← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

قلنا: هذه عادة العرب لما كان الغالب تغير الماء بالتمر إلى السواد، أضيف الماء إليه على الاستعارة]. وقال سِماك: سمعت النعمانَ بن بشيرٍ يقول: أَلستُم في طعامٍ وشرابٍ، لقد رأيت نبيَّكم ﷺ وما يجدُ من الدَّقَل ما يملأُ بطنَه، انفرد بإخراجه مسلم (١). [وقال أحمد بإسناده عن] سهل بن سعد أنه قيل له: هل رأى رسول الله ﷺ النَّقي قبل موته بعينه، يعني الحُوَّارى؟ فقال: ما رأى النَّقي حتى لقيَ اللهَ، فقيل له: هل كان لكم مَناخِلُ [على عَهدِ رسول الله ﷺ ، فقال: ما كانَ لنا مَناخِلُ، فقيل] فكيف كنتم تَصنعون بالشَّعير؟ قال: نَنْفُخه فيطيرُ ما طارَ منه. [انفرد بإخراجه البخاري (٢). وفي رواية:] ويبقى ما بقي (٣). [وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن] أبي هريرة: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللهمَّ اجعَلْ رِزْقَ آلِ محمدٍ قُوتًا". أخرجاه في "الصحيحين" (٤). وقال أبو هريرة: ما شَبعَ نبيُّ الله وأهلُه ثلاثًا تِباعًا من خبزِ حنطةٍ حتى فارقَ الدنيا (٥). ولقد خرجَ منها وما شَبعَ من خبزِ الشَّعيرِ (٦). [وقال مسلم (٧): حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده] عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ ذاتَ يومٍ أو ليلة فإذا هو بأبي بكرٍ وعمر، فقال: "ما أَخرجَكُما من بُيوتِكُما هذهِ الساعةَ؟ " قالا: الجوعُ، فقال: "وأَنا والذي نفسي بيدهِ لأَخرجَني الذي أَخرَجَكُما، قُومَا"، فقاما معه، فأَتى رجلًا من الأنصارِ، فإذا هو ليس في بيتِه، فلما رأتهم المرأةُ قالت: مرحَبًا وأَهلًا، فقال لها رسول الله ﷺ : "وأَينَ فلانٌ؟ " قالت: ذهب يَستعذِبُ لنا من الماءِ، إذ جاء الأنصاريُّ، فنظرَ إلى رسولِ الله ﷺ وصاحِبَيه، فقال: الحمدُ لله، ما أَحد اليوم أكرم أضيافًا مني، قال: فانْطَلَقَ، فجاءَهم بعِذْقٍ فيه

стр. 1927

بُسْرٌ ورُطبٌ وتمرٌ، فقال: كُلوا من هذا، وأخذ المُديَةَ، فقال له رسولُ الله ﷺ : "إيَّاكَ والحَلوبَ" فذبحَ لهم، فأَكلُوا من الشاةِ ومن ذلك العِذْقِ، وشربوا من الماءِ، فلما أن شَبِعُوا، ورَوُوا، قال رسولُ اللهِ ﷺ لأبي بكرٍ وعمرَ: "والذِي نَفسِي بيَدِه لتُسأَلنَّ عن هذا النَّعيمِ يومَ القيامةِ، أَخرَجَكُم من بُيوتِكُم الجوعُ، ثم لم تَرجِعُوا حتى أَصابكُم هذا النعيمُ". انفرد بإخراجهِ مسلم (١)، وهذا الأنصاري هو أبو الهيثم ابن التَّيَّهان. [و"العِذْق": الكباسة من البسر والرطب]. وعن ابن عمر ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ أَتى فاطمةَ، فوجدَ على بابها سِترًا، فلم يَدخل، وقلما كان يدخل إلَّا بدأ بها، فجاء عليٌّ فرآها مُهتمَّة، فقال: ما لَكِ؟ فأخبَرَته، فجاء إلى رسولِ الله ﷺ . وأَخبره أنَّ فاطمةَ ﵍ قد اشتدَّ عليها أنَك جِئتَها فلم تَدخُل عليها، فقال: "ما أَنا والدُّنيا، ما أَنا والرَّقْم" فذهب عليٌّ فأخبرَ فاطمةَ بقولِ رسولِ الله ﷺ فقالت: قُل له: ما يأمُرُني؟ فسألَ رسولَ الله ﷺ فقال: "قُل لها تُرسِل به إلى بني فلانٍ، فإنَّهم أهل بيتٍ لهم به حاجةٌ" فأرسلته. انفرد بإخراجه البخاري (٢). وقال ابن عباس ﵄: كان رسولُ الله ﷺ يَبيتُ اللَّيالي المتتابعةَ طَاويًا وأهلُه لا يَجدون عشاءً، وكان أكثرُ خبزهم خبز الشعير (٣). [وقال أحمد بإسناده عن] عائشة رضوان الله عليها قالت: ما شبع آلُ النبيَّ ﷺ [من خبز الشعير] يومين متتابعين حتى قُبضَ رسولُ الله ﷺ (٤). وفي رواية: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام تِباعًا من خُبز برًّ حتى مضَى لِسَبيلهِ (٥). الروايتان متفق عليهما (٦). وقالت عائشةُ رضوان الله عليها: بعثَ إلينا أبو بكر بقائمةِ شاةٍ ليلاً، فأمسَك رسولُ الله ﷺ وقطعتُ، أو قَطَع فأمسكتُ، فقال الذي تحدثه: على غيرِ مصباحٍ؟ فقالت: لو كان عندنا مصباح لائْتَدَمْنا به، إن كان لَيأتي على آلِ محمدٍ ﷺ الشهرُ ما يَختَبزون خُبزًا

стр. 1928

ولا يَطبخون قِدرًا (١). [وقال أحمد بإسناده عن هشام بن عروة، عن أبيه] عن عائشة أنها قالت: يا ابن أُختي كان شَعرُ رسولِ اللهِ ﷺ فوقَ الوَفْرةِ ودونَ الجُمَّةِ، وايمُ الله، إنْ كانَ لَيمرُّ على آلِ محمدٍ ﷺ الشهرُ لم يُوقَد في بيتِ رسولِ اللهِ ﷺ نارٌ إلَّا أَن يكونَ اللَّحيم، وما هنا إلَّا الأسودانِ الماءُ والتمرُ، إلا أنَّ حولَنا أهل دورٍ من الأنصارِ جَزاهُم اللهُ خيرًا - في الحديث والقديم - فكلَّ يومٍ يَبعثون إلى رسولِ اللهِ ﷺ بغَزيرةِ شاتِهم، فيتناولُ رسولُ اللهِ ﷺ من ذلكَ اللَّبَن، ولقد تُوفِّي رسولُ الله ﷺ وما في رَفِّي من طعام يأكُله ذو كبِدٍ إلَّا قريبٌ من شَطرِ شَعيرِ، فأَكلتُ منه حتى طالَ عليَّ، فَكِلتُه فَفَني، فليتني لم أكِلْهُ، وايمُ اللهِ إنَّ ضِجاعَ رسولِ الله ﷺ من أَدمٍ حَشوه ليفٌ. أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وقالت: كان يمرُّ بنا الهلالُ والهلالُ فما يوقدُ في بيتنا نار (٣). قالت: ولما فُتحت خيبرُ قلنا: الآنَ نشبعُ من التمرِ (٤). وقال أنسٌ: دخلتُ على رسولِ الله ﷺ وهو مُضطجعٌ على سريرٍ مُرْمَلٍ بشريطٍ، وتحتَ رأسهِ وِسادةٌ من أَدَمٍ حَشوُها ليفٌ، ودخل عمرُ، فلم يَرَ بينَ جنبه والشريطِ ثوبًا، وقد أثَّر الشريطُ في جنب رسولِ اللهِ ﷺ فبَكَى عمرُ، فقال له النبي ﷺ : "ما يُبكِيكَ؟ " قال: أنتَ أكرمُ على الله من كسرى وقيصرَ وهما يعيثان (٥) في الدنيا وأنتَ بالمكانِ الذي أَرَى؟ فقال له: "يا عمرُ، أَلَا ترضى أن تكونَ لهمُ الدنيا ولنا الآخرةُ؟ " قال: بلى، قال: "فإنَّه كذلِكَ". وعن ابن عباس ﵄ قال: دخلَ عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ وهو على حصيرٍ، وقد أثَّر في جنبهِ، فقال: يا نبيَّ اللهِ لو اتّخذت فِراشًا أوثر من هذا، فقال: "ما لي وللدُّنيا، ما مَثَلي ومثلُ الدُّنيا إلا كَراكِبٍ سارَ في يوم صائفٍ، فاستظلَّ تحتَ شجرةٍ ساعةً من نهارِ، ثم رَاحَ وتَركَها" (٦).

стр. 1929

وقال سِماك بن حَرْبٍ: سمعتُ النعمانَ بن بشيرٍ يخطبُ، قال: ذكر عمرُ بن الخطاب ما أصابَ الناسُ من الدُّنيا، فقال: لقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ يَظلُّ اليومَ يتلَوّى لا يجد دَقَلًا يَملأُ به بطنَهُ (١). وأما قصر أَملِه ﷺ فقال ابنُ عباسٍ ﵄: إنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَخرجُ يهريقُ الماءَ، فيتمسَّح بالترابِ. فأقول: يا رسولَ الله، الماء منكَ قريبٌ، فيقول: "وما يُدريني، لعلَّي لا أبلُغُه" (٢). فصل في ذكر الصدقةِ وتحريمها عليه ﷺ -: قال عبد الملك بن المغيرة: قال رسولُ الله ﷺ : "يا بَني عبدِ المطَّلِبِ، إنَّ الصَّدقةَ أوساخُ الناسِ، فلا تَأكُلوها، وإنَّ اللهَ كَرِه لكُم غُسالةَ أَيدي الناسِ، وعوَّضَكُم عنها الخُمسَ" (٣). وقال أنس: إنْ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ لَيصيبُ التَّمرةَ فيقول: "لَولا أنَّي أَخشى أن تكونَ من تمرِ الصدقةِ لأَكَلتُها". أخرجاه (٤). وقال أبو هريرة: قال رسولُ الله ﷺ : "والله إنَّي لأَنقَلِبُ إلى أَهلي، فأجدُ التَّمرةَ ساقطةً على فِراشي، أو في بَيتِي فأَرْفَعُها لآكُلَها، ثم أخشَى أن تكونَ من تمرِ الصدقةِ فأُلقِيها". متفق عليه (٥). وقال أبو هريرة: أخذَ الحسنُ بن عليٍّ تمرةً من تمرِ الصدقةِ، فجعلها في فِيه، فقال النبيُّ ﷺ : "كَخْ كَخْ" ليطرحها، ثم قال: "أَما شَعرتَ أنَّا لا نأكُلُ الصَّدقةَ". متفق عليه (٦). وعن أبي هريرة قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا أُتي بطعامٍ سأَلَ عنه: "أَهديةٌ هو أَم صدقةٌ؟ " فإن قالوا: هديةٌ، أكلَ منه، وإن قالوا: صدقةٌ، لم يَأكُل، وأمرَ أصحابَه أن يأكُلوا منه (٧).

стр. 1930

وقالت عائشة: أرسلتُ إلى نُسيبةَ بشاةٍ من الصدقةِ، فبعَثَت إليَّ من لَحمِها، فدخَلَ علي رسولُ اللهِ ﷺ فقال: "هَل عِندَكُم شيءٌ؟ " قلت: لا، إلَّا ما أَرسَلت به نُسيبةُ، فقال: "هاتِ قد بلَغَت مَحِلَّها" متفق عليه (١). قالت عائشة: وتُصدِّق على بَريرةَ بلحم، فدخلَ رسولُ الله ﷺ فَرَأى القِدرَ تَفورُ على النارِ، فقال: "ما هذا؟ " قلت: لحمٌ تُصدَّق به على بَريرةَ فأهدَت إلينا منه، وأنتَ لا تأكُلُ الصدقةَ، فقال: "هو لَها صَدقةٌ، ولنا هَديَّةٌ" فأكَلَ منه. متفق عليه (٢). وتحرمُ الصدقة على أهل بيتِ النبيَّ ﷺ وهم: آل عليًّ، وآل عَقيلٍ، وآل جعفرٍ، وآل العباس بن عبدِ المطَّلِبِ ومَواليهم. وقال يزيد بن حيان التيمي: انطلقت أنا وحُصين بن سَبرة، وعمرُ بن مسلم إلى زيدِ ابن أرقم، فقال له حصين: يا زيدُ، لقد لقيتَ خيرًا كثيرًا، رأيتَ رسولَ الله ﷺ وصحبتَه، وصلَّيتَ خلفَه، وغزوتَ معه، فحدِّثنا يا زيدُ مما سمعتَ منه، فقال: قامَ رسولُ الله ﷺ فينا خطيبًا بماءٍ يُدعى خُمًّا بين مكة والمدينة، فحمِدَ الله، وأَثنى عليه، وذكَّرَ ووَعَظَ، وقال: "أيُّها الناسُ، إنَّما أَنا بشَرٌ مثلُكُم، يوشِكُ أن يأتيَني رسولُ ربِّي، فأُجيب، وإنِّي تاركٌ فيكم ثَقَلين: أولُهما كتابُ الله، فيه الهُدى والنورُ، فخذُوا به، واسْتَمْسِكُوا به" قال: "وأهلُ بَيتي، أذكَّركُم اللهَ في أهلِ بَيتي" قالَها ثلاثًا، فقال له حُصين: ومَن أهلُ بيتِه يا زيدُ، أَليسَ نساؤُه من أهل بيتِه؟ [قال: إن نساءَه من أهل بيته، ولكن أهل بيته] من حُرم الصدقةَ بعده، قال: ومَن هم؟ قال: آل عليًّ، وآل عَقيلٍ، وآلُ جعفرٍ، وآل العباسِ، قال: أكلُّ هؤلاءِ حُرمَ الصدقةَ؟ قال: نعم (٣). * * *

стр. 1931

الباب الثالث والثلاثون: في حزنه وعبادته ﷺ - قالت عائشة رضوان الله عليها: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ مُستجمعًا ضاحِكًا قطُّ، إنَّما كان يَتبسَّم، وكان إذا رَأى غَيمًا عُرف في وجههِ الكَراهيةُ، فأقولُ له في ذلك فيقول: "وما الذي يؤمِّنُني أن يكونَ فيه عَذابٌ، قد عُذَّب قومٌ بالريحِ، وقد رَأَى قومٌ العذابَ فقالوا: هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا" (١). وكان إذا رأى مَخيلَةً في السماءِ دخَلَ، وخَرَج، وتغيَّر لونُه، فإذا أَمطَرت سُرِّي عنه (٢). وكان إذا عصَفَتِ الريح قال: "اللَّهمَّ إنَّي أَسأَلُك خَيرَها وخَيرَ ما فيها، وخَيرَ ما أُرسِلَت به، وأَعوذُ بكَ من شَرِّها وشَرِّ ما فيها وشَرِّ ما أُرسِلَت به" (٣). وقالت عائشة رضوان الله عليها: رخَّص رسولُ الله ﷺ في أمر فتَنزَّه عنه أُناسٌ، فبلَغَه فغَضِبَ حتى بانَ الغضبُ في وجهِه، ثم قال: "ما بالُ قَومٍ يَرْغَبونَ عمَّا رُخَّص لي فيه؟ فواللهِ لَأَنا أَعْلَمُهم باللهِ وأَشدُّهم له خَشْيَةً" (٤). وقالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا أَمَرَهم بما يُطيقون قالوا: لَسنا كَهيئَتِك يا رسولَ الله؟ إنَّ الله قد غَفَرَ لكَ ما تقدَّم من ذنْبِكَ وما تأخَّرَ، فيَغضَبُ حتى يُعرفُ الغضَبُ في وجههِ، ثم يقول: "أَنا أَتقاكُم وأعلَمُكُم باللهِ" (٥). وقال عبد الله بن الشَّخِّير: لقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ ولصَدرهِ أَزيزٌ كأَزيزِ المِرْجَلِ من البُكاءِ (٦).

стр. 1932

وقال الأَغَرُّ المُزَني: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّه ليُغَانُ على قلبي، وإنِّي لأَستغفِرُ الله كلَّ يومٍ أكثرَ من سبعينَ مرَّةً، وأَتوبُ إليه" (١). قال ابن عباس ﵄: بتُّ عندَ خالتي ميمونةَ زوجِ النبيَّ ﷺ فاضجَعتُ في عرضِ الوِسادَةِ، واضْطَجعَ رسولُ الله ﷺ وأهلُه في طولِها، فنامَ رسولُ الله ﷺ حتى انتَصَفَ الليلُ، أو قبلَه بقليلٍ، أو بعدَه بقليلٍ، استيقظَ رسولُ الله ﷺ فجعلَ يمسَحُ النومَ بيدِه عن وجهِه، ثم قرأَ العشرَ الآياتِ الخواتمِ من سورةِ آل عمرانَ، ثم قامَ إلى شَنٍّ معلَّق، فتوضَّأَ منه فأحسنَ الوضوءَ، ثم قام فصلَّى، فقمت فصنعتُ مثلَ ما صنَعَ، ثم ذهبتُ فقمتُ إلى جَنبِه فوضَع يدَه اليُمنى على رأسي، وأَخذَ بأُذني اليمنى فَفَتلَها، وصلَّى رَكْعَتين، ثم رَكْعَتين، ثم رَكْعَتَين، ثم رَكْعَتين، ثم رَكْعَتين، ثم رَكْعَتين، ثم أَوترَ، واضْطَجعَ حتى جاءَه المؤذَّنُ، فقامَ فصلَّى رَكْعَتين خَفيفتين، ثم خرجَ فصلَّى الصبحَ، ثم دعا فقال: "اللهمَّ اجْعَلْ في قلبي نُورًا، وفي بَصَري نُورًا، وفي سَمعي نُورًا، وعن يَميني نورًا، وعن شِمالي نورًا، وخلفي نورًا، ومن فوقي نُورًا، ومن تحتي نُورًا، وأَعظِم لي نُورًا" (٢). وقال حُميد: سُئل أنسُ بن مالكٍ عن صلاةِ رسولِ الله ﷺ من الليلِ، فقال: ما كنَّا نَشاءُ أن نَراه من الليلِ مصلِّيًا إلَّا رَأيناهُ، وما كنَّا نَشاءُ أن نَراه نائمًا إلاَّ رَأَيناهُ، وكان يصومُ الشَّهرَ حتى نقولُ: لا يُفطِرُ منه شيئًا، ويُفطِرُ حتى نقولَ: لا يَصومُ منه شيئًا (٣). وقال أبو وائل: قال عبدُ الله بن مسعودٍ ﵁: صلَّيتُ مع النبي ﷺ ذاتَ ليلةٍ فلم يَزل قائمًا حتى هَمَمتُ بأمرِ سوءٍ، قلنا: وما هو؟ قال: هممتُ بأن أَجلِسَ وأَدَعه (٤). وقال حذيفة: صليتُ مع رسولِ الله ﷺ ذاتَ ليلةٍ فافْتَتَح البقرةَ، فقلتُ: يركَعُ عند المئةِ، قال: ثم مضَى، فقلتُ: يصلَّي بها في ركعةٍ، فمضَى، فقلتُ: يركَعُ فيها، ثم افتَتَح النساءَ فقرأَها، ثم افتَتَح آل عمرانَ فقرأها، يقرأ مترسِّلًا، إذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيحٌ

стр. 1933

سبَّح، وإذا مرَّ بآيةٍ فيها سُؤال سأَلَ، وإذا مرَّ بتعوُّذٍ تعوَّذَ، ثم ركَعَ فجعَلَ يقولُ: "سُبحان ربَّي العَظيم" فكان ركوعُه نحو قيامهِ، ثم قال: "سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَه" ثم قامَ طويلًا قريبًا مما ركعَ، ثم سجَدَ فقال: "سُبحان ربِّي الأعلى" فكان سُجودُه قريبًا من قيامِه (١). وقال إبراهيم بن علقمة: سُئلت عائشةُ: أكانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَخصُّ شَيئًا من الأيامِ؟ قالت: لا، كان عَمَلُه دِيْمَةً، وأيُّكُم يُطيقُ ما كانَ رسولُ الله ﷺ يُطيقُ (٢)؟. وقال عبد الله بن شَقيق: سألتُ عائشةَ ﵂ عن صلاة رسول الله ﷺ من التطوعِ، فقالت: كان يُصلِّي قبلَ الظهرِ أَربعًا في بَيتي، ثم يخرجُ فيصلي بالناسِ، ثم يَرجعُ إلى بيتي فيصلَّي رَكعتَيْن، وكان يُصلَّي بالناسِ العصرَ، ثم يَرجع إلى بَيتي، ثم يخرجُ فيصلِّي المغربَ، ويَرجعُ إلى بَيتي فيصلَّي رَكعتَيْن بعد المغربِ، وكان يصلِّي بهمُ العشاءَ، ويدخلُ بَيتي فيصلَّي رَكعتَيْن، وكانَ يصلِّي من الليلِ تسعَ ركَعاتٍ منهنَّ الوترُ، وكانَ يصلَّي ليلًا طويلًا قائمًا، فإذا قَرأَ وهو قائمٌ ركَعَ وسجَدَ، وإذا قرأ وهو قاعدٌ ركَعَ وسجَدَ وهو قاعدٌ، وكان إذا طلَعَ الفجرُ صلَّى رَكعَتيْن ثم يخرجُ فيصلَّي بالناسِ صلاةَ الفجرِ. انفرد بإخراجه مسلم (٣). وقالت عائشة - رضوان الله عليها -: كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى قامَ حتى تَتَفطَّر رِجلاهُ، فأقولُ: يا رسولَ الله، أتصنعُ هذا وقد غُفر لك ما تقدَّم من ذَنبِكَ وما تأخَّر؟ فيقول: "يا عائشةُ، أَفَلا أكُونُ عَبدًا شَكُورًا؟ " (٤). وقال أُبَيُّ بن كَعبٍ: كانَ رسولُ الله ﷺ يقرأُ في الوترِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾، فإذا سَلَّم قال: "سُبحان الملِكِ القدُّوسِ" ثلاث مرات (٥). وقال غضيف بن الحارث: قلت لعائشة: أكانَ رسولُ الله ﷺ يُوتِرُ في أَولِ الليلِ أَم

стр. 1934

في آخرِه؟ فقالت: ربَّما أوترَ في أوله، وربَّما أوترَ في آخرِه، فقلتُ: الحمدُ للهِ الذي جَعَل في الأمر سَعَةً (١). وقالت عائشةُ رضوان الله عليها: لم يكن رسولُ الله ﷺ على شيءٍ من النَّوافلِ أشدَّ تَعاهُدًا منه على رَكعَتَي الفجرِ (٢). وقالت: ما تَرَكَ رسولُ الله ﷺ ركعتَيْن بعدَ العصرِ عِندي قطُّ (٣). قال الزهري: كان مخصوصًا بذلك. وقالت: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا قامَ يُصلِّي من الليلِ افتَتَح الصلاةَ بركعتينِ خَفيفتين (٤). فصل في قيام رمضان: قال زيدُ بن ثابت: إنَّ النبي ﷺ اتَّخذَ حُجرةً في المسجدِ من حصيرٍ فصلَّى فيها ليالٍ حتى اجتَمَع إليه ناسٌ، ثم فَقدُوا صوتَه، فظنُّوا أنَّه قد نامَ، فجعَلَ بعضُهم يتنَحنَحُ ليخرجَ إليهم. فقال: "ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكُم حتى خشيتُ أن يُكْتَبَ عليكُم، ولو كُتب عليكُم ما قُمتُم به، فصلُّوا في بُيوتِكُم، فإنَّ أفضَلَ صلاةِ المرءِ في بيتهِ إلَّا المكتوبةَ". أخرجاه في "الصحيحين" (٥). وقالت عائشةُ رضوان الله عليها: صلَّى رسولُ الله ﷺ ليلةً في المسجدِ في شهرِ رمضانَ ومعهُ أُناسٌ، ثم صلَّى الثانيةَ فاجتَمعَ تلكَ الليلةَ أكثرُ من الأُولى، فلما كان في الليلةِ الثالثةِ أو الرابعةِ امتَلأَ المسجدُ حتى اغتصَّ بأهلِه، فلم يَخرج إليهم رسول الله ﷺ فجعَلَ الناسُ يُنادونَه: الصلاةَ، فلم يَخرج إليهم، فلمَّا أصبحَ قال له عمرُ بن الخطاب: يا رسولَ الله، ما زالَ الناسُ يَنتظرونَكَ البارِحَة، فقال: "أَما إنَّه لم يَخْفَ عليَّ أمرُهم،

стр. 1935

ولكنَّي خشيتُ أن تُكتَبَ عليهم". أخرجاه في "الصحيحين" (١). وقال أُبيُّ بن كعبٍ: إنَّ رسولَ الله ﷺ كان يعتكفُ العشرَ الأواخرَ من رمضانَ، فسافَر سنةً فلم يَعتكف، فلما كانَ في العامِ المقبلِ اعتكفَ عشرين يومًا (٢). فصل في ذكر قراءته: عن جابرِ بن سَمُرةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يقرأُ في الفجرِ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ونحوها (٣). وكان يقرأ في الظهر ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾، وفي العصر نحو ذلك، وفي الفجر أطول من ذلك (٤). وفي رواية: وكان يقرأ في الجمعة بقاف وبسورة الجمعة والمنافقين (٥). وأخرج مسلم عن أبي واقِدٍ اللَّيثي: أنَّ عليَّ بن أبي طالب رضوان الله عليه سأَلَه بما كانَ يقرأُ رسولُ الله ﷺ في العيدِ؟ فقال: بـ ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ (٦). وقال ابن عباس: كانَ رسولُ الله ﷺ يقرأُ في صلاةِ الصبحِ يومَ الجمعةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ و ﴿هَلْ أَتَى﴾، وفي الجمعةِ بسورة الجمعةِ واذا جاءك المنافقون (٧). فصل في صيامه ﷺ -: قال أسامةُ بن زيدٍ ﵄: كان رسولُ الله ﷺ يصومُ الأيامَ يَسرِدُ حتى يقال: لا يفطرُ، ويُفطر الأيامَ حتى لا يكادُ يَصومُ، إلَّا يومين من الجمعةِ، ولم يَكن يصومُ من شهرٍ من الشُّهورِ ما يَصومُه من شعبانَ، فقلت: يا رسولَ الله، إنَّك تصومُ لا تكادُ تُفطرُ،

стр. 1936

وتُفطر حتى لا تكادُ تصومُ، إلَّا يومين إن دخلا في صيامِكَ وإلَّا صُمتَهما، قال: "أيَّ يَومَينِ؟ " قلت: يومَ الاثنينِ ويومَ الخميسِ. قال: "ذانِكَ يَومان تُعرضُ فيهما الأَعمالُ على ربِّ العالمينَ، فأُحبُّ أن يُرفَعَ عَملِي وأَنا صائمٌ". أخرجه الإمامُ أحمدُ رحمة الله عليه في "المسند" (١). وقال ابن مسعود ﵁: كانَ يصومُ رسولُ الله ﷺ ثلاثةَ أيامٍ من غُرَّة كلِّ شهرٍ، وقلما كان يُفطرُ يومَ الجمعةِ (٢). وقد ثبتَ أنَّه ﷺ كانَ يصومُ الأيامَ البيضَ، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر (٣). وفي "الصحيحين" عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يَصوم يومَ عاشوراءَ قبل أن يُفتَرضَ صيامُ رمضانَ (٤). * * *

стр. 1937

الباب الرابع والثلاثون: في فضله ﷺ على الأنبياء، ونحو ذلك قال جابر بن عبد الله: قال رسولُ الله ﷺ : "أُعطِيتُ خَمسًا لم يُعطَهنَّ أحدٌ من الأنبياءِ قَبلي: نُصِرتُ بالرُّعبِ مَسيرةَ شَهرٍ، وجُعِلَت لي الأرضُ مَسجِدًا وطَهُورًا، فَأيُّما رجلٍ أَدْرَكتهُ الصلاةُ فليُصَلِّ، وأُحِلَّت ليَ الغَنائمُ ولم تَحلَّ لأحدٍ من قَبلِي، وأُعطِيتُ الشَّفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومِه خاصَّةً وبُعِثتُ إلى الناسِ عامَّةً". أخرجاه في "الصحيحين" (١). وعن أبي هريرة، عن النبيَّ ﷺ قال: "بُعِثتُ بجَوامِعِ الكَلِمِ، ونُصِرتُ بالرُّعبِ، وبَيْنا أنا نائمٌ رأيتُني أُتيتُ مفاتيحَ خَزائِنِ الأرضِ فَوُضِعَت بين يَدي" قال أبو هريرة: فقد ذهبَ رسولُ الله ﷺ وأنتم تَنْتَثِلُونَها. أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وقال حذيفةُ: قال رسولُ الله ﷺ : "فُضِّلْنا على الناسِ بثلاثٍ: جُعِلَت صُفُوفنا كصُفوفِ الملائكَةِ، وجُعلِت لنا الأَرضُ مَسجدًا، وتُربَتُها لنا طَهُورًا إذا لم نَجدِ الماءَ". انفرد بإخراجه مسلم (٣). وقال أنسٌ: قال رسولُ الله ﷺ : "آتِي بابَ الجنَّةِ يومَ القيامةِ فأَسْتَفتِحُ فيقولُ الخازِنُ: مَن أنت؟ فأَقولُ: محمدٌ، فيقول: بِكَ أُمرتُ لا أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبلَكَ". انفرد بإخراجه مسلم (٤). ولمسلم عن أنسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أَنا أَولُ الناسِ يَشفَعُ يومَ القيامةِ، وأَنا أكثرُ الناسِ تَبعًا يومَ القيامةِ، وأَنا أَولُ من يَقْرَعُ بابَ الجنَّةِ" (٥).

стр. 1938

وقال أنسٌ: قال رسولُ الله ﷺ : "أَنا أَولُ الناسِ خُروجًا إذا بُعِثُوا، وأَنا خَطيبُهم إذا وَفَدُوا، وأَنا مُبشِّرُهم إذا يَئِسُوا، لواءُ الحمدِ بِيَدِي، وأَنا أَكرَمُ ولدِ آدَمَ على ربِّي ولا فَخْر" (١). وفي "أفراد مسلم" من حديث أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "أَنا سيِّدُ ولَدِ آدَمَ يومَ القيامةِ، وأَولُ من يَنْشَقُّ عنه القبرُ، وأَولُ شافعٍ وأَولُ مُشَفَّعٍ" (٢). وعن جابرِ بن عبدِ الله: أنَّ عمرَ بن الخطابِ رضوان الله عليه أتَى النبيَّ ﷺ بكتاب أَصابَه من بعضِ أهلِ الكتابِ فقَرَأه على النبيَّ ﷺ قال: فغَضِبَ، وقال: "أَمُتهوِّكُونَ فيها يا ابنَ الخطَّابِ؟ والذي نَفْسِي بِيَدِه، لقد جِئتُكُم بها بَيْضاءَ نَقيَّةً، لا تَسألُوهم عن شيءٍ ويُخبروكُم بحقًّ فيكذَّبونَه أو باطِلٍ فيصدَّقونَه، والذي نَفْسِي بيَدِه لو كانَ مُوسى وعِيسى حيَّينِ لَما وَسِعَهما إلَّا اتِّباعِي" (٣). وقال عبدُ الله بن مسعودٍ ﵁: قال رسولُ الله ﷺ : "ما مِنكُم مِن أَحَدٍ إلَّا وَقَد وُكَّلَ بهِ قَرينُه من الجِنَّ وقَرينُه من الملائكةِ" قالوا: وإيَّاكَ يا رسولَ الله؟ قال: "وإيَّايَ، ولكنَّ اللهَ أعانَنِي عليه فلا يأمُرُني إلَّا بخيرٍ". انفرد بإخراجه مسلم (٤). وعن أبي موسى، عن النبيَّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّما مَثَلي ومثَلُ ما بَعثَني اللهُ به، كمَثَلِ رجلٍ أَتَى قومَه، فقال: يا قَومِ إنَّي رأيتُ الجيشَ بعَيني، وإنِّي أنا النَّذيرُ العُريانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فأَطاعَه طائفةٌ من قومِه، فأَدْلَجوا، وانْطَلَقُوا على مَهْلِهم فَنَجوا، وكذَّبتهُ طائفةٌ منهم فأَصْبَحوا مكانَهم فصَبَّحهُم الجيشُ فأَهلَكَهُم واجْتاحَهم، فذلكَ مثَلُ من أَطاعَني واتَّبعَ ما جِئتُ به، ومثَلُ مَن عَصاني وكذَّبَ ما جِئتُ به منَ الحقِّ". أخرجاه في "الصحيحين" (٥). وعن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما مِن نَبيٍّ إلَّا وقد أُعطِيَ من الآياتِ ما

стр. 1939

مثلُه آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنَّما كان الذي أُوتيتُه وَحْيًا أَوْحاه اللهُ إليَّ، فأَرجُو أَن أكُونَ أكثَرهم تابِعًا يومَ القيامةِ". أخرجاه في "الصحيحين" (١). وقال أبو هريرة: قال رسولُ الله ﷺ : "مَثَلِي [ومثل الناس] كمَثَلِ رجلٍ اسْتَوقَدَ نارًا، فلمَّا أَضاءَت ما حَولَها، جَعَلَ الفَراشُ وهذهِ الدَّوابُّ التي يَقعْنَ في النارِ يقَعْنَ فيها، وجَعَل يَحْجُزهنَّ وَيغْلِبنَه فيَقْتَحِمْنَ فيها قال: فَذَلِكُم مَثَلي ومَثَلُكُم، أنا آخِذٌ بِحُجَزِكُم عن النارِ هلمَّ عن النارِ فتَغلِبوني فتقْتَحِمونَ فيها". أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وعن جابر قال: كان أصحابُ رسولِ الله ﷺ يَمشُونَ أمامَه إذا خرجَ، ويَدعونَ ظهرَه للملائكةِ (٣). قال عبد الله بن هشام: كنا مع النبيَّ ﷺ وهو آخِذٌ بيدِ عمرَ بن الخطابِ فقال له: يا رسولَ الله، لأَنتَ أحب إليَّ من كلَّ شيءٍ إلَّا نَفسِي، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لا والذي نَفسِي بيَدِه حتى أكُونَ أحبَّ إليكَ من نَفسِك" فقال له عمر: فإنَّه الآنَ، والله لأنتَ أحبُّ إليَّ من نفسِي، فقال رسول الله ﷺ : "الآنَ يا عُمرُ". انفرد بإخراجه البخاري (٤). وفي الحديث دليلٌ على جوازِ تكلِيفِ ما لا يُطاقُ، لأنه إنما يُكلف الحبُّ الذي يدخلُ تحتَ الطاقةِ، أمَّا الحبُّ الطبيعي فليسَ إلَّا الإنسان. وفي المتفق عليه عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ليَأتِيَنَّ على أحدِكُم زمانٌ لأن يَراني أحبُّ إليه من أن يكونَ له مثلُ أهلِه ومالِه" (٥). وقال عبد الله بن شَقيق: قال رجل: يا رسولَ الله، متى كنتَ نبيًّا؟ فقال له الناس: مَهْ، فقال رسولُ الله ﷺ : "دَعُوه، كنتُ نَبيًّا وآدمُ بينَ الرُّوحِ والجَسَدِ، أو بينَ الماءِ والطِّينِ، حينَ أُخِذَ منَّي الميثاقُ، وإنَّ آدمَ لمنجَدلٌ في طينَتهِ" (٦).

стр. 1940

وفي رواية: "أنا عبدُ اللهِ، وخاتَمُ النَّبيين، ودَعوةُ إبراهيمَ حينَ قال: ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ وبشَّرَ بي عيسى" و"كنتُ أولَ الناسِ في الخلقِ وآخِرَهم في البَعْثِ" (١). وقال أنسٌ: رأيتُ رسولَ الله ﷺ والحلاقُ يحلِقُه وقَد أطافَ به أصحابُه ما يُريدون أن يقَعَ شعرُه إلَّا في يدِ رجلٍ. انفرد بإخراجه مسلم (٢). وفي "الصحيحين" عن أبي جُحيفةَ قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ وهو بالأَبْطَحِ في قُبَّةٍ له، فخرجَ بلالٌ بفضلِ وَضوئه، فرأيتُ الناسَ يَبتَدِرُون ذلك الوَضوءَ، فمَن أصابَ منه شَيئًا مسَحَ به وَجْهَه، ومَن لم يُصب منه أخذَ من بلَلِ يدِ صاحبِه، وخرجَ رسولُ الله ﷺ فقامَ الناسُ فجَعَلوا يأخذونَ يدَه يمسحونَ بها وُجُوهَهم، فأخذتُ يَدَه فوضعتُها على وَجْهي، فإذا هي أبردُ من الثلجِ وأطيبُ من المسكِ (٣). وقال أنس: ما كان شخصٌ أحبَّ إليهم من رسولِ الله ﷺ ، وكانوا إذا رَأَوه لم يَقوموا لما يَعلمون من كراهيَّته لذلك. أخرجه الإمام أحمد رحمة الله عليه في "المسند" (٤).

стр. 1941

وفي "الصحيحين": عن أنس قال: رمى رسول الله ﷺ الجمرةَ الأولى، ثم نحَرَ البُدنَ والحجَّامُ جالسٌ، ثم حلَقَ أحدَ شِقَّيه الأيمن، فقسَمَه بين الناسِ فأَخَذُوه، وحلَقَ الآخرَ فأعطاه أبا طلحةَ (١). وفي "المسند" عن أنس قال: ناوَلَني رسولُ الله ﷺ شِقَّ رأسِه الأيمنَ، وقال: "اذهَبْ بهذا إلى أمَّ سُلَيم" فلمَّا رأى الناسُ ما خصَّها به تَنافَسُوا في الشَّقَّ الآخر، هذا يأخذُ الشيءَ، وهذا يأخذُ الشيءَ (٢). * * *

стр. 1942

الباب الخامس والثلاثون: في طرفٍ من معجزاته ﷺ - وهي ثلاثة أقسام: قسمٌ خارج عن ذاته، وقسمٌ في ذاته، وقسمٌ في صفاته. فأما ما هو خارجٌ عن ذاته، فكانشقاقِ القمرِ، وتسليمِ الحَجَر عليه، ونبعِ الماءِ من بين أصابعِه، وإشباعِ الخلقِ الكثيرِ من الطعامِ اليسيرِ، وحنينِ الجذْعِ إليه، وتسبيحِ الحَصَى في يدَيْه، وشهادة الشاةِ المصْليَّةِ أنَّها مسمومةٌ، وتظليل الغمامِ إِيَّاه قبل مبعثه، إلى غير ذلك. قال أنس: سأل أهل مكة النبيَّ ﷺ أن يُريهم آيةً، فأرَاهم انشقاقَ القمرَ شِقَّتين حتى رأَوا حراء بينهما، فقالت قريش: سَحَركم ابنُ أبي كَبْشَة، سلوا السفار، فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ (١) [القمر: ١]. وعن جابر بن سَمُرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّي لأَعرِفُ حَجَرًا بمكةَ كانَ يُسلِّمُ عليَّ قبلَ أن أُبعثَ، إنِّي لأَعرِفُه الآن" انفرد بإخراجه مسلم (٢). وقال الإمام أحمد ﵀: حدَّثنا يحيى، عن عَوف، حدَّثنا أبو رجاء، عن عِمرانَ بن الحُصَين قال: كنَّا في سفر مع النبيَّ ﷺ فسَرَينا حتى إذا كنَّا في آخرِ اللَّيل وقَعْنَا وَقْعَةً ليسَ عند المسافرِ أَحلى منها، قال: فما أَيقَظَنا إلا حرُّ الشمسِ، وكان أولَ من اسْتَيقظَ فلانٌ ثم فلانٌ، يُسمِّيهم أبو رجاءٍ، ونسيهم عوفُ، ثم عمرُ بن الخطابِ، وكان رسولُ الله ﷺ إذا نام لم نُوقِظه حتى يكون هو الذي يَستيقظُ، لأنَّا لا نَدري ما يَحدُثُ له في نومِه، فلما استَيقَظَ عمرُ ورَأَى ما أصابَ الناسَ وكان رجلًا أَجوَفَ (٣)

стр. 1943

جَليدًا، فكبَّر ورَفَع صوتَه بالتكبيرِ، فما زال يكبِّر ويرفعُ صوتَه بالتكبيرِ حتى اسْتَيقظَ لصوتِه رسولُ الله ﷺ فشَكَى إليه الناسُ ما أَصابَهم، فقال: "لا ضَيْرَ، ارْتَحِلُوا" فارتحلُوا فسارَ غيرَ بعيدٍ، ثم نَزَل، فدَعَى بالوَضوءِ، فتوضَّأ، ونادَى بالصلاةِ فصلَّى بالناسِ، فلما انْفَتَل من صلاتِه إذا برجلٍ معتزلٍ لم يصلِّ مع القومِ، فقال: "ما مَنَعكَ أن تصلِّي؟ " فقال: أَصابَتني جنابةٌ ولا ماءَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "عَليكَ بالصَّعيدِ، فإنَّه كافِيكَ" ثم سارَ رسولُ الله ﷺ فاشتكى إليه الناسُ العطَشَ، فنزَل، فدَعى فلانًا كان يسمِّيه أبو رجاء ونسيه عوفٌ، ودَعى عليًّا رضوان الله عليه وقال: "اذْهَبا فابْغِيا لنا الماءَ" فانْطَلقا فلَقِيا امرأةً بين مَزادَتين من ماءٍ على بعيرٍ لها، فقالا لها: أينَ الماءُ؟ قالت: عَهدي بالماءِ أمسِ هذه الساعةَ ونَفَرُنا خُلُوف (١)، قالا لها: انْطَلقي إذَن، فقالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسولِ الله ﷺ قالت: هذا الذي يُقال له: الصابئُ؟ قالا: هو الذي تَعنين، فانْطَلقي إذًا، فجاءا بها إلى رسولِ الله ﷺ فحدَّثاه الحديث، فاسْتَنْزلُوها عن بَعيرِها، ودَعا رسول الله ﷺ بإناءٍ، فأفرغَ فيه من أَفواهِ المزادَتَين، وأَوكَأَ أَفواهَهما، وأطلَقَ العزاليَ (٢)، ونودي في الناسِ أن اسقُوا واستَقُوا، فسَقى مَن شاءَ، واستَقَى من شاءَ، وكان آخر ذلك أن أَعطى الذي أصابَته الجنابةُ إناءً من ماءٍ، فقال: "اذهب فأَفرِغْهُ عليكَ"، قال: وهي قائمةٌ تَنظُر ما يُفعل بمائها، قال: وايْمُ اللهِ لقد أُقلِعَ عنها، وإنَّه ليخيل إلينا أنَّها أشد ملأَةً منها حينَ ابتدأَ فيها، فقال رسول الله ﷺ : "اجمَعُوا لها طَعامًا" فجمَعُوا لها من بين عجوةٍ ودقيقةٍ وسَويقةٍ حتى جمعوا لها طعامًا كثيرًا وجَعلُوه في ثوبٍ، وحَملُوها على بَعيرها، ووَضَعوا الثوبَ بين يَديها، فقال لها رسول الله ﷺ : "تَعلَمينَ واللهِ ما رَزئناكِ (٣) من مائِكِ شَيئًا، ولكن الله هو سَقانا" قال: فأتت أهلها وقد احتَبَست عنهم، فقالوا: ما حَبَسك يا فلانةُ؟ فقالت: العجبُ، لقيني رجلان، فذهَبا بي إلى هذا الذي يقال له: الصابئ، ففعل بي وبمائي كذا وكذا، الذي كان، فواللهِ إنَّه لأسْحَرُ من بين هذه وهذه، وأشارت بأصبعيها الوسطى والسبابة تَرفعها إلى السماءِ -

стр. 1944

تعني السماءَ والأرضَ - وإنَّه لرسولُ الله حقًّا، فكان المسلمون يُغيرون بعدُ على ما حولَها من المشركين، ولا يُصيبون الصَّرْمَ (١) الذي هي منه، فقالت يومًا لقومها: ما أرى هؤلاء القوم يَدَعُونَكم إلَّا عمدًا فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها ودَخَلوا في الإسلامِ. أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وعن أنسٍ: أنَّ نبيَّ الله ﷺ كان بالزَّوراءِ، فأُتي بإناءٍ فيه ماء لا يَغمُر أصابعَه، فأَمَر أصحابَه أن يتوضَّؤوا، ووَضَع كفَّه في الإناءِ أو في الماءِ فجعلَ الماءُ ينبعُ من بين أصابعهِ وأطراف أصابعه حتى توضَّأ القومُ، قال: فقلنا لأنس: كم كُنتم؟ قال: كنا ثلاث مئةٍ. أخرجاه في "الصحيحين" (٣). وفي المتفق عليه مثل هذه الواقعة جرت في الحديبيةِ، ورواه جابر بن عبد الله، وفيه: فوضعَ رسولُ الله ﷺ يده في الرَّكوةِ، فجعَلَ الماءُ يفورُ من بينِ أصابعِه كأمثالِ العُيونِ، قال: فشرِبنا، وتوضَّأنا، قال سالم: فقلنا لجابرٍ: كم كُنتم؟ قال: كنَّا خمسَ عشرةَ مئةً، ولو كنَّا مئةَ ألفٍ لكَفانا (٤). وقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: حدَّثنا الوليدُ بن القاسم، حدَّثنا إسرائيلُ، عن منصور، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبد الله بن مسعودٍ قال: سمعَ عبدَ الله يحدِّث قال: كنَّا أصحابَ محمدٍ ﷺ نعدُّ الآياتِ بركةً، وأَنتم تعدُّونها تخويفًا، بَينا نحنُ مع رسولِ الله ﷺ وليسَ مَعَنا ماءٌ، فقال: "اطلبُوا مَن معه ماء ففَعلنا، فأُتي بماءٍ، فصبَّه في إناءٍ، ثم وضَع كفَّه فيه، فجعلَ الماءُ يخرجُ من بينِ أصابعهِ، ثم قال: "حيَّ على الطَّهورِ المبارَكِ والبركةِ من الله تعالى" فملأتُ بطني منه، فاستَقى الناسُ. قال عبد الله: وكنَّا نسمعُ تسبيحَ الطعامِ وهو يؤكلُ. انفرد بإخراجه البخاري (٥). وقال عبد الله ﵁: كنَّا مع النبيِّ ﷺ في سفر فلم يجِدُوا ماءً، فأُتي بتَورٍ من ماءٍ، فوضعَ النبيُّ ﷺ يَده فيه، وفرَّج بين أصابعِه [فرأيتُ الماءَ] يتفجَّر من بينها، فقال: "حيَّ

стр. 1945

على الوَضوءِ والبركةِ من الله" قال سالم بن أبي الجعد: قلت لجابر بن عبد الله: كم كان الناس يومئذٍ؟ قال: كنَّا ألفًا وخمسَ مئةٍ (١). وقال سلمة بن الأكوع: خفَّت أَزوادُ الناس، وأَمْلَقوا، فأتَوا رسولَ الله ﷺ فاسْتَأذَنُوا في نَحرِ إبلِهم، فأذِنَ لهم، فلقِيَهم عمرُ، فأخبروه، فقال: ما بَقاؤكُم بعدَ إِبلكم، فدَخَل على النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله، ما بَقاؤُهم بعدَ نحر إِبلهم؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "نادِ في النَّاسِ يأتونَ بفَضْلِ أَزوادِهم" فدَعا، وبرَّكَ عليها، ثم دَعَا بأَوعِيَتهم فاحْتَثى الناسُ حتى فَرَغُوا، ثم قال رسول الله ﷺ : "أَشهدُ أنْ لا إِلَه إلَّا اللهُ وأَنِّي رسولُ اللهِ". أخرجه الإمام أحمد رحمة الله عليه في "المسند" وانفرد بإخراجه البخاري (٢). وروى إياسٌ عن أبيه قال: خَرجنا مع رسولِ الله ﷺ في غزوة، فأَصابنا جَهدٌ حتى هَمَمنا أن نَنْحَر بعضَ ظهرِنا، فأمرَ نبيُّ الله ﷺ فجمعنا مَزاوِدَنا، وبَسَطنا له نِطْعًا، فاجتَمَعَ زادُ القومِ على النِّطعِ، قال: فتَطاوَلْتُ لأَحزِرَه كم هو فإذا هو كرَبْضَةِ العَنْزِ، ونحن أربعَ عشرةَ مئةً، فأَكلنا حتى شَبعنا، وحَشَونا جُرُبنا، فقال نبيُّ الله: "هَل من وَضوءٍ؟ " فجاءَ رجلٌ بإداوَةٍ فيها نطفة، فأفرغَها في قدحٍ، فتَوضَّأنا كلُّنا ندغفقُه دغفقةً أربعَ عشرةَ مئةً. انفرد بإخراج هذا الطريق مسلم (٣)، والدَّغفقة الصبُّ الشديدُ. وأما حنين الجذع فقد ذكرناه عند عمل المنبرِ. وتظليلُ الغمامِ له ﷺ في حديث بَحِيرى، وخروجِه إلى الشامِ مع ميسَرةَ غلام خديجة رضوان الله عليها ونحو ذلك، وقد فرَّقنا معجزاتِه ﷺ في أثناءِ سيرتِه، كإخبارِه أن الأرضة أكلت الصحيفة التي كتبتها قريش بينهم وبين بني هاشم، وكقوله ﷺ : "إذا هلَكَ كِسْرى فلا كِسْرَى بعدَه، وإذا هلَكَ قَيصرُ فلا قيصرَ بعده، والذي نَفسي بيَدِه لتُنفقنَّ كُنوزَهما في سبيلِ اللهِ" متفق عليه (٤)، وقولُه

стр. 1946

ﷺ في يومِ بدرٍ: "هذا مَصرعُ فلانٍ وفلان" فما أخطأَت تِلكَ المصارع (١). وإخباره ﷺ بما يكون بعدَه من المغيباتِ، وهو الصادقُ المصدوقُ، فصلى الله عليه ما مطرت سُحُب، وخطَرَت بروق، وجَدَّت براكِبِها في فَسيحِ مَذاهبها نُوقٌ. وأما القسم الثاني: وهو في ذاته، كالنور الذي كان ينتقلُ في ظهرِ آبائِه من الأنبياءِ والرؤساءِ والأشرافِ حتى وصَلَ إلى أبيه عبد الله، وما ظهر من حسنِه وجمالِه مما ذَكرنا في صفتِه وأحوالهِ. وأما القسم الثالث: وهو في صفاتِه، فكصدقهِ الدائمِ، فلم يَنطق بباطلٍ قط، ولا ارتكَبَ قبيحًا قبل النبوةِ ولا بعدَها مما يشينُ ويحطُّ من القدرِ، بل عَصَمه اللهُ تعالى من جميعِ ذلك، وكان ﷺ شُجاعًا، جَوادًا، مِقدامًا، فَصيحًا، عادِلًا، راحِمًا، رَؤوفًا بالمساكينِ، حَسَن الخلقِ، حَليمًا، حَييًّا، إلى غير ذلك من الأخلاقِ الرضيةِ والصفاتِ المرضيَّة، ومعجزاتُه ﷺ كثيرةٌ، وآياتُه ظاهرةٌ غَزيرة، ومن أكبرِها القرآنُ الكريم الباقي على مرورِ الزمانِ وتقلُّب الحَدَثان لا يَفنى ولا يَبيدُ، تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ. * * *

стр. 1947

الباب السادس والثلاثون: في ذكر فصاحته ﷺ - كان رسول الله ﷺ أفصحَ العالمِ لِسانًا، وأَرجحَهم بيانًا، يتكلَّم بكلام قد حُفَّ بالعصمة، وينطقُ بلسانِ الحكمةِ، لم يَسقط منه كلمة ولا بادَت له حُجةٌ، أعجزَ الناطقين، وحازَ قصبَ السبقِ في السابقين، كلامُ معصوم من الزلل والتّوى، وما ينطق عن الهوى. قال أنس: قال رسول الله ﷺ : "أنا أفصحُ من نطَقَ بالضادِ" (١). وقد رَوينا عنه ﷺ أنه قال: "بُعثتُ بجوامِعِ الكَلِم، واختُصِرَ لي الكلامُ اختصارًا" (٢). وقال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه: قلتُ: يا رسولَ الله، ما بالُك أفصحُنا؟ فقال: "لأنَّ العربيةَ كلامُ إسماعيلَ ﵇ كانت قَد دُرِسَت، فأَتاني جبريلُ ﵇ فعلمني إيَّاها" (٣). قوله (٤) ﵇: "إنَّ الله يغارُ، وإنَّ المؤمِنَ يغارُ وغَيرةُ الله أَن يَأتي الرجلُ ما حرَّم الله عليه" (٥). ولمسلم عن ابن مسعودٍ عن النبي ﷺ بمعناه، ومن أجلِ ذلك أنَّه حرَّم الفواحشَ ما ظهَرَ منها وما بَطَنَ (٦). قوله ﵇: "مَن خَرَجَ عنِ الطَّاعةِ" قال أحمد بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن خَرَجَ منَ الطاعةِ وفارَقَ الجماعَةَ فماتَ، فميتَتُه جاهليةٌ، ومَن قاتَلَ

стр. 1948

تحتَ رايةٍ عِمِّتَّةٍ، يغضَبُ لِعَصَبَتِه، أو يَنصرُ عَصَبَته فقُتلَ، فقتلتُه جاهليةٌ، ومَن خرَجَ على أُمَّتي يَضربُ بَرَّها وفاجِرَها، لا يَتحاشَى لمؤمنِها، ولا يَفِي لذي عَهدِها، فليسَ منَّي، ولستُ منه". انفرد بإخراجه مسلم (١). معنى عِمِّية أي: الأمرُ لا يستبان جهتُه. قال الجوهري: وعمي عليه الأمرُ: الْتَبسَ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦] قال: وقولهم: ما أعماه، إنما يُراد به قلبه؛ لأنَّ ذلك ينسب إليه الكثيرُ الضلالِ، ولا يقال في عمَى العيونِ: ما أَعماه، ورجل أعمى القلبِ أي: جاهلٌ، وامرأةٌ عَمِية عن الصوابِ (٢). قوله ﷺ : "من غشنا فليس منا" قال أحمد بإسناده عن أبي هريرة قال: مرَّ رسولُ الله ﷺ في السوقِ على صُبْرَةِ طعامٍ فأدخلَ يدَه فيها فنالَت أصابِعُه بلَلاً، فقال: "يا صاحِبَ الطعامِ، ما هذا؟ " فقال: يا رسولَ الله أَصابتهُ السماءُ، فقال: "أفَلا جَعلتَه فوقَه حتى يَراه الناس؟ " ثم قال "مَن غشَّنا فليسَ منَّا". انفرد بإخراجه مسلم (٣). وروي: أنَّ الله تعالى أَوحى إلى رسوله أن أدخل يدَكَ في الطعامِ (٤). وقال سفيان بن عيينة: إنَّما نهى عن الغشِّ لأنَّه من أخلاقِ اليهودِ. وقوله: "ليس منا" أي: مثلنا، ولا أخلاقُه مثل أخلاقنا. وقال ابن قتيبة: معنى "فليس منا" إشارة إلى الأنبياء ﵈ فإنهم منزهون عنه وكذا أمثالهم من العلماء. قوله ﵇: "نِعمَ الإدامُ الخلُّ" قال أحمد بإسناده عن جابر بن عبد الله أنَّ رسولَ الله ﷺ سألَ أهلَه الإدامَ، فقالوا: ما عندنا إلَّا خلٌّ، فدعا به وجعلَ يأكلُ منه ويقول: "نِعمَ الإدامُ الخلُّ". انفرد بإخراجه مسلم. وفي رواية "المسند": "ما أفقَرَ بيتٌ فيه الخلُّ" وأخرجه الترمذي (٥).

стр. 1949

وفي الخل فوائدٌ منها: أنه يقمعُ الصفراءَ، ويهضِمُ الطعامَ، ويقوَّي المعدةَ. وفيه من الفقه: لو حلف لا يأتدمُ فأكلَ خبزًا بخلًّ حنَث. قوله ﵇: "إذا وزنتَ فأَرجِح" قال أبو داود بإسناده عن سِماك بن حَرْب قال: حدثني سُويد بن قيس قال: جلبتُ أنا ومَخرفَة - وقيل: مَخرمة العبدي - بزًّا من هَجَر فأتينا به مكةَ، فجاءنا رسولُ الله ﷺ يمشي فساوَمَنا بسراويلَ فبعناه، وثمَّ رجلٌ يزن بالأجر، فقال له رسول الله ﷺ : "زِنْ وأَرجِح" (١). وأهلُ العلمِ يستحبون الرجحان في الوزن، وذكر بعض أهل النقل أن النبيَّ ﷺ رآه يزنُ ناقصًا فقال: "زن راجحًا"، ويحتمل أنه أجاز الرجحان، وقد كان ﷺ يفعل ذلك إذا اشترى أو استقرض، ويحتمل أنه على وجه التهديد للوازن. قلت: وقوله: فساوَمَنا سراويلَ، وهمٌ من الرواة، لأن النبيَّ ﷺ وأصحابه لم يكونوا يعرفون السراويلات، وإنما هو زيُّ الأعاجم، وقيل: إن أول من لبسَ السراويلَ عثمان، وقد روي أن النبيَّ ﷺ ساوَمهما في رداءٍ وهو الظاهر. قوله ﷺ : "إذا أَرادَ الله بعبدٍ خيرًا عَسَلَه" قيل: وما عَسْلُه؟ قال: "يفتحُ له عملًا صالحًا قبلَ موتِه، ثم يَقبضُه عليه" (٢). قوله ﵇: "إنَّ أطيبَ ما أكَلَ الرجلُ من كَسبهِ". قال الترمذي بإسناده عن عائشة ﵂: قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إن أطيبَ ما أكَلتُم من كَسبِكُم، وإنَّ أولادَكُم من كَسبِكُم" قال الترمذي: هذا حديث حسن. وفي الباب عن جابر بن عبد الله وابن عمرو، والعملُ عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبيَّ ﷺ وغيرهم، قالوا: إنَّ يدَ الوالدِ مبسوطةٌ في مال ولده يأخذ ما شاء، وقال بعضهم: لا يأخذ من ماله إلَّا عند الحاجة إليه، هذا كلام الترمذي (٣). قلت: ولا خلاف أن نفقة الوالد تجب على الولد إذا كان موسرًا، واختلفوا هل يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه؟ قال أبو حنيفة: يجوز وقال الشافعي وأحمد: لا يجوز، واحتجوا بهذا الحديث.

стр. 1950

وإذا كان الولد كسب الوالد فقد ثبت له حق في مال الابن، ألا ترى أن الأب إذا وطئ جارية الابن وهو عالم بالتحريم لا يحل، فقد تزوج بأمة له فيها حق فلا يجوز، ولأبي حنيفة أنها غير مملوكة الأب فيجوز نكاحها كالأجنبية، ولهذا يملكُ الابن إعتاقها ووطأها وبيعها وهبتها، والجمع بين الملكين لشخصين في مجال واحد في زمان واحد محال، وأما الحديث فالمراد به الأخذ من مال الابن عند الحاجة، فإن الأب يملك ذلك، ولهذا سقط الجلد عنه في وطء أمة ولده؛ لأنا نقلنا الملك إليه قُبيل الوطء لما عرف في مسألة الاستيلاد، وتمامه في "الخلافيات". قوله ﵇: "خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة". ذكره القضاعي. قال أحمد بإسناده عن سويد بن هبيرة عن النبي ﷺ قال: "خيرُ مالِ امْرئٍ" (١) وذكره. قال الجوهري: المهر ولد الفرس، والجمع أمهار ومِهارة، والأنثى مهرة والجمعُ مُهَر ومُهَرات (٢)، والمأمورة، الكثيرةُ النِّتاج، والسِّكة: المُصْطَفَّة من النخل، قال الجوهري: ومنه قولهم خيرُ المالِ مهرة مأمورةٌ، أو سِكَّة مأبورة أي: ملقَّحة، قال: وكان الأَصمعي يقول: السِّكة ها هنا الحديدةُ التى يُحرث بها، ومأبورة مُصلحة، قال: ومعنى هذا الكلام: خيرُ المالِ نِتاج أو زَرع (٣). قوله ﵇: "تَزوَّجوا الولودَ الودودَ". قال أبو داود بإسناده عن معاويةَ بن قُرَّة، عن مَعقِلِ بن يسار قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيَّ ﷺ فقال: إنَّي أَصبتُ امرأةً ذات جمالٍ وحَسَب، وإنَّها لا تلدُ أفأتزوَّجها؟ قال: "لا"، ثم أَتاه ثانيًا وثالثًا فقال رسول الله ﷺ : "تَزوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، فإنَّي مُكاثِرٌ بكمُ الأُمَمَ" (٤). وفي رواية: "يومَ القيامةِ" (٥).

стр. 1951

وأخرج عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا أُخبِرُكم بخَيرِ نسائِكُم من أَهلِ الجنةِ؟ " قالوا: بلى، قال: "الوَدُودُ الوَلُودُ العَؤودُ على زوجِها، التي إذا أُذيت أخذَتْ بيدِ زوجِها وقالَت: والله لا أَطعَمُ حتى ترضى" (١). وقد بينا فضل النكاح على العبادة فيما تقدم. قوله ﵇: "أَفضلُ الجهادِ كلمةُ حقًّ عند سُلطانٍ جائرٍ". قال الترمذي بإسناده عن أبي سعيد الخدري عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنَّ مِن أَعظَمِ الجهادِ كلمةُ عَدلٍ عند سُلطانٍ جائرٍ" (٢). قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي أمامة. قال: إنما كان ذلك أفضل الجهاد، لأن من جاهد العدو وكان مترددًا بين الخوف والرجاء لا يدري أيغلب أم يُغلب، والمجاهد للسلطان الجائر مقهورٌ في يده، لأنَّه متى أمره بمعروف ونهاه عن منكر فقد عرَّض نفسه للتلف، قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: حدَّثت بهذا الحديث إبراهيم بن طَهمان، فقال: اكتبه لي، فكتبتُه، فانصرف إلى خراسان، فدخل على أبي مسلم، فنهاه، وأَمره، وذكر له هذا الحديث، فقال له أبو مسلم: قد قَبلنا قولَك فهل لك أن تَجلِسَ في بيتك؟ فقال: لا، وذكر الحديث، فقال له ثانيًا: هل لك أن تجلس في بيتك؟ فقال: لا، وذكر له الحديث، فأمر بقتله، فاختَصَم فيه ثلاثة، فقال إبراهيم: لا تَختصموا كلُّكم شريكٌ، فضربه رجلٌ فلم يُجدِ الضربُ، فبقي حلقومه معلقًا فرموه في بئر، فكانوا يسمعون أنينه ثلاثة أيام. قوله ﵇: "خيرُ الصدقةِ ما كانَ على ظهر غِنى". قال أبو داود بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنَّا عند رسولِ الله ﷺ إذا برجلٍ جاءَ بمثل بيضةِ ذهبٍ، فقال: يا رسولَ الله، أصبتُ هذهِ في معدنٍ فخذها، فهي صدقةٌ ما أَملك غيرَها، فأعرض عنه رسولُ الله، ثم أَتاه من قِبَلِ رُكْنِه الأَيمنِ، فقال مثلَ

стр. 1952

ذلك، فأعرض عنه، ثم أَتاه من قِبَلِ رُكْنِه الأيسرِ، فأعرضَ عنه، ثم أَتاه من خَلفِه، فحذَفَه بها رسولُ الله، فلو أَصابته لأَوجَعته، أو عَقَرَته، وقال رسولُ الله ﷺ : "يَأتي أحدُكم بما مَلَك فيقولُ هذِه صدقةٌ، ثم يقعدُ فيَسْتكفّ الناسَ" أو "يقعدُ يستَكف الناسَ! خيرُ الصَّدَقة ما كانَ عن ظهرِ غِنَى" (١)، وفي رواية أبي داود عن أبي هريرة: "وابْدَأ بِمَن تَعولُ" (٢). قوله ﵇: "ارْحَم مَن في الأرضِ يَرحَمك مَن في السَّماءِ". قال الترمذي بإسنادِه عن عبدِ الله بن عَمرو قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الرَّاحِمُونَ يَرحَمُهم الرَّحمنُ، ارْحَم مَن في الأَرضِ يَرْحَمُك مَن في السَّماءِ، الرَّحِمُ شُجنةٌ من الرَّحمنِ، فمَن وصَلَها وَصَلَه الله، ومَن قَطَعها قَطَعه الله" قال: وهذا حديث حسن صحيح (٣). قلت: وهذا هو الحديث المسند الذي سمعته من شيخنا افتخار الدين أبي هاشم عبد المطلب الهاشمي، وهو أول حديث سمعته منه، قال شيخنا افتخار الدين أبو هاشم عبد المطلب بن الفضل بن عبد المطلب وذلك بمدينة حلب في شوال سنة ثلاث وست مئة بالمدرسة النورية، قال بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "الرَّاحمون يَرحمُهم الرَّحمن، ارْحَموا أهلَ الأرضِ يَرحَمكم أهلُ السماءِ". قال: وفي الباب عن أبي هريرة بإسناده قال: أبصر الأقرعُ بن حابسٍ النبيَّ ﷺ يُقبِّلُ حَسَنًا، فقال: لي عشرةٌ من الوَلَد ما قبَّلتُ أحدًا منهم قطُّ! فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّه مَن لا يَرْحَم لا يُرْحَم". أخرجاه في "الصحيحين" (٤). وروي عن أبي هريرة عن رسولِ الله ﷺ قال: "جَعَل الله الرَّحمةَ مئةَ جُزءٍ، فأمسَكَ عندَه تِسعةً وتِسعين جُزءًا، وأَنزَلَ جُزءًا واحدًا، من ذلك الجزءِ يَتراحمُ الخلقُ، حتى

стр. 1953

تَرفَعَ الفرسُ حافِرَها عن ولدِها خشيةَ أن تصيبه" (١). وأخرج البخاري بمعناه عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ وفي آخره: "لو يَعلَمُ الكافرُ بكلِّ الذي عندَ الله مِن الرَّحمة، لم ييأس من الجنَّة، ولو يَعلَمُ المؤمنُ بكلِّ الذي عندَ الله مِن العَذابِ لم يَأمَن النارِ" (٢). ولمسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "لله مئةُ رَحمةٍ أَنزَلَ منها رحمةً واحدةً بينَ الإنسِ والجنِّ والهوامِّ، فبها يَتعاطَفون وفيها يَتراحمونَ، وبها تَعطِفُ الوحشُ على أَولادِها، وأَخَّر تسعةً وتسعين إلى يومِ القيامةِ يرحمُ بها عبادَهُ" (٣). وفي "الصحيحين" عن أسامةَ بن زيدٍ عن النبيِّ ﷺ : "إنَّما يَرحَمُ الله مِن عبادهِ الرُّحَماء" (٤). وقال أحمد بإسناده عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا تُنْزَع الرَّحمةُ إلَّا من شَقيًّ" (٥). قوله ﵇: "إذا اسْتَشاطَ السُّلطانُ، تَسلَّطَ الشَّيطانُ" (٦) وهذا مثل قوله ﵇: "إنَّ العينَ لتُدخِلُ الرجلَ القبرَ، والجملَ القدرَ" (٧) ثم قال أبو عبيد: معناه أن الإنسان متى غضب تمكن إبليس منه، وشاطَ يَشيطُ: إذا احترق، وإنما خص السلطان لأن غضبه يعم. قوله ﵇: "القُضاةُ ثلاثةٌ" قال أبو داود بإسناده عن أبي هاشم، عن ابن بُريدة، عن أبيه، عن رسولِ الله ﷺ قال: "القضاةُ ثلاثةٌ: واحدٌ في الجنَّةِ، واثنانِ في النَّارِ، فأمَّا الذي في الجنَّةِ فرجلٌ عَرَفَ الحقَّ فقَضَى به، ورجل عرَفَ الحَقَّ فجارَ في الحُكمِ، فهو

стр. 1954

في النَّارِ، ورجلٌ قَضَى للنَّاس على جَهلٍ فهو في النَّارِ" (١). وقد فسره أبو عبيد فقال: الذي هو في الجنة هو الذي أُكره على القضاء فقضى بالحق والعلم، وأما الذي في النار فرجلٌ كان عالمًا بالقضاء ثم جار في الحكم، ورجل جاهل نصَّب نفسه للقضاء وليس بأهل للعلم، فقضى فَحاف، فأحلَّ ما حرم الله من الفروج والدماء والأموال فهو في النار. قوله ﵇: "مَن جُعِلَ قاضيًا فقد ذُبح بغيرِ سِكِّينٍ" (٢) وقد فسره أبو عبيد فقال: إن الذبح الذي يحصل به إزهاق الروح وخلاص المذبوح من طول الألم وشدة العذاب إنما يكون بالسكين، فإذا ذبح بغير سكين كان حتفًا وتعذيبًا. وروى أنس قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن سألَ القضاءَ وُكِلَ إلى نفسهِ، ومَن أُجبِرَ عليه نَزَل عليه مَلَكٌ يُسدَّدُه" (٣). حديث آخر في القضاء: رَوت عائشة ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: "يُجاءُ بالقاضي العادِلِ يومَ القيامةِ، فيَلقَى مِن شدَّةِ الحِسابِ ما يَتمنَّى معه أنْ لا يَكونَ قَضَى بين اثنينِ قطُّ" (٤). قوله ﵇: "لا رقيةَ إلَّا من عينٍ أو حمَةٍ، والعينُ حقٌّ" (٥) ورخص رسولُ الله ﷺ في الرقية من العين والحمة والنملة، والحمة الحيات والعقارب وما أشبهها من ذوات السموم، وتُسمى إبرةُ العقرب حمة لأنها تجري مجرى السم، وحمة العقرب بالتخفيف: سمها، والهاءُ عوض، قال: والنَّمْلةُ بالفتح قروحٌ في الجنب وبثور صغار مع ورم يسير ثم يتقرَّح فتسعى وتتسع، وتسميها الأُدباء الذباب، والنملةُ أيضًا عيبٌ في حافر الفرسِ، فأما النُّمْلةُ بالضم فهي النميمة، وكان ﷺ يرقي أصحابه ويقول: "بسم اللهِ أَرقيكَ واللهُ يَشفِيكَ" (٦).

стр. 1955

وروي عن أبي سعيد الخدري: أن ناسًا من أصحابِ رسولِ الله ﷺ كانوا في سفر، فمرُّوا بحيٍّ من أحياء العربِ، فاستضافوهم فأَبَوا أن يضيِّفوهم، فعرضَ لإنسانٍ منهم في عقلهِ، أو لُدغ، فقالوا لأصحابِ رسولِ الله ﷺ : هل فيكم من راقٍ؟ قالوا: نعم، فَرَقاه رجل منهم بفاتحةِ الكتاب فبرئ، فأُعطي قطيعًا من الغَنَم، فأبى أن يقبلَ حتى أتى النبيَّ ﷺ فذكر له ذلك وقال: والذي بعثكَ بالحقَّ ما رقيتُه إلَّا بفاتحة الكتاب فبرئَ، فضحِكَ النبيُّ ﷺ وقال: "وما يُدرِيكَ أَنَّها رقيةٌ؟ " ثم قال: "خُذُوا واضْرِبُوا لي بِسَهمٍ" متفق عليه (١). وفي بعض ألفاظ "الصحيح": فقال رجل: ما أنا براقٍ لكم حتى تَجعلوا لنا جُعلاً، فصالحوهم على قَطيع من الغَنَم (٢). ولمسلم: عن عَوف بن مالك الأشجعي قال: كنَّا نَرقي في الجاهليةِ، فقلنا: يا رسولَ الله، كيفَ تَرَى في ذلك؟ فقال: "اعرِضُوا عَلَيَّ رُقاكم، لا بأسَ بالرُّقَى ما لم يَكن شِركٌ" (٣). قوله ﵇: "حُبُّك للشيءِ يُعمِي ويُصِمُّ". قال أبو داود بإسناده عن أبي الدرداءِ قال: قال رسولُ الله ﷺ : وذكره (٤). ورواه أبو بكر الخرائطي في "اعتلال القلوب" عن أبي بُردة الأَسلمي رَفَعه بهذا اللفظ، ذكره الخرائطي في: باب ما يستحب من الاقتصاد في الحب، وما يكره من الإفراط فيه، فإن الحبَّ يُعمي عن طريق التوبة، ويصمُّ عن استماع الحق (٥). قوله ﵇: "تَداوَوا". قال الترمذي وإسناده عن أسامةَ بن شَريك قال: قالت الأعرابُ: يا رسولَ الله، أَلا نَتَداوَى؟ فقال: "نَعم يا عبادَ الله، تَداوَوا، فإنَّ الله لم يَضَع داءً إلَّا وضَعَ له شِفاءً، أو

стр. 1956

دواءً، إلَّا داءً واحدًا" قالوا: وما هو يا رسولَ الله؟ قال "الهرمُ" (١). وقد اشتمل هذا الحديث على فوائد: منها: أن الطبَّ تعليم أم قياس؟ اختلفَ الأوائل فيه، فقالت الصابئة: إن شيث بن آدم أول من أظهره، وأنه ورثه عن أبيه آدم، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] يدل عليه، وقال بعضهم: إن الهند استخرجته، وقال بقراط وجماعة من الأوائل: هو إلهام من الله ، وقال بعضهم: بل حصل بالتجربة، والظاهر أن أصله من تعليم الله ووحيه وبعضه من إلهامه، ثم أضاف الناسُ إليه التجاربَ والقياسَ. وقال أبو سليمان الخطابي: الطب قسمان: قسم يسمونه: القياسي، وهو طب اليونانيين؛ بقراط وجالينوس ومن سلك طريقهما، وهو مذهب عامة الأطباء. والقسم الآخر: طب التجارب، وهو مذهب الهند وكثير من العرب، وهؤلاء يستعملون القياس ولا يعتبرون الأصول، وإنما يَعتمدون مجرد الامتحان والتجربة في آحاد الأعيان، ويحتجون بأن لبعض الطباع خاصية ليست لغيرها، وللعادات تأثيرًا في الطباع، وفي الأهوية والبلدان اختلاف كثير يتغير باختلافهما بعض الأحكام، والقياس يستمر على وصف مطَّرد لا يختلف. ومنها: بيان فضيلة علم الطب وموافقته للشرع والعقل، لا خلاف أن الآدمي أفضل المخلوقات وأشرف الموجودات، وأن الله سبحانه شرفه بالعقل وأدواته، وبه توجه إليه الخطاب حتى عَرف الصانع بمصنوعاته، وأن جسدَه كالمركب، ومن الواجبِ حراسته لبقاء الراكب ليقطع ما قدِّر له من المسافة في بيداء الدنيا، ومن المعلوم أن البدنَ مركَّب من أمزجة مختلفة وأضداد متباينة، وقوامه بتعديل مزاجه، ومتى اعتدل حصلت له الصحة والعافية، وحصول العافية إنما يكون بشيئين: باعتدال البدن، وبما يصدر من الصحة عنه، والثاني: بإخراج الفضول المؤذية منه، وإذا ثبت هذا فالصحة والعافية من

стр. 1957

أبلغ النعم، والغفلة عن شكرها من جملة النقم فما وجهٌ من أفقه الطب للشرع. وقد ورد الشرع بأشياء تنافي الطب منها قوله ﵇: "الحمَّى من فيحِ جهنَّم فابرِدوها بالماءِ" (١) والماء من أضر الأشياء على المحموم، لأن الاغتسال به يحقن الحرارة في باطن بدنه فيقع الهلاك في نظائر كثيرة، قلنا: قوله ﵇ "ابرُدوها بالماءِ" لا يطَّرد في جميع البلادِ، فإن البلدان الباردة لا يصلحُ فيها ذلك، وإنما هو خطاب لأهل الحجازِ ومَن بلادهم حارة، وهذا الجواب عما يرد في هذا الباب. ومنها: اختلافُ العلماءِ هل التداوي أفضل أم تركه؟ ذهب قوم إلى أن التداوي أفضل لمن توكل على الله، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] وبحديث عمران بن الحصين قال أحمد: حدّثنا يزيدُ بن هشام، عن الحسن، عن عمران بن الحصين، أن رسولَ الله ﷺ قال: "يدخلُ الجنةَ من أُمتي سبعونَ ألفًا بغيرِ حِسابٍ، الذين لا يَكتَوون، ولا يَسترقون، ولا يَتَطيَّرون وعلى ربِّهم يتوكَّلونَ" قال: فقام عكَّاشة فقال: يا رسول الله، ادْعُ الله تعالى أن يَجعلَني منهم، فقال: "أَنتَ منهم" فقام آخر فقال: أنا كذلك، فقال رسول الله ﷺ : "سبَقَكَ بها عُكَّاشةُ". انفرد بإخراجه مسلم (٢). وقيل: لأبي بكر ﵁ أَلا تَتدَاوى؟ في مرضه فقال: الطبيبُ أَمرضني. وقد كان جماعة من السلف على هذا المذهب. وقال قوم: التداوي أفضلُ لقوله ﵇: "تَدَاوَوا" والأمر للوجوب، وعامةُ السلفِ تَداوَوا، وقد كان ﷺ يَتَداوى على ما ذكرناه. قوله ﵇: "الجنَّةُ تحتَ أَقدامِ الأمهاتِ". أنبأنا جدِّي ﵀ بإسناده عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "الجنَّةُ تحتَ أقدامِ الأمهاتِ" ذكَره جدِّي في كتاب "بر الوالدين" (٣).

стр. 1958

إنما قدمت الأم في البر لمكان الشفقة والحضانة ومشقة الحمل والطلق والرضاع والتربية ونحوها. وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسولَ الله، أيُّ الناسِ أحقُّ مني بحُسن الصُّحبةِ؟ فقال: "أُمُّك" قال: ثم مَن؟ قال: "أَبوك" (١). ورواه أحمد عن يزيد ابن هارون، عن بَهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسولَ الله، مَن أبرُّ؟ قال: "أُمَّك" قلت: ثم مَن؟ قال: "أَباكَ" (٢). قوله ﵇: "طِيبُ الرجالِ ما ظَهَر ريحُه". قال الترمذي بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله، وذكره (٣)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن عِمران بن الحُصين. أشار ﷺ إلى أنَّ المرأة عورة، وأن التبرج عليها حرام، وظهور الطيب نوع من ذلك. ولمسلم: عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أَيُّما امرأةٍ أَصابَت بخورًا فلا تَشهدنَّ مَعنا العِشاءَ الآخرةَ". وفي رواية: "إذا جاءَت إحداكُنّ المسجدَ، فلا تَمسَّ طِيبًا" (٤). وفي "الصحيحين" عن أنس عن النبيِّ ﷺ أنه نهى أن يَتَزعفَرَ الرجلُ (٥). قوله ﵇: "المجالسُ بالأماناتِ" عن جابر بن عبد الله قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا حدَّثَ الرجلُ الحديثَ ثم الْتَفَت، فهي أَمانةٌ" قال: هذا حديث حسن (٦). قال أبو عبيد: فيه إشارة إلى أن القوم يجتمعون فيتحدثون ويستغرقون في الحديث، فمَن أفشى منهم سرًّا فهو خائن، وقد توهم قومٌ أن هذا الحديث ثم.

стр. 1959

قوله ﵇: "ليسَ الغِنى بكَثرَةِ العَرَضِ، وإنَّما الغِنَى غِنَى النَّفسِ". قال الترمذي بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ ، وذكره (١). وقال: حديث حسن صحيح. أشار ﷺ إلى شرف النفس والقناعة باليسير. قوله ﵇: "إنَّ المؤذِّنينَ أَطولُ النَّاسِ أَعناقًا يومَ القيامَةِ" قال أحمد بإسنادِه عن عيسى بن طلحة، قال: سمعتُ معاوية يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقولُ (٢)، وذكره. واختلفوا في معناه، فقال الخطابي: معناه الدنوُّ والقرب، وقال محمد بن زياد الأعرابي: معناه هم أكثر الناس أعمالًا يوم القيامة، يقال: لفلان عنق خير، أي: عمل كثير، وقال قوم: إنما هو من طول الأعناق، لأن الناس يعرقون يوم القيامة حتى يصل العرق إلى آذانهم، وقال أبو عبيد: يكونوا رؤساءَ يومئذٍ، والعرب تصف السادات بالأعناق وطولها، فيحتمل أن معنى الحديث: أنهم أطول الناس أعناقًا يوم القيامة ينتظرون ما أعد الله لهم من الثواب. قوله ﷺ : "مَن بَدا جَفا" قال أحمد بإسناده عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن بَدا جَفا، ومَن اتَّبَعَ الصيدَ غَفَلَ، ومَن أَتَى أبوابَ الملوكِ افْتَتَن، وما ازْداد عبدٌ من السُّلطانِ قُربًا، إلَّا ازْداد من الله بُعدًا" (٣). وقال: يغلب من سكن البادية غلظ طبعه وصار جافيًا، وبعد عن الطباع الكريمة ومكارم الأخلاق، وأما اتباع الصيد فلأن فيه ترك الجمعة والجماعات، والاشتغال عن مجالس الذكر والعبادات، فيصده ذلك عن أفعال الخيرات، وقيل معناه: من اتبع صيد الدنيا غفل عن صيد الآخرة. قوله ﷺ : "مَن قُتلَ دونَ ماله فهو شهيدٌ" قال الترمذي بإسناده عن عبد الرحمن بن عمرو بن سهل، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل [عن النبيَّ ﷺ ، فذكره (٤)، وقال

стр. 1960

أحمد] بإسناده عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن قُتلَ دونَ مالهِ فهو شهيدٌ، ومن قُتلَ دونَ أهلهِ فهو شهيدٌ، ومن قُتل دونَ دَمهِ فهو شهيدٌ" (١). قال الترمذي: حديث صحيح. قوله ﵇: "مَن فرَّقَ بينَ والدةٍ ووَلَدِها". قال الترمذي بإسناده عن أبي أيوبَ الأنصاري عن النبيَّ ﷺ أنه قال: "مَن فرَّقَ بينَ وَالدَةٍ ووَلَدِها فرَّقَ الله بينَه وبينَ أحبَّتهِ يومَ القيامَةِ" (٢). وقال أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عليَّ ﵇ قال: أَمرَني رسولُ الله ﷺ أن أَبيعَ غُلامين أَخوين فبعتُهما وفرَّقت بينهما، فذكرتُ ذلك لرسولِ الله ﷺ قال: "أَدرِكهُما فارْتَجِعهما، ولا تَبعهُما إلا جميعًا" (٣). وأخرج أبو داود بمعناه فقال: فرَّق عليٌّ بين جاريةٍ ووَلدِها، فنهاهُ رسولُ الله ﷺ وردَّ البيعَ، وقال: "لا تُفرِّق بينَهما" (٤). وقد كرهه بعضُ أهل العلمِ من الصحابةِ ورخَّص فيه بعضُهم، والكراهةُ أصح إلا أن البيعَ جائز. وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كنّا في البحر وعلينا عبد الله بن قيس الفزاري ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فمرَّ بصاحب المقاسم وقد قسم السبي، فإذا بامرأة تبكي فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: فرّق بينها وبين ولدها، قال: فأخذ بيد ولدها حتى وضعه في حجرها، فانطلق صاحب المقاسم إلى عبد الله بن قيس فأخبره، فأرسل إلى أبي أيوب يقول: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن فرَّقَ بينَ والدةٍ ووَلَدِها فرَّقَ الله بينَهُ وبين أحبَّتهِ يومَ القيامةِ" (٥). وقال بإسناده عن عمرِو بن شعيب عن أبيه عن جده أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يحلُّ

стр. 1961

لرجلٍ أن يفرِّقَ بين اثنينِ إلَّا بإذنِهما" (١). قلت: وقد أشارَ محمد رحمه الله تعالى إلى هذا في "الأصل" فقال: ومَن ملكَ مملوكين صغيرين أحدهما أكبر من الآخر لم يفرق بينهما. وفي حديث أبي هريرة قال: رَأَى رسولُ الله ﷺ امرأةً والِهةً من السَّبي فقال: "ما شَأنُها؟ " فقيلَ: بِيعَ ولدُها، فقال: "ردُّوه، لا تَجمعوا عليهما السَّبي والتَّفريقَ". لأن ذلك يؤدي إلى الإضرار بهما، وكذا الصغير يتضرر بمفارقة الكبير، لأنه يقوم به، ولو كانا كبيرين فلا بأس بالتفريق بينهما، لأنهما لا يتضرران بذلكَ. قوله ﵇: "مَطلُ الغنيَّ ظلمٌ" (٢). قوله ﵇: "ما نقَصَ مالٌ من صدقةٍ" قال الترمذي بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما نقَصَ مالٌ من صدَقةٍ" (٣). وفي رواية: "ما نقَصَتْ صدقَةٌ من مالٍ، وما زادَ عبدٌ بعفوٍ إلَّا عِزًّا، وما تواضَعَ أحدٌ إلا رَفعه الله" (٤). وقد أشار أبو الدرداء إلى هذا فقال: لنا داران دار دنيا ودار أخرى، فإذا تصدق إنسان فقد نقلت من دار إلى دار، فما ينقص ماله. قوله ﵇: "ما مَثَلي ومثَلُ الدنيا، إلَّا كراكبٍ مالَ إلى ظلَّ شَجَرةٍ في يومٍ حارٍّ، ثم راحَ وتَرَكَها". قال الترمذي بإسناده عن ابن مسعود قال: نامَ رسولُ الله ﷺ على حصيرٍ فقامَ وقد أثَّر في جنبه فقلنا: يا رسولَ الله، لو اتَّخذنا لك [وطاء] فقال: "ما مَثَلي" وذكر الحديثَ (٥). قوله ﵇: "لا يَنبغي لصدَّيق أن يَكونَ لعَّانًا" (٦). قال الترمذي بإسناده عن ابن عمر

стр. 1962

قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَكونُ المؤمنُ لعَّانًا" (١). فإن قيل: فقد ثبتَ في الصحيح أن رسولَ الله ﷺ لعنَ جماعةً. فأخرجَ مسلم عن عليٍّ ﵇ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لَعَنَ الله مَن لَعَن والدَيْه، لعَنَ الله من ذبحَ لغيرِ الله، لعَنَ الله مَن آَوى مُحدِثًا، لَعَن اللهُ من غيَّر مَنارَ الأرضِ" (٢). وفي "الصحيحين" عن ابن مسعودٍ قال: لعَنَ رسولُ الله ﷺ الواشماتِ والمستوشماتِ، والمتنمَّصاتِ، والمتفلَّجاتِ للحُسنِ المغيِّراتِ خلقَ الله. فبلغَ ذلك أمَّ يعقوبٍ الأَسدية وكانت تقرأُ القرآنَ فأَتته فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك كذا وكذا؟ وذكرته، فقال ابن مسعود: ومالي لا ألعنُ من لَعَن رسولُ الله ﷺ وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته؟ فقال: لو كنتِ قرأتيه لوجدتيه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) [الحشر: ٧] وأخرج الترمذي في الباب أحاديث عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما. فالجواب: أن لعْنَ النبيّ ﷺ لمن ذكرنا لا يكون كلعنِ غيره، فإنَّ اللعنة من غيره قد تكون عَبَثًا أو لغرضٍ، ومنصب النبوة مُنَزَّه عن هذا، فلا يلعن إلا من كُتب عليه اللعنة، ومن لم يكن أهلًا للعن فلعن النبي ﷺ يكون قربةً وكفارة على ما وردَ به الحديث (٤). والوشم بشين معجمة: غرزُ الكفِّ والذراع بالإبرة، ثم يحشا بالكحلِ، والمستوشمة: التي يُفعل بها ذاك. والنامصةُ: التي تَنتف الشعرَ، والمتنمصةُ التي يفعل بها ذاك. قوله ﵇: "لا يُفلحُ قومٌ ولَّوا عليهم امرأةً" قد ذكرناه لَمَّا مات كسرى، أشار ﷺ

стр. 1963

إلى أن المرأة ناقصة العقل والدين، ولا رأي لها، ولهذا لا تصلح أن تكون إمامًا ولا حاكمًا ونحوه. وقد أخرج الترمذي عن أبي بكرة نُفيع مَولى رسولِ الله ﷺ قال: عَصَمني الله بشيءٍ سمعتُه من رسولِ الله ﷺ لَمّا هلكَ كسرى قال: "مَن استَخلَفُوا؟ " قالوا: ابنته، فقال ﷺ : "لن يُفلِحَ قومٌ وَلَّوا أَمرَهُم امرأةً" قال أبو بكرة: فلمّا قدمت عائشة البصرة ذكرت قول رسول الله ﷺ فعَصَمني الله به (١). قال الترمذي: هذا حديث صحيح (٢). قوله ﵇: "لا طاعةَ لمخلوقٍ في مَعصِيَةِ الخالِقِ" (٣). قال أحمد بإسناده عن عِمران ابن الحُصين عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا طاعةَ في معصِيَةِ الله" (٤). وقال الترمذي بإسناده عن ابن عمرَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "السمعُ والطاعَةُ على المسلمِ فيما أَحب وكَره، ما لم يُؤمر بمعصية الله، فإن أُمر بها فلا سَمعَ ولا طاعةَ" (٥). قوله ﵇: "لا تحلُّ الصدقةُ لغنيًّ، ولا لِذي مرَّةٍ سَويٍّ" أو: "قويٍّ". قال أحمد بإسناده عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ وذكره (٦). قال: وجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة (٧). والمِرَّة: القوةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦)﴾ [النجم: ٦]. وقد أخرج الترمذي عن ابن مسعود عن النبيَّ ﷺ قال: "مَن سَأَل الناسَ وله ما يُغنِيه، جاءَ يومَ القيامةِ ومَسأَلَتُه في وَجهِه خُموشٌ أو كُدُوحٌ أو خُدوشٌ" قلتُ: وما

стр. 1964

يُغنِيه؟ قال: "خَمسُونَ دِرهَمًا" (١). قوله ﵇: "العِدَةُ دَينٌ" (٢). عن أبي جُحيفة قال: أَتينا النبيَّ ﷺ فأَمَر لنا بثلاثةَ عشرَ قَلُوصًا، فذَهبنا نَقبِضُها فأَتانا موتُه فلم يُعطونا شيئًا، فلمّا قَدِم أبو بكرٍ قال: مَن كانت له عندَ رسولِ الله ﷺ عِدةٌ فلْيَجئ، قال: فقمتُ إليه فأخبرتُه، فأمَرَ لي بها. قال: وهذا حديث حسن (٣). وقد ذكرنا أن عليًا ﵇ أنجزَ عِدات رسول الله ﷺ . قوله ﵇: "الحزمُ سوءُ الظنَّ" (٤) ليس هذا من كلام رسول الله ﷺ ، هذا من كلام معاوية بن أبي سفيان. قيل له: ما بلغ من حزمك؟ فقال: الحزم سوء الظن، وما وثقتُ بأحد قط، قال الأزهري في كتاب "تهذيب اللغة": الحزم: الحذرُ من الناس. وقال الجوهري: الحزم ضبط الرجل أمره وأخذه بالثقة (٥). قوله ﵇: "الدَّينُ شَينٌ" (٦) والذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن أخذَ أموالَ الناسِ يُريدُ قَضاءَها وأَداءَها، أَدَّاها الله عنه، ومَن أَخَذَها يُريدُ إِتلافَها، أَتلَفَه اللهُ" (٧) ومعنى الدين شَين: يعني في الدنيا بالمطالبةِ والحبسِ واستذلالِ المديونِ، وفي الآخرة بالمؤاخَذَةِ، وفي حديثِ أنس: "صاحبُ الدَّينِ مأسورٌ في قَبرِه يَشكُو إلى الله الوَحدَةَ" (٨). قوله: "الخمرُ جِماعُ الإثمِ" (٩) غريب.

стр. 1965

قوله ﵇: "النَّياحةُ من عَمَلِ الجاهليةِ" (١) هذا اللفظ غريب، وقد وردَ في معناه أخبارٌ: منها: روى ابنُ مسعود عن النبيَّ ﷺ أنه قال: "ليسَ منَّا مَن ضرَبَ الخُدودَ، وشَقَّ الجُيوبَ، ودَعا بدَعوَى الجاهليةِ". أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وروى أبو داود بمعناه، عن أم عطيةَ قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن النَّياحةِ (٣). وأخرج أحمد في "المسند" بمعناه فقال: حدَّثنا وكيع، عن هشامٍ، عن يحيى بن أبي كَثير، عن أنس قال: أخذَ رسولُ الله ﷺ على النساءِ حينَ بايَعهنَّ: أن لا ينُحْنَ، فقلنا: يا رسولَ الله، إنّ نساءً أَسعَدْنَنا في الجاهليةِ أَفنُسعِدُهن؟ فقال النبيُّ ﷺ : "لا إسعادَ في الإسلامِ، ولا شِغارَ، ولا عَقْرَ، ولا جَلَب، ولا جَنَب، ومَن انْتَهبَ فليسَ منَّا" (٤). الإسعاد: أن تُسعد المرأةُ المرأةَ في مُصيبتها، والشغار: أن يزوَّج الرجلُ ابنتَه على أن يزوِّجه أُختَه أو قريبةً له، والعَقْرُ: الذبحُ عند قبورِ الموتى، والجلَبُ: الصياحُ على الفرسِ في السباقِ، والجنَبُ: أن يجنبَ فرسًا فإذا أعيت فرسهُ التي سابق عليها انتقل إلى تلك. وقال الجوهري: التناوح: التقابلُ، ومنه النوائحُ، لأن بعضهن يقابل بعضًا، ونساءُ نوائح ونوح وأنواح، والاسم واحد وهي النياحة (٥). قوله: "الأمانةُ غِنَى" (٦).
следующие страницы →