← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

الباب الثاني: في ذكر وصيته ﵊ لأصحابه وأتباعه وأحبابه قال ابن سعد: حدثنا الواقدي، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن ابن أبي عون، عن ابن مسعود قال: نعى رسول الله ﷺ إلينا نفسه قبل موته بشهر، جمعنا في بيت أمِّنا عائشة، ونظر إلينا، فدمعت عيناه، وقال: "مَرحَبًا بكُم، حَيَّاكُم اللهُ بالسَّلامِ، رَحِمَكُم اللهُ، آَوَاكُم الله، حَفِظَكم اللهُ، رَفَعكُم اللهُ، نَصَركُم اللهُ، نَفَعكُم اللهُ، وَفَّقكُم اللهُ، هَداكُم اللهُ، سَلَّمكُم اللهُ، وَقاكُم اللهُ، [أيّدكم الله] أوصيكُم بتَقْوَى الله، وأُوصي اللهَ بكُم، وأَستَخلِفُه عليكم، وأُحذِّركُم اللهَ، إنَّني لكُم منه نذيرٌ وبشيرٌ، ألَّا تَعلُوا على الله في عبادِه وبلادِه، فإنَّه هو القائل: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣] "، قال: فقلنا: يا رسول الله، متى الأجل؟ قال: "قد دَنَا، والمُنقَلَبُ إلى اللهِ وإلى سِدْرَةِ المُنْتَهى وجَنَّةِ المَأْوى والفردَوْسِ الأَعلى" قلنا: يا رسول الله، من يُغسَّلك؟ قال: "رجالُ أهلِ بَيْتِي، الأَدْنَى فالأَدْنَى" قلنا: يا رسول الله، ففيم نكفَّنكَ؟ قال: "في ثِيابِي هذه إن شِئتُم أو حُلَّة يمَانية أو بَياض مصرَ" قلنا: فمن يصلَّي عليك، وبَكَينا، فقال: "مَهْلًا رحمَكُم اللهُ، وجَزَاكم اللهُ عن نبيَّكُم خيرًا، إذا وضَعتُموني على سَريري بعدَ أن تغسَّلُوني وتُكفَّنوني، فَضَعُوني على شَفيرِ قَبري، ثم اخرجُوا عنِّي ساعةً، فأول مَن يصلِّي علي خَلِيلي وحَبيبي جبريلُ" وفي رواية: "الله تعالى، ثم ميكائيلُ، ثم إِسْرافيلُ، ثم ملَكُ الموتِ مع ملائكةٍ كثيرةٍ، ثم ادخُلُوا عليَّ فَوجًا فَوجًا، فصلُّوا عليَّ وسلَّموا تسليمًا، ولا تؤذوني بصيحة ولا برَنَّة، وليبدأ بالصلاةِ عليَّ رجالُ أهل بَيتي، ثم نِساؤُهم، ثم أَنتُم، وأقرِؤُوا السَّلام عنِّي مَن غابَ من أَصحابي ومَن تَبعَني على ديني من يَومي هذا إلى يوم القيامةِ، أَلَا وإنِّي أُشهِدُكُم أنَّي قد سَلَّمت على كلِّ من دخل في الإسلام إلى يومِ القيامةِ"، وفي رواية: فقلنا: من يدخلك قبرك؟ فقال: "أَهلي مع ملائكة كثيرة"، قلنا: وإلى أين المصيرُ؟

стр. 1822

فقال: "إلى الرَّفيقِ الأَعَلى، والعيش الأهنأَ، والكأس الأَوفى" (١). قلت: وهذه الوصية العامة، فأما الخاصة فقال ابن سعد بإسناده، عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ في مرض موته: "ادع لي عليًا، أو أخي عليًا"، فدعي له، فقال: "ادن مني" قال علي: فدنوت منه فاستند إليّ، فلم يزل يكلمني حتى إن بعض ريقه ليصلني، قال: ثم ثقل في حجري فصحت: يا عباس أدركني فإني هالك، فجاء العباس فكان جهدنا أن أضجعناه (٢). وقد أنكرت عائشة أنَّ عليًا كان وصيًّا، فقالت: متى أوصى إليه، فقد كنت مسندته إلى صدري أو قالت: في حجري، فدعا بالطست، فلقد انخنث في صدري وما شعرت أنه مات، فمتى أوصى إليه، أخرجاه في "الصحيحين" (٣). ومعنى "انخنث": انثنى. وقد ردَّ ابن عباس هذا وأنَّ رسول الله توفي بين سحرها ونحرها، قال: والله لقد توفي وإنه لمستند إلى صدر علي، وهو الذي غسله وأخي الفضل بن العباس (٤). وروى ابن إسحاق، عن الشعبي قال: قبض رسول الله ﷺ ورأسه في حجر علي بن أبي طالب (٥). وقال محمد بن إسحاق في "المغازي" في أولها: حدثنا عبد الله بن عينية العبدي، عن وهب بن كعب بن عبد الله بن سور الأزدي (٦)، عن سلمان الفارسي قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ليس من نبي إلا وله وصي، فمن وصيك؟ فقال:

стр. 1823

"إن الله بعث أربعة آلاف نبي كان لهم أربعة آلاف وصي، وثمانية آلاف سبط، والذي نفسي بيده لأنا خير النبيين، وإن وصيي لخير الوصيين، وسبطاي خير الأسباط. وقالت أم سلمة ﵂: إن علي بن أبي طالب لأقرب الناس عهدًا برسول الله ﷺ دعا به في مرضه، فناجاه طويلًا وأوصاه بما أراد (١). وأخرج أحمد رحمة الله عليه عن أنس قال: قلنا لسلمان: من كان وصي رسول الله ﷺ [فسأله سلمان] عن ذلك فقال: "مَن كانَ وصيَّ موسى"؟ قلت: يوشع بن نون، فقال: "إنَّ وصيّي ووارِثي ومُنجِزَ وَعدِي عليُّ بنُ أبي طالبٍ" (٢). وقال الإمام أحمد - رحمة الله عليه -: حدثنا حجاج، حدثنا مالك بن مغول، أخبرني طلحة قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أوصى رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، قلت: كيف أمر المؤمنين بالوصية [ولم يُوصِ؟ قال: أوصى بكتاب الله. أخرجاه في "الصحيحين" (٣). أشار ابن أبي أوفى إلى الوصية] التي كتبها الله في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٨٠] فكانت الوصية فرضًا ثم نسخت بآية الميراث. قال المصنف ﵀: وقد أخرج الحميدي حديث عبد الله بن أبي أوفى في "الجمع بين الصحيحين"، وقال على أثره: وقد أخرجَ أبو مسعود والبَرقاني في هذا الحديث زيادة لم يخرجها البخاري ولا مسلم، وهي أن هزيل بن شرحبيل قال: أبو بكرٍ يتأمَّر عَلَى وصيَّ رسول الله ﷺ ؟ ودَّ أبو بكر لو وَجَد عهدًا من رسول الله ﷺ فَخُزِمَ أنفُه بخِزَامةٍ (٤). * * *

стр. 1824

الباب الثالث: في ذكر ما أعتق ﷺ في مرضه وما تصدق به [قال علماء السير]: أعتق جميع أعبده في موضه وإمائه [وسنذكرهم فيما بعد]، ولم يكن عنده سوى ستة دنانير، فأخرجها، [قال ابن سعد بإسناده، عن عائشة]: غُشي على رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه، فلما أفاق قال لها: "هل أنفقت ذلك الذهب؟ " قالت: قلت: لا، قال: "فعليَّ به"، فجئته به، فوضعه في كفه، وعده، فإذا هو ستة دنانير، فقال: "ما ظن محمد بربه أن لو لقي الله وهذه عنده؟ " فأخرجها، وتوفي في ذلك اليوم (١). * * *

стр. 1825

الباب الرابع: في ذكر وفاته [والكتاب الذي أشار إليه قبيل مماته ونحو ذلك: ذكر الواقدي في "المغازي" وقال:] لما كان يوم السبت عاشر ربيع الأول جاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله ﷺ فيهم عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه -، ورسول الله ﷺ يقول: "أَنفِذُوا جيشَ أُسامَةَ" ودخلت عليه أم أيمن، فقالت: يا رسول الله لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل، فإنّ أسامة إن خرج على حاله هذه لم ينتفع بنفسه، فقال رسول الله ﷺ : "أَنفِذُوا بعثَ أُسامَةَ" فمضى الناس إلى المعسكر، فباتوا ليلة الأحد، ونزل أسامة يوم الأحد ورسول الله ﷺ ثقيل مغمور، وهو اليوم الذي لَدُّوه فيه، فدخل على النبي ﷺ وعيناه تَهْمُلان، وعنده العباس، والنساء حوله، فطأطأ عليه أسامة فقبله ورسول الله ﷺ لا يتكلم، وجعل يرفع يديه إلى السماء، ثم يصبهما على أسامة، يدعو له، وغدا أسامة إلى معسكره، فلما أصبح يوم الاثنين غدا من معسكره، وأصبح رسول الله ﷺ مُفيقًا، فجاء أسامة يُودِّعه، فقال: "اغْدُ على بَرَكةِ اللهِ" فودعه أسامةُ، ورسول الله ﷺ مُفيق، وجعل نساءه يتماشطن سرورًا. ودخل أبو بكر رضوان الله عليه فقال: يا رسول الله، أصبحتَ بحمد الله مُفيقًا، واليوم يوم ابنة خارجة، فأْذن لي، فأذن له، فذهب إلى السُّنح وخرج أسامة إلى معسكره، وصاح في أصحابه باللحوق به، ونزل أسامة بالجرف، وأمر الناس بالرحيل، وقد متع النهار [أي: ارتفع]، فبينا أسامة يريد أن يركب من الجرف أتاه رسول أم أيمن، وهي أمه، تخبره أن رسول الله ﷺ يموت، [قال ابن إسحاق: إنما بعث رسولًا إلى أسامة امرأته] فأقبل أسامة إلى المدينة ومعه عمر وأبو عبيدة [بن الجراح]﵃ فانتهوا إلى رسول الله ﷺ وهو يموت، فتوفي حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلَت من ربيع الأول، ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجُرْف إلى المدينة، ودخل بُرَيدة بن الحصيب بلواء أسامة رضوان الله عليه معقودًا

стр. 1826

حتى أتى باب رسول الله ﷺ فغرزه عنده، فلما ولي أبو بكر رضوان الله عليه أمَرَ بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة، وأن لا يحله أبدًا حتى يغزوهم أسامة، قال بريدة: فخرجت باللواء حتى انتهيت إلى بيت أسامة، ثم خرجت به إلى الشام معقودًا مع أسامة، ثم رجعت به إلى بيت أسامة فما زال معقودًا في بيته حتى توفي أسامة. هذا قول الواقدي (١). وقال عبد الله بن عباس ﵄: خرج علي بن أبي طالب رضوان الله عليه من عند رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ فقال: أصبح بارئًا بحمد الله، فأخذ العباس بيد علي، وقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني لأرى رسول الله ﷺ يموت في مرضه هذا، وإني لأعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب، فاذهب بنا إلى رسول الله ﷺ نسأله فيمن يكون هذا الأمر، فإن كان فينا علمنا، وإن كان في غيرنا أوصى بنا من بعده، فقال له علي: والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعنا إياها لا يعطينا الناس إياها أبدًا، والله لا أسألها أبدًا (٢). حديث الكتاب: [قال أحمد بإسناده] عن ابن عباس قال: لما حضرت رسول الله ﷺ الوفاة قال: "هلُمَّ أكتُب لكُم كتابًا لن تَضِلُّوا بعدَه" وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله أو القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت، واختصموا، منهم من يقول: يكتب لكم رسول الله ﷺ ، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما كثر اللغط والاختلاف قال رسول الله ﷺ : "قوموا عني" فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب [من اختلافهم ولَغَطهم (٣). وهذا حديث مختصر].

стр. 1827

طريق آخر: قال الإمام أحمد رحمة الله عليه: حدثنا سفيان، عن سليمان بن أبي مسلم، أنَّه سمع سعيد بن جُبير قال: قال ابن عباس: يومُ الخميس، وما يومُ الخميس؟ ثم بكى حتى بلَّ دمعُه الحصى، قلنا: يا أبا العباس، وما يومُ الخميس؟ قال: اشتدَّ المرضُ برسول الله ﷺ فقال: "ايْتُوني أَكْتُب لكُم كِتابًا لا تضلُّوا بعدَه أَبَدًا" فتنازعوا، وما ينبغي عند نبيًّ تنازعٌ، فقالوا: ما شأنه؟ أهجر؟ اسْتَفْهِمُوه، فذهبوا يعيدون عليه، فقال: "دَعُوني، فالذي أَنَا فيه خيرٌ مِمَّا تَدعُوني إليه" وأمرهم بثلاث فقال: "أَخرِجُوا المشركينَ من جزيرةِ العَرَب، وأَجيزُوا الوَفْدَ بنحو ما كنتُ أُجيزُهم"، وسكتَ سعيد عن الثالثة، فلا أدري أسكت عنها أو نسيها (١)؟ وقد أخرج الحميدي هذا الحديث، وفيه: فقالوا: ما شأنه؟ فقال عمر: إن الرجل ليهجر (٢). قال المصنف ﵀: والظاهر من حال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه أنه لا ينسب إلى النبي ﷺ مثل هذا، ولعلَّه من تحريف الرواة، ويحتمل أن يكون معناه أن رسول الله ﷺ ليهجركم، من الهجر الذي هو ضد الوَصْل لما قد ورد عليه من الواردات الإلهية، ولهذا قال: "الرَّفيقَ الأَعلَى" أَلَا ترى إلى قوله: "قُوموا عنَّي، فما أنا فيه خيرٌ مما أنتم فيه". وقال القاضي عياض: لا يصح أن يَهْجُرَ رسول الله ﷺ وهو معصوم، لأن الهجر ما لا حقيقة له، وأنه لا يقول في الصحة والمرض والنوم واليقظة والرضى والغضب إلا حقًا، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ (٣) [النجم: ٣]. [وفي رواية ابن سعد قال: لما بقي من أَجَل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام جاءه جبريل فقال: يا محمد، إن الله أرسلني إليك إكرامًا لك وتفضلًا يسألك عما هو أعلم به منك، يقول لك: كيف تجدك؟ فقال: "يا جبريلُ، أجدني مغمومًا، وأجدني مهمومًا، وأجدني مكروبًا" قالها مرتين أو ثلاثًا، فلما كان في الثالث هبط جبريل ومعه ملك يقال

стр. 1828

له: إسماعيل، يسكن الهواء، لم يصعد إلى السماء قط، ولم يهبط إلى الأرض منذ خلق الله المخلوقات، وهو مقدَّم على سبعين ألف صف من الملائكة تحت يد كل ملك سبعون ألفًا من الملائكة، ثم هبط ملك الموت فقال: هذا ملك الموت يستأذن عليك ولم يستأذن على أحد من قبلك، ولا يستأذن على أحد من بعدك، فقال: "إئذن له" فدخل فوقف بين يديه وسلم عليه وقال: يا أحمد، إن الله أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك في كل ما أمرتني به، إن أمرتني قبضت وإن أمرتني تركت، فالتفت إلى جبريل كالمستشير له، فقال: يا أحمد إن الله قد اشتاق إليك، فقال: "امض يا ملك الموت لما أمرت به" فقال جبريل ﵇: هذا آخر هبوطي الأرض، إنما كنتَ حاجتي من الدنيا (١). وتوفي رسول الله ﷺ ، وارتفع جبريل وهو يقول: واصفيَّاه. وقد أخرج جدي في "الصفوة" بمعناه فقال:] وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريلُ رسولَ الله ﷺ في مرضه الذي قُبض فيه، فقال: إنَّ الله تعالى يُقرئك السَّلام، وكيف تَجدُك؟ قال: "أَجِدُني وَجِعًا يا أَمينَ اللهِ" ثم جاءَه من الغدِ، ومن بعدِ الغدِ، وهو يقول كذلك، وجاءَ معه في اليوم الثالث ملك الموت، وقال جبريل: هذا آخر عهدي بالدنيا بعدك، ولن آسى على هالك من بني آدم بعدك (٢). [وفي رواية ابن سعد: أن رسول الله ﷺ قال: "يا جبريل، ادن مني" قالها ثلاثًا] (٣). وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي بردة قال: أخرجت إلينا عائشة كساء ملبدًا وإزارًا غليظًا، وقالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين. متفق عليه (٤). وقال الواقدي: بدئ برسول الله ﷺ المرض يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، وتوفي يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول. [قال: وهو الثبت عندنا، وكذا قال ابن عباس وأبو هريرة وأنس وغيرهم، أنه أقام مريضًا ثلاثة عشر يومًا، وقيل: اثني عشر يومًا.

стр. 1829

وقال ابن عباس: ولد رسول الله ﷺ يوم الاثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين، ونبئ يوم الاثنين، وهاجر يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين (١). وقال أحمد بإسناده عن أنس قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء من المدينة كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم كل شيء، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا (٢). وفي رواية أحمد أيضًا، وفيه طرف من قدوم النبي ﷺ المدينة، وفيه: فما رأيت يومًا قط كان أنور ولا أحسن من يوم دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة، وشهدت يوم وفاته، فما رأيت أقبح من اليوم الذي مات فيه] (٣). * * *

стр. 1830

الباب الخامس: في ما جرى بعد وفاته قام عمر رضوان الله عليه يقول: ما مات رسول الله ﷺ ، ولَيبعثنَّه الله فلَيُقطَّعن أيدي رجال وأَرجُلهم، وجاء أبو بكر رضوان الله عليه فكشف عن وجه رسول الله ﷺ فقبَّله، وقال: بأبي أنت، طِبْتَ حيًّا ومَيتًا يا رسول الله، لا يجمعُ الله لك بين موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متَّها، ثم خرجَ، فقال: أيها الحالف، على رِسْلِك، فلما تكلَّم أبو بكر رضوان الله عليه جلسَ عمر رضوان الله عليه فحمِدَ أبو بكر اللهَ، وأثنى عليه، ثم قال: إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر] ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فمَن كان يعبدُ محمَّدًا فمحمدٌ قد مات، ومن كان يعبدُ الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت، وإنَّها لفي كتاب الله، فقال عمر: أيها الناس هذا أبو بكر فبايعوه. وقال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: والله ما هو إلا أن تلاها أبو بكر، يعني ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ حتى خررت إلى الأرض، وأيقنت أن رسول الله ﷺ قد مات (١). * * *

стр. 1831

الباب السادس: في ذكر غسله وأكفانه والصلاة عليه ودفنه قال ابن عباس: لما اجتمع القوم لغسل رسول الله ﷺ وليس في البيت إلا أهله: عمه العباسُ، وعليٌّ، والفضلُ بن عباس، وقُثَمُ بن العباس، وأسامةُ بن زيد، وصالحٌ مولاه، فلما اجتمعوا لغسله نادى من وراء الباب أَوسُ بن خَوْليًّ الأنصاري ثم أحد بني عوف بن الخزرج، وكان بدريًا، عليَّ بن أبي طالب فقال: يا علي نَشدتُكَ الله، وحظَّنا من رسول الله ﷺ ، فقال له علي: ادخل، فدخل، فحضَر غسلَ رسول الله ﷺ ولم يَلِ من أمره شيئًا، فأسنده علي إلى صدره، وعليه قميصه، وكان العباس والفضل وقُثَم يقلَّبونه مع علي، وكان أسامة بن زيد وصالح يصُبَّان الماءَ عليه، وعلي يغسله، ولم يُرَ من رسول الله ﷺ شيء مما يرى من الميت، وعلي يقول: بأبي أنت وأمي ما أطيبك حيًّا وميتًا. حتى إذا فرغوا من غسله، وكان يُغسل بالماءِ والسِّدر، ثم أَدرجوه في ثلاثةِ أثوابٍ، ثوبين أَبيضين وبردٍ حِبَرةٍ. قال: ثم دعا العباس رجلين، فقال: ليذهب أحدكما إلى أبي عبيدة بن الجراح، وكان أبو عبيدة يَضْرَحُ لأهل مكةَ، وليذهب الآخر إلى أبي طلحة بن سهل الأنصاري، وكان أبو طلحة يَلْحَد لأهل المدينة، ثم قال العباس حين سرحهما: اللهمَّ خر لرسول الله ﷺ ، قال: فذهب فلم يجد صاحبُ أبي عبيدة أبا عبيدة، ووجد صاحبُ أبي طلحة أَبا طلحة، فجاء، فلحدَ لرسول الله ﷺ . أخرجه الإمام أحمد رحمة الله عليه في "المسند" (١). [وقال ابن إسحاق: لما غسّل علي رسول الله ﷺ نودي علي: ارفع طرفك إلى السماء (٢).

стр. 1832

وقال ابن سعد: اسم الرجل الذي نادى عليًا: نَنْشُدك الله حَظَّنا من رسول الله ﷺ ، هو أوس بن خَوْليّ، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ ، وأمه جميلة بنت أُبيّ بن مالك، أخت عبد الله بن أُبَيّ ابن سَلول. وكان يُسمَّى الكامل؛ لأنه جمع بين الرمي والكتابة والسباحة، وهو الذي جعله رسول الله ﷺ على الغنائم لما دخل مكة في غزوة القَضيَّة، وعاش إلى أيام عثمان (١). وأخرج أحمد عن جرير بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: "اللَّحْدُ لنا والشَّقُّ لغيرنا" (٢) يعني أهل الكتاب. وقد روي ذكر الكفن وحده في حديث: فقال أحمد: بإسناده] عن ابن عباس: إن رسول الله ﷺ كُفِّن في ثلاثةِ أثوابٍ: قميصه الذي ماتَ فيه، وحُلَّةٍ نجرانيَّةٍ (٣). و [في رواية "المسند" أيضًا عن ابن عباس] (٤) أنه قال: كفن في ثوبين أبيضين وبرد أحمر (٥)، [قلت: وقد أخرج أحمد في "المسند" بإسناده عن] محمد بن الحنفية [عن أبيه علي ﵇ قال:] كفن رسول الله ﷺ في سبعة أثواب (٦). [وقال أحمد بإسناده، عن هشام بن عروة عن أبيه] عن عائشة أن أبا بكر قال لها: يا بنيَّة، أيُّ يوم توفي رسول الله ﷺ ؟ قلت: يوم الاثنين، قال: في كم كفنتم رسول الله ﷺ ؟ قلت: يا أبةِ كفَّناه في ثلاثة أثواب بيض سَحوليَّة جُدُد يمانيَّة، ليس فيها قميصٌ ولا عِمامةٌ، أُدرجَ فيها إدراجًا (٧). [أخرجاه في "الصحيحين" من غير قول أبي بكر لها. و"سحول": قرية باليمن يعمل فيها الثياب البياض.

стр. 1833

وقال أحمد بن حنبل بإسناده، عن] جعفر بن محمد قال: كان الماءُ يَستَنقِعُ في جُفون رسول الله ﷺ ، وكان علي يحسوه (١). [قال ابن سعد]: وكان علي رضوان الله عليه يقول: أوصى إلي رسول الله ﷺ أن لا يغسله غيري (٢). [قال الهيثم:] وروي أنهم شدوا عيونهم بالعصائب إلا علي، فقال الشاعر: [من الكامل] غسل النبي وعينه مفتوحة … وعيونكم معصوبة في الهام [وقال ابن سعد بإسناده عن] عائشة رضوان الله عليها قالت: لما أرادوا أن يغسلوا رسول الله ﷺ اختلفوا فيه، وقالوا: ما ندري أنجرده من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله في ثيابه؟ فألقي عليهم النعاس حتى ما منهم رجل إلا وذقنه على صدره، ثم ناداهم مناد من ناحية البيت: غسلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه، فغسلوه كذلك، وكانت تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه (٣). [قال ابن سعد: حدثنا الواقدي] قال علي ﵁: لما أخذنا في جهاز رسول الله ﷺ أغلقنا الباب دون الناس جميعًا، فنادت الأنصار: نحن أخواله، وهو ابن أختنا، ومكاننا في الإسلام مكاننا، ونادت قريش: نحن عصبته، فقال أبو بكر: القوم أولى به، لا يدخل عليهم إلَّا مَن أرادوا (٤). وغسل من بئر غَرس، وكان يشرب منها، وغسل في المرة الأولى بالماء القراح، وفي الثانية بالماء والسدر، وفي الثالثة بالماء والكافور. [وقال هشام:] ولما فرغوا من غسله وضعوه على سريره، وخرجوا كما أمرهم، فصلى عليه الله تعالى، وملائكته أفواجًا أفواجًا. ثم دخل المسلمون فصلوا عليه بغير إمام، الرجال أولًا، ثم النساء، ثم الصبيان،

стр. 1834

وهم يبكون، ويقولون: السلام عليك يا رسول الله، لقد أديت، ونصحت، وجاهدت في سبيل الله، اللهمَّ اجمع بيننا وبينه. وقال الواقدي: لما أدرج رسول الله ﷺ في أكفانه وضع على سريره، ثم على شفير قبره. [فحدثني محمد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وابن عباس قال:] وأول من صلى عليه من الناس العباس وبنو هاشم، ثم خرجوا، ودخل المهاجرون والأنصار، فلما صلَّوا دخل النساء والصبيان، ثم وضع أزواجه الجلابيب عن رؤوسهن، وجعلن يلتدمن في صدورهن، ونساء الأنصار يضربن الوجوه فذبحت حلوقهن من الصياح. [وقال الواقدي]: وكانت قريش تحب النوم على السرير، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أهدى له أسعد بن زرارة سريرًا قوائمه ساج، فكان ينام عليه، ثم وهبه لعائشة، فلما توفي رسول الله ﷺ وضع عليه، وصلي عليه وهو فوقه، ثم حمل عليه أبو بكر وعمر ﵄ واشترى ألواحه عبد الله بن إسحاق الإسحاقي بأربعة آلاف درهم من موالي معاوية (١). [وذكر الشهرستاني في كتاب "الملل والنحل": أن الصحابة] اختلفوا في دفن النبي ﷺ ، فأراد أهل مكة من المهاجرين رده إلى مكة، وقالوا: هي مسقط رأسه ووطن أهله. وقال الأنصار: المدينة أولى لأنها دار هجرته وفيها أظهر الله دينه، وقال قوم: ننقله إلى بيت المقدس لأنها مقر الأنبياء ومنه عرج به إلى السماء [ثم اتفقوا على المدينة (٢). وقال أحمد بإسناده، عن ابن جريج، عن أبيه: أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يدروا أين يقبروه] حتى قال لهم أبو بكر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لم يقبر نبي إلا حيث يموت" فأخّروا فراشه، وحفروا له تحته (٣).

стр. 1835

وكان دفنه ليلة الأربعاء بعد نصف الليل (١) [وقال هشام: توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين عند ارتفاع الضحى، فأقام يومين وليلة حتى دفنوه. وكذا روى جعفر بن محمد، عن أبيه. حكاه جدي في "الصفوة"، فإنه قال: قُبض ﷺ يوم الاثنين فمكث ذلك اليوم ويوم الثلاثاء، ودفن في الليل (٢). وقال هشام: أرادوا أن يدفنوه في المسجد، فقالت لهم عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٣) فدفنوه في حجرتها. وقال الواقدي:] نزل في حفرته العباس وقثم والفضل وعلي وأسامة وأوس بن خَوْليّ ﵁، وبني عليه في قبره تسع لبنات، فلما فرغوا خرجوا من اللحد، وأهالوا التراب عليه. وروى الواقدي عن عائشة قالت: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي في المسجد ليلة الثلاثاء (٤). وقالت أم سلمى ﵂: فصحنا، وصاح أهل المسجد، فارتجت المدينة، فلما أذّن بلال الفجر بكى فانتحب، فزادنا حزنًا، [وقد روي أن النبي ﷺ دفن ليلة الثلاثاء، وليلةُ الأربعاء أصح. واختلفوا هل سنِّم قبره أو سطح على قولين ذكرهما الواقدي، فحكى عن موسى بن محمد، عن أبيه: أنّه جعل قبره ﷺ ارتفاعه شبرًا (٥). قال: ورشوا عليه الماء، وجعلوا على قبره طنًا من قصب (٦). وأخرج مسلم عن سفيان التمار قال: أخبرني من رأى قبر النبي ﷺ مسنّمًا (٧).

стр. 1836

وقيل:] كان قبره ﷺ مسطوحًا (١). [وحكى ابن إسحاق عن أبي معشر عن محمد] بن قيس: لما انهدم الحائط الذي على قبر رسول الله ﷺ [رأيت قبره] مرتفعًا من الأرض مقدمًا إلى القبلة، وقبر أبي بكر وراءه من قبل رأس رسول الله ﷺ ، وقبر عمر وراء قبر رسول الله ﷺ من قبل رجليه بحذاء قبر أبي بكر، كان قبر رسول الله ﷺ أمام وهما خلفه. وقال عامر بن سعد بن أبي وقاص: قال أبي: الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللبن نصبًا كما صنع لرسول الله ﷺ (٢). [قلت: وقد اختلفوا في صفة قبر رسول الله ﷺ وصاحبيه، وسنذكره في ترجمة عمر ابن الخطاب ﵁.] واختلفوا في آخر الناس عهدًا برسول الله ﷺ : [فحكى ابن سعد عن الواقدي] أن المغيرة بن شعبة كان يقول: أنا أحدثكم برسول الله ﷺ عهدًا، ألقيت خاتمي في قبره، وقلت: خاتمي خاتمي [وإنما فعلته] لأمس رسول الله ﷺ فأضع يدي على اللبن فأكون آخر الناس عهدًا به (٣). قال الواقدي: فقالوا له: إنما ألقيت خاتمك لكي تنزل فيقال: نزل في قبر رسول الله ﷺ ، فوالله لا تنزله أبدًا، فنزل بعضهم فأخرجه إليه (٤). وروي: أن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه نزل فأعطاه إياه، أو أمر قثم بن العباس فأعطاه إياه. قال: وروي أن المغيرة نزل فأخذه. [وروي عن ابن عباس قال وقيل له بأن المغيرة يزعم أنه أقرب الناس عهدًا برسول الله؟ فقال: كذب، آخر الناس عهدًا برسول الله قثم ابن العباس (٥).

стр. 1837

وذكر البلاذري: أن عليًا ﵇ قال لابنه الحسن: انزل فأخرج خاتم المغيرة، فنزل فناوله إياه، فكان الحسن آخر الناس عهدًا برسول الله ﷺ (١). وحكى ابن سعد عن جابر بن عبد الله قال: فرش في قبر رسول الله ﷺ ] قطيفة حمراء كان يلبسها (٢). وفي روايةٍ: ألقاها غلامٌ لرسول الله ﷺ في قبره، وقال: والله لا لبسها أحد بعدك (٣). [وقال ابن قتيبة: والذي ألقاها شقران مولى رسول الله ﷺ (٤). وقال وكيع: وهذا لرسول الله ﷺ خاصة (٥). وقال ابن سعد بإسناده] عن الحسن البصري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "افرشوا لي قطيفتي في لحدي، فإن الأرض لن تسلط على أجساد الأنبياء" (٦). قال الحسن: وهذه القطيفة أصابها يوم بدر. وكانت عائشة ﵂ قد رأت في منامها كأنه سقط في حجرتها ثلاثة أقمار، فأخبرت أباها، فلما دفن رسول الله ﷺ في حجرتها قال لها أبو بكر ﵁: هذا أحد أقمارك، وهو خيرها (٧). [ذكر تعزية الملائكة لأهل البيت: حكى ابن سعد والبلاذري عن المدائني، وذكره هشام، قالوا جميعًا:] عن ابن عمر رضوان الله عليهما قال: لما مات رسول الله ﷺ ، وسجِّي قعدنا نبكي

стр. 1838

حوله، فسمعنا صوتًا من الهوي يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، إن في الله خلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإليه فارجعوا، وإنما المصاب من حُرِم الثواب، قال ابن عمر: فسمع هذا الكلام أهل البيت والمسجد والطرق، وبكى الناس حتى كادت أنفسهم تخرج من الصراخ، وخرج الولدان والنساء والصبيان، فظنناه جبريل يعزينا في رسول الله ﷺ (١). وعن علي ﵁ أنه قال: أتدرون من هذا؟ قالوا: لا، قال: هو الخضر ﵇ (٢). [ذكر ندب فاطمة ﵍ -: قال البخاري: بإسناده، عن أنس قال: لما ثَقُلَ رسول الله ﷺ جَعَل يتغشّاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أبتاه، فقال لها: "ليسَ على أَبِيكِ كَرْبٌ بعدَ اليومِ". فلما مات قالت: يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه]، فلما دفن قالت فاطمة رضوان الله عليها: يا أنس، أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب. [انفرد بإخراجه البخاري (٣). ورواه أحمد مختصرًا وزاد فيه: يا أبتاه من ربه ما أدناه (٤). كذا وقع في عامة النسخ: أنعاه، وهو غلط من الرواة، والصحيح ننعاه بغير ألف (٥). وقد ذكره الجوهري وقال: هو نعيّ، والنَّعْيُ: خبر الموت، فيقال: جاء نَعْي فلان، والنَّعِيُّ: الناعي، قال: وقال الأصمعي: كان إذا مات من العرب ميت له قدرٌ ركب راكبٌ فرسًا وسار في الناس ويقول: نَعاءِ فلانًا أي: انْعَهِ (٦).

стр. 1839

قلت: وقد أشار محمد ﵀ إلى هذا في "الجامع الصغير" بقوله: ولا بأس بالإذن في صلاة الجنازة (١). وهي من خواص "الجامع الصغير". وفي بعض النسخ: ولا بأس بالآذان، أي الإعلام بأن يُعلم بعض الناس بعضًا ليحضر إخوان الميت فيقضوا حقه، ولم يرد به في النداء في الأسواق لأنه فعل الجاهلية، نهى رسول الله ﷺ عن النعي (٢)، لأن أهل الجاهلية كانوا ينعون موتاهم ويتكلمون بالكذب في مدح أهاليهم، فنهاهم عن ذلك. وقد اختلف السلف في الإعلام بالجنائز: فرخص فيه ابن عمر وأبو هريرة وأنس، وروي أنه لما مات رافع بن خديج قال ابن عمر: كيف تريدون أن تصنعوا به؟ قالوا: نحبسه حتى نرسل إلى قباء وإلى قريات حول المدينة ليشهدوا جنازته، فقال: نعم ما رأيتم (٣). وكره ذلك ابن مسعود وعلقمة والربيع بن خثيم، فإنهم قالوا عند الموت: لا تؤذنوا بموتنا أحدًا (٤). والصحيح: أنه لا بأس به، وإنما المكروه النداء في الأسواق وهو فعل الجاهلية. وقد أشار إليه في "المحيط" فقال: لا بأس بالنداء لتكثير الجماعةِ والمستغفرين للميت وتحريض الناس على الطاعة وحثّهم على الاستعداد لمثله، وإنما المكروه فعل الجاهلية. وقال ابن منصور: يجوز النداء في الأسواق إذا كان الميت محتشمًا مثل الأئمة والصالحين، وقد ثبت أن النبي ﷺ نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج إلى المصلى وقد ذكرناه]. * * *

стр. 1840

الباب السابع في مبلغ عمره [واختلفوا فيه على أقوال: أحدها: أنه عاش ثلاثًا وستين سنة، وعلى هذا عامة العلماء] قال الإمام أحمد - رحمة الله عليه -: حدّثنا يزيد بن هارون، ومحمد بن جعفر قالا: أنبأنا هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة، ومكث بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة. متفق عليه (١). وقال عمار مولى بني هاشم: قلت لابن عباس: كم أتى لرسول الله ﷺ يوم مات؟ قال: خمس وستون، بعث لأربعين، وأقام بمكة خمس عشرة، وبالمدينة عشرًا (٢). [والثاني: ستون سنة، قال البخاري، قالت عائشة: مكث رسول الله ﷺ عشر سنين بالمدينة، وأنزل عليه وهو ابن أربعين سنة] (٣). والأصح ثلاثًا وستين سنة. * * *

стр. 1841

الباب الثامن: في ذكر شيءٍ مما رثي به من الأشعار وما ورد في ذلك من الآثار وقد رثي رسول الله ﷺ بأشعار كثيرة فنقتصر على شيءٍ منها، [وقد ذكر ابن إسحاق والواقدي طرفًا من ذلك فقالا: وقال أبو بكر ﵁ يرثي رسول الله ﷺ ويبكيه (١): [من الكامل] لمَّا رأيتُ نبيَّنا مُتَجدِّلًا … ضاقَت عليَّ بعَرْضِهنَّ الدُّورُ فارْتعتُ روعةَ مُستهامٍ والهٍ … والعظمُ منِّي وَاهِنُ مكسورُ أعتيقُ ويحكَ إنَّ حِبَّك قد ثَوى … وبقيتَ مُنجدِلًا وأَنتَ حَسيرُ يا ليتني من قبلِ مهلك صاحبي … غُيِّبتُ في جَدَث عليّ صخورُ فلتحدثن بدائعٌ من بعدهِ … تَعيا بهنَّ جوانحٌ وصدورُ قال ابن إسحاق: وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب هذه الأبيات (٢): [من الوافر] أرقتُ وباتَ ليلي لا يزولُ … وليلُ أخي المحبَّةِ فيه طولُ وأسعَدَني البكاءُ وذاك فيما … أصيبَ المسلمونَ به قليلُ فقد عظُمَت مصيبتُنا وجلَّت … عشيَّةَ قيل: قد قُبضَ الرسولُ فأضْحَت أرضُنا ممَّا عَرَاها … تكادُ بها جوانبُها تميلُ فَقَدنا الوحيَ والتنزيلَ فينا … يروحُ به ويَغدو جبرئيلُ وذاكَ أحقُّ ما سالَت عليه … نفوسُ الناسِ أو كادت تسيلُ نبيٌّ كان يَجلو الشكَّ عنَّا … بما يُوحَى إليه وما يقولُ ويهدينا فلا نَخشى ضلالًا … علينا والرسولُ لنا دليلُ أُصبْنَا بالنبيِّ وقد رُزينا … مصيبتَهُ فمَحمَلُها ثقيلُ

стр. 1842

فلم نَرَ مثله في الناس حيًّا … وليس له منَ الموتى عَديلُ أفاطمُ إن جَزِعت فذاكَ عذرٌ … وإن لم تجزَعي فهو السبيلُ فعُوذي بالعزاءِ فإنَّ فيه … ثواب الله والفضل الجزيلُ وقُولي في أبيكِ ولا تملِّي … وهل يُجزي بفعلِ أبيك قيلُ فقبرُ أبيك سيِّد كلِّ قبرٍ … وفيه سيِّد الناسِ الرسولُ وقال ابن إسحاق: و] قال عمر بن الخطاب يبكي رسول الله ﷺ ولم يحزن عليه فيما بلغني حزنه، فقال هذه الأبيات: [من الكامل] ما زلتُ مُذْ وضع الفراشُ لجنبهِ … وثوَى مريضًا خائفًا أتوقَّعُ حذرًا عليه أن يزولَ مكانُه … عنَّا فَنبقى بعده نَتفجَّعُ نفسي فداؤكَ مَن لنا في أَمرنا … أَمن نُشاوره إذا نَتوجَّعُ ليتَ السماءَ تفطَّرت أكنافُها … وتَناثَرت منها نجومٌ نُزَّعُ لما رأيتُ الناسَ هدَّ جميعهم … صوتٌ ينادي بالنعي فيسمعُ والناسُ حول نبيهم يدعونَه … يبكونَ أعينُهم تسيلُ وتدمعُ فسمعتُ صوتًا قبل ذلك هدَّني … عباسُ ينعاه وصوت مفظعُ وإذا تحل بنا الحوادثُ من لنا … بالوحي من ربٍّ عظيم يسمعُ فليبكهِ أهلُ المدينة كلهم … والمسلمون بكلِّ أرضٍ يجزعوا (١) وقال ابن إسحاق: قال حسان بن ثابت (٢): [من البسيط] والله ما حملَت أُنثى ولا وضعَت … مثلَ الرسولِ نبي الأمةِ الهادي ولا مَشى فوقَ ظهر الأرضِ من أحدٍ … أوفَى بذمةِ جارٍ أو بميعادِ هو الذي كان نورًا يُستضاءُ بهِ … مباركَ الأمرِ ذا حَزمٍ وإرشادِ مصدقًا للنبيين الأُلى صَدقوا … وأبذلَ الناس للمعروف في البادِ اللطفُ والبرُّ كانا من خلائقه … والجودُ بالمال والإطعامُ للزادِ [فلتبكه الدهر عيني كلما ذرفت … وما حدا بالمطايا خلفها حادي]

стр. 1843

ما عشت حتى يكون الموت يأخذني … والموت في كل ما وجه بمرصادِ وقال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: [من الطويل] ألا طرقَ الناعي بليلٍ فراعني … وأرَّقني لما استقلَّ مناديا فقلتُ له لما رأيت الذي أتى … أغير رسول الله إن كنتَ ناعيا فحقَّق ما أشفقتُ منه ولم يُبَلْ … وكان خليلي عدَّتي ورجائيا فوالله ما أنساكَ أحمدُ ما مشَت … بي العيسُ في أرض وجاوَزت واديا لتَبْك رسولَ الله خيلٌ مغيرة … تثيرُ غبارًا كالضبابة كابيا (١) [وقال الواقدي: وقد رثاه بنات عبد المطلب: أروى وعاتكة وصفية. فأما أروى فقالت: ألا يا رسول الله كنتَ رجاءنا … وكنتَ بنا بَرًّا ولم تكُ جافيا وكنت رحيمًا هاديًا ومعلمًا … ليَبْكِ عليك اليوم من كان باكيا كأن على قلبي لذكر محمدٍ … وما خفت من بعد النبي المكاويا لَعَمرك ما أبكي النبيَّ لموته … ولكنْ لما أخشى من الهَرْجِ آتيا أفاطِمُ صلى الله ربُّ محمدٍ … على جَدَثٍ أمسى بيثربَ ثاويا فِدىً لرسول الله أمي وخالتي … وعمي وآبائي ونفسي وماليا فلو أن ربَّ الناس أبقى محمدًا … سَعِدنا ولكنْ أمرُه كان ماضيا عليك من الله السَّلامُ تحيةً … وأُدخِلتَ جَنّاتٍ من العَدْنِ راضيا] (٢) وقالت عاتكة (٣) بنت عبد المطلب: [من الطويل] أعينيَّ جودا بالدموعِ السَّواجمِ … على المصطَفى والنورِ من آل هاشمِ أعينيَّ ماذا بعدَ ما قد فُجعتما … به تبكيان الدهرَ من ولد آدمِ على المصطفى بالحقَّ والنور والهُدى … وبالرشدِ بعد المعضلاتِ العظائمِ

стр. 1844

[على الطاهر الميمون ذي الحِلم والنهى … وذي الجودِ والراعي لخير المراحمِ] فجودا بدمعٍ واندُبا كلَّ شارق … ربيع اليتامى في السنين الأرازمِ (١) [وقالت صفية: عينُ جودي بدمعةٍ وسُهودِ … وانْدُبي خيرَ هالكٍ مفقودِ وانْدُبي المصطفى بحُزْنٍ شديدِ … خالَطَ القلبَ فهو كالمعمودِ فلقد كان بالعباد رَؤوفًا … ولهم رحمةً وخيرَ رشيدِ فعليه السلام حيّا ومَيْتًا … وجزاه الجِنانَ يومَ الخُلودِ ولهنّ فيه أشعار كثيرة ذكرها الواقدي وغيره] (٢) وقدم أعرابي المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ فوقف عند قبره ﷺ ، وقال (٣): [من البسيط] يا خير مَن دُفنت في التُّرب أعظمُه … فطابَ من نَشرهن القاعُ والأكمُ نفسي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنُه … فيه العفافُ وفيهِ الجودُ والكرمُ لو كنتُ أبصرتُه حيًا لقلتُ لهُ … لا تمشِ إلا على خدي لك القدمُ هدى به الله قومًا قال قائلهم … ببطن يثربَ لما ضمَّه الرحمُ إن مات أحمدُ فالرحمنُ خالقُه … حيٌّ ونعبده ما أورق السلمُ فأخذ هذين أحمد بن عبيد العزيز القرشي الواعظ بالرافقة فضمنها أبياتًا منها: أقول والدَّمع من عيني ينسجمُ … لما رأيت جدارَ القبر يستلمُ والناسُ يغشونهُ باكٍ ومنقطعُ … من المهابة أو داع فملتزمُ فما تمالكت أن ناديت من حرق … في الصدرِ كادت لها الأحشاءُ تضطرمُ [يا خيرَ من دفنت في القاعِ أعظُمه … فطابَ من نشرهن القاعُ والأكمُ

стр. 1845

روحي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنُهُ … فيه العفافُ وفيهِ الجودُ والكرمُ] وفيه شمسُ التقى والدين قد غربت … من بعد ما أشرَقت من نورِه الظلمُ حاشا لوجهكَ أن يبلى وقد هُديتْ … بالشرقِ والغربِ من أنوارهِ الأمم لئن رأيناه قبرًا إن باطنَه … لروضةٌ من رياضِ الخلدِ تبتسمُ طافت به من نواحيه ملائكةٌ … تغشاهُ في كلِّ ما يوم وتزدحمُ [انتهت "مغازي" الواقدي عند ذكر أشعار بنات عبد المطلب ولم يبق من رواياته إلا ما رواه ابن سعد عنه. وقد روى الحكاية محمد بن حرب قال: دخلت المدينة، فأتيت قبر النبي ﷺ فزرته وجلست بإزائه، وإذا بأعرابي قد جاء فوقف عند القبر وقال: يا خير الرسل إنّ الله تعالى أنزل عليك كتابًا صادقًا قال فيه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وإني قد جئت مستغفرًا ومستشفعًا بك ثم بكى وأنشد البيتين، ثم انصرف. قال: فرقدت فرأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال: الحق الرجل فبشره بأن الله قد غفر له بشفاعتي، فاستيقظت وطلبت الرجل فلم أجده]. * * *

стр. 1846

الباب التاسع (١) في حديث السقيفة قال الزهري: لما قبض رسول الله ﷺ انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، واعتزل علي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله بن حضير في بني عبد الأشهل من بين الأنصار [فأتى آتٍ إلى] أبي بكر وعمر فقال: إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة قد انحازوا إليه، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا الناس قبل تفاقم أمرهم، ورسول الله ﷺ في بيته لم يفرغ من أمره بعد أن أُغلق دونه الباب. فقال عمر لأبي بكر رضوان الله عليهم: انطلق بنا إلى إخواننا الأنصار لننظر ما هم عليه. وقال هشام بن محمد: بلغ العباس أن سعد بن عبادة قد جمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وأنهم قد بايعوه بالخلافة، فدخل العباس والمهاجرون من ذلك وحشة، فخرج العباس على الناس وأبو بكر لا يشعر، فقال: أيها الناس بلغني أن [سعد بن عبادة بنيت له وسادة ودعا إلى نفسه وأجابه من أجابه نقضًا لعهد رسول الله ﷺ ] (٢)، انهض يا أبا بكر إلى هؤلاء القوم يعني الأنصار. فقال له المهاجرون: إنه ليدلنا على صدقك يا أبا الفضل أنه لم يصل الظهر اليوم منهم أحد معنا، فنهض أبو بكر إلى الأنصار. طرف من حديث السقيفة: قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: وإنه كان من خبرنا حين توفي رسول الله ﷺ أن عليًا والزبير ومن كان معهما تخلَّفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ وتخلفت عنا الأنصار بأجمعها، واجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت له: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا رجلان صالحان منهم ممن قد شهد بدرًا، فقالا: أين تريدون يا معاشر

стр. 1847

المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليك ألا تقربوهم، وأمضوا أمركم، وارجعوا، فقلت: لنأتينهم، فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة وإذا [بين ظهرانيهم رجلٌ مزمل، فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا:] توعك، فلما جلسنا قليلًا، قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، وقال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفت دافة منكم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ويحضنونا من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت قد زورت في نفسي مقالة أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أرى منه بعض الجد، وكان أعلم مني وأوقر، فلما أردت أن أتكلم قال: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فقام، فحمد الله، وأثنى عليه، فما ترك شيئًا كنت زورت في نفسي أن أتكلم به لو تكلمت إلا وقد جاء به أحسن منه، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا وقد قال في بديهته مثلها وأفضل منها حتى سكت، فقال: أما بعد يا معشر الأنصار، فإنكم ما تذكرون منكم فضلًا إلا كنتم له أهلًا، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا في هذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا، ولقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا [أيّهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، فلم أكره مما قاله غيرها، وكان] (١) والله لأن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهمَّ إلا أن تسول لي نفسي شيئًا عند الموت لا أجده الآن، فلما قضى كلامه قال قائل من الأنصار: أنا جُذَيلها المحَكَّك، وعذيقها المرجَّب، منا أمير ومنكم أمير، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى خشينا الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، وبايعه المهاجرون ثم الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعدًا، فقلت: قتل الله سعدًا، وقال عمر - رضوان الله عليه -: أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرًا هو أوفق من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم يكن لهم بيعة أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا،

стр. 1848

فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فسادًا، فمن بايع أميرًا عن غير مشورة من المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه تغرَّة (١) أن يقتلا. والرجلان اللذان لقياهم: عويم بن ساعدة، ومعن بن معدي، والذي قال: أنا جُذيلها المحكَّك وعذيقها المرجَّب الحبابُ بن المنذر (٢). وقال أنس بن مالك: لما توفي رسول الله ﷺ اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وقالوا: نولي هذا الأمر سعد بن عبادة، فأخرجوه، وهو مريض، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: يا معاشر الأنصار، إن لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن محمدًا ﷺ لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن، فما آمن له إلا قليل، والله ما كان من آمن له يستطيعون أن يمنعوه ولا أن يدفعوا عنه ولا عن أنفسهم ضيمًا حتى أراد الله بكم الفضيلة، وساق إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، فرزقكم الإيمان بالله ورسوله، وأنتم أحق بهذا الأمر، وإن لم ترض قريش فمنهم أمير ومنا أمير، فقال سعد: هذا والله أول الوهن. وبلغ أبا بكر وعمر الخبر فجاءا إلى السقيفة، وذكر بمعنى ما تقدم، قال: وخطب أبو بكر، فقال: نحن المهاجرون الأولون أول الناس إسلامًا، وأكرمهم إحسانًا، وأوسطهم دارًا، وأحسنهم وجوهًا، وأمسهم رحمًا برسول الله ﷺ قدمنا الله عليكم فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] وأنتم شركاؤنا في الفيء وأنصارنا على عدونا، فلا تنفسوا علينا ما منحنا الله به دونكم، ولا ننكر سابقتكم، ألا نحن الواسطة من القلادة وعِتْرَةُ رسول الله ﷺ وأصله، وذكر كلامًا طويلًا. فقال الحُباب: دعوا هذا، منا أمير ومنكم أمير، فقال عمر: هيهات، لا يجتمع فحلان في شرك، ولا ترضى العرب أن تنافروا عليها وبينها حكم من غيركم، ونحن أولياؤه وعترته.

стр. 1849

فقال الحُباب: يا معاشر الأنصار، لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم فأجلوهم من بلادكم وتَولَّوه، فأنتم أحق به منهم، لأن ناسًا منكم (١) فأما والله لئن شئتم لنعيدنها جَذعة، فقال له عمر: إذًا يقتلك الله، فقال: بل إياك يقتل. فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير، فقال: يا معاشر الأنصار، لئن كنا أول من سبق إلى هذا الدين وجهاد المشركين فما قصدنا إلا رضى الله ورسوله، فلا ينبغي لنا أن نستطيل على الناس، ولا نطلب عرض الدنيا، وإن قريشًا أولى بهذا الأمر منا، فلا ننازعهم. فقال له الحباب: أنفست على ابن عمك، يعني سعد بن عبادة، فقال: لا والله، ولكني كرهت أن أنازع قومًا حقًّا جعله الله لهم، ثم قام أسيد بن حضير، فقال هو وبشير: يا أبا بكر مد يدك، فبسطها، فبايعاه، وتبايع الناس، فانكسر على سعد أمره، وكادوا يطؤون سعدًا، فقال ناس من أصحابه: اتقوا سعدًا لا تطؤوه، فقال عمر: اقتلوا سعدًا قتله الله، ثم قام عمر على رأس سعد، وقال: لقد هممت أن أطأك حتى يندر عضوك، فأخذ قيس بن سعد بلحية عمر، وقال: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيكَ جارحة، فقال أبو بكر: مهلًا يا عمر الرفق الرفق فهو ههنا أبلغ، فقال سعد: أما والله لو كان لي قوة على النهوض لسمعتم مني في أقطارها وسككها [زئيرًا يُجحرك وأصحابك] حتى ألحقك بقوم كنت فيهم تابعًا غير متبوع، ثم عاد أبو بكر وعمر إلى مكانهما، وبعثا إلى سعد بن عبادة: بايع فقد بايع الناس، فقال للرسول: لا والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبلي، وأخضب من دمائكم سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يداي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي، والله لو اجتمع لكم الجن والإنس لما بايعتكم، فلما عاد الرسول فأخبرهم بما قال، قال له عمر: لا تدعه حتى يبايع، فقال بشير بن سعد: دعه فقد لج، وليس بمبايعكم حتى يقتل ويقتل معه قيس ولده وأهله ومن أطاعه من قومه، فاتركوه، فتركوه، فكان سعد لا يحضر معهم، ولا

стр. 1850

يصلي في المسجد، ولا يسلم على من لقيه منهم، فلم يزل مجانبًا لهم حتى خرج إلى الشام بعد وفاة أبي بكر رضوان الله عليه (١). وذكر الطبري أن سعدًا بايع مكرهًا، وهو وهم (٢). ولما بويع أبو بكر رضوان الله عليه في السقيفة قال رجل من قريش كنيته أبو عمرو (٣): [من الكامل] شكرًا لمن هو بالثناءِ حقيقُ … ذهَب الحجاجُ وبويعَ الصديقُ من بعد ما دحضَت بسعد نعلُه … ورجى رجاءً دونَه العيوقُ حفَّت به الأنصارُ عاصب رأسهِ … فأتاهُم الصديقُ والفاروقُ وأبو عبيدةَ والذين إليهمُ … نفسُ المؤمل للصلاح تتوقُ بالحقِّ إذ طلبوا الخلافةَ زلَّة … لم يُخْطِ مثل خطائهم مخلوقُ إن الخلافةَ في قريشٍ ما لكم … فيها وربِّ محمد ثُفروقُ الثفروق: قمع البسرة. وروى ابن سعد، عن ابن عباس أنه قال أرسل العباس إلى بني هاشم فجمعهم عنده، وكان علي عنده بمنزلة لم يكن أحد بها، فقال: يا ابن أخي إني قد رأيت رأيًا لم أقطع به حتى أستشيرك فيه، قال: وما هو؟ قال: ندخل على رسول الله ﷺ فنسأله عن هذا الأمر، فإن كان فينا بعده لم نسلمه إلى أحد ما بقي فينا عين تطرف، وإن كان في غيرنا لم نطلبه أبدًا، فقال له علي: يا عم، وهل هذا الأمر [إلا] إليك، وهل ينازعك فيه أحد؟ فقال له العباس: والله إني أظن أنه سيكون، فمد يدك حتى أبايعك، فهذا أمر لم يرد مثله، وسمع العباس التكبير في المسجد، فقيل: ما هذا؟ فقيل: بايع الناس أبا بكر، فقال العباس: هذا ما دعوتك إليه فأبيت عليَّ (٤). وذكر ابن سعد: أن عمر بن الخطاب ﵁ لقي أبا عبيدة بن الجراح، فقال له:

стр. 1851

ابسط يدك لأبايعك فأنت أمين لهذه الأمة على لسان رسول الله ﷺ فقال أبو عبيدة: ما رأيت لك فهَّة قبلها منذ أسلمت، أتبايعني وفيكم الصديق (١)؟ وقال الزهري: سألت سعيد بن المسيب، فقلت له: أشهدت وفاة رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قلت: فمتى بويع أبو بكر؟ فقال: في اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ ، كرهوا أن يبقوا بعض يوم بغير إمام وليسوا في جماعة. وذكر في كتاب "بيت العلوم" أنه قيل للعباس: بايع، فقال: لا أبايع إلا ابن أخي عليًا. وقال سلمان الفارسي: كردي بكردي، أي فعلتموها، فوجئ عنقه. وقال المغيرة بن شعبة لعلي ﵁: اصعد المنبر لنبايعك، فإنك إن لم تصعد صعده غيرك، فقال علي: والله إني لأستحيي من رسول الله ﷺ أن أصعد منبره ولم أدفنه احترامًا له (٢). وقال الشريف في "نهج البلاغة": لما قضى رسول الله ﷺ وقال أبو سفيان بن حرب والعباس لعلي: هلم لنبايعك بالخلافة، فقال أمير المؤمنين: أيها الناس، شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرجوا عن طريق المنافرة، وضعوا من تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح، ماء آجن، ولقمة يغص بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه، فإن أقُلْ شيئًا يقولوا: حَرِصَ على الملك، وإن أسكت يقولوا: جزع من الموت، هيهات بعد اللتيا والتي، والله لابن أبي طالب آنَسُ بالموت من الطفل بثدي أمه، ولقد اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة (٣). قال المصنف ﵀: وقوله: إن أبا سفيان قال لعلي ﵁: أبايعك بالخلافة، فيه نظر، لأنهم اختلفوا في حضوره، فذكروا أن أبا سفيان قال لعلي: ما بال هذا الأمر

стр. 1852

في أقل حي من قريش، والله إن شئت لأملأنَّها عليهم خيلًا ورجلًا، فقال له علي ﵁: طال ما عاديت الإسلام وأهله فلم يضره ذلك شيئًا، ولقد رُمْتَ هذا في حياة رسول الله ﷺ فلم يتم لك ذلك، وأتم الله نوره (١). وقال عمر بن عبد العزيز ﵁ توفي رسول الله ﷺ وأبو سفيان عامله على نجران ولم يكن بالمدينة (٢). وقال صاحب "العقد": توفي رسول الله ﷺ وأبو سفيان في مسعاة، أخرجه فيها رسول الله ﷺ ، فلما انصرف لقي رجلًا في طريقه مقبلًا من المدينة، فقال له: ما الخبر، أمات محمد؟ قال: نعم، قال: فمن قام بعده بالأمر؟ قال: أبو بكر، قال: فما فعل المستضعفان علي والعباس؟ قال: جالسان في بيت فاطمة، فقال: أما والله إن بقيت لهما لأرفعن من أعقابهما، ثم قال: إني لأرى غيرة لا يُطفئها إلا دم، فلما قدم المدينة جعل يطوف أسواقها وأزقتها، ويقول: [من الطويل] بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم … ولا سيما تيم بن مرة أو عدي فما الأمر إلا فيكم وإليكم … وليس لها إلا أبو حسن علي وبلغ عمر قوله فقال لأبي بكر: إن هذا قد قدم وهو فاعل شرًا، وقد كان رسول الله ﷺ يستألفه (٣) على الإسلام، فدع له ما بيده من الصدقة، ففعل، فرضي أبو سفيان، وبايعه. وذكر صاحب "العقد" أن عليًا والعباس والزبير قعدوا في بيت فاطمة ﵍، فبعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ﵄ ليخرجهم من بيت فاطمة، وقال: إن أبوا قاتلهم، فأقبل عمر وفي يده قبس من نار ليضرم عليهم البيت، فخرجت إليه فاطمة، وقالت:

стр. 1853

ويحك يا ابن الخطاب جئت لتحرق بيتي؟ قال: نعم، أريد أن تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة، فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه، فقال له أبو بكر: أكرهت إمارتي؟ قال: لا، ولكن آليت أن لا أرتدي بعد موت رسول الله ﷺ حتى أجمع القرآن، فعليه حبست نفسي (١). والصحيح: أن عليًا رضوان الله عليه إنما بايع بعد مدة لما نذكر، والله أعلم. وقال أنس: جلس عمر على منبر رسول الله ﷺ وذلك من الغد في اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ فتشهد وأبو بكر صامت، ثم قال: أما بعد فإني قلت لكم أمس مقالة، وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت تلك المقالة في كتاب أنزله الله ولا في عهد عهده إلي رسول الله ﷺ ، ولكن كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يَدْبُرَنا، فإن يك قد مات فإن الله قد جعل لكم نورًا تهتدون به هَدي محمد ﷺ فاعتصموا به تهتدوا، وإنما هدى الله به بما هدى الله به رسوله، وإن أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ وثاني اثنين، وإنه أولى الناس بأموركم، فقوموا، فبايعوه، قال: وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة عند المنبر، قال أنس: فرأيت عمر يزعج أبا بكر إلى البيعة إزعاجًا (٢). ولم يبايع علي أبا بكر ﵄ إلا بعد ستة أشهر. وقال المسعودي: لما جددت البيعة لأبي بكر يوم الثلاثاء على العامة خرج علي بن أبي طالب فقال: أيفتأت علينا في أمرنا ولم نستشر فيه؟ فقال أبو بكر: بلى، خشينا الفتنة، قال: ولم يبايع أبا بكر أحد من بني هاشم حتى ماتت فاطمة ﵍ (٣). وذكر الطبري: أن عليًا رضوان الله عليه كان في بيته، فقيل له: قد بايع الناس أبا بكر، فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلًا كراهية أن يبطئ عنها، فبايع أبا بكر، وجلس إليه، وبعث إلى بيته فأتي بثوبه، فتجلله (٤). وهو وهم من الطبري. قال المصنف ﵀: وقد ذكر ابن إسحاق قصة البيعة مطولًا، فاختصرته، قال: لما توفي رسول الله ﷺ قال الحباب بن المنذر: يا معاشر الأنصار، أمِّروا عليكم

стр. 1854

رجلًا منكم، فكره معن بن عدي وعويم بن ساعدة ما قال، ومضيا إلى أبي بكر، وأخبراه الخبر، وقالا: هم في سقيفة بني ساعدة، وذكر مجيء أبي بكر وعمر إليهما، فلما سمع المغيرة بن شعبة قول عويم ومعن، قال لأبي بكر وعمر: أيها الشيخان إن الناس إنما ينظرون إليكما وليس يرون لهذا الأمر أحدًا غيركما، فليضرب أحدكما على يد صاحبه قبل أن يحدث ما يتفاقم له الأمر، فأخذ عمر بيد أبي بكر ليبايعه، فكره ذلك أبو بكر، ونظر إلى الناس، وأراد البيعة بمحضر من المهاجرين والأنصار، وقال لعمر: قم بنا إلى إخواننا الأنصار، فإنه كان من آخر عهد رسول الله ﷺ أن أوصانا بهم، فقام أبو بكر وعمر، وتبعهما المهاجرون، قال عمر: فانتهينا إليهم وهم في سقيفة بني ساعدة قد عصبوا سعدًا وهو يوعك، فذهبت لأتكلم، فقال أبو بكر: اسكت يا عمر حتى أتكلم، ثم قل ما أحببتَ، ثم خطب أبو بكر في السقيفة، فقال: الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونشهد به، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سراج الظلمة، ونبي الرحمة، بعثه الله بالحق نورًا وهدىً للعالمين، وذكر خطبة طويلة، وقال: وإن هذا الأمر في قريش ما أطاعوا الله واستقاموا على أمره، وقد سمعتم ذلك من رسول الله ﷺ ، وإنه لا يحل أن يكون للمسلمين أميران لئلا يقع الاختلاف، وتتفرق الجماعات، وتترك السنة وتظهر البدعة، وأنا أدعوكم إلى أبي عبيدة بن الجراح أو عمر بن الخطاب، وذكر بمعنى ما تقدم، فقال عمر: ما ينبغي لأحد من المسلمين أن يكون فوقك، أنت صاحب رسول الله ﷺ في المواطن كلها، واختياره لك في الصلاة دليل على أنك أحق بهذا الأمر، فقام خطيب الأنصار ثابت بن قيس بن شماس فقال: نعم أنتم أول من آمن به وصدقه، وأنتم أقرباؤه وقومه، وأفضل الناس حَسَبًا ونسبًا، لا يحسدكم والله على ما آتاكم الله، ولا خلق الله أحدًا أحب إلينا وأكرم منكم، فلو جعلتم رجلًا منا ورجلًا منكم كان أشفق للقرشي إذا زاغ مخافة أن ينقض عليه الأنصاري، [وكان أشفق للأنصاري] إذا زاغ مخافة أن ينقض عليه القرشي، وقد كانت منا فيكم دماء، ولا نأمن الوالي منكم أن يميل على السيد منا فيقتله أو يصرفه. فقام عمر، فخطب، وذكر خطبة طويلة، وفيها: وأن العرب لا ترضى بهذا، ولا تقرُّ به إلا لقريش، وأنا أنشد الله رجلًا سمع رسول الله ﷺ يقول: "الأمراء من قريش"

стр. 1855

قالوا: بلى الآن ذكرنا، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢]، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ثم أخذ بيد أبي بكر، فبايعه، وبايع الناس، واجتمع أمر المسلمين، وصاروا يدًا واحدة، ولم يغب عن تلك البيعة أحد ممن يُؤْبَه له إلا علي بن أبي طالب، والزبير، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، فرجع الناس على ذلك يومهم، حتى إذا كان من الغد خرج أبو بكر، وذلك يوم الجمعة، فقال: اجمعوا لي المهاجرين والأنصار، فاجتمعوا، ثم أرسل إلى علي بن أبي طالب فأتاه والنفر الذين كانوا تخلفوا معه، فقال: ما خلفك يا علي عن أمر الناس؟ فقال: خلفني عظم المصيبة، ورأيتكم استغنيتم برأيكم، فاعتذر إليه أبو بكر لخوف الفتنة وتفاقم الحدثان، وإن كنت والله لها كارهًا وما شَهِدَها أحد أحب إلي أن يشهدها [منك]، ثم أشرف على الناس، وقال: أيها الناس، هذا علي بن أبي طالب، فلا بيعة لي في عنقه، وهو بالخيار من أمره، ألا وأنتم بالخيار جميعًا في بيعتكم، فإن رأيتم لها غيري فأنا أول من أبايعه، فلما سمع ذلك علي تحلل عنه ما كان قد دخله، فقال: أجل لا نرى لها غيرك، مد يدك، فبايعه هو والنفر الذين كانوا معه (١). وهذا دليل على أن عليًا بايع أبا بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ بثلاثة أيام، ودل عليه أيضًا ما ذكره ابن سعد فإنه قال: حدثنا وكيع، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن قال: قال علي بن أبي طالب: لما قُبِض رسول الله ﷺ نظرنا في أمرنا، فوجدنا رسول الله ﷺ قد قدَّم أبا بكر في الصلاة، فرضينا بأمر رضيه رسول الله ﷺ لديننا، فبايعنا أبا بكر (٢). ولما بلغ أبا قحافة بمكة وفاة رسول الله ﷺ قال أبو قحافة: من ولي بعده؟ قالوا: ابنك، قال: أرضيت بذلك بنو عبد شمس وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم، قال: لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع (٣). وقيل: إن بيعة علي - رضوان الله عليه - أبا بكر رضوان الله عليه تأخرت إلى وفاة فاطمة ﵍.

стр. 1856

الباب العاشر: في طلب آل رسول الله ﷺ الميراث قالت عائشة رضوان الله عليها: جاء العباس وفاطمة أبا بكر يطلبان ميراثهما من رسول الله ﷺ : أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا نُورَثُ، ما تَرَكنا صَدَقةٌ". إنما يأكل آل محمد في هذا المال، وإني والله لا أدع أمرًا رأيت رسول الله ﷺ يفعله، أو يصنعه إلا صنعته، إني أخشى إن تركت أمره أو شيئًا من أمره أن أزيغ. أخرجاه في "الصحيحين" (١). طريق آخر عن عائشة: أن فاطمة ﵍ أرسلت إلى أبي بكر ﵁ تسأله ميراثها مما ترك رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: "لا نُورثُ ما تَرَكنا صَدَقةٌ" فغضبت فاطمة، وهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر، فلما توفيت دفنها علي رضوان الله عليه ليلًا، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها، قال: وكان لعلي حياةَ فاطمة من الناس وجهٌ، فلما توفيت استنكر عليٌّ وجوه الناس، فالتمس مصالحةَ أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايعه تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر: [أن ائتنا] ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر، فقال عمر: والله لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبو بكر: وما عسى أن يصنعوا بي، والله لآتينهم، فانطلقوا، وانطلق أبو بكر، فدخل عليهم، فتشهد علي، وقال: إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرًا ساقه الله إليك، ولكنكم استبددتم بالأمر، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله ﷺ أن لنا في هذا الأمر نصيبًا، فلم يزل علي يذكر حتى بكى أبو بكر، فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده، لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي، وأما الذي شَجَر بيني وبينكم في هذه الأموال فإني لم آل منها عن الخبر، فقال علي: موعدك للبيعة العشية، فلما صلى أبو بكر الظهر رقى على المنبر وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر به، وتشهد علي فعظم حق أبي بكر، وذكر فضيلته وسابقته،

стр. 1857

وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر، ثم قام إلى أبي بكر فبايعه، فأقبل الناس على علي، وقالوا: أصبت وأحسنت، وكان المسلمون إلى علي قريبًا حين راجع الأمر بالمعروف (١). وقال رجل للزهري: لم يبايع علي أبا بكر ستة أشهر؟ فقال: لا والله ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي. وقال مالك بن أوس بن الحدثان: أرسل إلي عمر، فجئته حين تعالى النهار، فوجدته جالسًا في بيته على سرير مفضيًا إلى رُمالة، متكئًا على وسادة من أدم، فقال لي: مالكٌ، إنه قد دفَّ أهل أبيات من قومك، وقد أمرت لهم برَضْخٍ، فخذه فاقسمه بينهم، فقلت: لو أمرت بهذا غيري، قال: خذه يا مالك، فدخل يرفأ، فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟ قال عمر: نعم، فأذن لهم، فدخلوا ثم جاء فقال: هل لك في علي وعباس؟ قال: نعم، فأذن لهما، فدخلا، فلما استقر بهما المجلس قال العباس: يا أمير المؤمنين، [اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن، فقال القوم: أجل يا أمير المؤمنين] اقض بينهما وارحمهما، قال مالك بن أوس: فخيل إلي أنهما قد كانا قَدَّموهم لذلك، فقال عمر: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله ﷺ قال: "لا نُورثُ ما تَرَكنا صَدَقةٌ"؟ قالوا: نعم، ثم أقبل على العباس وعلي، فقال لهما مثل ذلك، قالا: نعم، فقال عمر: إن الله تعالى كان خص رسوله بما لم يخص به غيره، فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]. قال: فقسم رسول الله ﷺ بينكم أموال بني النضير، فوالله ما استأثر عليكم، ولا أخذها دونكم، فكان رسول الله ﷺ يأخذ نفقته ونفقة عياله منه، ثم يجعلُ ما بقي أُسْوَةَ مال الله، ثم نشدهم ونشد علي والعباس فقالوا: نعم، فلما ولي أبو بكر قال: أنا ولي رسول الله ﷺ فجئتما تطلبان أنت ميراثَك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال لكما أبو بكر: قال رسول الله ﷺ : "لا نورث"، ثم توفي أبو بكر، وأنا ولي أبو بكر وولي رسول الله ﷺ فوليتهما حتى جئتني وهذا، وأنتما جميع، وأمركما واحد، فقلتما: ادفعها إلينا، فقلت: إن شئتما دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله ﷺ فأخذتماها

стр. 1858

بذلك، كذلك هو؟ قالا: نعم، ثم قال: جئتماني لأقضي بينكما، والله لا أقضي بينكما أبدًا بغير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فردَّاها إلي (١). قال البرقاني: فكانت بيد علي، ثم كانت بيد زيد بن الحسن، ثم بيد عبد الله بن الحسن، قال: نعم، ثم وليها بنو العباس (٢). فصل: وللبخاري عن عمرو بن الحارث الخزاعي قال: ما ترك رسول الله ﷺ درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها، وسلاحه وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة (٣). وسنذكر ما ترك بعد هذا. قلت: ولا خلاف أن فاطمة طلبت ميراثها من أبي بكر رويناه في "الصحيحين" وأنها هجرته حتى ماتت. وقال ابن سعد بإسناده عن أبي صالح، عن أم هانئ: أن فاطمة ﵍ قالت لأبي بكر رضوان الله عليه: يا أبا بكر، من يرثك إذا مت؟ قال: ولدي وأهلي، قالت: فما بالك ورثت أبي دوننا؟ فقال: يا بنت رسول الله ما ورّث أبوك مالًا ولا ذهبًا، ولا فضة، ولا أرضًا، ولا غلامًا، قالت: فسهم الله الذي جعله لنا وصافيتنا التي بيدك؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّما هي طُعمَةٌ أَطعَمَنيها اللهُ، فإذا متُّ عادت إلى المسلمين"، فهجرت فاطمة أبا بكر فلم تكلمه حتى ماتت (٤). وقال هشام بن محمد: لما مُنعت فاطمة ميراثها دخلت على أبي بكر وقد لاثت خمارها على رأسها، ثم حمدت الله وأثنت عليه، ووصفت رسول الله ﷺ بأوصاف، فكان مما قالت: كان كلما فغرت فاغرة من المشركين، أو نجم قرن من الشيطان وطئ روقه بأخمصه، وأخمد لهبه بسيفه، وكسر قرنه بعزيمته، حتى إذا اختار له الله دار أنبيائه، ومقر أصفيائه؛ أطلعت الدنيا رأسها إليكم فوجدتكم لها مستحبين، ولغرورها ملاحظين، هذا والعهد قريب، والأمد غير بعيد، والجراح لم تندمل، فأنى تكونون كذا وكتاب الله بين أظهركم، ثم قالت: يا أبا بكر، أترثُ أباك ولا أرث أبيَهْ، دونكها

стр. 1859

مرحولة مزمومة، فنعم الحاكم الله، والموعد القيامة ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧] ثم جاءت إلى قبر رسول الله ﷺ فبكت عنده طويلًا، ثم قالت هذه الأبيات: [من البسيط] قد كان بعدَك أنباءٌ وهَنْبَثَةٌ … لو كنتَ شاهدهَا لم تعظمِ النُّوبُ إنا فقدْنَاك فقد الأرض وابِلَها … واغتيلَ أهلُكَ لما اغتالَك التُّرَبُ وقد رُزئنا بما لم يُرزه أحدٌ … من البريَّة لا عجمٌ ولا عربُ (١) قال [ابن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان، عن الزهري، عن عروة عن عائشة قالت:] أرسلت فاطمة إلى أبي بكر تسأله ميراثها من أبيها، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "لا نُورثُ ما تَرَكنا صَدَقةٌ" فإن اتهمتِني فسلي المسلمين يخبرونك ذلك. قال: وقد كان أزواج النبي ﷺ بعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن من رسول الله ﷺ فكنت أنا الذي رددتهن عن ذلك، أرسلت إليهن وقلت لهن: أما سمعتن رسول الله ﷺ يقول: "لا نُورثُ ما تَرَكنا صَدَقةٌ" فنزعن عن ذلك (٢). [قال ابن إسحاق: ثم أقامت فاطمة على ذلك تطلب حقها من أبي بكر حتى قبضت بعد ستة أشهر. وقال ابن إسحاق: فحدثني القاسم بن حكيم قال: سمعت] علي بن الحسين يقول: جاءت فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى أبي بكر وهو على المنبر، فقالت: يا أبا بكر أفي كتاب الله أن ترثك ابنتك ولا أرث أبي؟ فاستعبر أبو بكر باكيًا، ثم قال: بآبائي أبوك وبآبائي أنت، ثم نزل، فكتب لها بفدك، ودخل عليه عمر، فقال: ما هذا؟ فقال: كتاب كتبته لفاطمة ميراثها من أبيها، قال: فماذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى؟ ثم أخذ عمر الكتاب، فشقه. * * *

стр. 1860

الباب الحادي عشر: في قضاء دينه ﷺ - [قال ابن سعد بإسناده، عن زيد بن أسلم وعمر بن عبد الله مولى غفرة قالا:] لما قبض رسول الله ﷺ جاء أبا بكر مال من البحرين، فقال: من كانت له عند رسول الله ﷺ عِدَةٌ فليأتني، فجاءه جابر بن عبد الله الأنصاري، فقال: إن رسول الله ﷺ وعدني إذا جاءه مال من البحرين أن يعطيني كذا وكذا، وأشار بكفيه، فقال أبو بكر: خذ، فأخذ فعده فإذا هو خمس مئة دينار أو درهم، ثم فرق الباقي على من كان وَعَدهم رسول الله ﷺ (١). [وقال ابن سعد بإسناده] عن جابر بن عبد الله قال: قضى علي بن أبي طالب كل دين كان على رسول الله ﷺ ووفى بعداته، وكان مناديه ينادي في الموسم كل عام يوم النحر بمنًى: ألا من كانت له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتني حتى أوفيه، ثم كان الحسن يفعل ذلك، ثم الحسين، قال جابر: فما كان يأتي أحد بحق أو بباطل إلا أعطوه، ثم انقطع ذلك بعد الحسين (٢). وقد ثبت في "الصحيح": أن رسول الله ﷺ توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على آصع من شعير (٣). * * *
следующие страницы →