← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

من العشرة، فقال: ويحكم، أتظنّون أني أصالح عن غيري (١) وأخرج بغير أمان؟! فقالوا: نردُّ أمرك إلى خليفة رسول الله ﷺ ، فقال: رضيتُ، فأرسلوا به إليه. فصل [مسيلمة بن] ثُمامةُ بن حبيب (٢) وهو مسيلمة الكذّاب، وكُنيتُه أبو ثُمامة، وقيل: أبو هارون، وسمَّى نفسَه رحمانَ اليمامة، وكان قد ادَّعى النبوَّةَ قديمًا، ولما نزل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] قالت قريش: ما نَعرفُ رحمانَ إلا رحمان اليَمامة (٣)، فلما هاجر رسولُ الله إلى المدينة وفد عليه مسيلمةُ في وفد بني حنيفة وقد ذكرناها فلما عاد إلى قومه ادَّعى النبوَّة، وخاف ألا يَتمَّ له مُرادُه فقال: قد أُشْرِكْتُ مع محمَّد، وشهد له الرجَّالُ، وكان مُشَعْبِذًا. وهو أوَّلُ مَن أدخل البيضةَ في القارورة، وكان يَسجع لهم سَجْعًا يُضاهي به القُرآن في زعمه، فمن ذلك: والليلِ الأَسْحَمِ (٤)، والذّئب الأَدْلَم، والجَذَع الأَزْلَم، ما انتهكت بنو حنيفة من مَحْرَم. والليل الدّامس، والذئب الهامس، ما قطعت حنيفةُ (٥) من رطبٍ ويابس. سبَّح اسم ربك الأعلى، الذي يَسّر على الحُبلى، فأخرج منها نَسمة تَسعى، من بين شَراسيف وحَشا. والشاة وألوانِها، وأصوافها وألبانها، والسماء وعنانها. والزّارعات زَرْعا، والحاصدات حَصْدا، والذَاريات ذَرْوا، والطّاحنات طحنًا، والعاجناتِ عَجْنًا، فالخابزاتِ خَبْزًا، فاللاقماتِ لَقْما. يُعارض بها ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾ [العاديات: ١].

стр. 2032

ومنه: يا ضفدع يا ضفدع كم تَنُقّين، أعلاك في الماء وأسفلُك في الطّين، لا الشاربَ تَمنعين، ولا الماء تُكَدِّرين. ووضع عن بني حنيفة التكاليف من الصلوات والصيام والزكاة وغير ذلك (١). حديث سجاح بنت الحارث بن سويد من غطفان، وقيل: من بني يربوع (٢)، وتُكنى أمّ صادر، ادَّعت النبوَّة. قال الواقدي (٣): وكانت كاهنةً، ومن أسجاعها: أَعِدُّوا الرَّكاب، واستعِدُّوا للنَّهاب، لتُغيروا على الرِّباب، فليس دونهم حجاب (٤)، ثم إنها سارت إلى مسيلمة، وكانت قبل مسيرها إليه قد عزمت على حرب أبي بكرٍ، فجمعت جمعًا من تغلبَ، واستنجدت مالك بن نويرة فمنعها من ذلك. وبلغ مسيلمة خبرُها، فأرسل إليها وطلب مُوادعتَها، فعزمت على قصدِه، وقالت لقومها: سيروا، فقالوا: إلى أين؟ فقالت: رفُّوا رَفيف النَّعامة (٥)، فإنها غزوةٌ صَرَّامة، لا تلحقكم بعدها ملامة، فتجهَّزوا لقتال بني حنيفة. ولما بلغ مسيلمة قصدُها إياه خاف إن اشتغل بقتالها أن تَظهر عليه جُيوشُ أبي بكر، وكان أبو بكر قد جهَّز إلى مسيلمةَ شُرحبيل بن حسنة، فأهدى إليها مسيلمةُ، وطلب منها الأمان فأَمَّنتُه، فأتاها في أربعين من بني حنيفة، وكانت راسخةً في نصرانية بني تغلب، فلما نزل عليها سجع لها وزخرف عبارته فأعجبَها وكان مما قال: يا معاشر النساء، إنكنَّ خُلقتُنَّ لنا أزواجا، وجُعلتنَّ أَفراجا، لنُولج فيكنَّ إيلاجا، ثم نُخرجه

стр. 2033

منكنّ إخراجا، وقال لغُلامه: غَبِّر لها، أي: دَخّن، وقيل: ضرب لها قُبَّةً وقال لغُلامه: جَمِّر، أي: بَخِّر لعلها تَحِنُّ إلى الباه. ففعل، فقالت: مَن جاءك بهذا القرآن؟ قال: جبريل، فقالت: صدق الله وجبريلُ، ثم قال لها: هل لك أن أتزوّجك فيقال: نبيٌّ تزوَّج نبيّةً، فنأكل بقومي وقومك العرب؟ ولي نصف الأرض، وكان لقريشٍ نصفُها، وقد وهبتُه لك. فقالت: نعم، فتزوَّجها ثم سجع لها فقال: [من الهزج] [ألا] قومي إلى المخْدَع … فقد هُيِّئ لك المَضْجَع وإن شئتِ سَلَقْناك (١) … وإن شئتِ على أربع وإن شئت بثُلثيه … وإن شئتِ به أَجمع فقالت: لا، بل به أجمع، فإنه للشَّملِ أَجمع، فقال مسيلمة: بذلك نزل عليَّ جبريل. فضربت العربُ بها المثل فقالت: أَغلمُ من سَجاح (٢). وقال قيس بن عاصم المِنقري، وقيل إنَّه لعُطارد بن حاجب بن زراة التميمي: [من البسيط] أَضحتْ نبيَّتُنا أُنثى نُطيف بها … وأصبحت أنبياءُ الناس ذُكرانا (٣) ثم أقامت عنده ثلاثًا، وخرجت إلى قومها فقالوا: ما وراءك؟ فقالت: أشهد أنه نبيّ حق، وأخبرتهم أنها تزوّجتْه، فقالوا: مثلُك لا يتزوَّج على غير مَهْر، فارجعي إليه فاطلبي المهر، فرجعت إليه فقال: قولي لهم: قد وَضعتُ عنكم صلاةَ الفجر والعشاء الآخرة، وأبحتُهم الزنا والخمر، فقالوا: رضينا وانصرفوا. وقال لها مسيلمة: مَن مُؤذَّنُك؟ فقالت: شَبَث بن رِبْعي الرِّياحي، فقال: مُريه ينادي: إن رسول الله مسيلمة قد وَضع عنكم ما أتاكم به محمَّد من الصلوات، وأباحكم

стр. 2034

فروجَ المومسات، وشُربَ الخمر في الكاسات والطاسات. وقال سيف: وكان لها مؤذِّنٌ آخرُ يقال له: زهير بن عمرو اليربوعي. وكان من أعيان أصحابها: الأقرعُ بنُ حابِس، والزِّبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعطارد بن حاجب، وعمرو بن الأَهتم وكلهم من تميم، ثم أسلم الزبرقان والأقرع بن حابس في أيام أبي بكر. ولم تَزَلْ سجاح مقيمةً في بني تغلب إلى سنة أربعين ثم أسلمت وحَسُنَ إسلامُها. وذكرها الجوهري فقال: سجاح: اسم امرأةٍ من بني يربوع تنبّأت (١). وذكر ابن إسحاق أن خالد بن الوليد بعث وفدَ بني حنيفة إلى أبي بكر فقال لهم: ويحكم، ما هذا الذي جاء به صاحبُكم هذا الخبيث، يعني مسيلمة؟ فقالوا: جاءنا والله الكذبُ والباطلُ وبلاءٌ ابتُلينا به، فقال: فما قال لكم؟ فذكروا له من سَجعه بعضَ ما ذكرنا، فقال أبو بكر: ويحكم، والله إن هذا الكلامَ ما خرج من إِلٍّ ولا بِرّ (٢). وقال الجوهري: والإلُّ بالكسر هو الله تعالى (٣). وقال الهيثم: قال لهم أبو بكرٍ: فهذا سَجعُه، فما ظهر لكم من أحواله؟ فقالوا: أتتْه امرأةٌ فقالت: ادعُ لنخلنا ومائنا بالبركة، فإن محمدًا دعا لقومه فأثمر نخلُهُم، وجاشت مياهُهم. قال لها: فكيف؟ قالت: دعا بسَجْلٍ، فمَضْمَض فيه، ثم مجَّه في الآبار، فجاشت بالمياه، فدعا مسيلمةُ بسَجْلٍ وفعل ذلك فغارت المياهُ، ودعا للنّخل فيَبس. وأُتي بصبيّ، فقال له أبوه: بَرَّك عليه فإن محمدًا يُبرَّك على أولاد الصحابة، فمسح يده على رأس الصبي فقَرع وتَمعَّط شعرُه، وما مسح يدَه على رأس صبيًّ إلا قَرع، ولا حَنّكه إلا لَثِغ، فقال لهم أبو بكر: لقد كنتم في ضلالٍ مُبين (٤).

стр. 2035

فصل وفيها تُوفي عبد الله بن أبي بكر وأمُّه قُتيلةُ بنت عبد العُزّى، وهو من الطبقة الثالثة من المهاجرين. أسلم قديمًا. قال ابن سعد: ولم يُسمع له بمشهدٍ إلا يومَ الطائف، جُرح رماه أبو محجّن الثقفي بسهمٍ، واندمل جُرحُهُ، وعاش مدَّةً، ثم انتقض عليه في شوَّال من هذه السنة فمات فيه (١). وخلَّف سبعةَ دنانير فاستكثرها أبو بكرٍ. وكان له وَلدان: إبراهيم وإسماعيل، فهلكا وانقرض عَقِبُه (٢). ونزل عمر بن الخطاب وطلحةُ بن عبيد الله وأخوه عبد الرحمن بن أبي بكر في حُفرته، ودُفن بالبقيع. وذكره الموفَّق ﵀ في الأنساب وقال: هو شقيقُ أسماء بنت أبي بكر، وكان قد اشترى الحُلَّةَ التي أرادوا أن يُكفِّنوا فيها رسول الله ﷺ بسبعة دنانير، فلما احتُضر قال: لا تُكفَّنوني فيها، فلو كان فيها خيرٌ لكُفِّن فيها رسول الله ﷺ . وصلى عليه أبوه أبو بكر، ودُفِن بعد صلاة الظهر. وعبدُ الله هو الذي كان يأتي رسولَ الله ﷺ وأباه في الغار بأخبار قريشٍ كل يوم، ويُدلِجُ إليهما (٣). وقال الشيخ الموفَّق: وعبد الله هو الذي تزوَّج عاتكة بنت زيد، أخت سعيد بن زيد فأمره أبوه بطلاقها، فقال فيها الأشعار، وكانت غَلبت عليه، وشغلته عن مغازيه فلذلك أمره أبوه بطلاقها فقال: [من الطويل] وإن فِراقي أهلَ بيتٍ أُحبّهم … على كبرةٍ منّي لَإحدى العَظائمِ (٤)

стр. 2036

ثم هجم عليه أبوه يومًا وهو يقول: [من الطويل] أَعاتِكُ لا أنساكِ ما ذرَّ شارِقٌ … وما ناح قُمْرِيُّ الحمام المُطَوَّقُ ولم أر مثلي طلَّق اليومَ مثلَها … ولا مثلَها في غير جُرْمٍ يُطَلَّقُ لها خُلُقٌ جَزْلٌ وحِلْمٌ ومَنْصِبٌ … وخَلْقٌ سَوِيٌّ في الحياة ومَصْدَقُ (١) فرقَّ له أبوه وأمره برجعتها فقال: [من الطويل] أَعاتِكُ قد طُلَّقْتِ من غير رِيبةٍ … ورُوجِعتِ للأمر الذي هو كائنُ كذلك أمرُ الله غادٍ ورائحٌ … على الناس فيه إِلفةٌ وتَبايُنُ وما زال قلبي للتَّفرُّقِ طائرًا … وقلبي لما قد قَرّب الله ساكنُ ليَهْنِكِ أني لا أرى فيك سَخْطَةً … وأنك قد تمّتْ عليك المحاسنُ وأنك ممّن زيَّن الله وجهَه … وليس لوَجْهٍ زيَّن اللهُ شائنُ (٢) قال: ولما مات رَثَتْه وبكت عليه وقالت: [من الطويل] رُزِئتُ بخيرِ الناس بعد نبيّهم … وبعد أبي بكرٍ وما كان قَصَّرا فآلَيْتُ لا تنفكُّ عيني حزينةً … عليك ولا ينفكُّ جلديَ أَغبرا فلله عينا مَن رأى قطُّ مثلَه … أكرَّ وأَحمى في الهِياج وأَصبرا إذا أُشرِعت فيه الأَسِنّةُ خاضَها … إلى الموت حتى يَتركَ النّقع أحمرا (٣) قلتُ: وقد ذكر أبو تمام في "الحماسة" ثلاثة أبياتٍ، منها هذه، أولها: آليتُ لا تنفكُّ عيني حزينةً .... إلى آخرها (٤). ثم خطبها عمر بن الخطاب فتزوّجته، فعمل وَليمةً، فحضرها عليٌّ ﵇، وقال لعمر: ائذن لعاتكة أن تُكلِّمني. فأذِن لها، فمال إليها عليٌّ وقال: يا عُدَيَّةُ نفسِها: فآليت لا تنفكُّ عيني حزينةً

стр. 2037

فخجلت، فقال له عمر: ماذا فعلت يا أبا حسن؟ دَعْها فكلُّ النساء يفعلن هذا، ثم قُتِل عنها فرثته وقالت: [من الخفيف] عينُ جُودي بعَبْرَةٍ ونَحيبِ … لا تَمَلِّي على الإِمام النَّجيبِ فَجعَتْني المنونُ بالفارس المعـ … ـلَم يوم الهياجِ والتَّأنيبِ قُل لأهلِ الضَّرَّاء والبؤس موتوا … قد سَقَتْه المنونُ كأسَ شَعوبِ (١) ثم خطبها الزبير فتزوَّجته وقد خلا من سنّها، وبقي فيها بقيَّةٌ من جَمالٍ، وكانت تَخرجُ فتُصلّي في المسجدِ، وكان الزبيرُ غَيورًا يقول لها: لو صلَّيتِ في بيتك فتقول: لا تَمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله (٢)، فقعد لها ليلةً في طريق المسجد، فقرص عجيزتَها وهي لا تعرفُه، فرجعت إلى بيتها وتركت الصلاةَ في المسجد، فقال لها في ذلك فقالت: كنتُ أخرجُ والناسُ ناسٌ، أما إذا فسدوا فبيتي أَولى بي (٣). فلما قُتِل عنها الزبير رثتْه فقالت: [الكامل] غَدرَ ابنُ جُرموزٍ بفارس بُهْمَةٍ وسنذكر الأبيات في ترجمة الزبير في قصة عاتكة، ولما قُتِل الزبيرُ عنها تزوّجها محمَّد بن أبي بكر فقُتل عنها، فخطبها عليٌّ ﵇ فقالت: إني لأضنُّ بك عن القتلِ (٤) لما نذكر. وليس لعبد الله بن أبي بكر عَقِبٌ، انقرض نسلُهُ، وآخرُهم إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله له عقب لا غير (٥). الأسود العنسي الذي ادّعى النُّبوة واسمه عَيْهَلَةُ بن كعب، واختلفوا فيه: فقال قوم: عَيْهلةُ اسمُه، وقيل: إنَّ عيهلةَ

стр. 2038

لقبٌ لملكِ اليمن، كما أن النجاشي لقب لملكِ الحبشة. وقال الجوهري: العاهل: الملك الأعظمُ كالخليفة، وريحٌ عَيْهَلٌ: شديدةٌ، والعَيْهل من النُّوق: السّريعة. قال: وقال أبو حاتم: ولا يُقال جَملٌ عَيْهَل (١). وذكر قصّتَه أربابُ السَّير كسيف بن عمر وابنِ إسحاق وهشام بنِ الكلبي والواقديّ وغيرهم على وجوه: الوجه الأول: أن أوَّل رِدَّةٍ كانت على عهد رسولِ الله ﷺ على يديْ الأسود، ويقال له: ذو الخمار؛ لأنه كان يقول: يأتيني ذو خِمارٍ، وكان كاهنًا مُشَعْبِذًا، يُري الناسَ العجائب، وكان يأتيه شيطان فيحدِّثُه بما يكون فيُخبرُ الناسَ به فافتُتنوا، وكان فصيحًا فسبى عقولَهم بمَنطقه، وكان أوَّلُ خروجه بعد رجوع رسول الله ﷺ من حجَّة الوداع، فكاتَبتْه مَذْحِج، وواعدوه نَجْران، وكانت دارُه بمكان يقال له: كهف خُبَّان، به وُلِدَ ونشأ. ولما خرج وَثبت مَذْحِج وأهلُ صنعاء، فأخرجوا منها عمرو بن حَزْمٍ وخالد بن سعيد بن العاص، وكانا عاملين عليها للنبي ﷺ ، ودخلها الأسودُ في سبع مئة فارسٍ من آل شَعوبٍ (٢)، وخرج إليه من الأَبْناء شَهْرُ بن باذان - أو باذام - فقتله الأسود ومَن معه، وخرج معاذ بن جبل هاربًا، فلقي أبا موسى وهو بمأْرِب فاقتحما حَضْرَ مَوْتَ، وغلب الأسودُ على بلاد اليمن ومخاليفها، وجعل أمرُه يَستطير استطارةَ الحريق، ودانت له السواحلُ، وعامله المسلمون بالتَّقِيَّة، وكان خليفتُه في مَذْحج عمرو بن مَعْدي كَرِب. وأخذ الأسودُ امرأةَ شهر بن باذان، وقتل ابنتَه، واستخفَّ بالأبناء، وهرب فَرْوَةُ ابن مُسَيْك وكان على مُراد، وثب عليه قيس بن عبد يغوث فأجلاه. وبلغ رسولَ الله الخبرُ عند مَرْجعه من حجَّة الوداع، وقال الواقدي: كتب إليه فروةُ

стр. 2039

ابن مُسَيْكٍ بذلك، فكتب إلى الأَبناء ومَن بأرض اليمن من المسلمين أن يَقتلوا الأسودَ غيلةً أو مُصادَمةٌ، وأمرهم أن يستنجدوا رجالًا سمَّاهم من حِمْيَر وهَمْدان، وأرسل إلى أولئك. وكان الأسودُ قد أفسد وعاث، وانتهك المحارم، وتغيَّر على قيس بن عبد يغوث وعَزم على قتله، فاتفق مع الجماعة على قتله، فعملوا الحيلةَ عليه فلم يجدوا طريقًا غيرَ زوجتِه امرأة شهر بن باذان واسمها أزياد، وقالوا لها: قد قَتل زوجَك وبنتَك وفعل ما فعل، فما عندك فيه؟ فقالت: هو أبغض خَلْقِ الله إليَّ، فقالوا: نُريدُ قتلَه، فقالت: إنَّه مُحترسٌ، والحرسُ يُطيفون بقصره، إلَّا هذا البيتَ فانقُبوه، وتولّى أمرَه أخوها فيروز الدَّيلمي، وكان قد أبعده الأسود، فدخلوا عليه ليلًا فذَبحوه، فجعل يخور خُوارَ الثور، فقال الحرسُ: ما هذا؟ قالت: النبيُّ يُوحى إليه، فسكتوا وقد كان شيطانُه يأتي إليه فيوسوس له، فيغطُّ ويخور كما يخور الثورُ، ويعمل بما يقول له، فلما طلع الفجرُ اجتمع المسلمون وأَذَّنوا وقالوا: نشهدُ أن محمدًا رسولُ الله وأن عَيْهلَةَ كذّابٌ، وشَنُّوا الغارةَ على أَصحابه ومَن وافقه، فسَبَوْهم وقتلوهم ومزَّقوهم كلَّ مُمَزَّقٍ. وتراجع عُمّالُ رسول الله إلى مواضعهم، وكتبوا إلى رسول الله بذلك، فسبقهم خبرُ السماء، وذلك قبل موت رسول الله بيومٍ أو بليلةٍ، فأخبر الناسَ بقتلِه وقال: فاز فيروز، ووصل الكتابُ بعد وفاةِ رسولِ الله، فكان بين خروجِ الأسود إلى أن قُتِل أقلُّ من ثلاثة أشهر، وقيل: أربعة أشهر (١). والوجه الثاني: أن رسولَ الله ﷺ لمّا رجع من حجَّةِ الوَداع فرَّق أمراءه في اليمن، وقسَّمه بينهم، وقيل على حضرموت، وعُكَّاشة بن ثور الغَوْثي على السَّكاسك، ومعاوية بن كندة على السَّكون (٢)، وعمرو بن حَزْم على

стр. 2040

نجران، وخالد بن سعيد على ما بين نجران ورِمَع وزَبِيْد، وشَهْر بن باذان على صنعاء، وعامر بن شَهْر على هَمْدان، وأبو موسى على مَأرِب، ويَعلي بن أُميّة على الجَنَد، وكان معاذُ بنُ جبلٍ معلِّمًا يتنقّل في البلاد والقبائل، فتوفي رسولُ الله وهؤلاء عُمّالُه على اليمن. قال سيف بن عمر: فحدَّثني سهل بن يوسف عن أبيه عن عبيد بن صخرٍ قال: بينما نحنُ بالجند على أمورنا المستقيمة إذ وَرَدَ علينا كتابُ الأسودِ مع رسولٍ له يقول فيه: أيُّها المتورِّدون علينا، أمسكوا علينا ما أخذتُم من أرضِنا، ووفَّروا ما جمعتُم، فنحن أولى به وأنتم على ما أنتم عليه. قال: فقُلنا للرسول: من أين جئتَ؟ فقال: من كهف خَبَّان، فبينما نحنُ ننظر في أمرنا إذ قيل: هذا الأسود بشَعوب، وخرج إليه شهر بن باذام، وذلك لعشرين ليلةً من مَنجمه، فبينما نحن نترقَّبُ الأخبار جاء الخبرُ أن الأسودَ قتل شهرًا، وهزم الأبناء، وغلب على صنعاء لخمسٍ وعشرين ليلةً من مَنْجَمه، وخرج معاذٌ هاربًا، فمر بأبي موسى، فاقتحما حضر موت، فنزل معاذٌ السَّكون، ونزل أبو موسى السَّكاسكَ، وانحاز سائرُ أمراء العرب إلى الأطراف فنزلوا الظواهرَ (١)، ولم يرجعْ إلى المدينة سوى عمرو بنِ حَزْمٍ وخالدِ بن سعيد بن العاص. وكان قُوّادُ الأسود: قيس بن عبد يغوث المُرادي ومعاوية بن فلان الليثي (٢)، ويزيد ابن حُصين الحارثي، ويزيد بن أَفْكل الأزدي، وثبّت مُلكه (٣)، ثم استَغلظ أمرُه حتى غلب على اليمن وانتهى إلى الطائف، وعاملهُ المسلمون بالتَّقِيَّة، والمنافقون بالردَّة عن الإِسلام، وكان خليفتُه في مَذْحج عمرو بن معدي كرب، وأمرُ جُنْدِه إلى قيس بن عبد يَغوث، وأسند أمرَ الأبناء إلى فيروز وداذَوَيْه. فلما أثخن في الأرض استخفَّ بقيسٍ وفيروز، وتزوَّج امرأة شهر وهي أختُ

стр. 2041

فيروز (١)، فاتفق فيروز وداذَوَيْه وقيسٌ على قتله، فدخل عليه فيروز وهو نائم يَغُطُّ، فتكلم الشيطان على لسانه وقال: ما لي ولك يا فيروزُ؟ فلم يلتفت فيروز ودقَّ عُنُقَهُ وذَبحه، فلما قتله قال رسولُ الله ﷺ : "قتل الأسودَ الليلة رجلٌ مُبارَكٌ، من أهل بيتٍ مُبارَكين" قيل: يا رسول الله مَن قتله؟ قال: ["فيروز]، فاز فيروز" (٢). الوجه الثالث: ذكر محمَّد بن إسحاق في آخر المغازي قَتْلَ الأسود وفيه زيادات فقال: كان سببُ قتلِه أنه كانت عنده امرأةٌ من بني غُطَيْفٍ سباها، وهي عمرةُ بنتُ عبد يَغوث المكْشُوح أختُ قيس، وامرأةٌ من الأبناء ممَّن سَبى يُقال لها: بَهرانةُ بنتُ الدَّيْلم، أختُ فيروز بن الديلمي، فكان فيروز يَدخل عليه [إذا شاء لمكان أخته، وكان قيس يدخل عليه] أيضًا لمكان أخته، وكانا نَديمَيْن له، وكان الأسود قد قتل عُمير بن [عبد] يغوث أخا قيس، واتفق قيسٌ وفيروز على قتله، وبلغ قيسًا أن النبي ﷺ قال للمسلمين: "ستقتلون الأسود". فطمع قيس في قتله، ودخل معهما رجلٌ من الأبناء يُقال له: داذَوَيْه، فأفضى قيسٌ بذلك إلى أُخته وقال لها: قد عَرفتِ عداوتَه لقومك، وما قد ركبهم به، والرجلُ مَقتولٌ لا محالة، فإن استطعتِ أن يكون بنا فافعلي، فنُدرك به ثأرَنا، ويكون مَأثُرة لنا، فتَحيَّني لنا غِرَّته إذا سَكِر. فطاوعته على ذلك [وقال فيروز لصاحبته مثل ذلك] فقال لها: هذا الرجلُ يُريد أن يُجليَ قومَك من اليمن، فأجابتْه إلى ذلك، فكان مَقتلُه في بيت الفارسية، وذلك لأنها جَعلت في شرابٍ له البَنْج، فلما غلب على عقله بعثتْ إلى أخيها: شأنك وما تُريد، فأقبلوا ثلاثتُهم: قيسٌ وفيروز وداذَوَيْهِ حتى انتهَوْا إلى الباب فقالوا: أيّنا يَكفي الباب لئلا يدخُلَ علينا أحد؟ فقال داذويه: أنا، فوقف عند الباب، ودخلا فجثم فيروز على صدره فضَبَطه، وضربه قيسٌ بسيفه حتى قتله، واحتزَّ رأسَه، وبعث به إلى المهاجر بن أبي أميّة، فعاد المهاجر إلى صنعاء.

стр. 2042

وقال قيس بن عبد يغوث المرادي حين قَتل الأسود العَنْسي في الأسود أبياتًا منها: ضربتُه بالسّيفِ ضَرْبَ الأَقْرانْ ضَرْبَ امرئٍ لم يَخْشَ عُقْبى العُدوانْ فمات لا يبكيه منّا إنسانْ ضلَّ نبيٌّ مات وهو سَكْرانْ قال: ثم تنازع هؤلاء الثلاثةُ نَفَرٍ في قتله، فقال قيس: أنا قتلتُه واحتززتُ رأسَه، وقال فيروز: أنا ضبطتُه لك، ولولا ذلك لم تَصِلْ إلى قتله، وقال داذَوَيه: أنا كفيُتكم الباب، وكان أشدَّ ثُغوركم، ولولا ذلك لم تَقدروا على قتله، فالتمس قيسٌ أن يَغتالَهما، فصنع لهما طعامًا، ثم دعا واحدًا واحدًا، فقَتل داذَوَيه، ونَذِر فيروزُ فخرج، فكان بينهما في ذلك أمرٌ تَعاظم فيه الشرُّ؛ حتى أصلح بينهما المهاجر، فقال قيس في ذلك: [من الكامل] زعم ابنُ حَمْراء القِصاص (١) بأنّه … قَتلَ ابنَ كعبٍ نائمًا نَشوانا كلاّ وذي البيتِ الذي حجَّتْ له … شعث المفارق تَمسح الأَركانا لأنا الذي نَبَّهتُهُ فقتلتُه … ولقد تُكُبِّدَ (٢) قائمًا يقظانا فعَلوتُه بالسيف لا مُتَهيِّبًا … مما يكونُ غدًا ولا ما كانا فانصاع شيطانُ ابن كعبٍ هاربًا … عنه وأَدبرَ ممعِنًا شيطانا انتهت ترجمتُه والله أعلم. * * *

стр. 2043

فصلٌ في ذكر فاطمة بنت رسول الله ﷺ - قد ذكرنا أنها وُلدت قبل النبوَّة بخمس سنين وقريشٌ تبني الكعبة، وكانت أصغرَ بنات رسول الله ﷺ ، وذكرنا أن عليًا تزوَّجها في السنة الثانية من الهجرة، وذكرنا بعضَ فضائلها. وقال البخاري بإسناده عن المِسور بن مَخْرمة أن النبي ﷺ قال: "فاطمة بَضْعَةٌ مني، فمَن أغضبها فقد أغضبني". وهذا حديث طويل أخرجاه في الصحيحين (١)، وأخرجه أحمد في "المسند" فقال: حدَّثنا أبو اليمان، عن شُعيب، [عن] الزُّهري عن علي بن الحسين أنَّ المسور بن مَخْرمة أخبره أن عليَّ بن أبي طالب خطب ابنةَ أبي جهلٍ، وعنده فاطمةُ بنتُ رسول الله ﷺ ، فقالت فاطمةُ لرسول الله: إن قومَك يتَّحدثون أنَّك لا تَغضبُ لبناتك، وهذا عليٌّ ناكحٌ ابنةَ أبي جهلٍ. قال: فقام رسولُ الله ﷺ على المنبر، فتشهَّد ثم قال: "أما بعدُ فإني أَنكحتُ أبا العاص بنَ الرَّبيع، فحدَّثني فصدقني، وإن فاطمةَ بَضْعَةٌ منّي، وأكرهُ أن يَفتِنوها، وإنه والله لا تجتمع ابنةُ رسول الله وابنةُ عدوِّ الله عند رجلٍ واحدٍ أبدًا". وفي روايةٍ "لا أُحرِّمُ حلالًا، ولا أُحلُّ حرامًا، ولكن والله لا تَجتمع … " وذكره، فترك عليٌّ الخِطبة، وفي روايةٍ: "إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن يُنكحوا ابنتَهم عليَّ بن أبي طالب، ألا فلا آذَنُ لهم، قالها ثلاثًا، فإنما ابنتي بَضْعةٌ مني يُرِيبني ما رابَها، ويُؤذيني ما آذاها". وكلُّ هذه الروايات في المتَّفق عليه (٢). البَضْعَةُ: القطعة. والتي خطبها عليٌّ جويرية بنتُ أبي جهل، وكانت قد أسلمت مع أخيها عكرمة. ومعنى قوله: لا أُحَرِّمُ حلالًا، أي: إن هذا لا يكون، وقد ظنَّ بعضُ الجُهال أن عليًا ارتكب أمرًا منكرًا، وليس كما ظنَّ، فإن بني مَخزوم سألوا عليًا أن يُصاهِرهم، وقصدوا زوالَ الأضغانِ والإحَن التي كانت بينهم وبين بني هاشمٍ في الجاهلية، فأجابهم عليٌّ إلى ذلك طلبًا للتَّآلف، لا رَغبةً في النكاح، ولو علم أن ذلك يَصعبُ على

стр. 2044

رسول الله وفاطمة ما أجابهم إليه، فلما علم ترك، وهذا من الظنِّ بمثله. وقال أبو إسحاق الثَّعلبي بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: أقام رسولَ الله أيامًا لم يَطعَمْ طعامًا، فدار على منازل أزواجه، فلم يجد عندهنَّ شيئًا، فأتى فاطمةَ ﵍ فقال: "يا بُنيَّةُ، هل عندك شيءٌ آكلهُ فإني جائع؟ " فقالت: لا واللهِ. فلما خرج من عندها بعثتْ إليها جارتُها برغَيفين وقطعةِ لحمٍ، فجعلت ذلك في جَفْنَةٍ وغَطَّتْهُ وقالت: والله لَأُوثِرَنَّ أبي، وكانت جائعةً هي ومَن عندها، ثم أرسلت الجَفْنةَ إليه مع الحسنِ والحسين، وفي رواية: فأرسلت إليه فجاء فقالت: يا أبه، قد أتانا الله بشيءٍ فخَبَّيْناه لك، فقال: هلمَّ، فأتَتْه بالجَفْنةِ، فكَشفها فإذا هي مملوءةٌ خُبزًا ولحمًا، فلما نظرت إليها بُهتَت وعرفت أنها بركةٌ من الله تعالى، فقال: يا بُنيَّةُ، أنَّى لك هذا؟ قالت: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٧]، فقال: "الحمد لله الذي جعلك يا بُنيَّةُ شبيهةً بسيّدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئًا فسُئلت عنه قالت: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. ثم أكل رسول الله منها وعليٌّ وفاطمةُ والحسن والحسين وأزواجُ رسول الله وأهلُ بيته حتى شَبعوا. قالت: فاطمة: وبَقيت الجَفنةُ كما هي، فأوسعتُ منها على جيراني وجعل الله فيها بركةً وخيرًا (١). وقال أحمد بإسناده عن أنس بن مالك: إن رسول الله ﷺ كان يَمرُّ بباب فاطمةَ إذا خرج إلى الصلاة، أو إلى صلاة الفجر، فيقول: "يا أَهلُ، الصلاةَ" وفي روايةٍ: "يا أهل البيت ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ الآية [الأحزاب: ٣٣]. فعل ذلك ستَّةَ أشهر (٢). وقال أحمد بإسناده عن أنس: إن بلالاً أبطأ عن صلاة الصُّبح، فقال له النبي ﷺ : "ما حَبَسَك؟ " قال: مررتُ بفاطمة وهي تطحنُ، والصبيُّ يبكي، فقلتُ لها: إن شئتِ كَفيْتُك الرَّحى وكَفَيْتِني الصبيّ، وإن شئتِ كفيتُك الصبيَّ وكفيتني الرَّحى؟ فقالت: أنا أَرفَقُ بابني منك، فذاك حَبَسَني، فقال رسول الله ﷺ "فرَحِمْتَها يرحمك الله" (٣).

стр. 2045

وقال أحمد بإسناده عن الحكم قال: سمعتُ ابنَ أبي ليلى يقول: حدَّثنا عليٌّ: أن فاطمةَ اشتكت ما تلقاه من أثر الرّحى في يدها، وأُتيَ النبيُّ ﷺ بسَبْيٍ، فانطلقتْ فلم تجِدْه، ولقيت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي ﷺ أخبرتْه بمجيء فاطمة إليها، فجاء النبي ﷺ وقد أخذنا مَضاجِعَنا، فذهبنا لنَقومَ فقال: "على مكانكما"، فقَعد بيننا حتى وجدتُ بَرْدَ قدميه على صَدْري، فقال: "ألا أُعلّمكما خيرًا مما سألتُما؟ إذا أخذْتُما مضاجعكما أن تُكبِّرا الله أربعًا وثلاثين، وتُسبّحاه ثلاثًا وثلاثين، وتحمداه ثلاثًا وثلاثين، فهو خيرٌ لكما من خادم". أخرجاه في الصحيحين، وفي رواية: "من خادمٍ وخادمة" (١). ذكر وفاتها: قال ابن سعد بإسناده عن عامر قال: جاء أبو بكرٍ إلى بيت عليًّ لما مَرضت فاطمةُ، فاستأذن عليها، فقال عليٌّ: هذا أبو بكرٍ على الباب يَستأذن، فإن شئتِ أن تأذني له فَأْذني، قالت: وذاك أحبُّ إليك؟ قال: نعم، فأَذِنت له، فدخل واعتذر إليها، فرضيت عنه (٢). وهذا يدلُّ على صِحّة الرواية أنها هَجرت أبا بكر مُدَّةَ حياتها. واختلفوا في كيفيّة غسلها على أقوالٍ: أحدها: أن الملائكة غَسَّلتها، قاله الهيثم. والثاني: أن عليًّا ﵇ غَسّلها، وهو الظاهر. والثالث: أنها غَسّلت نفسَها، فقال أحمد بن حنبل في كتاب "الفضائل" بإسناده عن عُبيد الله بن علي بن أبي رافع، عن أبيه، عن أمه سَلمى قالت: اشتكت فاطمة، فأصبحتْ يومًا كأَمثلِ ما كانت، فخرج عليٌّ، فقالت: يا أمّاه، اسكُبي لي غُسْلاً، فسكبتُ لها، فاغتسلتْ ثم قالت: هاتي ثيابي الجُدُد، فأتيتُها بها، فلبستْها ثم قالت: قَدَّمي الفِراشَ إلى وَسَط البيت، فقدَّمَتْه، فاضجعتْ عليه، واستقبلت القبلة، وتبسَّمت، وما رأيتُها مُتَبسِّمةً إلا يومئذ، ووضعَتْ يدها تحت نَحْرِها وقالت: إني مقبوضةٌ، وقد اغتسلتُ فلا يَكشِفني أحدٌ، ثم قُبِضَتْ، ودخل عليٌّ فأخبرتُه، فبكى ثم قال: والله لا يَكشِفها أحدٌ، ثم حملها بغُسْلها ذلك فصلى عليها ودفنها (٣).

стр. 2046

ثم قال جدي: في إسناده محمَّد بنُ إسحاق وعليُّ بن عاصم، فأما ابن إسحاقٍ فكذَّبه مالك، وأما عليُّ بن عاصمٍ فكذَّبه يزيد بن هارون. قال جدي: والغُسْل إنما شرع لحَدَث الموت، فكيف يقعُ قبله؟ ثم قال: وقد احتجَّ أحمدُ والشافعيُّ في جواز غَسْلِ الرجل زوجته بأن عليًّا ﵇ غَسَّل فاطمة (١). والجواب: أما محمَّد بن إسحاق فقد وثَّقه أحمد بنُ حنبل وعامّةُ العلماء، وأخذوا عنه المغازي والسِّير وغيرهما، وكلامُ مالكٍ فيه فلغرضٍ نذكره في ترجمة ابن إسحاق (٢). وقولُه: الغُسْل للحديث بعد الموت، قلنا: يحتمل أنها كانت مخصوصةً بذلك لئلا يطَّلع عليها أحدٌ. وأما قولُه: إن عليًا غَسَّل فاطمة، فهذا موضعُ الخلاف، فإنَّ عند أبي حنيفة ومالك: لا يحلُّ للرَّجل أن يُغسِّل زوجتَه لانقطاع الزوجية بينهما من وجهٍ (٣)، وقد ذكرنا هذا في سيرة رسول الله ﷺ . وأما غسل عليًّ فاطمة فقد منعناه، ولو سَلِم فقد رُوي أن ابن مسعودٍ قال لعلي: غَسَّلت فاطمة؟ فقال: أما علمت أن رسول الله ﷺ أخبرني أنها زوجتي في الدنيا والآخرة. فدلَّ على أن الزَّوجيَّة باقيةٌ بينهما. ولما غُسّلت حُمِلت على نَعْشٍ، قال ابن سعد: وهي أول من حُمِل عليه، ورواه ابن عباسٍ قال: فاطمة أوّلُ من جُعل لها النَّعشُ في المدينة، عملتْه لها أسماءُ بنت عُمَيْسٍ، وكانت قد رأتْه بأرض الحبشة (٤). وفي رواية ابن الكلبي أنها لما اشتدَّ بها المرضُ قالت لأسماء: يا أُمّاه، أُحمَلُ على سرير يراني الناس!؟ فقالت لها: أَصنعُ لك كما كنا نَصنع بالحبشة، فعَمَدت إلى أعوادٍ فقطعتها، ثم عَملتها نَعشًا على السرير، فكان عمر بن الخطاب إذا رآه بعد ذلك

стр. 2047

يقول: نعم هَوْدَجُ الظَّعائن - يعني النساء - يُحملن عليه، أو الظَّعينة (١). واختلفوا فيمن صلى عليها على أقوالٍ: أحدها: عليٌّ والعباس، ونزلا في حُفرتها ومعهما الفضلُ بن العباس، وكان عليٌّ الإمام. والثاني: أن العباس كان الإِمام. ذكر هذين القولين ابنُ إسحاق. والثالث: عليٌّ وحده، ودَفَناها ليلًا. رواه ابن سعدٍ عن الواقدي قال: سُئل ابن عباس: متى دُفنت فاطمةُ؟ فقال: ليلًا، قيل: فمَن صَلَّى عليها؟ قال: عليٌّ. والرابع: أبو بكر، حكاه ابنُ سعد عن شَبَابة بن سَوَّارٍ بإسناده عن إبراهيم قال: صلّى أبو بكرٍ على فاطمة وكبَّر عليها أربعًا. قال الواقدي: والثَّبت عندنا أن عليًا ﵇ دفنها ليلًا، وصلَّى عليها ومعه العباس والفضل، ولم يُعلما بها أحدًا، ولا بايعا أبا بكرٍ إلا بعد فاطمة. وشبابة بن سوَّار ضعَّفه الحُفَّاظ (٢). وقال علماء السَّير: لما دفنها عليٌّ وقف على قبرها وبكى وقال: [من الطويل] لكلَّ اجتماعٍ من خَليلَين فُرْقَةٌ … وكلُّ الذي دون المماتِ قليلُ وإن افتقادي فاطمًا بعد أحمدٍ … دليلٌ على أن لا يدومَ خليلُ (٣) قال الهيثم: ولما دفن عليٌّ فاطمةَ أتى إلى قبر النبي ﷺ فوقف عليه وقال: السلامُ عليك يا رسول الله، وعلى ابنتِك النازلةِ في جوارك، السريعةِ اللحاق بك، قلَّ تصبُّري عنها، وضَعُف تَجَلُّدي على فراقها، إلا أن لي في التأسّي بعظيم فراقك، وفادح مُصابك مَقْنَعًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فلقد استُرْجعتِ الوديعةُ وأُخِذَتِ الرَّهينةُ،

стр. 2048

وستُنبِئك ابنتُك بما لقينا بعدك، هذا ولم يَطُل العهدُ، ولم تمتد المدَّةُ، فعليكما مني السلامُ، سلامَ مُوَدِّعٍ لا قالٍ ولا سَئمٍ، فإن أَنصرِفْ فلا عن مَلالةٍ، وإن أُقم فلا عن سوء ظنًّ بما وعد اللهُ الصابرين وأعدّ للمحزونِيْن (١). وقال أحمد بإسناده عن جابر بن عبد الله قال: قال رسولُ الله ﷺ لعلي: "يا أبا الريحانتَيْنِ، عن قليلٍ يَذهبُ رُكناك، والله خليفتي عليك"، قال: فلما قُبض رسول الله ﷺ قال علي: هذا أحدُ الرُّكنَين، فلما تُوفَّيت فاطمةُ قال: هذا الركنُ الآخر (٢). واختلفوا في المدَّة التي عاشت فيها بعد رسول الله ﷺ على أقوال: أحدها: ستة أشهر، قال الواقدي: وهو الثبت عندنا، رواه عروةُ عن عائشة. والثاني: ثلاثة أشهر، قاله عمرو بن دينار. والثالث: شهران وعشرة أيام، قاله أبو الزبير. والرابع: أربعون يومًا، قاله الهيثم، والأول أصحّ. وقد فَسَّرته عائشةُ فقالت: توفي رسولُ الله ﷺ يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، وتُوفيت فاطمةُ ليلة الثلاثاء لثماني عشرة ليلةً خلت من رمضان، وفي روايةٍ: لثلاثٍ خلوْنَ منه (٣). واختلفوا في مَبلغ سنِّها على أقوالٍ: أحدها ثمانيةٌ وعشرون سنةً وثمانية أشهر؛ لأنها وُلدت قبل النبوة بخمس سنين. قاله الواقدي. والثاني ثلاثون سنةً. والثالث: سبع وعشرون سنة، والأوَّل أصحّ. وذكر بعضُهم أَن عمرَها ثماني عشرة سنةً وليس هذا بشيءٍ (٤). واختلفوا في موضع قبرها، فذكر ابن سعدٍ عن الواقدي أنها دُفنت في زاوية دار عَقيل، وبين قبرها وبين الطريق سبعةُ أذرعٍ، قال: وقال عبد الله بن جعفر: ما رأيتُ

стр. 2049

أحدًا يشكُّ أنَّها في ذلك الموضع. قال: وقال الواقدي: أخبرني عبد الله بن جعفر، حدثني عبد الله بن الحسين قال: وجدتُ المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام واقفًا ينتظرني بالبقيع نصفَ النهار في حرٍّ شديدٍ، فقلتُ: ما يُوقفُك يا أبا هاشم ها هنا؟ قال: أنتظرك، بلغني أن فاطمة دُفنت في هذا البيت، في دار عقيل مما يلي [دار] الجَحشيِّين، فأُحبُّ أن تَبتاعه لي بما بلغ، أُدفن فيه. فقال عبد الله: والله لأفعلن. قال: فجهد بالعقيليين أن يبيعوه فأبَوْا. قال الواقدي: وهذا الموضعُ مما يلي دار الجحشيين مستقبل خَرجة بني نبيه من بني عبد الدار بالبقيع (١). وقال قومٌ: إن عليًا ﵇ لما دفنها عفَّى آثار قبرها، وقيل: بقي على حاله، فلما مات ولدُها الحسن دُفن إلى جانبها. وليس في الصحابيات من اسمها فاطمة بنت محمَّد ﷺ غيرها. وقد روت الحديث عن رسول الله ﷺ ، فأخرج لها ثمانية عشر حديثًا في المسند، منها ثلاثة أحاديث في الصحيحين. ذكر أولادها الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب: فتزوّج زينب عبد الله بن جعفر بن أبي طالبٍ، فولدت له عبد الله وعونًا، وماتت عنده. وأَما أُم كلثوم فتزوَّجها عمر بن الخطاب فولدت له زيدًا ورُقيَّةَ، ثم قُتِل عنها، فخلف عليها بعد عمر عونُ بن جعفر فلم تَلِدْ له، ثم مات. وخلف عليها محمَّد بن جعفر فولدت له جاريةً ففارقَها، ثم خلف عليها بعده عبد الله بن جعفر فماتت عنده ولم تلد له. فهؤلاء أولادُ فاطمة في أصحِّ الروايات. وزاد فيهم محمَّد بن إسحاق والليث بن سعد، فأما ابن إسحاق فقال: كان لها ولدٌ اسمه مُحَسِّن، وأما الليثُ فقال: كان لها رُقيةُ ماتت ولم تبلُغْ (٢). وهذا ما انتهى إلينا. * * *

стр. 2050

فَرْوَة بن الحارث بن النعمان من الطبقة الثانية من الأنصار، وأمه من بني عَدي بن النجار، شهد أُحدًا، واستُشهد يوم اليمامة، وأبوه الحارث بن النعمان شهد أُحدًا وقتل يوم مؤتة (١). مالك بن عمرو حليف لبني عبد شمس من الطبقة الأولى من المهاجرين، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وقتل يوم اليمامة شهيدًا باتفاقهم، وله رواية عن النبي ﷺ (٢). مالك بن نُوَيْرَة (٣) ابن جَمْرَة بن شَدَّاد بن عُبيد بن ثعلبة بن يَرْبوع بن حَنْظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي اليَربوعي، وكان يُسمّى الجَفُول. قال حصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ: لما صدر رسول الله ﷺ من حجّة الوداع سنة عشر، وقدم المدينة بعث المصدِّقين في أول المحرم في العرب، فبعث مالك بن نُويرة على صدقات بني يربوع، وكان قد أسلم، وكان شاعرًا. وقال أبو قتادة: كنا مع خالد بن الوليد حين خرج إلى أهل الردّة، فلما نزل البُطاح ادّعى أن مالكًا ارتد، واحتجَّ عليه بكلام بلغه عنه، فأنكر مالك ذلك، وقال: أنا على الإِسلام، وما غيَّرتُ ولا بَدَّلتُ، وشهد له أبو قتادة وعبد الله بن عمر، فقدَّمه خالد، وأمر ضِرار بنَ الأزور الأسدي فضرب عنقه، وكان من أكثر الناس شَعرًا، وقبض خالد امرأة مالك، وهي أم تميم، فتزوَّجها، وبلغ عمر بن الخطاب ما فعل، فقال لأبي بكر: إنه قد زنى فارجمه، فقال أبو بكر: إنه تأوَّلَ فأخطأ، ما كنت لأُشيمَ سيفًا سَلَّه الله عليهم أبدًا. وقال التبريزي: كان مالك قد أسلم قبل وفاة رسول الله ﷺ وتَصدَّق، وكان عريف [ثعلبة بن] يربوع، فقُبض رسول الله ﷺ وإبلُ الصَّدقةِ برَحْرَحان، وهو ماءٌ دُوين بطنِ نخل، كثير الكلأ، فأغار عليه مالك، فاقتطع منها ثلاث مئة، فلما قدم بلاد بني تميم لامه الأقرع بن حابس وضِرار بن القعقاع، وبلغ مالكًا أن الأقرع وضرار يمشيان به [في] بني تميم، فقال يُعتبهما، ويدعو على ما بقي من إبل الصدقة: [من البسيط]

стр. 2051

أَراني الله بالنَّعَم المنَدَّى … ببُرْقَةِ رَحْرَحان وقد أَراني أإنْ قَرَّت عيونٌ واستُفيئتْ … غنائمُ قد يجودُ بها بَناني حويتُ جميعَها بالسيف صَلْتًا … ولم تُرْعَد يداي ولا جَناني تَمَشّى يا ابن عَوْذَةَ في تميمٍ … وصاحبُك الأُقيرع تَلحَياني فقل لابن المذَبِّ يَغضُّ طَرْفًا … على قطع المذَلَّةِ والهوانِ (١) من أبيات. فلما قام أبو بكر، وبلغه قول مالك بعث خالد بن الوليد إلى مالك وقومِه، وقال: إن سمعتَ فيهم مؤذَّنًا فلا تَقتلْ منهم أحدًا، وعزم [على] خالد أنْ يَقتل مالكًا إنْ أخذه، فأقبل خالد حتى نزل الجَوَّ جَوَّ البعوضة وبه بنو يربوع، فبات عندهم ولا يخافونه، ثم مرَّ ببني غُدانة وبني ثعلبة، فلم يَسمع فيهم مُؤذّنًا، فأوقع بهم، فثاروا ولا يدرون مَن أوقع بهم، ولا مَن بَيَّتَهم، فلما رأوا الجيش قالوا: ما أنتم؟ قالوا: المسلمون، وكان مالك فيهم، فقال: ونحن المسلمون أيضًا، فلم يَسمع منهم، ووضعوا فيهم السيف، وأَعجل مالك عن لبس السِّلاح، وقُتلت غدانة وثعلبة أشدَّ القتل، وقامت ليلى بنت سنان بن ربيعة بن حنظلة امرأة مالك عريانة دون مالك، فأنفذت الرَّماح ساقيها، ولبس مالك أدَاتَه، وخرج فنادى: يا آل عبيد، فلم يُجبْه أحدٌ غير بني بَهان، ففرغ خالد منهم، وبقي مالك، فقال له خالد: يا ابن نويرة هلمَّ إلى الإِسلام، فقال مالك: وتعطيني ماذا؟ فقال: أُعطيك ذِمَّةَ الله وذِمَّة رسوله وذِمَّة أبي بكر وذمة خالد أنْ لا أجاوزَ إليك، وأن أقبلَ منك، فأعطاه مالك يدَه وخالد على تلك العزيمة من أبي بكر في قتله، فقال: يا مالك إني قاتلُك، فقال: لا تقتلني، فقال: لا بدّ، وأمر بقتله، فتهيب المسلمون ذلك، وقال المهاجرون: أتقتل رجلًا مسلمًا، وقد أعطيتَه ذمَّةَ الله وذمة رسوله، فقام ضِرارُ بن الأَزْوَر من بني كُوز، فقتله، وقيل: قتله عَبد بن الأزور أخو ضرار، وأقبل المِنْهال بن عِصمة الرِّياحي، فكفَّنَ مالكًا، ودَفنه، فذلك قول متمم: [من الطويل] لقد كفَّنَ المِنهالُ تحت ردائه … فتىً غيرَ مِبْطانِ العَشِيَّاتِ أَرْوَعا (٢) قال عمر بن الخطاب ﵁ لمُتَمّم بن نويرة: ما بلغ من حُزنك على أخيك؟ فقال:

стр. 2052

لقد مكثتُ سنة ما أنام بليلٍ حتى أُصبح، وما رأيت نارًا رُفعت بلَيلٍ إلا ظننتُ أن نفسي ستخرج، أذكرُ بها نارَ أخي، إنه كان يَأمرُ بالنار فتُوقد حتى يُصبح، مخافةَ أن يبيتَ ضيفُه قريبًا منه، فمتى رأى النار يلوي إلى الرحل وهو بالطيف يأتي متهجدًا أسر من القوم يقدم عليهم القادم لهم من السفر البعيد، فقال عمر: أكرم به. وقال عمر يومًا لمتمم: خَبَّرنا عن أخيك، قال: يا أمير المؤمنين لقد أُسرتُ مرَّةً في حيٍّ من أحياء العرب، فأقبل أخي، فما هو إلا أن طَلع على الحاضر، فما أحدٌ كان قاعدًا إلا قام، ولا بقيت امرأة إلا تَطلَّعتْ من خِلال البيوت، فما نزل عن جمله حتى لقوه بي في رمتي، فحلَّني هو، فقال عمر: إن هذا لهو الشرف. ورثى متمم أخاه مالكًا، من أبيات (١): [من الطويل] وكنّا كنَدْمانَيْ جَذِيمةَ حِقبَةً … من الدَّهر حتى قيل لن يَتصدَّعا وعِشْنا بخيرٍ في الحياة وقبلَنا … أصاب المنايا رهطَ كسرى وتُبَّعا فلما تَفرَّقْنا كأني ومالكًا … لطُول اجتماع لم نَبِتْ ليلةً معا لقد غَيَّبَ المِنهالُ تحت ردائه … فتىً غيرَ مِبْطانِ العَشِيَّات أَروعا تَراه كنَصْلِ السَّيفِ يَهتزُّ للنَّدى … إذا لم تجد عند امرئ السوءِ مَطْمَعًا وما كان وَقَّافًا إذا الخيل أَحْجَت … ولا طالِبًا من خَشْيَةِ الموتِ مَفْزَعَا ولا بكَهَامٍ سيفُه عن عدوِّه … إذا هو لاقى حاسرًا أو مُقَنَّعا وإني متى ما أدعُ باسمِك لم تُجِبْ … وكنتَ حَريًّا أن تُجيبَ وتسمعا تحيَّتُه منِّي وإن كان نائيًا … وأَمسى تُرابًا فوقه الأرضُ بَلْقَعا وما شارِفٌ حَنَّتْ حنينًا ورَجَّعتْ … أنينًا فأبكى شَجْوُها البَرْكَ أَجمعا ولا ذاتُ أَظْآرٍ ثلاثٍ رَوَائمٍ … رأَيْنَ مَجَرًّا من حُوارٍ ومَصْرَعَا

стр. 2053

بأَوجدَ منّي يوم قامَ بمالكٍ … مُنادٍ فَصيحٌ بالفِراقِ فأَسْمعا سَقى اللهُ أرضًا حَلَّها قبرُ مالكٍ … ذِهابَ الغَوادي المُدْجِناتِ فأَمْرَعا وآثَرَ بطنَ الوادِيَيْنِ بمُزْنَةٍ … تُرَشِّحُ وسْمِيًّا من النَّبتِ خِرْوَعا وقال الرِّياشِيّ: صلى أبو بكر ﵁ ومُتَمّمٌ خلفَه، فقام مُتَمّم، وبكى بكاءً شديدًا وقال: [من الكامل] نِعْمَ القتيلُ إذا الرِّياحُ تَناوَحَتْ … بين البُيوتِ قتلتَ يا ابن الأَزْوَرِ لا يُضْمِرُ الفَحشاءَ تحت رِدائه … حُلْوٌ شَمائلُه عَفيفُ المِئزرِ أَدعَوْتَه بالله ثم قتلتَه … لَوْ هُو دَعاكَ بذِمَّةٍ لم يَغدِرِ ثم بكى حتى سالت عينُه العوراء، فقال أبو بكر ﵁: والله ما دعوتُه ولا قتلتُه (١). وقال متمم: [من الطويل] لقد لامَني عند القبورِ على البُكا … رَفيقي لتَذْراف الدُّموعِ السَّوافِكِ فقال أتَبكي كلَّ قبرٍ رأيتَه … لقبرٍ ثَوى بين اللِّوى فالدَّكادِكِ فقلتُ له إن الشَّجا يَبعث الشَّجا … فدَعْني فهذا كلُّه قبرُ مالكِ (٢) مسعود [بن سنان] من الطبقة الثانية من الأنصار، حضر مع عبد الله بن عَتيك مَقتل سَلّام بنِ أبي الحقيق، وهو ممن شهد اليمامة، [واستُشهد فيها] (٣). مَعْن بن عديّ ابن الحارث بن العَجْلان، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العقبةَ مع السّبعين، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين زيد بن الخطاب، واستُشهدا جمعيًا يوم اليمَامة (٤).

стр. 2054

السنة الثانية عشرة من الهجرة قد ذكرنا انفصال خالد عن اليمامة، وكتاب أبي بكر رضوان الله عليه إليه بالمسير إلى العراق، فمن الناس مَن يقول: إنه رجع من اليمامة إلى المدينة، فقَدم على أبي بكر، فأوصاه بما يَعتمده، ثم سار إلى العراق. ومنهم مَن يقول: إنه سار من اليمامة إلى العراق، وهو الظاهر، فسار بمَن معه من بني تميم وأسد وقيس وعبد القيس والمهاجرين، وجاءه كتاب أبي بكر ﵁: أن دوخ (١) الغراق من أسفلها، فابدأ بفَرْج الهند، وهو الأُبُلَّة، وفارس، وتألَّف تلك الأمم (٢). فخرج من اليمامة في أول المحرَّم من هذه السنة، فسلك على طريق الكوفة، فانتهى إلى السَّواد، فنزل بقُرَيّات يقال لها: بانِقْيا وبارُوسْما واُلَّيْس، وبها رجل يقال له: ابنُ صَلوبا، فصالحه على أهلها، فقبل خالد منه الصُّلح والجِزية، وكتب له كتاب أمان نُسختُه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذا كتابُ أمانٍ من خالد بن الوليد سيف الله وسيف رسوله لابن صَلوبا السَّواديّ، ومنزلُه على شاطئ الفرات، إنه آمن بأمان الله تعالى، إذ حقن دمَه بأداء الجزية، وله ذِمَّةُ الله وذمة رسوله والمؤمنين. وأشهد في الكتاب أخاه هشام بنَ الوليد. ثم سار، فنزل الحيرة وبها إياس بنُ قَبيصَة الطائي، وكان كسرى قد ولَّاه إمارةَ العرب بعد النعمان بن المنذر، فلما رأى جيوش خالد خرج إليه في أعيان العرب وأشرافهم، فقال لخالد: ما الذي أَقدمك علينا؟ فقال: أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن أَجبتُم فأنتم من المسلمين، وإن أَبيتُم فالجزية، فإن أَبيتُم جاهدتُكم برجالٍ هم أحرص على الموت منكم على الحياة، حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، فقال له إياس: ما لنا بحربك من طاقة، بل نُقيم على ديننا، ونُصالحك على ما نَتَّفق عليه، فصالحه على تسعين ألف درهم كل سنة، وضمَّ خالد تلك إلى ما صالح عليه ابن صَلوبا، وبعث بها إلى أبي بكر ﵁ فكانت أول جزية وقعت بالعراق.

стр. 2055

حديث عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حَيّان بن بُقَيْلة مع خالد بن الوليد قال محمَّد بن السائب الكلبي: سار خالد من اليمَامة إلى العراق فنزل النَّباج. قال الجوهري: النِّباجُ: قريةٌ بالبادية، أحياها عبد الله بن عامر فيما بعد (١). وكان المثنّى بن حارثة نازلًا بخَفَّان، وكان لمّا قَدِم على أبي بكرٍ قال له: أمِّرني على مَن قِبَلي من قومي أكفِك أهلَ فارس، فأَمَّره، وقد ذكرناه. وكان مُقيمًا بخَفَّان ويُغير على أسفل الفُرات. وقال المدائني: وهو أوّلُ من حارب الفُرسَ في أيام أبي بكرٍ. ولما نزل خالد النَّباج كتب إلى المثنى أن يَقدُم عليه، وبعث إليه بكتاب أبي بكرٍ يأمُره فيه بطاعة خالد. فسار المثنى إليه، وسار خالد والمثنى يَشُنّان الغارة على البلاد، والمثنى على مُقدّمته، فعرض لهما جابان صاحبُ أُلَّيْس، فبعث إليه خالدٌ المثنى، فهزمه وقتل مُعظم أصحابه، وكانت الوقعةُ إلى جانب نهرٍ، فجرى ذلك النهرُ من دماء أصحاب جابان، فسُمّي نهرَ الدم إلى اليوم. ثم إن جابان صالحهم على مالٍ فقبلوه، وأقبلوا نحو الحيرة فلقيتهم خيول زاديه صاحبُ خيل كسرى بمجمع الأنهار، وكانت مَسالح بينه وبين الحجاز، فهزمهم المثنى. ولما رأى ذلك أهلُ الحيرة خرج أشرافُهم للقاء خالد، وفيهم إياسُ بن قبيصة وعبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيّان بن بُقيلة، فجلسوا إلى خالد، فأقبل على عبد المسيح فقال له: من أين أقصى أَثرِك؟ قال: من ظهر أبي، قال: من أين خرجتَ؟ قال: من بطن أمّي، قال: على أيِّ شيءٍ أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففي أيِّ شيءٍ أنت؟ قال: في ثيابي، قال: ابنُ كم أنت؟ قال: ابنُ رجلٍ واحد، قال: ويلك أتَعقِل؟ قال: نعم وأُقيِّد، قال خالد: إنما أسألُك، قال: وأنا أُجيبُك، قال خالد: ما رأيتُ كاليوم، أسأله عن شيءٍ وَينحو في غيره. فقال: ما أنبأتُك إلا عما سألتني، فقال خالد: أعربٌ أنتم أم نَبَط؟ قال: عربٌ استَنْبَطنا، ونَبَطٌ استعربنا، قال: فكم أتى لك؟ قال

стр. 2056

خمسون وثلاث مئة سنة. قال: فما أَدْرَكْتَ؟ قال: السُّفن تأتي في هذا البحر - يعني النَّجف - بمتاع السَّند والهند، ورأيتُ المرأة تضعُ على رأسها المِكْتَل، لا تتزوَّد إلَّا رغيفًا واحدًا حتى تأتي الشام، ثم أصبحت الدنيا اليومَ خرابًا. فقال خالد: أسِلْمٌ أنت أم حَربٌ؟ قال: سِلْم. قال: فما هذه الحصونُ التي أرى؟ قال: بنيناها للسَّفيه نحبسُه عنَّا حتى يأتي الحليمُ فينهاه. فقال له خالد: فإني أدعوكم إلى الإِسلام، [فإن أبيتم فالجزية] فإن أبيتُم قاتلتكم برجالٍ يحبُّون الموت كما تُحبُّون شُربَ الخمر، فقال: لا حاجة لنا بقتالكم. فصالحه على تسعين ومئة ألف درهم. وفي رواية ابن الكلبي: فهي أول جزيةٍ حُملت من العراق. قال: ونظر خالد إلى عبد المسيح فرآه يُقلَّبُ شيئًا في يده، فقال له: ما هذا؟ قال: سَمُّ ساعةٍ، قال: وما تَصنع به؟ قال: إن وجدتُ عندك ما يُوافقُني وقومي قبلتُه، وإلا لم أكن بأول مَن ساق إلى قومه ذُلًّا وشرًا، فأشربه فأستريح من الحياة، فقال له خالد: فهاته، فناوله إياه، فقال خالد: بسم الله وبالله رب السماوات والأرضين الذي لا إله إلا هو، لا يضرُّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، ثم أكله فتجلَّلَتْه غَشيةٌ، وضرب بذَقنه على صدره، ثم عَرقَ، وأفاق كأنما أُنشِط من عِقال، فرجع عبد المسيح إلى قومه، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: جئتُكم من عند شيطانٍ أكل سَمَّ ساعةٍ فلم يضرَّه، فصالحوه على ما أراد، فهذا أمره معمول لهم، فصالحوه، وشرط عليهم خالد أن يكونوا عونًا للمسلمين، فدخلوا تحت شرطه، وكان عبدُ المسيح نصرانيًا عاش خمسين وثلاث مئة سنة وقد ذكرناه. وهو الذي بعثه كسرى إلى سطيح بالشام يسألُه عن رؤياه، وقد ذكرناه. وفي روايةٍ عن هشام عن أبيه قال: لما نزل خالدٌ الحيرةَ تَحصّن منه أهلُها، فأرسل إليهم: ابعثوا إليَّ رجلًا من عُقلائكم، فبعثوا عبد المسيح، فلما أتى خالدًا قال له: أنعِم صباحا أيها الملكُ؟ فقال خالد: قد أغنانا الله عن تَحيَّتك، وذكر بمعنى ما تقدَّم (١).

стр. 2057

وذكر ابنُ أبي الدنيا أن بعض أهل الحيرة خرج إلى ظاهرها، فحفر بئرًا قريبًا من ديرٍ خرابٍ فإذا كهيئة البيت، ورأى فيه رجُلًا على سريرٍ من زجاجٍ، وعنْد رأسه مكتوب: أنا عبد المسيح بن عمرو بن بُقيلة، عشتُ ثلاث مئةٍ وخمسين سنةً حاكمًا على الحيرة، ثم جاءني الموتُ فصيَّرني كما ترى، وتحته مكتوب: [من الوافر] حلبْتُ الدهرَ أَشْطُرَهُ حياتي … ونِلْتُ من المنى فوق المزيدِ وكافَحْتُ الأمورَ وكافحتني … ولم أَحفلْ بمُعْضلةٍ كَؤودِ وكِدْتُ أنالُ في الشَّرف الثُّريا … ولكن لا سبيلَ إلى الخُلودِ (١) فصلٌ في ذكر من عاش ثلاث مئة سنةٍ فما زاد (٢) قال الكلبي: عاش قُسُّ بن ساعدة ثلاث مئة وثمانين سنةً. وقد وهم، والصحيح مئةٌ وثمانون سنةً وقد ذكرناه في صدر السيرة. وعاش كعبُ بنُ حُمَمَة الدَّوْسي ثلاث مئة وتسعين سنةً، وعاش الرَّبيع بن ضَبُع الفَزاري ثلاث مئة وثمانين سنةً منها ستون سنةً في الإِسلام، وعاش المُسْتَوْغِر بنُ ربيعة ثلاث مئة وعشرين سنة وقال: [من الكامل] ولقد سئمتُ من الحياة وطُولِها … وعَمَرْتُ من بعد السنين مِئينا مئةٌ حَدَتْها بعدها مئتان لي … وازدَدْتُ من بعد الشُّهور سِنينا هل ما بَقى إلّا كما قد فاتني … يومٌ يَمرُّ وليلةٌ تَحدونا فأما من عاش ثلاث مئةٍ فخلقٌ كثيرٌ، منهم: ذو الإصْبَع العَدْواني واسمه: حُرْثان ابن مُحرِّث بن الحارثِ بن ربيعة، وهو أحدُ حُكَّام العرب في الجاهلية. وروى الهيثم بن عديّ عمر مِسْعَر بن كِدام، حدثنا سعيد (٣) بن خالد الجَدَلي قال: لمّا قَدِم عبد الملك بن مروان الكوفة بعد قتل مُصعب دعا الناس، فأتيناه فقال: مَن

стр. 2058

القومُ؟ فقلنا: جَدِيلة، فقال: جَدِيلةُ عَدْوان؟ قلنا: نعم، فتمثّل عبد الملك: [من الهزج] عَذيرَ الحيِّ من عَدْوا … نَ كانوا حيَّةَ الأرضِ ومنهم كانت السَّادا … تُ والمُوفون بالقَرْضِ ومنهم حَكمٌ يقضي … فلا يُنْقَضُ ما يَقضي ثم أقبل على رجلٍ كنا قدَّمناه أمامنا، جَسيمٍ وسيمٍ، فقال: لأيّكم هذا الشعرُ؟ فقال: لا أدري، فقلتُ من خَلْفه: لحُرْثان، فقال: لِمَ سُمِّي ذا الإِصبع؟ فقال: لا أدري، فقُلتُ: نَهشتْه حيَّةٌ في إصبعه، فقال: من أيّكم كان؟ فقال: لا أدري، فقلتُ: من ناجٍ. فأقبل على الجَسيم وقال: كم عطاؤك؟ قال: سبعُ مئة درهم، ثم أقبل عليَّ فقال: كم عطاؤك؟ قلتُ: أربع مئة درهم. فقال: يا أبا الزُّعَيْزِعَة، حُطَّ من عطاء هذا ثلاث مئةٍ، وزِدْها في عطاء هذا، يُشيرُ إليّ. ومنهم عمرو بن حُمَمَة الدَّوسي، وكان حاكما أيضًا على العرب، وهو القائل: [من الطويل] تقول ابنتي لمّا رأتني كأنَّني … سَليمُ أَفاعٍ ليلُهُ غيرُ مُودَع وما الموتُ أفناني ولكنْ تتابعتْ … عليَّ سنونٌ من مَصِيفٍ ومَرْبَع فأصبحتُ مثلَ النَّسْرِ طارت فِراخُه … إذا رامَ تَطيارًا يُقالُ له قَعِ أُخبِّرُ أخبارَ القُرونِ التي مضت … ولا بُدَّ يومًا أن يُطارَ بمَصْرعي ومنهم ذو جَدَن الحِميريّ، وشريةُ بن عبد الله الجُعْفي بن سعد العشيرة، وأدرك الإِسلام في زمان عمر، وكذا عبيد بن شَرِيَّة الجُرْهمي، وأسلم ووفد على معاوية في آخرين. وقال ابن قتيبة: عاش عَبيد بن الأبرص ثلاث مئة سنة (١). كتاب خالد إلى الفرس الذين بالمدائن روى مجالد عن الشعبي أنه وقف عليه، وفيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من خالد

стр. 2059

ابن الوليد إلى مَرازِبة أهل فارس، سلامٌ على مَن اتَّبع الهدى، أما بعد، فالحمد لله الذي سَلبكم مُلكَكم، وفضَّ جُموعَكم، ووَهَّن كيدَكم، وإنه مَن صلَّى صلاتَنا، وأكل ذَبيحَتَنا فهو المسلم الذي له ما لنا، وعليه ما علينا، فإذا جاءكم كتابي هذا فابعثوا إلى بالرُّهُن، واعتَقدوا مني عقد الذِّمَّة، وإلا فوالذي لا إله غيره لأبعثنَّ إليكم قومًا يُحبون الموتَ كما تُحبون الحياة، والسلام. فلما قرؤوا كتابَه جعلوا يَتعجَّبون (١). وقال سيف: لمّا فرغ خالد من اليمامة كتب إليه أبو بكر رضوان الله عليه: إنِ اللهُ فتح عليك فاقصد العراق حتى تلتقي عِياضَ بنَ غَنْم، وهو بين النَّباج والحجاز، وكتب إلى عياض أنْ سِرْ حتى تأتي المُصَيَّخ فابدأ بها، ثم ادخل العراق من أعلاها وعارِقْ حتى تلتقي خالدًا، وأْذَنا لمِن شاء بالرجوع، ولا تَفتح العراق بمُتكاره. واستمدَّ خالد أبا بكر، فأمدَّه بالقعقاع بن عمرو التميمي وحدَه، فقيل: أتمدّه برجلٍ واحد؟ فقال: لا يُهزم جيشٌ فيه مثل القعقاع، وأمدّ عِياضًا بَعَبد بن يَغوث الحِميري، وَكتب إليهما: استَنفِرا مَن ثَبت على الإسلام، ولا يَحضُرنَّ معكم مرتدّ، فلم يشهد تلك الأيام مرتدّ. فقدم خالد الأُبُلّة، وكان أبو بكر قد أمرهم بفَرْج الهند، وكان على موضع البصرة من قبل الفرس، قُطبة بن قتادة السَّدوسي، وعلى الأُبُلّة هرمز في ثمانية عشر ألفًا (٢) - فكتب خالد إلى هُرمز: أما بعد، فأَسلِم تَسلَم، أو أَقِرَّ بالجزية، وإلا فلا تَلُومَنَّ إلا نفسَك، فقد جئتُك بقومٍ يُحبون الموت كما تحبون الحياة. ولم يَسلك خالد بالجيش جُملة، وإنما فَرّقهم في ثلاث طُرف، فسرَّح المثنى قبله بيومين ودليلُه ظَفَر، وسَرَّح بعده عَديَّ بن حاتم وعاصم بن عمرو، [ودليلاهما مالك بن عباد] وسالم بن نَصْر، أحدهما قبل صاحبه بيوم، وخرج خالد ودليله رافع بن عمرو، ووعدهم جميعًا الحَفير ليجتمعوا هناك، ويُصادموا هُرمزًا، وكان فَرْجُ الهند - وهو الأُبُلَّة - أعظمَ بلاد فارس شأنًا، وأشدّه شَوكةً، وكان صاحبُه يُحارب العرب في البَرّ، وأهلَ الهند في البحر.

стр. 2060

وبعث هُرمز إلى [شيري بن] كسرى يَستمدُّه ويُخبره، ثم تَعجَّل إلى الكواظم في سَرَعان الناس ليَلقى خالدًا على الحَفير، فبادروهم، ونزل به، وتَهيَّأ للقتال، فجعل على مجنبته أخويه قُباذًا وأَنُو شجان - وقيل: إنهما كانا أخوين لأَرْدشير - واقترن القوم في السلاسل، فقال بعضهم: هذا طائرٌ مَشؤوم، قَيَّدتُم نفوسَكم لعدوّكم في السلاسل، فلم يلتفتوا، وقالوا: لعلكم تُريدون الهرب. وكان هرمز سيِّيءَ الجِوار للعرب، وهم له كارهون، وكانوا يَضربون المثَلَ بخُبْثِه فيقولون: أخبث من هرمز، وكان هُرمز قد سبق إلى الماء، فعطش المسلمون، فأرسل الله غَمامة، فشربوا منها. والتقى الفريقان، فقال هُرمز لأصحابه: إذا بارزتُ خالدًا فافتُكوا به، ونادى هرمز: ليَبرز إليَّ خالد، فبرز إليه، فتجاولا، واختلفا ضربَتين، واحتضنه خالد، وحمل أصحاب هُرمز عليه، فما شغله ذلك عنه حتى قتله، فلما قتله انهزمت الفُرس، وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل، ومنعتْهم السلاسلُ من الهزيمة، فقُتلوا وغَنمهم المسلمون. وقُتل من أهل فارس ثلاثون ألفًا سوى مَن غَرق، وقسم خالد الغنائم، وبعث بالأخماس إلى أبي بكر مع سعيد بن النعمان، وبعث بالسّلاسل أيضًا، فكانت وِقْرَ ألفِ بعير، على كلِّ بعير ألفُ رطل بالعراقي، فسُمّيت غزاة ذات السلاسل. وكان فيما بعث خالد إلى أبي بكر رضوان الله عليه قَلنسوة هرمز، وهي مُرَصَّعة بالجَوْهر، وقيمتُها مئةُ ألف درهم - وكان أحدهم إذا تم شَرفه جعل قلنسوتَه كذلك - وبعث معها بفيلٍ، فكان يُطاف به في المدينة، ويَتعجَّبُ منه الناس، ثم إن أبا بكر ﵁ أعاد القلنسوة إلى خالد، نَفَّله إياها، وكان يَلبَسها في الحرب. ثم سار خالد فنزل الجسر الأعظم بالبصرة، وسار المثنّى في آثار القوم، وأرسل معقل بن مُقَرِّن إلى الأُبُلّة فجمع الأموال والسبايا. وقال الطبري: كانت وقعة الأُبُلَّة في سنة أربع عشرة على يد عتبة بن غزوان في أيام عمر ﵁ (١).

стр. 2061

ولم يُزعج خالد أهلَ العراق لوصيّة أبي بكر، وإنما كان يَسبي أولادَ المقاتلة، وسار المثنى بن حارثة حتى انتهى إلى النهر المعروف بنهر المرأة، وعليه حصن فيه امرأة، فحاصره، وفتحه، وتزوَّج المرأة. قصة الحيرة كان بها مرزبان يقال له: آزاذبه، وقد بلغ نصف الشَّرَف، وقيمةُ قَلَنْسوته خمسون ألفًا، فلما أخرب خالد أَمْغِيشيا علم أنه غيرُ مَتروك، فتهيّأ للحرب، وقَدَّم ابنَه، ثم خرج في أثره، فعسكر خارجًا من الحيرة، وتُسمّى الحيرة فُرات بادَقْلَى وأمر ابنَه بسدّ الفرات، وأقام ابنُ آزاذبه على جانب الفرات، [ولما استقل خالد من أمغيشيا، وحمل الرجال في السفن مع الأنفال والأثقال، لم يفجأ خالد إلا والسفن جوانح، فارتاعوا لذلك، فقال الملّاحون: إن أهل فارس فجّروا الأنهار، فسلك الماء غير طريقه، فلا يأتينا الماء إلا بسدّ الأنهار، فتعجّل خالد في خيل نحو ابن آزاذبه، فتلقاه وجنده على فم فرات بادَقْلَى، فاقتتلوا فأنامهم، وفجّر الفرات] وسدّ الأنهار (١)، فعاد الماء إلى مجراه فجرت السفن، وبلغ آزاذبه مُصابَ ابنه، فقطع الفرات إلى المدائن. وجاء خالد فنزل الخَوَرْنق والسَّدير والنَّجف، وحاصر قُصور الحِيرة، ودفع كلَّ قصر إلى قائدٍ من قُوَّاده، فحاصر ضرار بن الأزور القصر الأبيض، وفيه إياس بن قَبيصة الطائي - وقد ذكرنا وفاة ضرار بن الأزور فيما تقدَّم، فإن صحّت هذه الرواية فقد تأخَّرت وفاتُه - وحاصر ضرار بن الخطاب قصرَ الفرس (٢)، وفيه عَديّ بن عَديّ، وحاصر المثنّى بن حارثة قصر ابن بُقَيْلة [وفيه] عبد المسيح، [فدعوهم جميعًا]، وأَجَّلُوهم يومًا، فأبى [أهلُ] الحيرة، فناوشهم المسلمون. فكان أوَّل القُوَّاد أنشب القتال ضرار بن الأزور، وصَبَّح كلُّ أميرٍ ثَغْرَه، فأكثروا فيهم القتل، فصاحوا: كُفُّوا عنا، وأوّلُ من طلب الصلح عبد المسيح بن بقيلة (٣)، ونزل أشرافُهم إلى خالد، فخيَّرهم بين الدُّخول في الإِسلام، وبين [الجزية، وبين]

стр. 2062

المناجزة، فاختاروا الصُّلح، وأَدَّوا الجِزية، وصالحوه كلَّ سنة على مئة ألف وَتسعين ألف درهم، وأهْدَوا له هدايا، فبعث بالهدايا والفتح إلى أبي بكر رضوان الله عليه فقبلها، وكتب إلى خالد: احسب لهم هداياهم من الجزية. وكان هذا الفتح في ربيع الأوّل [من هذه] السنة، ثم إنهم كفروا بعد موت أبي بكر رضوان الله عليه، ومنعوا ما كانوا يُؤَدُّونه، فحاربهم المثنى فأذعنوا، ثم كفروا، فقاتلهم سعد بن أبي وقاص ﵁ وأجلاهم، لما نذكر. قصة سُويد بن مُقَرْن (١) مع كَرامة بنت عبد المسيح ولما فتح خالد الحيرة قام شُوَيل وقال: يا خالد، سمعت رسول الله ﷺ يَذكر فتح الحيرة ويقول: "كأن [شُرَفَ] قصورها أضراسُ الكلاب" (٢)، وكانت قد وُصفت له كَرامة، فسألته إياها، فقال رسول الله ﷺ : "إذا فُتحت عَنوة فهي لك"، فقال خالد: مَن يشهد لك؟ فقام جماعة، فشهدوا له، فلما حاصر خالد القصر الذي هي فيه، أرسل أبوها عبد المسيح يسألُه الصُّلْح عليها، فأبى خالد، وقال: لا بد منها، فقال أبوها: إنكم لم تفتحوا القصر عَنوة، وتوقّف الحال، فقالت كرامة: ادفعوني إليه، ما تخافون عليّ وأنا عجوز قد بلغتُ ثمانين سنة، وسأفدي نفسي، وهذا رجلٌ أحمق، رآني في حال شبيبتي، فظنّ أن الشباب يدوم ففعل هذا، فدفعوها إليه، فخدعتْه وقالت: ما أَرَبُك إلى عجوزٍ كما ترى، فاشترت نفسها منه بألف درهم، وكان يظنُّها شابَّة، فقال: ما أرى إلا عجوزًا، فدفعتها إليه وأطلقها، فقال له خالد: ويحك ما صَنعتَ؟ لو طلبتَ فيها أُلوفًا لأخذتَ، فقال: ما كنتُ أظنُ عددًا يزيدُ على أكثر من ألف درهم، فقال خالد: أردتَ أمرًا وأراد الله غيره. واستقام لخالد ما بين الفَلاليج إلى أسفل السَّواد، وقال هشام: استقام له من الكوفة إلى دجلة التي عليها المدائن.

стр. 2063

وكان المسلمون يَمخرون من أرض العرب إلى دجلة، وليس للفُرس حكمٌ ما بين دجلة والفرات، وخيلُ خالد ما بين الحيرة والأُبُلّة، فأقام على ذلك سنة، وسبُبه موت أردشير بن بابك (١)، فإنه توفي في هذه السنة، واختل ملك الفرس فلما علم خالد باختلافهم كتب كتابَيْن إلى خواصّ الفرس، وكتابًا إلى العامّة، فأما كتاب الخاصة ففيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس، الحمد لله الذي حَلَّ نِظامَكم، ووَهَّن كيدَكم، فادخلوا في أمرنا نَدعْكم وأرضَكم، ونَجُوز إلى غيركم، وإلا كان ذلك وأنتم كارهون. وفي الكتاب الآخر: أَسْلِموا تَسلموا، وإلا فأَدُّوا الجِزية. وتهدَّدهم فيه بمعنى ما تقدَّم من كُتبه، ودعا رجلين من السواد، فقال لأحدهما: ما اسمُك؟ فقال: مُرَّة، فقال: خذ هذا الكتاب، وادفعه إلى مَن كُتب إليه، ولعلَّ الله أن يُمِرّ عليهم عيشَهم، وقال للآخر: ما اسمُك؟ قال: هِزْقيل، فقال: اللهمَّ أزهِقْ نفوسَهم، وبعثهما بالكتابَيْن، فلما أَوصلاهما وَجدا القوم مختلفي الكلمة، يَخلعون ويُمَلّكون. قصة الأنبار وسار خالد إلى الأنبار، فتَحصَّن أهلُها منه، وبعث على مُقدّمته الأقرع بن حابس، وكان بها مَرزبان يقال له: شيرازاد من عظماء الفرس، فصَعِد المرزبان والفرس على السور، وجاء خالد فأحدق بالبلد، وقال للرُّماة: ارشقوهم، واقصدوا عيونهم، فرشَقوهم بالنَّبْل، ففقؤوا عشرة آلاف عين في ساعة، وقيل: ألفُ عين، فسُمَّيت تلك الوقعة ذات العيون، فأرسل المرزبان إلى خالد يَسأله الصُّلحَ على شيء لم يَرضَه خالد، فلم يُجبه، وقال للعسكر: أَلقُوا ما معكم من رَوَايا الإبل في الخندق في أضيق مكان، ففعلوا، فاقتحم خالد الخندق، فبعث إليه المرزبان يسأله الصُّلح، على أن يُلحِقه بمَأْمَنْه وليس معه شيء، فأجابه. ودخل البلد فوجد فيه أَنابيرَ الطعام من الحنطة والشعير والعنب والتين، وكان

стр. 2064

كسرى يَرزق أصحابَه منه، فلذلك سُمَّي الأنبار، ووجد خالد في الأنبار قومًا يكتبون بالعربية وهم من العرب، فقال: من أنتم؟ فقالوا: من إياد نزلنا ههنا في أيام بختنصَّر (١). ولما سار خالد عن الأنبار استخلف فيها الزّبرقان بن بدر، وكاتب خالد مَن حول الأنبار؛ مثل أهل كَلْواذى والبَوازيج، فصالحهم، وكانوا عيونًا له من وراء دجلة، يُطالعونه بالأخبار، قال هشام: فلما فَصل خالد عن العراق نقض أهلُ الأنبار الصُّلح، وكذا مَن حولهم. ذكر موضع بغداد اليوم كان سوقًا لقُضاعة، فبعث خالد المثنّى، فأغار عليهم، وجمع ما كان فيه، وعاد إلى خالد، وقيل: إن هذه الوَقْعة والغارة كانت بعد انفصال خالد عن العراق في سنة ثلاث عشرة، وسنذكرها إن شاء الله تعالى. قصة عين التَّمْر ولما فرغ خالد من الأنبار سار إلى عين التَّمْر، وبها جَمعٌ عظيم من الفرس والعرب، وعلى الفرس مِهران بن بَهرام، وعلى العرب عقَّة بن أبي عقّة، فقال عقّة لمهران: نحن أعرف بقتال بعضنا لبعض فدعني وخالدًا، فكلَّمت الفرسُ مهران في ذلك، فقال: إن كانت الغلبةُ لعقَّة فهو فتحٌ لكم، وإن كانت عليه وصلوا إليكم وقد ضَعُفوا، وقد نَهَكَتْهم الحرب، فتَظهروا عليهم. وخرج عقّة إلى خالد، فالتقوا دون عين التّمر، واقتتلوا، فحمل خالد على عقّة، فأسره وقتل أصحابه، وانهزم الباقون، وبلغ مهران فهرب من الحصن، ونزل فيه مَن انهزم من أصحاب عقّة، وسبق جماعةً من الحصن، ووجد في بِيعة الحصن أربعين غُلامًا يتعلّمون الإنجيل، ففرّقهم في المسلمين، وكان فيهم سيرين أبو محمَّد بن سيرين، وحُمران مولى عثمان بن عفان، وأبو عمرة جد عبد الله بن عبد الأعلى الشاعر،

стр. 2065

وأبو زياد مولى ثَقيف، ونُصَير أبو موسى بن نُصَير، وابن أخت النَّمِر، ويَسار مولى قَيْس بن مَخْرمة وغيرهم، واستُشهد جماعة من المسلمين في عين التَّمْر نذكر أعيانَهم في آخر السَّنة. قصة دُومَة الجَنْدَل ولما فرغ خالد من عين التَّمر استخلف عليها عُويمر بن الكاهن الأَسلمي، وسار إلى دومة الجندل، وكان عليها رئيسان: أكَيْدر بن عبد الملك والجُوديّ بن ربيعة، فقال أكيدر: أنا أعلم الناس بخالد، لا يرى أحدٌ وجهَه إلا انهزم، فصالِحوه، فأبى الجُوديُّ عليه، فقال: لا حاجةَ لي بقتال خالد، وخرج أكيدر من الحصن، فوقع عليه جندُ خالد فقتلوه، واستنفر الجُوديُّ قبائلَ العرب بَهراء وكَلْب وغسّان وتنوخ والضَّجاعم وأحلافهم، والتقوا، وخرج الجوديُّ من الحصن، فاقتتلوا قتالاً عظيمًا، وأُسِر الجُوديُّ فقُتل، وفُتح الحصن، وسبق خالد ابنةَ الجوديِّ، وكانت موصوفةً بالجمال، وقيل: إنها أُسرت فاشتراها خالد، وأقام بدومَة أيامًا. قصة الحُصَيد ولما فتح خالد دومة الجندل تحرَّكت الفُرس عليه، وكاتبهم عربُ الجزيرة، غضبًا لمَن قُتل من أصحاب عقّة وفرسانهم، فرجع خالد إلى الحيرة، وبعث الأقرع بن حابس إلى الأنبار، والقَعقاع بن عمرو إلى مكان يقال له: الحُصيد، وبعث عُروة بن الجَعْد البارقي إلى الخنافس، وفي رواية أن الفرس جَهَّزوا رُوزبة وزَرْمهْر من المدائن يقصدان عين التمر، وكان خالد قد نزل قريبًا من الحيرة، وكان خليفتَه على الجزيرة القعقاع بنُ عمرو، وأنه هو الذي رتّب هذا الترتيب، وسار القعقاع بجيوشه، فالتقى رُوزبه وزرمهر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وقتل رُوزبه وزرمهر، وانهزمت الفرس، ولم يَشهد خالد أوَّلَ الوَقْعة وأدرك آخرها، وبعث بالغنائم والسبايا إلى المدينة، فاشترى علي بن أبي طالب ابنة ربيعة بن بُجير، فولدت له عُمر ورُقيّة.

стр. 2066

قصة الفِراض وهو حصن بين العراق والشام والجزيرة، فيه فُرسان وسلاحٌ كثير، وهو مجاور للروم، وعزم خالد على قَصْده، وبلغ الروم فغضبوا، واستعانوا بمَن يليهم من مسالح (١) أهل فارس والعرب: تَغْلب وإياد والنَّمِر وغيرهم، واستخلف خالد على الحيرة عياض بن غنم، وسار إليهم في جيوشهم، والتَقَوا والفرات بينهم، خالد من المغرب، وهم من المشرق، فراسلوه وقالوا: إما أن تَعبُر إلينا، أو نَعبر إليك، فقال: بل أنتم فاعبروا، فقالوا: تنحَّ من مكانك حتى نَعبر، فقال: لا نفعل، ولكن اعبُروا أسفلَ منا، فعبروا وكانت بينهم وقعة عظيمة، قُتل منهم مئةُ ألف، وأُسِرَ مَن بقي، وغنم المسلمون أموالهم، وذلك أول ذي القعدة، وقيل: في نصفه. ذكر حجة خالد قال سيف: لما فرغ خالد من الفِراض أظهر أنه قاصدٌ الحيرة، وكتم حَجَّه عن الناس، ثم استخلف على الجزيرة المثنّى بن حارثة، وأخذ معه عِدَّةً من أصحابه، وسار يَعتسف الفيافي والمفاوز بالسَّمْت، فتأتَّى له ما لم يَتأتَّ لغيره من الأَدِلّاء، وصار ذلك طريقًا من الحيرة إلى مكة وإلى هلمَّ جَرّا، وهي الجادَّةُ المعروفة لأهل العراق، وكان خروجُه إلى ذات عِرْق ثم إلى عرفات، فحجَّ مع الناس ونَسك المناسك، وعاد إلى العراق في الطريق الذي جاء فيه. وبلغ ذلك أبا بكر رضوان الله عليه، فشق عليه لكونه لم يستأذِنْه في ذلك، فعاتبه بأنْ كتب إليه، فصرفه من العراق إلى الشام، وهذا يدلُّ على أن أبا بكر لم يحجَّ في هذه السنة، لأنه لو حجَّ لاجتمعا، ولم يحتجْ إلى مكاتبته، ولم يُنقل ذلك، فكتب أبو بكر إلى خالد: من عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله ﷺ إلى خالد بن الوليد، سلام عليك، أما بعد، فإذا أتاك كتابي هذا فسِرْ بمَن معك من المسلمين إلى اليرموك، وإياك أن تَعودَ إلى

стр. 2067

ما فعلتَ، ولا يَدخُلنَّك عُجبٌ فتَخسر، وتمِّم أبا سليمان النيَّة والحُظْوة، يُتمّم الله لك (١)، وإياك أن تُدِلَّ بعملك، فإن المنَّ لله، وهو وليُّ الجزاء والسلام. ولما قرأ خالد كتابَه قال: هذا من عمل الأُعَيسِر، حَسَدني أن يكون فتحُ العراق على يدي. قال ابنُ إسحاق: كتب أبو بكر رضوان الله عليه وهو بالعراق: أما بعد، فدَع العراق، وخَلِّف فيه أهلَه الذين قدمتَ عليهم وهم فيه، ثم امضِ متخفِّفًا في أهل القوَّة من أصحابنا، الذين قدموا معك من أهل الحجاز، حتى تأتي الشام، فتلقى أبا عبيدة ومن معه من المسلمين، فإذا لَقيتَهم فأنت أميرُ الجماعة، والسلام. ذكر انفصال خالد عن العراق إلى الشام لما انفصل خالد عن العراق استخلف المثنى بن حارثة على مَن تخلَّف من المهاجرين، ومَن بقي معه من الصحابة والتابعين، فانحاز بهم نحو البرّيّة مما يلي الأنهار، مخافة عليهم من الفُرس حتى يأتيهم المدد، وأخذ خالد على السَّماوة حتى انتهى إلى قُراقر، وبينها وبين سُوَى خمس ليال، فلم يعرف الطريق، فدُلَّ على رافع بن عمرو، وكان هاديًا خِرّيتًا، فقال: ما عندك يا رافع؟ فقال: هذه مَفاوز موحشة، ومَهامِه مُقفرة، ما سلكها إلا مغرور، ومعكم أَثقال، فمن استطاع منكم أن يُصيِّر أُذنَ راحلته على ماء فليفعل، ثم قال: ابغِني عشرين جَزورًا عظامًا سمانًا، فأتاه بها، فظمَّأهُنّ حتى أَجْهَدَهُنَّ عطشًا، ثم سقاهنّ من الماء حتى روين، ثم قطع مَشافرَهُنَّ لئلا يَجتَررْن، وكَعَمَهُنَّ (٢) لئلا يَفسُدَ الماء في أجوافهنَّ بالجرة، ولئلا يخرج، ثم قال لخالد: سِرْ. فسار، فكلما نزلوا منزلًا نحو من تلك الجزائر أربعًا، وسقى ما في بطونهنّ الخيل، وشرب الناس مما تزوَّدوا من الماء، فلما كان اليوم الخامس وقد نُحرت الجَزور كلها قال له خالد: ما ترى؟ وكان رافع قد رَمِدَ، فقال: انظروا هل تَرون شجرَ عَوسَج؟ فنظروا، فقالوا: لا، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هلكتَ يا خالد وأهلكْتَ، ثم وقف وقال: انظروا جيدًا، فنظروا، فلاح لهم شجرُ العَوْسَج على بُعد، فأخبروه، فقال: الله أكبر، أدركتُم الرِّواء، فلما وصلوا إلى شجر العَوْسج وجدوا عندها عينًا عذبة، فشربوا وسقوا،

стр. 2068

فقال رافع: والله ما سلكتُ هذا المكان إلا مرةً واحدةً مع أبي وأنا غلامٌ صغير، فقال أبو أحيحة القرشي من أصحاب خالد: [من الرجز]: لله دَرُّ رافع أنَّى اهتدى فَوَّز من قُراقرٍ إلى سُوى خِمسًا إذا ما سارها الجيشُ بَكى ما سارها قبلَك إنسيٌّ يُرى والعينُ عينٌ قد تَغشَّاها القذى فهو يَرى بقلبه ما لا يرى قلبٌ حَفيظٌ وفُؤادٌ قد وَعى والسَّيرُ زَعْزَاعٌ فما فيه وَنَى هذا لعَمْري رافعٌ هو الهُدى عند الصباح يَحمَدُ القومُ السُّرى (١) ورافع هذا من طيئ، ويقال له: رافع الخير، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، غزا مع عمرو بن العاص غزاة ذات السَّلاسل، وصحب أبا بكر فيها، وروى عنه ولم ير رسول الله ﷺ (٢). وقال ابن عساكر كُنيتُه أبو الحسن السَّنبِسي، وله صحبة، وروى عنه طارق بن شهاب، قال: بعث رسول الله ﷺ جيشًا، وأمَّر عليهم عمرو بنَ العاص، وفيهم أبو بكر وعمر، فقال: دُلُّونا على رجلٍ يَختصر الأرض، [ويأخذ] غير الطريق، فدُلَّ عليَّ، فكنتُ دليلَهم في تلك الغزاة، ورافقتُ فيها أبا بكر، فكان يُنيمُني على فراشه، ويُلبِسني كساءً له من أكسية فَدَك، قال: وتُوفّي في أيام عمر بن الخطاب.

стр. 2069

وقال الدارقطني: هو الذي قطع ما بين الكوفة ودمشق في خمس ليال (١). واستقامت لخالد الطريق، وتواصلت به المياه حتى نزل مَرْج عَذراء وبه ناس من غسان، فأصاب منهم، ومضى حتى نزل على قناة بُصرى وبها أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة والأمراء، فصالحهم أهلُ بُصرى على الجزية، فكانت أول جزية وقعت بالشام في أيام أبي بكر رضوان الله عليه، ولما وصل خالد إليهم صار أميرًا عليهم. وقال هشام: لما خرج خالد من البرّية، ووصل إلى أطراف الشام قال: مَن يأخذ بنا إلى اليرموك من وراء الروم؟ فأخرجوه قِبلي القريتين، فمرَّ بالغوطة وبها غسَّان، وعليهم الحارث بن الأَيهم الغساني، فانتَسف خالد عسكرهم وعيالهم، ثم نازل بُصرى فافتتحها، وهي أول مدينة فُتحت بالشام. وقال الهيثم: لما وصل خالد إلى سُوى شنَّ الغارات، وكان عليه بَهراء، وهم أهلُ ذلك الماء، فأغار عليهم قُبيل الصبح، وناس منهم يَشربون الخمر، فقيل: الغارة، فقال واحد منهم: تَمِّموا فلعلكم لا تشربونها بعد اليوم، وكان عندهم مُغنًّ وهو يقول: [من الطويل] ألا عَلِّلاني قبل جيشِ أبي بكر … لعلّ منايانا قريبٌ وما ندري ألا عَلِّلاني بالزُّجاج وكَرِّرا … عليَّ كُمَيتَ اللونِ صافيةً تَجري ألا فاسقياني من سُلافةِ قهوةٍ … تُسَلِّي همومَ النفسِ من جَيِّد الخمر وسمعه خالد، فهجم عليه، فضرب رأسه، فأبانه ووقع في الجَفنة (٢). وفي هذه السنة تزوَّج عمر بن الخطاب عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل بعد وفاة عبد الله بن أبي بكر الصديق، وكانت تحت عبد الله، وقد ذكرناها في ترجمته. وفيها اشترى عمرُ أسلمَ مولاه. وفيها تزوَّج عليٌّ أمامةَ بنت أبي العاص، وأمُّها زينب بنت رسول الله ﷺ ، أخت فاطمة ﵍.

стр. 2070

وفيها جمع أبو بكر القرآن، قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، عن ابن السَّبَّاق، عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر مَقْتَلَ أهلِ اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب جالسٌ عنده فقال: أَخبَرني عمر أنَّ القتلَ قد استَحَرَّ يومَ اليمامة بقُرَّاء القرآن، وأخشى أن يَستَحِرَّ القتلُ بهم في كل مَوطن، فيَذهبَ كثيرٌ من القرآن، وإني أرى أن تَجمع القرآن، قال أبو بكر: فقلتُ لعمر: كيف أفعلُ شيئًا لم يفعلْه رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل يُراجِعُني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدرَ عمر. ثم قال أبو بكر: يا زيد، إنك رجلٌ شابٌّ عاقلٌ لا نَتَّهمُك، وقد كنتَ تكتبُ الوحيَ لرسول الله ﷺ ، فتَتبَّع القرآن فاجْمعه، قال زيد: فوالله لو كلَّفني نَقْلَ جبلٍ من الجبال ما كان أثقلَ عليَّ مما أمرني به، فقلتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعلْه رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو والله خيرٌ، فلم يزل يُراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄. فتتبَّعتُ القرآن، فجمعتُه من الرِّقاع والعُسُب والأكتاف وصدور الرجال، حتى وجدتُ من سورة التوبة آيتين مع خُزيمة بن ثابت لم أجدهما مع غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخرهما. فكانت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر حتى تَوفَّاه الله، ثم عند حَفصة بنت عمر. انفرد بإخراجه البخاري (١)، ثم إن عثمان رضوان الله عليه جمع القرآن مرةً ثانية. وفيها اعتمر أبو بكر في رجب، دخل مكةَ ضَحوة، فأتى منزلَه، وأبو قحافة جالس على باب داره، ومعه فِتيانٌ يُحدّثهم، فقيل له: هذا ابنُك، فنهض قائمًا، وعجل أبو بكر أن يُنيخ راحلته، فنزل عنها وهي قائمة، فجعل يقول: يا أبة لا تَقُم، ثم لاقاه فالتزمه، وقبَّلَ بين عيني أبي قحافة، وجعل الشيخ يبكي فرحًا بقُدومه. وجاء إلى مكة عَتَّاب بن أسيد، وسُهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل،
следующие страницы →