← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

أبواب ذكر الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين

стр. 1997

الباب الأول في ذكر أبي بكر رضوان الله عليه قال علماء السِّيَرِ: هو عبد الله بنُ عثمان، وعثمان هو أبو قُحافةَ بن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تَيْم بن مُرَّةَ بن كعب بن لؤي. ويلتقي مع النبي ﷺ في النسب عند مُرَّة بن كعب، وبين كلّ واحد منهما وبين لؤي تسعةُ آباء، فهو في تعداد النّسب مثلُ رسول الله ﷺ . وأُم أبي بكر: سَلمى بنت صخر بن عمرو بن عامر بن كعب. وقيل: بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرَّة. وتُكنى أُمَّ الخيرِ، وماتت مُسلمة. ورُوي عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: ما أسلم أَبَوا أحدٍ من المهاجرين إلا أَبَوا أبي بكر (١)، وكذا ليس في الصحابة مَن اسمُه عبد الله بن عثمان سوى أبي بكر. واختلفوا لم سُمّي الصِّدِّيق على قولين: أحدهما: أن جبريل سماه به، فحكى ابن سعدٍ بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ لجبريل ليلة المعراج: "إنَّ قومي لا يُصدَّقوني"، فقال: يُصّدِّقُك أبو بكر، [وهو] الصديق (٢). قال الزهري: فلذلك كان يحلفُ عليُّ بن أبي طالب أن الله أنزل اسمَ أبي بكر الصديق من السماء. وقال الثوري: إنما أشار عليٌّ ﵇ إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ (٣) [الزمر: ٣٣]. والثاني: أن رسول الله ﷺ سمَّاهُ به. قاله ابن عباس (٤).

стр. 1998

واختلفوا في تسميته بعَتيقٍ على أقوالٍ: أحدُها: أنه اسمٌ سمَّته به أُمه، فقال الهيثم: لم يكن يعيش لأُمِّه ولدٌ، فلما وَلدَتْه استقبلت به الكعبةَ وقالت: اللهمَّ إنّي قد جعلتُه للكعبة، فأعتِقْه من الموت، فعاش (١). قال: وكان له ثلاثةُ إخوةٍ: عَتِيق ومعتِّق وعُتَيْق. والثاني: أنه اسمٌ سمّاه به النبيُّ ﷺ ، فقال ابن سعدٍ بإسناده عن عائشة ﵂ أَنَّها سُئلت: لم سُمِّيَ أبو بكرِ عَتيقًا؟ فقالت: نظر إليه رسول الله ﷺ يومًا فقال: "هذا عتيقُ [الله] من النار" وفي روايةٍ: "مَن سَرَّه أن يَنظُرَ إلى عتيقٍ من النار فلْيَنْظر إِلى هذا" (٢). والثالث: إنما سُمّيَ به لجمال وجهه، قاله الليث بن سعد (٣). وحكى ابن قُتيبة: أن النبي ﷺ لقَّبه بذلك لجمال وجهه (٤). والرابعُ: لأنه كان عَتيقًا في الخير (٥)، والعربُ تقول للشيء إذا بلغ النّهايةَ في الجَودة: قد عَتَق. قاله ابن الأنباري (٦). والخامس: لأنه كان كريمَ الطَّرفين، لم يكن في نسبه ما يُعابُ به. قاله مُصعب الزُّبَيري (٧). وروت عمرةُ عن عائشة قالت: كان اسم أبي عبدَ الكعبة، فسمّاه رسولُ الله ﷺ عبدَ الله وعَتيقًا (٨).

стр. 1999

وقال النّخعي: كان أبو بكر يُسمَّى الأوّاه لرأفته ورحمته (١). وقال الهيثم: لم يتسمَّ بالصديق ولا بالفاروق ولا بذي النُّورَيْن أحدٌ في الجاهلية ولا في الإسلام قبل أبي بكر وعمر وعثمان، وإنما حدثت الألقابُ بعدُ. واختلفوا في مولده؛ فقال الزهري: وُلد بمِنىً قبل رسول الله ﷺ بثلاث سنين. وقال ابن مَنده: وُلد بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهرٍ إلا أيامًا، وتوفي بعد رسول الله بسنتين وأشهر، وهو ابن ثلاثٍ وستين سنةً (٢). وقال الزهري: وَليَ الخلافةَ وهو ابن إحدى وستين سنةً (٣)، ولم يتقلَّد الخلافةَ أحدٌ وأبوه حيٌّ سواه، ومات ووَرثه أبوه أبو قُحافة. وقال موسى بن عُقبة: لا يُعرف أربعةٌ في الإسلام تناسلوا وأدركوا رسول الله ﷺ سوى أبي بكر وأبيه أبي قُحافة، وابن أبي بكر عبد الرحمن وابنه محمد، ويُكنى أبا عتيق، ولم يتّفق لغير أبي قُحافة هذا (٤). ذكر صفة أبي بكرٍ ﵁ - ذكر ابن سعدٍ عن عائشة ﵂ قالت: كان أبو بكرٍ نحيفًا، خفيفَ اللَّحم، أبيضَ، أَجْنأَ، لا يَستمسكُ إِزارُه، يَسترخي عن حَقْوَيه، مَعروقَ الوجه، ناتئَ الجَبهة، عاري الأشاجع، وكان يَخضب رأسه ولحيته بالحِنّاء والكَتَم (٥). قال الجوهري: الأَشاجعُ: أصولُ الأصابع التي تَتَّصلُ بعَصَب ظاهرِ الكفِّ (٦). وللبخاري عن أنسٍ قال: قَدم النبيُّ ﷺ المدينةَ وليس في أصحابه أَشْمطُ سوى أبي

стр. 2000

بكر، فغَلَفَها بالحِنّاء والكَتَم (١). والأَشمطُ: الذي يَختلطُ شيبُه بشبابه، وغَلَفها: عمَّها. وذكر ابن قتيبة في كتاب "غريب الحديث" عن قيس بن أبي حازم قال: كان أبو بكرٍ يَخرجُ إلينا وكأنَّ لِحيَتَه ضِرامُ عَرْفَج. الضِّرامُ: لَهيب النّار. وقال الجوهريّ: العَرْفَج: شجرٌ يَنبتُ في السَّهل، الواحدةُ عَرْفَجَة، ومنه سُمِّي الرَّجل (٢). وقال الفَرَّاء: العرفجُ: نَبتٌ ضعيفٌ تُسرع النارُ فيه، ثم لا يَلْبَث يسيرًا حتى يَطفأ. ومعناه: أنه كان يَخضِبُ بالحِنَّاء والكَتَم، ويُشبعهما خِضابًا، فتشتدُّ حُمْرَتُها (٣). ذكْرُ سبب إسلامه واختلفوا فيه على أقوالٍ: أحدها: ذكر البَلاذري في "تاريخه" عن ابن الكلبي، عن أبي صالح أنه قال: كان أبو بكرٍ صَديقًا لرسول الله ﷺ يُكْثِر غِشيانَه في منزله، ومحادثتَه، ويَتَعرَّفُ أخبارَه، فلما دُعي رسول الله ﷺ للنبوة أتى معه ورقةُ بن نَوفلٍ، وسمع قولَه، وكان مُتوقِّعًا للرسالة وما اختصَّه الله به من كرامته، وكان أبو بكر قد شارك حَكيم بن حِزام في بضاعةٍ، وأراد السَّفَر معه، فإنه ذاتَ يومٍ لمع حَكيم إذ أتى حكيمًا آتٍ فقال: إن عَمَّتك خديجة تَزعمُ أن زوجها نبيٌّ مثلُ موسى، فقد هَجرت الآلهة، فانسلَّ أبو بكرٍ انسلالًا حتى أتى رسول الله ﷺ ، فسأله عن خَبره، فقصَّ عليه قصَّتَه فقال: صدقتَ بأبي أنت وأُمي، وأهلُ الصِّدقِ أنت، وأسلم، ثم أتى حكيمًا فقال له: يا أبا خالدٍ، رُدَّ عليَّ مالي، فقد وجدتُ عند محمدٍ أَربحَ من تجارتك، فأخذ مالَه ولزم رسول الله ﷺ (٤). وذكر المدائنيُّ بمعناه فقال: قال أبو بكرٍ: بينا أنا أُريدُ الطائفَ مع حَكيم بن حِزام وأنا في منزلي بمكة، إذ دخل عليَّ الحارثُ بن صخرٍ، ودخل حكيم بن حِزام، فقال له

стр. 2001

الحارث: يا أبا خالد، زعم نساؤنا أن عمَّتَك تزعُمُ أن زوجَها رسولُ الله، فأنكر حكيمٌ ذلك، وأكلوا وانصرفوا. قال: فخرجتُ، فلقيتُ رسول الله ﷺ فقلتُ له: بَلغني كذا وكذا، وهذا أمرٌ لا يُقارُّكَ (١) عليه قوُمك، فقال: يا أبا بكرٍ، ألا أذكُرُ لك شيئًا إن رضيتَه قَبِلْتَه، وإن كرهتَه كَتمتَه، قال: فقلتُ: هذا أَدنى ما لك عندي، فقرأ عليَّ القرآن، وحدَّثني ببُدُوِّ أمره، فقلتُ: أشهد أنك لَصادقٌ، وأن ما دعوت إليه حقٌّ، وأن هذا كلامُ الله، فسمعتْني خديجةُ، فخرجَتْ وعليها خِمارٌ أحمر، فقالت: الحمد لله الذي هداك يا ابنَ أبي قُحافةَ. فما رُمْت من مكاني حتى أمسيتُ، فخرجتُ وإذا بمجلسٍ من بني أسدِ بن عبد العُزّى فيهم الأسودُ بن عبد المطَّلب وأبو البَخْتَريِّ، فقالوا: من أين أَقبلتَ؟ فقلتُ: من عند ابنِ عمِّكم وخَتَنِكم محمدٍ، ذُكِرتْ لي عنده سِلعةٌ يبيعُها بنَسيئةٍ، فجئتُ إليه لأَسومَه بها، فإذا هي سِلْعةٌ ما رأيتُ مثلَها، فقالوا: إنَّك لَتاجرٌ بصيرٌ، وما كنا نعلمُ أن محمدًا يبيعُ السَّلع بنَسيئةٍ ولا أنت أيضًا. وأتاني حكيم يَقودُ بعيرَه فقال: اركب بنا، فقُلتُ: قد بدا لي أن أُقيم؛ إني قد وقعتُ بعدك على بضاعةٍ نفيسةٍ، ما عالجتُ قطُّ أَبينَ رِبحًا منها، فقال: وعند مَن هي؟ فما أعلمها اليوم بمكة. قال: فقلتُ: بلى، وأنتَ دَلَلْتَني عليها، قال: وسمَّيتُها لك؟ قلتُ: نعم، فالله لي عليك أن تَكتُمَها ولا تذكُرَها لأحدٍ، قال: نعم، فقلتُ: إنَّها عند خَتَنِك محمد بن عبد الله، قال: وما هي؟ قلتُ: شهادة أن لا إله إلا الله، قال: فوَجمَ ساعةً فقلتُ: أتَتَّهمني يا أبا خالدٍ في عقلي؟ قال: لا، ولا أُحبُّ لك ما فعلتَ (٢). والقول الثاني حكاه الهيثم، عن كعب الأحبار قال: خرج أبو بكرٍ في الجاهلية تاجرًا إلى الشام فنزل ببَحِيرى الرَّاهب، فقال له: من أين أنت؟ قال من مكة، فنام أبو بكرٍ فرأى رؤيا في تلك الليلة، فقصَّها على بَحيرى فقال: إنْ صدقتْ رُؤياك فأنت وزيرٌ لنبيًّ يُبعث من مكة في حياته، وتَخلُفُه في الأمة بعد وفاته.

стр. 2002

قال: فرجعتُ إلى مكة ورسولُ الله جالسٌ في الحِجْر، فقلتُ: يا محمد، ما الذي تقول؟ فقال: أقولُ: لا إله إلا الله وأني عبدهُ ورسولُه، قال: فما الدّليلُ على صِحَّةِ قولك؟ فقال: رؤياك التي رأيتَ بالشام وقَصصتَها على بَحيرى، وقال لك كذا وكذا. فقام أبو بكرٍ وقبَّل رأسَه وقال: صدقتَ، وأسلم (١). والثالث ذكره ابن داب قال: كان أبو بكرٍ جالسًا بفِناء الكعبة، وهناك زيد بنُ عمرو ابن نُفيل، فمرَّ به أُميَّةُ بن أبي الصَّلْت فقال له زيد: كيف أصبحتَ يا باغيَ الخير؟ فقال: بخيرٍ، قال: وهل وَجدتَ؟ قال: لا، ولم آلُ من طَلَبٍ، أي: لم أُقَصِّر، ثم أنشد أُميَّة: [من الخفيف] كلُّ دينٍ يومَ القيامة إلا … ما قضى اللهُ في الحنيفة زورُ وقال: إن هذا النبيُّ المنتَظَر إمّا منّا، أو منكم، أو من أهل فلسطين. قال أبو بكر: ولم أكن سمعتُ بنبيًّ يُنتَظر ولا يُبعث، فخرجتُ حتى أتيتُ وَرقةَ بن نَوفلٍ، وكان كثيرَ النَّظر في السماء، كثير هَمْهَمةِ الصَّدر، قال: فقَصصتُ عليه القصّة فقال: نعم يا ابن أخي، إن هذا النبيّ المنتَظر من أوسط العرب نَسبًا، قال فقلتُ: يا عمّ، فما يقول؟ قال: يقول: لا ظُلمَ ولا تَظالُم، قال: وبُعث رسولُ الله ﷺ فآمنتُ به (٢). والرابع ذكره محمد بن كعبٍ القُرظي قال: خرج أبو بكرٍ في تجارة إلى الشام، فنادتْه شجرةٌ في الطريق: ارجع يا ابنَ أبي قُحافة، فآمن بمحمدٍ رسول الله، فرجع فأسلم. وقال ابن إسحاق: لقي أبو بكرٍ رسول الله فقال: أحقًّا ما تقول قريش؛ من تركك آلهتنا، وتكفيرك آباءنا، وتسفيهك أحلامَنا؟ فقال: "إني رسولُ الله إليكم، بعثني لأُبلّغ رسالتَه، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وأن تعبدَه"، ثم قرأ عليه القرآن، فلم يُقرّ ولم يُنكر، ثم أسلم بعد ذلك، ودعا إلى الإسلام، فأسلم على يده الزبيرُ، وطلحةُ، وعثمانُ، وسعدُ بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عَوف، والأرقم بن أبي الأرقم،

стр. 2003

وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل ﵃، وقد أشرنا إلى هذا فيما تقدّم (١). وروى ابن إسحاقٍ عن أشياخه عن ابن عباس قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما دعوتُ أحدًا إلى الاسلام إلا كانت له عنه كَبْوَةٌ إلا أبا بكرٍ، فإنه ما تَردَّد، وما عتَّم، وما تَلَعْثم عنه حين دعوتُه إليه" (٢). وقال الجوهري: العَتْمُ: الإبطاءُ، ويقال: ما عتَّم أنْ فعل ذلك بالتشديد، أي: ما لَبِث (٣). وتلعثم بمعناه. وقد ذكرنا في حديث الهجرة عن عائشة أنها قالت: ما عَقَلْتُ أبويَّ إلا وهما يدينان الدين (٤). وكذا قالت أسماءُ بنت أبي بكر. وقد ذكرنا في السنة الحادية والأربعين من مولد النبي ﷺ اختلافَ العلماء في السابقين إلى الاسلام، وأنَ أبا بكرٍ أوَّلُ مَن أسلم من الرجال. ذكر خلافته قد ذكرنا أنه بويع قبل أن يُدفن رسولُ الله ﷺ وأنَّ حديث السقيفة كان في اليوم الذي تُوفي فيه رسول الله ﷺ . وإنّما اختلفوا في اليوم الذي بويع فيه. فقال الواقدي: بُويع يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةً خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة. وقال الزهري: بويع يوم الثلاثاء. والأصحُّ أنه بويع يوم الاثنين في السَّقيفة، ويوم الثلاثاء البيعة العامة، وقد أشرنا إليه فيما تقدَّم من الكلام (٥) ذكر أول خطبةٍ خطبها قال ابن سعد: أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن هشام بن عروة، قال عبيد الله:

стр. 2004

أظنه (١) عن أبيه قال: لما ولي أبو بكرٍ خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعدُ أيها الناسُ، فإني قد وَليتُ أمرَكم ولستُ بخيركم، ولكن قد نزل القرآن، وسنَّ رسولُ الله ﷺ السُّنن، وعَلَّمنا فعَلِمنا. اعلموا أن أكيسَ الكَيْسِ التقوى، وأن أحمقَ الحُمقِ الفجورُ، وأن أقواكم عندي الضعيفُ حتى آخذ له بحقِّه، وأن أضعفكم عندي القويُّ حتى آخذَ منه الحقَّ. أيها الناسُ، إنَّما أنا متَّبعٌ ولستُ بمبتدع، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن زُغْتُ فقوِّموني. وقال ابن سعدٍ بإسناده عن وهب بن جرير، عن أبيه قال: سمعتُ الحسن يقول: لمّا بُويع أبو بكرٍ قام خطيبًا، فلا والله ما خطب خُطبتَه أحدٌ بعد، فحمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني قد وَليتُ هذا الأمر وأنا له كارهٌ، ووالله لوَدِدْتُ أنّ بعضكم كفانيه، ألا وإنّكم إن كلَّفتُموني أن أعملَ فيكم مثلَ عملِ رسول الله ﷺ لم أقُم به. كان رسول الله ﷺ عبدًا أكرمه الله بالوحي وعَصمه به، ألا وإنّما أنا بشرٌ، واعلموا أنَّ لي شيطانًا يَعتريني، فإذا رأيتُموني قد غضبتُ فاجتنبوني، لا أُؤَثّر في أشعاركم وأبشاركم (٢). وأخرج أحمد في "المسند" طرفًا منه عن قيس بن أبي حازم، وفيه أنها أول خطبةٍ خُطبت في الإسلامِ، وفيها: ولوَدِدْتُ أن هذا كفانيه غيري، وإن أَخذتُموني بسُنَّةِ نبيّكم ما أُطيقُها، إنه كان معصومًا من الشيطان، ويأتيه الوحيُ من السماء (٣). وسنذكر طرفًا من خُطبه في ترجمته. ذكر ما فرضوا له قال ابن سعدٍ بإسناده عن عطاء بن السّائب قال: لما استُخلف أبو بكر أصبح غاديًا إلى السوق، وعلى رَقَبته أثوابٌ يَتَّجِرُ بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا: أين تُريدُ يا خليفةَ رسول الله؟ قال: السوق، قالا: تصنعُ ماذا وقد وَليتَ أمر المسلمين؟ قال: فمن

стр. 2005

أين أُطعِمُ عيالي؟ قالا له: انطلق حتى نَفرِضَ لك شيئًا، فانطلق معهما، ففَرضا له كلَّ يوم سطرَ شاةٍ، وماكسوه في الرأس والبطن. وقال ابن سعد بإسناده عن حُميد بن هلال قال: لما وَلي أبو بكر الخلافة قال أصحابُ رسول الله ﷺ : افرضوا لخليفة رسول الله ما يُغنيه، قالوا: نعم، بُرْداه إذا أَخلَقهما وضعهما وأخذ مثلَهما، وظَهْره إذا سافر، ونَفقته على أهله كما كان يُنفق قبل أن يُستخلفَ، فقال أبو بكر: رَضيتُ (١). وقال عُمَير بن إسحاق: خرج أبو بكر وعلى عاتقه عَباءة له، فقال له رجل: أَرني أكفِك، فقال: إليك عني، لا تَغُرّني أنت وابن الخطاب عن عيالي (٢). وقال ابن سعدٍ بإسناده عن عروة، عن عائشة قالت: لما وَلي أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حِرفَتي لم تكن لتَعْجزَ عن مؤونة عيالي أو أهلي، وقد شُغِلتُ بأمور المسلمين، وسأحترفُ للمسلمين في مالهم، وسيأكل آلُ أبي بكر من هذا المال (٣). ومعنى يحترف، أي: يَكتسب. وقال ابن سعد بإسناده عن عمرو بن مَيمون، [عن أبيه] قال: لما استُخلف أبو بكر رضوان الله عليه جعلوا له ألفين، فقال: زيدوني فإن لي عِيالًا، وقد شغلتُموني عن التِّجارة، فزادوه خمسَ مئةٍ (٤). قال ابن عمر: وكان منزل أبي بكرٍ بالسُّنْح، عند زوجته حبيبة بنت خارجة بن زيد ابن أبي زهير، من بني الحارث بن الخزرج، فأقام هناك ستة أشهر بعدما بُويع يغدو على رجليه إلى المدينة، ثم تحوَّل إلى المدينة. وكان رجلًا تاجرًا، فكان يغدو كلَّ يوم إلى السوقِ فيبيع ويبتاع. وكانت له قطعة من غَنَم تروح عليه، وربما خرج بنفسه فيها، وربما كُفيها فرُعيت له.

стр. 2006

وكان يَحلُب للحيِّ أغنامَهم، فلما بويع بالخلافة قالت جاريةٌ من الحيّ: الآن لا يَحلبُ لنا مَنائحنا، فسمعها أبو بكرٍ ﵁ فقال: بلى لَعَمري، لَأَحلُبنّها لكم، وإني لأرجو أن لا يُغيِّرني ما دخلتُ فيه عن خُلُقٍ كنتُ عليه، فكان يَحلُب لهم، وربما قال للجارية: أتُحبِّين أن أرغي لك أو أُصَرِّح؟ فربما قالت: أَرْغ، وربما قالت صَرِّح - والصَّريح: اللّبن إِذا ذهبت رَغْوَتُه (١). وذكر ابن قتيبة أن أبا بكرٍ كان يقول لهم: أَنْفُجُ أم أُلْبِد؟ فإن قالت: أَنْفِج؛ باعد الإناءَ من الضَّرع (٢)، والنَّفْجُ بجيم: الارتفاع - فأقام كذلك ستة أشهر بالسُّنح. ثم نزل المدينة، فأقام بها، ثم نظر في أمره فقال: لا والله ما يُصلِحُ أمرَ الناس التجارة، وما يَصلُح لهم إلا التَّفرُّغُ والنَّظرُ في شأنهم، ولا بدّ لعيالي مما يُصلحهم، فترك التّجارة، واستَنفق من مال المسلمين ما يُصلحه ويُصلحهم يومًا بيوم. قال: وكان الذي فرضوا له في كلّ سنة ستة آلاف درهم، فلما حضرته الوفاةُ قال: أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبتُ من أموالهم، فدفعها إلى عمر ﵄ (٣)، وسنذكره عند وفاته. ذكر أول ما بدأ به بعد البيعة أوَّلُ ما بدأ به بعد البيعة تجهيزُ أسامة بن زيد، وكان نازلًا بالجُرْف، وفيه ثلاثةُ آلاف من أعيان المهاجرين والأنصار، فاجتمع الأنصار إلى عمر بن الخطاب وقالوا: إن النفاق قد نَجَم، وارتدَّت العرب، ومالت اليهود والنصارى إلى منع الجزية، وجيش أسامة فيه أشرافُ الناس، فلو قلتَ لخليفة رسول الله ﷺ أن يَتربَّصَ به، فإنا نخاف أن يَتخطَّفَه الناس، فإن أبى إلا المُضِيّ؛ فسَلْه أن يُولِّي علينا رجلًا منا، أسنَّ من أسامة. فدخل عمر على أبي بكر، فكلَّمه في تأخير جيشِ أسامة، وقال له: هؤلاء جُلُّ

стр. 2007

العرب - على ما ترى - قد انتَقَضَتْ بك، وليس لك أن تُفرِّق جماعة المسلمين. فقال أبو بكر: والله لو تَخَطَّفني الطَّيرُ لأَنفذتُ جيشَ أسامة على ما أمر به رسول الله ﷺ ، ولو لم يَبقَ غيري لأَنفذتُه، قال: فإن الأنصار يسألونك أن تُوَلَّي عليهم رجلًا منهم أقدمَ سنًا من أسامة، فوثب أبو بكر، وأخذ بلحية عمر، وقال: ابن الخطاب، أيَستعملُه رسول الله ﷺ وأَنزعُه أنا؟ أتأمُرُني أن أَرُدَّ قضاءً قضى به رسول الله ﷺ ؟ فخرج عمر إلى الناس، وقال: ثَكِلتكُم أمُّكم، ماذا لَقيتُ بسببكم من خليفة رسول الله ﷺ . وخرج أبو بكر بنفسه حتى أتى جيش أسامة، فأَشخَصَهم، وشَيَّعهم ماشيًا، وأسامةُ راكبٌ، وعبد الرحمن بن عوف يقودُ دابَّةَ أبي بكر، فقال له أسامة: والله لترَكَبَنَّ أو لَأنزِلَنَّ، فقال أبو بكر: والله لا تَنزل ولا أركب، وما عليَّ أن أُغَبَّرَ قدميَّ في سبيل الله، فإن للغازي بكلَّ خُطوة يَخطوها سبع مئة حسنة، ويُمحى عنه سبع مئة سيئة. ثم أوصى الناس فقال: أُوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغدِروا، ولا تُمثّلوا، ولا تقتلوا طفلًا ولا شيخًا ولا امرأة، ولا تحرِقوا نَخْلًا ولا تَعقِروه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرةً، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيرًا إلا لمَأكَلَة، وسوف تَمرُّون بأقوامٍ قد فرَّغوا نفوسَهم في الصوامع، فدعوهم وما فَرَّغوا نفوسَهم له، وسوف تَلقَون أقوامًا قد فَحصوا أوساطَ رؤوسهم، وتركوا حولها مثل العصائب، فاخفِقوهم بالسيوف خَفْقًا، اندفعوا بسم الله. وسأل أبو بكر أسامة أن يَأذن لعمر بن الخطاب في المقام عنده، وقال: لا غِنى لي عنه، فأذن له، ثم قال أبو بكر لأسامة: ابدأ بما أمرك رسول الله ﷺ به من الغارة على بلاد قُضاعة، ثم ائْتِ مُؤتة، ولا تُقَصِّرَنَّ في شيءٍ أمرك به رسول الله ﷺ ، وأغر غارةً سِجالًا يتلاقى عليك جيوش الروم. فسار أسامة حتى انتهى إلى المكان الذي أمر به رسول الله ﷺ من بلاد قُضاعة والشام وفلسطين، حتى بلغ الدَّارُوم، وعاد سالمًا غانمًا لهلال جُمادى الأولى. وكانت غيبتُه أربعين يومًا، وقال عكرمة: غاب خمسين يومًا لأنه سافر في سادس عشر ربيع الأول، وعاد في خامس جمادى الأولى.

стр. 2008

ولما توجَّه أسامة جاء أبا بكر رضوان الله عليه خبرُ الأسودِ العَنْسي ومقتله، فكان أوّلَ فتحٍ أتاه. ولما جهَّز أبو بكر جيش أسامة وفدت عليه وفود العرب مُرتدّين، مُقرِّين بالصلاة مانعين الزكاة، فلم يَقبل ذلك منهم، ورَدَّهم، واستعدَّ لحربهم وجهادهم، وأقام على ذلك حتى قَدم جيشُ أسامة من الشام، فخرج إلى لقائه، وسُرَّ بسلامتهم، واستعان بهم على أهل الرِّدة. حديث الرِّدَّة لما تُوفي رسول الله ﷺ وقام أبو بكر ﵁؛ ارتدَّت العرب بعد خلافته بعشرة أيام، إلا أهل المسجِدَيْن وما بينهما، وأناسًا من الأعراب قليل، وفي رواية: والبحرين وثَقيف، فإنهم استشاروا عثمان بن أبي العاص الثقفي، وكان فيهم مُطاعًا، فقال: لا تكونوا آخر العرب إسلامًا وأوَّلَهم ارتدادًا، فنفعهم الله برأيه - ونَجم النِّفاق، والمسلمون كالغنم في الليلة المظلمة؛ لفقد نبيّهم، وقلَّتهم، وكثرةِ عدوِّهم، وخُلُوِّ المدينة من أبطال المسلمين، ووجوه الناس في جيش أسامة. وكان الأسود العَنْسي قد غَلَب على صَنْعاء ونَجْران والطائف، واستعجل أمره مسيلمة الكذّاب وطُلَيحة بن خويلد، وارتدَّت غَطَفان وطَيّئ، واجتمع إليهم مَن كان على مثل رأيهم. وقال ابن إسحاق: أول ردَّةٍ كانت في العرب مُسَيلِمة باليمامة في بني حنيفة، والأسود بن كعب العَنْسي باليمن في حياة رسول الله ﷺ ، وخرج طُليحة الأَسَدي في بني أَسَد، وادَّعى النُّبوَّة، وسجع لهم (١)، وكان فيما يقول: إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم، ولا فتح أدباركم شيئًا، فاذكروا الله أَعِفَّةً قيامًا (٢). وقال أبو هريرة: لما توفي رسول الله ﷺ ، واستُخلف من بعده أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تُقاتل الناس وقد قال رسول الله

стр. 2009

ﷺ : "أُمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصموا مني دماءهم وأموالَهم إلا بحقِّهم، وحسابُهم على الله"؟ فقال أبو بكر: والله لأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عَناقًا أو عِقالًا كانوا يُؤدُّونها - أو يُؤدُّونه - إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على ذلك. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيتُ أن الله قد شرح صدرَ أبي بكر للقتال، فعرفتُ أنه الحق، أخرجاه في الصحيحين (١). وقد وافق أبا بكر بعد ذلك جميعُ الصحابة، وصَوَّبوا رأيه، فقال أبو رجاء العُطارِدي: دخلتُ المدينة، فرأيتُ الناس مجتمعين في المسجد، ورأيتُ رجلًا يُقبَّل رأس رجل وهو يقول: نحن فداؤك، لولا أنت هَلَكنا، فقلت: فمَن المقبِّل والمقبَّل؟ قالوا: ذلك عمر بن الخطاب يُقبِّل رأس أبي بكر في قتال أهل الردَّة إذ منعوا الزكاة حتى أَتَوا بها صاغرين (٢). وأقام أبو بكر رضوان الله عليه بالمدينة يَحترس مدَّة غيبة جيش أسامة، وأقام جماعة على أنقاب المدينة، منهم علي وطلحة والزبير وابن مسعود. وقدمت عبس وذبيان، فنزل بعضهم بذي القَصَّة وبعضهم بالأَبْرَق، ودخل رؤساؤهم على أبي بكر، فكلَّموه وقالوا: نُصلِّي ولا نُزكّي، فقال: لا والله، فخرجوا من عنده، وعَزموا على الفَتْك به وبأهل المدينة، وكَمنوا لهم كَمينًا بذي حُسى. وجاؤوا إلى المدينة، فخرج إليهم أبو بكر والمسلمون على النَّواضِح، وعلى مَيمنة أبي بكر النّعمان بن مُقَرِّن، وعلى مَيسرته عبد الله بن مُقَرّن، وعلى السَّاقة سُويد بن مُقَرِّن. واختلفوا في أسامة هل كان قدم عند هذه الحادثة؟ قال قوم: لم يكن قَدم، وقال آخرون: قدم، ولكن أمره أبو بكر أن يستريح في جنده. ثم التَقَوا، فانهزم القوم، وتبعهم المسلمون إلى ذي حُسى، فخرج عليهم الكمين

стр. 2010

وقد نفخوا زِقاقًا (١)، وشَدُّوا الحبال فيها، ودَهْدَهوها في وجوه النَّواضح التي عليها المسلمون، فنَفرت بهم إلى المدينة لا تلوي على شيء، فظنَّ الكفار أنهم قد ظهروا عليهم، فأرسلوا إلى من بذي القَصَّة من أصحابهم، فاجتمعوا وقصدوا المدينة، فخرج إليهم أبو بكر ماشيًا، ومعه المسلمون مُشاةً، وجعل على ميمنته عليًّا رضوان الله عليه، وبني مقرن على ميسرته وساقته، وحملوا على القوم حملةَ رجل واحد، فانهزموا، فما ذَرَّ قَرْنُ الشمس حتى وَلَّوْا، وغنم المسلمون ظهرَهم وأموالَهم. وبلغ أبو بكر إلى ذي القَصَّة، وعزم على أن يُعسكر هناك، فناشده المسلمون الله لا يفعل خوفًا على المدينة، فرجع وقد استراح جيشُ أسامة، فأقام ثلاثة أيام، ثم خرج بالمسلمين إلى ذي القَصّة فأقام ومعه جيش أسامة، فعقد بها الألوية، وكانت أحدَ عشر لواءً. فأوَّلُ لواءٍ عَقَده لخالد بن الوليد، وأمره أن يَسير إلى طُليحة بن خويلد، فإذا فرغ منه سار إلى مالك بن نُوَيْرَة بالبُطاح. قال وَحشيّ بن حَرْب: إن أبا بكر عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة، وقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "نِعم عبدُ الله وأخو العشيرة خالد بنُ الوليد، وسيفٌ من سيوف الله سَلَّه الله على الكفار والمنافقين" (٢). ثم عقد لواءً لعكرمة بن أبي جهل، وأمره أن يسير إلى مُسيلمة، وعقد لخالد بن سعيد بن العاص وأمره أن يسير إلى مشارف الشام إلى من اجتمع به، وعقد لعمرو بن العاص إلى قُضاعة ومن انضمَّ إليها، وعقد للمهاجر بن أبي أميَّة، وأمره بالمسير إلى اليمن، ومعونة الأبناء على جند الأسود العنسي، ثم يَتوجَّه بحضر موت (٣) إلى كِندة، وعقد لحُذَيفة بن مِحْصَن الغَلْفَانيّ (٤)، وأمره بأهل دَبا، وعقد لعَرْفَجة بن هَرْثمة وأمره

стр. 2011

بمُهْرة، وعقد لشُرحْبيل بن حسنة وأمره بالمسير إلى عكرمة بن أبي جهل مَدَدًا له، وعقد لطُرَيْفة بن حاجز وأمره ببني سليم، وعقد لسُويد بن مُقرّن وأمره بتِهامة، وعقد للعلاء بن الحَضْرميّ وأمره بالمسير إلى البحرين. فبينا أبو بكر يَعقد الألويةَ قَدم عليه عَديُّ بن حاتم والزِّبرِقان بنُ بدر، وكان رسول الله ﷺ قد بعث عديَّ بن حاتم على صدقات طيّئ، والزِّبرقان بن بدر على صدقات بني سعد، وطُليحة بن خُوَيلد على صدقات بني أسد، وعُيَينة بن حِصن على صدقات بني فَزارة، ومالك بن نُويرة على صدقات بني يربوع، والفُجاءة على صدقات بني سُلَيم، فلما بلغهم وفاةُ رسول الله ﷺ وعندهم أموال كثيرة رَدُّوها على أهلها، إلا عدي بن حاتم والزبرقان بن بدر فإنهما تمسَّكا بها ودفعا عنها الناس، حتى أدَّياها إلى أبي بكر، فتَقَوَّى بها على قتال أهل الرّدة، فلم يزل لعديّ والزبرقان بذلك شرفٌ على قومهما ومَن سواهما من أهل نَجد، قال الحارث بن مالك الطّائي: [من الطويل] وَفَينا وفاءً لم ير الناسُ مثلَه … وسَرْبَلَنا مَجدًا عديُّ بن حاتمِ (١) وكان من حديث الزّبرقان أن بني سعد اجتمعوا إليه، فسألوه أن يَردَّ عليهم أموالَهم، وأن يَصنعَ بهم ما صنع مالك بقومه، فأبى، وقال: لا تَعجلوا، فإنه والله لَيَقومَنَّ قائمٌ بهذا الأمر بعد رسول الله ﷺ ، فإن كان ذلك القائم قاصرٌ ولم تُبدِّلوا دينكم، ولم تُفرّقوا، وإن كانت التي تَظنّون فهذه أموالكم في أيديكم، لا يغلبكم عليها أحد، فسكتوا، فلما جاءهم اجتماعُ الناس على أبي بكر خرج بها وقد تفرَّق القومُ عنه ليلًا، ومعه الرجال يَطردونها فما علموا به، حتى أتاهم أنه قد أدّاها إلى أبي بكر رضوان الله عليه، فكانت هذه الإبل التي قدم بها الزّبرقان وعديّ أوَّلَ إبلٍ وافت أبا بكر من إبل الصدقة، بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وقال الزّبرقان أبياتًا منها: [من الطويل] لقد علمتْ أفناءُ سعدٍ بأنني … وَفيتُ إذا ما فارس الغَدْر أحجما سَرَيتُ بها ليلًا من اهلي فأصبحتْ … تَدوس بأيديها الحصادَ المحرَّما ولن يَخبروني حين أُسألُ نائلًا … بخيلًا ولا في النّائبات مُلَوَّما

стр. 2012

وفيتُ يمينًا للرَّسول وعهدِه … ولم أَرتَقبْ فيها ابنَ عمًّ ولا ابْنَما (١) وقال ابن إسحاق: وكان من حديث عديّ أنه لما أسلم أَمّره رسول الله ﷺ على صدقات قومه، وذكر بمعنى ما ذكرنا، قال واجتمع إليه قومُه، وقد اجتمعت عنده إبلُ عطية، فقالوا له: هذا الرجل قد مات، وقد ارتدّ جيرانُنا من بني أسد وغيرهم، وقد انتَقض الناسُ بعده، وقَبض كلُّ قومٍ صدقاتهم، فنحن أحقُّ بأموالنا من غيرنا، فقال: ألم تُعطوا من نفوسكم العهودَ والمواثيقَ على الوفاء طائعين غير مكرهين؟ قالوا: بلى، ولكن قد حدث ما ترى، وما قد صنع الناس، فقال: كلا والذي نَفْسُ عديًّ بيده، لا أحبس بها أحدًا، ولو كنتُ جعلتُها لرجل من الزَّنج لوفيتُ له بها، ولئن أَبيتُم لأُقاتلَنّكم، يعني على ما في يده وما في أيديكم، فأكون أوّلَ قتيل يُقتل على وفاء ذِمَّتي، فلا تطمعوا أن يُسبَّ حاتم في قبره بجريرة عديًّ ابنِه، وذكر كلامًا طويلًا، فلما رأوا الجدَّ منه كَفُّوا عنه، ثم قَدم بها على أبي بكر رضوان الله عليه، وقال عدي: [من الطويل] وَفيتُ بعهدي أن أُسبَّ به غدًا … وطهَّرَ أثوابي الوفاءُ على خُبْرِ ولما رَأَوا قومي دمي دون ذِمَّتي … تَفرَّقَ بالقوم السَّبيلُ إلى الغَدْرِ فأدَّيتُها بعد النبيِّ بعهده … إلى مَن تولّى بعده عُقدةَ الأمرِ فوافت أبا بكر معًا بفِصالها … فسَرَّت أبا حفصٍ وسَرَّت أبا بكرِ وذَبَّيتُ عنها أن تُضام حَميَّتي … وقلت كصدر السيف يهتزُّ في صدري فشرَّفْتُ في الإسلام بيت أبي الذي … بناه أبي في الجاهلية للفَخْرِ قال الواقدي: ثم أمر أبو بكر ﵁ عدي بن حاتم أن يتقدم إلى قومه طيّئ، وقال: أدرِكْهم لا يُؤكلوا، خوفًا عليهم من جموع طُليحة، وخرج خالد في إثر عديّ، وعاد أبو بكر إلى المدينة. وأما عديّ فإنه قَدم على قومه وقد ارتدُّوا، فقال: يا قوم، ارجعوا إلى الإسلام فأَبَوا، فقال: قد أتاكم من يَسبي حريمَكم، ويَستبيحُ دماءكم وأموالكم، فقالوا: قد

стр. 2013

لحق منا قومٌ بطُليحة وهو ببُزاخَة، فَنَهْنِهْ عنا الجيش لنُرسلَ إليهم فيأتونا، فإنا إن خالَفْنا طُليحة وهم في يده قتلهم، فعاد عديّ إلى خالد وهو بالسُّنْح فقال له: أمسك عنا ثلاثًا أجمع لك خمس مئة مقاتل تَضربُ بهم عدوَّك، خيرٌ من أن تُعجِلَهم إلى النار، فأقام خالد، وعاد عديٌّ إلى قومه، وقد عاد من كان ببُزاخة من طيّئ باعتبار الاستعداد لخالد، وتوجه خالد إلى الأنسُر يريد جَدِيلة، فقال له عدي: إن جَدِيلة أحدُ جناحَيْ طيّئ، فأجِّلني أيامًا لعل الله أن يأتي بجَدِيلة كما أتى بطيّئ، فأقام خالد، وأتى عديّ جَدِيلة، فلم يزل يُخوِّفُهم حتى أجابوا، فقدم عديّ على خالد منهم بألف فارس مسلمين، فكان عدي بن حاتم خيرَ مولودٍ وُلد في طيّئ وأعظمَهم بَرَكة. وقال طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵁: كان أبو بكر يأمر أُمراءَه حين كان يَبعثهم في الرّدة: إذا غشيتُم دارًا فإن سمعتم بها أذانًا للصلاة فكُفُّوا حتى تسألوهم [ما الذي نقموا]، وإن لم تسمعوا أذانا فشُنّوا الغارة، وحَرّقوا، وانهكوا في القتل والجراح، لا يَرُدَّنَّكم وَهَنٌ لموت نبيكم ﷺ (١). وقال عروة بن الزبير: لما وَجَّه أبو بكر- ﵁ خالد بنَ الوليد إلى أهل الردّة قال له: إني لاقيك ببقية الناس من ناحية خيبر، وما يريد أبو بكر ذلك، قد كان أَوعَب خالدًا بمن عنده، وإنما أراد بذلك المكيدة، وأن يبلغ الناس، وخرج معه إلى ذي القَصّة، فنزل بها وهي على بريد من المدينة، فعبّأ جيوشَه، وعهد ليلة عهده، وأمَّر على الأنصار ثابت بن قيس بن الشمّاس، وأمرُه راجع إلى خالد، وخالد على المهاجرين وقبائل العرب، وأمَره أن يَصمُد إلى طُليحة بن خُويلد الأَسَدي، فإذا فرغ منه صَمَد إلى بني تميم حتى يَفرغ، وأسرَّ ذلك إليه. قال الواقدي: ثم إن أبا بكر ﵁ كتب كتابًا إلى أهل الردة مع أمرائه، نُسختُه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ ، سلامٌ على مَن اتّبع الهُدى، ولم يَرجع إلى الضلالة والعمى، وذكر مَبعث النبي ﷺ ووفاته، ثم حَذَّرهم وأنذرهم، وقال: وقد بعثت إليكم جيوشًا من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم

стр. 2014

بإحسان، وأمرتُهم أن لا يُقاتلوا أحدًا حتى يَدعونَه إلى داعية الله، فمن استجاب لهم وآمن وعمل صالحًا قَبلوا منه ذلك، ومن أبى قاتلوه وقتلوه أشرّ قِتْلة، وسَبَوا النّساء والذّراري، وعلى الله توكَّلتُ، وإليه أُنيب، والسلام، ثم أمر القوم بالمسير إلى الأماكن التي عيّنها لهم، فساروا. وقعة بُزاخَة وهروب طُليحة إلى الشام كان خروج طُليحة بعد مُسيلِمَة والأسود، ادَّعى النبوة، ونزل سَمِيراء، وقَوي أمرُه، فكتب سنان بن أبي سنان إلى النبي ﷺ يُخبره بأمره، وقال: الذي يأتيني يُقال له: ذو النون، وكتب إلى رسول الله ﷺ يدعوه إلى الموادعة، فردّ رسولَه خائبًا، ومن سَجعه: والحمام واليَمام، والصُّرَد الصَّوَّام، ليُفتَحنّ علينا العراقُ والشام. والتقى خالد وطُليحة في يوم بُزاخَة على ماء من مياه بني أسد يقال له: قَطَن، على بريد من المدينة، وقيل هي من أرض نجد، ولما قَرُب خالد من بُزاخَة أرسل ثابتَ بن أَقرم وعُكَّاشة بن محصن (١) طليعةَ الجيش، فساروا بين يديه، وكان طُليحةُ وأخوه سلمة قد خرجا من العسكر يَتحسَّسَان الأخبار، فلقياهما، فقتل طُليحة عُكَّاشة، وسلمةُ ثابتًا، وعاد طُليحة وأخوه إلى عسكرهما، وأقبل خالد بالناس فوجدهما مَقتولين، فشقَّ عليه وعلى الناس، وجَزِعوا جَزعًا شديدًا، ولما نظر المسلمون إليهما مقتولَيْن ثَقُلوا على المطيِّ، حتى ما تكاد المطيُّ ترفع أخفافها، ثم أمر بهما خالد فدُفنا بدمائهما، وأخبر طُليحةُ عيينةَ بن حصن بقتل ثابت وعُكّاشة ففرح، وقال: هذا أولُ الفتح، ثم صبَّحهم خالد على بُزاخة، والتقوا فاقتتلوا قتالًا شديدًا. وكان عيينة مع طليحة في سبع مئة فارس من بني فَزارة، وطليحة في أربعة آلاف، ومعه قُرَّة بن هُبَيرة في جَمعٍ عظيم، فنزل طُليحة فتزمَّل في كساء له بفِناء بيتٍ من شَعَر، بيتًا لهم يزعم أنه يُوحى إليه، فقاتل عُيينة حتى هَدَّته الحربُ وأضرستْه، فجاء إلى طُليحة وقال: أتاك جبريل بعد؟ قال: لا، أنا في انتظاره، فعل ذلك ثلاثًا، فلما كان في الرابعة قال: جاء جبريل بعد؟ قال: نعم، قال: فما الذي قال لك؟ قال: قال لي: إن لك رَحًا

стр. 2015

كرَحاه، وحديثًا لا تَنْساه، فصاح عُيينة: يا بني فَزارة، انصرفوا عنه فإنه والله كذّاب. وقال له الأقرع: أظنُّ أنه قد علم الله أنه سيكون لك حديثٌ لا تنساه، هذا والله يا بني فَزارة كذّاب، فانطلقوا لشأنكم. فَفَرُّوا عنه، وبقي طُليحة في أصحابه، وكان قد أعدَّ عنده فرسًا، وهيّأ لامرأته النّوار بَعيرًا، فركب الفرس، وحمل امرأته على البعير، وسلك الحُوشِيَّة حتى لحق بالشام، ولما سار إلى الشام هاربًا عطش هو وأصحابُه في الطريق، فقالوا: يا أبا عامر ما بقي من كَهانتك؟ فقال لرجل منهم يقال له مخراق: اركب فرسًا رِئبالًا، ثم سر عليه إقبالًا، فإنك ترى فارات طوالًا، فإنك تجد عندها ماءً زلالًا، وكان يعرف تلك الأماكن، فمضى مخراق إلى الفارات، فوجد عندها عينًا، فشربوا منها وسقوا. ونزل طليحة على كلب على النقع، وهو اسم مكان بالشام، ثم أسلم، وحضر فتح نهاوند، وقُتل شهيدًا، وأَسرَ خالد عيينةَ بنَ حصن وقُرَّة بنَ هُبيرة، وبعث بهما إلى أبي بكر ﵁ موثقَيْن، فلما دخلا عليه قال له قُرَّة: يا خليفة رسول الله، إني كنت مسلمًا، وقد مرَّ بي عمرو بن العاص فأعطيتُه الصدقة، فأرسل أبو بكر إلى عمرو، فشهد بذلك، فتجاوز عنه، وحقن دمَه، ولما دخلوا بعُيَيْنة المدينة، مغلولة يده إلى عنقه، جعل صبيان المدينة يضربونه بالجريد، ويقولون: يا عدوَّ الله، أكفرت بالله؟ وهو يقول: والله ما كنت مسلمًا قط، فتجاوز أبو بكر عنه، وحقن دمه. وكرَّ خالد على بني عامر، وكانوا قد اعتزلوا ناحيةً ينظرون لمن الدَّبَرة، فهزمهم خالد، وأخذ أموالهم، وقتلهم، وقتل بني فَزارة. وقال الهيثم: لما رأى بنو عامر ما جرى على طُليحة، جاؤوا إلى خالد وأسلموا. قصة سَلمى بنت مالك بن حذيفة وأمّها أمُّ قِرْفَة بنت حذيفة (١)، وكانت سَلمى سُبيت في السنة السادسة، فوقعت لعائشة، فأعتقتها. قال هشام: فدخل رسول الله ﷺ على عائشة وهي عندها فقال: "إن إحداكنّ

стр. 2016

لتَسْتَنْبِحُ كلابَ الحَوْأب"، ففعلت ذلك سلمى حين ارتدَّت، وقاتلت خالدًا (١). وقيل: إن سلمى وقعت في سهم سَلَمةَ بن الأكْوع لما قتل زيدُ بنُ حارثة أمَّها [أمّ] قِرْفة بوادي القُرى. وعامّةُ أرباب السير على أن الذي نبحَتْها كلابُ الحَوْأب عائشة، والحَوْأب: بناءٌ في طريق البصرة. قال ابن الكلبي: ولما هزم خالد طُليحةَ وعُيينةَ اجتمع فُلّال غطفان إلى سلمى، فأرفَدَتْهم، وكانت مُقيمةً على ظَفَر، وقَوَّتْهم بالسلاح والكراع والرجال، فصارت في جمع عظيم من أسد وغطفان وهوازن وسليم وبعض طيّئ واستفحلَ أمرُها، فسار إليهم خالد بجيوشه، والتَقَوا وهي راكبةٌ بينهم جَملَ أمِّها أمِّ قِرْفَة، وكان جملًا عظيمًا، وهي في مثل عِزِّ أمِّها، فقال خالد: مَن يَعقِرُ جملَها وله مئةُ بعير؟ فلم يُقدم عليه أحد، فحمل خالد والمسلمون فعَقروا جملَها، وقتلوها بعد أن قُتل حولها مئةُ فارس، ثم قَدم فَلُّهم على أبي بكر رضوان الله عليه. ذكر قدومهم عليه ولجأ وفدُ بُزاخة من أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألونه الصُّلح، فخيَّرهم بين الحرب المُجْلِيَة، والسِّلْم المُخْزِية، فقالوا: هذه المجلية قد عرفناها فما المخزية؟ فقال: ننزعُ منكم الحلقة والسلاح والكُراع، ونَغنم ما أَصبْنَا منكم، وتَردُّون علينا ما أصبتُم منا، وتَدُون لنا قتلانا، ويكون قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، وتتبعون أذناب الإبل. فقام عمر بن الخطاب وقال: قد رأيتُ رأيًا، وسنشير عليك، أما ما ذكرت من الحرب المجلية والسِّلم المخزية، وأنا نَغنم ما أصبنا منهم ويَردُّون علينا ما أصابوا منا فنِعم ما قُلتَ، وأما ما ذكرتَ من أنهم يَدُون قتلانا، فقتلانا قاتلوا على أمر الله، ولتكون كلمةُ الله هي العُليا، فقتلوا، فأجورهم على الله، فليس لهم دِيات، فأعجب الناسَ ما قال عمر، وتبايعوا عليه (٢).

стр. 2017

قال قتادة: فكنا نتحدَّث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابِه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (١) الآية [المائدة: ٥٤]. قصة البطاح ومقتل مالك بن نُوَيْرة لما فرغ خالد من أسد وغطفان ومَن وافقهم ورد البُطاح، فوجد مالك بن نُويرة قد فرَّقهم في أموالهم، ونهاهم عن الاجتماع، وقال: يا بني يربوع، قد دعانا أمراؤنا إلى دين محمد فخالفْناهم، فلم نُفلِح ولم نُنْجِح، وإني نظرتُ في أمر هؤلاء القوم، فوجدتُه يتأتَّى لهم بغير سياسة، فإياكم ومناوأةَ قوم صُنع لهم أمرُهم، فتفرَّقوا إلى دياركم، وادخلوا في هذا الدّين، فتفرَّق الناسُ على ذلك، وعاد مالك، فنزل موضعه. وقدم خالد البُطاح، فبثَّ السرايا، وكان خالد لا يُغير حتى يَقرب الصُّبحُ، فإن سمع أذانًا كف، وإلا أغار، فأتوه بمالك بن نويرة في نفر من قومه بني يَربوع، فسأل عنهم خالد هل أَذَّنوا؟ فقال أبو قتادة الأنصاري وكان معهم: نعم قد أَذَّنوا وسمعتُهم، وسكت البعض، فحبسهم خالد، وكانت ليلةً قَرَّة، لا يقوم لبردها شيء، فلما كان في بعض الليل نادى منادي خالد: أَدْفِئوا أَسراكم، وكان في لغة كنانة إذا قال الرجل: أَدفئوا الرجل فإنه يكون من الدِّفء، وفي لغة هُذَيل معناه القَتلُ (٢)، وسمع خالد الواعية، فخرج وقد فرغوا منهم، فقال خالد: إذا أراد الله أمرًا أصابه، فقال له أبو قتادة الأنصاري: هذا رأيُك وعملُك. وقال عروة بن الزبير: لما فرغ خالد من يوم بُزاخة وانهزم طُليحة أعلن خالد أنه سائر إلى أرض بني تميم، فانخزلت عنه الأنصار وقالوا: ما عهد إلينا أبو بكر في ذلك، فقال خالد: بلى قد عهد إليّ، ولستُ بالذي أَستكرهكم، أنا أسير بمن معي من المهاجرين وقبائل العرب، فسار مَنْقَلَةً أو مَنقلَتين، فندمت الأنصار، وقال بعضهم

стр. 2018

لبعض: والله لئن أصاب القومُ فتحًا إنه لخيرٌ حُرِمتُموه، ولئن أصاب نكبةً ليقال: خذلتموه وأسلمتموه، فبعثوا إلى خالد أن انتظِرْ حتى نأتيك، فتوقّف خالد حتى لحقوا به، ثم مضى فنزل البُطاح من أرض تميم، فبثَّ السرايا، ولم يَلْقَ بها جَمْعًا، فأصاب مالك بنَ نويرة وأصحابَه فقتلهم. وقال الواقدي: لما أراد خالد قتلَ مالك قال له أبو قتادة: ناشدتُك الله لا تَقتلْه، فوالله لقد سمعتُهم يُؤذِّنون، ورأيتُهم يصلُّون، وإن الرجلَ مسلمٌ، ودمُه حرام، فلم يلتفت خالد إليه، وزبره، فغضب أبو قتادة، وقال: والله لا كنتُ في جيشٍ أنت فيه أبدًا، ثم لحق بأبي بكر، فأخبره الخبر، وقال: لم يَقبل قولي وقبل قولَ الأعراب الذين قَصدُهم النَّهبُ والسَّبيُ، ولم يعد إليه (١)، ويقال: إن أبا بكر أمره أن يرجع إلى جيش خالد، فما رجع، ويقال: إنه رجع حتى قدم مع خالد المدينة، وشهد عليه بما شهد، وقد ادَّعى خالد أن مالكًا راجعه بكلام فيه غلظ، لأن خالدًا لما أراد قتلَه قال: إن صاحبَكم أمر أن لا يُقتل مسلم، وأنه لا يُغار على حيًّ إذا سُمع منه الأذان، فقال له خالد: أي عدو الله، وما تَعدُّه لك صاحبًا؟ فقتله، وقتل أصحابه، والذي قتل مالكًا ضرار بنُ الأزور. وفي رواية: لما أراد خالد قتل مالك جاءت امرأتُه أمُّ تميم بنت المنهال، وكانت من أجمل النساء، فألقت نفسها عليه وقد كشفت وجهها، فقال: إليك عنّي، فقد قتلتيني، يشير إلى أن خالدًا لما رآها أعجبَتْه، فقتله ليأخُذَها. ورُوي عن بعض مَن حضر هذه السريّة قال: رُعنا القومَ تحت الليل، فرِيعت المرأةُ، فخرجت عريانة، فوالله لقد عرفنا حين رأيناها أنه سيُقتَل عنها صاحبُها. ولما قُتل مالك تزوّج خالد امرأتَه، فكتب إليه أبو بكر ﵁ بالقُدوم عليه، ولما بلغ عمر بنَ الخطاب خبرُ خالد، وقتلُه مالكًا، وأخذُه لامرأته قال: أي عباد الله، قتل عدوُّ الله امرءًا مسلمًا، ثم وثب على امرأته، والله لنرجُمنّه بالحجارة، فلما قدم خالد

стр. 2019

المدينة دخل المسجدَ وعليه ثيابُه عليها صَدأُ الحديد، مُعتَجِرًا بعمامةٍ قد غرز فيها ثلاثة أسهم فيها أَثَرُ الدّم، فوثب إليه عمر، فأخذ الأسهُم من رأسه فحطمها، وقال: يا عدو الله، عدوتَ على امرئ مسلمٍ فقتلته، ثم نزوتَ على امرأته، والله لنَرجُمنّك بأحجارك، وخالد لا يَرجع عليه بلا ولا نعم، وهو يظنُّ أن رأيَ أبي بكر فيه كرأي عمر، فدخل خالد على أبي بكر وعمر في المسجد، فذكر لأبي بكر عُذرَه ببعض الذي ذكر له، فتجاوز عنه، ورأى أنها الحرب وفيها ما فيها، فرضي عنه، فخرج خالد من عنده وعمر في المسجد، فقال له خالد: هَلمَّ يا ابن حَنْتَمَة (١) إليّ، يريد أن يُشاتِمَه، فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه، فقام فدخل بيته. وقال الواقدي: لما دخل خالد المسجد قام إليه عمر وقال: يا عدو الله فعلتَ وفعلت، وقال لأبي بكر: عليك أن تَعزلَه، وتَستقيدَ منه لمالك، فإن في سيفه رَهَقًا، أي: غِشيانًا، وكان خالد يظنُّ أن الذي قال له عمر عن أبي بكر، فأخذ يَحلف ويعتذر، وعمر يُحرّض أبا بكر عليه، ويقول له: أَقِد أولياءَ مالك منه، فقد قتله ونزا على امرأته، ودخل مسجد رسول الله ومعه أَسهمٌ فيها دَم، وحضر مُتَمِّم أخو مالك، وطلب القَوَد من خالد، فقال له أبو بكر: هيه يا عمر، ارفع لسانك عنه، فما هو بأوَّل من أخطأ، فقال: أَقِد أولياءَ مالك منه، فقد وجب عليك ذلك، فقال أبو بكر: لا أشِيم سيفًا سلّه الله على الكفار أبدًا، وودى مالكًا، وأمر خالدًا بطلاق امرأته بعد أن عَنَّفه على تزويجه إياها. وقال أبو رياش: دخل خالد المدينة ومعه ليلى بنت سنان زوجة مالك، فقام عمر، فدخل على عليّ فقال: إن من حقِّ الله أن يُقاد من هذا لمالك، قتله وكان مُسلمًا، ونزا على امرأته مثل ما ينزو الحمار، ثم قاما فدخلا على سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله فتبايعوا على ذلك، ودخلوا على أبي بكر، وقالوا: لا بُدّ من ذلك، فقال أبو بكر: لا أَغمِدُ سيفًا سلّه الله تعالى.

стр. 2020

حديث أبي شَجَرة الرُّهاوِيّ (١) كان فيمن قاتل خالدًا يوم البُطاح أبو شجرة بن عبد العزّى السُّلَمي، أحدُ بني الشَّريد، وقال من أبيات: [من الطويل] سَلِ النّاسَ عنّا كلَّ يومِ كَريهةٍ … إذا ما التَقَيْنا دارعين وحُسَّرا ألسنا نُعاطي المُهْرَ منّا لِجامَه … ونَطعنُ في الهيجا إذا الرُّمحُ قَصّرا فروَّيتُ رُمْحي من كتيبةِ خالدٍ … وإني لأرجو بعدها أن أُعَمَّرا (٢) فلما قام عمر جلس يومًا يَقسِم الصدقات، فجاء رجل راكبٌ على ناقةٍ، فنزل فأناخها، وجاء إليه فقال: يا أمير المؤمنين أعطني، فقال: مَن أنت؟ فقال: أنا أبو شجرة الرُّهاوي، فقال: يا عدوَّ الله، فروَّيتُ رمحي من كتيبة خالدٍ؟ ثم قام عمر وضربه بالدِّرَّة، فانهزم. قصّة اليَمامة ومقتل مُسيلمة كان أبو بكر رضوان الله عليه قد بعث عكرمه بن أبي جهل إلى اليمامة نحو مُسيلمة، وأَتبعه شُرحبيل بن حسنة، فعجل عكرمة، فبادر نحو مسيلمة ليذهبَ بصِيتها وصوتها، فواقع بني حَنْيفة، فنكبوه وقتلوا بعضَ أصحابه، وبلغ شُرَحبيل فتوقَّفَ، وكتب عكرمة إلى أبي بكر يُخبره ويَستمدُّه، فكتب إليه أبو بكر: يا ابن أمِّ عكرمة لا أَراك ولا تَراني، ثم صرفه إلى وجه آخر، وكتب إلى شُرحبيل بن حسنة: أقِمْ مكانَك حتى يأتيكَ خالد. ثم كتب إلى خالد أن سِرْ إلى اليمامة، وبعث معه المهاجرين وعليهم أبو حُذيفة، والأنصار وعليهم ثابت بن قيس بن شَمّاس، والقبائل وعلى كل قبيلة رجلٌ، وسار حتى نزل اليمامة، فوجد شُرحبيل قد عَجِل، وفعل كما فعل عكرمة، فنُكب وقُتل جماعةٌ من

стр. 2021

أصحابه، فلامَه خالد على ذلك وعلى عجلتِه. وكان مسيلمة نازلاً بمكان يُقال له عَقرباء في أربعين ألف مقاتل، فخرج مُجَّاعة بن مُرارة الحنفيّ في سريّة، وطلب ثأرًا له فى بني عامر، وكان قد غلبه الكَرى، فنزل هو وأصحابه فعَرَّسوا، وكانوا ثلاثة وعشرين فارسًا، فمرَّت بهم خيل لخالد وهم نيام، فأخذوهم وأوثقوهم، وكانوا قد أخذوا خولة بنت جعفر العامريّة وهي معهم، فخَلَّصوها، وأتوا بهم خالدًا فقال: ما تقولون؟ فقالوا: منّا نبيٌّ ومنكم نبيّ، فأمر خالد بقتلهم، فقال له ساريةُ بنُ عامر رجلٌ منهم: يا خالد إن كنتَ تُريد غدًا بأهل اليمامة خيرًا أو شرًا فاستبْقِ مُجَّاعة ولا تَقتُلْه، فأوثقه بالحديد، وسلَّمه إلى زوجته أمِّ تميم، وقال: استوصي به خيرًا. وقيل: إنما نزل خالد بعقرباء، وهي ماء أو منزل في طريق اليمامة، ثم صفّ خالد عسكَرَه، وجعل على الميمنة زيد بنَ الخطاب، وعلى الميسرة أبا حُذيفة، وعلى المقدِّمة شُرَحبيل بن حسنة، وراية المسلمين مع سالم مولى أبي حذيفة، وصفَّ مسيلمة عسكَرَه، فجعل على ميمنته مُحَكَّم اليمامة وهو مُحَكَّم بن الطُّفيَل، وجعل على ميسرته الرَّجَّال بن عُنْفُوة الذي شهد لمُسيلمة أن النبي ﷺ أشركه في الأمر، وكان وزيرَ مسيلمة وصاحب أمره، وكان أبو بكر قد بعث الرَّجَّال إلى أهل اليمامة؛ وهو يظنُّ أنه على الصدق فخانه. قال أبو هريرة: كنتُ جالسًا إلى رسول الله ﷺ في رَهْطٍ، ومعنا الرجَّال بن عُنْفُوة، فقال رسول الله ﷺ : "إن فيكم لرجلاً ضرسُه في النار مثل أحد" (١). فهلك القوم، وبقيتُ أنا والرَّجَّال، فكنتُ متخوِّفًا منها حتى خرج الرجَّال مع مسيلمة، فشهد له بالنبوَّة، فكانت فتنةُ الرَّجَّال أعظمَ من فتنة مسيلمة، ثم التقى الناس. قال الواقدي: وكان زيد بن الخطاب حاملَ راية المسلمين، فانكشف المسلمون، وغلبت بنو حنيفة على الرجَّال، فجعل زيد يشد بالراية ويقول: أما الرجَّال فلا رجَّال، وجعل يصيح بأعلى صوته: اللهمَّ إنني أبرأُ إليك مما جاء به مسيلمة، وأعتذر إليك من

стр. 2022

فِرار أصحابي، وجعل يعدو بالراية في نحر العدو، ويضرب بسيفه حتى وقع قتيلًا. فأخذ الرايةَ سالم مولى أبي حُذيفة، فقال المسلمون لسالم مولى أبي حذيفة: رايةُ المسلمين بيدك، فانظر كيف تكون، فإنا نَخشى أن نُؤتى من قِبَلك، فقال: بئس حاملُ القرآن أنا إن أُتيتم من قبلي. ثم حمل مسيلمة وأصحابُه، فلم يَثبت لهم المسلمون، وجالوا جولة، حتى دخل جماعةٌ من بني حَنيفة فُسطاط خالد، وكان مُجَّاعة أسيرًا عند امرأته، فألقى عليها رداءه، وقال: أنا جارٌ لها، فنِعمت الجِيرةُ (١) هي، فخَلّوا عنها، وانكشف المسلمون، فنادى ثابت بن قيس بن شَمّاس وبيده راية الأنصار: يا معاشر المسلمين، بئس ما عَوَّدتُم أقرانكم الفِرار، ثم قال: اللهمَّ إني أبرأُ إليك مما جاء به هؤلاء، يعني الكفار، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء، يعني المسلمين، ثم قاتل حتى قُتل. وكان مُحَكَّم اليمامة في أوائل الخيل يقول: اليوم تُسْتَحقَبُ الكرائم غيرَ رَضِيَّات، ويُنكحْنَ غير خَطيبات، فجاءه سهمٌ فقتله، قتله عبد الرحمن بن أبي بكر، وقيل: قتله زيد بنُ الخطاب. وكان البراء بن مالك إذا حضر الحربَ أخذته الرِّعْدة حتى يَقعدَ عليه الرِّجال، ثم يبول في سراويله، ثم يثور كما يثور الأسد، فلما كان يوم اليمامة أصابه ذلك، فلما سُرِّي عنه صاح: يا معاشر المسلمين، إليّ إليّ فأنا البراء بن مالك، ففاءت إليه طائفة، وكان مسيلمة قد دخل حديقة، وقال له مُحَكّم اليمامة قبل أن يُقتل: يا معاشر بني حَنيفة، ادخلوا الحديقة وأنا أحمي أدبارَكم، فدخلوا. فلما قُتل مُحَكّم اليمامة جاء البراء بن مالك فدخل الحديقة ومعه المسلمون، فقتل من بني حنيفة عشرة، فلما رأت ذلك بنو حنيفة قالت لمسيلمة: أين ما كنتَ تَعِدُ؟ ويقول: قاتلوا اليوم عن الأحساب. وتسمى حديقة الموت (٢)، وكان بنو حنيفة أغلقوا بابها، فقال البراء بن مالك: ألقوني على الجدار، فألقوه، فاقتحمها، وكسر الباب فألقاه، وحمل وَحشيّ وسماك بن خرشة أبو دُجانة الأنصاري على مسيلمة،

стр. 2023

فضربه الأنصاري على رأسه بالسيف، وزَرقه وحشيّ بحربته فقُتل، وكان عبد الله بن عمر حاضرًا قال: فسمعتُ امرأةً تَصرخ على ظهر جدار تقول: وانَبيّاه، قتله العبد الأسود، وكان وحشيّ يقول وربُّك أعلمُ أيّنا قتلَه. ومرّ رجلٌ من بني حنيفة فرآه مقتولًا، فقال: أشهد أنك نبيٌّ، ولكنْ نبيٌّ شَقيّ، ثم قال [من مجزوء الكامل] لهفي عليك أبا ثُمامهْ … لهفي على رُكْنَيْ شمامَهْ كم آيةٍ لك فيهم … كالشمس تَطلعُ في غَمامَهْ (١) وكان مسيلمة قد خَفي عليهم في القَتلى فلم يَعرفوه، فأرسل خالد، فجيء بمُجَّاعة يَرسُف في قُيوده، فأخذ مُجَّاعة يَكشف عن القتلى، فمر بمُحَكّم اليمامة، وكان رجلًا جَسيمًا وَسيمًا، فقال خالد: هذا صاحبُكم؟ قال مُجَّاعة: لا والله، هذا خيرٌ منه وأكرم، هذا مُحكّم اليمامة، ثم مر بالرَّجَّال، فقال: هذا الرَّجَّال، حتى مر برجل أُصَيفر أُخَيْنِس، فقال مُجّاعة: هذا مسيلمة، فقال خالد: هذا الذي فعل بكم الأفاعيل؟ فقال مُجَّاعة: يا خالد قد كان ذلك، وإنه والله ما جاءكم إلا سَرَعَان الناس، وإن جَماهيرهم لفي الحصون، فقالها لرجل قد نهكته الحرب وأصيب معه أشراف الناس، فقال: ويحك ما تقول؟ فقال: والله إنه الحق، فهَلمَّ لأُصالحك على قومي، فدعني أذهب إليهم، وأشير عليهم بالصُّلح، فقال: اذهب على عهد الله، فذهب، فدخل الحصون، وأمرَ النساء بلُبسِ السِّلاح، وكَثّر السَّواد، فأشرفوا من الحصون، فظنّهم خالد رجالًا، فصالحه على الرّبع من السّبي والحمراء والصَّفراء والحَلْقة، وكان عامَّةُ القراء قد قُتلوا، فصالح خوفًا على الباقين، ثم قيل لخالد بعد ذلك: خدعك مُجَّاعة، فقال: يا مُجَّاعة خَدعتَني؟ فقال: قومي هم، أفنيتَهم فلا تَلُمْني. وقال سيف: كان خالد بن الوليد قد سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن لمُسيلمة شيطانًا [لا يعصيه]، فإذا اعتراه شيطانُه أَزْبَدَ، فلا يَهُمُّ بخيرٍ إلا صرفَه عنه أو عدلَه عنه، فإذا رأيتم منه غِرَّة فلا تُقِيلوه العَثْرة" (٢) فلما كان يومُ اليمامة جعل خالد يدنو منه يطلب غِرَّتَه، فرآه ثابتًا ورَحاهم تدورُ عليه، وعلم أنها لا تزولُ إلا بزواله، فنادى خالد مسيلمة

стр. 2024

فأجابه، فعرض عليه أشياء مما يشتهي مسيلمة، وقال له خالد: إن قَبِلنا النّصف فأيَّ الأنصاف تُعطينا؟ فكان إذا هَمَّ بجوابه أعرض بوجهه مُستشيرًا، فينهاه شيطانُه أن يَفعل، فأعرض عنه بوجهه مرَّةً من تلك المِرار، فركبه خالد فأَرهقه فأدبر. وقُتل من أهل اليمامة في ذلك اليوم عشرون ألفًا، ومن المسلمين ألف ومئتان، منهم سبعون من القراء أعيان، وقيل: مئة، فبينا هم كذلك إذ جاءهم كتابُ أبي بكر إلى خالد يقول فيه: إن افتتحتَ اليمامة عَنوة فلا تَدعَنَّ بها غلامًا أَنبتَ من بني حنيفة إلا ضربتَ عُنُقه، فلما قدم الرسول بالكتاب وجده قد صالح، فامتنع خالد وقال: أَبعد الصُّلح؟ ولما فرغ خالد من أمر بني حَنيفة خطب إلى مُجَّاعة ابنته، فقال له: أتتزوَّجُ النّساء وحولك من المسلمين ألف ومئتا دم؟! إن القاطِعَ لظهرك عند صاحبك إنما هو تزويجُ النّساء، فألحَّ عليه فزوَّجه إياها، وبلغ أبا بكر، فكتب إليه: إنك لفارغُ القلب، تتزوَّجُ النّساء وحولك ألف ومئتا دمٍ من المسلمين لم تَجفَّ بعد، فإذا جاءك كتابي هذا فالْحَقْ بمَن معك من جموع الشام إلى العراق، فلما قرأ خالد كتابَه قال: هذه من عَمل الأُعَيْسِر، يعني عمر بن الخطاب. قال ابن إسحاق: وكان سببُ تجهيز خالد إلى العراق [أن] أبا بكر ما زال يبعث الأُمراءَ إلى الشام والقبائل؛ حتى ظن أنهم قد اكتَفوا، وأنهم لا يريدون أن يزدادوا رجلًا، فكانوا يُغيرون على أطراف الشام. وكان المثنَّى بنُ حارثة الشَّيبانيّ يُغير على أهل فارس بالسَّواد، وكان بعد وفاة رسول الله ﷺ قد قدم على أبي بكر، فأسلم في رَهْطٍ من قومه، وحَسُنَ إسلامه، وتفقَّه، ثم استأذن أبا بكر فقال: إنا أناس قد نزلنا بين أرض العرب والعجم من أبناء فارس، وقد قاتلناهم فأَظْهَرَنا الله عليهم، ولي عشيرةٌ أولو بأسٍ وعَدد، فاجعلْ لهم أشياءَ أستميلُهم بها إذا رجعتُ إليهم، فإنه مَنظورٌ إليَّ وإلى ما أرجع به، قال: وما الذي تريد؟ قال: أن تَعقِدَ لي على قومي ومَن اتَّبعني، وأن تَجعلَ لنا ما أَصَبْنا من الغنائم من أهل فارس، فقال أبو بكر ﵁: فذلك لك ولمن اتَّبعك من المسلمين، وتُقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ثم أذن له فخرج حتى نزل مياه بني بكر بن وائل، فأخبرهم بإسلامه وما

стр. 2025

جعل لهم أبو بكر، ودعاهم إلى الإسلام، فأجابه فِئامٌ من الناس. فكان يُغير على السَّواد ومما والاه، فيما بين الطَّفِّ إلى قَنطرة النهرين، حتى أحجزهم فى الجَواسق والحصون، فأخذ أموالًا كثيرة، وسبى سَبْيا عظيمًا، وقتل الأساورة والأكاسرة، وألحق أهلَ المسالح بالحيرة، وخَلُّوا له المناظر. فأقام المثنّى بعد فراق أبي بكر حولًا على ذلك، ثم بعث أخاه مسعود بن حارثة إلى أبي بكر يَطلب منه أن يُمِدَّه، فإن في ذلك إعزازَ الإسلام وذلَّ الكفّار، فإن العجم قد خافتنا، وجاءت كتُبهم تَطلب الصُّلح، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله، ابعث إليهم خالد بن الوليد، فيطأ العراق مع المثنى، ويكون قريبًا منا، فإن احتاج إليه أهلُ الشام كان قريبًا منهم، وإن ألحَّ على العراق حتى يَفتحه كان زيادةَ خيرٍ، فقال أبو بكر لعمر: قد أَصبتَ ووُفِّقتَ وأحسنتَ الرَّأي، فكتب إلى خالد وهو باليمامة أن سِرْ إلى العراق بمَن معك من المهاجرين والأنصار والقبائل، والكتاب: من عبد الله أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ ، إلى خالد بن الوليد ومَن معه من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، سلامٌ عليكم، أما بعد، فإني أَحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فالحمد لله الذي أنجز وَعدَه، ونصر دينَه وأعزَّه، وأذلَّ عَدوَّه، وغلب الأحزاب، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥] وعدًا منه لا خُلْفَ فيه، ومقالةً لا ريبَ فيها. وقال تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] فاستتموا موعود الله إياكم، وأطيعوه فيما فُرض عليكم، [وارغبوا في الجهاد] وإن عَظُمت فيه المؤونة، واشتدت الرَّزِيّة، وبَعُدت الشُّقَّة، فإن ثوابَ الله أعظم، ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية [التوبة: ٤١]. وقد أَمرتُ خالد بن الوليد بالمسير إلى العراق، فلا يَبرحْها حتى ياتيه أمري، فسِيروا معه، ولا تتثاقلوا عنه، فإنه سَبيلٌ يُعظم الله فيه الأجرَ لمَن حَسُنت فيه نيَّتُه، وعَظُمت في الخير رغبتُه، كفانا الله وإيّاكم مُهمّات الدنيا والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته (١).

стр. 2026

وبعث بالكتاب مع أبي سعيد الخدري وقال له: لا تُفارقْه حتى تُشخِصه منها، وقل له فيما بينك وبينه: اقْدم العراق، فإن بها رجالًا من المسلمين من ربيعة، وهم أهلُ بأسٍ وعَددٍ وشَرفٍ، فإذا أنت قَدِمتَ فصُلْ بهم على عدوِّك مع مَن معك، وأقم هناك حتى يأتيك مددي إن شاء الله عاجلًا، وإن أنا حوَّلتُك عنها كنتَ الأمير على الناس أينما كنتَ، ليس عليك دوني أمير، فلما قرأ الكتاب قال: هذا رأي ابن حنتمة، وإني قد صاهرتُ هذا الحيَّ، وأُمِّرت عليهم، فظنَّ أن المقام يُعجبني بين أظهُرهم، فأشار على أبي بكر أن يُحوِّلَني من مكاني، لقد أعجب ابن الخطاب بخلافي، فلما ذكر له أبو سعيد الكلام الذي قاله أبو بكر طابت نفسُه، وحمد الله وأثنى عليه، وقرأ عليهم كتاب أبي بكر، وقال: إني سائر إن شاء الله، فمَن أراد الخير العاجل والثواب الآجل فلينكمِشْ. قصة البحرين وجُواثا وهو حِصنُ البحرين، قال ابن الكلبي: كان رسول الله ﷺ قد بعث العلاء بنَ الحَضْرَميّ إلى البحرين إلى المنذر بن ساوى، فأسلم، ومات المنذر فاوصى بثُلث ماله، فلما توفي رسول الله ﷺ ارتدَّت ربيعةُ بالبحرين إلا الجارود بن المُعَلَّى فإنه ثبت على إسلامه. قال ابن إسحاق: ولما بلغ أهلَ البحرين أن أبا بكر بعث العلاء بنَ الحَضْرميّ إليهم اجتمعوا وقالوا: نَردُّ الملك إلى بني المنذر، وفيهم رجلٌ منهم يُقال له: المنذر بنُ النعمان بن المنذر، يُكنى أبا جوعب، ويُلقَّب بالغَرور، فأتوه لذلك فأبى عليهم، فلم يزالوا به حتى قَبل منهم ذلك، فرأسوه عليهم، وخرجت سَريَّةُ المسلمين، فأصابوا رِعاء لبني قيس بن ثعلبة، فاستاقوا الإبلَ والرِّعاء فأَحرزوها، وكانت الإبل للحُطَم، واسمُه شُريح بن عمرو بن شرحبيل من قيس، والحُطَم لقبٌ له (١)، فجمع جمعًا من بني قيس ابن ثعلبة، واستمدَّ الحُرَّ بن جابر العجليّ فأمدَّه.

стр. 2027

وقال الهيثم: لمّا بعث أبو بكر ﵁ العلاء بنَ الحَضرمي إلى البحرين، فلما وصل إلى اليمامة لحق به ثُمامة بن أثال الحَنَفيّ ومَن أسلم من بني حنيفة، فسلك على الدَّهنَاء، وانضمّ إليه من سَعد الرّباب مثلُ عَسكرِه، فلما جاء الليل نزل العلاء ونزل الناس، فلما كان نصف الليل نَفرت الإبلُ نَفْرَةً لم يبق منها بعيرٌ إلا شَردَ، وعليها أزوِدَتُهم، فاغتمَّ الناس، وقالوا: إن طَلَعت علينا الشمسُ غدًا صرنا كأمسِ الذَّاهبِ، فقال العلاء: يا قوم، ألستمُ في سبيل الله؟ ألستم أنصارَ الله؟ قالوا: بلى، قال: فأبشروا، فإن الله لا يَخذل مَن كان على ما أنتم عليه. فلما طلع الفجر صلّى بهم، ودعا، وتضرَّعَ إلى الله تعالى، فلما طلع الصبح إذا بسَرابٍ يَلمع، فتأمَّلوه وإذا به ماء، فكبَّروا وشربوا منه، فما تَعالى النهارُ إلا والإبلُ قد جاءت تَطرُدُ من كلَّ وَجْهٍ، فأناخت إليهم، فقام كلُّ واحدٍ إلى بَعيره فما فَقدوا عِقالًا، وكان في الرَّكْبِ أبو هريرة، فقال لمِنْجاب بن راشد وكان ماهرًا: كيف عِلمُك بهذا المكان؟ فقال: والله ما أَعرف به ماءً قبل اليوم. وسار العلاء حتى نزل هَجَر، وأرسل إلى الجارود، وكان قد اعتزل القومَ أن يأتيَه في عبْدِ القيس ليُنازلوا الحُطَم، وكان المرتدُّون قد اجتمعوا إليه، وخَندق الفريقان، فكانوا يَقتتلون ثم يَرجعون إلى خنادقهم، فأقاموا على ذلك شهرًا، فبينا المسلمون ذات ليلة يَتحسَّسون الأخبار إذ سمعوا في عسكر المرتدّين ضَوضاءَ شديدة، فقال العلاء: مَن يأتينا بخبرهم؟ فقال عبد الله بن حَذَف (١): أنا، وكانت أمُّه عِجْلِيَّة، فخرج حتى أتى الخندق فأخذوه، وقالوا: مَن أنت؟ فانتسب لهم، ونادى: يا أبجراه، فجاء أبجر بن بُجَير فعَرَفه، فقال: دعوا ابنَ أختي، ثم حمله إلى رحله، فوجد القومَ سُكارى وهم يَهذُون، فخرج من وقته إلى العلاء فأخبره، فركب العلاء والمسلمون، واقتحموا خنادقَهم، ووضعوا السيوفَ فيهم، فأصبحوا بين قتيلٍ وجريحٍ وأسير. وقام الحُطَم إلى فرسه ليَركبه، فلما وَضع رجلَه في الرِّكاب انقطع، فمرَّ به [عفيف] بن منذر التَّميميّ، فضرب رجلَه فأطَنّها من الفَخذِ، ومرَّ به قيس بنُ عاصم فقتله، وأسَرَ عفيفُ بنُ المنذر الغَرور بن [سويد، ابن أخي] النعمان (٢)، وجاء به إلى العلاء، وكان الحَوفَزان

стр. 2028

الشّيباني قد أَنْجَد الحُطَم، ثم تخلَّى عنه، ثم نازل العلاء حصنَ جُواثا مدّةً فماتوا جوعًا، وقَصد جماعةٌ من الكفار دَارِين، فركبوا إليها في السُّفُن، فتحصَّنوا بها. وقال سيف بن عمر: خرج الحُطَم بمَن اتَّبعه على الردة من بكر بن وائل، فنزل القَطيف وهَجَر، وانضمَّ إليه مَن كان بها من الزُّطَّ والسَّبابجة، وبعث بعثًا إلى دارِين، وأرسل إلى الغَرور أن سِرْ إلى جُواثا واثبُت، فإن ظفرتُ مَلَّكتُك البحرين؛ كما كان النعمان ملك الحيرة. وقال سيف: مات المنذر بن ساوى بعد وفاة رسول الله ﷺ بقليل، وارتدَّ بعد موته أهلُ البحرين، فأمّا عبد القيس ففاءت بعد رِدّتها، وأما بكر فأقامت على رِدّتها، وكان الجارود بن المُعَلّى قد قَدم على رسول الله ﷺ المدينة فأسلم، وأقام عنده حتى تَفقَّه، ثم عاد إلى عبد القيس، فلما مات رسول الله ﷺ ، قالت عبد القيس: لو كان نبيًا ما مات، فقام الجارود فيهم خطيبًا، وقال: يا قوم هل تعلمون أنه كان لله أنبياءُ فيما مضى؟ قالوا: نعم، قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، فقال: إن محمدًا مات كما ماتوا، وإني أشهد أنه رسول الله، فقالوا: ونحن أيضًا نشهد كذلك، وأنت سيَّدُنا وأفضَلُنا. قصة دارِين وهي في البحر، بينها وبين الساحل يومٌ وليلة، يُركب إليها في خليج في البحر، ولمّا انهزم طائفةٌ من المشركين إليها جاء العلاء إلى الخليج وقد أخذوا السُّفُنَ إليهم، فصلى ودعا، وسأل الله تعالى، ونزل فخاضه والمسلمون معه، فكأنما يَمشون على الرَّمْل، فحاصروها، وفتحوها، فقَتلوا المقاتِلة، وسبوا الذرية، وأخذوا الأموال والغنائم، فبلغ سَهمُ الفارس ستّه آلاف، والرّاجل ألفين، ولما فتحها العلاء قال للناس: مَن أحبَّ أن يُقيم فليُقِمْ، ومَن أحبّ أن يَرجع إلى أهله فليرجع، فرجع البعض، وأقام البعض، وكان فيمن رجع ثُمامة بنُ أثال الحَنفيّ، وكان قد نَفَّلَه العلاء خَميصةَ الحُطَم، وكانت ذات أعلام، وكان الحُطَم يُباهي بها، فنزل ثُمامة على ماء لبني قيس بن ثعلبة وعليه خَميصةُ الحُطَم، فقالوا له: هذه خَميصةُ الحُطَم، وأنت قَتَلْتَه، فعَدَوْا عليه، فقتلوه بالحُطَم.

стр. 2029

قصة هَجَر ثم سار العلاء إلى هَجَر فافتَتحها صُلْحًا، وكان بها راهب فأسلم طوعًا، فقيل له: ما سببُ إسلامك؟ فقال: دُعاءٌ سمعتُه في السَّحَر على عَسكرهم: اللهمَّ أنت الرحمن الرحيم، الدّائمُ غير الغافل، والحيُّ الذي لا يموت، وأنت بكل شيء عليم، ورأيتُ فيضًا في الرمال، وتمهيد أَثْباج البحار حين عَبروا (١) في الخليج إلى دارين، فعلمتُ أن القومَ لم يُعانوا إلا وهم على الحق، وكان أهلُ هجر مجوسًا، فأسلم البعض، وضرب العلاءُ الجِزيةَ على البعض. قصّة عُمان ومَهْرَة نبغ بعُمان رجل يقال له لَقيط بنُ مالك الأزدي، ويُكنى ذا الوشاح (٢)، وكان يُسامي الجُلَنْدى في الجاهلية، فادَّعى النَّبوةَ مثلَ مُسيلمة، وغلب على عُمان، فارتدَّ معه أهلُها، وكان بها جَيْفر وعَبْد ابنا الجُلَنْدى، فقاتلهما، فألجأهما إلى الجبال والبحار، فبعث أبو بكر حُذيفة بن مِحصن الحِميريّ إلى عُمان، وعَرْفَجة البارقيّ إلى مَهْرَة، وأمرهما أن يُجِدّا السيرَ، فإذا قَرُبا من عُمان كاتَبا جيفرًا وعبدًا، وعملًا برأيهما، فمضيا لما أمرهما له. وكان أبو بكر قد سَخِط على عكرمة لما سار إلى قتال مسيلمة ولم يتربّص، فكتب أبو بكر إلى عكرمة يأمره بالمسير إلى عُمان، ويكون عونًا لحُذيفة وعَرفجة، ويقول: لا أراك حتى تَفعل ذلك، فسار عكرمة بمَن معه على أَثَرهما حتى أدركَهما، فراسلوا جَيْفرًا وعبدًا. وبلغ لقيط، فجمع جُموعه، وعسكر بدَبا، وخرج جَيْفر وعَبْد إلى صُحَار فعسكرا بها، وجاء حُذيفة وعَرْفجة وعكرمة إلى جَيْفَر وعَبْد فنزلوا جميعًا، وكاتبوا مَن كان مع لقيط، وأرغبوهم وخوَّفوهم، فنَفروا عنه، وساروا إلى لقيط، فالتقوا على دَبا، فجعل

стр. 2030

لقيط العِيالات (١) وراء الصّفوف ليَحفظوا حَريمَهم، ثم اقتتلوا قتالًا شديدًا، ورأى المسلمون الخَلَل، فبينا هم كذلك إذ قدم الخِرِّيت (٢) بنُ راشد في عبد القيس وبني ناجية نجدة للمسلمين، فحملوا على الكفار فانهزموا، وتبعهم المسلمون، فقتلوا منهم عشرةَ آلاف، وسَبَوا الذَّراري، وقسموا الغنائم، وبعثوا إلى أبي بكر ﵁ بالخُمس. وأقام حُذيفة بعُمان، وتَوجَّه عكرمة إلى مَهْرة بوصيَّةٍ من أبي بكر، وقد اجتمع بها وبالنَّجد (٣) خلقٌ من المرتدّين، فخرجوا إلى عكرمة، فقاتلوه، فنُصر عليهم، فقتل وسبى، وازداد قوّةً بالظَّهر والمتاع، وبعث إلى أبي بكر بالخُمس. قصة أهل اليمن ذكر الواقديّ أن النبي ﷺ كان ولّى على صنعاء المهاجر بنَ أبي أميّة، وعلى حضرموت زياد بنَ لبيد، فتُوفّي وهما على حالهما، فانتقضت كندة على زياد إلا طائفة يسيرة، فقيل له: إن بني عمرو بن معاوية قد جَمعوا لك، فأدركهم قبل أن يَستفحل أمرُهم، فسار إليهم بَغتةً فهزمهم، وحاز غنائمهم، فتعرّض له الأَشْعثُ بن قيس الكِندي (٤) في قومه، فأُصيب أناسٌ من المسلمين، واستظهر عليهم الأشعث، فانحاز زياد بمَن معه، وكتب إلى أبي بكر رضوان الله عليه يُخبره، فكتب أبو بكر إلى المهاجر وهو بصّنعاء أن يُمدّ زيادًا، فسار إليه، وقصد الأشعث، فالتَقَوا، وكانت الدَّبَرة على الأشعث ومَن ارتدّ معه، فقتلوهم وسَبَوهم، وجاء عكرمة وقد فرغوا منهم فأشركوه معهم في الغنائم، وتحصَّن الأشعث وملوكُ كِندة في حصن النُّجَير، فحاصروهم مدة، فأرسل إليهم الأشعث يقول: أفتحُ لكم باب الحصن على أن تُؤمَّنوا لي عشرةً من كِندة؟ قالوا: نعم، ففتح لهم الباب فدخلوا، فقتلوا كلَّ مَن فيه، وقد عَزل عشرة أنفس، وهو يرى أنهم لا يحسبونه في العشرة، فقالوا له: إنا قاتلوك، قال: ولم؟ قالوا: لأنك لست

стр. 2031

من العشرة، فقال: ويحكم، أتظنّون أني أصالح عن غيري (١) وأخرج بغير أمان؟! فقالوا: نردُّ أمرك إلى خليفة رسول الله ﷺ ، فقال: رضيتُ، فأرسلوا به إليه. فصل [مسيلمة بن] ثُمامةُ بن حبيب (٢) وهو مسيلمة الكذّاب، وكُنيتُه أبو ثُمامة، وقيل: أبو هارون، وسمَّى نفسَه رحمانَ اليمامة، وكان قد ادَّعى النبوَّةَ قديمًا، ولما نزل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] قالت قريش: ما نَعرفُ رحمانَ إلا رحمان اليَمامة (٣)، فلما هاجر رسولُ الله إلى المدينة وفد عليه مسيلمةُ في وفد بني حنيفة وقد ذكرناها فلما عاد إلى قومه ادَّعى النبوَّة، وخاف ألا يَتمَّ له مُرادُه فقال: قد أُشْرِكْتُ مع محمَّد، وشهد له الرجَّالُ، وكان مُشَعْبِذًا. وهو أوَّلُ مَن أدخل البيضةَ في القارورة، وكان يَسجع لهم سَجْعًا يُضاهي به القُرآن في زعمه، فمن ذلك: والليلِ الأَسْحَمِ (٤)، والذّئب الأَدْلَم، والجَذَع الأَزْلَم، ما انتهكت بنو حنيفة من مَحْرَم. والليل الدّامس، والذئب الهامس، ما قطعت حنيفةُ (٥) من رطبٍ ويابس. سبَّح اسم ربك الأعلى، الذي يَسّر على الحُبلى، فأخرج منها نَسمة تَسعى، من بين شَراسيف وحَشا. والشاة وألوانِها، وأصوافها وألبانها، والسماء وعنانها. والزّارعات زَرْعا، والحاصدات حَصْدا، والذَاريات ذَرْوا، والطّاحنات طحنًا، والعاجناتِ عَجْنًا، فالخابزاتِ خَبْزًا، فاللاقماتِ لَقْما. يُعارض بها ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ [العاديات: ١].

стр. 2032

ومنه: يا ضفدع يا ضفدع كم تَنُقّين، أعلاك في الماء وأسفلُك في الطّين، لا الشاربَ تَمنعين، ولا الماء تُكَدِّرين. ووضع عن بني حنيفة التكاليف من الصلوات والصيام والزكاة وغير ذلك (١). حديث سجاح بنت الحارث بن سويد من غطفان، وقيل: من بني يربوع (٢)، وتُكنى أمّ صادر، ادَّعت النبوَّة. قال الواقدي (٣): وكانت كاهنةً، ومن أسجاعها: أَعِدُّوا الرَّكاب، واستعِدُّوا للنَّهاب، لتُغيروا على الرِّباب، فليس دونهم حجاب (٤)، ثم إنها سارت إلى مسيلمة، وكانت قبل مسيرها إليه قد عزمت على حرب أبي بكرٍ، فجمعت جمعًا من تغلبَ، واستنجدت مالك بن نويرة فمنعها من ذلك. وبلغ مسيلمة خبرُها، فأرسل إليها وطلب مُوادعتَها، فعزمت على قصدِه، وقالت لقومها: سيروا، فقالوا: إلى أين؟ فقالت: رفُّوا رَفيف النَّعامة (٥)، فإنها غزوةٌ صَرَّامة، لا تلحقكم بعدها ملامة، فتجهَّزوا لقتال بني حنيفة. ولما بلغ مسيلمة قصدُها إياه خاف إن اشتغل بقتالها أن تَظهر عليه جُيوشُ أبي بكر، وكان أبو بكر قد جهَّز إلى مسيلمةَ شُرحبيل بن حسنة، فأهدى إليها مسيلمةُ، وطلب منها الأمان فأَمَّنتُه، فأتاها في أربعين من بني حنيفة، وكانت راسخةً في نصرانية بني تغلب، فلما نزل عليها سجع لها وزخرف عبارته فأعجبَها وكان مما قال: يا معاشر النساء، إنكنَّ خُلقتُنَّ لنا أزواجا، وجُعلتنَّ أَفراجا، لنُولج فيكنَّ إيلاجا، ثم نُخرجه

стр. 2033

منكنّ إخراجا، وقال لغُلامه: غَبِّر لها، أي: دَخّن، وقيل: ضرب لها قُبَّةً وقال لغُلامه: جَمِّر، أي: بَخِّر لعلها تَحِنُّ إلى الباه. ففعل، فقالت: مَن جاءك بهذا القرآن؟ قال: جبريل، فقالت: صدق الله وجبريلُ، ثم قال لها: هل لك أن أتزوّجك فيقال: نبيٌّ تزوَّج نبيّةً، فنأكل بقومي وقومك العرب؟ ولي نصف الأرض، وكان لقريشٍ نصفُها، وقد وهبتُه لك. فقالت: نعم، فتزوَّجها ثم سجع لها فقال: [من الهزج] [ألا] قومي إلى المخْدَع … فقد هُيِّئ لك المَضْجَع وإن شئتِ سَلَقْناك (١) … وإن شئتِ على أربع وإن شئت بثُلثيه … وإن شئتِ به أَجمع فقالت: لا، بل به أجمع، فإنه للشَّملِ أَجمع، فقال مسيلمة: بذلك نزل عليَّ جبريل. فضربت العربُ بها المثل فقالت: أَغلمُ من سَجاح (٢). وقال قيس بن عاصم المِنقري، وقيل إنَّه لعُطارد بن حاجب بن زراة التميمي: [من البسيط] أَضحتْ نبيَّتُنا أُنثى نُطيف بها … وأصبحت أنبياءُ الناس ذُكرانا (٣) ثم أقامت عنده ثلاثًا، وخرجت إلى قومها فقالوا: ما وراءك؟ فقالت: أشهد أنه نبيّ حق، وأخبرتهم أنها تزوّجتْه، فقالوا: مثلُك لا يتزوَّج على غير مَهْر، فارجعي إليه فاطلبي المهر، فرجعت إليه فقال: قولي لهم: قد وَضعتُ عنكم صلاةَ الفجر والعشاء الآخرة، وأبحتُهم الزنا والخمر، فقالوا: رضينا وانصرفوا. وقال لها مسيلمة: مَن مُؤذَّنُك؟ فقالت: شَبَث بن رِبْعي الرِّياحي، فقال: مُريه ينادي: إن رسول الله مسيلمة قد وَضع عنكم ما أتاكم به محمَّد من الصلوات، وأباحكم

стр. 2034

فروجَ المومسات، وشُربَ الخمر في الكاسات والطاسات. وقال سيف: وكان لها مؤذِّنٌ آخرُ يقال له: زهير بن عمرو اليربوعي. وكان من أعيان أصحابها: الأقرعُ بنُ حابِس، والزِّبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعطارد بن حاجب، وعمرو بن الأَهتم وكلهم من تميم، ثم أسلم الزبرقان والأقرع بن حابس في أيام أبي بكر. ولم تَزَلْ سجاح مقيمةً في بني تغلب إلى سنة أربعين ثم أسلمت وحَسُنَ إسلامُها. وذكرها الجوهري فقال: سجاح: اسم امرأةٍ من بني يربوع تنبّأت (١). وذكر ابن إسحاق أن خالد بن الوليد بعث وفدَ بني حنيفة إلى أبي بكر فقال لهم: ويحكم، ما هذا الذي جاء به صاحبُكم هذا الخبيث، يعني مسيلمة؟ فقالوا: جاءنا والله الكذبُ والباطلُ وبلاءٌ ابتُلينا به، فقال: فما قال لكم؟ فذكروا له من سَجعه بعضَ ما ذكرنا، فقال أبو بكر: ويحكم، والله إن هذا الكلامَ ما خرج من إِلٍّ ولا بِرّ (٢). وقال الجوهري: والإلُّ بالكسر هو الله تعالى (٣). وقال الهيثم: قال لهم أبو بكرٍ: فهذا سَجعُه، فما ظهر لكم من أحواله؟ فقالوا: أتتْه امرأةٌ فقالت: ادعُ لنخلنا ومائنا بالبركة، فإن محمدًا دعا لقومه فأثمر نخلُهُم، وجاشت مياهُهم. قال لها: فكيف؟ قالت: دعا بسَجْلٍ، فمَضْمَض فيه، ثم مجَّه في الآبار، فجاشت بالمياه، فدعا مسيلمةُ بسَجْلٍ وفعل ذلك فغارت المياهُ، ودعا للنّخل فيَبس. وأُتي بصبيّ، فقال له أبوه: بَرَّك عليه فإن محمدًا يُبرَّك على أولاد الصحابة، فمسح يده على رأس الصبي فقَرع وتَمعَّط شعرُه، وما مسح يدَه على رأس صبيًّ إلا قَرع، ولا حَنّكه إلا لَثِغ، فقال لهم أبو بكر: لقد كنتم في ضلالٍ مُبين (٤).

стр. 2035

فصل وفيها تُوفي عبد الله بن أبي بكر وأمُّه قُتيلةُ بنت عبد العُزّى، وهو من الطبقة الثالثة من المهاجرين. أسلم قديمًا. قال ابن سعد: ولم يُسمع له بمشهدٍ إلا يومَ الطائف، جُرح رماه أبو محجّن الثقفي بسهمٍ، واندمل جُرحُهُ، وعاش مدَّةً، ثم انتقض عليه في شوَّال من هذه السنة فمات فيه (١). وخلَّف سبعةَ دنانير فاستكثرها أبو بكرٍ. وكان له وَلدان: إبراهيم وإسماعيل، فهلكا وانقرض عَقِبُه (٢). ونزل عمر بن الخطاب وطلحةُ بن عبيد الله وأخوه عبد الرحمن بن أبي بكر في حُفرته، ودُفن بالبقيع. وذكره الموفَّق ﵀ في الأنساب وقال: هو شقيقُ أسماء بنت أبي بكر، وكان قد اشترى الحُلَّةَ التي أرادوا أن يُكفِّنوا فيها رسول الله ﷺ بسبعة دنانير، فلما احتُضر قال: لا تُكفَّنوني فيها، فلو كان فيها خيرٌ لكُفِّن فيها رسول الله ﷺ . وصلى عليه أبوه أبو بكر، ودُفِن بعد صلاة الظهر. وعبدُ الله هو الذي كان يأتي رسولَ الله ﷺ وأباه في الغار بأخبار قريشٍ كل يوم، ويُدلِجُ إليهما (٣). وقال الشيخ الموفَّق: وعبد الله هو الذي تزوَّج عاتكة بنت زيد، أخت سعيد بن زيد فأمره أبوه بطلاقها، فقال فيها الأشعار، وكانت غَلبت عليه، وشغلته عن مغازيه فلذلك أمره أبوه بطلاقها فقال: [من الطويل] وإن فِراقي أهلَ بيتٍ أُحبّهم … على كبرةٍ منّي لَإحدى العَظائمِ (٤)
следующие страницы →