← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وإزارًا عمانيًا وثوبين صحاريين وقميصًا صحاريًا، وقميصًا سحوليًا، وجبة يمانية، وملحفة مورَّسة، وخميصة وكساء أبيض، وثلاث قلانس لاطية صغارًا. وقال هشام: كان له بردان أخضران يصلي فيهما الجُمع والأعياد، وكساء أسود، وبرد أحمر يلبسه في الجمعة والعيدين، وكان له مِنتقة (١) من أديم فيها سُيور، وحلق فضة وإبريسم، وحصيرة، وعباء يبسطها طاقين، وينام عليها، وخفان أسودان أهداهما له النجاشي، كان يمسح عليهما، وكانت له فروة مدبوغة، وخمرة يصلي عليها - وهي السجادة - ونعلان لهما قبالان، فكان يصلي فيهما، وكانت له ربعة فيها مشط من عاج، ومرآة ومكحلة، ومقراض، ومسواك، وكانت الربعة لا تفارقه سفرًا وحضرًا، وكان يكتحل بالإثمد وهو صائم، وكان له قدح مضبَّب بالفضة. وأخرج البخاري، عن عاصم الأحول قال: رأيت عند أنس بن مالك قدحًا من نُضار قد انصَدع وقد سَلسَلَه بفضة، قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ بهذا القدح كذا وكذا مرة. قال ابن سيرين: وكان فيه حلقة من حديد، فاراد أنس أن يغيرها بحلقة ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغير شيئًا صنعه رسول الله ﷺ فتركه (٢). [وقال الواقدي:] وكان له ﷺ تور من حجارة، وطست من نحاس، وقدح من زجاج، وقصعة [وقدح] من عِيدان يبول فيه في الليل. فإن قيل: فقد رويتم في ميراثه ﷺ أنه ما ترك دينارًا ولا درهمًا، ولا شاة ولا بعيرًا ولا شيئًا؟ قلنا: قد روى عروة، عن عائشة أنها سُئلت عن ذلك فقالت: فرق رسول الله ﷺ ذلك كله قبل موته. وروى الهيثم عن أشياخه أنهم قالوا: ما ترك رسول الله ﷺ شيئًا مما يسأل الإنسان عنه، وإنما ترك ما يُلبس ويُمتَهَن (٣).

стр. 1892

وقد ضعف الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ﵀ ما روي عن محمد بن علي بن الحسين، وهو أيضًا منقطع لأنه لم يرفعه. وذكر المدائني أن العباس خاصمَ عليًّا إلى أبي بكر رضوان الله عليه في ميراث رسول الله ﷺ فقال: العم أولى بالميراث أو ابن العم؟ فقال أبو بكر: العم، قال: فما بال درع رسول الله ﷺ وبغلته دُلْدُل، وسيفه ذو الفقار عند علي، فقال أبو بكر رضوان الله عليه: هذا شيء وجدته في يده فأكره أن أنتزعه منه، فسكت العباس. قال المصنف (١) ﵀: وهذا محمول على أن رسول الله ﷺ وهب ذلك لعلي قبل موته، وخفي ذلك عن العباس، وإلا فكيف يظن بعلي أن في يده ما لا يستحقه؟!. * * *

стр. 1893

الباب السادس عشر: في آلات حربه ﷺ - قدم رسول الله ﷺ المدينةَ ومعه سيف ورثه من أبيه يقال له: العَضْب، شهد به بدرًا، وأصاب ﷺ من بني قينقاع ثلاثة أسياف: سيفًا قَلَعيًا، وسيفًا يدعى بتَّارًا، وسيفًا يدعى الحَتْف، والمِخْذَم ورَسوب أصابهما من الفُلْس - اسم صنم (١) - بعث رسول الله ﷺ عليًا رضوان الله عليه فوجد الصنم مقلدًا بهذين السيفين، أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وكانا للحارث بن أبي شمر الغساني وكان قد نذر إن ظفر ببعض أعدائه أهداهما إلى الصنم، وفيهما يقول علقمة بن عبدة التميمي (٢): [من الطويل] مُظاهِرُ سِربالَيْ حديدٍ عليهما … عقيلا سُيوفٍ مِخذَمٌ وَرسوبُ وذو الفَقار تنفَّله يوم بدر من ابن الحجاج، وكانت قبيعته وقائمه ونعله وحِلَقه من فضة (٣). وهو الذي رأى رسول الله ﷺ فيه الرؤيا ليلة أحد (٤). ولم يزل عنده حتى وهبه لعلي رضوان الله عليه قبل موته، ثم انتقل إلى محمد بن الحنفية، ثم إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن حسين، وكان له سيوف أخر. وأصاب ﷺ من بني قينقاع ثلاث قسي، اسمها الرَّوْحاء، وقوس من شَوْحَط تُدعى البيضاء، وقوس من نبع تُدعى الصفراء (٥)، وقوس يقال لها: الكتوم، رمى عنها يوم أحد فأخذها قتادة بن النعمان، وكانت من نبع (٦). وكان له جعبة يقال لها: الكافور، وسهام يقال لها: المفضلة. وأصاب ﷺ من سلاح بني قينقاع درعين يقال لأحدهما: السُّغدية، والأخرى فضة (٧).

стр. 1894

وكان له درع يقال لها: ذات الفضول، وهي التي ظاهر بها يوم أحد (١). قال ابن الكلبي: وكانت له درع يقال لها: ذات الوشاح، والخريق، والبتراء، وأحد هذه الدروع الدرع التي لبسها داود ﵇ لما قَتَل جالوت، وكانت عند بني قينقاع يتوارثونها لأنهم يدعون أنها من قبيل داود، وهي التي رهنها عند اليهودي على آصع من شعير، وتوفي ﷺ وهي مرهونة. وكان له تُرس يقال له: الزلوق، وفيه تمثال كبش، فكره رسول الله ﷺ مكانه، فأصبح يومًا وقد محي (٢). وكان له ﷺ مِغفَر يقال له: اليسوع (٣)، وهو الذي دخل يوم فتح مكة وهو على رأسه. وكان له ﷺ آخر هُشِم على رأسه يوم أحد مع البيضة، ودخلت حلقتاه في وجنتيه. وكان له ﷺ مِحْجَن قدر الذراع يمشي وهو بيده ويعلقه بين يديه على راحلته، وهو الذي طاف بالبيت وهو بيده يستلم به الأركان (٤). وكانت له ﷺ مِخْصَرَة تسمى العرجون، وهي كالقضيب يستعملها الأشراف للتشاغل بها في أيديهم، ويحكون بها ما بعد من البدن (٥) عن اليد. وأهدى له النجاشي عَنَزة - وهي حربة صغيرة - كانت تحمل بين يديه في الأعياد، وإذا صلى في الصحراء جعلها سترة (٦)، وكانت تحمل بين يدي الخلفاءِ في الأعياد، وبقيت إلى زمن المتوكل جعفر (٧)، وقيل: هي مدفونة بسُرَّ مَن رأى (٨).

стр. 1895

الباب السابع عشر: في عدد غزواته وسراياه ﷺ - غزا رسول الله ﷺ سبعًا وعشرين غزاة، قاتل منها في تسع غزوات: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقُرَيظة، وخَيبر، والفتح، وحُنين، والطائف (١). وروي: أنه ﷺ قاتل في بني النضير ووادي القُرى مُنصرفه من خيبر، وفي الغابة (٢). وقال الطبري: جميع غزواته ست وعشرون بنفسه، وبعضهم يقول: سبعٌ وعشرون، فمن قال: ست وعشرون، جعل غزاة خَيبر ووادي القُرى غزاةً واحدةً (٣). وقال البراء بن عازب: غزا رسول الله ﷺ خمس عشرة غزاةً (٤). وقال برَيدة: سَبع عشرة، قاتل في ثمانٍ (٥). وقال زَيد بنُ أَرقم: تسعَ عشرة غزاةً (٦). وقال جابر: إحدى وعشرين (٧). وقال سعيد بن المسيِّب: ثماني عشرة، وقال أيضًا مرَّةً أخرى: أربعًا وعشرين غزاة (٨). والأصح القول الأول، وما نقل عن بُرَيدة، والبراء، وجابر، وغيرهم فمحمول على أنهم لم يحضروا مع رسول الله ﷺ إلا فيما ذكروا، ولم يبلغوا سوى ذلك.

стр. 1896

وقال الواقدي: كانت سراياه ﷺ ستًا وخمسين سريةً فيما أجمع لنا عليه. وقال ابن إسحاق: إنها كانت خمسًا وثلاثين سريةً ما بين بعثٍ وسريةٍ (١). وقال بُريدة: أربعًا وعشرين سرية (٢). والأصحُّ أنها كانت ستًا وخمسين. * * *

стр. 1897

الباب الثامن عشر: في ذكرِ كُتَّابه للوحي وغيره ﷺ - كان يكتب لرسول الله ﷺ الوَحيَ بمكةَ أبو بكرٍ، وعمر، وعثمان رضوان الله عليهم، ثم لما هاجر إلى المدينة كتب له عثمان رضوان الله عليه (١). وقيل: أول من كتب للنبيَّ ﷺ الوحيَ بالمدينة عند الهجرة أُبي بن كعب، وهو أول من كتب في آخر الكتاب: وكتب فلان (٢)، ثم داوم زيد على الكتابة، ثم كتب له عامر ابن فُهيرة، وثابت بن قيس بن شَمَّاس، وشُرَحبيل بن حَسَنة، وخالد بن سعيد بن العاص، وأَبان بن سعيد، والعلاء بن الحَضْرمي، وحنظلة بن الربيع بن صَيفي أبو رِبعي من بني تميم، ويعرف بحنظلة الكاتب، له صحبة وروايةٌ، صحب خالد بن الوليد في حروب العراق كلها، وهو أخو (٣) أكثم بن صَيفي، ولما وقعت الفتنة، اعتزلها، وخرجَ إلى قَرْقِيسياء هو وجريرٌ البَجَلي وعديُّ بن حاتم، وتوفي في أيام معاوية بن أبي سفيان. قال حنظلة: كنَّا عند رسول الله ﷺ فذكرنا الجنة والنارَ حتى كأنَّا رأْيَ عينٍ، فأتيتُ أَهلي وولدي، فضَحكتُ، ولَعبتُ، وذكَرتُ الذي كنَّا فيه، فخرجتُ، فلقيتُ أبا بكر: فقلتُ له: نافقَ حنظلةُ، فقال: إنَّا لَنفعَلُهُ، ثم أتيتُ رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، فقال: "يا حنْظَلَةُ، لو كُنتُم يكونُونَ كما تكونون عِندي لصافَحَتْكُم الملائِكةُ على فُرُشِكُم، أو في طُرُقكُم، يا حَنظلَةُ ساعةً وساعةً". انفرد بإخراجه مسلم (٤). وذكر شيخُنا موفَّقُ الدين رحمةُ الله عليه في "الأنساب" (٥): أنَّ الكاتب لعَهده إذا عاهدَ، ولصلحِهِ إذا صالح عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه.

стр. 1898

وكتب له محمد بن مَسْلَمة، وعبد الله بنُ عبدِ الله بن أبي ابن سَلول، والمغيرة بن شعبة، وجُهيم بن الصلت، ومُعَيقِيب بن أبي فاطمة، وكتب له عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وارتَدَّ عن الإسلام، ولحق بمكَّة، فأباح ﷺ دمه، ثم أسلم بعد ذلك، وكتب له معاوية بعد الفتحِ، وكان الزبير يكتب أموال الصدقة، وحذيفة بن اليمان يكتب خَرْصَ (١) النخل، والمغيرة بن شُعبة يكتب كُتبَ المعاملات والمداينات، وزيد بن أرقم يكتب جواب كتبِ الملوك، وكتب علي بن أبي طالب رضوان الله عليه كتاب الحديبية، وكتاب أهل نَجران، وكتب له ﷺ خالد بن سعيد بن العاص كتابًا لأهل وج. وذكر ابن عباس: أنَّه كان له كاتب يقال له: سجل، وهو المراد بقولِهِ تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] (٢)، وكتبَ له عبد الله بن الأرقم ابن عبد يغوث بن وَهب الزهري، وكان قد أسلم عام الفتح وكان يجيب عن كتب الملوك، وكان إذا كتب كتابًا إلى بعض الملوك لا يقرؤه بل يجبه حفظًا لأمانة رسول الله ﷺ ، فكان رسول الله ﷺ يدعو له، وقال يومًا: "اللهمَّ وَفَّقه" (٣) وكان عمر بن الخطاب حاضرًا، فبقي ذلك في قلب عُمر، فلما وليَ، ولَّاه بيت المال لأمانته، وكذا عثمانُ وفرض له ثلاثَ مئة درهم، فردها، وقال: كنت أعملُ لله فلا آخذ عليه أجرًا، وكان عمر يثني عليه، وقيل: إن الذي أعطاه ثلاث مئة درهم عمر، وكتب عبد الله هذا لأبي بكرٍ وعمر، واستعمله على بيت المال عثمان، ثم استعفاه، فأعفاه، وكتب له عبد الله ابن زيد صاحب الأذان، وجهيم بن الصلتِ، والعلاء بن عقبة وغيرهم. * * *

стр. 1899

الباب التاسع عشر: في ذكر مؤذنيه ﷺ - كان عبد الله بن زيد الأنصاري سبَبُ الأذان، وكان المداومَ عليه سفرًا وحضرًا. وكان عبد الله بن أمَّ مكتوم أعمى لا يؤذن حتّى يقال له: أصبحتَ، قال رسول الله ﷺ : "إنَّ بلالًا يُؤَذِّنُ بِليلٍ، فكُلُوا واشربُوا حتى يُؤَذَّنَ ابنُ أُمِّ مكتوم" (١). وأذن له ﷺ أبو محذورة بمكة. * * *

стр. 1900

الباب العشرون: في ذكر عماله وحرسه ونحوه توفي ﷺ وعامله على مكة: عتاب بن أسيد، وعلى البحرين: العلاء بن الحضرمي، وعلى عمان: جَيْفَر وعَبْد ابنا الجُلَنْدَى، وغلب على الطائف عثمان بن أبي العاص الثقفي، وكان على مخاليف الجند وصنعاء: عمرو بن أمية المخزومي، وعلى مخاليف زبيد وأعمالها: خالد بن سعيد بن العاص، وعلى حرسه: أبو سفيان بن حرب (١)، وكان معاذ وأبو موسى على قضاء اليمن. وحرَسَه جماعة، منهم: سعد بن معاذ يومَ بدرٍ لما قام في العريش، وحرسه سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة، وسعد بن معاذ، ليلة أحد، وحرسه علي، والزبير، وسعد ابن أبي وقاص ﵃ ليالي الخندق، وحرسه أبو أيوب الأنصاري بخيبر ليلة بنى بصفية، وحرسه بلال المؤذن بوادي القرى ليلة التعريس، في آخرين، وما زال يُحرسُ حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فترك الحرس، وكان يضرب الأعناق بين يديه ﷺ علي، والزبير، ومحمد بن مسلمة، والمقداد بن الأسود، وعاصم ابن أبي الأفلح، وكان قيس بن سعد بن عبادة بين يديه بمنزلة الشرط من الأمير. * * *

стр. 1901

الباب الحادي والعشرون: فيمن كان يشبهه ﷺ - وكان يشبهه ﷺ جماعة، منهم: جعفرُ بن أبي طالب، والحسن بن علي، وقثم بن العباس، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، والصائب بن عبيد، ومسلم بن مُعتِّب، وكابس (١) بن ربيعة بن مالك البياضي البصري، من بني سامة بن لؤي، وكان أشبَه الناس برسول الله ﷺ في خَلقه وخُلقِه، فكان أنس بن مالك إذا رآه عانقه، وبكى، وقال: من أراد أن ينظر إلى رسول الله ﷺ فلينظر إلى هذا، وبلغ معاوية بن أبي سُفيان خَبَره، فاستقدمه، فلما دخل عليه قام واعتَنَقه، وقبَّل ما بين عينيه، وأقطعه مالًا وأرضًا، فرد المال وقبل الأرض (٢). * * *

стр. 1902

الباب الثاني والعشرون: في ذكر حَجِّه وعمرته ﷺ - لم يحج في الإسلام إلا مرّةً واحدةً، وهي حَجّةُ الوداعِ، وأما في الجاهلية فقد كان يقف مع المشركين على عادتهم، وكذا بعد النبوة حتى هاجر، واعتمر أربع عمر. قال قتادة: سألتُ أنس بن مالك، قلتُ: كَم حجَّ رسول الله ﷺ ؟ فقال: حجَّةً واحدةً، واعتمر أربع عمر: عمرته زمنَ الحديبيةِ، وعمرته في ذي القَعدة قضاء عن الحديبية، وعمرته عن الجِعْرَانة في ذي القَعدة حيث قسم غنائم حُنين، وعمرته مع حجته. أخرجاه في "الصحيحين" (١). قال المصنف ﵀: عمرة الحديبية لا تحسب لأنه ما دخلَ مكَّة، فكان حكمه حكم المحصَرِ. والأصحُّ أنه اعتمر ثلاث عمرٍ. وكان عبد الله بن عمر ﵄ يقول: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر: عُمرة في رجب، وقد أنكَرت عليه عائشة ﵂ وقالت: ما اعتمر إلا ثلاث عمر (٢). قال عروة بن الزبير: كنت أنا وابن عمر مستنديْن إلى حجرة عائشة، وإنا لنسمعها تستنُّ بالسواك، قلت: أبا عبد الرحمن، اعتمر النبيُّ ﷺ في رجب؟ قال: نعم، قلت: يا أمَّتاه، ما تسمعِين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: ما يقولُ؟ قلتُ: يقول: إِنَّ رسولَ اللهِ ﷺ اعتمر في رجب، فقالت: يغفر الله له، ما اعتمر رسولُ الله ﷺ في رجَب، قال: وابن عمر يسمع، فما قال: لا، ولا نعم، سكت. أخرجاه في "الصحيحين" (٣). وفي روايةٍ: أنَّها قالت: ولَعَمري، ما اعتمرَ رسول الله ﷺ إلا وهو معه، وشاهده.

стр. 1903

وأخرج الإمام أحمد رحمة الله عليه عن مُحرَّش بن عبد الله الكعبي الخزاعي، أنَّ النبيَّ ﷺ خرج ليلًا من الجعرانة معتمرًا، فدخل مكة، فقضى عمرته، ثم عاد إلى الجعرانة ليلًا، أو من ليلته، حتى إذا زالت الشمس خرج من الجعرانة في بطن سَرفٍ، حتى جاء مع طريق المدينة، قال: فلذلك خفيت عمرته على الناس (١). * * *

стр. 1904

الباب الثالث والعشرون: في ذكر صفته ﷺ - قال أنس بن مالكٍ ينعت رسول الله ﷺ : كان رَبْعَة من الرجال، ليس بالقصير ولا بالطويل، رَجِلَ الشعر، ليس بالسَّبِطِ، ولا بالجَعْد القَطَطِ، بُعث على رأسِ أربعين، أقام بمكة عشرًا، وبالمدينة عشرًا، وتوفي على رأس سِتين، ليس في رأسه ولحيته عشرونَ شعرة بيضاء. متفق عليه (١). وقال أنس: كان رسول الله ﷺ ضَخْمَ القدمينِ، حَسَن الوجه [لم أر بعده مثله (٢). وفي رواية عن أنس ﵁: كان النبي ﷺ شَثِنَ القَدَمين والكَفَّين (٣). وعن أنس ﵁ قال:] ما مسِستُ حَريرًا ولا دِيباجًا ألينَ من كفَّه، ولا شَمِمت مِسكًا ولا عَنبرًا ولا عَرْفًا أطيب من ريحه ﷺ (٤). وعن أُم سليم أن النبيَّ ﷺ كان يأتيها، فيقيل في بيتها، فتبسط له نطعًا، وكان كثير العرق، فتجمع عرقه، فتجعله في الطيب والقوارير، قالت: وكان يصلي على [الخمرة (٥)، وهي] سجادة صغيرة تُنسج من الخُوصِ. وقيل للبراءِ: أكان وجهُ رسول الله ﷺ مثلَ السيف؟ فقال: لا، بل مثلَ القمرِ (٦). وقال أبو سعيد الخدري: كان رسول الله ﷺ أشدَّ حياءً من العَذراء في خِدْرِها،

стр. 1905

كان إذا كَره شيئًا، عرَفناهُ في وجههِ (١). قال الزهري: معناه إذا كره شيئًا لم يواجه به صاحبه، بل يكتمه فيؤثَّر في وجهه. ذكر صفته ﷺ في التَّوراة: قال [بن سعد باسناده عن] سهل مولى عثيمة، وكان رجلًا يهوديًّا قد قرأ التوراة قال: أخَذْت يومًا توراةَ عمِّي، فإذا ورقة ملصقة، ففتقتها، وإذا فيها سطورٌ: محمد رسول الله، لا طويل، ولا قصير، أبيض بض، بين كتفيه خاتم النبوة، يكثر الاحتباء، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحلب الشاة، ويلبس القميص المرقوع، وهو من ضئضئ إسماعيل، واسمه أحمد، فقالَ لي عمِّي: ما تقرأ؟ قال: قلت: صفة محمد، قال: إنه لم يجئ بعد، ونهاني عن القراءة (٢). وقال وهب بن منبه: في التوراة: يا ابن عمران، إني باعث في آخر الزمان نبيًا أميًّا، مولده بمكة، ومهاجره طيبة، وملكه بالشام والعراق، حبيب، محبّب، ليس بغليظ، ولا قوال بالفحش والخنا [أسدده لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم] (٣). وقال كعب الأحبار: وفي التوراة: يا ابن عمران، إنَّي قد اخترت من عبادي نبيًا كريمًا اسمه أحمد، منحته الأخلاق الكريمة، وجعلت عليه الوقار والسكينة، التقوى لباسه، والبِرُّ شعارُه، والحلمُ دِثاره، والحكمةُ منطقه، والصدق سجيَّته، والعدلُ شِيمته، والحقُّ شريعته، والوفاء طريقَتُه، والعفو مِلَّته، والقرآن خُلُقه، والهدى دَلِيلُه، والجودُ والرحمةُ والبِرُّ طبيعتُه، أهدي به من الضلالة، وأجمع به من الفرقة، وأعلم به من الجهالة، وأؤلف به بعدَ الشتاتِ، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمُرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فطوبى لهم، ثم طوبى لهم، فعند ذلك قال موسى ﵇: يا رب اجعلني من أمة محمد ﷺ .

стр. 1906

فصل في شَيْبه ﷺ -: قال ثابت البُنَاني: سألت أنسًا: هل شمط رسول الله ﷺ ؟ قال: لقد قبض الله رسوله ﷺ وما فضحه بالشيب، ما كان في رأسه ولحيته يوم مات ثلاثون شعرة بيضاء، فقيل: أفضيحة هو؟ قال: أما أنتم فتعدونه فضيحة، وأما نحن فكنا نعده زينًا (١). وقال جابر بن سمرة: كان رسول الله ﷺ قد شَمِطَ مقدَّمُ رأسه ولحيتهِ، فإذا ادَّهن ومشطه لم يتبيَّن، وإذا شَعِثَ رأسُه تبيَّن، وكان كثير شعرِ اللِّحيةِ، فقال له رجل: كان وجهه مثلُ السيفِ؟ فقال: لا، بل مثل الشمسِ والقمرِ، وكان مُستديرًا، قال: ورأيتُ الخاتَم عند كتفيهِ مثلَ بيضةِ الحمامةِ، يُشبه جسَدَه (٢). وقال عثمان بن عبد الله بن مَوهَب: دخلنا على أم سلمة، فأخرجت إلينا شعرًا من شعر رسول الله ﷺ مخضوبًا بالحناءِ والكَتَمِ (٣). وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: ما روي عن أنس أنه قال: لم يخضب رسول الله ﷺ ، قد شهد غير واحد على رسول الله ﷺ أنه خضب، وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد. وقال سفيان والزهري: ما خضب رسول الله ﷺ وإنما احمرَّ شعره من كثرة الطيبِ، وإنما خضب أصحابه بالحناءِ والكَتمِ. وأما الخضاب بالسواد فحرام، ولو كان مباحًا لخضب به الصحابة. وقال أبو جُحيفة: قيل: يا رسول الله، أسرع إليك الشيبُ، فقال. "شَيَّبتني هودٌ وأَخَواتُها" (٤). وقال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، أي: على أمر ربك والدعاء إليه، فما نزل على رسول الله ﷺ آية كانت أشد ولا أشق عليه

стр. 1907

منها، ولذلك قال له أصحابه: لقد أسرع إليك الشيب، فقال: "شَيَّبتني هودٌ" وأشار إلى هذه الآية (١). وقال ابن عباس: كان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يُسدِلون، وكان رسول الله ﷺ يُعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسَدَل ناصيتَه، ثم فرق بعد. أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وقالت أم هانئ: قدم رسول الله ﷺ مكة مرة، وله أربع غدائر (٣). وقال أنس: كان شعر رسول الله ﷺ بين أذنيه وعاتقه (٤). وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان يحفي شاربه، وكان ابن عمر يفعل ذلك (٥). وقال السَّائِبُ بن يزيد: ذهبت بي خالتي إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسولَ الله، إن ابن أختي وَجِعٌ، فمسَحَ رأسي، ودعا لي بالبركة، ثم توضأ، فشربت من وَضوئهِ، ثم قمتُ خلفَ ظهرهِ، فنظرتُ إلى خاتَمِ النبوة بين كتفَيْه مثل زِرِّ الحَجَلَة (٦). * * *

стр. 1908

الباب الرابع والعشرون: في ذكر محبَّته للطيب وحجامته ﷺ - قال ثمامة بن عبد الله: إنّ أنسًا كان يردُّ الطيبَ، وزعم أنس أن رسول الله ﷺ كان لا يردُّ الطيبَ (١). وكان رسول الله ﷺ يُعرف بريح الطيبِ إذا أقبلَ (٢). وكان طيبه المسك والعنبر. وقالت عائشة رضوان الله عليها: طيَّبتُ رسولَ الله ﷺ لإحرامِه حينَ أحرَمَ، ولإحلالهِ حينَ أحلَّ (٣). وكان وَبيصُ الطيبِ يَبدو في مفارقهِ (٤). وكان ابن عمر ﵄ يجعل الكافور على العود، ثم يستجمر به، ويقول: هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع (٥). وعن أنس، أن النبي ﷺ قال: "حُبِّبَ إليَّ النساءُ والطيبُ، وجُعلَت قُرَّة عيني في الصلاةِ" (٦). وقال أنس: كان رسول الله ﷺ يَحتجمُ ثلاثًا، واحدة على كاهِلِه، وثنتين على الأخدعين (٧). وقال مَعقِلُ بن يسار: قال النبي ﷺ : "الحِجامةُ يومَ الثلاثاءِ لسبعَ عشرة من الشهرِ

стр. 1909

دواءُ السَّنَةِ" (١). وعن ابن عباس ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ احتَجَم، وأَعطى الحجَّامَ أَجره. متفق عليه (٢). وأخرج الإمام رحمة الله عليه، عن رافع بن خَدِيج، عن النبي ﷺ أنه قال: "أَفطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ" (٣). فصل في اطلاء رسول الله ﷺ بالنورة: حدّثنا جدي ﵀ بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: اطَّلَى رسولُ الله ﷺ بالنُّورَةِ، فلما فَرَغ منها قال: "يا مَعاشِرَ المُسلِمين، عليكم بالنُّورَةِ، فإنَها طَيَّبةٌ وطَهورٌ، وإنَّ اللهَ يُذهِبُ بها عنكم أَوساخَكُم وأَشْعارَكُم" (٤). وقالت أم سلمة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا اطلى وَلي عانَتَه بيدهِ (٥). [وقد روى أبو موسى الأشعري عن النبي ﷺ أنه قال: "أولُ مَن دخلَ الحمامَ وصُنعت له النُّورةُ سليمانُ ﵇" وقد ذكرناه]. وقد كان جماعة من الصحابة يتنورون: الحسن بن علي، وأنس، وأبو الدرداء ﵃، وكان جماعة منهم يحلقون الشعر، ولا يتنورون، منهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃. وروى [أنس: أن رسول الله ﷺ كان لا يَتَنوَّر، فإذا كَثُر شعرُه حَلَقه (٦). وقال الأطباء: منفعة النورة أن تبرز ما تحت الجلد من الأوساخ وخصوصًا في

стр. 1910

زمان الربيع، فإن قيل: فقد قال] ابن سعد، عن قتادة أنه قال: ما تنوَّر رسول الله ﷺ ولا الخلفاء بعده (١) [فالجواب: أن] عائشة، وأم سلمة ﵄ أعرف بأحوال رسول الله ﷺ من قتادة، وقد روتا قولًا، وفعلًا، وإثباتًا، وقتادة نفى، والعمل على الإثبات. وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ كان يَكتحلُ بالإثمدِ كلَّ ليلةٍ قبل أن ينامَ، وكان يكتحلُ في كلِّ عينٍ ثلاثة أَميالٍ (٢). * * *

стр. 1911

الباب الخامس والعشرون: في هبته وصدقته ﷺ - أول وَقفٍ كان في الإسلام مال مُخَيريق اليهودي الذي قُتل بأحدٍ، وكان من أَحبار اليهود، خرج فقاتل وهو على دينهِ، وقال قبل أن يُقتَل لمحمد بن مَسلمة، وسلامةَ بن وقشٍ: إن أُصبت فأَموالي لمحمدٍ يَضعها حيثُ يشاءُ، وكان أَيسرَ بني قينقاع، وتصرف رسول الله ﷺ في ماله، وكان سبع حوائط: الأعراف، والصافية، والدلال، والميثب، وبُرقة، وحسنى، ومشربة أم إبراهيم، ولما حبس رسول الله ﷺ هذه الأماكن، حبس المسلمون بعد على أولادهم (١). وفي كل حائط من هذه الحوائط بئر ماء. وما كان النبي ﷺ يشرب منها، بل من آبار أخر من آبار المدينة، منها بئر بضاعة، وبئر أريس، وبئر رُومة، وبئر غَرْس، وبئر جاسم، وبئر حساء واليسيرة، وبئر ذَرْوان، وهي التي وجد فيها السحر (٢)، وبئر مالك ابن النضر والد أنس بن مالك، وكل هذه الآبار شرب منها رسول الله ﷺ واغتسل وتفل فيها (٣). * * *

стр. 1912

الباب السادس والعشرون: فيما كان يعجبه من الطعام، وما كان يكرهه منه ﷺ - كان يعجبه الحلوى، والعسل، وقال عبد الله بن جعفر: رأيت النبي ﷺ يأكل القثاءَ بالرطبِ (١). متفق عليه. وقال محمد الفَهْمي، أنه سمع عبدَ الله بنَ جعفر يحدث عبد الله بن الزُّبير أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أَطيَبُ اللَّحمِ لَحمُ الظَّهرِ" (٢). وقال أنس: إن خياطًا دعا رسول الله ﷺ إلى طعامٍ صنَعَه، فذهبت معه، فقرَّب إلى رسول الله ﷺ خبزًا من شعير، ومَرَقًا فيه دُبَّاء وقَديد، فرأيت رسول الله ﷺ يَتبَعُ الدبَّاء من حولِ الصَّحْفةِ، فلم أَزل أُحب الدبَّاء من يومئذٍ (٣). وقالت عائشة رضوان الله عليها: كان رسول الله ﷺ يحب الثَّريد (٤). وأما ما كان يكره فالثوم والبصل والكراث والضب. عن ابن عمر ﵄ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أَكَل من هذهِ البَقلةِ، فلا يَقرَبَنَّ مَسجِدَنا، حتى يَذهَبَ رِيحُها" يعني الثومَ (٥). وعن جابر، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهى زمَنَ خيبرَ عن البصلِ والكُرَّاثِ، فَأكَلَهما قومٌ، وجَاؤوا إلى المسجدِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أَلَم أَنْهَ عن هاتَيْنِ الشَّجرَتَينِ المنْتِنَتَينِ؟ " قالوا: بلى يا رسولَ الله، ولكن أَجْهَدَنا الجوعُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "مَن أَكَلَهما فلا يَحضر مَسجِدَنا، فإنَّ الملائكةَ تتَأذَّى مما يَتأذَّى منه بنو آدَمَ" (٦).

стр. 1913

وأُتي رسولُ الله ﷺ بقِدْرٍ فيه خضراوات من بقولٍ، فوجَدَ ريحًا، فقال لبعضِ أصحابهِ: "كُل فإنَّي أُناجِي مَن لا تُناجي" (١). وقال ابنُ عباس ﵄: كان رسولُ الله ﷺ عندَ ميمونةَ، وعندَه الفضلُ بنُ عباسٍ، وخالدُ بن الوليد، وامرأةٌ، فأُتي بِخوانٍ عليه خُبز، ولحمُ ضبًّ، فلما ذهبَ رسولُ الله ﷺ ليأكُلَ، قالت له ميمونةُ: يا رسولَ الله، إنه لحمُ ضبًّ، فكفَّ يَده، وقال: "إنَّه لحمٌ لم آكُلْه، ولكن كُلُوا"، فأكَلَ الفضلُ، وخالدٌ، والمرأةُ، وقالت ميمونةُ: لا آكلُ من طعامٍ لم يَأكُل منه رسولُ الله ﷺ (٢). وكانَ رسولُ الله ﷺ يأكلُ بثلاثِ أصابعَ: الإبهامِ، والسبابةِ، والوسطى، ولا يمسحُ يَدَه حتى يَلْعَقَها، يَبدأ بالوسطى فيلعَقها، ثم بالتي تَلي الإبهامَ، ثم بالإبهامِ (٣). وقال جابر: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أَكَلَ أَحدُكُم طَعامًا، فلا يَمسحْ يَدَه في المنديلِ حتى يَلْعَقَها أو يُلْعِقَها، فإنّه لا يدري في أيّ طعامٍ البركةُ" انفرد بإخراجه مسلم (٤). وقال أنس: كان رسولُ الله ﷺ يتنفَّسُ في الإناءِ ثلاثًا، ويقول: "هذا أهْنَأُ، وأَمرَأُ، وأَبرَأُ" أخرجاه في "الصحيحين" (٥). ونهى رسول الله ﷺ أن يشربَ الرجلُ قائمًا (٦)، وفي رواية: ثم شرِبَ قائمًا (٧). * * *

стр. 1914

الباب السابع والعشرون: في ذكر أخلاقه وتواضعه ﷺ - قال أنس: خدمتُ رسولَ الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفٍّ قطُّ، ولا لمَ صنعتَ، ولا أَلَا صنعتَ، ولا عابَ عليَّ شيئًا قطُّ (١). وما صافحَه أحدٌ فنزعَ يدَه حتى يكونَ الرجلُ هو الذي يَنزِعُها من يدهِ، ولا صَرَفَ وجهَه عنه حتى يكونَ الرجلُ هو الذي يَصرِفُ وجهَه عنه (٢). وقال أنس: كنتُ أَمشي مع رسول الله ﷺ وعليه بُردٌ نَجرانيٌّ غليظُ الحاشيةِ، فأَدركَه أعرابيٌّ، فجَبَذَه جَبْذَةً شديدةً، حتى رأيتُ صفحةَ عنقِ رسولِ الله ﷺ وقد أَثَّرت فيها حاشيةُ البردِ من شدَّةِ جَذْبتِهِ، وقال: يا محمدُ، أَعطني من مالىِ اللهِ الذي عِندَك، فالتَفَت إليه رسولُ الله ﷺ ، وضَحكَ، ثم أَمرَ له بعَطاءٍ. أخرجاه في "الصحيحين" (٣). وقال أنس: إن يهوديةً جعلت سمًّا في لحمٍ أَتت به رسولَ الله ﷺ فأكَلَ منه، وقال: "إنَّها جَعلَت فيه سُمًّا"، قالوا: يا رسولَ الله، ألا تقتُلُها؟ قال: "لا"، قال فجعلتُ أعرِفُ ذلك في لَهوات رسولِ الله ﷺ (٤). وقال أنس: لم يكن رسولُ الله ﷺ سَبَّابًا، ولا لَعَّانًا، ولا فحَّاشًا، كان يقولُ لأحدِنا عند المعيبةِ: "ما لَه، تَرِبَتْ جَبينُه؟ " (٥). وللبخاري، عنه قال: إنْ كانَتِ الأمةُ من إماءِ المدينةِ لتأخذُ بيدِ رسولِ الله ﷺ فتَنطَلِقُ به حيثُ شاءت (٦).

стр. 1915

وللبخاري، عنه أيضًا، قال: كان رسولُ الله ﷺ عندَ بعضِ نسائهِ، فأرسَلَت إليه إحدى أُمَّهاتِ المؤمنينَ بصَحْفَةٍ فيها طعامٌ، فضَرَبت التي رسولُ الله ﷺ في بَيتها يدَ الخادِمِ، فوقَعتِ الصَّحفَةُ، فانكَسَرت، فجمعَ رسولُ الله ﷺ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثم جعَلَ يجمعُ الطعامَ الذي كانَ فيها، ويقول: "غارَت أُمُّكُم، غَارَت أُمُّكُم"، ثم حبسَ الخادِمَ حتى أتي بصَحفَةٍ من عندِ الذي هو في بَيتِها، فدفعَ الصَّحْفَةَ الصَّحيحةَ إلى التي كُسرت صَحْفَتُها، وأمسكَ المكسورةَ في بَيتِ التي كُسرَت عندها (١). وذكر الإمامُ أحمد رحمة الله عليه في "المسند" أنَّ التي صنَعتِ الطعامَ صفيةُ، والتي كَسرت القصعةَ عائشةُ، وأنَّ رسولَ الله ﷺ غضِبَ عليها (٢). وقال أنس: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: أينَ أبي؟ فقال: "في النَّار"، فلما قفَّى الرجلُ - أي ولَّى - ورأَى رسولُ الله ﷺ ما في وَجههِ، دَعاه، وقال: "إنَ أبي وأَبَاكَ في النَّارِ" (٣). ولمسلم، عنه قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا صلَّى الغَدَاةَ، جاءَ خَدَمُ أهلِ المدينةِ [بآنِيَتِهم فيها الماءُ، فما يُؤتى بإناءٍ إلَّا غَمَس يدَه فيها، فربَّما جاؤوه في الغَدَاةِ البارِدَةِ فيغمسُ يدَه فيها] (٤). وقال جابر بن عبد الله: مرضتُ، فجاء رسول الله ﷺ يَعُودُني، وليسَ براكبٍ بَغلًا، ولا بِرْذَونًا (٥). يعني: ماشيًا. قال الأسودُ: قلتُ لعائشةَ: ما كانَ رسولُ الله ﷺ يَصنعُ في أهلهِ؟ فقالت: كان ﷺ في مِهنَةِ أهلِه، فإذا حضَرتِ الصلاةُ خرجَ إلى الصلاةِ. انفرد بإخراجه البخاري (٦)، والمهنة: الخدمة.

стр. 1916

وقال أبو عبد الله الجَدَلي: قلتُ لعائشة: كيف كان خُلُق رسول الله ﷺ في أهلِه؟ قالت: كانَ أَحسنَ الناسِ خُلُقًا، لم يكن فاحشًا، ولا مُتَفحِّشًا، ولا صخّابًا بالأسواقِ، ولا يَجزِي بالسيئةِ مثلَها، ولكن يعفو ويَصفحُ (١). وقالت الرُّبَيِّع بنتُ مُعوِّذ: دخلَ عليَّ رسول الله ﷺ غداةَ بُنِيَ عليَّ، فجلسَ على فِراشي، وعندِي جُوَيْرِياتٌ يَضْربنَ بالدُّفِّ، ويَندبنَ من قُتل من آبائِهنَّ يومَ بدرٍ، فقالت إحداهنَّ: وفينا نبيٌّ يعلمُ الغيب في غدٍ فقال لها رسولُ الله ﷺ : "لا تَقولي كَذا، وقُولي ما كنتِ تَقولينَ" (٢). وذَكرَ الحسن البصري النبي ﷺ فقال: لا والله ما كان يغلق دونه الأبواب، ولا يقوم دونه الحجاب، ولا يُغدَى عليه بالجفانِ ولا يراح عليه بها، ولكنه كان بارزًا، من أراد أن يلقى نبي الله لقيه، وكان يجلس على الأرض، ويوضعُ طعامُه على الأرضِ، ويلبسُ الغليظَ، ويردِفُ على الحمارِ، ويعودُ المرضى، ويشهدُ الجنائز، ويجيبُ دعوى المملوكِ، ويلعقُ أصابعَه (٣). وقال أنس: كان رسولُ الله ﷺ يسلِّم على الصبيانِ، ولا يدعوه أحدٌ من الناسِ إلَّا أَجابَه ويقول: "لو دُعيتُ إلى كُراعٍ لأَجَبتُ" (٤). وقال بُريدة بن الحُصَيبِ: بَينا رسولُ الله ﷺ بمِنًى إذ جاءه رجلٌ معه حمارٌ، فقال: يا رسولَ الله، ارْكَب، وتأخَّر الرجلُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "لا أنتَ أَحقُّ بصدرِ دَابَّتك منِّي، إلَّا أن تَجعَلَه لي" قال: قد جعلتُه لك، فركِبَ (٥). وقال جابر بن عبد الله: ما سُئل رسولُ الله ﷺ شيئًا قطَّ فقال: لا (٦).

стр. 1917

وقال أنس: كان رسولُ الله ﷺ قاعدًا في المسجدِ، ومعه أصحابُه، إذ دخل أعرابيٌّ، فبالَ في المسجدِ، فقالَ أصحابُه: مَهْ، مَهْ، فقال رسولُ الله ﷺ : "لا تُزرموه، ودَعُوه" ثم دَعاه، فقال: "إنَّ هذِه المساجدَ لا تصلُحُ لشيءٍ من البولِ والقَذَرِ والخَلاءِ، إنَّما هي للصلاةِ والذكرِ وقِراءَةِ القرآنِ" ثم دَعا بدلوٍ من ماءٍ، فشَنَّه عليه (١). وقال أنس: ما أكَلَ رسولُ الله ﷺ مُتَّكِئًا، ولا شَرِبَ قائمًا. وروي: أنه أكل مُومِيًا متَّكئًا، فجاءه جبريلُ، فقال له: أتأكُل أكلَ الجَبابِرَة؟ فما أكَلَ بعدَها متَّكئًا (٢). وقال الزهري: بلَغَنا أنَّه أَتى النبيَّ ﷺ ملَكٌ، لم يَأتِه قطُّ، ومعه جبريلُ، فقال له الملَكُ وجبريلُ: سألتَ الله يخيرُك بينَ أن تكونَ نبيًّا مَلِكًا، أو تكونَ نبيًّا عبدًا، فنظَر رسولُ الله ﷺ إلى جبريلَ [كالمسْتَأمِرِ له، فأشار] إليه أن تواضَع، فقال: "بَل عَبدًا نبيًّا" (٣). وقال الزهري: كانَ رسولُ الله ﷺ يقولُ: "آكُلُ كما يأكُلُ العبدُ، وأَجلِسُ كما يجلسُ العبدُ" (٤). وعن أنس: أن يهوديًا دَعَا النبيَّ ﷺ إلى خبزِ شعيرٍ، وإهَالَةٍ سَنِخَةٍ، فأجابَه (٥). وعن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما بَعثَ اللهُ نبيًّا إلَّا رعى الغنَمَ" فقال له أصحابُه: وأنتَ؟ قال: "نَعَم، كنتُ أَرعاها على قَرارِيطَ لأَهلِ مكَّةَ" (٦). وقال أبو سعيد الخدري: افْتَخَر أهلُ الإبلِ والغنَمِ عندَ رسولِ الله ﷺ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "الفَخْرُ والخُيَلاءُ في أهلِ الإبِلِ، والسَّكينةُ والوَقارُ في أهلِ الغَنَمِ"، ثم قال: "بَعَثَ اللهُ مُوسى وهو يَرعى الغنَمَ على أَهلهِ، وبُعثتُ أنا وأَنا رَاعي غنمٍ لأَهلي بجياد" (٧).

стр. 1918

الباب الثامن والعشرون: في حيائه، ومُداراته، وشَفقته، وحِلمه، وصَفحهِ، ونحوه ﷺ - وعن أنس: أنَّ النبيَّ ﷺ رَأَى على رجلٍ صُفرةً، فكرِهَها، وقال: "لو أَمرتُم هذا أن يَغسِل هذهِ الصُّفرةَ"، فكان لا يكادُ يواجهُ أحدًا، إنَّما يكره في وَجهه (١). وأخرج مسلم، عن جابرِ بن سَمُرة، وقد سأله [سماك بن حرب]: كنتَ تُجالس رسولَ الله ﷺ ؟ قال: نعم، كانَ طويلَ الصمتِ، قليلَ الضحِكِ، فكان أصحابُه يَذكرون عنده الشعرَ، وأَشياءَ من أُمورهم، فيضحكونَ، وربما تَبسَّمَ (٢). وأما مُداراته، فقالت عائشة رضوان الله عليها: إن رجلًا استَأذَن على رسولِ الله ﷺ فقال: "ائْذَنُوا له، فبِئْسَ ابنُ العشِيرة"، أو "فَبِئْسَ أَخو العشِيرةِ"، فلما دخَلَ عليه، أَلَانَ له القَولَ، فلما خرَجَ، قالت له عائشةُ: قلتَ له الذي قلتَ، ثم أَلَنتَ له القولَ، فقال: "يا عائشةُ، شرُّ الناسِ منزلةً عندَ الله يومَ القيامةِ مَن ودَعَه الناسُ - أو تَركَه الناسُ - اتِّقاءَ فُحشِه" متفق عليه (٣). وأما شفقته ﷺ فقال أنس: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّي لأدخُلُ في الصلاة وأنا أُريدُ أن أُطِيلَها، فأَسمعُ بكاءَ الصبيِّ فأَتَجاوزُ في صَلاتي، مما أَعلمُ من وَجْدِ أمَّه به". متفق عليه (٤). وأما حِلمه وصَفحه فقالت عائشةُ رضوان الله عليها: ما ضربَ رسولُ الله ﷺ خَادِمًا له قطُّ، ولا امرأةً قطُّ، ولا ضربَ بيدهِ إلَّا أن يُجاهِدَ في سبيلِ اللهِ، وما نيلَ منه شيءٌ فانْتَقَم من صاحِبه إلاَّ أن تُنتَهكَ مَحارِمُ اللهِ، فيَنْتَقِم للهِ ، وما عُرضَ عليه أَمران أَحدُهما أيسرُ من الآخرِ إلَّا أخذَ بأَيسَرِهما، إلَّا أن يكونَ مأْثَمًا، فإن كانَ مأْثَمًا كانَ

стр. 1919

أبعدَ الناسِ منه، أخرجاه (١). وقال الزهري: إن يهوديًا كان يجدُ صفةَ النبيِّ ﷺ في التوراةِ، فأسلَفَه ثلاثين دينارًا إلى أَجَلٍ معلوم، فلمَّا بقي من الأجلِ يومٌ جاءَه، فقال: يا محمدُ، أَعطني حقِّي فإنَّكم يا بني عبدِ المطلبِ قومٌ مُطُلٌ، فقال له عمرُ: يا خبيثُ، واللهِ لولا مَكانُ رسولِ الله ﷺ لضربتُ عُنقك، فنهاهُ رسول الله ﷺ وقال: "نحنُ إلى غيرِ هذا أَحوجُ، هلَّا أَمرتني بقضاءِ دينهِ أو أعَنْتَه على قضاءِ حقِّه" ثم قال له: "اذهَب به إلى حديقةِ كَذا وكَذا فأعطِه حقَّه وزِدْه" قال اليهودي: فمضَى بي عمرُ إلى الحديقةِ فأَعطاني حقِّي، وزادَني، ثم رجعَ اليهوديُّ إلى رسول الله ﷺ فقال: واللهِ ما حَمَلني على ما قلتُ إلاَّ أنِّي وجَدتُ صفتَكَ في التوراةِ، فاخْتَبرتُ الجميعَ إلَّا الحلمَ، وقد رأيتُ من حلمكَ ما سَرَّني، وأشهدُ أنَّك رسولُ الله، ونصفُ مالي في فقراءِ المسلمين، وأسلمَ أهلُ بيت ذلكَ اليهوديِّ، فقال رسول الله ﷺ لعمر: "إنَّ لصاحِبِ الحقِّ مقالًا" (٢). * * *

стр. 1920

الباب التاسع والعشرون: في مزاحه ومداعبته ﷺ - عن أنس أنَّ النبيَّ ﷺ كان يدخلُ على أم سُليم، ولها ابن من أبي طَلحةَ يكنى أبا عُمير، فكان يُمازحه، فدخل عليه يومًا فرآه حزينًا، فقال: "مَالي أَرَى أَبا عُميرٍ حَزينًا؟ " قالوا: مات نُغَيرُه الذي كان يلعبُ به، قال: فجعل رسول الله ﷺ يقول: "أبا عُميرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيرُ؟ " (١). وعن أنس أنَّ رجلًا اسمه زاهِر، كان يُهدي لرسولِ الله ﷺ الهديةَ من الباديةِ، فيجهزُه رسولُ الله ﷺ إذا أرادَ الخروجَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ زاهرًا بادِيتُنا، ونحنُ حاضِرُوه". وكان رسول الله ﷺ يحبُّه، وكان رجلًا دميمًا، فأتاه رسول الله ﷺ يومًا وهو يَبيعُ مَتاعَه، فاحتضَنَه من خلفِه، ولم يُبصره الرجلُ، فقال: مَن هذا؟ أَرسلني، فالتَفَتَ، فعرفَ رسولَ الله ﷺ فجعل لا يألو أن أَلصَق ظهرَه بصدرِ رسولِ الله ﷺ وجعل رسولُ الله ﷺ يقول: "مَن يَشتري هذا العبدَ؟ " فقال: يا رسول الله، إذَنْ والله تجدُني كاسدًا، فقال رسولُ الله ﷺ : "لَكِن عندَ اللهِ لستَ كاسِدًا" أو قال: "ولكن أنتَ عندَ الله غالٍ" (٢). [وقال أحمد بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن] عائشة رضوان الله عليها قالت: خرجتُ مع رسولِ الله ﷺ في بعض أَسفارِه، وأنا جاريةٌ لم أَحمِلِ اللَّحم، ولم أَبدُن، فقال للناس: "تقدَّموا" فتقدَّموا، ثم قال لي: "تَعالي حتى أُسابِقَكِ" فسابقتُهُ، [فسبقته، فسكتَ عني حتى إذا حمَلْتُ اللَّحم وبَدُنْتُ ونسيتُ، خرجتُ معه في بعض أسفاره، فقال للناس: "تَقدَّموا" فتقدَّموا، ثم قال لي: "تَعالي حتى أُسابِقَكِ" فسابقتهُ]، فسبقني، فجعل يضحك، ويقول: "هذهِ بِتِلْكَ" (٣).

стр. 1921

وقالت عائشة رضوان الله عليها: دخَلَت عجوزٌ على النبيِّ ﷺ فقال: "لا يدخل الجنة عجوز" فبكت، فقال لها: "لا بأسَ، إنَّ هذه الصفةَ تتَبدَّل، وتَعودين بكرًا" وقرأ: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ [الواقعة: ٣٧]، ففرحت المرأة (١). وقالت عائشة: قال ﷺ يومًا لامرأة: "أنت الذي في عين زوجك بياض؟ " فبكت، فقال لها: "كل بني آدم في عينه بياض" (٢). وقال [أحمد بإسناده، عن] أنس: قال لي رسولُ الله ﷺ : "يا ذا الأُذُنينِ" (٣). [وقال أحمد بإسناده] عن أنس: أنَّ رجلًا أتَى النبيَّ ﷺ فاسْتَحمَله، فقال رسول الله ﷺ : "إنَّا حامِلُوك على ولدِ ناقةٍ"، فقال: يا رسولَ الله، ما أصنعُ بولدِ ناقةٍ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "وهَل تلدُ الإبلَ إلَّا النُّوقُ" (٤). وعن أبي هريرة عن رسولِ الله ﷺ أنّه سأله بعضُ أصحابه فقال: إنَّك تُداعبنا، فقال: "إني لأَمزَحُ، ولا أقولُ إلَّا حقًّا" (٥). وقال أبو سليمان الخطابي: كانت له ﷺ مهابة، وكان يتبسط للدعابة. [حدّثنا جدي ﵀ بإسناده عن أبي صالحٍ] عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي جارًا يؤذيني، [قال: "فانطلِق فأَخرج متَاعَك إلى الطريقِ" ففعل فاجتمع الناس، فجعلوا يقولون: ما شأنك؟ فقال: لي جار يؤذيني]، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اذْهَب، فأَخرج مَتاعَك إلى الطريقِ" فجعلوا يقولون: اللهمَّ العنه، اللهمَّ أخزِه، فبلغ الرجل، فأتاه، فقال: ارجع إلى منزلك فوالله لا أؤذيك (٦).

стр. 1922

[وقد ذكر جدي بمعناه في كتاب "الأذكياء" قال: حدّثنا غير واحد عن أبي الفضل ابن ناصر بإسناده عن عاصم الأحول] عن الحسن قال: أتى رجل إلى النبيِّ ﷺ ومعه رجل قد قتَل حميمًا له، فقال له رسولُ الله ﷺ : "أَتأخذُ الديةَ؟ " قال: لا، قال: "أَفتَعفُو؟ " قال: لا، قال: "فاذْهَب به فاقتُله"، فلما جاوَزَه، [قال رسول الله ﷺ : "إن قتله، فهو مثله، فأخبر الرجل، فرجع الرجل، وتركه، فولى وهو يجر نسعه في عنقه. ولم يُرِد رسول الله ﷺ أنه مثله في المأثم لأن الله قد أباح له القصاص (١). [إنما أوهمه أنه مثله ليعفو، وهذا من أبلغ الفطن، لأن] معنى قوله: "إن قتله فهو مثله" يعني أنه يكون قاتلًا كما كان الذي وجب عليه القصاص قاتلًا، [فتوهم صاحب القصاص أنه مثله في الإثم، فخاف فعفى عنه. فإن قيل: ففيه إبطال حق المقتص من قاتل حميمه. قلنا: يحتمل أن ذلك كان خاصًا بهذا الرجل، ويحتمل أن رسول الله وداه]. * * *

стр. 1923

الباب الثلاثون: في ذكر جوده وإيثاره ﷺ - قال ابن عباس: كان النبيُّ ﷺ أجودَ الناسِ، وكان أجودَ ما يكونُ في رمضانَ حين يَلقاهُ جبريلُ، وكان يَلقاه في كلِّ ليلةٍ من رمضانَ، فيُدارِسُه القرآن، وكان أَجودَ بالخيرِ من الريحِ المرسلةِ (١). ولمسلم، عن أنس قال: لم يَكن رسولُ الله ﷺ يُسأل شيئًا على الإسلامِ إلَّا أعطاه إيَّاه، فأَتاه رجلٌ فسأَلَه، فأمَرَ له بشاء بين جبلين من شاءِ الصدقةِ، فرجعَ إلى قومهِ، وقال: يا قومِ، أَسلِموا فإنَّ محمدًا يُعطي عطاءَ مَن لا يخشى الفقر (٢). وقال أنس: أُتي النبيُّ ﷺ بمال من البحرين، فقال: "انثُروه في المسجد" وكان أكثرُ مالٍ أُتي به رسولُ الله ﷺ فخرج رسولُ الله ﷺ إلى الصلاة، ولم يَلتفِت إليه، فلما قضى صلاتَه جاء، فجلسَ إليه، فما كان يرى أحدًا إلَّا أعطاه، إذ جاءه العباس، فقال: يا رسول الله، أعطني، فإني فادَيْتُ نفسي، وفادَيْتُ عقيلًا، فقال له: "خُذْ" فحثى في ثوبهِ، ثم ذهب يُقلُّه، فلم يستطع، فقال: يا رسول الله، مر بعضَهُم يَرفَعه عليَّ، قال: "لا فارفعه أنت"، قال: لا، فنثر منه، ثم احتمله فالقاه على كاهله، ثم انطلق، فما زالَ رسولُ الله ﷺ يُتبعُه بصَره حتى خفي علينا، عجبًا من حِرصه، فما قامَ رسولُ الله ﷺ وثَمَّ منه درهمٌ (٣). وعن سهل بن سعدِ الساعدي: أن امرأةً أَتَتْ رسول الله ﷺ ببُردَةٍ منسوجةٍ، قال سهل: وهل تدرون ما البردةُ؟ قالوا: نعم، قال: هي الشَّملة، فقالت: يا رسول الله، نسجت هذه بيدي، فجئتُ بها لأكسوكَها، فاخذها النبيَّ ﷺ محتاجًا إليها، فخرج علينا وإنَّها لإزاره فجسَّها فلان بن فلان، رجل سماه، فقال: ما أحسنَ هذه البردة، اُكسُنيها

стр. 1924

يا رسول الله، قال: "نَعَمْ" فلما دخَل طواها، وأرسل بها إليه، فقال له القوم: والله ما أحسنت كُسِيَها رسول الله ﷺ وهو محتاجٌ إليها، ثم سألته إياها وقد علمت أنه لم يردّ سائلًا، فقال: إني والله ما سألته إياها لألبسها ولكن سألته إياها لتكون كفني يوم أموت، قال سهل: فكانت كفنه يوم مات (١). * * * الباب الحادي والثلاثون: في ذكر شجاعته ﷺ - قال علي ﵇: كنَّا إذا احْمَرَّ البأسُ اتَّقينا برسولِ الله ﷺ (٢). أي: إذا اشتدّ القتالُ قدَّمناه في نحرِ العدوِّ. وقد أشرنا إلى شيء من شجاعته في غزواته ﷺ . * * *

стр. 1925

الباب الثاني والثلاثون: في ذكر عيشه وفقره وقِصَر أمله ونحو ذلك [قال أحمد بإسناده عن] قتادة قال: كنَّا نأتي أنسًا وخبَّازه قائم، فقال لنا ذات يوم: كلوا فما أعلمُ أنَّ رسولَ الله ﷺ رَأى رَغيفًا مرقَّقًا بعينَيْه، ولا أكلَ شاةً سَمِيطًا قطُّ (١). ["السميط": المسموط عليه جلده، وهو من مأكول المترفين]. وروى البخاري: لم يأكل رسولُ الله ﷺ على خِوانٍ قطُّ، ولا في سُكُرُّجَةٍ، ولا خُبز له خبز مرقق. [قال: فقال قتادة: فعلى ما كانوا يأكلون؟ قال: على السفر] (٢). وقال أنس: قد رهَنَ رسولُ الله ﷺ درعًا له عند يهودي بالمدينةِ، وأخَذَ منه شعيرًا لأهلِه. قال: ولقد سمعته ذاتَ يومٍ يقول: "ما أَمْسَى عندَ آلِ محمدٍ صاعٌ من برًّ أو حبًّ"، وإنَّ عندَه تسعُ نسوةٍ يومئذٍ. انفرد بإخراجه البخاري (٣). وقال ابن عباس: قُبض رسولُ الله ﷺ وإنَّ درعه مرهونةٌ عند يهودي على ثلاثين صاعًا من شعيرٍ أَخذها رِزقًا لأهله (٤). [وقال أحمد بإسناده] عن أنس: أنَّ فاطمةَ ﵍ ناوَلَت رسولَ الله ﷺ كِسْرَة من خُبزِ شَعيرٍ، فقال: "هذا أَولُ طعامٍ أَكَله أَبوكِ منذُ ثلاثةِ أَيامٍ" (٥). [وأخرجه محمد بن سعد عن هشام بن عبد الملك، وفيه]: فقال رسول الله: "يا بنية، ما هذه الكسرة؟ " فقالت: قرص خبزته. فلم تطب نفسي أن آكله، وذكره (٦). وفيه قال أنس: وكان رسول الله ﷺ يشدُّ صُلبه بالحجر من الغَرَث (٧). وما كان طعامُهم إلاَّ الأسودان الماءُ والتمرُ (٨). [و"الغرث": الجوع، فإن قيل: فلم سمي الماء والتمر أسودان؟

стр. 1926

قلنا: هذه عادة العرب لما كان الغالب تغير الماء بالتمر إلى السواد، أضيف الماء إليه على الاستعارة]. وقال سِماك: سمعت النعمانَ بن بشيرٍ يقول: أَلستُم في طعامٍ وشرابٍ، لقد رأيت نبيَّكم ﷺ وما يجدُ من الدَّقَل ما يملأُ بطنَه، انفرد بإخراجه مسلم (١). [وقال أحمد بإسناده عن] سهل بن سعد أنه قيل له: هل رأى رسول الله ﷺ النَّقي قبل موته بعينه، يعني الحُوَّارى؟ فقال: ما رأى النَّقي حتى لقيَ اللهَ، فقيل له: هل كان لكم مَناخِلُ [على عَهدِ رسول الله ﷺ ، فقال: ما كانَ لنا مَناخِلُ، فقيل] فكيف كنتم تَصنعون بالشَّعير؟ قال: نَنْفُخه فيطيرُ ما طارَ منه. [انفرد بإخراجه البخاري (٢). وفي رواية:] ويبقى ما بقي (٣). [وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن] أبي هريرة: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهمَّ اجعَلْ رِزْقَ آلِ محمدٍ قُوتًا". أخرجاه في "الصحيحين" (٤). وقال أبو هريرة: ما شَبعَ نبيُّ الله وأهلُه ثلاثًا تِباعًا من خبزِ حنطةٍ حتى فارقَ الدنيا (٥). ولقد خرجَ منها وما شَبعَ من خبزِ الشَّعيرِ (٦). [وقال مسلم (٧): حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده] عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ ذاتَ يومٍ أو ليلة فإذا هو بأبي بكرٍ وعمر، فقال: "ما أَخرجَكُما من بُيوتِكُما هذهِ الساعةَ؟ " قالا: الجوعُ، فقال: "وأَنا والذي نفسي بيدهِ لأَخرجَني الذي أَخرَجَكُما، قُومَا"، فقاما معه، فأَتى رجلًا من الأنصارِ، فإذا هو ليس في بيتِه، فلما رأتهم المرأةُ قالت: مرحَبًا وأَهلًا، فقال لها رسول الله ﷺ : "وأَينَ فلانٌ؟ " قالت: ذهب يَستعذِبُ لنا من الماءِ، إذ جاء الأنصاريُّ، فنظرَ إلى رسولِ الله ﷺ وصاحِبَيه، فقال: الحمدُ لله، ما أَحد اليوم أكرم أضيافًا مني، قال: فانْطَلَقَ، فجاءَهم بعِذْقٍ فيه

стр. 1927

بُسْرٌ ورُطبٌ وتمرٌ، فقال: كُلوا من هذا، وأخذ المُديَةَ، فقال له رسولُ الله ﷺ : "إيَّاكَ والحَلوبَ" فذبحَ لهم، فأَكلُوا من الشاةِ ومن ذلك العِذْقِ، وشربوا من الماءِ، فلما أن شَبِعُوا، ورَوُوا، قال رسولُ اللهِ ﷺ لأبي بكرٍ وعمرَ: "والذِي نَفسِي بيَدِه لتُسأَلنَّ عن هذا النَّعيمِ يومَ القيامةِ، أَخرَجَكُم من بُيوتِكُم الجوعُ، ثم لم تَرجِعُوا حتى أَصابكُم هذا النعيمُ". انفرد بإخراجهِ مسلم (١)، وهذا الأنصاري هو أبو الهيثم ابن التَّيَّهان. [و"العِذْق": الكباسة من البسر والرطب]. وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ أَتى فاطمةَ، فوجدَ على بابها سِترًا، فلم يَدخل، وقلما كان يدخل إلَّا بدأ بها، فجاء عليٌّ فرآها مُهتمَّة، فقال: ما لَكِ؟ فأخبَرَته، فجاء إلى رسولِ الله ﷺ . وأَخبره أنَّ فاطمةَ ﵍ قد اشتدَّ عليها أنَك جِئتَها فلم تَدخُل عليها، فقال: "ما أَنا والدُّنيا، ما أَنا والرَّقْم" فذهب عليٌّ فأخبرَ فاطمةَ بقولِ رسولِ الله ﷺ فقالت: قُل له: ما يأمُرُني؟ فسألَ رسولَ الله ﷺ فقال: "قُل لها تُرسِل به إلى بني فلانٍ، فإنَّهم أهل بيتٍ لهم به حاجةٌ" فأرسلته. انفرد بإخراجه البخاري (٢). وقال ابن عباس ﵄: كان رسولُ الله ﷺ يَبيتُ اللَّيالي المتتابعةَ طَاويًا وأهلُه لا يَجدون عشاءً، وكان أكثرُ خبزهم خبز الشعير (٣). [وقال أحمد بإسناده عن] عائشة رضوان الله عليها قالت: ما شبع آلُ النبيَّ ﷺ [من خبز الشعير] يومين متتابعين حتى قُبضَ رسولُ الله ﷺ (٤). وفي رواية: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام تِباعًا من خُبز برًّ حتى مضَى لِسَبيلهِ (٥). الروايتان متفق عليهما (٦). وقالت عائشةُ رضوان الله عليها: بعثَ إلينا أبو بكر بقائمةِ شاةٍ ليلاً، فأمسَك رسولُ الله ﷺ وقطعتُ، أو قَطَع فأمسكتُ، فقال الذي تحدثه: على غيرِ مصباحٍ؟ فقالت: لو كان عندنا مصباح لائْتَدَمْنا به، إن كان لَيأتي على آلِ محمدٍ ﷺ الشهرُ ما يَختَبزون خُبزًا

стр. 1928

ولا يَطبخون قِدرًا (١). [وقال أحمد بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه] عن عائشة أنها قالت: يا ابن أُختي كان شَعرُ رسولِ اللهِ ﷺ فوقَ الوَفْرةِ ودونَ الجُمَّةِ، وايمُ الله، إنْ كانَ لَيمرُّ على آلِ محمدٍ ﷺ الشهرُ لم يُوقَد في بيتِ رسولِ اللهِ ﷺ نارٌ إلَّا أَن يكونَ اللَّحيم، وما هنا إلَّا الأسودانِ الماءُ والتمرُ، إلا أنَّ حولَنا أهل دورٍ من الأنصارِ جَزاهُم اللهُ خيرًا - في الحديث والقديم - فكلَّ يومٍ يَبعثون إلى رسولِ اللهِ ﷺ بغَزيرةِ شاتِهم، فيتناولُ رسولُ اللهِ ﷺ من ذلكَ اللَّبَن، ولقد تُوفِّي رسولُ الله ﷺ وما في رَفِّي من طعام يأكُله ذو كبِدٍ إلَّا قريبٌ من شَطرِ شَعيرِ، فأَكلتُ منه حتى طالَ عليَّ، فَكِلتُه فَفَني، فليتني لم أكِلْهُ، وايمُ اللهِ إنَّ ضِجاعَ رسولِ الله ﷺ من أَدمٍ حَشوه ليفٌ. أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وقالت: كان يمرُّ بنا الهلالُ والهلالُ فما يوقدُ في بيتنا نار (٣). قالت: ولما فُتحت خيبرُ قلنا: الآنَ نشبعُ من التمرِ (٤). وقال أنسٌ: دخلتُ على رسولِ الله ﷺ وهو مُضطجعٌ على سريرٍ مُرْمَلٍ بشريطٍ، وتحتَ رأسهِ وِسادةٌ من أَدَمٍ حَشوُها ليفٌ، ودخل عمرُ، فلم يَرَ بينَ جنبه والشريطِ ثوبًا، وقد أثَّر الشريطُ في جنب رسولِ اللهِ ﷺ فبَكَى عمرُ، فقال له النبي ﷺ : "ما يُبكِيكَ؟ " قال: أنتَ أكرمُ على الله من كسرى وقيصرَ وهما يعيثان (٥) في الدنيا وأنتَ بالمكانِ الذي أَرَى؟ فقال له: "يا عمرُ، أَلَا ترضى أن تكونَ لهمُ الدنيا ولنا الآخرةُ؟ " قال: بلى، قال: "فإنَّه كذلِكَ". وعن ابن عباس ﵄ قال: دخلَ عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ وهو على حصيرٍ، وقد أثَّر في جنبهِ، فقال: يا نبيَّ اللهِ لو اتّخذت فِراشًا أوثر من هذا، فقال: "ما لي وللدُّنيا، ما مَثَلي ومثلُ الدُّنيا إلا كَراكِبٍ سارَ في يوم صائفٍ، فاستظلَّ تحتَ شجرةٍ ساعةً من نهارِ، ثم رَاحَ وتَركَها" (٦).

стр. 1929

وقال سِماك بن حَرْبٍ: سمعتُ النعمانَ بن بشيرٍ يخطبُ، قال: ذكر عمرُ بن الخطاب ما أصابَ الناسُ من الدُّنيا، فقال: لقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَظلُّ اليومَ يتلَوّى لا يجد دَقَلًا يَملأُ به بطنَهُ (١). وأما قصر أَملِه ﷺ فقال ابنُ عباسٍ ﵄: إنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَخرجُ يهريقُ الماءَ، فيتمسَّح بالترابِ. فأقول: يا رسولَ الله، الماء منكَ قريبٌ، فيقول: "وما يُدريني، لعلَّي لا أبلُغُه" (٢). فصل في ذكر الصدقةِ وتحريمها عليه ﷺ -: قال عبد الملك بن المغيرة: قال رسولُ الله ﷺ : "يا بَني عبدِ المطَّلِبِ، إنَّ الصَّدقةَ أوساخُ الناسِ، فلا تَأكُلوها، وإنَّ اللهَ كَرِه لكُم غُسالةَ أَيدي الناسِ، وعوَّضَكُم عنها الخُمسَ" (٣). وقال أنس: إنْ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ لَيصيبُ التَّمرةَ فيقول: "لَولا أنَّي أَخشى أن تكونَ من تمرِ الصدقةِ لأَكَلتُها". أخرجاه (٤). وقال أبو هريرة: قال رسولُ الله ﷺ : "والله إنَّي لأَنقَلِبُ إلى أَهلي، فأجدُ التَّمرةَ ساقطةً على فِراشي، أو في بَيتِي فأَرْفَعُها لآكُلَها، ثم أخشَى أن تكونَ من تمرِ الصدقةِ فأُلقِيها". متفق عليه (٥). وقال أبو هريرة: أخذَ الحسنُ بن عليٍّ تمرةً من تمرِ الصدقةِ، فجعلها في فِيه، فقال النبيُّ ﷺ : "كَخْ كَخْ" ليطرحها، ثم قال: "أَما شَعرتَ أنَّا لا نأكُلُ الصَّدقةَ". متفق عليه (٦). وعن أبي هريرة قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا أُتي بطعامٍ سأَلَ عنه: "أَهديةٌ هو أَم صدقةٌ؟ " فإن قالوا: هديةٌ، أكلَ منه، وإن قالوا: صدقةٌ، لم يَأكُل، وأمرَ أصحابَه أن يأكُلوا منه (٧).

стр. 1930

وقالت عائشة: أرسلتُ إلى نُسيبةَ بشاةٍ من الصدقةِ، فبعَثَت إليَّ من لَحمِها، فدخَلَ علي رسولُ اللهِ ﷺ فقال: "هَل عِندَكُم شيءٌ؟ " قلت: لا، إلَّا ما أَرسَلت به نُسيبةُ، فقال: "هاتِ قد بلَغَت مَحِلَّها" متفق عليه (١). قالت عائشة: وتُصدِّق على بَريرةَ بلحم، فدخلَ رسولُ الله ﷺ فَرَأى القِدرَ تَفورُ على النارِ، فقال: "ما هذا؟ " قلت: لحمٌ تُصدَّق به على بَريرةَ فأهدَت إلينا منه، وأنتَ لا تأكُلُ الصدقةَ، فقال: "هو لَها صَدقةٌ، ولنا هَديَّةٌ" فأكَلَ منه. متفق عليه (٢). وتحرمُ الصدقة على أهل بيتِ النبيَّ ﷺ وهم: آل عليًّ، وآل عَقيلٍ، وآل جعفرٍ، وآل العباس بن عبدِ المطَّلِبِ ومَواليهم. وقال يزيد بن حيان التيمي: انطلقت أنا وحُصين بن سَبرة، وعمرُ بن مسلم إلى زيدِ ابن أرقم، فقال له حصين: يا زيدُ، لقد لقيتَ خيرًا كثيرًا، رأيتَ رسولَ الله ﷺ وصحبتَه، وصلَّيتَ خلفَه، وغزوتَ معه، فحدِّثنا يا زيدُ مما سمعتَ منه، فقال: قامَ رسولُ الله ﷺ فينا خطيبًا بماءٍ يُدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمِدَ الله، وأَثنى عليه، وذكَّرَ ووَعَظَ، وقال: "أيُّها الناسُ، إنَّما أَنا بشَرٌ مثلُكُم، يوشِكُ أن يأتيَني رسولُ ربِّي، فأُجيب، وإنِّي تاركٌ فيكم ثَقَلين: أولُهما كتابُ الله، فيه الهُدى والنورُ، فخذُوا به، واسْتَمْسِكُوا به" قال: "وأهلُ بَيتي، أذكَّركُم اللهَ في أهلِ بَيتي" قالَها ثلاثًا، فقال له حُصين: ومَن أهلُ بيتِه يا زيدُ، أَليسَ نساؤُه من أهل بيتِه؟ [قال: إن نساءَه من أهل بيته، ولكن أهل بيته] من حُرم الصدقةَ بعده، قال: ومَن هم؟ قال: آل عليًّ، وآل عَقيلٍ، وآلُ جعفرٍ، وآل العباسِ، قال: أكلُّ هؤلاءِ حُرمَ الصدقةَ؟ قال: نعم (٣). * * *
следующие страницы →