← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وقال جرير: قال لي رسول الله ﷺ : "ألا تُريحُنِي من أمرِ ذي الخَلَصةِ؟ " وكان بيتًا في خثعم يسمى: كعبة اليمانية، فانطلقت في خمسين ومئة فارس من أحمس، وكانوا أصحاب خيل، فأخبرت رسول الله ﷺ أنني لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري، وقال: "اللَّهمَّ ثبِّتهُ، واجعَلْهُ هادِيًا مَهدِيًّا" فانطلقت إليها، فكسرتها، وحرقتها، وأرسل جرير [رجلًا] إلى رسول الله ﷺ يبشره، فقال لرسول الله ﷺ : والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجرب، فبارك رسول الله ﷺ على خيل أحمس ورجالها خمس مرات (١). واعتماد الفقهاء في المسح على الخفين على حديث جرير، قال ﵁: أنا أسلمت بعد نزول المائدة، وأنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح بعدما أسلمت (٢). وفد العَنْس - بنون - فيهم ربيعة العَنْسي (٣)، قال له رسول الله ﷺ : "أَراغبًا جئتَ أم راهبًا؟ " فقال له: أما الرغبةُ، فوالله ما في يديك من مال فأرغب فيه، وأما الرهبةُ فوالله إنني في مكان ما تبلغه جيوشك، ولكن جئت مسلمًا، فأجازه رسول الله ﷺ قال له: "إن أَحسَسْت في الطريقِ بوَعَك فمِل إلى أَدنى قريةٍ منك"، فوعك في الطريق، فمال إلى قرية هناك، فمات فيها. وفد سعد العشيرة، وفيهم ذُباب بن أنس، فأسلم، وكسر صنمًا لهم يقال له: فَرَّاص، وقال: [من الطويل] تَبِعتُ رسولَ الله إذ جاءَ بالهُدى … وخلَّفتُ فَرَّاصًا بدارِ هَوانِ ولَمَّا رأيتُ اللهَ أَظهرَ دينَهُ … أَجبْتُ رسولَ اللهِ حينَ دعانِي شدَدْتُ عليه شدَّةً وتركتُهُ … كأَن لم يكُن في الدَّهرِ ذُو حَدَثانِ فأصبحتُ للإسلامِ ما عشتُ ناصرًا … وأبقيتُ فيه كَلكَلي وجِرانِي فمَن مبلغ سعدَ العشيرةِ أنَّني … شريتُ الذي يَبقى بآخر فاني وعاش ذُباب حتى شهدَ مع علي ﵁ صفين، وقيل: اسمه عبد الله (٤).

стр. 1787

وفد جُهينة، وفيهم عمرو بن مرة سادِنُ صنم جُهينة، فكَسَره، وأسلم، وقال: [من الطويل] شهدتُ بأنَّ الله حقٌّ وأنَّني … لِآلِهَة الأحجارِ أَوَّل تاركِ وشمَّرت عن ساقِي الإزارَ مُهاجرًا … إليكَ أجوبُ الوَعْثَ بعد الدَّكادِكِ لأصحَبَ خيرَ الناس نَفسًا ووالدًا … رسولَ مليكِ الناسِ فَوق الحبائكِ ثم بعثه رسول الله ﷺ إلى قومه، فأسلموا إلا واحدًا ردَّ عليه، فدعى عليه عمرو، فسقط فوه، وخرس، وعمي، واحتاج إلى الناس، وقيل: إنما قدم وفد جُهينة المدينة حين قدمها رسول الله ﷺ في صدر الإسلام (١). وفد كَلْب، وكان فيهم حارثة بن قطن، وحَمَل بن سَعْدانة الكَلْبيان، فأسلموا، وعقد رسول الله ﷺ لحارثة لواءً على قومه، فشهد به صفين مع معاوية، فأقطعه أرضًا بدومة الجندل، وكتب له بها كتابًا (٢). وفد جَرْم، قال البخاري: حدَّثنا سليمان بن حَرْب، حدَّثنا حمَّاد بن زيد، عن أيوبَ، عن أبي قِلابة، عن عمرو بن سَلَمة قال: كنا بماء ممَرَّ الناس، وكان يمر بنا الركبان، فنسألهم: ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، وأوحى إليه بكذا، وكنت أحفظ ذلك الكلام، وكانت العرب تلوَّم بإسلامها الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنَّه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبادروا قومي بإسلامهم (٣)، فلما قدم قال: جئتكم من عند النبي ﷺ حقًا، قال: "صلُّوا صلاةَ كذا في حينِ كذا، وصلاةَ كذا في حينِ كذا، فإذا حَضرتِ الصلاةُ فليُؤذِّن أحدُكم، وليؤمَّكُم أكثَركُم قُرآنًا" فنظروا، فلم يكن أحد أقرأ مني لما كنت أتلقى الركبان، فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت علي بردة كنت إذا سجدت تقلَّصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطُّوا عنا است قارئكم، فقطعوا لي قميصًا فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص. انفرد بإخراجه البخاري.

стр. 1788

وفد النَّخَع، قدموا على رسول الله ﷺ وفيهم أرطاة بن شراحيل، والأرقم بن عمر، فأعجب رسول الله ﷺ ما رأى من حُسنِ هيئتهما، فأسلما، وقال لهما رسول الله ﷺ : "هَل خلَّفتُما وراءَكما مِن قَومِكُما مِثلَكُما؟ " فقالا: خلفنا وراءنا سبعين رجلًا كلهم أفضل منا، فدعا لهما، وقال: "اللَّهمَّ بارِكْ في النَّخَعِ" وعقد لأرطاة لواءً على قومه، فكان في يده يوم الفتح، ثم شهد به القادسية، فقتل أرطاة يومئذ، فأخذه أخوه، فقتل، فأخذه سيف بن الحارث، فدخل به الكوفة. وقيل: إنما قدموا في المحرم سنة إحدى عشر، وهم مئتا رجل، فأنزلهم دار رملة بنت الحارثِ، وقالوا: بايعنا معاذًا باليمن، وكان منهم زرارة بن عمرو، وكان نصرانيًا، فأسلم، وهم آخر وفد وفدَ على رسول الله ﷺ (١). وفد حَضرَمَوت، وكان فيهم وائل بن حجر، فسر رسول الله ﷺ . [وحكى ابن سعد عن هشام بن محمد: أن رسول الله سرَّ] بقدومه، ونادى الصلاةَ جامعةً، ثم خطب فقال: "أَيُّها الناسُ، هذا وائلُ بن حُجر أتاكم من حَضْرَمَوت - ومدَّ بها صوتَه - راغبًا في الإسلامِ" ثم قال لمعاوية بن أبي سفيان: "انطَلِق فأنزلهُ مَنزلاً بالحرَّة" قال معاوية: فانطلقت معه، فأحرقتِ الرَّمضاءُ رجليَّ، فقلت له: أردفني وراءَك، فقال: لست من أرداف الملوكِ، قال: فقلت: فادفع لي نعليك أمشي فيهما أتوقَّ بهما من الحرِّ، فقال: لا يبلُغْ أهل اليمنِ أنَّ سوقَةً لبسَ نعلَ ملكٍ، ولكن إن شئت فامشِ في ظلِّ ناقتي، وكفاكَ به شرفًا في قومك، قال: فسرت في ظل ناقته حتى أنزلته منزلًا، ولما رجع إلى بلاده أجازه رسول الله ﷺ وكتب له كتابًا بأراضي وحصون. [وفي رواية]: فأخبَرَ معاوية رسول الله ﷺ بما قال له وائل، فقال: "إنَّ فيه لعُبيَّة من عبيَّةِ الجاهلية، ارفُقوا به فإنَّه قريبُ عهدٍ بمُلكٍ" (٢). فلما استخلف معاوية قدم عليه وائل، فأكرمه، وأجلسه معه على سريره، وقال له: أتذكر يوم كذا وقولك لي؟ ووائل يقول: نعم، وهل هو إلا ذاك؟ قال وائل: وأنا أقول في نفسي ليتني حملته بين يدي (٣).

стр. 1789

وبعثت امرأة من أهل اليمن يقال لها: تهناة بنت كُليب في ذلك الوفد بكسوة إلى رسول الله ﷺ مع ابن لها يقال له: كليب بن لبيد (١)، فدفعها إلى رسول الله ﷺ ثم قال: [من البسيط] مِن وادِ بَرْهُوت تَهوي بي عذافرة … إليك يا خَيرَ مَن يحفى ويَنتعلُ تجوب بي صفصفًا غُبْرًا مناهِلُه … تزدادُ عفوًا إذا ما كلَّتِ الإبلُ (٢) شهرين أُعمِلُها نصًّا على وَجَل … أرجو بذاكَ ثَوابَ الله يا رجلُ أَنتَ النَّبي الذي كنَّا نخبَّرُه … وبشَّرَتْنا به التَّوراةُ والرُّسلُ [وقد ذكر العلماء في تواريخهم وائل بن حجر، فقال خليفة: هو من حَضْرَموت، وسكن الكوفة. وقال أبو نعيم: من أبناء الأقيال باليمن، وفد على رسول الله ﷺ فأنزله وأصعده معه على منبره، وقال: "هذا وائل بن حجر، سيد الأقيال جاءكم حبًا لله ولرسوله" وأعطاه وأقطعه القطائع، وكتب له كتابًا، ثم سكن الكوفة، وعقبه بها. وقال أبو بكر الخطيب: كان ملك قومه، قدم على رسول الله ﷺ مسلمًا، فقربه وأدناه، وبسط له رداءه وأجلسه عليه، ثم نزل بعد رسول الله الكوفة وأعقب بها، ونزل المدائن في صحبة علي ﵇ حين خرج إلى صفين، وكان على راية حضرموت يومئذ (٣). وقال الهيثم: لما قدم على النبي ﷺ صعد المنبر وأخذ بيده فأقعده معه وقال: "أيها الناس، هذا وائل بن حجر قد أتاكم من أراض بعيدة، طائعًا لله ولرسوله غير مكره، وهو بقية أبناء الملوك، اللهمَّ بارك فيه وفي ولده وولد ولده" ثم نزل من المنبر وأنزله معه، وكتب له ثلاثة كتب بأراضي. وذكره جدي في "التلقيح" فقال: وائل بن حجر بن ربيعة الحضرمي، وهو وائل القيل (٤).

стр. 1790

وروى وائل الحديث عن رسول الله ﷺ وأخرج عنه مسلم، وسنذكره فيما بعد. وفي الحديث: "أن حضرموت فيها وادي برهوت" (١)، وفي الحديث: "خير بئر في الأرض زمزم فيها أرواح المؤمنين، وشر بئر في الأرض برهوت وفيه أرواح الكفار" (٢)]. وفيها: كانت سرية خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب، ذكرها ابن إسحاق. وأمره رسول الله ﷺ أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، فخرج خالد إليهم، وبث الركبان في كل وجه يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم الناس، وأقام فيهم خالد يعلمهم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وكتب إلى رسول الله ﷺ يخبره بإسلامهم، وكان في كتابه: لمحمد رسول الله من خالد بن الوليد، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن القوم قد أسلموا، وإني مقيم فيهم أعلمهم كتاب الله ومعالم السنن والسلام. فكتب إليه رسول الله ﷺ : "مِن محمدٍ رسولِ الله ﷺ إلى خالدِ بنِ الوليدِ، سَلامٌ عليكَ، أَمَّا بعدُ: فإنَّ كتابَكَ وَرَدَ عليَّ يُخبرني بإسلامِهم، فالحمدُ لله على ذلك، فبشِّرهُم، وأَنذِرهُم، وخَوِّفهُم، وحَذِّرهم، وليُقبِل مَعَك وَفْدُهم، والسَّلامُ". فقدم خالد على رسول الله ﷺ بجماعة، منهم: قيس بن الحُصَين، ويزيد بن عبدِ المَدان، فلما دخلوا على النبي ﷺ قال لهم: "أَنتُمُ الذين إذا زُجِروا استَقدَموا؟ " فقال له يزيد: نعم، قال: "أَما واللهِ لَولا كتابُ خالدٍ وَرَد عليَّ بإسلامِكُم لأَلْقَيت رؤوسَكُم تحتَ أقدامِكُم" فقال له يزيد: أَما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدًا، بل حمدنا الله الذي هدانا بك، فقال: "صَدَقتُم" ثم قال لهم: "بمَ كُنتم تَغلِبونَ من قاتلكم في الجاهليةِ؟ " قالوا: كنا نجتمع ولا نفترق ولا نبدأ أحدًا بظلم، فقال: "صَدَقتُم" وأمَّر

стр. 1791

عليهم قيس بن الحصين، وأَجازهُم، فرجعوا إلى بلادهم. ثم بعث إليهم رسول الله ﷺ بعد ذلك عمرو بن حزم الأنصاري ليفقههم في الدين، ويعلمهم معالم الإسلام، وكتب معه كتابًا طويلًا، وذكر فيه أسنان الإبل، والصدقات، والعبادات وغيرها، ومات رسول الله ﷺ وعمرو عندهم باليمن (١). والكتاب مشهور أخرجه الدارقطني وغيره، وفيه: "بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، هذا كتابٌ منَ الله ورسولهِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] عهدٌ من محمدٍ رسولِ الله لعمرِو بن حَزْم حين بعثَه إلى اليمن، آمرُه بتَقوَى الله في أَمره كلِّه فـ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨] وآمرُه أن يأخذَ بالحقَّ كما أَمَره الله، وأن يُبشِّر الناسَ بالخيرِ، ويأمُرَهم به، ويعلَّمهم القرآنَ، ويفقَّههم فيه، ويَنهى الناسَ، فلا يمسّ القرآنَ إلا طاهرٌ، ويشدّد عليهم في الظُّلمِ ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]، ويعلِّم الناسَ مَعالِم الحجِّ، وسُنَنه، وفرائضَه، وما أَمَر الله بهِ، والحجُّ الأكبرُ يوم النحر، والأصغر العمرةُ" (٢) وذكر أسنانَ الإبل، وما يجبُ فيما تخرج الأرض، وذكر الجزية، وقال: "وعلى كلِّ حالِمٍ ذكرًا كانَ أو أنثى دينارٌ". وفيها: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى اليمن، فقاتلوه، فبعث عليًا ﵁ والتقوا، فبرز علي بين الصفين، وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ فأسلمت همدان كلها، وأطاعوا؛ فكتب علي رضوان الله عليه إلى رسول الله ﷺ يخبره، فخر ساجدًا، وقال: "السَّلامُ على هَمْدان" قالها ثلاثًا، ورجع خالد إلى المدينة، وأقام علي ﵁ باليمن يفقههم في الدين، ويأخذ الصدقات، فلما كان في الموسم وافى رسول الله ﷺ في حجة الوداع (٣). وفيها: كتب مسيلمة إلى رسول الله ﷺ كتابًا يذكر فيه معنى ما تقدم، [وقيل: إنما كتب إلى رسول الله بعد انفصاله من حجة الوداع]. وفيها: كتب رسول الله ﷺ إلى جبلة بن الأيهم يدعوه إلى الله تعالى، فأسلم،

стр. 1792

وأهدى لرسول الله ﷺ هدية يخبره بإسلامه، ثم ارتد في أيام عمر رضوان الله عليه (١)، وسنذكره. وفيها: بعث رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي كلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبع، ملك اليمن، [وقيل: اسمه سُميفع، وذو الكَلاع لقب له، قال الجوهري: ذو الكلاع بالفتح اسم ملك من ملوك اليمن من الأذواء]. وقيل: كان من ملوك الطوائف [فحكى ابن دريد عن الرياشي عن الأصمعي قال: كان رسول الله كاتب ذو الكلاع من ملوك الطوائف على يد جرير بن عبد الله] يدعوه إلى الإسلام، وكان قد استعلى أمره حتى ادعى الربوبية، وأطيع حتى توفي رسول الله ﷺ قبل عود جرير، وأقام ذو الكلاع على ما هو عليه إلى أيام عمر رضوان الله عليه ثم رغب في الإسلام، فقدم على عمر وسنذكره، وقيل: إنه أسلم على يد جرير، وأسلمت امرأته ضُريبة بنت أبرهة بن الصباح، والأول أصح (٢). وفيها: كتب فروة بن عمرو الجُذامي إلى رسول الله ﷺ بإسلامه، وأهدى له [هدية، وقد ذكره ابن سعد وقال: كانت الهدية] بغلة شهباء، وحمارًا، وثيابًا، وقباءً من سندس مخوص بالذهب، وبعث به مع مسعود بن سعيد الجُذامي، وكان عاملًا لقيصر على عمان البلقاء، فكتب إليه رسول الله ﷺ : "أما بعد، فإنه قد وصلني كتابك، ورسولك، والحمد لله على هدايتك" وأمر بلالًا فأعطى رسوله اثنتي عشرة أوقية ونشًا - أي نصفًا -[وقال هشام:] وكان مسكنه بمعان وما حولها من الشام، وبلغ قيصر إسلامه وما فعل، فكتب يستدعيه، فلما دخل عليه قال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: لقد علمت أن عيسى ﵇ بشر به وأنه نبي حق، فقال له: ارجع عما أنت عليه، فقال: لا والله ولا بملكك، فحبسه، ثم نصب له خشبة، [ليصلبه، وأخرجه فلما رفع على الخشبة قال: [من الكامل]: أبلغ سَراة المسلمين بأنني … سِلْمٌ لربّي مُهجتي وعظامي قال الهيثم:]

стр. 1793

وصلبه على ماء يقال له: عِفْرى من أرض فلسطين، فلما رفع على خشبته قال: [من الطويل] أَلا هل أتَى سَلمى بأنَّ حَليلَها … على ماءِ عفرى فوقَ إحدى الرَّواحلِ على ناقةٍ لم يضربِ الفَحلُ أمَّها … مشَذَّبة أطرافُها بالمناجل (١) وفيها: كانت حجة الوداع، وتسمى: حجة التمام، والكمال، والبلاغ، وحجة الإسلام [وحجة الوداع أشهر، وقد أخرج البخاري عن ابن عمر قال: وقف رسول الله ﷺ يوم النحر عند الجمرات، وجعل يقول: "اللهمَّ اشهد" وودع الناس، وما كنا ندري ما حجة الوداع إلى ذلك اليوم (٢). وقال ابن عباس: كرهوا أن يقولوا حجة الوداع، فقالوا: حجة الإسلام]. قال الإمام أحمد رحمة الله عليه: حدَّثنا يحيى بن آدم وأبو النَّضر، قالا: حدَّثنا زهير، حدَّثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: خَرجنا مع رسول الله ﷺ مُهلِّين بالحج، معنا النساء والولدان، فلما قدمنا طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا رسول الله ﷺ : "مَن لم يكُن معَه هَديٌ فَلْيَحلِل" قلنا: أيُّ الحل؟ قال: "الحلُّ كلُّه" قال: فأتينا النساء، ولبسنا الثياب، ومسسنا الطيب، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج، وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة، وأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كلُّ سبعة منا في بدنة، فجاء سراقة بن جُعشم فقال: يا رسول الله، بيِّن لنا ديننا كأنَّا خلقنا الآن، أرأيت عمرتنا هذه أَلِعامنا هذا أو للأبد؟ فقال: "لا، بَل للأَبدِ" قال: يا رسول الله، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت فيه الأقلام، وجرت به المقادير [أو فيما نستقبلُ؟ قال: لا، بَل فيما جفَّت به الأَقلامُ، وجرت به المَقاديرُ"] قال: ففيم العمل؟ قال أبو النضر: فسمعت من سمع من أبي الزبير يقول: "اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّر لما خُلِقَ له" (٣). وعن جابر قال: لم يكن معنا هدي يومئذ إلا مع رسول الله ﷺ وطلحة، وإن رسول الله ﷺ أَمَر أصحابَه أن يجعلوها عمرة، يطَّوَّفوا، ثم يقصِّروا، ويُحِلُّوا إلا مَن

стр. 1794

معه الهدي، قالوا: ننطلق إلى منًى، وذَكَرُ أحدنا يقطر، فبلغ رسول الله ﷺ فقال: "لو أَنِّي استَقْبَلتُ من أَمرِي ما اسْتَدْبَرتُ ما أَهدَيتُ"، وحاضت عائشة فنسَكت المناسكَ كلَّها غير أنها لم تطف بالبيت، فلما طَهُرت طافت، ثم قالت: يا رسول الله، أتنطلقون بحج وعمرة وأنطلق بالحج؟ فأَمَر عبد الرحمن أن يخرجَ معها إلى التَّنعيمِ، فاعتَمَرت بعد الحجِّ في ذي الحجة (١). وعن جابر بن عبد الله قال: رمى رسول الله ﷺ الجمرة بمثل حصى الخذف (٢). فصل في التلبية: ومعنى لبيك: أنِّي مقيم على طاعتكَ وأمرك، وقيل: هي مأخوذةٌ من الإجابة للخليلِ ﵇ لما أذَّن في الحجِّ فنادى: "أَيُّها الناسُ، إنَّ رَبَّكم قد بَنَى بيتًا فحجوه" قال ابن عباس: فلا يأتي أحد هذا البيت إلا وهو يقول: لبيك اللهمَّ لبيك، فرسول الله ﷺ أهلَّ بالتوحيد: "لبَّيكَ اللهمَّ لبَّيكَ، لا شريكَ لكَ لبَّيكَ، إنَّ الحمدَ والنَّعمةَ والملكَ لك، لا شَريكَ لك". وروي أن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه كان يزيد: لبَّيكَ ذا النَّعماء والفضلِ الحَسَن، لبيكَ لبيكَ مرغوبًا إليك. وكان ابن عمر ﵄ يقول: لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والرغبة إليك. وكان أنس يقول: لبيك وسعديك حقًا حقًا، تعبدًا ورقًا. وقال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: عجبًا لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلاله بالحج!؟ فقال ابن عباس: إنِّي لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت حجةً واحدةً من رسول الله ﷺ فمن هنالك اختلفوا، خرج رسول الله ﷺ حاجًا، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه، فأهلَّ بالحج حين فرغ من صلاته، فسمع ذلك منه أقوام فحفظوا عنه، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالًا، فسمعوه حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله ﷺ فلما علا على شرف البيداء

стр. 1795

أهلَّ، فأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهلَّ حين علا شرف البيداء، وايمُ الله، لقد أوجب في مصلاه، وأهلَّ حين استقلَّت به راحلته، وأهلَّ حين علا شرف البيداء. فمن أخذ بقول ابن عباس أهلَّ حين فرغ من ركعتيه (١). وأهدى رسول الله ﷺ في حجة الوداع مئة بدنة، نحر منها بيده ثلاثين، ثم أمر عليًا، فنحر ما بقي منها، وقال: "اقسم جلالها ولحومها وجلودها بين الناس، ولا تعطين جزارًا منها شيئًا، وخذ لنا من كل بعير بضعة من لحم، ثم اجعلها في قدر واحدة حتى نأكل من لحومها، ونَحْسُوَ من مرقها" ففعل (٢). وقال ابن عباس أيضًا: انطلق رسول الله ﷺ من المدينة بعد ما ترجَّل، فادَّهن، ولبس إزارَه ورداءَه هو وأصحابه، فلم ينهَ عن شيءٍ من الأَرْدِيَة والأزرِ إلا المُزَعْفَرة التي تَردَعُ - أي تصبغ الجلد - فأصبح بذي الحُلَيفة، ثم ركب راحلته، حتى إذا استوى على البيداء أهلَّ هو وأصحابه، وقلَّد بُدْنَه، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة، فقدم مكة لأربع خَلَون من ذي الحجة، وطاف بالبيت، وسَعى بين الصَّفا والمروة، ولم يَحِلَّ لأحد بُدْنَه، لأنه قلَّدها، ثم نزل بأعلى مكة عند الحَجُون وهو مُهِلٌّ، ولم يقرب الكعبة بعد طوافه، حتى رجع من عرفة، وأمر أصحابَه أن يطَّوَّفوا بالبيت، ويسعوا بين الصفا والمروةَ، ثم يقصِّروا رؤوسَهم، ثم يَحِلُّوا وذلكَ لِمَن لم يكن معه بَدَنةٌ قلَّدها، ومن كان معه امرأته فهي حلال له، والطيب، والثياب. أخرجاه في "الصحيحين" (٣). وقال: جاء رسول الله ﷺ إلى السقاية، فاستسقى، فقال العباس: يا فضلُ، اذهب إلى أمِّك فأْتِ رسولَ الله ﷺ بشرابٍ من عندها، فقال له رسول الله ﷺ : "اسْقِني" فقال: إنَّهم يضعون أيديهم فيه، فقال: "اسْقِني"، فشرب منه، ثم أتى زمزمَ، فهم يستقون ويعملون فيها، فقال: "اعْمَلُوا فإنَّكُم على عَمَلٍ صالِحٍ"، فقال: "لولا أن يُغلَبُوا لَنزَلتُ حتى أضَعَ الحَبلَ على عاتِقي، أو على هذه" يعني عاتقه. انفرد بإخراجه البخاري (٤).

стр. 1796

وفي رواية: "لولا أَن النَّاسَ يتَّخذُونَه نُسُكًا لَنَزعتُ" (١). وقال: طاف رسول الله ﷺ بالبيت على ناقةٍ يَسْتَلمُ الحَجَر بمِحْجَنِه، وبين الصفا والمروة. متفق عليه (٢). وقد أخرجه الإمام أحمد رحمة الله عليه، وفيه: جاء النبيُّ ﷺ وكان قد اشتكى، فطاف على بعير ومعه مِحْجَن، فلما مرَّ عليه استلمه، فلما قضى طوافه أناخ، فصلى العشاءين (٣). وقال ابن عباس أيضًا: خطب رسول الله ﷺ فقال: "إذا لم يجدِ المُحرمُ إِزارًا، فَلْيَلْبس السَّراوِيلَ، وإذا لم يجدِ النَّعلَينِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّينِ". أخرجاه في "الصحيحين" (٤). وقال أيضًا: إن رجلًا كان مع رسول الله ﷺ فوَقَصته ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله ﷺ : "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبدًا" (٥). وفي رواية: "وهو يهل أو يلبي" (٦). متفق عليه. والملبد: الذي يجعل في رأسه شيئًا من الصمغ ليلبد شعره ولا يقمل. وقال: قال لي رسول الله ﷺ غداة جَمْع: "هَلُمَّ الْقُط" فَلَقطْتُ له حَصَياتٍ مثل حَصَى الخَذْفِ، فلما وضعهنَّ في يدهِ فقال: "نَعَم، بأَمثالِ هؤلاءِ، وإيَّاكُم والغلُوَّ في الدينِ، فإنَّما هَلَك مَن كان قَبْلَكُم بالغلوِّ في الدينِ" (٧). وقال: إن أسامة بن زيد كان رَدِيفَ رسول الله ﷺ يومَ عرفَةَ، فدخلَ الشِّعب، فنزل، فأَهْراقَ الماءَ، ثم توضأ، وركب ولم يصلِّ (٨).

стр. 1797

وقال: كان رسول الله ﷺ بالروحاء، فلقي رَكْبًا، فسلَّم عليهم، فقال: "مَنِ القومُ؟ " قالوا: المسلمون، قالوا: فَمَن أنت؟ قال: "رسولُ الله ﷺ "، فَفَزِعَت امرأةٌ، فأخذَتْ بعضُدِ صبيًّ فأخرجَتْهُ من مِحَفَّتها، وقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: "نَعَم، ولَكِ أجرٌ". انفرد بإخراجه مسلم (١). وقال: صلَّى النبيُّ ﷺ الظهرَ بذي الحليفة، ثم دعا ببَدَنةٍ، فأَشْعَر صَفْحَة سَنامِها الأيمن، ثم سلت الدم عنه، وقلَّدها نعلين، ثم أتي براحِلَته، فلما قَعَد عليها واستَوتْ به على البَيْداءِ أهلَّ بالحجِّ (٢). وقال ابن عباس: ليس المحصَّب بشي، إنما هو منزلٌ نَزَله رسولُ الله ﷺ . متفق عليه (٣). وقال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رميتُم الجمرةَ فقد حلَّ لكُم كلُّ شيءٍ إلَّا النساءُ" (٤). وقال: وقَّت رسولُ الله ﷺ لأهلِ المدينةِ ذا الحُليفة، ولأهل الشامِ الجُحفةَ، ولأهلِ اليمنِ يَلَمْلَمَ، ولأهل نجدٍ قَرنًا، وقال: "هنَّ وَقْتٌ لأَهلهِنَّ ولِمَن مرَّ بهنَّ من غَيرِ أَهلهِنَّ - يريدُ الحجَّ والعمرةَ - ومَن كان منزلُه مِن وراءِ المِيْقَاتِ فإهلالُه من حيثُ يُنشِئُ، حتَّى أهلُ مكَّةَ إهلالُهم من حيث يُنشِئون". أخرجاه في "الصحيحين" (٥). وقال: لما مرَّ رسولُ الله ﷺ بوادي عُسفان حين حجَّ، فقال: "يا أَبا بَكرٍ، أَيُّ وادٍ هذا؟ " قال: وادي عُسفان، فقال: "لقد مرَّ به هُودٌ وصَالحٌ على بَكَراتٍ خُطُمُها اللِّيفُ، أُزرهُم العَباءُ، وأَرديتُهم النِّمارُ، يُلَبُّون يحجُّونَ البيتَ العَتِيقَ" (٦). وقال: إنَّ امرأة من خَثْعَم استَفْتَت رسولَ الله ﷺ في حجة الوداعِ والفضلُ بن عباس

стр. 1798

رديفه، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ فريضةَ الله في الحجَّ على عباده أَدْرَكَت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيعُ أن يستويَ على الراحلةِ، فهل يقضي عنه أن أحجَّ عنه؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "نَعَم"، فأخذ الفضل بن العباس يلتفت إليها، وكانت امرأة حسناء، فأخذ رسول الله ﷺ وجه الفضل فحوله إلى الشق الآخر. متفق عليه (١). وفي رواية "المسند": فقال له رسول الله ﷺ : "يا ابنَ أَخي، إنَّ هذا يومٌ مَن مَلَك فيه سَمعَه وبَصَره ولسانَه غُفِرَ له" (٢). وقال: كانوا يَرَونَ العمرةَ في أشهر الحجَّ من أَفْجَرِ الفُجورِ في الأرض، ويجعلون المحرَّم صفرًا، ويقولون: إذا بَرَأ الدَّبَر، وعَفَى الأَثَر، وانْسَلَخ صَفَر، حلَّت العمرة لمن اعتمر، فلما أمرهم رسول الله ﷺ بالعمرة تعاظم ذلك عندهم (٣). وقال: ما أعْمَر رسولُ الله ﷺ عائشةَ ليلةَ الحَصْبَة، إلَّا قَطْعًا لأَمر الشَّركِ (٤). وفي "المسند": عن عروة بن الزبير أنه قال لابن عباس: حتى متى تُضِلُّ الناسَ؟ فقال: وما ذاك؟ قال: تأمرهم بالعمرة في أشهر الحج وقد نهى عنها أبو بكر وعمر! فقال ابن عباس: قد فَعَلها رسولُ الله ﷺ فقال عروة: هما، أو كانا، أَتْبَع لرسولِ الله ﷺ منكَ (٥). وقال ابن عباس: فلما أَمَرهم أن يجعلُوها عمرةً لُبِسَتِ القُمُص، وسَطَعت المجامِرُ، ونُكِحتِ النَّساءُ (٦). وفي "المسند": عن ابن عباس قال: تَمتَّع رسولُ الله ﷺ حتى ماتَ، وأبو بكرٍ حتى ماتَ، وعمرُ حتى ماتَ، وعثمانُ حتى ماتَ، وكان أَوَّل من نَهى مُعاوية، فعجبتُ منه، وقد حدَّثني أنَّه قصَّر عن النبيِّ ﷺ بِمِشْقَصٍ (٧).

стр. 1799

قال المصنف ﵀: وهذا وهم، فإن رسول الله ﷺ إنما حج مرة واحدة قارنًا وهي هذه الحجَّة، فكيف يقول: تمتَّع حتى مات؟ وفي "المسند": أنَّ رسولَ الله ﷺ ذَبَح، ثم حَلَق (١). وفي "الصحيحين" عن ابن مسعود: أنَّه رمَى جمرة العقبةِ من بطن الوادي، ثم قال: والذي لا إله غيرُه، هذا مَقامُ الذي أُنزِلَت عليه سُورَةُ البقرةِ (٢). قال ابن عباس: وأشهرُ الحجِّ التي ذَكَر اللهُ: شوَّالُ، وذو القَعْدة، وذو الحَجَّة، فَمَن تمتَّع في هذه الأشهرِ فَعليه دمٌ أو صومٌ (٣). قال الإمام أحمد ﵁: حدَّثنا عبد الرزاق، أَنبأنا مالكُ بن أنسٍ، عن ابن شِهاب، عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نَوفَلٍ بن عبد المطَّلب، أنَّه سَمعَ سعدَ بن أبي وقَّاص، والضحَّاكَ بنَ قيسٍ عامَ حجَّ معاويةُ في صَفرٍ، وهما يذكران التمتع بالعمرةِ، فقال الضَّحاك: لا يصنع ذلك إلا من جَهِل، فقال سعد: بئسَ ما قلتَ، قال الضَّحاك: فإن عمرَ بن الخطاب يَنهى عنها، فقال سعد: قد صنعها رسول الله ﷺ وصنعناها معه (٤). ولمسلم: فَعَلناها، وهذا كافرٌ بالعُرُش، يعني معاويَة (٥). و"العُرُش": بيوت مكة، سميت بذلك لأنها عيدان تُنصب وتظلل. وقال أنس: كان على ناقة رسول الله ﷺ رَحْل رث لا يساوي أربعة دراهم (٦). وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: حدَثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن محمد بن سِيرينَ، عن أبي بكرةَ قال: خطَبَ رسولُ الله ﷺ في حجته، فقال: "ألا إنَّ الزَّمانَ قدِ اسْتَدارَ كهَيئتِه يومَ خَلَقَ اللهُ السمواتِ والأرضَ، السنةُ اثنا عَشَر شهرًا، منها أربعةٌ

стр. 1800

حُرُم، ثلاثةٌ مُتوالياتٍ: ذُو القَعْدة، وذو الحجَّة، والمُحرَّم، ورجبُ مُضَر الذي بين جُمادى وشَعبانَ" ثم قال: "ألَا أيُّ يومٍ هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: "أَليسَ يومَ عَرَفَةَ؟ " قلنا: بلى، ثم قال: "أيُّ شَهرٍ هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه فقال: "أَلَيسَ ذا الحجَّة؟ " قلنا: بلى، ثم قال: "أيُّ بَلَدٍ هذا؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: "أَلَيس البلدَ الحرامَ؟ " قلنا: بلى، قال: "فإنَّ دِماءَكُم وأَموالَكُم - قال: وأحسبه قال: وأَعراضَكُم - عليكُم حرامٌ، كَحُرمةِ يومِكُم هذا في بَلدِكُم هذا في شَهرِكُم هذا، وسَتَلقَون ربَّكم ﵎ فيَسألُكُم عن أعمالِكُم، أَلَا لا تَرجعُونَ بعدي كُفَّارًا، أو ضُلَّالًا، يضربُ بعضُكُم رِقابَ بعضٍ، أَلَا هلْ بلَّغتُ، أَلَا لِيُبَلِّغ الشَّاهدُ الغائب منكُم، فلعلَّ مَن يبلَّغُه يكونُ أَوعى له من بعضِ مَن سَمِعَه". أخرجاه في "الصحيحين" (١). ذكر الصيام بعرفة: قال عطاء الخراساني: إن عبد الرحمن بن أبي بكرٍ دخلَ على عائشة يوم عرفةَ وهي صائمةٌ والماء يرشُّ عليها، فقال لها عبد الرحمن: أَفطِري، فقالت: أُفطِر وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ صومَ يومِ عَرَفَةَ يُكفِّر العامَ الذي قَبلَهُ"؟ أخرجه الإمام أحمد رحمة الله عليه (٢). ولمسلم: عن أبي قتادةَ أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله، أرأيتَ صيامَ يومِ عرفةَ؟ فقال رسول الله ﷺ : "أَحتَسِبُ على اللهِ أَن يُكفِّرَ السنَةَ الباقيَةَ والماضيةَ" (٣). وقد اختلف العلماء في صوم يوم عرفة للحاج. فكرهه قوم لمعنَيَيْن: أحدهما: لأن الحجَّاج ضيوف الله تعالى، ولا يحسنُ صوم الضيف عند المُضيف، والثاني: ليتقوَّى الحاج على الدعاء.

стр. 1801

وقال ابن عمر: حججت مع رسول الله ﷺ فلم يَصُم يومَ عرفةَ، وحججتُ مع عُمرَ فلم يَصُمه (١). وقالت أم الفضل زوجة العباس: شكَّ الناس في صيامِ رسولِ الله ﷺ يوم عرفةَ، فبعثتُ إليه بلبَنٍ فَشربَه وهو يخطُبُ الناسَ (٢). قال ابن عباس: إنما فعل رسول الله ﷺ ذلك لئلا يظنه الناس فرضًا، أما من كان قويًا على الدعاء فهو في صومه بالخيار. وقالت عائشة رضوان الله عليها: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما مِن يَومٍ أكثرُ مِن أَن يَعتِقَ اللهُ فيهِ عبيدًا مِنَ النَّارِ مِن يَومِ عَرَفةَ، فإنَّه لَيَدنُو، ثم يُباهي بهمُ الملائِكَة، يقول: ماذا أَرادَ هؤلاءِ؟ " (٣). انفرد بإخراجه مسلم. وقال الواقدي: وقف مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع عشرون ومئة ألف، قيل له: فمن أين كان هؤلاء؟ قال: من المدينة ومكة وما بينهما وحولهما من الأعراب، والمشهور: أنه وقف يوم الجمعة. قال طارق بن شهاب: قال رجل من اليهود لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، إنكم لتقرؤون آية في كتابكم لو أنزلت علينا معاشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال عمر: أي آية هي؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] قال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، نزلت في يوم عرفة يوم الجمعة. انفرد بإخراجه البخاري (٤). ذكر دخوله ﷺ البيت في حجة الوداع: قالت عائشة رضوان الله عليها: دخل رسول الله ﷺ البيت، ثم خرج وعليه كآبة، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ فقال: "فعلتُ اليومَ أَمرًا وَدِدتُ أنَّي لم أكن فَعلتُه، دخلتُ البيتَ، ولعلَّ الرجلَ مِن أمَّتي لا يقدرُ أن يدخلَه فينصرفُ وفي نفسِه منه شيءٌ، إنَّما

стр. 1802

أُمرنا بالطوافِ حولَه، ولم نُؤمَر بالدخولِ" (١). وروى عروة، عن عائشة رضوان الله عليها: أنَّها كانت تحملُ ماءَ زمزمَ، وتُخبر أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يحملُه (٢). واتفقَت الروايات: أن رسول الله ﷺ نحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، وأتمها علي رضوان الله عليه مئة. وقال الواقدي: أقام رسول الله ﷺ تسع سنين يُضحِّي كلَّ عامٍ ولا يحلقُ ولا يُقصِّر، حتى أجمع الخروج في سنة عشر إلى الحج، فخرج، وكان خروجه من المدينة يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة، فصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين، وأحرم من يومه ذلك في ثوبين صُحاريَّين، وأبدلهما عند التنعيم بمثلهما من جنسهما، وحج معه نساؤه في الهوادج، ثم أصبح يُقَلِّد هَدْيَه، وأشْعَر بُدْنَه. وأمر ناجية بن جُندب الذي استعمله على الهدي أن يشعر الباقي، فكان مئة، وقال ناجية: يا رسول الله، ما عطب منها كيف أصنع به؟ قال: "تَنحَرهُ، وتُلقي قَلائدَه في دَمِه، وتضربُ به صَفحتَه اليُمنى، ثم لا تَأكُل منه لا أَنتَ ولا رِفقَتُك شيئًا"، وكان رسول الله ﷺ يأمر المشاة أن يركبوا بدنه. قال: وقالت عائشة: وأصبح رسول الله ﷺ يوم الأحد بمَلَل، ثم راح فتعشى بسرف، وأصبح بعِرْق الظبية بين الرَّوحاء والسيَّالة دون الروحاء في المسجد الذي عن يمين الطريق، ونزل الروحاء، ثم راح فصلى الظهر (٣) بالمنصرف، ثم صلى المغرب والعشاء، وصلى الصبح بالأثاية، وأصبح يوم الثلاثاء بالعرج، ونزل السقيا يوم الأربعاء، ثم أصبح يوم الأربعاء فأهدى له الصعب بن جثامة حمار وحش أو عَجُزَ حمار، فرده، وقال: "إنَّا حُرُم" وصلى رسول الله ﷺ في المسجد الذي ببطن وادي الأبواء، على يسارك وأنت متوجه إلى مكة، ثم راح من الأبواء فصلى بتَلَعات اليمن، ثم صلى في المسجد الذي يهبط من ثنية أراك (٤) على الجحفة يوم الجمعة، ثم راح

стр. 1803

منها، فصلى في المسجد الذي يحرم منه خارج الجحفة وهو دون خمٍّ عن يسار الطريق، فكان يوم السبت بقُدَيد، فصلى في المسجد المُشَلَّلِ، وصلى في المسجد الذي دون لَفَت وكان يوم الأحد بعُسْفان، ونزل يوم الاثنين بمرِّ الظهران، وغربت الشمس عليه بسَرِف، فلم يصل المغرب حتى دخل مكة، وقيل: دخل مكة نهارًا من كُدى على راحلته من أعلاها، ودخل المسجد من باب شيبة. وقال العباس: كسا رسول الله ﷺ البيت في حجته الحِبَرات، وقال: قدم رسول الله ﷺ مكة يوم الثلاثاء فأقام الثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، وهو يوم التروية، وهذا يدل على أنه ﷺ وقف بعرفة يوم السبت، قال: وكانت قريش تدفع في الجاهلية من عرفة والشمس على رؤوس الجبال كهيئة العمائم، فخالفهم رسول الله ﷺ ودفع حين غربت الشمس (١). قال الواقدي: حدثني [الثوري، عن] أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد الله الكلابي قال: رأيت رسول الله ﷺ في جمرة العقبة يوم النحر على ناقة صهباء لا ضَرْبَ، ولا طَرْدَ، ولا إليكَ إِليكَ (٢). قال: ثم حلق رسول الله ﷺ رأسه، وقسمه بين أصحابه، فأعطى ناصيته لخالد بن الوليد، وشقه الأيمن أبا طلحة، وجلس للناس، فما سئل يومئذٍ عن شيء قدِّم أو أخِّرَ إلا قال: "افعله ولا حرج" (٣). وأخرج الإمام أحمد رحمة الله عليه عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسولَ الله، أين تَنزلُ غَدًا؟ في حجتهِ، فقال: "وهَل تَركَ لنا عقيلٌ منزلاً"، ثم قال: نحنُ نازلونَ غدًا إن شاء اللهُ بخِيفِ بَني كِنانَة، حيثُ حالَفَت قريشٌ على بني هاشِمٍ أن لا يُناكِحُوهم، ولا يُبايِعُوهم، ولا يُؤوهم"، ثم قال عند ذلك: "لا يَرثُ الكافرُ المسلمَ، ولا المسلمُ الكافِرَ". أخرجاه في "الصحيحين" (٤).

стр. 1804

وأخرج الإمام أحمد رحمة الله عليه عن عائشة رضوان الله عليها قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نَبني لك بمنًى بيتًا أو بناءً يُظلُّك من الشمسِ؟ فقال: "لا، إنَّما هو مَناخٌ لمَن سَبق إليه" (١). وفيها: بعث رسول الله ﷺ معاذًا إلى اليمن، [وكان قد بعثه قبل ذلك وعاد، فلما فصل رسول الله ﷺ عن حجة الوداع بعثه إليها] فتوفي رسول الله ﷺ ومعاذ باليمن. وعن ابن عباس قال: لما بعث رسول الله ﷺ معاذًا إلى اليمن قال له: "إنَّك تَأتي قومًا أهلَ كتابٍ، فَادْعُهم إلى شَهادةِ أَن لا إلَه إلَّا الله، وأَنِّي رسول الله، فإنْ هُم أَطاعُوكَ لذلِكَ، فَأَعلِمْهم أَنَّ الله قد افْتَرضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في كلِّ يومٍ وليلةٍ، وصدقةً في أموالهم تُؤخذ من أَغنيائهم وتُردُّ في فُقرائهم، وإيَّاك وكَرائمَ أَموالِهم، واتقِ دَعوةَ المظلومِ فإنَّها ليسَ بينها وبينَ الله حجابٌ". أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وأخرج الإمام أحمد رحمة الله عليه، عن معاذ: أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن خرج معه يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحتَ راحلتِه، فلما فرغ قال: "يا معاذُ، إنَّكَ عَسَى أن لا تَلْقاني بعدَ عامي هذا، ولَعلَّك تمرُّ بمسجدِي وقَبْري" فبكى معاذٌ خَشَعًا لفراقِ رسول الله ﷺ ثم الْتَفت، فأقبلَ بوجهه نحو المدينةِ، وقال: "إنَّ أَوْلَى الناسِ بي المتَّقون مَن كانوا وحيثُ كانوا" (٣). وأخرج الإمام أحمد رحمة الله عليه عنه أنه كان يقول: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قال: "لعلَّك تمرُّ بقَبري ومسجدِي، قد بَعثتُكَ إلى قومٍ رَقيقةٍ قُلوبُهم، يُقاتِلونَ على الحقَّ مرتين، فقاتِل بِمَن أَطاعَكَ منهم مَن عَصاك، ثم يَفيئون إلى الإسلامِ حتى تُبادرَ المرأةُ زوجَها، والولدُ والدَه، والأخُ أَخاهُ، وانزِل بين الحيين السَّكون والسَّكاسِكِ" (٤). وفيها: بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى جَيْفَر وعبد ابني الجُلَنْدَى مَلِكَي

стр. 1805

عُمان بعد رجوعه من حجة الوداع يدعوهما إلى الإسلام، قال عمرو: فلما قدمت البحرين بدأت بعبد، وكان أرقَّهما وأسهلهما خلقًا، وكان الكتاب مختومًا، فقال عبد: إن أخي أكبر سنًا مني، وهو الملك، ولكن أوصلك إليه، فأوصلني إلى جَيْفَر، فناولته الكتاب، فقرأه، ودفعه إلى أخيه عبد، وقال: أنا أضعف العرب إن ملَّكتُ ما في يَدي غيري، فقلت: أنا راجع غدًا، فلما كان من الغد دعاني، فأسلما، وخلَّيا بيني وبين الصدقة، فأخذتها من أغنيائهم، فدفعتها إلى فقرائهم. قال ابن الكلبي: وهو آخر بعث بعثه رسول الله ﷺ . وفيها توفي إبراهيم ﵇ ابن رسول الله ﷺ - وأمه مارية القبطية، يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الأول، وقيل: سلخه، وولد ﵇ في ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة، فكان عمره ستة عشر شهرًا [وبعضهم يقول: عاش شهرين وعشرة أيام، وهو وهم]، وغسّله الفضل بن العباس، وقيل: أم درة. [وقال أحمد بإسناده، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "وُلد لي الليلةَ غلامٌ فسميتُه إبراهيمَ … " وقد ذكرنا أول الحديث في مولدِ إبراهيم في سنة ثمان، وإنه دفعه إلى أم سيف امرأة قين يقال له: أبو سيف … وذكر الحديث، وقال في آخره: فلقد رأيته بين يدي رسول الله ﷺ وهو يكيد بنفسه، فدمعت عينا رسول الله ﷺ وقال: "تَدمعُ العينُ، ويَحزنُ القلبُ، ولا نقولُ إلَّا ما يَرْضَى ربُّنا، والله إنَّا بكَ يا إبراهيمُ لَمحْزُونُونَ" أخرجه مسلم بلفظه، والبخاري بمعناه مختصرًا، وفيه: إن عبد الرحمن بن عوف قال حين بكى: وأنت يا رسول الله؟ فقال: "يا ابنَ عوفٍ؛ إنَّها رَحمةٌ" (١)]. وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: حدَّثنا إسماعيل، حدَّثنا أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن أنسٍ قال: ما رأيت أحدًا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ ، كان إبراهيم مُسترضعًا في عَوالي المدينة، فكان ينطلقُ ونحن معه، فيدخلُ البيتَ، وإنه ليُدَّخَن، وكان ظِئره قينًا فيأخذُه فيقبله، ثم يرجع. قال عمرو: فلما توفي إبراهيم، قال رسول الله

стр. 1806

ﷺ : "إنَّ إبراهيمَ ابني، وإنَّه ماتَ في الثَّدي، وإنَّ له ظِئرَيْن يُكْمِلان رَضاعهُ في الجنَّةِ" (١). ["القين": الحداد، و"الظئر": المرضع، وكانت امرأته ترضع إبراهيم فأضيف إليها]. وقد أخرجه ابن سعد بمعناه، وفيه: فقال له ابن عوف: هذا الذي تنهى الناسَ عنه؟ متى يراكَ الناسُ تبكي بكوا، فقال: "مَن لا يَرحَم لا يُرحَم، إنَّما أَنهى الناسَ عن النِّياحةِ، ولولا أنَّه وَعْدٌ جامِعٌ، وسبيلٌ مَيْثاء، وأنَّ آخرَنا لاحقٌ لأَوَّلنا، لوَجَدنا عليه وَجْدًا غيرَ هذا" (٢). [قال الجوهري: "المَيْثاء بفتح: الأرض السهلة (٣)، وفي رواية: "وإنها لسبيل مئتة"]. وقال البلاذري: لما قبض إبراهيم كان مستقبل الجبل، فقال رسول الله ﷺ : "يا جبل لو كان بك مثل ما بي لهدَّك ولكن إنا لله وإنا إليه راجعون" (٤). وللبخاري عن إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: رأيت إبراهيم بن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، مات صغيرًا، ولو قُضي أن يكون بعد محمد ﷺ نبيٌّ لعاشَ ابنه، ولكن لا نبيَّ بعده (٥). وصلى عليه رسول الله ﷺ وكبر أربعًا، وقال: "هو صدَّيق، ادفنُوه عندَ سَلَفِنا الصالحِ عُثمان بن مظعونٍ" وجلس على شفير قبره ومعه عمه العباس، ونزل أسامة بن زيد في قبره، ورش عليه رسول الله ﷺ قربة من ماء، ووضع عند قبره حجرين، وقبره إلى جانب الطريق قريب من دار عقيل (٦). وقال ابن سعد: صرخ أسامة بن زيد فنهاه رسول الله ﷺ فقال: رأيتك تبكي، فقال: "البُكاءُ من الرحمةِ، والصُّراخُ من الشَّيطانِ" (٧).

стр. 1807

ورأى في قبره بين اللبن فرجة، فقال: "أَمَا إنَّ هذا شيءٌ لا يضرُّ ولا يَنفَعُ، ولكِنْ إذا عَمِلَ الرجلُ عَمَلًا يَنبغي أن يُتقنَهُ" (١). وفي حديث أنس: فلقد رأيته بين يدي رسول الله ﷺ وهو يجود بنفسه، فدمعت عينا رسول الله ﷺ وقال: "تَدمعُ العينُ، ويَحزنُ القلبُ، ولا نَقُولُ إلا ما يُرضي الربَّ، واللهِ إنَّا بكَ يا إبراهيمُ لَمحْزُونُونَ" (٢). [وقال علماء السير]: وفي يوم وفاة إبراهيم ﵇ انكسفت الشمس، [وقد روى حديث الكسوف جماعة من الصحابة: ابن عباس، وأبو موسى، وعبد الله بن عمر، وابن العاص، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبو بكرة، وعائشة، وفي بعضها: كسفت وخسفت الشمس، وفي بعضها انكسفت، قال: حدثنا أحمد بإسناده عن ابن عباس قال: خسفت الشمس … وذكره، ولم يذكر فيه موت إبراهيم، وذكره في حديث] أبي بكرة فقال: مات لرسول الله ﷺ ابن يقال له: إبراهيم، فقال الناس في ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّهما آيتانِ من آياتِ الله، وإنَّهما لا ينكسفانِ لموتِ أَحَدٍ، فإذا رأَيتم ذلكَ فَصلُّوا وادعُوا حتى يُكشَفَ ما بكُم". انفرد بإخراجه البخاري (٣). وأخرجه أحمد أيضًا بإسناده عن أبي بكرة قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام يجر ثوبه مستعجلًا حتى أتى المسجد، وثاب الناس، فصلى ركعتين فجُلِّي عنها، ثم أقبل علينا فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله" وذكره (٤). وكان عروة بن الزبير يقول: لا تقل كسفت ولكن قل: خسفت (٥). وقال ثعلب: كسفت الشمس وخسف القمر، هذا أجود الكلام. باذان والي اليمن من قبل كسرى، وكان قد أسلم، وتوفي في ذي الحجة بعد رجوع رسول الله ﷺ من حجة الوداع، ففرق رسول الله ﷺ اليمن بين جماعة، وهم: شهر بن

стр. 1808

باذان، وعامر بن شمر الهمداني، وأبي موسى الأشعري، وخالد بن سعيد بن العاص، وبعث زياد بن لبيد على حضرموت، وعكاشة بن ثور على السكون والسكاسك (١). أبو عامر الفاسق واسمه عمرو بن صيفي، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة، ودعى عليه رسول الله ﷺ فقال: "أماتَ اللهُ الكاذِبَ منَّا طريدًا" فاستجاب الله لرسوله ﷺ فيه، فمات عند هرقل بالشام. سعد بن خولة (٢) أبو سعيد، من الطبقة الأولى من المهاجرين، وهو من اليمن، وقيل: هو مولى أبي رُهْم، وقيل: مولى حاطب بن أبي بلتعة، وهو الذي مات بمكة بعد الهجرة، وقال رسول الله ﷺ في حقه: "ولكن البائس سعد بن خولة" يرثي له أن مات بمكة بعد ما هاجر، هاجر سعد إلى الحبشة المرة الثانية، وشهد بدرًا وهو ابن خمس وعشرين سنة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ . وقيل: إنما شهد الحديبية، ثم رجع إلى مكة لأجل مال كان له بها فأدركه الموت، وله صحبة ورواية، وهو زوج سبيعة بنت الحارث. قال مسلم: حدثنا أبو الطاهر، أنبأنا وَهْب، حدثني يونُس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني عُبيد الله بن عبد الله بن عتبةَ، أنَّ أباه كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري يأمره أن يدخل على سُبيعةَ بنتِ الحارث الأسلميةِ يسألُها عن حديثها وعن ما قال لها رسول الله ﷺ حين استفتته، فكتب إليه عمر بن عبد الله يخبرُه أن سُبيعةَ أخبرته أنَّها كانت تحت سعد بن خولة، وكان ممن شهد بدرًا، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعالت من نفاسها أو تعلت، تجملت للخُطَّاب، فدخل عليها أبو السَّنابل بن بَعْكَك، فقال لها: مالي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح؟ إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرًا، قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت ثيابي علي حين أمسيت، وأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني أني قد حللت للأزواج حين وضعت حملي، وأمرني بالتزوج إن بدا لي. انفرد بإخراجه مسلم، وأخرجه البخاري مختصرًا (٣).

стр. 1809

السنة الحادية عشرة وفيها: جهز رسول الله ﷺ أسامة بن زيد إلى الشام (١). ولم يزل رسول الله ﷺ يذكر مقتل زيد بن حارثة وجعفر وأصحابه، وكان قد وجد عليهم وجدًا شديدًا، فلما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم، فلما كان من الغد يوم الثلاثاء دعا أسامة بن زيد، فقال له: "يا أُسامةُ، سِرْ على اسمِ اللهِ وبركَتِه حتى تَنتهي إلى مَقتلِ أبيكَ، فأَوطئهم الخيلَ، فقد ولَّيتُك هذا الجيشَ، فاغزُ صباحًا على أهل أُبْنَى وحرَّق، وأَسرع السَّير تسبق الخيرَ، وخُذ معكَ الأدلَّاء، وقدِّم الطلائعَ أمامَكَ والعيونَ"، فلما كان يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، بُدئ برسول الله ﷺ المرضُ، فصُدع، وحُمَّ، فلما أصبح يوم الخميس دعى أسامَة، فعقد له لواءً بيده، ثم قال: "يا أسامةُ، اغزُ بسمِ الله في سبيلِ الله، قاتلوا مَن كفَرَ باللهِ، ولا تَغدِروا، ولا تميلوا، ولا تَقتُلوا وَلِيدًا ولا امرأةً، ولا تتمنَّوا لقاءَ العدوِّ، فإنكم لا تدرونَ لعلكم تُبتلون بهم، ولكنْ قولوا: اللهمَّ اكففْ بأسهم عنَّا، فإن لَقُوكم وأَجْلَبوا فعليكم بالسَّكينةِ والوَقارِ والصَّمتِ، ولا تَنازَعوا فتَفشَلوا وتذهَبَ ريحُكُم، واعلموا أنَّ الجنَّة تحت البارقةِ" فخرج، فعسكر بالجُرْف، وكانوا ثلاثة آلاف من أعيان المهاجرين والأنصار فيهم: أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد ﵃، وقتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم وغيرهم. فقال رجال من المهاجرين منهم عياش بن أبي ربيعة: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين، وكثرت المقالةُ في ذلك، فجاء عمر رضوان الله عليه فأخبر رسول الله ﷺ فغضب غضبًا شديدًا، وخرج وقد عصَب رأسَه بعصابة، وعليه قَطِيفةٌ، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أمَّا بعد، فما مَقالةٌ بَلَغتني عنكم، أو عن بعضِكُم في تَأْمِيري أُسامةَ؟ واللهِ لئن طعنتُم في إمارتِه لقد طَعَنتُم في إمارَةِ أبيهِ من

стр. 1810

قَبلِه، وايمُ الله لقد كانَ خَليقًا بالإمارَةِ، وإنَّ ابنَه بعدَه لَخليقٌ بها، وإن كانَ أَبوه لَمِن أحبَّ الناسِ إليَّ، وإنَّ هذا كذلكَ، فاستَوصُوا به خَيرًا فإنَّه من خِيارِكُم". ثم نزل رسول الله ﷺ فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خَلَون من ربيع الأول، فقام الناس إلى أسامةَ، وخرجوا معه إلى الجُرْف (١). قال هشام: إنما طعنوا فيه لأنه ابن مَولى، وكان صغير السنَّ، وقيل: إنما قال ذلك المنافقون. والله أعلم. * * *

стр. 1811

ذكر أبواب مرض رسول الله ﷺ - الباب الأول في بداية المرض [وما اعتراه من الألم، اتفقوا على أن ابتداءه المرض لليلتين خلتا من صفر كما حكينا عن الواقدي وغيره، وحكى الطبري أنه ابتدأ به في المحرم (١). وهو وهم. ذكر استغفاره ﷺ لأهل البقيع: قال هشام بن محمد، عن أبيه: وقيل قبل وفاته بليال استغفر لأهل البقيع. فقال ابن سعد: حدثنا الواقدي بإسناده عن] أبي مُوَيهبة قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إنِّي قد أُمرتُ أن أَستغفرَ لأهلِ البَقيعِ، فانْطَلِق معي" فانطلقنا ليلًا، فاستَغفَر لأهلِه، فقال: "السَّلام عليكم يا أَهلَ المقابِرِ، لِيَهْنِكُم ما أنتُم فيه مِمَّا النَّاس فيه، جاءَت الفِتَنُ كقِطَع اللَّيل المُظلمِ يَركَبُ بعضُها بعضًا، الآخرة شَرٌّ مِن الأُولى" ثم قال: "يا أَبا مُويهبة، إنَّ اللهَ خيَّرني بينَ لِقائهِ والجنَّة، وبين مَفاتيحِ كنوزِ الدنيا والخُلدِ فيها والجنَّة، فاخترتُ لقاءَه في الجنَّةِ" قال أبو مُوَيهبة: فقلت: بأبي أنت وأمي، فخذ مَفاتيح خزائن الدنيا والخُلد فيها ثم الجنة، فقال: "لقد اختَرتُ لقاءَ ربِّي" ثم انصرف، فلما أصبح ابتدأ بوجَعه الذي قَبَضه الله فيه (٢)، [فمكث سبعًا أو ثمانيًا. وقال ابن إسحاق: وكان أول ما ابتدأ به مرضه أنه خرج إلى بقيع الغرقد من جوف الليل، فاستغفر لأهله، فلما أصبح ابتدأ به الوجع من يومه ذلك (٣). وقال ابن إسحاق بإسناده عن] عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وهو يُصدَع، وأنا أَشتكي رأسي، فقلت: وَارَأساهُ، فقال: "بَل أَنا يا عائشةُ وارَأسَاهُ"، ثم قال: "وما عليك لو متَّ قَبلي تَولَّيتُ أمركِ، وصلَّيتُ عليكِ، ووَاريتُكِ" فقلت: والله إني لأحسبُ لو كان ذلك لقد خلوت ببعضِ نسائك في بَيتي في آخر النَّهارِ فأَعْرَست

стр. 1812

بها، فضحكَ رسول الله ﷺ ، ثم تَمادى به وجعه (١). [قلت: وقد احتج الشافعي وأحمد بهذا الحديث على أنه يحل للرجل أن يغسل زوجته]. وقال يحيى بن سعيد: سمعت القاسم بن محمد يقول: قالت عائشة: وَارَأسَاهُ، فقال رسول الله ﷺ : "لو كانَ وأَنا حيٌّ فأَستَغفِرَ لك، وأَدعوَ لكِ" فقالت عائشة: واثكلاه، والله إنَّي لأظنك تحب موتي، ولو كانَ ذلك لظِلْتَ آخر يومكَ معرَّسًا ببعضِ أَزواجك، فقال رسول الله ﷺ : "بَل أَنا وَارَأسَاهُ، لقد هَمَمت، أو أردتُ، أن أُرسِلَ إلى أبي بكر وابنهِ، وأَعهَدَ أن يقول القائِلُونَ، أو يتمنَّى المتمنّون، ثم قلتُ: يأَبى اللهُ ويَدفَعُ المؤمنونَ، أو يدفعُ اللهُ ويأَبَى المؤمنونَ" انفرد بإخراجه البخاري (٢). وأخرجه أحمد رحمة الله عليه عنها، وفي آخره: "ادعُوا إلي أَباكِ وأَخاك حتى أكتُبَ كِتابًا، فإنِّي أخافُ أن يقولَ قائلٌ أو يَتمنَّى مُتمنِّ، ويأبى اللهُ والمؤمنونَ إلَّا أَبا بكرٍ" (٣). وأخرجه أيضًا أحمد رحمة الله عليه وفيه: إن النبي ﷺ لما ثقل قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: "ائتِني بكَتِفٍ أو لَوحٍ حتى أَكتُبَ لأبي بكرٍ كتابًا لا يُختَلَفُ عليه" فلما ذهبَ عبد الرحمن ليقومَ قال رسول الله ﷺ : "أَبى الله والمؤمنونَ أن يُختَلَف عليك يا أبا بكرٍ" (٤). وقال هشام: صدع رسول الله ﷺ في بيت عائشة، ثم اشتد به المرض في بيت ميمونة، فاستأذنَ نساءه أن يمرّض في بيت عائشة فأذنَّ له. وفي هذا المرض دخلت عليه فاطمة ﵍. [قال أحمد بإسناده عن مسروق، عن] عائشة ﵂ قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن

стр. 1813

مشيتها مشية رسول الله ﷺ فقال: "مَرحبًا بابنَتي" ثم أجلسها عن يمينه، أو عن يساره، ثم إنه أسر إليها حديثًا، فبَكَت، ثم أسرَّ لها حديثًا، فضحكَت، فقلت لها: ما رأيت كاليوم فرحًا أقربَ من حزن، ما الذي أسرَّ إليك؟ فقالت: ما كنت لأُفشي سرَّ رسول الله ﷺ ، حتى إذا قُبض سألتها، فقالت: إنَّه أسرَّ إليَّ: "أنَّ جبريل كان يُعارضُني بالقرآنِ في كلِّ عامٍ مرَّةً، وإنَّه عارضَني العامَ مرَّتينِ، ولا أَراه إلا قد حَضَر أَجلي، وإنَّك أَول من يَلحقُني من أهل بيتي، ونعم السَّلف أنا لكِ" فبكيتُ لذلكِ، ثم قال: "ألا تَرضي أن تكوني سَيدة نساءِ هذه الأُمة [أو سيدة نساء المؤمنين] "، فضحكت لذلك. [أخرجاه في "الصحيحين"، وليس لفاطمة في الصحيح غيره (١). وقال هشام ابن الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح عن] ابن عباس: دخلت فاطمة على رسول الله ﷺ في مرضه، فجعلت تبكي، وتقول: بأبي أنت وأمي، وأنت والله كما قال القائل: وأبيضُ يُستسقى الغمامُ بوجهه فأفاق، وقال: "هذا قولُ عمَّك أبي طالبٍ" ثم قرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٤]، ثم قال: "وَاكَرباهُ" فقالت: واكربَ أبَتاه، فقال لها: "لا كَربَ على أبيكِ بعدَ اليومِ". ذكر صلاة أبي بكر ﵁ بالناس وما يتعلق بمرض رسول الله ﷺ -: [قد روت عائشة في هذا الباب حديثًا طويلًا جامعًا كثير الروايات، قال أحمد: حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، بإسناده، عن] عبيد الله بن عبد الله قال: دخلتُ على عائشة، فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ ؟ فقالت: بلى، ثقل رسول الله ﷺ فقال: "صَلَّى الناسُ؟ " فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: "ضَعُوا لي ماءً في المِخْضَب" ففعلنا، فاغتسل، وذهب ليَنُوءَ، فأُغمي عليه، ثم أفاق، فقال: "أَصَلَّى الناسُ؟ " قلنا: هم ينتظرونك، فقال: "ضَعُوا لي ماءً في المِخْضَب"، فوضعناه له، فاغتسل، ثم ذهب ليتوضأ فأُغمي عليه، فعل ذلك ثلاثًا، وفي كلِّ مرة يغمى عليه،

стр. 1814

والناس عُكُوف في المسجد ينتظرونه لصلاة العشاء، فأرسل رسول الله إلى أبي بكر أن يصلِّي بالناس، وكان أبو بكر رجلًا رقيقًا، فقال: يا عمرُ، صلَّ بالناس، فقال له عمر: أنتَ أحقُّ بذلك، فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إنَّ رسول الله ﷺ وجدَ خفَّةً، فخرج بين رجلين أحدهما العباسُ لصلاة الظهر، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخَّر، فأومأ إليه أَن لا يتأخَّر، وأمرهما فأجلساه إلى جنبِه، فجعل أبو بكر يصلَّي قائمًا، ورسول الله ﷺ يصلَّي قاعدًا، قال: فدخلت على ابن عباس، فقلت: أَلَا أعرضُ عليك ما حدثتني به عائشة عن مرض رسول الله ﷺ ؟ قال. هات، فحدثته، فما أنكَرَ منه شيئًا، غير أنه [قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ قلت: لا] قال: هو عليٌّ (١). [طريق آخر: قال أحمد بإسناده، عن الأسود، عن عائشة قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يُؤْذنه بالصلاة، فقال: "مُرُوا أَبا بكرٍ فَلْيُصلَّ بالناسِ" قالت: فقلت: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقوم مقامك لا يُسمعُ الناس، فلو أمرت عمر، فقال: "مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصلِّ بالناسِ" قالت: فقلت لحفصة: قولي له مثل ما قلتُ له، فقال: "إنَّكنَّ لأنتنَّ صَوَاحبُ يوسف، مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصلِّ بالناس" قالت: فأمروا أبا بكر فصلى بالناس، فلما دخل في الصلاة، وجد رسول الله من نفسه خِفَّةً، فقام يهادَى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسَّه ذهب ليتأخر، فأومأ إليه رسول الله ﷺ أن قم كما أنت، وجاء رسول الله فجلس عن يسار أبي بكر، وكان رسول الله يصلي قاعدًا وأبو بكر قائمًا يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ والناس يقتدون بصلاة أبي بكر (٢). والأسيف: السريع الحزن والبكاء]. وقال عبد الله بن زمعة: دخلتُ على رسول الله ﷺ أعودُه، فقال: "يا عبدَ اللهِ، مُرِ النَّاسَ بالصلاةِ" فخرجتُ فرأيتُ رجالًا، لم أُكلمهم حتى رأيتُ عمرَ، فقلت: صل بالناس، فلما كبر سمع رسول الله ﷺ تكبيره، فأخرج رأسه من حجرته، وقال: "لا لا

стр. 1815

لا" قالها ثلاثًا وهو مغضب، ثم قال: "ليُصَلَّ بالناسِ ابن أَبي قُحافةَ" فانصرف عمر، وقال: يا ابنَ أخي، أمرك رسول الله ﷺ أن تَأمُرني؟ قلت: لا، ولكنه قال لي: "يا عبدَ اللهِ، مرِ النَّاسَ بالصلاةِ" فلما رأيتك لم أبغ مَن وراءك، فقال: ما ظننتُ إلَّا أن رسول الله ﷺ أمرك أن تأمرني، ولولا ذلك ما صليتُ (١). وعن أنس: أنَّ أبا بكر ﵁ كان يصلِّي بالناس في وجعِ رسول اللهِ ﷺ الذي توفِّي فيه، فلما كان يوم الاثنينِ وهم صُفوفٌ في الصلاة كَشَف رسولُ اللهِ ﷺ سِتْرَ الحُجرةِ ينظرُ إلينا وهو قائمٌ كأَنَّ وجهَهُ ورقةُ مصحفٍ، ثم تَبسَّم يضحكُ، فهممنا أن نفتتنَ من الفَرَح برؤيتهِ، فنكصَ أبو بكرٍ على عقبَيْه ليَصِلَ الصفَّ ظنًّا منه أنَّ رسول الله ﷺ خارجٌ إلى الصلاة، فأشارَ رسول الله ﷺ أن أتمُّوا صلاتكم، وأرخى الستر، وتوفِّي من يومهِ. أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وفي "الصحيحين": أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أَهرِيقُوا عليَّ سبعَ قُرَبٍ لم تُحْلَل أَوكِيَتهنَّ لعلَّي أعْهَدُ إلى الناسِ" قالت عائشة ﵂: فأجلسناه في مخضب، وطفقنا نصبُّ عليه من تلك القُرب حتى طَفِقَ يشيرُ إلينا بيدهِ: أن قَد فعلتنَّ، ثم خرج إلى الناس، فخطبَ (٣). وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يعوِّذ بهذه الكلمات: "أَذهِب الباسَ ربَّ الناسِ، اشْفِ فأنتَ الشَّافي شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَمًا" قالت: فلما ثَقُل رسول الله ﷺ في مرضهِ أخذتُ بيده، فجعلتُ أمسحهُ بها، وأقولها، فنَزَع يدَه مني، ثم قال: "ربِّ اغْفِرْ لي، وألحِقْني بالرَّفيقِ الأَعلَى" فكان هذا آخر ما سمعت من كلامه (٤). [وفي لفظ: كان رسول الله إذا اشتكى يقرأ على نَفْسِه بالمعوِّذات وينفث] (٥). وقال [البخاري: بإسناده عن] عروة عن عائشة: إنَّ النبي ﷺ كان يسأل في مرضهِ

стр. 1816

الذي مات فيه: "أَينَ أنا غَدًا، أَينَ أنا غَدًا؟ " يريدُ يوم عائشة، فأذنَّ له أزواجُه يكونُ حيثُ شاء، فكان في بيت عائشةَ حتى مات عندها، قالت عائشة: فمات في اليوم الذي كان يدورُ عليَّ فيه في بيتي وإن رأَسه لبينَ سَحري ونَحري، وخالطَ ريقُه رِيقي، قالت: ودخلَ عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواكٌ يستنُّ به، فنظرَ إليه رسول الله، فقلتُ له: أعطني هذا السواكَ يا عبد الرحمن، فأَعطانِيه، فقَضمتُه، ثم مَضَغتُه، فأعطيتُه رسول الله ﷺ ، فاستَنَّ به وهو مستند إلى صدري (١). ["السحر": - بفتح السين - الرئة وما يتعلق بها، وهذه الطرق كلها في "الصحيحين"]. وقالت عائشة رضوان الله عليها: كان رسول الله ﷺ يقول: "لم يُقْبَضْ نبيٌّ قطُّ حتى يَرَى مقعَدَه من الجنَّةِ، ثم يُخيَّر" فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذي غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت، ثم قال: "اللهمَّ الرَّفيقَ الأَعلَى" فقلت: إنَّه كان حديثه الذي كان يحدثنا به (٢). وقالت: ما رأيت الوجع أشد على أحد منه على رسول الله ﷺ (٣). [وقال البخاري: بإسناده، عن عائشة أنها كانت تقول: إن من نعم الله أن رسول الله توفي ببيتي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند الموت]. وقالت: كان بين يديه رِكوَةٌ أو عُلبَةٌ فيها ماءٌ، فجعلَ يُدخلُ يدَه فيها، ويمسَحُ بالماءِ وجهَهُ، ويقول: "لا إِلَه إلَّا اللهُ، إنَّ للموتِ سَكَراتٍ" ثم نصبَ يدَه، فجعل يقول: "في الرَّفيقِ الأَعلَى" حتى قُبضَ ومالَت يدُه (٤). وقالت: ماتَ رسولُ اللهِ ﷺ وإنَّه لبين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعدما رأيت رسول الله ﷺ (٥). وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يُدخِلُ يدَه في قَدَح فيه ماءً ويقول: "اللهمَّ

стр. 1817

أَعِنِّي على سَكَراتِ الموتِ" (١). [وفي المتفق عليه عنها] قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضهِ الذي لم يَقُم منه: "لعنَ اللهُ اليهودَ والنَّصارى، فإنَّهم اتَّخَذوا قُبُورَ أَنبيائهم مساجد". وقالت: ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا فحذَّرهم مثل ما صنعوا (٢). [وهذا الحديث كثير الروايات. واختلفوا: كم صلى أبو بكر بالناس في مرض رسول الله ﷺ ؟ على قولين: أحدهما: تسع عشرة صلاة. ذكره ابن حبيب الهاشمي. والثاني: خمس عشرة صلاة. ذكره الواقدي، وثلاثة أيام لم يصلَّ فيها رسول الله]. وقالت: ما رأيت أحدًا كان أشد عليه الوجع من رسول الله ﷺ (٣). [وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه دخل على رسول الله ﷺ وهو موعوك عليه قطيفة، فوضع يده عليه فوجد حرارتها فوق القطيفة] فقلت له في ذلك، فقال: "نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء، ثم الأمثل فالأمثل، وكما يشدد علينا البلاء يضاعف لنا الأجر" (٤). وقال ابن إسحاق: كان رسول الله ﷺ في مرضه إذا أدير على نسائه يحمل في ثوب يأخذ أطرافه الأربعة مواليه أبو مُوَيهبة، وشُقران، وثوبان، وأبو رافع حتى استقر في بيت عائشة. وفي هذا المرض لدُّوه: فيروى عن عائشة قالت: لدَدْنا رسول الله ﷺ في مرضه، فأشار أن لا تلدُّوني، قلنا: كراهية المريض الدواء، فلما أفاق قال: "أَلَم أَنْهَكُم أَن تَلُدُّوني؟ لا يَبْقَى منكم أحَدٌ إلَّا لُدَّ غير العباس فإنه لم يشهدكم". انفرد بإخراجه البخاري (٥).

стр. 1818

قال [أحمد بإسناده عن] هشام بن عروة: أخبرني أبي أن عائشة قالت له: يا ابن أختي، لقد رأيت من تعظيم رسول الله ﷺ عمه أمرًا عجيبًا، وذلك لأنَّ رسولَ الله ﷺ كانَت تأخذُه الخاصِرة، فيشتدُّ به جدًا، فكنَّا نقول: أخذَ رسولَ الله ﷺ عرقُ الكلية لا نهتدي أن نقول الخاصرة، ثم أخذت رسولَ الله ﷺ يومًا فاشتدَّت به حتى أغمي عليه، وخفنا عليه، وفزع الناس إليه، فظننا أن به ذات الجنب، فلَدَدْناه ثم سُرَّي عنه، وأفاق، فعرف أنه قد لُدَّ، ووجد أثر اللدود، فقال: "ظَنَنْتُم أنَّ اللهَ سَلَّطها عليَّ؟ ما كانَ اللهُ ليفعلَ ذلك، أَمَا والذي نَفسِي بيَدِه، لا يَبْقَى في البيتِ أَحدٌ إلَّا لُدَّ، إلَّا عمَّي العباسُ" فرأيتهم يلدونهم رجلًا رجلًا، وبلغ اللدود أزواج النبي ﷺ فلدت امرأة امرأة، حتى بلغ اللدود امرأة منا [فقال ابن الزناد: لا أعلمها إلا ميمونة، قال: وقال بعض الناس: أم سلمة] قالت: إني والله صائمة، فقلنا: بئس ما ظننت أنا نتركك وقد أقسم رسول الله ﷺ ، فلددناها وإنها لصائمة (١)، [وفي رواية: فقالت أم سلمة: هذا من دواء الحبشة لُدُّوه، فلدَّ بالكُسْتِ والزيت. وفي رواية الواقدي: قال رسول الله ﷺ : "ما كانَ اللهُ ليُسَلِّطَها على رسولهِ، إنَّها هَمزَةٌ من الشيطانِ، ولَكِنَّها من الأَكلَةِ التي أَكَلتُ بخيبرَ" وكانت عنده أم بشر بن البراء ابن معرور، فقال: "هذه مِنَ الأَكلَةِ التي أَكلتُ أَنا وابنُك، ما زالَتْ تُعاوِدني وهذا أَوانُ قطَعَت أَبهَرِي" (٢). و"الأبهر": عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه. وقال الجوهري: "اللَّدود": هو ما يُصَبُّ من الأدوية في أحد شِقَّي الفم (٣). وقال الزجاج: هو مثل السُّعوط يكون من الكست والزيت]. وقال الزهري: الذي لد به رسول الله ﷺ العود الهندي والزيت. وفي هذا المرض صعد رسول الله ﷺ المنبر، وذكر التخيير.

стр. 1819

قال الإمام أحمد رحمة الله عليه: حدَّثنا أبو عوانةَ، عن عبد الملك بن عُمير، عن ابن أبي العلاءِ، عن أبيه أنَّ النبيَّ ﷺ خطَبَ يومًا فقال: "إنَّ رجلًا خيَّره ربه بينَ أن يَعيشَ في الدُّنيا ما شاءَ أن يَعيشَ فيها، ويَأكُلَ منها ما شاءَ أن يَأكُلَ، وبينَ لقاءِ ربِّه، فاختارَ لقاءَ رَبِّه"، قال: فبَكى أبو بكر، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : لا تعجبون من هذا الشيخ يبكي أن ذكر رسول الله ﷺ رجلًا صالحًا خيَّره ربه بين لقائه وبين الدنيا، فاختار لقاء ربه، وكان أبو بكر أعلمهم بما قال رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: بل نفديك يا رسول الله صلى الله عليك بأموالنا وآبائنا، فقال رسول الله ﷺ : "ما مِنَ الناسِ أَحَدٌ أَمنَّ علينا في صُحبتِه وذاتِ يَدهِ مِنِ ابنِ أَبي قُحافَةَ، ولو كُنتُ متَّخذًا خَليلًا اتَّخذتُ ابنَ أبي قُحافَةَ، ولكنْ ودٌّ وإخاءُ إيمانٍ - قالها مرتين - ولكنْ صاحبُكم خليلُ اللهِ تعالى" (١). وفي هذا المرض نبغ مسيلمة والأسود العنسي [حدثنا أبو الطاهر الخزيمي بإسناده] عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ في مرضه عاصبًا رأسه، فصعد المنبر، فحمد الله، وقال: "أيُّها الناسُ، رأيتُ في مَنامي كأنَّ سِوارَيْن مِن ذَهَبٍ في يَدِي، فَكَرِهتُهما، فَنَفختُهما، فطارَا، فأَوَّلتُهما هذين الكذَّابين: صاحبِ اليمامَةِ، وصاحبِ اليمنِ" (٢). وفي هذا المرض اقتصَّ من نفسه ﷺ . [قال ابن سعد بإسناده، عن جعفر بن برقان، حدثني رجل من أهل مكة قال:] دخل الفضل بن العباس على رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه، فقال: "يا فضلُ، اشْدُد رأسي بهذه العِصابةِ"، فشدّه، وأخذ الفضلُ بيده، فدخل المسجد، وصعدَ المنبرَ، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أَيُّها الناسُ، إنَّما أَنا بشَرٌ مثلُكُم، فأَيُّما رجلٍ جَلدتُ له ظَهْرًا فَهذا ظَهرِي، وأَيُّما رجلٍ أَصبتُ من عِرضِه فهذا عِرضي، ومِن بَشَرِه فهذا بَشَري فلْيَقتصَّ منِّي، أو مِن مالِه فَهذا مَالي، واعْلَمُوا أنَ أَوْلَاكُم بي رجلٌ كانَ له مِن ذلك شيءٌ فأخَذَه وحلَّلني، فَلقيتُ ربَّي وأنا محلَّل، ولا يقولُ أَحدُكُم: إنِّي أخاف العَدَاوةَ والشحناءَ من رسولِ اللهِ ﷺ فإنَّهما ليسَا من طَبيعَتِي ولا من خُلُقي" فقام رجل،

стр. 1820

فقال: يا رسول الله، إنَّك أخذتَ منِّي ثلاثةَ دراهمَ، فتصدَّقت بها على مسكينٍ، فقال: "يا فضلُ، أعطهِ إيَّاها" (١). [قال كثير بن هشام: وإنما أراد رسول الله ﷺ تعريف الأمة، أن من فعل ذلك ظلمًا ينبغي له أن يؤدَّب،] وإلَّا فهو منزه عن الظلم. قلت: وقد أخرج جدي ﵀ في "الموضوعات" بإسناده عن وهب بن منبه حديثًا من هذا الجنس، وفيه: فقام عكاشة بن محصن فقال: إنك ضربتني بقضيب وأريد القصاص، وأنَّ رسول الله ﷺ أحضر قضيبًا وأمره أن يقتص منه، وذكر ألفاظًا ركيكة ومعاني سمجة وحديثًا طويلًا. ثم قال جدي في آخره: هذا حديث موضوع محال، كافأ الله مَن وضعه، وقبَّح من شيَّن الشريعة بمثل هذا التخليط البارد والكلام الذي لا يليق بمثل رسول الله ﷺ والصحابة، والمتهم بوضعه عبد المنعم بن إدريس، قال أحمد بن حنبل: كان يكذب على وهب، وقال يحيى: عبد المنعم كذاب خبيث، وقال ابن المديني وأبو داود: ليس بثقة (٢). * * *

стр. 1821

الباب الثاني: في ذكر وصيته ﵊ لأصحابه وأتباعه وأحبابه قال ابن سعد: حدثنا الواقدي، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عون، عن ابن مسعود قال: نعى رسول الله ﷺ إلينا نفسه قبل موته بشهر، جمعنا في بيت أمِّنا عائشة، ونظر إلينا، فدمعت عيناه، وقال: "مَرحَبًا بكُم، حَيَّاكُم اللهُ بالسَّلامِ، رَحِمَكُم اللهُ، آَوَاكُم الله، حَفِظَكم اللهُ، رَفَعكُم اللهُ، نَصَركُم اللهُ، نَفَعكُم اللهُ، وَفَّقكُم اللهُ، هَداكُم اللهُ، سَلَّمكُم اللهُ، وَقاكُم اللهُ، [أيّدكم الله] أوصيكُم بتَقْوَى الله، وأُوصي اللهَ بكُم، وأَستَخلِفُه عليكم، وأُحذِّركُم اللهَ، إنَّني لكُم منه نذيرٌ وبشيرٌ، ألَّا تَعلُوا على الله في عبادِه وبلادِه، فإنَّه هو القائل: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣] "، قال: فقلنا: يا رسول الله، متى الأجل؟ قال: "قد دَنَا، والمُنقَلَبُ إلى اللهِ وإلى سِدْرَةِ المُنْتَهى وجَنَّةِ المَأْوى والفردَوْسِ الأَعلى" قلنا: يا رسول الله، من يُغسَّلك؟ قال: "رجالُ أهلِ بَيْتِي، الأَدْنَى فالأَدْنَى" قلنا: يا رسول الله، ففيم نكفَّنكَ؟ قال: "في ثِيابِي هذه إن شِئتُم أو حُلَّة يمَانية أو بَياض مصرَ" قلنا: فمن يصلَّي عليك، وبَكَينا، فقال: "مَهْلًا رحمَكُم اللهُ، وجَزَاكم اللهُ عن نبيَّكُم خيرًا، إذا وضَعتُموني على سَريري بعدَ أن تغسَّلُوني وتُكفَّنوني، فَضَعُوني على شَفيرِ قَبري، ثم اخرجُوا عنِّي ساعةً، فأول مَن يصلِّي علي خَلِيلي وحَبيبي جبريلُ" وفي رواية: "الله تعالى، ثم ميكائيلُ، ثم إِسْرافيلُ، ثم ملَكُ الموتِ مع ملائكةٍ كثيرةٍ، ثم ادخُلُوا عليَّ فَوجًا فَوجًا، فصلُّوا عليَّ وسلَّموا تسليمًا، ولا تؤذوني بصيحة ولا برَنَّة، وليبدأ بالصلاةِ عليَّ رجالُ أهل بَيتي، ثم نِساؤُهم، ثم أَنتُم، وأقرِؤُوا السَّلام عنِّي مَن غابَ من أَصحابي ومَن تَبعَني على ديني من يَومي هذا إلى يوم القيامةِ، أَلَا وإنِّي أُشهِدُكُم أنَّي قد سَلَّمت على كلِّ من دخل في الإسلام إلى يومِ القيامةِ"، وفي رواية: فقلنا: من يدخلك قبرك؟ فقال: "أَهلي مع ملائكة كثيرة"، قلنا: وإلى أين المصيرُ؟

стр. 1822

فقال: "إلى الرَّفيقِ الأَعَلى، والعيش الأهنأَ، والكأس الأَوفى" (١). قلت: وهذه الوصية العامة، فأما الخاصة فقال ابن سعد بإسناده، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ في مرض موته: "ادع لي عليًا، أو أخي عليًا"، فدعي له، فقال: "ادن مني" قال علي: فدنوت منه فاستند إليّ، فلم يزل يكلمني حتى إن بعض ريقه ليصلني، قال: ثم ثقل في حجري فصحت: يا عباس أدركني فإني هالك، فجاء العباس فكان جهدنا أن أضجعناه (٢). وقد أنكرت عائشة أنَّ عليًا كان وصيًّا، فقالت: متى أوصى إليه، فقد كنت مسندته إلى صدري أو قالت: في حجري، فدعا بالطست، فلقد انخنث في صدري وما شعرت أنه مات، فمتى أوصى إليه، أخرجاه في "الصحيحين" (٣). ومعنى "انخنث": انثنى. وقد ردَّ ابن عباس هذا وأنَّ رسول الله توفي بين سحرها ونحرها، قال: والله لقد توفي وإنه لمستند إلى صدر علي، وهو الذي غسله وأخي الفضل بن العباس (٤). وروى ابن إسحاق، عن الشعبي قال: قبض رسول الله ﷺ ورأسه في حجر علي بن أبي طالب (٥). وقال محمد بن إسحاق في "المغازي" في أولها: حدثنا عبد الله بن عينية العبدي، عن وهب بن كعب بن عبد الله بن سور الأزدي (٦)، عن سلمان الفارسي قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ليس من نبي إلا وله وصي، فمن وصيك؟ فقال:

стр. 1823

"إن الله بعث أربعة آلاف نبي كان لهم أربعة آلاف وصي، وثمانية آلاف سبط، والذي نفسي بيده لأنا خير النبيين، وإن وصيي لخير الوصيين، وسبطاي خير الأسباط. وقالت أم سلمة ﵂: إن علي بن أبي طالب لأقرب الناس عهدًا برسول الله ﷺ دعا به في مرضه، فناجاه طويلًا وأوصاه بما أراد (١). وأخرج أحمد رحمة الله عليه عن أنس قال: قلنا لسلمان: من كان وصي رسول الله ﷺ [فسأله سلمان] عن ذلك فقال: "مَن كانَ وصيَّ موسى"؟ قلت: يوشع بن نون، فقال: "إنَّ وصيّي ووارِثي ومُنجِزَ وَعدِي عليُّ بنُ أبي طالبٍ" (٢). وقال الإمام أحمد - رحمة الله عليه -: حدثنا حجاج، حدثنا مالك بن مغول، أخبرني طلحة قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أوصى رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، قلت: كيف أمر المؤمنين بالوصية [ولم يُوصِ؟ قال: أوصى بكتاب الله. أخرجاه في "الصحيحين" (٣). أشار ابن أبي أوفى إلى الوصية] التي كتبها الله في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] فكانت الوصية فرضًا ثم نسخت بآية الميراث. قال المصنف ﵀: وقد أخرج الحميدي حديث عبد الله بن أبي أوفى في "الجمع بين الصحيحين"، وقال على أثره: وقد أخرجَ أبو مسعود والبَرقاني في هذا الحديث زيادة لم يخرجها البخاري ولا مسلم، وهي أن هزيل بن شرحبيل قال: أبو بكرٍ يتأمَّر عَلَى وصيَّ رسول الله ﷺ ؟ ودَّ أبو بكر لو وَجَد عهدًا من رسول الله ﷺ فَخُزِمَ أنفُه بخِزَامةٍ (٤). * * *

стр. 1824

الباب الثالث: في ذكر ما أعتق ﷺ في مرضه وما تصدق به [قال علماء السير]: أعتق جميع أعبده في موضه وإمائه [وسنذكرهم فيما بعد]، ولم يكن عنده سوى ستة دنانير، فأخرجها، [قال ابن سعد بإسناده، عن عائشة]: غُشي على رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه، فلما أفاق قال لها: "هل أنفقت ذلك الذهب؟ " قالت: قلت: لا، قال: "فعليَّ به"، فجئته به، فوضعه في كفه، وعده، فإذا هو ستة دنانير، فقال: "ما ظن محمد بربه أن لو لقي الله وهذه عنده؟ " فأخرجها، وتوفي في ذلك اليوم (١). * * *

стр. 1825

الباب الرابع: في ذكر وفاته [والكتاب الذي أشار إليه قبيل مماته ونحو ذلك: ذكر الواقدي في "المغازي" وقال:] لما كان يوم السبت عاشر ربيع الأول جاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله ﷺ فيهم عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه -، ورسول الله ﷺ يقول: "أَنفِذُوا جيشَ أُسامَةَ" ودخلت عليه أم أيمن، فقالت: يا رسول الله لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل، فإنّ أسامة إن خرج على حاله هذه لم ينتفع بنفسه، فقال رسول الله ﷺ : "أَنفِذُوا بعثَ أُسامَةَ" فمضى الناس إلى المعسكر، فباتوا ليلة الأحد، ونزل أسامة يوم الأحد ورسول الله ﷺ ثقيل مغمور، وهو اليوم الذي لَدُّوه فيه، فدخل على النبي ﷺ وعيناه تَهْمُلان، وعنده العباس، والنساء حوله، فطأطأ عليه أسامة فقبله ورسول الله ﷺ لا يتكلم، وجعل يرفع يديه إلى السماء، ثم يصبهما على أسامة، يدعو له، وغدا أسامة إلى معسكره، فلما أصبح يوم الاثنين غدا من معسكره، وأصبح رسول الله ﷺ مُفيقًا، فجاء أسامة يُودِّعه، فقال: "اغْدُ على بَرَكةِ اللهِ" فودعه أسامةُ، ورسول الله ﷺ مُفيق، وجعل نساءه يتماشطن سرورًا. ودخل أبو بكر رضوان الله عليه فقال: يا رسول الله، أصبحتَ بحمد الله مُفيقًا، واليوم يوم ابنة خارجة، فأْذن لي، فأذن له، فذهب إلى السُّنح وخرج أسامة إلى معسكره، وصاح في أصحابه باللحوق به، ونزل أسامة بالجرف، وأمر الناس بالرحيل، وقد متع النهار [أي: ارتفع]، فبينا أسامة يريد أن يركب من الجرف أتاه رسول أم أيمن، وهي أمه، تخبره أن رسول الله ﷺ يموت، [قال ابن إسحاق: إنما بعث رسولًا إلى أسامة امرأته] فأقبل أسامة إلى المدينة ومعه عمر وأبو عبيدة [بن الجراح]﵃ فانتهوا إلى رسول الله ﷺ وهو يموت، فتوفي حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلَت من ربيع الأول، ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجُرْف إلى المدينة، ودخل بُرَيدة بن الحصيب بلواء أسامة رضوان الله عليه معقودًا
следующие страницы →