← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

لرجلٍ أن يفرِّقَ بين اثنينِ إلَّا بإذنِهما" (١). قلت: وقد أشارَ محمد رحمه الله تعالى إلى هذا في "الأصل" فقال: ومَن ملكَ مملوكين صغيرين أحدهما أكبر من الآخر لم يفرق بينهما. وفي حديث أبي هريرة قال: رَأَى رسولُ الله ﷺ امرأةً والِهةً من السَّبي فقال: "ما شَأنُها؟ " فقيلَ: بِيعَ ولدُها، فقال: "ردُّوه، لا تَجمعوا عليهما السَّبي والتَّفريقَ". لأن ذلك يؤدي إلى الإضرار بهما، وكذا الصغير يتضرر بمفارقة الكبير، لأنه يقوم به، ولو كانا كبيرين فلا بأس بالتفريق بينهما، لأنهما لا يتضرران بذلكَ. قوله ﵇: "مَطلُ الغنيَّ ظلمٌ" (٢). قوله ﵇: "ما نقَصَ مالٌ من صدقةٍ" قال الترمذي بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما نقَصَ مالٌ من صدَقةٍ" (٣). وفي رواية: "ما نقَصَتْ صدقَةٌ من مالٍ، وما زادَ عبدٌ بعفوٍ إلَّا عِزًّا، وما تواضَعَ أحدٌ إلا رَفعه الله" (٤). وقد أشار أبو الدرداء إلى هذا فقال: لنا داران دار دنيا ودار أخرى، فإذا تصدق إنسان فقد نقلت من دار إلى دار، فما ينقص ماله. قوله ﵇: "ما مَثَلي ومثَلُ الدنيا، إلَّا كراكبٍ مالَ إلى ظلَّ شَجَرةٍ في يومٍ حارٍّ، ثم راحَ وتَرَكَها". قال الترمذي بإسناده عن ابن مسعود قال: نامَ رسولُ الله ﷺ على حصيرٍ فقامَ وقد أثَّر في جنبه فقلنا: يا رسولَ الله، لو اتَّخذنا لك [وطاء] فقال: "ما مَثَلي" وذكر الحديثَ (٥). قوله ﵇: "لا يَنبغي لصدَّيق أن يَكونَ لعَّانًا" (٦). قال الترمذي بإسناده عن ابن عمر

стр. 1962

قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَكونُ المؤمنُ لعَّانًا" (١). فإن قيل: فقد ثبتَ في الصحيح أن رسولَ الله ﷺ لعنَ جماعةً. فأخرجَ مسلم عن عليٍّ ﵇ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لَعَنَ الله مَن لَعَن والدَيْه، لعَنَ الله من ذبحَ لغيرِ الله، لعَنَ الله مَن آَوى مُحدِثًا، لَعَن اللهُ من غيَّر مَنارَ الأرضِ" (٢). وفي "الصحيحين" عن ابن مسعودٍ قال: لعَنَ رسولُ الله ﷺ الواشماتِ والمستوشماتِ، والمتنمَّصاتِ، والمتفلَّجاتِ للحُسنِ المغيِّراتِ خلقَ الله. فبلغَ ذلك أمَّ يعقوبٍ الأَسدية وكانت تقرأُ القرآنَ فأَتته فقالت: ما حديثٌ بلغني عنك كذا وكذا؟ وذكرته، فقال ابن مسعود: ومالي لا ألعنُ من لَعَن رسولُ الله ﷺ وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته؟ فقال: لو كنتِ قرأتيه لوجدتيه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) [الحشر: ٧] وأخرج الترمذي في الباب أحاديث عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما. فالجواب: أن لعْنَ النبيّ ﷺ لمن ذكرنا لا يكون كلعنِ غيره، فإنَّ اللعنة من غيره قد تكون عَبَثًا أو لغرضٍ، ومنصب النبوة مُنَزَّه عن هذا، فلا يلعن إلا من كُتب عليه اللعنة، ومن لم يكن أهلًا للعن فلعن النبي ﷺ يكون قربةً وكفارة على ما وردَ به الحديث (٤). والوشم بشين معجمة: غرزُ الكفِّ والذراع بالإبرة، ثم يحشا بالكحلِ، والمستوشمة: التي يُفعل بها ذاك. والنامصةُ: التي تَنتف الشعرَ، والمتنمصةُ التي يفعل بها ذاك. قوله ﵇: "لا يُفلحُ قومٌ ولَّوا عليهم امرأةً" قد ذكرناه لَمَّا مات كسرى، أشار ﷺ

стр. 1963

إلى أن المرأة ناقصة العقل والدين، ولا رأي لها، ولهذا لا تصلح أن تكون إمامًا ولا حاكمًا ونحوه. وقد أخرج الترمذي عن أبي بكرة نُفيع مَولى رسولِ الله ﷺ قال: عَصَمني الله بشيءٍ سمعتُه من رسولِ الله ﷺ لَمّا هلكَ كسرى قال: "مَن استَخلَفُوا؟ " قالوا: ابنته، فقال ﷺ : "لن يُفلِحَ قومٌ وَلَّوا أَمرَهُم امرأةً" قال أبو بكرة: فلمّا قدمت عائشة البصرة ذكرت قول رسول الله ﷺ فعَصَمني الله به (١). قال الترمذي: هذا حديث صحيح (٢). قوله ﵇: "لا طاعةَ لمخلوقٍ في مَعصِيَةِ الخالِقِ" (٣). قال أحمد بإسناده عن عِمران ابن الحُصين عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا طاعةَ في معصِيَةِ الله" (٤). وقال الترمذي بإسناده عن ابن عمرَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "السمعُ والطاعَةُ على المسلمِ فيما أَحب وكَره، ما لم يُؤمر بمعصية الله، فإن أُمر بها فلا سَمعَ ولا طاعةَ" (٥). قوله ﵇: "لا تحلُّ الصدقةُ لغنيًّ، ولا لِذي مرَّةٍ سَويٍّ" أو: "قويٍّ". قال أحمد بإسناده عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ وذكره (٦). قال: وجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة (٧). والمِرَّة: القوةُ، ومنه قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦)﴾ [النجم: ٦]. وقد أخرج الترمذي عن ابن مسعود عن النبيَّ ﷺ قال: "مَن سَأَل الناسَ وله ما يُغنِيه، جاءَ يومَ القيامةِ ومَسأَلَتُه في وَجهِه خُموشٌ أو كُدُوحٌ أو خُدوشٌ" قلتُ: وما

стр. 1964

يُغنِيه؟ قال: "خَمسُونَ دِرهَمًا" (١). قوله ﵇: "العِدَةُ دَينٌ" (٢). عن أبي جُحيفة قال: أَتينا النبيَّ ﷺ فأَمَر لنا بثلاثةَ عشرَ قَلُوصًا، فذَهبنا نَقبِضُها فأَتانا موتُه فلم يُعطونا شيئًا، فلمّا قَدِم أبو بكرٍ قال: مَن كانت له عندَ رسولِ الله ﷺ عِدةٌ فلْيَجئ، قال: فقمتُ إليه فأخبرتُه، فأمَرَ لي بها. قال: وهذا حديث حسن (٣). وقد ذكرنا أن عليًا ﵇ أنجزَ عِدات رسول الله ﷺ . قوله ﵇: "الحزمُ سوءُ الظنَّ" (٤) ليس هذا من كلام رسول الله ﷺ ، هذا من كلام معاوية بن أبي سفيان. قيل له: ما بلغ من حزمك؟ فقال: الحزم سوء الظن، وما وثقتُ بأحد قط، قال الأزهري في كتاب "تهذيب اللغة": الحزم: الحذرُ من الناس. وقال الجوهري: الحزم ضبط الرجل أمره وأخذه بالثقة (٥). قوله ﵇: "الدَّينُ شَينٌ" (٦) والذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن أخذَ أموالَ الناسِ يُريدُ قَضاءَها وأَداءَها، أَدَّاها الله عنه، ومَن أَخَذَها يُريدُ إِتلافَها، أَتلَفَه اللهُ" (٧) ومعنى الدين شَين: يعني في الدنيا بالمطالبةِ والحبسِ واستذلالِ المديونِ، وفي الآخرة بالمؤاخَذَةِ، وفي حديثِ أنس: "صاحبُ الدَّينِ مأسورٌ في قَبرِه يَشكُو إلى الله الوَحدَةَ" (٨). قوله: "الخمرُ جِماعُ الإثمِ" (٩) غريب.

стр. 1965

قوله ﵇: "النَّياحةُ من عَمَلِ الجاهليةِ" (١) هذا اللفظ غريب، وقد وردَ في معناه أخبارٌ: منها: روى ابنُ مسعود عن النبيَّ ﷺ أنه قال: "ليسَ منَّا مَن ضرَبَ الخُدودَ، وشَقَّ الجُيوبَ، ودَعا بدَعوَى الجاهليةِ". أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وروى أبو داود بمعناه، عن أم عطيةَ قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن النَّياحةِ (٣). وأخرج أحمد في "المسند" بمعناه فقال: حدَّثنا وكيع، عن هشامٍ، عن يحيى بن أبي كَثير، عن أنس قال: أخذَ رسولُ الله ﷺ على النساءِ حينَ بايَعهنَّ: أن لا ينُحْنَ، فقلنا: يا رسولَ الله، إنّ نساءً أَسعَدْنَنا في الجاهليةِ أَفنُسعِدُهن؟ فقال النبيُّ ﷺ : "لا إسعادَ في الإسلامِ، ولا شِغارَ، ولا عَقْرَ، ولا جَلَب، ولا جَنَب، ومَن انْتَهبَ فليسَ منَّا" (٤). الإسعاد: أن تُسعد المرأةُ المرأةَ في مُصيبتها، والشغار: أن يزوَّج الرجلُ ابنتَه على أن يزوِّجه أُختَه أو قريبةً له، والعَقْرُ: الذبحُ عند قبورِ الموتى، والجلَبُ: الصياحُ على الفرسِ في السباقِ، والجنَبُ: أن يجنبَ فرسًا فإذا أعيت فرسهُ التي سابق عليها انتقل إلى تلك. وقال الجوهري: التناوح: التقابلُ، ومنه النوائحُ، لأن بعضهن يقابل بعضًا، ونساءُ نوائح ونوح وأنواح، والاسم واحد وهي النياحة (٥). قوله: "الأمانةُ غِنَى" (٦).

стр. 1966

قوله ﵇: "النَّدمُ توبةٌ" (١) سئل الحسن البصري عن التوبة النصوح، فقال: ندم بالقلب، واستغفار باللسان، وترك بالجوارح، وإضمار أن لا يعود أبدًا. وقيل: التوبة: الإقلاع، والندم على ما فات، وقال الجوهري: التوبة الرجوع من الذنب (٢). قوله ﵇: "أدِّ الأمانةَ إلى مَن ائتَمَنك، ولا تَخن مَن خانَكَ". قال الترمذي بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أَدِّ الأمانةَ إلى مَنِ ائْتَمَنك، ولا تَخُن مَن خانَك" (٣). قوله ﵇: "دَفْنُ البَناتِ من المَكرُماتِ" (٤). وأخرجَ مسلم عن عائشة ﵂ قالت: دخلَتْ عليَّ امرأةٌ ومعها ابنَتان لها تَسألُ شيئًا، فلم تَجد عندي غيرَ تمرةٍ واحدةٍ، فقسَمَتْها بين ابنَتَيها ولم تَأكُل منها، ثم خرَجَت، ودخَلَ رسولُ الله ﷺ فأخبرتُه فقال: "مَن ابْتُلي بشيءٍ مِن هذه البَناتِ، فأَحسَن إليهنَّ كنَّ له سِترًا من النارِ". وقد أخرجه الترمذي (٥). وروى عكرمة عن ابن عباس أنه كان في سفر فنُعيت إليه ابنتُه، فنزل فصلى ركعتين وقال: عورةٌ ستَرَها الله، ومؤنةٌ كفاها الله، وأجرٌ ساقه الله إلينا، وقد فَعلنا ما أَمَرنا الله، ثم قرأَ ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية [البقرة: ٤٥] (٦). وكان يقال: تقديم الحرم من أعظم النعم. قوله ﵇: "الحسَبُ المالُ".

стр. 1967

روى سَمُرة بن جُندب عن رسولِ الله ﷺ : "الحسَبُ المالُ، والكَرَمُ التَّقَوى" (١). ومن حديثِ أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كَرمُ المرءِ دينُه، ومروءتُه عقلُهُ، وحسبه خُلقه" (٢). وقال وكيع: الحسَبُ المالُ، ألا ترَى من كان ذا مال عظَّمه الناس؟ وقال الجوهري: الحسَبُ ما يعدُّه الإنسان من مفاخِرِ آبائه، قال ويقال: حسبهُ دينُه ومالُه (٣). قوله ﵇: "كَرمُ الكِتابِ خَتمُه" (٤). قد ذكرنا أن النبيَّ ﷺ لَمّا أرادَ أن يُكاتب الملوكَ قيل له: إنهم لا يقرؤونَ إلَّا كتابًا مختومًا، فاتخذَ الخاتم، وأما هذا اللفظ فيقال: إنه من كلام ابن عباس أخذه من قول الأوائل: كلُّ كتاب غير مختوم فهو أَقلَف، ومن لم يختم كتابه فقد استخفَّ بالمكتوب إليه، ومن ها هنا أخذ ابن المقفع فقال: الختم حتم. قوله ﵇: "مُداراةُ الناسِ صدقةٌ". حدّثنا عبد العزيز بن محمود البزاز بإسناده إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مُداراةُ النَّاسِ صدقةٌ" (٥) وقال الأزهري: المداراة: الاحتمال بحسن الخلق والعفو واللين والتفضل على المسيء بالإحسان، وأن يصل من قطعه ويعطي من حرمه، وقال الجوهري: المداراة هي المداجاة والملاينة (٦). قوله ﵇: "السَّماحُ رَباحٌ". أخرجه ابن قتيبة في كتاب "غريب الحديث" (٧)، وقد قرأت الكتاب المذكور على

стр. 1968

الشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن المقدسي ويعرف بالبهاء النابلسي في سنة اثنتين وعشرين وست مئة بقاسيون في الجامع المظفري، قال: حدَّثنا أبو الحسين عبد الحق بن عبد الخالق بن يوسف، عن عمه عبد الرحمن بن أحمد ابن يوسف، عن إبراهيم بن عمر بن أحمد البرمكي، عن أبي عمر محمد بن العباس بن حيويه الخزَّاز، عن أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن السكري، عن أبي محمد عبد الله ابن مسلم بن قتيبة الدينوري قال: مرَّ النبيُّ ﷺ برجلٍ يبيع شيئًا، فقال له: "عليكَ بالسَّومِ أولَ السُّوقِ، فإن السَّماحَ رَباحٌ، أو الرَّباحُ مع السَّماحِ" والسَّماحةُ الجودُ، وسمح به، أي: جادَ، والرباحُ: الربحُ، وتجارةٌ مربحةٌ ورابحة يربح فيها. وقال الجوهري: ورباح في قول الشاعر: هذا مقامُ قَدَمَي رَباحِ اسم ساقٍ، قال: والرباحُ أيضًا دُويبة كالسَّنَّورِ، والرباح: أيضًا بلدٌ يجلبُ منه الكافورُ، والرُّبّاح بالضم والتشديد: الذكرُ من القرودِ (١). ومعنى الحديث: المساهلة في البيع والمسامحة ولا يشدد، فإن المسامحة من أعظم الأرباح، وقد أخرجَ الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله يحبُّ سمحَ البيعِ سمحَ الشراءِ سمحَ القضاءِ" (٢). قوله ﵇: "الولدُ مَبخلَةٌ مجبنةٌ" (٣). قوله ﵇: "الهمُّ نصفُ الهَرَمِ" (٤) غريب. قال الجوهري: الهمُّ الحزن، والجمع الهموم، والهرم: كبر السن. وقال الخطابي: أشار ﷺ في الحديث إلى دفع الهم عن نفسه، لا يفيد مع جريان المقدور، والهم عقوبةٌ، وفي الأثر عن عائشة ﵂: من هَمَّ عوقب بهمِّه. وقيل: الهم كل الهرم.

стр. 1969

قوله ﵇: "البذاءُ من الجفاءِ". قال الترمذي بإسناده عن أبي أمامة الباهلي عن النبيَّ ﷺ قال: "الحياءُ والعيُّ شُعبتان من الإيمانِ، والبَذَاءُ والبيانُ شُعبتان من النِّفاق" (١). وقيل: البذاء طول اللسانِ والرمي بالفواحشِ والبهتان، والعيُّ قلة الكلام. قوله ﷺ : "الصبحةُ تمنَعُ الرِّزقَ". قال عبد الله بإسناده عن عمرو بن عثمان بن عفان عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "لصُّبحة تمنعُ الرِّزقَ" (٢) أي: ينامُ حتى يصبحَ، وقال غيرُه: هي نومةُ الغداةِ قبل ارتفاع النهار بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، ولأنه وقتُ الذكرِ وطلب الرزقِ، فإذا نام في تلك الساعة فاته حظه منه. قوله ﷺ : "العمائمُ تيجانُ العربِ" (٣) غريب. وأخرج أبو داود بمعناه فقال: حدَّثنا قتيبة بن سعيد الثقفي بإسناده، عن رُكانة عن النبيَّ ﷺ أنه قال: "فرقُ ما بيننا وبينَ المُشركين العمائمُ على القلانسِ" (٤) وركانةُ هذا صارَعَ رسولَ الله ﷺ فصرعَه رسولُ الله ﷺ ، وقد ثبتَ أن النبي ﷺ كان يلبسُ العمامةَ، وذكرنا أنَّه دخلَ يوم فتحِ مكة وعلى رأسه عمامةٌ سوداءُ قد أَرخى طرفها بين كَتفيه، واسم هذه العمامةِ السَّحاب، قال هشام: ووهبها لعليًّ ﵇، فقال الناس: ما أحسنَ عليًا في السحابِ، ومن هنا قالت الشيعة: علي في السَّحاب. قوله ﷺ : "الجمعةُ حجُّ المساكين" (٥) وذلك لأن الأغنياء لايقدرون على الحج إلا بإنفاق الأموال والمشقات، والفقراء ليست لهم أموال ولا قوة، فيتعوضون بالجمعة عن الحج.

стр. 1970

قوله ﷺ : "المسجدُ بيتُ كلِّ تقيًّ" (١) ومعناه صحيح، لأنه ما بُني إلا لذكر الله والصلاة والتسبيح، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فبنيت للتقوى ضرورة. قوله: "الكَرَمُ التَّقوَى" (٢) وأما من حيث المعنى فلأن العبد إذا اتقى الله فقد تكرم على نفسه وجاد لها فصانها عن عذاب النار. قوله ﵇: "القاصُّ ينتظرُ المقتَ، والمستمعُ ينتظرُ الرحمةَ" (٣). قوله ﵇: "الصَّدقةُ تمنعُ مِيتةَ السُّوءِ" روى أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ الصدقةَ لَتُطفِئُ غضَبَ الرَّبِّ، وتَدفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ" (٤). وأخرج جدي في "التبصرة" عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: "إنَّ الله لَيدرَأُ بالصدقةِ سَبعينَ ميتةً من السُّوءِ" (٥). وفي الباب أخبار وآثار في دفع البلاء عن المصدق. قوله ﷺ : "نيةُ المؤمنِ أبلغُ من عَمَلهِ" (٦) وقد ذكرنا قول النبيِّ ﷺ : "إنَّ بالمدينةِ أَقوامًا ما قَطعتُم واديًا، إلَّا وقد سبَقُوكُم إليه". واختلفوا في معناه على قولين: أحدهما: أن المؤمنَ ينوي أشياء من أبواب البر، كالصلاة والصيام والصدقة ونحوه، ولعله يعجز عن إمضائها فتكون نيته أبلغ من عمله. وقال الحسن البصري: إنّما خُلد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار بنياتهم. وقال عكرمة: انهدمت قنطرةٌ بالمدينة فعزم عثمان على إصلاحها، فسبقه إليها يهودي فأصلحها، فشق على عثمان، فقال له رسول الله ﷺ : "لا بأسَ عليك، نيةُ

стр. 1971

المؤمنِ أبلَغُ من عَمَلهِ، ونيةُ الكافرِ شرٌّ من عمَلهِ". وقيل معناه: أنّ عملهُ بنية خير من عمله بلا نية. قوله ﷺ : "الشتاءُ رَبيعُ المؤمن: قَصُرَ نهارُه فصَامَه، وطالَ ليلُه فقامَه" (١). وقال الخطابي: إنَّما خص الربيع لأنه أحد الفصول، ويكثر فيه الخصب، ويعتدل الزمان، ويرق الهواء، ويصفو الماء، ولهذا سمت العربُ الرجل الجواد: ربيع اليتامى، لقيامه مقام الخصب في أيام الربيع. قوله ﵇ "الناسُ كأَسنانِ المُشطِ". حدَّثنا جدي ﵀ بإسناده، عن أنس بن مالك قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الناسُ سَواءٌ كأسنانِ المُشطِ، وإنَّما يتفاضَلُون بالعافيةِ، والمرءُ كثيرٌ بأَخيهِ يرفدُه ويكسُوه ويحمِلُه، ولا خيرَ في محبةِ مَن لا يَرى لكَ مثل ما تَرَى له" (٢). وقد تكلم عليه أبو عبيد فقال: معنى كأسنان المشط: أنَّهم مستوون في الأحكام، لا فضل لأحد على أحد إلا بالعلم والتقوى، ومعنى يتفاضلون بالعافية، أي: من الذنوب، وما زالَ السلفُ ينهونَ عن التكثير من الإخوان حتى قال الفضيل: أنكر من تعرف، ولا تتعرَّف إلى من لا تعرف. وقال علي ﵇: [من الطويل] جَزَى الله عنا الخيرَ مَن ليس بيننا … ولا بينه ودٌّ ولا مُتعارفُ فما ساءني إلَّا الذين عَرفتهم … ولا سرَّني إلَّا الذي لستُ أعرفُ وقال ابن الرومي: [من الوافر] عدوُّك من صديقِك مُستفادٌ … فلا تَسْتَكثرنَّ من الصحابِ فإنَّ الداءَ أكثرُ ما تراه … يكونُ من الطعامِ أو الشرابِ قوله ﷺ : "البلاءُ موكَّلٌ بالمنطقِ" (٣) ليس هذا من كلام رسول الله ﷺ وإنما هو من

стр. 1972

كلام أبي بكر ﵁ وقد ذكرناه في صدر السيرة. وقال أبو القاسم البابي (١) الوراق في "شرح الشهاب": وتمام قوله: "البلاءُ موكَّل بالمنطق: فلو أنَّ رجلًا عيَّر رَجلًا برضاعِ كلبة لرضعها" (٢). قوله ﷺ : "زكاةُ البدَنِ الصومُ" أخرجه أبو نعيم الأصفهاني بإسناده، عن سهل بن سعد قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ لكلِّ شيء زكاةً، وزكاةُ الجسدِ الصومُ" (٣) ومعناه صحيح، لأن قوله: لكل شيء زكاة، ظاهر، وذلك لأن الزكاة تطهر المال فكذا الجسد، لأن زكاة البصر غضه، وزكاة السمع صيانته عن الغيبة، وزكاة اللسان حفظه وإمساكه عن الفحش والخَنا، وزكاة الوجه السجود، وزكاة القدمين طول القيام والسعي فيما يرضي الله تعالى، وزكاة اليدين كفُّهما عما لا يليق ورفعهما بالدعاء، وزكاة القلب تطهيره عما سوى الله تعالى، وزكاة البدن الصيام عن المأكول والمشروب وعن الدنايا من طلب الدنيا وغير ذلك، ألا ترى إلى قوله ﷺ : "مَن صامَ رمضان وأَتبَعه بستة أيامٍ من شوالٍ، فكأنَّما صامَ الدَّهرَ" (٤)؟ وذلك لأن عظام البدن ثلاث مئة وستون عظمًا، والجسد يشتمل عليها كلها، فصيام ثلاثين يومًا بعشرة أشهر وستة أيام بشهرين. قوله ﵇: "الصيامُ في الشتاءِ الغَنيمةُ الباردةُ" قد ذكر محمد بن الأنباري فقال: كلُّ محبوبٍ عند العرب باردٌ، والغنيمةُ الباردة: هي التي يصل إليها الرجل من غير تعب ولا عناء، لأن الغنائم إنما يتوصل إليها بالحروب والمشقة، فإذا حصلت بغير مشقة كانت غنيمة باردة، ومعنى الحديث حصول الثواب من غير مشقة (٥). قوله ﵇: "الإمامُ ضامِنٌ، والمؤذَّنُ مُؤتَمن" قال أحمد بن حنبل بإسناده، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الإمامُ ضامِنٌ، والمؤذَّنُ مؤتَمنٌ، اللهمَّ أَرشِدِ

стр. 1973

الأَئمةَ، واغفِر للمؤذَّنينَ" (١). فالضمان في كلام العرب: الرعاية والمحافظة على الشيء، ومنه قولهم للمسافر: في حفظ الله وضمانه، والإمام يحفظ للقوم صلاتهم، فيضمن عن الساهي سهوه ويتحمل القراءة عنهم ونحو ذلك، وأما المؤذن فإنه أمين على المواقيت، وربما أشرف وقت الأذان على حريم الناس عند دورانه في المنارة، وقيل: إن الخطاب لإمام ومؤذن لا يأخذان على الإمامة والأذان أجرًا، لأنهما متبرعان فيكونان أقرب إلى الإخلاص، فيضمن الإمام قبول الصلاة، ويؤتمن المؤذن على ما يؤذنه على الوجه المشروع من غير نقص. قوله ﵇: "أهلُ المعروفِ في الدنيا، هم أهلُ المعروفِ في الآخرةِ" حدَّثنا جدي ﵀ بإسناده عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أهلُ المعروفِ في الدنيا، هم أهلُ المعروفِ في الآخِرةِ، وأهلُ المنكَرِ في الدنيا، هم أهلُ المنْكَرِ في الآخِرَةِ" (٢). قوله ﵇: "السلطانُ ظِلُّ الله في الأرضِ يَأوي إليه كلُّ ملهوفٍ" (٣). واختلفوا فيه فقال قومٌ: هذا مَثلٌ لأن الظل راحة يستريح إليه كل متعوب، وكذا السلطان يأوي إليه كل مظلوم، ومنه قول تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ [الواقعة: ٣٠] أي: راحة دائمة، ومنه ظل الشجرة. وقال آخرون: الظل عام، وكذا السلطان عام، وقال سهل بن عبد الله: الظل لا يدوم، وكذا السلطان لا يدوم. وقال سهل: أظهر الله آثار الهيبة في الأرض على أربعة أشياء: على الكعبة بهاءَه، وعلى القرآن هيبتَه، وعلى القلوب نورَه، وعلى السلطان ظلَّه، قال: وإنما يكون السلطان في ظلِّ الله إذا كان عادلًا صالحًا جوادًا متواضعًا، أما إذا كان ظالمًا فاجرًا جبانًا بخيلًا قاسيًا متجبرًا متكبرًا، فإنه يكون سمومًا وعذابًا لا ظلًا.

стр. 1974

قال أحمد بإسناده عن أبي بكرةَ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن أكرَمَ سلطانَ الله في الأرض، أكرَمَه الله يومَ القيامةِ، ومَن أهانَ سُلطانَ الله في الدنيا، أَهانَه الله يومَ القيامةِ" (١). وقيل للحسن البصري: ألا تقاتل الحَجاج؟ فقال: الحَجاج نقمة وسخط وعذاب من الله، والعذاب لا يقاتل بالسيف بل بالدعاء. قوله ﷺ : "التاجرُ ينتظِرُ الرزقَ، والمُحتَكِرُ ينتظرُ اللَّعنةَ" ذكر في كتاب "الموضوعات" طرفًا منه فقال: فيه عن العبادلة، وعن ابن عمر وحده، وعن أبي هريرة، وأنس، قال: وأما حديث العبادلة - وهم عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر [وعبد الله بن عباس] وعبد الله بن الزبير - قالوا: قال رسول الله ﷺ : "القاصُّ ينتظرُ المقتَ والمستمعُ ينتظرُ الرحمةَ، والتاجرُ ينتظرُ الرزقَ، والمحتكرُ ينتظرُ اللعنةَ، والنائحةُ ومَن حولَها من امرأةٍ مستمعةٍ عليهم لعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أَجمعين". وأما حديث ابن عمر، فله طريقان، في طريق عن النبي ﷺ قال: "مَن احتَكَرَ طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه"، والطريق الثاني: " [مَن احتَكَر] طعامًا بَرِئ الله منه". وأما حديثُ أبي هريرةَ: فقال عن رسول الله ﷺ : "يُحشَرُ الحكَّارونَ وقتلةُ النفسِ في جهنَّمَ في درجةٍ واحدةٍ". وأما حديث أنس: عن رسول الله ﷺ : "مَن حَبسَ طعامًا أربعينَ ليلةً، ثم أخرجَه فطحَنَه وخبَزَه وتصدَّق به، لم يَقبل الله منه شيئًا". ثم قال جدي: هذه الأحاديث كلها لا تصح، وقد ضعفه (٢). وقد وقَّت الاحتكار بأربعين ليلة. قال [أحمد] بإسناده عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "مَن احتكَرَ طعامًا أربعينَ ليلةً،

стр. 1975

فقد برِئَ من اللهِ تعالى، وبَرِئ الله منه، وأيُّما أهلُ عرصَة أصبح فيهم امرأً جائعًا، فقد بَرِئت منهم ذِمَّة الله تعالى" (١). وقال أحمد بإسناده عن فروخ مولى عثمان: أن عمر وهو يومئذ أمير المؤمنين خرج إلى المسجد، فرأى طعامًا منثورًا فقالَ: ما هذا الطعام؟ قالوا: طعام جُلب إلينا، فقال: بارك الله فيه وفيمن جَلبه، قيل: يا أمير المؤمنين، فإنه قد احتُكر قال: ومن احتكَرَه؟ قالوا: فروخ مولى عثمان وفلان مولى عمر، فأرسل إليهما فدعاهما فقال: ما حملكما على احتكارِ طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين، نَشتري بأموالنا ونبيعُ، فقال عمر: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن احتَكَرَ على المسلمين طَعامَهم ضربَه الله بالإفلاسِ أو بالجذامِ" فقال فروخ: يا أمير المؤمنين، أُعاهد الله وأعاهدك أن لا أعودَ في احتكارِ طعامٍ أبدًا، وأما مولى عمر فقال: إنما نَشتري ونبيعُ بأموالنا. قال أبو يحيى: فلقد رأيت مولى عمر مجذومًا. وهذا الحديث أخرجه أحمد في مسند عمر بن الخطاب ﵁ (٢). قوله ﷺ : "مَن صَمَتَ نَجا" (٣). قوله ﷺ : "مَن تواضَعَ للهِ رفَعَهُ الله" روى أبو اليُمن زيد بن الحسن الكِندي اللغوي بإسناده عن عابسِ بن رَبيعة قال: سمعتُ عمرَ بن الخطاب يقول: أيُّها الناسُ تواضَعُوا فإنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن تواضَعَ للهِ رفَعَه، ومن تكَبَّر خفَضَه" (٤). قوله ﷺ : "مَن صلَّى بالليلِ حسنَ وجهُه بالنهار" (٥). قوله ﷺ : "سافِرُوا تَغنَمُوا، وصُوموا تَصِحِّوا" (٦).

стр. 1976

واختلفوا في معناه على قولين: أحدهما: أن معنى السفر الظاهر سفر الدنيا ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] وفيه مشاهدة آثار الأنبياء والعلماء، والربح في التجارة وعجائب الدنيا، والإسفار عن أخلاق الرجال بين كريم يسخو ولئيم يشح. والثاني: أن المرادَ به السفر الباطن، وقد أشارت إليه رابعة قالت: سافروا بقلوبكم إلى عالم الملكوت لترجعوا بأخبار الغيب والشهادة، وعلى هذا الصوم، فإنه من حيث الظاهر يصحح البدن، وفي الباطن صوموا بقلوبكم عن الدنيا تصحوا عما سوى الآخرة. قوله ﷺ : "زُرْ غِبًّا تَزدَدْ حُبًّا". أخرجه جدي في "الواهية" عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ من بيت عائشة، فتبعتُه فالْتَفت إليَّ وقال: "يا أَبا هُريرةَ، زُرْ غِبًّا تَزدَدْ حبًّا" (١). قال أبو القاسم الوراق في شرح "الشهاب": لما قال رسول الله لأبي هريرة ذلك، قالت عائشة: يا أبا هريرة، أكثرت من زَوْرِك فمَلَّك، ودمت في ذاك فاستقلك، لو كنت ممن يزور غبًا أثر في قلبه محلك، فقال رسول الله ﷺ : "يا عائشةُ، والله ما مَللناهُ ولا قللناهُ، ولكن أَدّبناه". قوله ﵇: "اطلبُوا الخيرَ عندَ حِسانِ الوُجوهِ" (٢). قوله ﷺ : "تخيَّروا لنُطَفِكُم" (٣) قيل: إنه موقوف على علي ﵇، وفيه: "فإنَّ العِرقَ دسَّاس" (٤).

стр. 1977

قال أبو عبيدة: معناه: لا تجعلوا نطفكم إلا في محل طاهر، ولا خلاف في كراهية ابن العاهر، وقال أبو سليمان: معنى "العرق دساس" لئلا يدب الزنا في عروقه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ فقضى بفساد الأصل على فساد الفرع. قوله ﵇: "لا يَنبغي للمؤمن أن يذل نفسه" (١) غريب، ومعناه أنه لا يتعرض لما يعجز عنه فيكون له سببًا لهوانه، قال الشاعر: [من الطويل] وأكرمُ نفسي إنَّني إن أَهنتُها … وحقَّك لا تُكرم على أحدٍ بعدي ولهذا البيت حكاية نذكرها فيما بعد. قوله: "استَغنُوا عن الناسِ ولو بشَوصِ السَّواكِ" (٢). أصل الشوصِ الغسل وكذا المَوْصُ، قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يشوصُ فاه بالسّواكِ (٣). وشوصُ السواك الشظية التي تكون بين الأسنان لا ينتفع بها، أشار ﷺ إلى القناعة باليسير. قوله ﵇: "الْتَمِسوا الجارَ قبلَ الدار" (٤) غريب. وفيه حث على مجاورة الجار الحسن، والهرب من الجار السوء. قوله ﵇: "لا يحلُّ لمسلم أن يَهجُرَ أَخاه فوقَ ثلاثةِ أيامٍ، إلاَّ أن يكون مِمَّن لا تؤمَنُ بوائقُه". أخرجه جدي في "الواهية"، وقال أحمد بن حنبل: لا يصح هذا الحديث عن رسول الله ﷺ وهو كذب (٥). قلت: وكيف يكون هذا الحديث كذبًا وقد أَخْرَجا في "الصحيحين" عن أنس،

стр. 1978

وقال أحمد بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَباغَضوا، ولا تَباغَوا، ولا تَحاسَدُوا، ولا تَدابَروا، ولا تَقاطَعُوا، وكونوا عبادَ الله إِخوانًا، ولا يحلُّ للمسلمِ أن يَهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثِ ليالٍ" متفق عليه (١). وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري وأبي هريرة وعائشة، وأحاديثهم أخرجها أبو داود والترمذي (٢)، وإنما الزيادة في الحديث وهي قوله: "إلا أن يكون ممن لا تؤمن بوائقه" هذه الزيادة ليست في "الصحيحين" فيحتمل إنهم أشاروا إليها، وقد كان ينبغي لجدي أن يتبين الصحيح من السقيم، وقد فعلوا هذا في أحاديث منها: قوله ﵇: "إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمالَ" أخرج مسلم (٣) هذا اللفظ عن ابن مسعود، ثم قال في "الواهية": هذا الحديث لا يصح، روت عائشة أنَّ النبيَّ ﷺ خرجَ ذاتَ يومٍ فمرَّ ببركة فيها ماءٌ، فاطلَعَ فيه فسوى من لحيتهِ ورأسهِ، فقلت له في ذلك، فقال: "إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمالَ" (٤) فقول عائشة "نظرَ في بركة" هو الذي تكلَّموا فيه، وباقي الحديث في الصحيح. وقال أبو داود: إذا كانت الهجرةُ لله فليسَ من قوله: "لا يحلُّ للرجلِ أن يهجُرَ أَخاه فوقَ ثلاث" قد رأى عمر بن عبد العزيز رجلًا فغطى وجهه (٥). قوله: "لا يدخلُ الجنةَ رجلٌ لا يأَمنُ جارُه بوائِقَه" (٦) واختلفوا في البوائق، فقال الجوهري: هي غشمه وظلمه، وقال الكسائي: غوائله وشره (٧). وقيل: مكائده وشدائده. قوله: "لا تَكُونوا مُتَماوتين" (٨) هذا من كلام عمر ﵁، رأى رجلًا يتخاشَع، فضربه بالدرَّة وقال: ارفع رأسك فإن التقوى ها هنا، وأشار إلى صدره.

стр. 1979

وقد روى عروة بن الزبير عن عائشة أنها نظرَت إلى بعض القرَّاء وهو يكاد يموت تخشعًا فقالت: بورك لكل سهل طلق مضحاك، وأبعد الله كلّ عبوس، يلقاك بوجه مكفهر يمن عليك بعمله، فلا كثر الله في المسلمين أمثالهم. قوله: "إنَّ لكلِّ شيءٍ قَلبًا وقلبُ القرآنِ يس" (١) فإن قيلَ: فالقلب جسم والقرآن ليس بجسم، فالجواب: إنما أشار إلى الترغيب في قراءة يس، وصار كما روي عن النبي ﷺ قال: "سَنامُ القرآنِ البقرةُ" (٢). قوله: "إنَّ الله يحبُّ الشجاعةَ ولو بقَتلِ حيةٍ" (٣). قوله: "إذا أَرادَ اللهُ قبضَ روحِ عبدٍ في أرضٍ، جَعَل له فيها حاجةً" (٤). وقد ذكرنا في سيرة سليمان ﵇ أن ملك [الموت] قبض روح صديقه عند مطلع عين الشمس. قوله: "إذا أَرادَ اللهُ إنفاذَ قَضائهِ وقَدَرِه، سَلَب ذوي العقولِ عُقولَهم" (٥) غريب، وقيل: هو موقوف على ابن عباس، ويروى أنه من كلام الحسن البصري، فإنه كان يقول: ما ابتلى الله قومًا بفتنة إلا وسلبهم عقولهم، فإذا رفع الفتنة عنهم، ردَّ عليهم عقولهم، ليرفعوا قبيح ما كانوا عليه. قوله: "لو علِمَت البهائمُ مثل ما تَعلمون من الموتِ ما أَكلتُم سمينًا قطُّ" (٦) غريب.

стр. 1980

وقد أخرجه البخاري في أفراده، عن أبي هريرة: "لو عَلِمتُم ما أَعلَمُ، لضَحِكتُم قليلاً وبكيتُم كثيرًا" (١). وقال أبو عبيد: البهائم لا تعلم بالموت ولو علمت ما حملت لحمًا، وأنتم تعلمون وتحملون فأنتم أشد غفلة من البهائم وهي أعذر منكم. قوله: "بُورِكَ لأمَّتي فى بُكُورِ سَبتِها وخَميسِها" هذا المعنى فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: "بوركَ لأمتي في بُكُورِها"، والحديث الثاني: "في كل اثنينٍ وخميسٍ"، والثالث: "في بكورِ يومِ السبتِ". فأما الأول: فاخرجه جدّي بإسناده إلى عليًّ ﵇ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "بُورِكَ لأُمَّتي في بُكُورِها" (٢). وأما الحديث الثاني: فأخرجه أبو محمد بن عدي عن جابر عن رسولِ الله ﷺ قال: "اطْلُبوا الحَوائجَ أو العلمَ كلَّ اثنينٍ وخميسٍ" (٣). وأما الثالث: فأخرجه الدارقطني عن جابر عن النبيَّ ﷺ قال: "مَن بكَّرَ يومَ السبتِ في طلبِ حاجةٍ فأنا ضامنٌ لقَضائِها" (٤). قلت: والحديث وإن كان ضعيفًا غير أن السلف كانوا يستعينون بالبكور على قضاء حوائجهم، ومن بورك له في شيء فليلزمه، حتى قد صارت الأخبار بمنزلة التواتر، ولن يجمع الله العالم على ضلالة، ومن أمثالهم: بَكَّر بُكور الغراب. وقد أخرج أحمد في "المسند" بإسناده أن النبيَّ ﷺ قال: "اللهمَّ بارِكْ لأُمَّتي في بُكُورِها" وكان إذا بعث جيشًا بعثه أول النهار (٥). * * *

стр. 1981

الباب السابع والثلاثون: في ذكر صلاتنا عليه ﷺ - [وقال أحمد بإسناده] عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن صلَّى عليَّ مرةً واحدةً، صلَّى اللهُ عليه عَشرًا" أخرجه مسلم (١). [وقال أحمد: قرأت على عبد الرحمن بإسناده] عن أبي حميد الساعدي قال: قالوا: يا رسول الله كيفَ نصلِّي عليك؟ قال: "قُولُوا: اللهمَّ صلَّ على محمدٍ، وعلى أزواجهِ وذرِّيتهِ، كما صلَّيت على آل إبراهيمَ إنَّك حميدٌ مجيدٌ، وبارِك على محمدٍ وعلى أزواجهِ وذرِّيته، كما بارَكتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ إنَّك حميدٌ مجيدٌ" أخرجاه (٢). وقال [أحمد بإسناده عن أبي مسعود] عقبة بن عمرو الأنصاري قال: أقبل رجلٌ حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ ونحن عنده، فقال: يا رسولَ الله، أمَّا السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلِّي عليك؟ فقال: "قُولُوا: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ النبيَّ الأميِّ، وعلى آلِ محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وآل إبراهيمَ، وبارِكْ على محمدٍ النبيَّ الأمِيِّ وعلى آلِه، كما بارَكتَ على إبراهيمَ [وعلى آل إبراهيم] إنَّك حميدٌ مجيدٌ" (٣). [وفي رواية: فكيف نصلي عليك في صلاتنا؟ وذكره. انفرد بإخراجه مسلم (٤). وقوله ﷺ : "لا تَجفُوني" قالوا: وكيف نجفوك؟ قال: "أُذكَرُ فلا يُصلَّى عليَّ" (٥). فصل في ذكر رد روحه إليه ﷺ -: قال أحمد بإسناده] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِن أَحدٍ يُسلِّمُ عليَّ

стр. 1982

إلَّا ردَّ الله إليَّ رُوحي حتى أَردَّ عليه" (١). [حديث آخر في الصلاة عليه قال أحمد بإسناده عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، ويقال:] ابن أبي أوسٍ الثقفي قال: قال رسول الله ﷺ : "مِن أَفضل أَيامِكُم يومُ الجمعةِ، فيه خُلق آدمُ، وفيه قُبِض، وفيه النفخةُ، وفيه الصعقةُ، فأكثروا عليَّ من الصلاةِ فيه، فإنَّ صَلاتَكُم معروضةٌ عليَّ" قالوا: يا رسولَ الله، وكيف تعرض عليك صلاتُنا وقد أَرِمتَ؟ فقال: "إنَّ اللهَ حرمَ على الأَرضِ أن تأكلَ أَجسادَ الأَنبياءِ" (٢). ومعنى أرمت أي: بليت [والرمة: العظام البالية]. وقال [الترمذي بإسناده، عن عبد الله] ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أَولى الناسِ بي يومَ القيامةِ أكثَرُهم صلاةً عليَّ" (٣). [وقال أحمد بإسناده عن عبد الله بن مسعود] قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ لله ملائكةً سيَّاحين في الأرضِ يُبلِّغوني من أُمَّتي السَّلامَ" (٤). * * *

стр. 1983

الباب الثامن والثلاثون: في ذكر حوضه وشفاعته ﷺ - [أما الحوض فقد اختلفت الروايات فيه:] قال ابن مسعود: قال رسول الله ﷺ : "أَنا فَرَطُكُم على الحوضِ، وليُرفَعَنَّ إليَّ رجالٌ منكم، حتى إذا أَهويتُ لأُناوِلَهم اختُلِجُوا دُوني، فأَقولُ: يا ربِّ، أَصحابي، فيقال: إنَّكَ لا تَدرِي ما أَحدَثُوا بَعدَكَ". أخرجاه في "الصحيحين" (١). وفي "الصحيحين" عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "حَوضِي مَسيرةُ شَهرٍ، ماؤُه أَشدُّ بياضًا مِنَ اللَّبَنِ، وريحُه أَطيَبُ من ريحِ المِسْكِ، وكِيزانُه مثل نجومِ السَّماءِ، مَن شَرِبَ منه شَربةً لا يَظمأ بعدَها أبدًا" (٢). [وفي المتفق عليه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "وإن أمامكم حوضًا بين جَرباء وأَذرُح" قال نافع: وهما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاثة أيام (٣)]. وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "والذِي نَفسِي بيَدِه، لأَذودَنَّ رِجالًا عن حَوضي كما تُذادُ الغريبةُ من الإبلِ عن الحوضِ، وليَرِدنَّ على الحوضِ رهطٌ فيُحَلَّون عنه، فأقول: يا ربِّ، أصحابي، فيقولُ: إنَّك لا عِلمَ لكَ بما أَحدَثُوا بعدَكَ، إنَّهم ارْتدُّوا على أَعْقَابهم القَهْقَرَى" (٤) [وكان أبو هريرة يقول: فيجلون - بالجيم - وفيه يقول: "هلم، فأقول إلى أين؟ فيقول: إلى النار، فإنهم ارتدوا بعدك، فلا يخلص منهم إلا مثل هَمَلِ النَّعَم" (٥). ومعنى: "أذودن": أطردن، و"يحلون" أي: يمنعون، كما يقال للإبل: حِلْ حِلْ إذا

стр. 1984

منعت، وأراد أبو هريرة بقوله: يجلون - بجيم - الرجوع إلى خلف، وقيل: هو من الجلاء وهو الطرد، و"الهَمَل": التي لا راعي لها. وفي "الصحيحين" عن سهل بن سعد بمعناه، وفيه: "ليَردَنَّ عليَّ الحوضَ أقوامٌ أَعرِفُهم ويَعرِفُوني، ثم يحال بيني وبينهم" وذكر بمعنى ما تقدم: "فأقول: بُعدًا وسُحقًا سحقًا لمن بَدَّل بعدي" (١). وقوله: "سحقًا": دعاء عليهم، أي: أسحقهم الله. وللبخاري، عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ قدرَ حَوضي كما بينَ أَيلَة وصنعاء اليمنِ، وإنَّ فيه من الأَباريقِ كعددِ نُجومِ السماءِ" (٢)]. ولمسلم عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله ما آنية حوضك؟ فقال: "والذي نَفسِي بيَده إِنَّها أكثرُ من عَددِ نجومِ السماءِ في الليلةِ المُصْحِيَةِ، آنيةُ أهلِ الجنةِ، مَن شَرِبَ منه لم يَظمأ أَبدًا آخر ما عليه، يَشخب فيه مِيزابانِ من الجنةِ، عرضُه مثل طولهِ، ما بينَ عَمَّانَ البلقاءَ إلى أَيلةَ" (٣). وقوله: "آخر ما عليه" أي: أبدًا. ومعنى "تشخب" أي: تسكب، و"عمان" بالتشديد مكان بالبلقاء يقال: كانت مدينة البلقاء، وعامة العلماء على تشديد عمان إلا الخطابي فإنه قال: هي مخففة، أشار إلى عُمان التي عند البحرين. والأول أصح. ولمسلم عن جابر بن سمرة بمعناه، وفيه: "وإن بُعدَ ما بين طرفيه كصنعاء وأيلة، كأن الأباريق فيه مثل النجوم" (٤). ولمسلم عن مَعدان بن أبي طلحة، عن ثوبانَ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنِّي لبعُقْرِ حَوضي أذودُ الناسَ لأهلِ اليَمَنِ، أضربُ بعَصايَ حتى يَرفضَّ عليهم" فسئل عن عَرضهِ فقال: "مِن مقامي هذا إلى عمَّان، يَغُتُّ فيه مِيزابانِ يمدَّانِه من الجنةِ أحدُهما من ذهبٍ والآخر من وَرِقٍ" (٥).

стр. 1985

[وقد أخرج أحمد عن ثوبان بمعناه، فقال ابن عفان بإسناده عن ثوبان وذكره، وقال: بعث عمر بن عبد العزيز إلى ثوبان ليسأله عن الحوض، فقدم عليه فسأله، فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "حَوضِي مِن عَدَن إلى عمَّان البلقاء، وذكر بمعنى ما تقدم من وصف مائه وآنيته، وقال: "أَولُ الناسِ وُرُودًا عليه فقراءُ المهاجرين" فقال عمر بن الخطاب: يا رسولَ الله، من هم؟ فقال: "الشُّعثُ الغُبْر، أو الشُّعثُ رُؤوسًا الدُّنْس ثيابًا، الذين لا يَنكِحونَ المتنعمات، ولا تُفتح لهم أبواب السُّدَدِ". فقال عمر بن عبد العزيز: لقد نكحت المتنعمات، وفتحت لي أبواب السُّدَدِ إلا أن يرحمني الله، لا جَرَم والله لأدعنَّ رأسي حتى يشعَثَ، ولا أغسل ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتَّسخ (١). وفي الباب عن ابن عباس وأنس وحذيفة وأم سلمة وعائشة وغيرهم. وحديث حذيفة أخرجه مسلم، وفيه: فقلنا: يا رسولَ الله، أتعرفنا؟ قال: "نَعَم، إنَّكم تَرِدُون عليَّ الحوضَ غُرًّا مُحَجَّلين مِن آثارِ الوُضوءِ، ليست لأَحَدٍ غيرِكم" (٢). وقد جاءت في الشفاعة أخبار منها حديث أنس مختصرًا]. قال أحمد بن حنبل بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كانَ يومُ القيامةِ ماجَ الناسُ بعضُهم إلى بعضٍ، فيأتونَ آدمَ ﵇ فيقُولُون: اشفَع لنا إلى ربك فأنت أبو الخلقِ خَلقَك الله بيَدِه، ونفخَ فيكَ من رُوحِه، وأَسجَدَ لك ملائكَتَه، فيقول: لستُ هناك، ويذكر خطيئَته التي أصابَ فيَستحي منها، ويقول: عليكم بنوحٍ فإنَّه أولُ نبيًّ بعثَه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ، فيأتون نوحًا ﵇، فيذكُرونَ له ما ذَكرُوا لآدمَ، فيقولُ لهم كما قالَ آدمُ، ثم يقولُ لهم: ولكن ائتوا إبراهيمَ فإنَّه خليلُ الله، فيأتونَه، فيقول: لستُ هناكَ، ولكن عليكم بموسى فإنَّه كليمُ اللهِ، فيأتونَ إليه فيقولُ: عليكم بعيسى رُوحُ اللهِ وكلمتُه، فيأتونَ عيسى، فيقول: لستُ هناكَ، ولكن ائتُوا محمدًا، فإنَّ الله قد غَفَر له ما تقدَّم من ذَنبِه وما تأخَّر، قال رسول الله ﷺ : فيَأتونَ إليَّ، فأقولُ: أَنا لها، فأَنطَلِقُ، فأَستَأذنُ على

стр. 1986

ربَّي، فيُؤذَنُ لي، فأقوم بينَ يديهِ، فأحمَدُه بمحامدَ لا أقدرُ عليها إلَّا أن يُلهِمَنِيها اللهُ تعالى، ثم أَخِرُّ لربَّي ساجدًا، فيدَعُني ما شاءَ الله، ثم يقولُ: يا محمدُ، ارفَعْ رَأسَكَ، وسَلْ تُعطَه، وقُل يُسمَعْ، واشفَعْ تُشفَّعْ، فأَرفَعُ رَأسِي، وأحمَدُ ربَّي بتحميدٍ يُعلِّمنيه، ثم أشفعُ، فيحُدُّ لي حدًّا، فأُخرِجُهم من النارِ وأُدخلُهم الجنةَ، فأقول: يا ربِّ، ما بقيَ في النارِ إلَّا مَن حبَسَه القرآنُ، أي وجبَ عليه الخلودُ، وأقول: يا ربِّ أمَّتي أمتي، فيقال لي: انطَلِق، فمن كان في قلبهِ مثقالُ حبَّةِ خَردَلٍ من إيمانٍ فأُخرِجه منها". قال معبد: فخرجنا من عند أنس، فدخلنا على الحسنِ وهو مستخفٍ في دارِ أبي خليفةَ، فسلمنا عليه، وقلنا: يا أبا سعيدٍ جئنا من عند أخيك أبي حمزةَ، فحدثنا بحديث الشفاعة، فقال: هِيهِ، فحدثناه الحديثَ، فقال: لقد تركَ شيئًا ما أَدري أَنسي الشيخُ أم كَرِه أن يحدِّثكم به، فتَتَّكلوا، ولقد حدثنا به منذ عشرين سنةً وهو يومئذ جميعٌ، أي: شاب مجتمع، فقلنا: حدِّثنا، فقال: "ثم أَرجعُ إلى ربِّي فأحمَدُه بتلكَ المحامدِ، وأَخِرُّ ساجدًا، وأقول: يا ربِّ إيذن لي فيمَن قال: لا إِلَه إلا اللهُ، فيقال: ليس لك ذلك، ولكنْ وعزَّتي وجلالي، وكبريائي وعظمتي؛ لأخرجنَّ منها من قال: لا إله إلا الله". أخرجاه في "الصحيحين" (١). وفي "الصحيحين" أيضًا عن أنسٍ، عن النبيّ ﷺ قال: "لكلِّ نبيًّ دعوةٌ دَعا بها لأمَّته، وإنِّي اخْتَبأتُ دعوتي شَفاعتي لأمَّتي يومَ القيامةِ" (٢). ولمسلم، عنه: "ولم يُصدَّق نبيٌّ ما صُدِّقتُ، وإنَّ من الأنبياء نبيًّا ما صدَّقَه من أمَّتِه إلاَّ رجلٌ واحدٌ" (٣). وللبخاري، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ : "إنَّ الناسَ يصيرونَ يوم القيامةِ جُثًا، كلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبيَّها، يَقولُونَ: اشفَع لنا، حتى تنتهي الشفاعةُ إليَّ، فذلك المقامُ المحمود" (٤). [و"الجثا": الجماعات، الواحدة جثوة، والمقام المحمود: الشفاعة]. وقال ابن عباس: يوضع لرسول الله ﷺ منبر فيرتقيه، ويُثني على الله ثناءً لم تَسمعِ

стр. 1987

الخلائقُ بمثلِه، فيشفِّعه في أمَّتِه (١). [وفي "الصحيحين" وأخرجه أحمد في "المسند" بإسناده] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعُهم الداعي، ويَنفُذُهم البصرُ، وتَدنو منهمُ الشمسُ فيبلغ الناسُ من الغَمِّ والكربِ ما لا يُطيقونَ، فيأتونَ إلى آدمَ، فيقولون: اشفَع لنا إلى ربِّكَ، فأنتَ أبو البشرِ، خلقَكَ الله بيَدِه، ونفَخَ فيكَ من رُوحهِ، وأَسجَدَ لكَ ملائكَتَهُ، وأسْكَنَك جنَّتَهَ، أَلَا ترى ما نحنُ فيهِ؟ فيقولُ لهم آدمُ: إنِّي عَصيتُ ربِّي، وقد غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لم يَغضَب قبلَه مثلَه ولا يَغضَبُ بعدَه مثله، وإنَّه نَهاني عن الشجرةِ فعصيتُ أمرَه، نَفسِي نَفسِي، لستُ بصاحبِ ذاك، اذهبُوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوحٍ، فيأتُونَ إلى نوحٍ، فيقولُون: يا نوحُ، أنتَ أَولُ الرسُل إلى أهلِ الأرضِ، وقد سَمَّاك الله عَبدًا شَكُورًا، أَلَا تَرى إلى ما نحنُ فيه؟ فاشفَع لنا إلى رَبِّك، فيقولُ: قد كانت لي دعوةٌ دَعوتُ بها على قَومِي، اذْهَبوا إلى إبراهيمَ، فيأتونَه، فيقولونَ له: أنتَ نبيُّ الله وخليلُه من أهلِ الأرضِ، اشفَعْ لنا إلى ربِّكَ، فيقولُ: إنِّي كذبتُ ثلاثَ كذباتٍ، فذكرها، وقال: نَفسِي نَفسِي، اذهبُوا إلى مُوسى، فيأتونَه، فيقولُونَ: أنتَ رسُولُ اللهِ وكَليمُه، فضَّلَكَ برسالَتِه وبكَلامِه على الناسِ، فيقولُ لهم: إنِّي قتلتُ نفسًا لم أُومر بقَتلِها، اذْهبُوا إلى عِيسى، فيأتونَه، فيقولُون: أنتَ رُوحُ اللهِ وكَلمتُه، فيردُّ عليهم ولم يذكر ذَنبًا: اذْهبُوا إلى محمدٍ، فيأتونَ إليَّ، فيقولُونَ: يا رسولَ اللهِ، أنتَ خاتَمُ الأنبياءِ، وقد غفَرَ اللهُ لكَ ما تقدَّم من ذنبِكَ وما تأَخَّر، فاشفَعْ لنا إلى ربِّكَ، فأَنطلِقُ إلى تحتِ العَرشِ فأقَعُ ساجدًا لربِّي". وذكر بمعنى حديث أنس، وفيه: "إنَّ كلَّ نبيًّ يقولُ: إن ربِّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لم يَغضَبْ قبلَه ولا يَغضَبُ بعدَه مثله" (٢). وفي رواية: "فيقولُ آدمُ: وهل أَخرَجَكُم من الجنَّةِ إلا خَطِيئَةُ أَبيكُم، اذهبُوا إلى ابني خليلِ الله، فيذهبونَ إليه فيقولُ: إنما كنتُ خليلًا من وراءَ [وراءَ، أي من وراء] حجابٍ" (٣).

стр. 1988

عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنَّ النبيَّ ﷺ قرأ - أو تَلا - قولَ الله في إبراهيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [إبراهيم: ٣٦]. وقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية [المائدة: ١١٨]. فرفع رسول الله ﷺ يديه وقال: "أُمَّتي أُمَّتي" وبَكَى، فقال الله تعالى: يا جبريلُ اذهَب إلى محمدٍ - وربُّكَ أعلمُ - فسَلْهُ ما يُبكيكَ؟ فأتاه جبريلُ، فسَأَله، فأخبَره رسولُ الله ﷺ بما قال، فقال الله: يا جبريلُ، اذهَب إلى محمدٍ فقُل له: إنا سنُرضِيكَ في أمَّتِك ولا نَسُوؤكَ. انفرد بإخراجه مسلم (١). * * *

стр. 1989

الباب التاسع والثلاثون: في كونه ﷺ آخر المرسلين وخاتم النبيين [أما قوله ﷺ : "كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين" فقد تقدم في فضائله، وأن الله أخذ ميثاق الأنبياء على تصديقه. وأما كونه آخر المرسلين، فلأن الختم إنما يكون على عنوان الكتاب، فتمم الله به مكارم الأخلاق والأسباب، وليكون شهيدًا على الأمم للأنبياء بما جاؤوا به من الأنباء. قال أحمد بإسناده] عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يُدعَى نوحٌ يومَ القيامةِ فيقالُ له: هل بلَّغتَ؟ فيقول: نَعَم، فيُدعَى قومُه: هل بلَّغَكُم؟ فيقولُون: ما أَتانا من نذيرٍ، وما أَتانا من أحدٍ، فيقال لنوحٍ: من يَشهد لكَ؟ فيقول: محمدٌ وأمَّتُه، قال: وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. قال: والوسط العدلُ، فيدعونَ، فيَشهدُون له بالبلاغِ، قال: ثم أشهدُ عليكم" انفرد بإخراجه البخاري (١). وعن أبي سعيد الخدري أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "يَجيءُ النبيُّ يومَ القيامةِ ومعهُ الرجلُ، والنبيُّ ومعه الرجلان، وأكثر من ذلك، فيُدعَى قومُه فيقال لهم: هل بلَّغكُم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: هل بلَّغتَ قومَك؟ فيقولُ: نَعَم، فيقالُ له: من يَشهدُ لك؟ فيقولُ: محمدٌ وأمَّتُه، [فيدعى محمد وأمته] فيقال لهم: هل بلَّغَ هذا قومَه؟ فيقولون: نَعَم، فيقال: وما عِلمُكُم؟ فيقولونَ: جاءَنا نبيُّنا، فأَخبَرَنا أن الرُّسُلَ قد بلَّغوا، فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]. أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (٢).

стр. 1990

[وقد ذكر الثعلبي في "تفسيره" (١) بمعناه في تأويل قوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] قال السدي: فيشهد محمد ﷺ للأنبياء بالبلاغ، فذلك قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] وكذا تقول في أمته: إنها جعلت آخر الأمم لهذا المعنى]. وقال كعب الأحبار: إنما جعلت هذه الأمة آخر الأمم لتطلع على قبائح الأمم ولا يطلعونَ على فضائحها، فإنِّي قد وجدت في بعض كتب الله المنزلة: أن الله خلَقَ لكل واحد من هذه الأمة تمثالًا تحت العرش، فكلما ركعَ وسجدَ ركع ذلك التمثال وسجدَ فتراه الملائكةُ، فإذا زلَّ ابن آدم زلةً ألقى اللهُ على ذلك التمثال سترًا لئلا تشاهده الملائكةُ، فذلك قولهم في الدعاء: يا مَن ينشر الجميلَ ويستر القبيحَ. * * *

стр. 1991

الباب الأربعون: في ذكر أصحابه وفضلهم ﵃ - [وفيه فصول: حدّثنا أحمد بإسناده] عن أبي سعيد الخدري، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تَسبُّوا أَصحابي، فإنَّ أحدَكُم لو أنفَقَ مثلَ أُحدٍ ذَهبًا ما أدركَ مُدَّ أحدِهم ولا نصيفَه". أخرجاه في "الصحيحين" (١). وفي المتفق عليه عن ابن مسعودٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "خيرُ الناس قَرني، ثم الذينَ يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونَهم، ثم يَأتي قومٌ تسبق شهادةُ أَحدِهم يَمينَه، ويَمينُه شهادَتَه" (٢). [ولمسلم عن أبي هريرة بمعناه، وذكر فيه ثلاثة قرون (٣). والقرن مئة سنة، وقيل: مئة وعشرون سنة. قال الجوهري: القرن ثمانون سنة. قال: ويقال: ثلاثون سنة (٤)، والأول أصح. والمراد بالشهادة: شهادة الزور، لأنه قال في] حديث عمران بن الحصين المتفق عليه قال: فلا أدري أذكر بعد قرنين أو ثلاثة. وفيه: "ثم يَأتي بَعدَهم قومٌ يَشهدون ولا يُستَشهدون، ويَخونون ولا يؤتمنون، ويَنذُرُون ولا يَفُون، ويحلفون ولا يُستَحلفون، ويظهرُ فيهم السِّمَن" (٥)، يعني من كثرة المطاعم. وفي المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ قال: "يَأتي على الناسِ

стр. 1992

زمانٌ يغزو فيه فِئامٌ من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولُون: نَعَم، فيُفتَح لهم، ثم يَغزُو فئامٌ من الناس، فيقالُ: هل فيكم من صاحب أَصحاب رسول الله ﷺ ؟ فيقولونَ: نَعَم، فيُفتَحُ لهم" (١). [فصل في عدد الصحابة ﵃ - اعلم أن أصحاب رسول الله ﷺ خلق كثير تتعذر الإحاطة بعددهم، فروى أبو عبد الله الحاكم، عن أبي زرعة الرازي أنه سئل عن هذا فقال: قُبض رسول الله ﷺ عن مئة وستة وعشرين ألفًا ممن روى عنه وسمع منه ورآه، قيل له: فأين كان هؤلاء؟ فقال: أهل مكة والمدينة وما بينهما وما حولهما من الأعراب ومن شهد معه حجة الوداع والغزوات والسرايا وتبوكًا وغيرها. وروى الخطيب أبو بكر بإسناده عن أبي زرعة أيضًا أنه سئل عن ذلك، فقال ومن يضبط هذا؟ شهد معه حجة الوداع أربعون ألفًا، وتبوكًا سبعون ألفًا، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ كان معه يوم الفتح عشرة آلاف وخرج من المدينة إلى غزاة تبوك في ثلاثين ألفًا (٢). فصل في عدد الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ -: قد ذكرنا في صدر الكتاب عن أحمد بن حنبل أنه قال: جمعت "المسند" من ألف ألف حديث، وروى عنه ابنه عبد الله أنه قال: صح من الحديث سبع مئة ألف وكسر، وقال: كان أبو زرعة الرازي يحفظ ست مئة ألف حديث. وذكرنا عن البخاري أنه قال: صنفت كتابي "الصحيح" في ست عشرة سنة، خرجته من ست مئة ألف حديث. وقال مسلم: جمعت كتابي من سبع مئة ألف حديث. فالحاصل أن حصر الأحاديث على التحقيق غير ممكن، وإنما الذي يظهر ما في

стр. 1993

السنن المأثورة الأخبار المشهورة كـ "مسند" أحمد والبخاري ومسلم وأبي داوود والترمذي والدارقطني وابن ماجه وغيرهم. وروي أنه قيل لأحمد بن حنبل: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يفتي، مئة ألف حديث؟ قال: لا، قيل: فمئتي ألف؟ قال: لا، قيل: فثلاث مئة ألف؟ قال: لا، قيل: فأربع مئة ألف؟ قال: لا، قيل: فخمس مئة ألف؟ قال: أرجو (١). ذكر الصحابة الذين تفرقوا بعد وفاة رسول الله ﷺ ونزلوا البلدان ذكر جدي ﵀ في "التلقيح" وقال: روى عبد الله بن بُريدة الأسلمي، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما أرض مات بها رجل] (٢) من أصحابي فهو قائدهم ونورهم يوم القيامة". * * *

стр. 1994

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان تصنيف شمس الدين أبي المظفر يوسف بن قز أوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (٥٨١ هـ - ٦٥٤ هـ) الجزء الخامس [١١ - ٣٢ هـ] حقق هذا الجزء وعلق عليه عمار ريحاوي

стр. 1995

المخطوطات المعتمدة في هذا الجزء والذي يليه ١ - نسخة أحمد الثالث (أ) من سنة (٢ هـ) إلى نهاية سنة (٢١ هـ). ٢ - نسخة كوبريللي (ك) من سنة (٩ هـ) إلى سنة (٣١ هـ). ٣ - نسخة العلائي (ع) عندنا منها من سنة (٢٢ هـ) إلى سنة (٣١ هـ). ٤ - نسخة الخزائنية مؤلفة من جزءين: ا - من سنة (٧ هـ) إلى سنة (٢٩ هـ). ب - من سنة (٣٠ هـ) إلى سنة (٥٠ هـ) وانظر وصفًا مفصلًا لهذه النسخ في مقدمة الجزء الأول من الكتاب. * * *

стр. 1996

أبواب ذكر الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين

стр. 1997

الباب الأول في ذكر أبي بكر رضوان الله عليه قال علماء السِّيَرِ: هو عبد الله بنُ عثمان، وعثمان هو أبو قُحافةَ بن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تَيْم بن مُرَّةَ بن كعب بن لؤي. ويلتقي مع النبي ﷺ في النسب عند مُرَّة بن كعب، وبين كلّ واحد منهما وبين لؤي تسعةُ آباء، فهو في تعداد النّسب مثلُ رسول الله ﷺ . وأُم أبي بكر: سَلمى بنت صخر بن عمرو بن عامر بن كعب. وقيل: بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرَّة. وتُكنى أُمَّ الخيرِ، وماتت مُسلمة. ورُوي عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: ما أسلم أَبَوا أحدٍ من المهاجرين إلا أَبَوا أبي بكر (١)، وكذا ليس في الصحابة مَن اسمُه عبد الله بن عثمان سوى أبي بكر. واختلفوا لم سُمّي الصِّدِّيق على قولين: أحدهما: أن جبريل سماه به، فحكى ابن سعدٍ بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ لجبريل ليلة المعراج: "إنَّ قومي لا يُصدَّقوني"، فقال: يُصّدِّقُك أبو بكر، [وهو] الصديق (٢). قال الزهري: فلذلك كان يحلفُ عليُّ بن أبي طالب أن الله أنزل اسمَ أبي بكر الصديق من السماء. وقال الثوري: إنما أشار عليٌّ ﵇ إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ (٣) [الزمر: ٣٣]. والثاني: أن رسول الله ﷺ سمَّاهُ به. قاله ابن عباس (٤).

стр. 1998

واختلفوا في تسميته بعَتيقٍ على أقوالٍ: أحدُها: أنه اسمٌ سمَّته به أُمه، فقال الهيثم: لم يكن يعيش لأُمِّه ولدٌ، فلما وَلدَتْه استقبلت به الكعبةَ وقالت: اللهمَّ إنّي قد جعلتُه للكعبة، فأعتِقْه من الموت، فعاش (١). قال: وكان له ثلاثةُ إخوةٍ: عَتِيق ومعتِّق وعُتَيْق. والثاني: أنه اسمٌ سمّاه به النبيُّ ﷺ ، فقال ابن سعدٍ بإسناده عن عائشة ﵂ أَنَّها سُئلت: لم سُمِّيَ أبو بكرِ عَتيقًا؟ فقالت: نظر إليه رسول الله ﷺ يومًا فقال: "هذا عتيقُ [الله] من النار" وفي روايةٍ: "مَن سَرَّه أن يَنظُرَ إلى عتيقٍ من النار فلْيَنْظر إِلى هذا" (٢). والثالث: إنما سُمّيَ به لجمال وجهه، قاله الليث بن سعد (٣). وحكى ابن قُتيبة: أن النبي ﷺ لقَّبه بذلك لجمال وجهه (٤). والرابعُ: لأنه كان عَتيقًا في الخير (٥)، والعربُ تقول للشيء إذا بلغ النّهايةَ في الجَودة: قد عَتَق. قاله ابن الأنباري (٦). والخامس: لأنه كان كريمَ الطَّرفين، لم يكن في نسبه ما يُعابُ به. قاله مُصعب الزُّبَيري (٧). وروت عمرةُ عن عائشة قالت: كان اسم أبي عبدَ الكعبة، فسمّاه رسولُ الله ﷺ عبدَ الله وعَتيقًا (٨).

стр. 1999

وقال النّخعي: كان أبو بكر يُسمَّى الأوّاه لرأفته ورحمته (١). وقال الهيثم: لم يتسمَّ بالصديق ولا بالفاروق ولا بذي النُّورَيْن أحدٌ في الجاهلية ولا في الإسلام قبل أبي بكر وعمر وعثمان، وإنما حدثت الألقابُ بعدُ. واختلفوا في مولده؛ فقال الزهري: وُلد بمِنىً قبل رسول الله ﷺ بثلاث سنين. وقال ابن مَنده: وُلد بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهرٍ إلا أيامًا، وتوفي بعد رسول الله بسنتين وأشهر، وهو ابن ثلاثٍ وستين سنةً (٢). وقال الزهري: وَليَ الخلافةَ وهو ابن إحدى وستين سنةً (٣)، ولم يتقلَّد الخلافةَ أحدٌ وأبوه حيٌّ سواه، ومات ووَرثه أبوه أبو قُحافة. وقال موسى بن عُقبة: لا يُعرف أربعةٌ في الإسلام تناسلوا وأدركوا رسول الله ﷺ سوى أبي بكر وأبيه أبي قُحافة، وابن أبي بكر عبد الرحمن وابنه محمد، ويُكنى أبا عتيق، ولم يتّفق لغير أبي قُحافة هذا (٤). ذكر صفة أبي بكرٍ ﵁ - ذكر ابن سعدٍ عن عائشة ﵂ قالت: كان أبو بكرٍ نحيفًا، خفيفَ اللَّحم، أبيضَ، أَجْنأَ، لا يَستمسكُ إِزارُه، يَسترخي عن حَقْوَيه، مَعروقَ الوجه، ناتئَ الجَبهة، عاري الأشاجع، وكان يَخضب رأسه ولحيته بالحِنّاء والكَتَم (٥). قال الجوهري: الأَشاجعُ: أصولُ الأصابع التي تَتَّصلُ بعَصَب ظاهرِ الكفِّ (٦). وللبخاري عن أنسٍ قال: قَدم النبيُّ ﷺ المدينةَ وليس في أصحابه أَشْمطُ سوى أبي

стр. 2000

بكر، فغَلَفَها بالحِنّاء والكَتَم (١). والأَشمطُ: الذي يَختلطُ شيبُه بشبابه، وغَلَفها: عمَّها. وذكر ابن قتيبة في كتاب "غريب الحديث" عن قيس بن أبي حازم قال: كان أبو بكرٍ يَخرجُ إلينا وكأنَّ لِحيَتَه ضِرامُ عَرْفَج. الضِّرامُ: لَهيب النّار. وقال الجوهريّ: العَرْفَج: شجرٌ يَنبتُ في السَّهل، الواحدةُ عَرْفَجَة، ومنه سُمِّي الرَّجل (٢). وقال الفَرَّاء: العرفجُ: نَبتٌ ضعيفٌ تُسرع النارُ فيه، ثم لا يَلْبَث يسيرًا حتى يَطفأ. ومعناه: أنه كان يَخضِبُ بالحِنَّاء والكَتَم، ويُشبعهما خِضابًا، فتشتدُّ حُمْرَتُها (٣). ذكْرُ سبب إسلامه واختلفوا فيه على أقوالٍ: أحدها: ذكر البَلاذري في "تاريخه" عن ابن الكلبي، عن أبي صالح أنه قال: كان أبو بكرٍ صَديقًا لرسول الله ﷺ يُكْثِر غِشيانَه في منزله، ومحادثتَه، ويَتَعرَّفُ أخبارَه، فلما دُعي رسول الله ﷺ للنبوة أتى معه ورقةُ بن نَوفلٍ، وسمع قولَه، وكان مُتوقِّعًا للرسالة وما اختصَّه الله به من كرامته، وكان أبو بكر قد شارك حَكيم بن حِزام في بضاعةٍ، وأراد السَّفَر معه، فإنه ذاتَ يومٍ لمع حَكيم إذ أتى حكيمًا آتٍ فقال: إن عَمَّتك خديجة تَزعمُ أن زوجها نبيٌّ مثلُ موسى، فقد هَجرت الآلهة، فانسلَّ أبو بكرٍ انسلالًا حتى أتى رسول الله ﷺ ، فسأله عن خَبره، فقصَّ عليه قصَّتَه فقال: صدقتَ بأبي أنت وأُمي، وأهلُ الصِّدقِ أنت، وأسلم، ثم أتى حكيمًا فقال له: يا أبا خالدٍ، رُدَّ عليَّ مالي، فقد وجدتُ عند محمدٍ أَربحَ من تجارتك، فأخذ مالَه ولزم رسول الله ﷺ (٤). وذكر المدائنيُّ بمعناه فقال: قال أبو بكرٍ: بينا أنا أُريدُ الطائفَ مع حَكيم بن حِزام وأنا في منزلي بمكة، إذ دخل عليَّ الحارثُ بن صخرٍ، ودخل حكيم بن حِزام، فقال له
следующие страницы →