له". وأمر بها رسول الله ﷺ فصلَّى عليها، ودُفنت. انفرد بإخراجه مسلم (١). وروى الجماعة بقية الحديث مشابهًا لحديث بريدة، وقد اختصرناه. * * * وفيها (٢): لاعَنَ رسول الله ﷺ بين رجل وامرأته. روى الأَعمَش، عن إبراهيم بن عَلقمة، عن ابن مسعود قال: كنَّا جلوسًا عشيةَ الجمعة في المسجد، فقال رجل من الأنصار: أَحدُنا إذا رأى معَ امرأَتِه رجلًا قتله قتلتموه، وإن تكلم حديتموه، وإن سكت سكتَ على مضض أو غيظ؟! والله لئن أصبحت صالحًا لأسألن رسول الله ﷺ ، قال: فسأله كما سأل ابنَ مسعود، فقال: "اللَّهمَّ افتح" يرددها، فنزلت آية اللِّعان، فابتلي ذلك الرجل مِن بين الناس، فجاء هو وامرأته، فتلاعنا عند رسول الله ﷺ فشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، والتعنت المرأة أيضًا (٣).

стр. 1761

وفي أفراد البخاري، عن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سَحماء، فقال رسول الله ﷺ "البَيِّنةَ، أو حدٌّ في ظَهرِكَ" فقال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البيِّنة؟! وجعل رسول الله ﷺ يقول: "البَيِّنَةَ وإلا حدٌّ في ظَهرِكَ"، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، وليُنزلنَّ الله ما يُبرِّئ ظهري من الحد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]. فأرسل النبي ﷺ إليها، فجاءت، وقام هلال، فشهد، والنبي ﷺ يقول: "اللهُ يَعلَم، إنَّ أَحدَكُما كاذِبٌ، فَهَل منكُما تائِبٌ؟ ". ثم قامت، فشهدت، فلما كان عند الخامسة، وقَّفوها، وقالوا: إنَّها موجبةٌ، قال ابن عباس: فتَلكَّأَت، ونَكَصت حتَّى ظنَّنا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضحُ قومي سائِرَ اليوم، فمضت، فقال رسول الله ﷺ : "انظُروها، فإن جاءَت به أَكْحَل العينَينِ، سابغَ الألْيَتَين، خَدَلَّجَ السَّاقَين، فهو لشَريك بن سَحماء" فجاءت به كذلك، فقال رسول الله ﷺ : "لَولا ما مَضَى مِن كِتابِ اللهِ لَكانَ لي ولَها شَأنٌ" (١). * * * وفيها: أسلم كعب بن زهير بن أبي سُلمى الشاعر (٢)، وكان خرج كعب وأخوه بُجَير (٣) بن زهير إلى أبرق العَزَّاف، وكان قريبًا من زرود، فقال بجير لأخيه: أقم أنت في النعم حتَّى آتي هذا الرجل، فأسمع كلامه، وأعرف ما عنده، فأقام كعب، ودخل بجير على رسول الله ﷺ المدينة، فدعاه إلى الإسلام، فأسلم، وبلغ كعبًا، فقال: [من الطويل] أَلَا أَبلِغا عنَّي بُجَيرًا رسالةً … على أيِّ أمرٍ دِنْتَ غيرك دلكا على خُلُق لم تُلفِ أُمًّا ولا أبا … عليهِ ولم تُدرك عليه أَخًا لكَا سقاك أبو بكر بكأسٍ رويَّةٍ … وأَنْهَلَك المأمون منها وعلَّكا فاتصل ذلك برسول الله ﷺ فأهدر دمه، وقال: "مَن لَقيَ كَعبًا فلْيقتُلْهُ"، فكتب إليه

стр. 1762

أخوه بُجَير يخبره بذلك، ويقول: النجاء، وما أظنك ناجيًا، وإن رسول الله ﷺ ما جاءه أحد قط يفوه بالشهادتين إلا قَبله، ولم يؤاخذه بما تقدم قبل الإسلام، قال كعب: فقدمت المدينة، فأنخت راحلتي على باب المسجد، ودخلته، ورسول الله ﷺ جالس بين أصحابه مثل موضع المائدة من القوم، وهم متحلقون حوله حلقة ثم حلقة ثم حلقة، فيقبل على هؤلاء مرة، ثم على هؤلاء، فدنوت منه، وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فقال: "مَن أَنْتَ؟ " قلت: كعب بن زهير، فقال: "الَّذي يَقولُ ما يَقُولُ؟ " ثم أقبل على أبي بكرٍ ﵁ فاسْتَنشَدَه الشعر إلى أن قال: سقاك أبو بكر بكأس روية … وأنهلك المأمور ...... فقال: يا رسول الله، ما قلتُ هكذا، قال: "فَكَيفَ قُلتَ؟ " قال: قلت: وأنهلك المأمون بالنون، فقال رسول الله ﷺ : "مَأمُونٌ والله" ثم اسْتنشَدني، فأنشدته: [من البسيط] بانَت سُعادُ فقلبي اليوم متبولُ ............ فلما بلغت إلى قولي: نُبِّئتُ أنَّ رسولَ الله أَوعَدَني … والعفوُ عندَ رسولِ الله مَأمولُ فقال رسول الله ﷺ : "والعفوَ عندَ رسولِ الله مأمولُ"، فلما قلت: لا تأخذنَّي بأقوالِ الوُشاةِ ولم … أُذنبْ ولو كَثُرتْ فيَّ الأقاويلُ فقال: "لا"، ثم أعطاني بردته من على كتفيه، فبعتها بعد بعشرين ألفًا (١)، وهي التي اشتراها معاوية، فكانت عند بني أمية، ثم انتقلت إلى بني العباس. * * * وفيها: آلى رسول الله ﷺ من نسائه شهرًا. واختلفوا في سببه على أقوال: أحدها: حديث العسل، قالت عائشة رضوان الله عليها: كان رسول الله ﷺ يحبُّ الحلوى والعسلَ، وكان إذا صلى العصر دار على نسائه، فيدنو منهن، فدخل يومًا على

стр. 1763

حفصة، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبسُ، فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عُكَّةَ عسلٍ، فسقت رسول الله ﷺ منها، فقلت: والله لنحتالن له، فذكرتُ ذلك لسودة، وقلت: إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك، فقولي له: يا رسول الله، أكلت مغافيرَ؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي: ما هذه الريح؟ وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه ريح، فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة من عسل، فقولي له: جَرَسَت نحلُهُ العُرْفُط، وسأقول له ذلك، وقولي أنت له يا صفية، فلما دخل على سودة قالت له ذلك، ودخل على صفية فقالت له مثل ذلك، فلما دخل على حفصة قالت له: الا أسقيك يا رسول الله منه؟ فقال: "لا حاجةَ لي فيه". أخرجاه في "الصحيحين" (١). والثاني: أن حفصة بنت عمر ﵄ استأذنت رسول الله ﷺ أن تزور أباها فأذن لها، فلما خرجت من البيت، أرسل رسول الله ﷺ إلى مارية القِبطية، فجاءت، فواقعها في بيت حفصة، وجاءت حفصة، فرأت الباب مقفلًا، فجلست تبكي عند الباب، وخرج رسول الله ﷺ فرآها تبكي ووجهه يقطر عرقًا، فقال لها: "ما يُبكيكِ؟ " فقالت: إنما أذنت لي حتَّى تدخل أمتك بيتي، وتقع عينها في فراشي وفي يومي، ما رعيت حقي، ولا حفظت حرمتي، ما كنت تصنع هذا بامرأة من نسائك، فقال لها: "اسكُتي، فهي حرامٌ عليّ، أَلْتمسُ بذلك رضاكِ، فلا تُخبري بهذا امرأةً منهنَّ، هو عندك أمانة" ولما خرج رسول الله ﷺ من عند حفصة، قرعت الجدار الَّذي بينها وبين عائشة رضوان الله عليها وقالت: الا أبشرك أن رسول الله ﷺ قد حرم عليه أمته مارية، فقد أراحنا الله منها، وكانتا متصافيتين متظاهرتين على جميع أزواجه، وأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية [التحريم: ١ - ٢]. في العسل ومارية (٢). والثالث: أن رسول الله ﷺ ذبح شاة، فقسمها بين أزواجه، وبعث منها إلى زينب بنت جحش، فردته، ثم أرسل إليها، فردته، فاستشاط غضبًا، فآلى منهن. وقال البخاري: حدَّثنا أحمد بن محمد المُزني، حدَّثنا عمرو بن يحيى، عن جده،

стр. 1764

عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لم أزل حريصًا على أن أسأل عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين من أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله تعالى فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] حتَّى حج عمر، وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل، وعدلت معه بالإداوة، فتبرَّز، ثم أتاني، فسكبت على يديه، فتوضأ، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان اللتان قال الله فيهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟ فقال عمر: واعجبًا لك يا ابن عباس، قال الزهري: كره والله ما سأله عنه، ولم يكتمه، قال: هما عائشة وحفصة، ثم ساق الحديث، فقال: كنا معاشر قريش قومًا نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، وكان منزلي في بني أمية بن زيد بالعوالي، فغضبت يومًا على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت ذلك، فقالت: ما تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج رسول الله ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن من اليوم إلى الليل، قال: فانطلقت، فدخلت على حفصة، فقلت: أتراجعن رسول الله ﷺ وتهجره إحداكن إلى الليل؟ قالت: نعم، قلت: قد خاب من فعلَت ذلك منكن وخسرت، أفتأمن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت؟ لا تراجعيه، ولا تسأليه شيئًا، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك جارتك، هي أوسم منك، وأحب إلى رسول الله ﷺ منك، يريد عائشة رضوان الله عليها، قال: وكان لي جار من الأنصار، قال: فكنا نتناوب النزول إلى النبي ﷺ فينزل يومًا، ويأتيني بخبر الوحي، وآتيه بمثل ذلك، وكنا نتحدث أن غسان تنعِل الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي يومًا، ثم أتاني عشاء فضرب بابي، ثم ناداني، فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم، قلت: وما ذاك؟ جاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأهول، طلَّق رسول الله ﷺ نساءه، فقلت: قد خابت حفصة وخَسِرت، قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون. حتَّى إذا صليت الصبح شددت عليَّ ثيابي، ثم نزلت، فدخلت على حفصة وهي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول الله ﷺ ؟ فقالت: لا أدري، هو هذا معتزل في مشربة، قال: فأتيت غلامًا له أسود، فقلت: استأذن لي على رسول الله ﷺ أو استأذن لعمر، فدخل، ثم خرج، وقال: قد ذكرتك له فصمت، فخرجت، فجلست عند المنبر وإذا

стр. 1765

عنده رهط يبكون، - أو يبكي بعضهم -، فجلست قليلًا، ثم غَلَبني ما أجد، فأتيت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثم خرج، فقال مثل الأول، ثم فعلت ذلك الثالثة، فقال لي مثل ذلك، فوليت مدبرًا، فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل، فقد أذن لك، فدخلت على رسول الله ﷺ فسلمت عليه وهو متكئ على رمال حصير قد أثَّر في جنبيه، فقلت: يا رسول الله، أطلقت نساءك؟ فرفع رأسه إلي، وقال: "لا"، فقلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معاشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن منهن، فغضبت يومًا على امرأتي، فإذا هي تراجعني، وذكر بمعنى ما ذكرنا، قال: فتبسم رسول الله ﷺ فقلت: أستأنسُ يا رسول الله؟ قال: "نَعَم"، فجلست، ورفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت شيئًا يرد البصر إلا أهبة (١) ثلاثة، فقلت: يا رسول الله، ألا تدع الله أن يوسع عليك وعلى أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدونه، فاستوى جالسًا، ثم قال: "أَفي شَكٍّ أنتَ يا ابنَ الخطَّابِ؟ أُولئكَ قَومٌ عُجِّلَت لهم طَيِّباتُهم في الحياةِ الدُّنيا" فقلت: استغفر لي يا رسول الله، وكان أقسم أن لا يدخل على نسائه شهرًا لأجل ذلك الحديث حين أفشته حفصةٌ إلى عائشة من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله عليه. قال الزهري: فأخبرني عروة، عن عائشة قالت: لما مضت تسع وعشرون ليلة بدأ بي رسول الله ﷺ فدخل علي فقلت: يا رسول الله، إنك أقسمت أن لا تدخل على نسائك شهرًا، أو علينا، وإنك دخلت عن تسع وعشرين، أعدُّهن، فقال: "إنَّ الشَّهرَ تسعٌ وعِشرونَ" وفي رواية: وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين ليلة، ثم قال: "يا عائشةُ، إنَّي ذاكرٌ لكِ أَمرًا، فلا عليكِ ألَّا تَعجَلي حتَّى تَستَأمِري أبوَيكِ"، ثم قرأ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٣٥] فقالت: قد علم والله أنَّ أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ثم قلت: يا رسول الله، لا تخبر نساءك أني اخترتك، فقال: "إنَّ اللهَ أَرسَلَني مُبَلِّغًا، ولم يُرسِلني مُتَعنَّتًا"، وقال عمر لحفصة: والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك، ولولا أنا لطلقك، واستأذن عمر

стр. 1766

رسول الله ﷺ أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه، فأذن له، فقام عند المنبر، وقال: إن رسول الله ﷺ لم يطلق نساءه، وقال له عمر: يا رسول الله، إن كنت طلقتهن فإن الله معك، وملائكته، وجبريل، وميكائيل، وأنا، وأبو بكر والمؤمنون، ونزلت آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ (١) [إلى قوله: ﴿وَأَبْكَارًا﴾ الآية [التحريم: ٥]. وفي الباب عن جماعة من الصحابة، ولمسلم عن جابر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ صباح تسعًا وعشرين فقلنا له في ذلك، فقال: "إنَّ الشهر يكونُ تسعةً وعشرين يومًا" ثم طبق رسول الله بيده ثلاثًا ثم خنس إبهامه في الثالثة (٢)، وكذا في حديث ابن عمر أنَّه خنس إبهامه (٣). وفي المتفق عليه عن عائشة: لما خيرها رسول الله ﷺ قالت: قد خيرنا رسول الله، فاخترناه، أفكان طلاقًا] (٤). [فإن قيل: فقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾] (٥) يشعر بأن غيرهن خيرًا منهن، قلنا: هذا خرج مخرج التهديد، لا أن في الأمة من هو خير منهن، والدليل عليه أن الله قد علم أنَّه لا يطلقهن، وصار كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] فكان إخبارًا عن القدرة لا عن الكون في الوقت. قال ابن عباس ﵄: ثم أنزل الله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] إذا حلفتم أن تكفروها، وكفَّر رسول الله ﷺ عن يمينه، ورجع إلى جاريته، وإلى ما حلف عليه. * * * وفيها: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر رضوان الله عليه فحج بالناس. كان رسول الله ﷺ قبل أن تنزل براءة، قد عاهد أناسًا من المشركين عهدًا،

стр. 1767

فاستعمل على الحج أبا بكر رضوان الله عليه، فخرج من المدينة في ثلاث مئة، ومعه عشرون بدنة قلَّدها رسول الله ﷺ النعال، وأشعرها بيده في الجانب الأيمن، واستعمل عليها ناجية بن جُنْدب الأسلمي، وساق أبو بكر خمس بدنات، وحج عامئذ عبد الرحمن بن عوف ﵁، فأهدى بدنًا، وأهلَّ أبو بكر رضوان الله عليه من ذي الحُلَيفة، وسار حتَّى إذا كان بالعَرْج في السحر سمع رُغاء ناقة رسول الله ﷺ القصواء، فقال: هذه القَصْواء، وإذا بعليٍّ كرم الله وجهه فقال له: استعملك رسول الله ﷺ على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أقرأ على الناس براءة، وأنبذ إلى كل ذي عهد عهده، وقد كان رسول الله ﷺ عهد إلى أبي بكر رضوان الله عليه أن يخالف المشركين، فيقف يوم عرفة بعرفة، ولا يقف بجمع، ولا يدفع من عرفة حتَّى تغرب الشمس، ويدفع من جمع قبل طلوع الشمس، فقدم أبو بكر رضوان الله عليه مكة، وكان مفردًا بالحج، فخطب الناس قبل يوم التروية بيوم بعد الظهر، فلما كان يوم التروية حين زاغت الشمس طاف بالبيت سبعًا، ثم ركب راحلته من باب بني شيبة، وخرج إلى منًى، فأقام بها، وصلى الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح بمنًى، فلما طلعت الشمس على ثبير، ركب راحلته، فوقف بالهضبات من عرفة، فلما أفطر الصائم دفع، وكان يسير العَنَق حتَّى انتهى إلى جَمْع، فنزل قريبًا من الماء التي على قزح، فلما طلع الفجر صلى الفجرَ، ثم وقف، فلما أَسفَر دفع، وجعل يقول في وقته: أيها الناس، أَسفروا، قالها مرتين، ثم دفع قبل طلوع الشمس، وكان يسير العَنَق، حتَّى انتهى إلى مُحَسَّر، فأوضع راحلته، فلما جاوز وادي محسر عاد إلى مسيره الأول، حتَّى رمى الجمرة راكبًا بسبع حصيات، ثم رجع إلى المنحر، فنحر وحلق، وقرأ علي بن أبي طالب ﵁ يوم النحر براءة عند الجمرة، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وقال: إن رسول الله ﷺ يقول: "لا يحجُّ بعدَ هذا اليومِ مُشركٌ، ولا يطوفُ بالبيتِ عُريانٌ"، وكان أبو هريرة يقول: حضرت ذلك اليوم، فكان يقول: هو يوم الحح الأكبر، وخطب أبو بكر رضوان الله عليه في حجته ثلاث خطب في ثلاثة أيام لم يزد عليها، قبل يوم التروية بمكة بعد الظهر، وبعرفة قبل الظهر، وبمنًى يوم النحر بعد الظهر، ورمى أبو بكر رضوان الله عليه الجمار ماشيًا، فلما كان يوم الصَّدَر رمى ماشيًا، فلما جاوز العقبة ركب، ويقال: إنه رمى يومئذ راكبًا، فلما انتهى إلى الأبطح صلى به الظهر والعصر، ودخل مكة، فصلى المغرب

стр. 1768

والعشاء، ثم خرج من ليلته قافلًا إلى المدينة (١). * * * وفيها: توفي النجاشي (٢) - واسمه أَصْحَمة - ملك الحبشة، الَّذي هاجر إليه المسلمون فأحسن إليهم، وزوَّج رسولَ الله ﷺ أمَّ حبيبة ﵂ وجهز إليه جعفرًا، وكانت وفاته في رجب. [قال هشام: ورسول الله ﷺ بتبوك فنعاه إلى أصحابه، وصلى عليه لما عاد من تبوك وبلغه خبره]. قال الإمام أحمد ﵁: حدَّثنا يحيى بن سعيد، حدَّثنا مالك، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: نَعَى لنا النبي ﷺ النجاشي في اليوم الَّذي ماتَ فيه؛ فخرجَ إلى المصلَّى، فصفَّ أصحابَه خلفَه، وكبَّر عليه أربَعًا (٣). [وفي الباب عن جابر وعمران بن الحصين، وأحاديثهم في "الصحيح" وفيها: "إنَّ أخًا لكم قد ماتَ، فقوموا فَصلوا عليه" (٤)، وهذا يدل على أن النجاشي مات ورسول الله بالمدينة. وبهذه الأحاديث يحتج الشافعي وأحمد على جواز الصلاة على الميت الغائب، وعند أبي حنيفة ومالك: لا يجوز، وهذا الخلاف يبنى على أن صلاة الجنازة عند أبي حنيفة لا تعاد، لأن الأمة توارثت (ترك الصلاة على رسول الله ﷺ والخلفاء والصحابة، ولو جاز لما ترك مسلم الصلاة عليهم) (٥) والشافعي يقول بتكرار الصلاة كما في الصلاة على النجاشي، وجوابه من وجوه: أحدها: لأن النبي ﷺ كان وليه، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

стр. 1769

والثاني: لأن الأرض زويت له، ولهذا صف أصحابه خلفه، فكان من معجزاته. والثالث: لأنه لم يكن في الحبشة من يعرف الصلاة عليه، لأنهم كانوا حديثي الإسلام، فكان ذلك من خصائصه. وقد أخرج أبو داود (١) عن] عائشة ﵂ لما مات النجاشي كانوا يتحدَّثون أنهم لا يزالون يرون النُّور على قبره (٢). [وقد أخرج أحمد في "المسند" حديثًا يتعلق بالنجاشي، فقال: حدَّثنا ابن النضر بإسناده عن عامر بن شهر قال: سمعت كلمتين من رسول الله ﷺ ، يقول: "انظُروا قُريشًا فَخُذوا من قَولِهم وذَروا فِعلَهم" وكنت عند النجاشي جالسًا فجاء ابنه بشيء من الكتاب، فقرأ آية من الإنجيل فعرفتها أو فهمتها، فضحكت، فقال: مم تضحك؟ أمن كتاب الله؟ فوالله إن مما أنزل على عيسى بن مريم أن اللعنة تكون في الأرض إذا كان أمراؤها الصبيان (٣). ولم يخرج أحمد عن عامر بن شهر غير هذا الحديث]. وفيها توفيت أم كلثوم (٤) ﵍ - بنت رسول الله ﷺ [وأمها خديجة، وقد ذكرنا أنَّه قد] كان تزوجها في الجاهلية عُتيبة بن أبي لهب، ثم طلقها لما نزل قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ] [أمره أبوه بطلاقها] ولم يكن دخل بها، وهي بكر. [قال جدي في "التلقيح"]: فأقامت مع رسول الله ﷺ بمكة، وأسلمت، وبايعت، [ولما أسلمت أمها وأخواتها] وهاجرت إلى المدينة، فلما توفيت رقية سلام الله عليها بنت رسول الله ﷺ زوجة عثمان بن عفان ﵁ فزوجه رسول الله ﷺ أم كلثوم، فتوفيت

стр. 1770

في شعبان من هذه السنة، فصلى عليها رسول الله ﷺ ، ونزل في حفرتها علي، والفضل، وأسامة ﵃ (١). وجلس رسول الله ﷺ على قبرها، وقال: "لو كان لنا ثالثة لزوَّجناها عُثمان" (٢)، ولم تلد من عثمان رضوان الله عليه. وغسلتها أسماء بنت عميس، وصفية بنت عبد المطلب، وقيل: غسلتها نساء من الأنصار، منهم أم عطية، ونزل أبو طلحة في قبرها. [وذكر ابن سعد بإسناده عن] أنس: رأيت رسول الله ﷺ جالسًا على قبر أم كلثوم وعيناه تدمعان، فقال رسول الله ﷺ : "أفيكم أحد لم يقارف الليلة" فقال أبو طلحة: أنا، فقال: "انزل في قبرها" فنزل (٣). [ومعنى قارف: أي جامع، ومنه حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يصبح جنبًا من قرافٍ غير احتلامٍ، ثم يصوم (٤). قلت: وفي الصحابيات أربع يقال لكل واحدة منهن: أم كلثوم، وإحداهن: ابنة رسول الله، لها رواية. والثانية: بنت أبي سلمة. والثالثة: بنت أبي بكر الصديق. قال ابن سعد: ولم ترو عن رسول الله شيئًا. والرابعة: بنت عقبة بن أبي معيط، وروت منهن اثنتان الحديثَ عن رسول الله ﷺ : بنت أبي سلمة، وبنت أبي معيط، وأخرج عن هذه في "الصحيحين" (٥). والكلثوم: الكثيرة لحم الخدين والوجه، هكذا ذكره الجوهري] (٦). * * *

стр. 1771

سهيل بن بيضاء (١) وبيضاء لقب أمه، واسمها دعد بنت جحدم من بني فهر، وأبوه وهب بن ربيعة بن هلال من بني فهر، وكنية سهيل: أبو موسى، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، هاجر الهجرتين إلى الحبشة، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وتوفي مرجعه من تبوك، وصلى عليه رسول الله ﷺ في المسجد. قالت عائشة ﵂: ما أسرع ما نسي الناس، وهل صلى رسول الله ﷺ على سهيل ابن بيضاء إلا في المسجد؟ أخرجه مسلم (٢). وإنما قالت ذلك لما أنكر الناس عليها الصلاة على سعد بن أبي وقاص ﵁ في المسجد. وتوفي سهيل ﵁ وهو ابن أربعين سنة، وليس له عقب، وكان له أخوان: سهل، أسلم قبل الهجرة بمكة، فأكرهه المشركون على الخروج إلى بدر، فأسر، فشهد له ابن مسعود أنَّه رآه يصلي بمكة، فأطلقه رسول الله ﷺ بغير فدية. وصفوان بن بيضاء، أسلم وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وكنيته أبو عمرو، واختلفوا في وفاته، فقيل: استشهد يوم بدر، قتله طعيمة بن عدي بن الريان، وقيل: مات سنة ثمان [وثلاثين] (٣)، وليس له عقب. روى سهيل عن رسول الله ﷺ الحديث. قال الإمام أحمد رحمة الله عليه: حدَّثنا قتيبة بن سعيد، أنبأنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن سعيد بن الصَّلت، عن سهيل بن البيضاء قال: بينا نحن في سفر مع رسول الله ﷺ وأنا رديفه، فقال رسول الله ﷺ : "يا سُهيلُ" رفع صوته مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يجيبه سهيل، فسمع الناس صوت رسول الله ﷺ فظنوا أنَّه يريدهم، فحبس من كان بين يديه، ولحقه من كان خلفه، حتَّى إذا اجتمعوا، قال رسول الله ﷺ : "إنَّه مَن شَهدَ أن لا إله إلا الله، حرَّمَه الله على النَّار، وأَدخلَه الجنَّةَ" (٤).

стр. 1772

ويقال: إن ذلك كان في غزاة تبوك. [وفيها: توفي] عبد الله بن أبي [ابن سلول المنافق (١)]، وأبي هو ابن مالك بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم، ويعرف سالم بالحُبْلَى، وسلول امرأة من خزاعة وهي أم أُبَي بن مالك، وأم عبد الله بن أبي خولة بنت المنذر بن حرام (٢)، من بني النجار، وعبد الله سيد الخزرج في الجاهلية، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وقد جمعوا له الخرز ليتوجوه، حسد عبد الله بن أبي بن مالك (٣) رسولَ الله ﷺ ، وبغى عليه، ونافق، فاتضع شرفه. [وقد ذكره الواقدي في "المغازي" فقال:] ومرض في ليالي من شوال، ومات في ذي القعدة، فكان مرضه عشرين ليلة، وكان رسول الله ﷺ يعوده فيها، فلما كان اليوم الَّذي مات فيه دخل عليه رسول الله ﷺ وهو يجود بنفسه، فقال له رسول الله ﷺ : "قد نهيتك عن حب يهود" فقال عبد الله: قد أبغضهم سعد بن زرارة فما نفعه، ثم قال ابن أبي: يا رسول الله، ليس بحين عتاب، هو الموت، إن مت فاحضر غسلي، وأعطني قميصك أكفن فيه، فأعطاه قميصه الأعلى، وكان عليه قميصان، فقال: أريد الَّذي يلي جلدك، [فنزع قميصه الَّذي يلي جلده] فأعطاه، ثم قال: صل علي، واستغفر لي. [قال الواقدي: وكان جابر بن عبد الله يقول خلاف هذا، يقول: جاء رسول الله ﷺ بعد موت ابن أبي إلى قبره فأمر به فأخرج، فكشف عن وجهه ونفث عليه من ريقه، وأسنده إلى ركبتيه وألبسه قميصه. قال الواقدي: والأول أثبت عندنا أن رسول الله] حضر [جنازته و] غسله، وتكفينه، ثم حمل إلى موضع الجنائز، فتقدم رسول الله ﷺ ليصلي عليه، فوثب عمر ابن الخطاب رضوان الله عليه فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد قال يوم كذا كذا، ويوم كذا كذا، يعدُّ عليه، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "أَخِّر عنِّي يا عمرُ" فلما

стр. 1773

أكثر عليه قال رسول الله ﷺ : "إنَّي قد خُيِّرت، فاختَرتُ، ولو أَعلَم أنِّي إذا زِدتُ على السبعينَ غُفر له زدتُ عليها" وهو قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٠] فصلى عليه رسول الله ﷺ وانصرف، فلم يكن إلا يسيرًا حتَّى نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ الآية [التوبة: ٨٤]. [ويقال: إنه لم تزل قدماه حتَّى نزلت عليه هذه الآية فعرف رسول الله في هذه الآية المنافقين، وكان من مات لم يصل عليه]. وقال مجمع بن جارية: ما رأيت النبي ﷺ أطال الوقوف على جنازة مثل ما أطال على جنازة عبد الله. وقال أنس: شهدت رجليه وقد فضلتا السرير من طوله. وقالت أم عمارة: ما تخلف أحد من الأوس والخزرج عن جنازته، ورأيت ابنته جميلة بنت عبد الله تقول: واجبلاه، واأبتاه، ما ينهاها أحد، ولا يعيب عليها. وقال عمرو بن أمية الضمري: لقد جهدنا أن ندنو من جنازته أو سريره، فما قدرنا عليه، غلبنا عليه المنافقون من بني قينقاع وغيرهم سعد بن حُنيف، وزيد بن اللُّصَيت، وسلامة بن الحمام، ومعاذ بن أبي عمرو (١)، ورافع بن حرملة، وداعِس، وسويد، وكانوا يظهرون الإسلام وهم أخابث المنافقين، وكانوا هم الذين يمرضونه، وكان ابنه عبد الله بن عبد الله ليس عليه شيء أثقل ولا أعظم من رؤيتهم، وكان به بطن، فكان ابنه يغلق الباب دونهم، وكان أبوه يقول: لا يليني غيرهم، ويقول لهم: أنتم أحب إلي من الماء على الظمأ، ويقولون: يا ليت أنَّا نفديك بالأرواح والأولاد والأموال، فلما وقفوا على حفرته، [ورسول الله واقف يلاحظهم ازدحموا على النزول في حفرته] وارتفعت الأصوات حتَّى أصيب أنف داعس، وجعل عبادة بن الصامت يذبُّهم، ويقول لهم: اخفضوا أصواتكم عند رسول الله ﷺ فنزل في حفرته رجال من قومه أهل فضل وإسلام، ولم ينزل أحد من المنافقيق، فنزل ابنه (٢) وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصامت، وأوس بن خَولي لما رأوا رسول الله ﷺ قد حضره، وكفنه، ووقف عليه.

стр. 1774

وزعم مجمع [بن جارية] أن النبي ﷺ دلاه بيده إلى حفرته، ثم قام على القبر حتَّى دفن، وعزى ابنه، ثم انصرف، وجعل المنافقون يحثون التراب على رؤوسهم، ويقولون: ليت أنا فديناك بالأنفس وكنا قبلك (١). [هذا معنى ما ذكر الواقدي. وقال هشام: مرض عبد الله أول شوال، وأقام مريضًا إلى العشرين منه، ثم بعث إلى رسول الله، فجاء فجلس عنده، فقال: "يا عبد الله أهلكك حب اليهود" فقال: يا رسول الله، إني لم أبعث إليك لتؤنبني وتوبخني، ولكن لتشهدني وتكفنني في قميصك وتستغفر لي وتقف على قبري، ومات في هذا اليوم، وعاد رسول الله إلى منزله، ولما مات انطلق ابنه عبد الله بن عبد الله - وكان اسمه الحُباب، فسماه رسول الله: عبد الله، فقال: "أنت عبد الله، والحباب شيطان" وكان قد أسلم وحسن إسلامه، وشهد بدرًا مع رسول الله مسلمًا، وكان يصعب عليه صحبة أبيه للمنافقين، وهو الَّذي جلس على باب المدينة ومنع أباه في غزوة المريسيع من دخولها، وقد ذكرناه - فقال: يا رسول الله، مات عبد الله، فقام رسول الله معه وشهد جنازة عبد الله وفعل ما ذكره الواقدي، وما كان إلا اليسير حتَّى نزلت هاتان الآيتان اللتان هما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٨٤] فما صلى على قبر منافق ولا قام عليه حتَّى قبضه الله تعالى. أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وفيها توفي ذو البِجادين - بدال مهملة - واسمه] عبد الله بن عبد نُهْم بن عفيف المزني، وأمه جَهْمَة بنت الحارث، همدانية، وهو من الطبقة الثانية من المهاجرين، [قال ابن سعد:] وكان يتيمًا لا مال له، مات أبوه ولم يورثه شيئًا، فكفله عمه حتَّى أيسر، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعلت نفسه تتوق إلى الإسلام ولا يقدر عليه خوفًا من عمه، حتَّى مضت المشاهد كلها، فقال له: يا عم قد انتظرت إسلامك فلا أراك تريد محمدًا، فأُذَن لي في الإسلام، فقال له: والله لئن أسلمتَ لا تركت في يدك شيئًا كنت أعطيتُكَه إلَّا نزعتُه منك

стр. 1775

حتَّى ثوبيك، فقال: أنا والله تابع محمدًا ﷺ ، وتاركٌ عبادة الحجر، وهذا ما بيدي فخذه، فأخذ ما بيده حتَّى جرَّده من إزاره، فأتى أمه، فقطعت له بجادها قطعتين، فاتزر بواحدة، وارتدى بالأخرى [والبجاد كساء مخطط من أكسية الأعراب] ثم قدم المدينة، وكان قد أقام بورقان جبل من جبالها، فدخل المسجد، فاضطجع فيه، وكان رسول الله ﷺ يتصفح وجوه الناس إذا انصرف من صلاة الصبح، فلم انظر إليه أنكره، فقال: "مَن أنت؟ " فانتسب له، وكان اسمه عبد العزى، فقال: "أنتَ عبدُ الله ذو البِجادَين"، ثم أنزله قريبًا منه، فكان في ضيافته، وعلمه القرآن حتَّى قرأ قرآنًا كثيرًا، وكان صيتًا يرفع صوته بالقرآن، فقال عمر رضوان الله عليه: يا رسول الله، ألا ترى إلى هذا الأعرابي قد منع الناس القراءة، فقال: "دعهُ يا عُمرُ، فإنَّه خرج مُهاجرًا إلى الله ورسولهِ"، ثم خرجوا إلى تبوك، فقال: يا رسول الله، ادع لي بالشهادة، فقال: "أَبغِني لحاء سَمُرةٍ" فربطها في عضده، وقال: "اللَّهمَّ إنِّي أُحرِّم دَمَه على الكفَّارِ" فقال: يا رسول الله، ليس هذا أردت، فقال: "إنَّك إذا أخذتكَ الحمَّى كنتَ شهيدًا وإن وقصتك دابتك فأنت شهيد"، وأقام رسول الله ﷺ بتبوك أيامًا، فتوفي ذو البجادين بها. قال بلال بن الحارث: حضرت مع رسول الله ﷺ ومع بلال شعلة من نار عند القبر واقفًا بها، وإذا رسول الله ﷺ في القبر وأبو بكر وعمر رضوان الله عليهما يدليانه على رسول الله ﷺ وهو يقول: "دَلِّيا إلي أخاكُما" فلما هيآه (١) لشقه في اللَّحد قال: "اللَّهمَّ إنِّي أمسيتُ راضيًا عنه فارضَ عنه" فقال ابن مسعود: ليتني كنت صاحب الحفرة، ولقد أسلمت قبله بخمس عشرة سنة، وترك ابنة فقضى بها رسول الله ﷺ لأمها. [وفيها توفي] معاويةُ بن معاوية الليثي، وقيل: المزني، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، قال [ابن سعد بإسناده عن العلاء أبي محمد الثقفي قال: سمعت] أنس بن مالك: كنت مع رسول الله ﷺ

стр. 1776

بتبوك إذ طلعت الشمس بيضاء مضيئة لا شعاع لها ولا نور، لم ير فيما طلعت لذلك، فسأل جبريل عن ذلك، فقال: مات اليوم بالمدينة معاوية بن معاوية الليثي، فبعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليه، قال: "وفيمَ ذلك؟ " قال: كان يكثر قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ في الليل والنهار، وفي ممشاه، وقيامه وقعوده، ويحبها، فهل لك يا محمد أن أقبض لك الأرض حتَّى تصلي عليه؟ قال: "نعم" فقبضها، فصلى عليه (١). [وليس في الصحابة من اسمه معاوية بن معاوية غيره، وله صحبة ورواية، وأخرج له أحمد حديثًا واحدًا، فقال: حدثنا سليمان بن داود الطيالسي بإسناده إلى] معاوية بن معاوية: قال رسول الله ﷺ : "يكونُ الناسُ مُجْدِبينَ فينزِّلُ الله عليهم رِزقًا من رِزقهِ، فيُصبِحونَ مُشرِكينَ" فقيل له: يا رسول الله، وكيف ذلك؟ فقال: "يَقُولونَ: مُطِرنا بنَوءِ كَذا وكَذا" (٢). * * *

стр. 1777

السنة العاشرة من الهجرة وفيها: تتابعت الوفود على رسول الله ﷺ وتسمى سنةَ الوفودِ، قدم عليه فيها سبعون وفدًا، فنذكر أعيانهم: وفد الأزد: قدم على رسول الله ﷺ صُرَد بن عبد الله الأزدي في وفد من الأزد، فأسلم، وحسن إسلامه، فأمَّره رسول الله ﷺ على من أسلم من قومه، وأمَرَه أن يجاهدَ بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن، فخرج صُرَد، فنزل جُرَش، وهي يومئذ مدينة مُغلقةٌ، وبها قبائل من اليمن، وقد ضوت إليهم خثعم، فحاصرهم قريبًا من شهر، وامتنعوا عليه، فرجع عنهم قافلًا، فنزل بجبل لهم يقال له: كَشْر، فظن أهل جرش أنَّه إنما ولَّى عنهم منهزمًا، فخرجوا في طلبه، فأدركوه، فعطف عليهم، فقاتل قتالًا شديدًا، وكانوا قد بعثوا رجلين منهم إلى رسول الله ﷺ بالمدينة يرتادان وينظران، فبينا هما عند رسول الله ﷺ بعد العصر، قال النبي ﷺ : "بأي بلاد كشر؟ " فقال الجرشيان: هو جبل ببلادنا، فقال: "ليس بكَشْر، ولكنَّه شُكر" قالا: فما له يا رسول الله؟ قال: "إنَّ بُدنَ الله لتُنحر عنده الآنَ" فقاما من عند رسول الله ﷺ فجلسا إلى أبي بكر وعثمان ﵄ فقال لهما: ويحكما، إن رسول الله ﷺ ينعى لكما قومكما، فسلاه أن يدعو لكما فيرفع عن قومكما، فقاما إليه، فسألاه، فقال: "اللَّهمَّ ارفع عنهم" فرجعا إلى قومهما، فوجدوا صُردَ بنَ عبد الله قد أصاب قومهما في اليوم الَّذي قال فيه رسول الله ﷺ ما قال في الساعة التي ذَكَر فيها ما ذكر (١). ثم قدم وفد الأزد على رسول الله ﷺ فأسلموا، وحمى لهم حمىً حول قريتهم على أعلام معلومة للفرس والراحلة والميرة (٢). وفد هلال بن عامر، وكان فيهم زياد بن عبد الله العامري، فنزل على ميمونة ﵂

стр. 1778

وكان ابن أختها، وهو يومئذ شاب، فدخل رسول الله ﷺ فرآه عندها، فغضب، ورجع، فنادته: يا رسول الله إنه ابن أختي، فرجع، وأكرمه، وصلى بعد الظهر والعصر، ومسح على رأسه وبعض وجهه، فكانت بنو هلال بن عامر يقولون: ما زلنا نعرف البركة في وجه زياد، وكان لزياد ابن اسمه علي، فقال فيه الشاعر (١): [من الكامل] يا بن الَّذي مسَحَ الرسول بوجههِ … ودعا له بالخير عندَ المسجدِ أعني زيادًا لا أُريد سواهُ من … متيمن أو غائرٍ أو منجدِ ما زالَ ذاك النُّور في عرنينه … حتَّى تبوَّأ بيتَه في ملحَدِ وفد الرَّهاويين، وكانوا خمسة عشر رجلًا، فأَنزلهم رسول الله ﷺ دار رملة بنت الحارث، وجاءهم، فأسلموا، وأهدوا له هدية فيها فرس يقال له: المرواح، فأعجبه، وأجازهم، وكتب لهم بمئة وسق من خيبر، وعقَد لهم لواءً، فلم يزل عند عمرو بن سبيع الرَّهاوي، وكان عليهم حتَّى قاتل يوم صفين مع معاوية، وقال عمرو في طريقه إلى رسول الله ﷺ هذه الأبيات (٢): إليكَ رسولَ الله أعملتُ نصَّها … تجوزُ الفَيافي سَمْلَقًا بعد سَمْلَقِ على ذاتِ الواحٍ أُكلفها السُّرى … تَخُب برحلي مرَّة ثم تُعنقِ فما لكِ عندي راحةٌ أو تَلجلجي … بباب النبيِّ الهاشميِّ الموفَّقِ وفد بني عامر بن صعصعة، وكان فيهم عامر بن الطفيل، وأَربَد بن قيسٍ، وخالد بن روم (٣)، وجبار بن سلمى بن مالك، وهؤلاء النفر رؤساء القوم وشياطينهم، فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال له عامر بن الطفيل: يا محمد، ما لي إن أسلمتُ؟ قال رسول الله ﷺ : "لكَ ما للمسلمينَ، وعليكَ ما عليهم"، قال: لا، إلَّا أن تجعل لي الأمر بعدك، فقال: "ليسَ ذاكَ لكَ ولا لقومِكَ" قال: فتجعل لي الوبر، ولك المدر، قال: "لا،

стр. 1779

ولكِن أجعلُ لك أعنَّة الخيلِ" فقال: أوليست لي؟ ثم قال: يا محمد، والله لأملأنها عليك خيلًا ورَجِلًا، ولأربطن بكل نخلة فرسًا، فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهمَّ اكْفِنِي عامرًا وأربد، واهد بني عامر، واهد للإسلام عامرًا، وأغنِ الإسلام عن عامرٍ"، ثم انصرفوا إلى بلادهم حتَّى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعونَ في عُنقه، فاندلع لسانُه في فيه كضرع الشاة، فمال إلى بيت امرأة من سلول، وجعل يقول: غُدة كغدة البعير، والموت في بيت سلولية، ثم مات، وكان من فرسان العرب، فواراه أصحابه، وجعلوا على قبره أنصابًا ميلًا في ميل، وجعلوه حمًى، ولما رجعوا إلى قومهم، قالوا: ما وراءك يا أربد؟ فقال: لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنَّه عندي فأرميه بنبلي هذه حتَّى أقتله، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين ومعه جمل، فأرسل الله تعالى عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما، وذلك ببركة رسول الله ﷺ وكان أَربد أخو لبيد بن ربيعة لأمه. وقال رسول الله ﷺ : "لو أسلَمت عامرٌ لزاحَمَت بنو عامرٍ قُريشًا في بِرِّها". وفد كندة، ورئيسهم الأشعثُ بن قيس، قدم على رسول الله ﷺ في ثمانين راكبًا أو ستين من كندة، فدخلوا على رسول الله ﷺ مسجده، وقد رجَّلوا جُمَمهم، وكحلوا عيونهم، ولبسوا جِبابَ الحِبَرات مكفوفةً بالحرير، فقال رسول الله ﷺ : "أَوَلم تُسلموا؟ " قالوا: بلى، فقال: "فما بالُ هذا الحرير في أعناقِكُم؟ " فنزعوه، فقال الأشعث: يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار، فضحكَ رسول الله ﷺ وقال: "نحن بنو النَّضر بن كنانَةَ لا نَنتَفي من أَبِينا، ولا نَقْفُوا أُمَّنا، ولكن انسُبوا هذا النَّسب للعباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث، كانا تاجرين، فكانا إذا سارا في الأرض سئلا: من أنتما؟ فقالا: نحن بنو آكل المُرار، فيدفعون بتلك عن أنفسهم، لأن مَن أكل المُرار من كندة كانوا ملوكًا"، فقال الأشعثُ عند ذلك: أفرغتم يا معاشر كندة؟ لا أسمع رجلًا يقولها بعد اليوم إلا ضربته ثمانين، ثم انصرفوا راجعين (١).

стр. 1780

وقال هشام: دخلُوا على رسول الله ﷺ وعليهم الدِّيباج المخوص باللُّؤلؤ والذهبِ، فأنزلهم دارَ رملةَ بنتِ الحارثِ وأكرمهم. وفد زبيد، ورأسهم عمرو بن معدي كرب، وقد كان قال لقيس بن المكشوح المرادي: يا قيسُ، إنَّك سيد قومك اليوم، وقد ذكر لنا أن رجلًا من قريش قد ظهر بالحجاز يقال له: محمد، يقول: إنه نبي، فانطلق بنا إليه حتَّى نعلم علمه، فإن كان نبيًا كما يزعم، فلن يَخفَى علينا إذا لقيناه اتبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمه، فأبى عليه قيس، فركب عمرو في جماعة من قومه، وقدم على رسول الله ﷺ فأسلم، وصدقه، وبلغ قيسًا، فتوعده، وقال: خالفني (١)؟ وقيل: إن عمرًا لم يأت رسول الله ﷺ . وحكى ابن سعد قال: قدم عمرو بن معدي كرب المدينة في عشرة نفر من زبيد، فقال: مَن سيد هذه البحيرة؟ قالوا: سعد بن عبادة، فأناخ راحلته على بابه، فخرج سعد إليه، فرحب به، وأكرمه، وأنزله، وراح به إلى رسول الله ﷺ هو ومن معه، وأقاموا أيامًا، فأجازهم رسول الله ﷺ ما يجيز به الوفد، وانصرفوا إلى بلادهم، فلما توفي النبي ﷺ ارتد عمرو، ثم أسلم، وحسن إسلامه، وأبلى يوم القادسية بلاءً حسنًا (٢). وفد عبد القيس: عن ابن عباس: أن وفد عبد القيس لما وفدوا على رسول الله ﷺ أمرهم بالإيمان بالله، وقال: "أَتَدرُونَ ما الإيمانُ باللهِ؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: "شَهادةُ أَن لا إله إلَّا اللهُ، وأَنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقامُ الصلاةِ، وإيتاءُ الزكاة، وصومُ رمضان، وأن تُعطوا الخمسَ من المَغنَمِ" أخرجاه في "الصحيحين" (٣) مختصرًا. وكان فيهم الجارود، وكان نصرانيًا فأسلم، وأسلم أصحابه. وفد بني حنيفة [قال ابن إسحاق: قدم وفد بني حنيفة على رسول الله ﷺ ]، وفيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب، [فأنزلهم في دار امرأة من الأنصار من بني النجار] فأتوا به إلى رسول الله ﷺ يسترونه بالثياب، ورسول الله ﷺ جالس مع أصحابه، وفي يده

стр. 1781

عسيب من سعف النخل، فكلم رسولَ الله ﷺ وسأله، فقال: "لو سألتَني هذا العَسِيبَ الَّذي في يدي ما أعطيتُكَه". فلما قدموا اليمامة ارتدَّ، وتنبأ، وكذب، وقال: إني قد أُشركت معه في الأمر، وجعل يسجع لهم الأسجاع [فيقول] مضاهاة للقرآن: [قد أنعم الله على الحُبلى، إذ أخرج نسمة تسعى من بين شراسيف وحشا] ووضع عنهم الصلاة، وأباح لهم الزنا والخمر، وهو يشهد لرسول الله ﷺ أنَّه نبي، فأصفَقَت معه حنيفة على ذلك (١). وكتب إلى رسول الله ﷺ : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإني قد أُشركت معك في الأمر، ولكن قريش قوم يعتدون، وبعث به مع ابن النواحة وثمامة بن أثال الحنفي [وفي رواية: لنا نصف الأرض ولكم نصف الأرض]، فقال رسول الله ﷺ لرسوليه: "وأَنتُما تقولانِ مثل هذا؟ " قالا: نعم، فقال: "أَما والله لولا أَنَّ الرُّسل لا تُقتَل لَقتَلتُكما" ثم كتب إليه: "مِن محمدِ رسولِ الله إلى مُسيلمَة الكَذَّاب، أمَّا بعد: فإنَّ الأرضَ لله يُورِثُها مَن يشاءُ من عبادِه والعاقبةُ للمتَّقين". [قال ابن إسحاق: وكان ذلك في آخر سنة عشر (٢). قال: قال الحسن: كان ثمامة بن أثال الحنفي رسول مسيلمة إلى رسول الله] فدعا الله أن يمكنه منه [قال ابن إسحاق: فحدثني سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: كان إسلام ثمامة بن أثال الحنفي أنَّه] دخل المدينة، وقد اعتمر يريد مكة [وهو مشرك] فيتجر بها، فأخذ فأتي به رسول الله ﷺ فأمر به فرُبط إلى عَمودٍ في المسجد، [وكان قد عرض لرسول الله يريد قتله، فلما رُبِط مرّ عليه رسول الله ﷺ فقال: مالك يا ثمام؟ هل أمكن الله منك؟ فقال: قد كان ذلك يا محمد، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تعف تعف عن شاكر، وإن تسأل مالًا تُعطه، فمضى رسول الله وتركه. فلما كان من الغد مرّ به وقال له مثل ما قال في اليوم الأول، وأجابه بمثل ذلك،

стр. 1782

فعل ذلك ثلاثة أيام، ثم قال: أطلقوه فقد عفوت عنه، أو قد عفوت عنك يا ثمام، فقام واغتسل وأسلم ثم قال: يا رسول الله، إني خرجت معتمرًا وأريد أن أتمم عمرتي، فعلمه رسول الله. فخرج فقدم مكة، وسمعته قريش يتكلم بأمر رسول الله، فقالوا: صبأ ثمامة، فقال: ما صبأت ولكني أسلمت. وايم الله لا يأتيكم حبة من اليمامة ما بقيت - وكانت ريف مكة -. ثم انصرف إلى اليمامة، ومنع الحمل منها حتى جهدت قريش، فكتبوا إلى النبي ﷺ يسألونه أن يكتب إلى ثمامة كتابًا يسأله أن يخلي لهم الطعام، ففعل رسول الله ﷺ (١). قال هشام: كان مسيلمة بن حبيب الكذاب صاحب مخرقة ونارنجيات، وهو أول من أدخل البيضة في القارورة، وأوصل الجناح المقصوص من الطائر ونحوه، وسنذكره في سنة ثلاث عشرة]. وأما ابن النوَّاحة فإنه أمكن الله منه لابن مسعود ﵁ فيما بعد، فقال له: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لولا أَنَّك رسولٌ لقَتلتُكَ" فأما اليوم فلست برسول، قم يا خرشة فاضرب عنقه، فقام إليه، فضرب عنقه (٢). وفد طيّئ، قدموا على رسول الله ﷺ وفيهم زيد بن مهلهل بن يزيد بنُ مُنْهِب (٣) الطائي، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا، وقال رسول الله ﷺ : "ما ذُكرَ لي رجلٌ من العرب بفضلٍ، ثم جاءَني إلَّا رأيتُه دونَ ما يُقال فيه، إلَّا زيد الخَيْلِ، فإنَّه لم يَبلغ كل ما كان فيه" ثم سماه: زيدَ الخير، وقطع له أراضي من فَيْد، فقال رسول الله ﷺ : "إن يَسلَم زيدٌ من حُمَّى المدينةِ يَطُل عمُرُه" فمرض، فلما وصل إلى ماء من مياههم، يقال له: الفردة أخذته الحمى، فقال حين أحس بالموت: [من الطويل]

стр. 1783

أُمام لقد جُنِّبْتُ بيتك غدوة … وأنزلُ في بيت بفَردة منجد (١) ألا رُبَّ يومٍ لو مرضتُ لعادني … عوائدُ من لم يَبْرَ منهن يَجهدِ فلما مات عمدت امرأته إلى ما كان منه من كتاب القطائع التي أقطعه إياها رسول الله ﷺ فحرقتها بالنار (٢). وكان فارسًا، مغوارًا، شجاعًا، شاعرًا، مخضرمًا يقول الشعر في غاراته ومفاخراته، وسمي بزيد الخيل لكثرة خيله: الهطال، والكميت، والورد، والكامل، ودؤول، ولاحق، ولم يكن لأحد من العرب سوى فرس أو فرسين (٣). وكان إذا ركب الفرس المشرف تخط رجلاه الأرض، وكان جميلاً، ولما ورد على رسول الله ﷺ طرح له متكأً، فأبى أن يتكئ بين يدي رسول الله ﷺ إجلالًا له، وكان من قوله لرسول الله ﷺ : الحمد لله الذي أيدنا بك، وعصم لنا ديننا، فما رأيت أحسن مما تدعونا إليه، وقد كنت أعجب لعقولنا واتباعنا حجرًا نعبده يسقط منا فنظل نطلبه (٤). قال محمد بن السائب الكلبي: خرج رجل من بني نَبهان من الحرة، وترك بها أهله، وقال: والله لا أرجع إليكم حتى أكسب خيرًا، أو أموت، فلم يزل يقطع الفيافي حتى انتهى إلى حي زيد الخيل، فإذا بخباء عظيم فيه قبة من أدم، وفي القبة شيخ كبير كأنه نسر، قال: فلما وجبت الشمس جلست خلفه فإذا بفارس قد أقبل لم أر فارسًا أعظم منه ولا أجسم على فرس مشرف، ومعه أسودان يمشيان إلى جنبيه، ومئة من الإبل مع فحلها، فبرك الفحل، وبركن حوله، فنزل، وقال لأحد عبديه: احلب فلانة، وأشار إلى ناقة، فحلبها في عُسًّ، ووضعه بين يدي الشيخ، وتنحى عنه، فكرع الشيخ منه مرة أو مرتين، ثم نزع، ومددت يدي فشربته، فجاء العبد، فأخذ العُس، وقال: يا مولاي، قد أتى على آخره، ففرح، وقال: احلب ثانيًا،

стр. 1784

وضعه بين يديه، فأخذت العُس، وشربت نصفه مخافة أن آتي على آخره فيعلمون بي، ثم ذبح شاة، وشوى منها، وأطعم الشيخ، وأكل هو والعبدان، وناموا، فثرت إلى الفحل، فأطلقت عقاله، وركبته، فاندفع بي، فتبعته الإبل، فما زلت ليلتي أسرع بها إلى الفجر، فلما تعالى النهار وإذا بفارس كأنه طائر، فتأملته فإذا به صاحبي، فنزلت، وعقلت الفحل، ونَثَرتُ كنانتي، ووقفت بينه وبين الإبل، فصاح بي: أطلق عقاله، فقلت: كلا، لقد خلفت نُسَيّات بالحيرة، وآليت أن لا أرجع إليهن حتى أفيدهن خيرًا أو أموت، فقال: إنك ميت، أطلق عقاله لا أم لك، فقلت: هو ما قلت لك، فقال: إنك لمغرور، انصب خطامه، واجعل فيه خمس عشر، ففعلت، فقال: أين تريد أن أضح سهمي، فأشرت إلى موضح، فرماه، فكأنما وضعه بيده، ثم أقبل يرمي حتى أصاب الخمسة بخمسة أسهم، فرددت نبلي إلى كنانتي، وألقيت قوسي، ووقفت مستسلمًا، فدنا، فأخذ السيف والقوس مني، ثم قال: ارتدف خلفي، وعرف أني الذي شربت عنده اللبن، ثم قال: ما ظنك بي؟ قلت: أحسن الظن، قال: وكيف؟ قلت: لما لقيت من تعب ليلتك وقد أظفرك الله بي، قال: أفتراني أهيجك وقد بتَّ تُنادم مهلهلًا يعني أباه؟ فقلت: أزيد الخيل؟ قال: نعم، قلت: كن خير آخذ، قال: ليس عليك بأس، ولو كانت هذه الإبل لي لما ذهبت إلا بها، ولكنها لابنة مهلهل، ثم عاد إلى مكانه، وقال: أقم عندي مكرمًا، فإني على شرف غارة، ثم أغار على بني نمير بالملح، فاستاق مئة بعير، فدفعها إليَّ، وبعث معي الخُفَراء من ماء إلى ماء، حتى وردت الحيرة، فلقيني نبطي، فقال: أيسرك يا أعرابي أن لك بإبلك هذه بستانان من هذه البساتين؟ قلت: وكيف؟ قال: هذا زمن نبي يخرج فيملك هذه الأرض ويحول بينها وبين أربابها، حتى إن أحدهم ليبيع البستان بثمن بعير، قال: فما مضت إلا هنيهة حتى بعث الله رسوله ﷺ فأسلمنا، وما مضت إلا مدة يسيرة حتى فتح الله علينا الحيرة، فاشتريت بثمن بعير من إبلي بستانًا بالحيرة (١). قال أبو الفرج: كانت الحمى تعتري زيدًا دائمًا، وكان له أربعة بنين كلهم يقول

стр. 1785

الشعر، وهم: عروة، ومهلهل، وحريث، ومكنف، فأسلم مكنف وحريث، وشهدا قتال أهل الردة مع خالد بن الوليد، فلهما صحبة، وعروة شهد القادسية، وقُسَّ الناطف، ويوم مِهْران، وأبلى بلاءً حسنًا. وفد شيبان، كان فيهم حريث بن حسان الشيباني، فأسلم، وكانت تحته قَيْلة بنت مَخرمَة، هاجرت، وقدمت المدينة، فدخلت المسجد، فجلست خلف رسول الله ﷺ وأخذتها رعدة، فقال لها رسول الله ﷺ : "يا مسكينةُ عليك السَّكَينةُ" ولَحِقَها حريث، فقال: يا رسول الله، اكتب بيننا وبين بني تميم لا تُجاوِزُ الدهناء إلينا منهم إلا مسافرٌ أو مُجْتازٌ، فقال رسول الله ﷺ : "يا غلامُ، اكتُب لهم بالدَّهناءِ" فقالت قَيْلة: وكانت الدهناء وطني وداري، فقلت: يا رسول الله، الدهناءُ مرعى الإبل والغنم ونساء بني تميم فسراها (١)، فقال: "أَمسِكْ يا غلامُ، صَدَقت والله المسكينةُ، المسلِمُ أَخو المسلمِ" (٢). وفد بَجِيْلَة، ومنهم: جرير بن عبد الله البَجَلي، قال جرير: لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي، ثم حللت عيبتي، ثم لبست حلتي، ودخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ [يخطب، فرماني الناس بالحدق، فقلت لجليسي: يا عبد الله، ذكرني رسول الله ﷺ ؟] قال: نعم، ذكرك آنفًا بأحسن الذكر بينا هو يخطب إذ عرض له في خطبته، فقال: "يدخل عليكم من هذا الباب - أو من هذا الفج - من خيرِ ذي يَمَن، إلا أن على وجهه مسحة مَلَك". قال جرير: فحمدت الله على ما أولاني. أخرجه الإمام أحمد رحمة الله عليه (٣). وقال جرير: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصيحة لكل مسلم. أخرجاه في الصحيحين (٤).

стр. 1786

وقال جرير: قال لي رسول الله ﷺ : "ألا تُريحُنِي من أمرِ ذي الخَلَصةِ؟ " وكان بيتًا في خثعم يسمى: كعبة اليمانية، فانطلقت في خمسين ومئة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، فأخبرت رسول الله ﷺ أنني لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللَّهمَّ ثبِّتهُ، واجعَلْهُ هادِيًا مَهدِيًّا" فانطلقت إليها، فكسرتها، وحرقتها، وأرسل جرير [رجلًا] إلى رسول الله ﷺ يبشره، فقال لرسول الله ﷺ : والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجرب، فبارك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات (١). واعتماد الفقهاء في المسح على الخفين على حديث جرير، قال ﵁: أنا أسلمت بعد نزول المائدة، وأنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح بعدما أسلمت (٢). وفد العَنْس - بنون - فيهم ربيعة العَنْسي (٣)، قال له رسول الله ﷺ : "أَراغبًا جئتَ أم راهبًا؟ " فقال له: أما الرغبةُ، فوالله ما في يديك من مال فأرغب فيه، وأما الرهبةُ فوالله إنني في مكان ما تبلغه جيوشك، ولكن جئت مسلمًا، فأجازه رسول الله ﷺ قال له: "إن أَحسَسْت في الطريقِ بوَعَك فمِل إلى أَدنى قريةٍ منك"، فوعك في الطريق، فمال إلى قرية هناك، فمات فيها. وفد سعد العشيرة، وفيهم ذُباب بن أنس، فأسلم، وكسر صنمًا لهم يقال له: فَرَّاص، وقال: [من الطويل] تَبِعتُ رسولَ الله إذ جاءَ بالهُدى … وخلَّفتُ فَرَّاصًا بدارِ هَوانِ ولَمَّا رأيتُ اللهَ أَظهرَ دينَهُ … أَجبْتُ رسولَ اللهِ حينَ دعانِي شدَدْتُ عليه شدَّةً وتركتُهُ … كأَن لم يكُن في الدَّهرِ ذُو حَدَثانِ فأصبحتُ للإسلامِ ما عشتُ ناصرًا … وأبقيتُ فيه كَلكَلي وجِرانِي فمَن مبلغ سعدَ العشيرةِ أنَّني … شريتُ الذي يَبقى بآخر فاني وعاش ذُباب حتى شهدَ مع علي ﵁ صفين، وقيل: اسمه عبد الله (٤).

стр. 1787

وفد جُهينة، وفيهم عمرو بن مرة سادِنُ صنم جُهينة، فكَسَره، وأسلم، وقال: [من الطويل] شهدتُ بأنَّ الله حقٌّ وأنَّني … لِآلِهَة الأحجارِ أَوَّل تاركِ وشمَّرت عن ساقِي الإزارَ مُهاجرًا … إليكَ أجوبُ الوَعْثَ بعد الدَّكادِكِ لأصحَبَ خيرَ الناس نَفسًا ووالدًا … رسولَ مليكِ الناسِ فَوق الحبائكِ ثم بعثه رسول الله ﷺ إلى قومه، فأسلموا إلا واحدًا ردَّ عليه، فدعى عليه عمرو، فسقط فوه، وخرس، وعمي، واحتاج إلى الناس، وقيل: إنما قدم وفد جُهينة المدينة حين قدمها رسول الله ﷺ في صدر الإسلام (١). وفد كَلْب، وكان فيهم حارثة بن قطن، وحَمَل بن سَعْدانة الكَلْبيان، فأسلموا، وعقد رسول الله ﷺ لحارثة لواءً على قومه، فشهد به صفين مع معاوية، فأقطعه أرضًا بدومة الجندل، وكتب له بها كتابًا (٢). وفد جَرْم، قال البخاري: حدَّثنا سليمان بن حَرْب، حدَّثنا حمَّاد بن زيد، عن أيوبَ، عن أبي قِلابة، عن عمرو بن سَلَمة قال: كنا بماء ممَرَّ الناس، وكان يمر بنا الركبان، فنسألهم: ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، وأوحى إليه بكذا، وكنت أحفظ ذلك الكلام، وكانت العرب تلوَّم بإسلامها الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنَّه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبادروا قومي بإسلامهم (٣)، فلما قدم قال: جئتكم من عند النبي ﷺ حقًا، قال: "صلُّوا صلاةَ كذا في حينِ كذا، وصلاةَ كذا في حينِ كذا، فإذا حَضرتِ الصلاةُ فليُؤذِّن أحدُكم، وليؤمَّكُم أكثَركُم قُرآنًا" فنظروا، فلم يكن أحد أقرأ مني لما كنت أتلقى الركبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة كنت إذا سجدت تقلَّصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطُّوا عنا است قارئكم، فقطعوا لي قميصًا فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص. انفرد بإخراجه البخاري.

стр. 1788

وفد النَّخَع، قدموا على رسول الله ﷺ وفيهم أرطاة بن شراحيل، والأرقم بن عمر، فأعجب رسول الله ﷺ ما رأى من حُسنِ هيئتهما، فأسلما، وقال لهما رسول الله ﷺ : "هَل خلَّفتُما وراءَكما مِن قَومِكُما مِثلَكُما؟ " فقالا: خلفنا وراءنا سبعين رجلًا كلهم أفضل منا، فدعا لهما، وقال: "اللَّهمَّ بارِكْ في النَّخَعِ" وعقد لأرطاة لواءً على قومه، فكان في يده يوم الفتح، ثم شهد به القادسية، فقتل أرطاة يومئذ، فأخذه أخوه، فقتل، فأخذه سيف بن الحارث، فدخل به الكوفة. وقيل: إنما قدموا في المحرم سنة إحدى عشر، وهم مئتا رجل، فأنزلهم دار رملة بنت الحارثِ، وقالوا: بايعنا معاذًا باليمن، وكان منهم زرارة بن عمرو، وكان نصرانيًا، فأسلم، وهم آخر وفد وفدَ على رسول الله ﷺ (١). وفد حَضرَمَوت، وكان فيهم وائل بن حجر، فسر رسول الله ﷺ . [وحكى ابن سعد عن هشام بن محمد: أن رسول الله سرَّ] بقدومه، ونادى الصلاةَ جامعةً، ثم خطب فقال: "أَيُّها الناسُ، هذا وائلُ بن حُجر أتاكم من حَضْرَمَوت - ومدَّ بها صوتَه - راغبًا في الإسلامِ" ثم قال لمعاوية بن أبي سفيان: "انطَلِق فأنزلهُ مَنزلاً بالحرَّة" قال معاوية: فانطلقت معه، فأحرقتِ الرَّمضاءُ رجليَّ، فقلت له: أردفني وراءَك، فقال: لست من أرداف الملوكِ، قال: فقلت: فادفع لي نعليك أمشي فيهما أتوقَّ بهما من الحرِّ، فقال: لا يبلُغْ أهل اليمنِ أنَّ سوقَةً لبسَ نعلَ ملكٍ، ولكن إن شئت فامشِ في ظلِّ ناقتي، وكفاكَ به شرفًا في قومك، قال: فسرت في ظل ناقته حتى أنزلته منزلًا، ولما رجع إلى بلاده أجازه رسول الله ﷺ وكتب له كتابًا بأراضي وحصون. [وفي رواية]: فأخبَرَ معاوية رسول الله ﷺ بما قال له وائل، فقال: "إنَّ فيه لعُبيَّة من عبيَّةِ الجاهلية، ارفُقوا به فإنَّه قريبُ عهدٍ بمُلكٍ" (٢). فلما استخلف معاوية قدم عليه وائل، فأكرمه، وأجلسه معه على سريره، وقال له: أتذكر يوم كذا وقولك لي؟ ووائل يقول: نعم، وهل هو إلا ذاك؟ قال وائل: وأنا أقول في نفسي ليتني حملته بين يدي (٣).

стр. 1789

وبعثت امرأة من أهل اليمن يقال لها: تهناة بنت كُليب في ذلك الوفد بكسوة إلى رسول الله ﷺ مع ابن لها يقال له: كليب بن لبيد (١)، فدفعها إلى رسول الله ﷺ ثم قال: [من البسيط] مِن وادِ بَرْهُوت تَهوي بي عذافرة … إليك يا خَيرَ مَن يحفى ويَنتعلُ تجوب بي صفصفًا غُبْرًا مناهِلُه … تزدادُ عفوًا إذا ما كلَّتِ الإبلُ (٢) شهرين أُعمِلُها نصًّا على وَجَل … أرجو بذاكَ ثَوابَ الله يا رجلُ أَنتَ النَّبي الذي كنَّا نخبَّرُه … وبشَّرَتْنا به التَّوراةُ والرُّسلُ [وقد ذكر العلماء في تواريخهم وائل بن حجر، فقال خليفة: هو من حَضْرَموت، وسكن الكوفة. وقال أبو نعيم: من أبناء الأقيال باليمن، وفد على رسول الله ﷺ فأنزله وأصعده معه على منبره، وقال: "هذا وائل بن حجر، سيد الأقيال جاءكم حبًا لله ولرسوله" وأعطاه وأقطعه القطائع، وكتب له كتابًا، ثم سكن الكوفة، وعقبه بها. وقال أبو بكر الخطيب: كان ملك قومه، قدم على رسول الله ﷺ مسلمًا، فقربه وأدناه، وبسط له رداءه وأجلسه عليه، ثم نزل بعد رسول الله الكوفة وأعقب بها، ونزل المدائن في صحبة علي ﵇ حين خرج إلى صفين، وكان على راية حضرموت يومئذ (٣). وقال الهيثم: لما قدم على النبي ﷺ صعد المنبر وأخذ بيده فأقعده معه وقال: "أيها الناس، هذا وائل بن حجر قد أتاكم من أراض بعيدة، طائعًا لله ولرسوله غير مكره، وهو بقية أبناء الملوك، اللهمَّ بارك فيه وفي ولده وولد ولده" ثم نزل من المنبر وأنزله معه، وكتب له ثلاثة كتب بأراضي. وذكره جدي في "التلقيح" فقال: وائل بن حجر بن ربيعة الحضرمي، وهو وائل القيل (٤).

стр. 1790

وروى وائل الحديث عن رسول الله ﷺ وأخرج عنه مسلم، وسنذكره فيما بعد. وفي الحديث: "أن حضرموت فيها وادي برهوت" (١)، وفي الحديث: "خير بئر في الأرض زمزم فيها أرواح المؤمنين، وشر بئر في الأرض برهوت وفيه أرواح الكفار" (٢)]. وفيها: كانت سرية خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب، ذكرها ابن إسحاق. وأمره رسول الله ﷺ أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، فخرج خالد إليهم، وبث الركبان في كل وجه يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم الناس، وأقام فيهم خالد يعلمهم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وكتب إلى رسول الله ﷺ يخبره بإسلامهم، وكان في كتابه: لمحمد رسول الله من خالد بن الوليد، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن القوم قد أسلموا، وإني مقيم فيهم أعلمهم كتاب الله ومعالم السنن والسلام. فكتب إليه رسول الله ﷺ : "مِن محمدٍ رسولِ الله ﷺ إلى خالدِ بنِ الوليدِ، سَلامٌ عليكَ، أَمَّا بعدُ: فإنَّ كتابَكَ وَرَدَ عليَّ يُخبرني بإسلامِهم، فالحمدُ لله على ذلك، فبشِّرهُم، وأَنذِرهُم، وخَوِّفهُم، وحَذِّرهم، وليُقبِل مَعَك وَفْدُهم، والسَّلامُ". فقدم خالد على رسول الله ﷺ بجماعة، منهم: قيس بن الحُصَين، ويزيد بن عبدِ المَدان، فلما دخلوا على النبي ﷺ قال لهم: "أَنتُمُ الذين إذا زُجِروا استَقدَموا؟ " فقال له يزيد: نعم، قال: "أَما واللهِ لَولا كتابُ خالدٍ وَرَد عليَّ بإسلامِكُم لأَلْقَيت رؤوسَكُم تحتَ أقدامِكُم" فقال له يزيد: أَما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدًا، بل حمدنا الله الذي هدانا بك، فقال: "صَدَقتُم" ثم قال لهم: "بمَ كُنتم تَغلِبونَ من قاتلكم في الجاهليةِ؟ " قالوا: كنا نجتمع ولا نفترق ولا نبدأ أحدًا بظلم، فقال: "صَدَقتُم" وأمَّر
следующие страницы →