قصة الفِراض
وهو حصن بين العراق والشام والجزيرة، فيه فُرسان وسلاحٌ كثير، وهو مجاور للروم، وعزم خالد على قَصْده، وبلغ الروم فغضبوا، واستعانوا بمَن يليهم من مسالح (١) أهل فارس والعرب: تَغْلب وإياد والنَّمِر وغيرهم، واستخلف خالد على الحيرة عياض بن غنم، وسار إليهم في جيوشهم، والتَقَوا والفرات بينهم، خالد من المغرب، وهم من المشرق، فراسلوه وقالوا: إما أن تَعبُر إلينا، أو نَعبر إليك، فقال: بل أنتم فاعبروا، فقالوا: تنحَّ من مكانك حتى نَعبر، فقال: لا نفعل، ولكن اعبُروا أسفلَ منا، فعبروا وكانت بينهم وقعة عظيمة، قُتل منهم مئةُ ألف، وأُسِرَ مَن بقي، وغنم المسلمون أموالهم، وذلك أول ذي القعدة، وقيل: في نصفه.
ذكر حجة خالد
قال سيف: لما فرغ خالد من الفِراض أظهر أنه قاصدٌ الحيرة، وكتم حَجَّه عن الناس، ثم استخلف على الجزيرة المثنّى بن حارثة، وأخذ معه عِدَّةً من أصحابه، وسار يَعتسف الفيافي والمفاوز بالسَّمْت، فتأتَّى له ما لم يَتأتَّ لغيره من الأَدِلّاء، وصار ذلك طريقًا من الحيرة إلى مكة وإلى هلمَّ جَرّا، وهي الجادَّةُ المعروفة لأهل العراق، وكان خروجُه إلى ذات عِرْق ثم إلى عرفات، فحجَّ مع الناس ونَسك المناسك، وعاد إلى العراق في الطريق الذي جاء فيه.
وبلغ ذلك أبا بكر رضوان الله عليه، فشق عليه لكونه لم يستأذِنْه في ذلك، فعاتبه بأنْ كتب إليه، فصرفه من العراق إلى الشام، وهذا يدلُّ على أن أبا بكر لم يحجَّ في هذه السنة، لأنه لو حجَّ لاجتمعا، ولم يحتجْ إلى مكاتبته، ولم يُنقل ذلك، فكتب أبو بكر إلى خالد:
من عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله ﷺ إلى خالد بن الوليد، سلام عليك، أما بعد، فإذا أتاك كتابي هذا فسِرْ بمَن معك من المسلمين إلى اليرموك، وإياك أن تَعودَ إلى
стр. 2067
ما فعلتَ، ولا يَدخُلنَّك عُجبٌ فتَخسر، وتمِّم أبا سليمان النيَّة والحُظْوة، يُتمّم الله لك (١)، وإياك أن تُدِلَّ بعملك، فإن المنَّ لله، وهو وليُّ الجزاء والسلام. ولما قرأ خالد كتابَه قال: هذا من عمل الأُعَيسِر، حَسَدني أن يكون فتحُ العراق على يدي.
قال ابنُ إسحاق: كتب أبو بكر رضوان الله عليه وهو بالعراق: أما بعد، فدَع العراق، وخَلِّف فيه أهلَه الذين قدمتَ عليهم وهم فيه، ثم امضِ متخفِّفًا في أهل القوَّة من أصحابنا، الذين قدموا معك من أهل الحجاز، حتى تأتي الشام، فتلقى أبا عبيدة ومن معه من المسلمين، فإذا لَقيتَهم فأنت أميرُ الجماعة، والسلام.
ذكر انفصال خالد عن العراق إلى الشام
لما انفصل خالد عن العراق استخلف المثنى بن حارثة على مَن تخلَّف من المهاجرين، ومَن بقي معه من الصحابة والتابعين، فانحاز بهم نحو البرّيّة مما يلي الأنهار، مخافة عليهم من الفُرس حتى يأتيهم المدد، وأخذ خالد على السَّماوة حتى انتهى إلى قُراقر، وبينها وبين سُوَى خمس ليال، فلم يعرف الطريق، فدُلَّ على رافع بن عمرو، وكان هاديًا خِرّيتًا، فقال: ما عندك يا رافع؟ فقال: هذه مَفاوز موحشة، ومَهامِه مُقفرة، ما سلكها إلا مغرور، ومعكم أَثقال، فمن استطاع منكم أن يُصيِّر أُذنَ راحلته على ماء فليفعل، ثم قال: ابغِني عشرين جَزورًا عظامًا سمانًا، فأتاه بها، فظمَّأهُنّ حتى أَجْهَدَهُنَّ عطشًا، ثم سقاهنّ من الماء حتى روين، ثم قطع مَشافرَهُنَّ لئلا يَجتَررْن، وكَعَمَهُنَّ (٢) لئلا يَفسُدَ الماء في أجوافهنَّ بالجرة، ولئلا يخرج، ثم قال لخالد: سِرْ.
فسار، فكلما نزلوا منزلًا نحو من تلك الجزائر أربعًا، وسقى ما في بطونهنّ الخيل، وشرب الناس مما تزوَّدوا من الماء، فلما كان اليوم الخامس وقد نُحرت الجَزور كلها قال له خالد: ما ترى؟ وكان رافع قد رَمِدَ، فقال: انظروا هل تَرون شجرَ عَوسَج؟ فنظروا، فقالوا: لا، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هلكتَ يا خالد وأهلكْتَ، ثم وقف وقال: انظروا جيدًا، فنظروا، فلاح لهم شجرُ العَوْسَج على بُعد، فأخبروه، فقال: الله أكبر، أدركتُم الرِّواء، فلما وصلوا إلى شجر العَوْسج وجدوا عندها عينًا عذبة، فشربوا وسقوا،
стр. 2068
فقال رافع: والله ما سلكتُ هذا المكان إلا مرةً واحدةً مع أبي وأنا غلامٌ صغير، فقال أبو أحيحة القرشي من أصحاب خالد: [من الرجز]:
لله دَرُّ رافع أنَّى اهتدى
فَوَّز من قُراقرٍ إلى سُوى
خِمسًا إذا ما سارها الجيشُ بَكى
ما سارها قبلَك إنسيٌّ يُرى
والعينُ عينٌ قد تَغشَّاها القذى
فهو يَرى بقلبه ما لا يرى
قلبٌ حَفيظٌ وفُؤادٌ قد وَعى
والسَّيرُ زَعْزَاعٌ فما فيه وَنَى
هذا لعَمْري رافعٌ هو الهُدى
عند الصباح يَحمَدُ القومُ السُّرى (١)
ورافع هذا من طيئ، ويقال له: رافع الخير، وهو من الطبقة الأولى من التابعين من أهل الكوفة، غزا مع عمرو بن العاص غزاة ذات السَّلاسل، وصحب أبا بكر فيها، وروى عنه ولم ير رسول الله ﷺ (٢).
وقال ابن عساكر كُنيتُه أبو الحسن السَّنبِسي، وله صحبة، وروى عنه طارق بن شهاب، قال: بعث رسول الله ﷺ جيشًا، وأمَّر عليهم عمرو بنَ العاص، وفيهم أبو بكر وعمر، فقال: دُلُّونا على رجلٍ يَختصر الأرض، [ويأخذ] غير الطريق، فدُلَّ عليَّ، فكنتُ دليلَهم في تلك الغزاة، ورافقتُ فيها أبا بكر، فكان يُنيمُني على فراشه، ويُلبِسني كساءً له من أكسية فَدَك، قال: وتُوفّي في أيام عمر بن الخطاب.
стр. 2069
وقال الدارقطني: هو الذي قطع ما بين الكوفة ودمشق في خمس ليال (١).
واستقامت لخالد الطريق، وتواصلت به المياه حتى نزل مَرْج عَذراء وبه ناس من غسان، فأصاب منهم، ومضى حتى نزل على قناة بُصرى وبها أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة والأمراء، فصالحهم أهلُ بُصرى على الجزية، فكانت أول جزية وقعت بالشام في أيام أبي بكر رضوان الله عليه، ولما وصل خالد إليهم صار أميرًا عليهم.
وقال هشام: لما خرج خالد من البرّية، ووصل إلى أطراف الشام قال: مَن يأخذ بنا إلى اليرموك من وراء الروم؟ فأخرجوه قِبلي القريتين، فمرَّ بالغوطة وبها غسَّان، وعليهم الحارث بن الأَيهم الغساني، فانتَسف خالد عسكرهم وعيالهم، ثم نازل بُصرى فافتتحها، وهي أول مدينة فُتحت بالشام.
وقال الهيثم: لما وصل خالد إلى سُوى شنَّ الغارات، وكان عليه بَهراء، وهم أهلُ ذلك الماء، فأغار عليهم قُبيل الصبح، وناس منهم يَشربون الخمر، فقيل: الغارة، فقال واحد منهم: تَمِّموا فلعلكم لا تشربونها بعد اليوم، وكان عندهم مُغنًّ وهو يقول: [من الطويل]
ألا عَلِّلاني قبل جيشِ أبي بكر … لعلّ منايانا قريبٌ وما ندري
ألا عَلِّلاني بالزُّجاج وكَرِّرا … عليَّ كُمَيتَ اللونِ صافيةً تَجري
ألا فاسقياني من سُلافةِ قهوةٍ … تُسَلِّي همومَ النفسِ من جَيِّد الخمر
وسمعه خالد، فهجم عليه، فضرب رأسه، فأبانه ووقع في الجَفنة (٢).
وفي هذه السنة تزوَّج عمر بن الخطاب عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل بعد وفاة عبد الله بن أبي بكر الصديق، وكانت تحت عبد الله، وقد ذكرناها في ترجمته.
وفيها اشترى عمرُ أسلمَ مولاه.
وفيها تزوَّج عليٌّ أمامةَ بنت أبي العاص، وأمُّها زينب بنت رسول الله ﷺ ، أخت فاطمة ﵍.
стр. 2070
وفيها جمع أبو بكر القرآن، قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، عن ابن السَّبَّاق، عن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر مَقْتَلَ أهلِ اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب جالسٌ عنده فقال: أَخبَرني عمر أنَّ القتلَ قد استَحَرَّ يومَ اليمامة بقُرَّاء القرآن، وأخشى أن يَستَحِرَّ القتلُ بهم في كل مَوطن، فيَذهبَ كثيرٌ من القرآن، وإني أرى أن تَجمع القرآن، قال أبو بكر: فقلتُ لعمر: كيف أفعلُ شيئًا لم يفعلْه رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل يُراجِعُني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدرَ عمر.
ثم قال أبو بكر: يا زيد، إنك رجلٌ شابٌّ عاقلٌ لا نَتَّهمُك، وقد كنتَ تكتبُ الوحيَ لرسول الله ﷺ ، فتَتبَّع القرآن فاجْمعه، قال زيد: فوالله لو كلَّفني نَقْلَ جبلٍ من الجبال ما كان أثقلَ عليَّ مما أمرني به، فقلتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعلْه رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو والله خيرٌ، فلم يزل يُراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄.
فتتبَّعتُ القرآن، فجمعتُه من الرِّقاع والعُسُب والأكتاف وصدور الرجال، حتى وجدتُ من سورة التوبة آيتين مع خُزيمة بن ثابت لم أجدهما مع غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخرهما.
فكانت الصحف التي جُمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثم عند عمر حتى تَوفَّاه الله، ثم عند حَفصة بنت عمر.
انفرد بإخراجه البخاري (١)، ثم إن عثمان رضوان الله عليه جمع القرآن مرةً ثانية.
وفيها اعتمر أبو بكر في رجب، دخل مكةَ ضَحوة، فأتى منزلَه، وأبو قحافة جالس على باب داره، ومعه فِتيانٌ يُحدّثهم، فقيل له: هذا ابنُك، فنهض قائمًا، وعجل أبو بكر أن يُنيخ راحلته، فنزل عنها وهي قائمة، فجعل يقول: يا أبة لا تَقُم، ثم لاقاه فالتزمه، وقبَّلَ بين عيني أبي قحافة، وجعل الشيخ يبكي فرحًا بقُدومه.
وجاء إلى مكة عَتَّاب بن أسيد، وسُهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل،
стр. 2071
والحارث بن هشام، فسلّموا عليه: سلامٌ عليك يا خليفة رسول الله، وصافحوه جميعًا، وأبو بكر يَبكي كلما ذكروا رسول الله ﷺ ، وسلَّموا على أبي قُحافة، فقال أبو قحافة: يا عَتيق، هؤلاء الملأ من قريش فأَحسنْ صُحبتهم، فقال أبو بكر ﵁: يا أبه، لا حول ولا قوة إلا بالله، طُوِّقتُ عظيمًا من الأمر، لا قوة لي به ولا يدان إلا بالله تعالى (١)، ثم دخل إلى البيت، فاضطبع بردائه، ثم استلم الرّكن، ثم طاف سبعًا وركع ركعتين، ثم انصرف إلى منزله، فلما كانت الظهر خرج فطاف أيضًا بالبيت، ثم جلس قريبًا من دار الندوة وقال: هل من أحد يَتشكَّى من ظُلامة، أو يَطلبُ حقًا، فما أتاه أحد، وأثنى الناس على واليهم خيرًا، ثم صلّى العصر وودَّعه الناس، ثم خرج راجعًا إلى المدينة (٢).
وعزى أبو بكر سهيل بنَ عمرو في ولده عبد الله بن سهيل، وكان قد استُشهد باليمامة، فبكى سهيل وقال: لقد بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "يشفع الشهيد في سبعين من أهله"، وأنا أرجو ألا يَبدأ ابني بأحدٍ قبلي (٣).
وشكا إلى أبي بكر بعضُ أهل مكة [أبا] سفيان بن حرب، فأحضره، وجعل يَصيح عليه وينتهره، وأبو سفيان يَذلُّ له، فقال له أبو قحافة: يا عَتيق، أعلى أبي سفيان تَصيح، لقد تعدَّيتَ قدْرَك، وجاوزْتَ (٤) طَوْرَكَ، فقال له: يا أبتِ، إن الله هدم بالإِسلام بيوتًا منها بيتُه، وعَمر به بيوتًا منها بيتُك، وفي رواية: إن الله أعزَّ بالإِسلام قومًا وأذل به آخرين (٥).
واختلفوا فيمن حج بالناس، فقال ابن سعد: حج أبو بكر بالناس تلك السنة، وأَفرد الحج، واستَخلف على المدينة عثمان بن عفان (٦).
وقال الهيثم: حجّ بهم عمر بن الخطاب، وقيل: عبد الرحمن بن عوف.
стр. 2072
وقال ابن إسحاق: لم يحجّ في خلافته؛ لأنه كان مشغولًا بتجهيز الجيوش إلى العراق والشام، وإنما اعتمر في رجب (١).
وفيها توفي أردشير بن شيرويه، واختلف أهلُ مملكته يُولّون ويَعزلون، ويَخلعون ويُملّكون، وكان ذلك من سعادة الإِسلام والمسلمين.
وكان شيرويه قد أفنى أولاد الملوك ومن كان يُناسبه إلى كسرى بن قباذ فلم يبق للفرس مَن يجتمعون إليه، فتحيّروا في أمرهم، ولم يبق لهم إلا الدَّفع عن المدائن، فولَّوا ابن أردشير، واسمه قباذ، وكان عمره سبع سنين، فأقام خمسة أشهر (٢).
وكان شهريار بن أبرويز مقيمًا بأنطاكية، قد جهزه أبوه شهريار إلى المدائن، وكان أخوه شيرويه قد قتل أباه أبرويز على ما تقدم، فلما وصل إلى المدائن ملكها، وقتل قباذ ابن أردشير وظلم وطغى وبغى، وفضح النساء، وهتك الحريم، فوثبوا عليه فقتلوه، وكان مُلكه عشرين يومًا.
بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري
وكنيته أبو النعمان، من الطبقة الأولى من الخزرج، شهد العقبة مع السبعين، وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وأمُّه أنيسة بنت خليفة من ولد امرئ القيس، وهو والد النعمان بن بشير، وكان يكتب بالعربية في الجاهلية، واستعمله رسول الله ﷺ على السلاح في عُمرة القضيّة سنة سبع، وهو الذي كسر الأمر على سعد ابن عبادة يوم السقيفة، وبايع أبا بكر أول الناس (٣).
قال عمر بن الخطاب يومًا في مجلس فيه المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو تَرخَّصت في شيءٍ ما كنتم تصنعون؟ فقال بشير: لو فعلتَ قَوَّمناك تقويمَ القِداح (٤).
وكان بشير زوج أخت عبد الله بن رواحة، وله منها ابنة يقال لها عمرة (٥)، واستشهد
стр. 2073
بشير يوم عين التَّمر، وأسند الحديث عن رسول الله ﷺ ، وروى عنه ابنه النعمان وغيرُه.
عمير بن رئاب بن حُذافة السَّهمي
وأمُّه أم وائل بنت معمر بن حبيب.
وعمير من الطبقة الثانية من المهاجرين، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وقُتل بعين التمر شهيدًا، ولا عقب له، ولا رواية (١).
كنّاز (٢) بن الحُصين بن يربوع
أبو مَرْثَد الغَنَوي، حليفُ حمزة بن عبد المطلب، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول الله ﷺ ، وآخى بينه وبين عبادة بن الصامت، وله صُحبة ورواية، وتوفي بالمدينة وهو ابن ستًّ وستين سنة، وولَدُه مَرْثَد بن أبي مرثد، شهد بدرًا على فَرسٍ يقال له: السَّبل، وشهد أحدًا، وقتل يوم الرَّجيع [شهيدًا، وكان أميرًا في هذه السرية، وذلك في صفر] على رأس ستة وثلاثين شهرًا من مُهاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة (٣).
أبو العاص بن الربيع
ابن عبد العُزَّى بن عبد شمس بن عبد مناف، واسمه مُهَشِّم، وأمُّه هالة بنت خويلد، أخت خديجة زوج النبي ﷺ ، وزوَّجه رسول الله ﷺ ابنتَه في الجاهلية، فولدت له عليًّا وأُمامة.
فأما علي فدخل رسول الله ﷺ يومَ الفتح مكةَ وهو رديفُه، ومات صغيرًا قد ناهز الحُلُم.
وأما أُمامة فتزوَّجها علي ﵁.
وأبو العاص من الطبقة الثالثة من المهاجرين، أسلم بين الخندق وفتح مكة، وكان
стр. 2074
يقال له: جَرْو البطحاء، لأنه كان وَسيطًا في نسبه، وكان من رجال قريش المعدودين، ويقال له: الأمين، وكان صاحبَ مالٍ ومروءة وأمانة، وكان النبي ﷺ يَشكره ويُثني عليه، وقال: ما ذَمَمْنا صهر أبي العاص.
وقال مَعروف المكي: خرج أبو العاص بن الربيع في بعض أسفاره إلى الشام في الجاهلية، فاشتاق إلى زينب ﵂ فقال: [من البسيط]:
ذكرتُ زينبَ لما ورَّكت إرما … فقلتُ سَقيًا لشخص يَسكن الحَرَما
بنت الأمين جزاها الله صالحةً … وكلُّ بعلٍ سيثني بالذي علما
وإرم: هي دمشق.
وكان أبو العاص مصافيًا لرسول الله ﷺ ، فكان يُكثر غِشيانه في منزل أمّه هالة. أسلم قبل الحديبية بخمسة أشهر، ولما أسلم رجع إلى مكة ولم يشهد مع رسول الله ﷺ مشهدًا، وتوفي في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة، وقيل سنة ثلاث عشرة. وقال ابن منده: قتل يوم اليمامة، ولم يتابعه على ذلك أحد، وليس له عقب إلا من قبل ابنة له، وأخوه عمرو بن الربيع من مسلمة الفتح (١).
* * *
стр. 2075
السنة الثالثة عشرة
وفيها جهّز أبو بكر رضوان الله عليه الجيوش إلى الشام، وقال الواقدي: بعد مُنصرفه من حجّه إلى المدينة، وعقد الألوية؛ فأولُ لواءٍ عَقَده لواء خالد بن سعيد بن العاص، ثم لواء عمرو بن العاص، ثم لواء يزيد بن أبي سفيان، ثم لواء أبي عبيدة بن الجراح، ثم لواء شُرحبيل بن حَسَنة، ثم لواء الوليد بن عقبة. وقَدَّم على الجميع خالد ابن سعيد بن العاص، ثم عزله قبل أن يسيروا، وولّى عليهم يزيد بن أبي سفيان، وقال لعمرو بن العاص: اذهب إلى فلسطين، فخرج على طريق أيْلة، ثم قال للباقين: سيروا على تبوك واخرجوا على البَلْقاء، وكانوا سبعة آلاف، وأمَر خالد بن سعيد بن العاص أن يقيم بتيماء ردْءًا لهم.
وخرج أبو بكر معهم ماشيًا يُشيَّعهم على عادته في جيش أسامة وغيره، وكان أول الأمراء الذين خرجوا إلى الشام يزيد بن أبي سفيان.
قال المصنف: وقد اختلفت الروايةُ في تجهيز أبي بكر الجيوشَ إلى الشام على قولين، أحدهما ذكره الهيثم وقال: إنه جَهّزهم في سنة اثنتي عشرة، ودليلُه قصَّة خالد لما جاء من العراق إلى الشام واجتمع بالأمراء على بُصرى، والثاني: أنه جهزهم في أول هذه السنة، والأول أظهر.
ذكر وصيّة أبي بكر رضوان الله عليه لأمرائه:
وكان مما أوصى الأمراء أن قال ليزيد بن أبي سفيان: يا يزيد، إذا أقبلتَ على أهل عملك فعِدْهُم الخير، وإذا وعدتَ فأنجز، ولا تُكثر الكلام فإن بعضَه يُنسي بعضًا، وإذا قَدم عليك رُسُل عدوِّك فأحسن نُزُلَهم، فإنه أولُ خيرك إليهم، ولا تُطِلْ مُقامَهم عندك؛ لئلا يَطَّلعوا على عورات المسلمين، واحفظ سِرَّك لئلا يَخرج أمرُك، وإذا استشرتَ فاصدُق الخبر، ولا تكتم المستشار فتُؤتى من قِبل نفسك، وإذا بلغك عن عدوِّك عَورة فاكتُمها حتى تواتيه، واستر الأخبار في عسكرك، وأَذْكِ العيون والحرس، واصدُق اللقاء إذا لقيت، ولا تَجبن فتُجبن مَن سواك (١).
стр. 2076
وقال ابن عمر: مشى أبو بكر معهم ميلين، فقالوا: يا خليفة رسول الله ارجع، أولو انصرفت، قال: لا، إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَن اغبرَّتْ قدماه في سبيل الله حرَّمَهما الله على النار" (١)، ثم قام في الجيش فقال: أوصيكم بتقوى الله، [لا تعصوا، ولا تغلوا] ولا تغدروا، ولا تُمثّلوا، ولا تهدموا بِيعةً، ولا تحرقوا نخلًا، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تقتلوا شيخًا كبيرًا ولا صبيًا صغيرًا، وستجدون أقوامًا قد حبسوا أنفسَهم، فذروهم وما حبسوا أنفسهم له، وستَجدون مَن يغدوا عليكم بألوان الطعام ويروح، فلا يأتيكم [لونٌ] إلا ذكرتُم اسمَ الله عليه، بسم الله، سيروا على بركة الله، ثم عاد إلى المدينة (٢).
وقال يزيد بن أبي سفيان: أوصاني أبو بكر ﵁ لما بعثني إلى الشام، فقال: يا يزيد، إن لك قرابةً عَسيتَ أن تُؤثرهم بالإمارة، وذلك أكثرُ ما أخاف عليك، فإن رسول الله ﷺ قال: "مَن وَلي من أمر المسلمين شيئًا فأَمَّر عليهم أحدًا مُحاباةً فعليه لعنةُ الله، لا يَقبل الله منه صرفًا ولا عدْلًا حتى يُدخله جهنّم، ومَن أعطى أحدًا حِمى الله فقد انتهك في حِمى الله شيئًا بغير حقِّه، فعليه لعنةُ الله، أو قال: فقد بَرِئت منه الذّمَّة، أو ذمَّةُ الله تعالى" (٣).
ذكر سبب عزلِ خالد بن سعيد
قال ابن إسحاق: قدم خالد بن سعيد من اليمن بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فتربص ببيعة أبي بكر شهرين، ولقي علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، فقال: يا بني عبد مناف لقد طِبتُم نفسًا عن أمركم يليه غيرُكم، فأما أبو بكر فلم يحقدْها عليه، وأما عمر فاضْطَغَنها عليه، فلما أمَّره قال له عمر: أَتُؤمَّره وقد صنع ما صنع، وقال ما قال، فلم يزل به حتى عزله، وأمّر يزيد بن أبي سفيان (٤).
وقال سيف: قدم خالد بن سعيد من اليمن، وكان قد ولاه رسول الله ﷺ اليمن،
стр. 2077
فأقام يتربّص ببيعة أبي بكر شهرين، وقال: أمّرني رسول اللَّه ﷺ ولم يعزلْني حتى قبضه اللَّه، فخرج يومًا وعليه جُبَّةُ حرير أو ديباج، فلقي عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، فصاح عمر بمَن يليه: مَزِّقوا عليه جُبَّتَه، فصاح خالد: يا أبا الحسن، يا بني عبد مناف، أغُلِبتم عليها؟ فقال له عمر: فضَّ اللَّه فاك، واللَّه لا تزال تَخوضُ فيما قلت، ثم لا تضرَّ إلا نفسَك، فلما عقد له أبو بكر على الشام قال له عمر: أَتُولِّيه وقد قال ما قال، وإنه واللَّه لمَخْذولٌ، ضعيفُ الرؤية (١)، كاذبٌ أحمق، فلا تستنصر به، فأطاع أبو بكر عمر في بعض أمره، ثم عصاه في البعض، فعزله عن إمرة الشام، وجعله ردءًا بتيْماء، وقال له: أقم بها رِدءًا للمسلمين.
وقال الواقدي: لما قدم خالد بن سعيد من اليمن أقام في بيته ثلاثة أشهر لم يبايع، ولا دخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم مرَّ عليه أبو بكر وهو على باب داره، فسلّم عليه فقال له خالد، أتحبُّ أن أُبايعك؟ فقال: أحبّ أن تَدخل في صالح ما دخل فيه المسلمون، فقال: مَوعدك العَشيَّة، فجاء وأبو بكر على المنبر فبايعه، وكان رأيُ أبي بكر فيه حسنًا، وكان مُعظّمًا له، فلما بعث أبو بكر الجيوش إلى الشام عقد له لواءً على المسلمين، وجاء أبو بكر باللواء إلى بيت خالد، فعاتبه عمر، ولم يزل به حتى عزله عن إمرة الشام، وأرسل إلى خالد أبا أَرْوى الدَّوْسي: ارْدُدْ علينا لواءَنا، فدفعه إليه وقال له: واللَّه ما سرَّتنا ولايتُكم، ولا ساءنا عزلُكم، وإن الملومَ لغيرُك -يعني عمر؛ لأنه هو الذي نقل الحديث، وألجأه إلى عزله- فما شعر خالد إلا بأبي بكر وقد دخل عليه داره، وأخذ يَعتذر إليه، ويعزم عليه أن لا يذكر عمر بحرف، قالت أم خالد بنت خالد: فواللَّه ما زال أبي يترحَّم على عمر حتى استشهد (٢).
ولما سار خالد إلى الشام مع الأمراء كان يسير تحت لواء أبي عبيدة، فقيل له: تدعُ المسير تحت لواء ابن عمك يزيد بن أبي سفيان وتسير تحت لواء الغير! فقال: مَسيري مع أخي في ديني أحبُّ إلى من مسيري مع ابن عمي (٣).
стр. 2078
قال هشام: سار خالد تحت لواء شرحبيل بن حسنة، فقيل له في ذلك فقال: لأن شرحبيل بن حسنة رفيقي في الهجرة إلى الحبشة، وكان على عهد رسول اللَّه ﷺ يَنصرني على ابن عمي.
وقال أبو بكر رضوان اللَّه عليه لشرحبيل: إن خالدًا قد اختارك على ابن عمِّه، فاعرف له ذلك، فإن رسول اللَّه ﷺ توفي وهو راضٍ عنه، وولاه، وكنتُ قد ولَّيتُه، ثم رأيتُ عزلَه، وعسى أن يكون خيرًا له في دينه، وبلغ خالدًا فقال: واللَّه ما عزلني إلا طاعة للأعيسر، ثم ذكره بعد.
ولما توجه الأمراء قال أبو بكر لخالد بن سعيد: إذا نزلت تيماء فادعُ ما حولَها من العرب، وأقم هناك حتى يأتيك أمري. فسار إليها فأقام بها، واجتمع إليه خلقٌ كثير، وبلغ الروم فضربوا البعْثَ على عرب الضاحية بالشام، فنفر إلى نُصرة الروم طوائف العرب: بَهْراء وكلب وتنوخ وجُذام وغسّان ولَخْم وغيرهم، فكتب خالد إلى أبي بكر يَستمدُّه، فكتب إليه أبو بكر: أَقدِمْ ولا تُحجم، واستنصر باللَّه، فسار إليهم خالد فتفرَّقوا، ودخل عامَّتُهم في الإِسلام.
وسار إلى خالد بِطريقٌ من الروم في جمع عظيم، اسمه باهان، والتقوا، فهزمه خالد، وقتل جُنده، وكتب إلى أبي بكر ﵁ بالفتح وأن يُمدَّه فأمدّه.
وأما عمرو بن العاص فإنه لما تَوَجه إلى فلسطين كتب إليه أبو بكر يُخيِّره بيّن أن يغزو إلى الشام، وبين أن يَرجع إلى ما ولاه رسول اللَّه ﷺ من صدقات كلب وقضاعة، فاختار الجهاد في سبيل اللَّه، وكتب إلى الوليد بن عُقبة بمثل ذلك فأجابه مثل ما أجاب عمرو، فأمَّر عمرو على فلسطين والوليد على الأردن.
وكان يزيد بن أبي سفيان أميرَ الجيوش، وفي جُنده سُهيل بن عمرو وأشراف مكة، واستعمل أبو بكر أبا عبيدة على حمص، وأمدّ خالد بن سعيد بعكرمة بن أبي جهل وذي الكَلاع، وكتب إلى الوليد بن عُقبة أن يجتمع مع خالد بن سعيد بمشارف الشام، فسار خالد إلى مرج الصّفَر، فاجتمع بالوليد، ثم نزلا بالواقوصة، وقيل: بيّن الواقوصة ودمشق.
ولما سار خالد للقاء الوليد أخذ عليه الطريق بِطريق يُقال له: ماهان، وكان قد
стр. 2079
تقدَّم خالدًا ابنُه سعيد في جماعة، فصادفهم البطريق وهم لا يشعرون، فهزمهم، وبلغ الخبر خالد بن سعيد فهرب في نَفرٍ يسير، فلم تنته [الهزيمة به] عن ذي المروة، ثم قدم المدينة منهزمًا، فغضب أبو بكر على خالد ونال منه، وقال: إنك لا تخوض الغمرات، ولا تصبر في الشدائد، وياليتني أطعتُ عمر فيك، ثم ردَّه إلى الشام، وأقام عكرمة بن أبي جهل بتيماء ردءًا للمسلمين، ثم أمّر أبو بكر معاوية بن أبي سفيان، وأَمَره أن يلحق بأخيه يزيد بن أبي سفيان، فسار إليه يسير تحت لوائه.
فصل ذكر جموع الروم
قال علماء السِّير: ولمّا بلغ الروم مسيرُ يزيدَ بن أبي سفيان والأمراء إلى الشام، كتبوا إلى هرقل وهو بحمص يُخبرونه بذلك، فجمع خواصَّه وعلماءَه واستشارهم وقال: الرأيُ عندي الصلحُ، وإن لا تُقاتلوا هؤلاء القوم. فخالفوه وقالوا: لا بد من قتالِهم وإخراجهم من الشام إلى حيث جاءوا. وقيل: إنما كان هرقل بالقسطنطينيةِ فسار حتى نزل حمص، وكانت دار الملك بالشامِ، ثم جمع العساكر وسيَّرهم إلى المسلمين، فبعث أخاه لأبيه وأمه واسمه تَذارق إلى عمرو بن العاص في تسعين ألفًا، فنزلوا قريبًا من فلسطين بثنيّة جلّق، وبعث جَرَجَه بن توذرا نحو يزيد بن أبي سفيان، فعسكر بإزائه في خمسين ألفًا، وبعث الدّراقص إلى شُرَحبيل بن حسنة في ستين ألفًا قريبًا منه، وبعث الفيقار بن نسطوس إلى أبي عبيدة بن الجراح، فنزل بإزائه في ستين ألفًا. وكان مقصود هرقل أن يُرعب المسلمين، ويحول بين بعضهم والبعض، فهابهم المسلمون؛ لأن جموعهم لم تبلغ سبعةً وعشرين ألفًا، وجموعُ الروم مئتان وستون ألفًا سوى مَن تأخَّر مع هرقل، ومَن كان في المدائن والحصون من المقاتلة، وكانوا يزيدون على أربع مئة ألف مقاتل.
فكتب المسلمون إلى عمرو بن العاص ما الرأي؟ فكتب إليهم: أن نَجتمع، فإن مثلنا إذا اجتمعنا كالقِداح المجتمعة لن نُغلب عن قلّةٍ.
وكتبوا إلى أبي بكرٍ فأجابهم بمثل ما قال عمرو، وقال: انزلوا اليرموك. فساروا إليه بأجمعهم فنزلوه. وكتب هرقلُ إلى جيوشه: انزلوا بإزائهم، فنزلوا، وصار الوادي خندقًا بينهم، وهو وادٍ عظيم لا يُدْرك، ونزلت الرومُ بمكانٍ ضيِّقٍ ليس لهم طريقٌ إلَّا
стр. 2080
من مكانٍ واحدٍ، فقال عمرو: هذا فتحُ باب النصر والظَّفر.
فأقاموا على تلك الحال شهر صفر وشهريْ ربيعٍ لا يصلُ أحدٌ من الفريقين إلى الآخرْ فكتب المسلمون إلى أبي بكرٍ يستمدونه فأمدَّهم بخالدِ بن الوليد من العراق، فوافاهم خالدٌ في شهر ربيع الآخر على ما ذكرنا.
وقال الواقدي: وافاهم خالدٌ قبل أن ينزلوا اليرموكَ، وإنما كان أبو عبيدة وشُرَحبيل بن حسنة على بُصرى، فوافاهم خالدٌ هناك فلما فصلوا عن بُصرى نزلوا اليرموك.
وكان مع خالد لما قدم من العراق تسعةُ آلافٍ فصار المسلمون في ستةٍ وثلاثين ألفًا، وجاءهم عكرمةُ وفُلّالُ خالد بن سعيد بن العاص في عشرة آلاف، فصار المسلمون في ستة وأربعين ألفًا ففرحوا وقويت قلوبُهم.
وكان الروم نحوًا من ثلاث مئة ألفٍ منهم ثمانون ألفًا قد قُرِنوا بالسلاسل. وقيل: كان جملةُ الروم مئتين وستين ألفًا.
وقال الهيثم: كتب إليهم أبو بكرٍ: انزلوا اليرموكَ واجتمعوا كما قال عمرو بن العاص، وعسكِروا بمكانٍ واحدٍ، فلن يُؤتى مثلكم عن قِلَّةٍ، واللَّهُ ناصر من ينصرُه، وليصل كلُّ أميرٍ منكم بعسكره، وأذكوا الحرسَ والعيون والطوالع.
وكتب إلى خالد: سِرْ من العراق إلى الشام، واستخلف المثنى بن حارثة. فسار خالدٌ ووافاهم في شهر ربيع الآخر.
وقال هشام: فجهَّز إليهم هرقل جيشًا كثيفًا عليه بطريق يُقال له: ماهان. فطلع عليهم وبين يديه الشمامسة والرهبانُ والقُسس يُحرِّضونهم على القتال، فوافى قُدومُه قدوم خالدٍ فقال خالد: أنا له فالتقوا، وتحركت الروم من منزلها، فقاتلهم الأُمراءُ وقاتل خالد بن الوليد ماهان، فانهزم وقُتل من أصحابه خلق عظيم.
قصة اليرموك
قال علماءُ السِّير كابن إسحاق والواقدي وهشام وسيف بن عمر وغيوهم، قالوا: لما هزم خالد بن الوليد ماهان وألجؤوا الرومَ إلى الخنادق، خرجت الرومُ على تعبئةٍ لم
стр. 2081
ير الراؤون مثلها؛ منهم ثمانون ألفًا مقرَّنون في السلاسل، والرجّالة وكانوا مئةً وخمسين ألفًا حولهم مثل الخنادق، والقسس والرُّهْبانُ والشمامِسة والأساقِفَةُ بين أيديهم قد نَشروا الأناجيل، والصُّلْبانُ في أعناقهم، وهم يُحرِّضونهم على القتال، فشاهد المسلمون أمرًا لم يُشاهدوا مثلَه، وهالهم ذلك، وكان في أول جُمادى الأولى.
فقام خالدُ بن الوليد في الناس وقال: هذا يوم من أيام اللَّه تعالى. لا ينبغي فيه الجبنُ والعجزُ والفَشَلُ، أَخْلِصوا للَّه تعالى جهادَكم، وأريدوا وجهه بعملكم وعندي رأي، قالوا: وما هو؟
قال: نقسم الإمارة بيننا، واحدٌ اليوم، وواحد غدًا، وواحد بعد غد، فإنا إن أَلجأناهم إلى الخنادق اليوم لم نزل ظاهرين عليهم أبدًا، وإن هزمونا اليوم لم نُفْلح أبدًا. قالوا: فافعل.
فقال: أنا اليوم أميرُكم.
فأمَّروه عليهم فكردس الخيل ستة وأربعين كُردوسا (١)، وجعل أبا عبيدة في القلبِ، وعمرو بن العاص في الميمنة، ويزيد بن أبي سفيان في الميسرة، وفي الجناح الواحد شُرَحْبيل بن حسنة وفي الآخر القعقاع بن عمرو، وفرق الأمراء على الكراديس مثل الزبير بن العوام، وعكرمة بن أبي جهل، وعياض بن غَنْم، وهاشم بن عتبة، وعبد الرحمن بن خالد، وصفوان بن أُمية، ومعاوية بن خُدَيْج، وعبد اللَّه بن قيس، وعمرو بن عَبَسة، وزياد بن حنظلة، ودِحْية بن خليفة، وسعيد بن خالد، وحبيب بن مسلمة، وأبو الأعور السُّلَمي، وابن ذي الخِمار.
وقال جدي في المنتظم (٢): وجعل ذا الكلاع على كردوس. وهو وهم، لما ذكرنا أن ذا الكلاع أسلم في أيام عمر، وسنذكره.
وكان القاضي على العسكر أبو الدرداء، وكان الواعظ والمحرِّضَ أبو سفيان بن حرب، وكان يقف على الكراديس ويقول: اللَّه اللَّه، أنتم أنصَارُ الدين، وهذا يوم من
стр. 2082
أيام اللَّه تعالى، وروي عنه خلاف هذا لما نذكر في ترجمته في سنة اثنتين وثلاثين.
وكان على الطّلائع قَباث بن أَشْيَم، وعلى الأقباض عبد اللَّه بن مسعود، وكان القاري المقدادُ بن الأسود، وقيل: ابن مسعود، قال ابن عباس: وكان رسولُ اللَّه ﷺ قد سنَّ عند لقاء المشركين قراءة سورةِ الأنفال، قال ابن إسحاق: وشهد اليرموك ألفٌ من الصحابة، منهم مئة من أهل بدر وتسع مئة من غيرهم.
وتطاردت الفرسانُ، ونشب القتالُ، فبينما هم على ذلك إذ قدم البريد من المدينة وهو مَحْميةُ بن زُنَيم، فأخذته الخيولُ، وسألوه الخبرَ، فأخبرهم بالسلامة وبوصول المدد، وإنَّما جاء بكتاب عمر رضوان اللَّه عليه إلى أبي عبيدة يُخبره بوفاة أبي بكر، وتولية أبي عبيدة على الناس، فأبلغوه خالدًا، فأسرّ إليه بموت أبي بكر، وأخبره بما قال للجند فقال: أحسنت، وأخذ خالد الكتاب فجعله في كنانته، وخاف إن أظهره أن ينتشر عليه الأمرُ، ويضطربَ النَّاسُ.
قال المصنف ﵀: والأصح أن هذا الكتاب لم يكن فيه عزلُ خالدٍ، وإنما كان فيه وفاةُ أبي بكر، وأنه مات قبل اليرموك بعشر ليال، وإنما عُزِلَ خالدٌ في الكتابِ الثاني لما نذكر.
قصة جرجة بجيمين
قال علماء السير: فلما تراءى الفريقان خرج قائدٌ عظيم من قُوادِ الروم يقال له: جَرَجة بن توذرا، فوقف بين الصفين وقال: ليَبْرُز إليَّ خالدٌ بأمان، فبرز إليه وأمّنه، فقال له: يا خالد اصدُقني فإنَ الحرَّ لا يكذبُ، ولا تُخادعني فإن الكريم لا يُخادعُ المسترسل باللَّه، أسألك باللَّه هل أنزل اللَّه على نبيكم سيفًا من السماء فأعطاه لك، فلا تَسُلُّه على أحد أو على قومٍ إلا هزمتَهم؟ قال: لا، قال. فبم سُمِّيتَ سيف اللَّه؟ فقال خالد: هذا لقبٌ لقَّبني به رسول اللَّه ﷺ لما أسلمتُ فقال: "أنت سيفٌ من سيوف اللَّه سلَّه اللَّه على المشركين" ودعا لي بالنَّصْرِ، فلا ألقى أحدًا إلا هزمتُه. فقال له: يا خالد إلام تدعون؟
قال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، والإقرارِ بما جاء من
стр. 2083
عند اللَّه.
قال: فمن لم يُجِبكم إلى ذلك؟ قال فالجِزيةُ. قال: فمن لم يُؤدِّها؟ قال: نُؤذِنُهُ بحربٍ ثم نُقاتِله. قال: فما منزلةُ مَن أجابكم إلى هذا الأمر اليوم؟ قال: منزلتُنا. قال: فهل لمن دخل فيه اليوم مثل مالكم من الأجر؟ قال: نعم وأفضلُ. قال: فكيف يُساويكم وقد سبقتُموه؟ قال: لأنا دخلنا في هذا الأمر ونبيُّنا ﷺ حيٌّ بين أظهُرنا، يأتيه خَبرُ السماء، وحُقَّ لمن رأى ما رأينا أن يُبايعَ ويُسلمَ، وإنكم أنتم لم تروا ما رأينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب، وما ظهر لنبينا من المعجزات، فمَن دخل في هذا الدين كان على بينةٍ من ربه وهُدى فكان أفْضلَ.
فقال: صدقتَني، وقلب التّرس، ومال مع خالد وقال: علِّمني الإِسلام، فمال به خالد إلى فُسطاطِه فشنَّ عليه ماءً، ثم أسلم وصلَّى ركعتين.
وحملتِ الرومُ على المسلمين لما شاهدوا ذلك حَمْلةً مُنكَرةً فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية، [عليهم] عكرمةُ بنُ أبي جهل والحارث بن هشام وغيرهما.
وركب خالد وجَرجة، فتراجعت الرومُ إلى مواقفها، فزحف خالدٌ ومعه جرجة والمسلمون، فما زالوا يضربونهم بالسيوف من لدن ارتفاع النهار إلى أن جَنحتِ الشمسُ للغُروب، ثم أُصيب جَرَجَةُ، ولم يكن سجد للَّه تعالى إلا الركعتين اللتين أسلم عليهما. -ويقال: إن ماهان بعث جَرَجَة رسولًا إلى خالدٍ، فلما، شاهد أحوال المسلمين أسلم- وصلى الناس الظُّهْرَ والعصر بالإيماءِ، ومال خالد عليهم بالقَلْب، فتفرَّقت خيولهم، وعدل نحو الرَّجَّالةِ فأبانهم، واقتحم خنادقهم، فاقتحموا الواقُوصَةَ خَوْفًا من القتل، فتردّى فيها المقرَّنون في السلاسل بأسرهم، وهلك معهم أربعون ألفًا، فكان جملةُ الهالكين عشرين ومئة ألف، ثمانون ألف مقيّدٍ، وأربعون ألف مطلقٍ، سوى من قُتل في المعركة من الفرسان والرَّجَّالة، وتجلَّل الفيقارُ نائبُ الملك وأشراف الرومِ بَرانِسَهم، وجلسوا وقالوا: لا نُحِبُّ أن نرى يومَ السوء بالنَّصْرانية (١)، فقُتلوا في تزمُّلِهم.
стр. 2084
وكان الفيقارُ قد بعث قبل ذلك جاسوسًا إلى عسكرِ المسلمين ليأتيه بأخبارهم، فعاد إليه فقال: رأيتُهم بالنَّهار فرسانًا، وبالليل رُهبانًا، ولو سرق ابنُ ملكهم لقطعوا يده، ولو زنى لأُقيم عليه الحدُّ لإقامة الحقِّ فيهم، فقال الفيقارُ: لَبَطنُ الأرض لنا اليوم خيرٌ من ظهرها.
وقُتل أخو الملك ووجوهُ أصحابهِ، وأُسرَ التذارق صاحبُ جيشه، وانتهت الهزيمةُ إلى هِرَقْل وهو دون حمص فارتحل وجعل حمص بينه وبينهم.
وقال سيف: أُصيب يوم اليرموك وجوهُ المسلمين: عكرمةُ بن أبي جهل، والحارث بن هشام، وعبد الرحمن بن العوام أخو الزبير بن العوام، وأبان بن سعيد، وأثبت خالد بن سعيد بن العاص فلا يُدرى أين ذهب.
قلت: وهذا وهم، فإن خالد استُشهد بمرج الصّفَّرِ لما نذكُرُ.
قال: وأُصيب ضرار بن الأزور فعاش بعد ذلك. وهذا وهم أيضًا، فإن ضرارَ بن الأزورِ قُتل يوم اليمامة. قال: واستُشْهِدَ الطفيلُ بن عمرو، وهذا وهم؛ لأن الطُّفيلَ استشهد يوم اليمامة، وسنذكرُ أعيان مَن استشهد باليرموك في آخر السنة.
وقال الواقدي: قاتل النساءُ يومئذٍ قتالًا شديدًا منهن: جويرية بنتُ أبي سفيان. وأُصيبت عينُ أبي سفيان بن حرب، وأُخرج النَّصْلُ منها.
وعامة علماء السِّير على أن وقعة اليرموك كانت في السنة الثالثة عشرة من الهجرة إلَّا الواقديَّ، فإنه قال في سنة خمس عشرة، حكاه ابن سعد عنه، وكذا قال ابن عساكر في تاريخه فإنه قال: المحفوظُ أنها كانت في سنة خمس عشرة، قال: وقال سيف: في سنة ثلاث عشرة ولم يُتابعه عليه أحدٌ (١).
قلتُ: قد تابعه ابن إسحاق وهشام وعامة العلماء، فإنهم قالوا: أوَّلُ فتحٍ أتى عمر ابن الخطاب من الشام فتحُ اليرموك على عشرين ليلةً من وفاة أبي بكر ﵁.
وقال الهيثم: كان أبو بكرٍ قد هيَّأ لكل كُورةٍ أميرًا، ومرض في جُمادى الأُولى وتُوفي في نصفه قبل اليرموك بعشر ليالٍ.
стр. 2085
وقال ابن إسحاق: قدم بفتح اليرموك على عمر جريرُ بنُ عبد اللَّه الحميري، ثم أقام أبو عبيدة بمرج الصُّفَّرِ حتى ورد عليه كتابُ عمر بمنازلة دمشق.
واختلفوا في أوَّل صلحٍ جرى بالشام في أوَّل الإِسلام، فقال الواقدي: كان ذلك على قريةٍ بالبلقاء يُقال لها: مَآب، مرَّبهم المسلمون فقاتلوهم ثم صالحوهم.
وقال ابن إسحاق: أوَّل صُلحٍ جرى صلح خالد بن الوليد مع أهل بُصرى، لمَّا انفصل عن الغوطة، صالح على كل رأسٍ دينار وجريب حنطةً، أو قيمةُ الجريب دينارًا وذلك في كلّ عام.
وقال الهيثم: كان ذلك أوَّل صلحٍ في الشام اتفقوا عليه: خالد وأبو عبيدة وشرحبيل بن حسنة ثم انفصلوا عن بُصرى، وجرت وقعةُ اليرموك بعد ذلك.
وقال القعقاع بن عمرو في يوم اليرموك: [من الوافر]
ألم ترنا على اليرموك فُزنا … كما فُزنا بأيام العراقِ
فَتحْنا قبلَها بُصرى وكانت … مُحرَّمةَ الجناب على العناق
وعَذْراء المدائن قد فتحنا … ومرجَ الصُّفَريْنِ على العِتاق
قَتلنا الرّومَ حتى ما يُساووا … على اليرموك ثُفروقَ الوِراقِ
فَضَضْنا جمعَهم حتى استحالوا … على الواقوص بالبُتْر الرِّقاق
غداةَ تَهافتوا فيها فصاروا … إلى أمرٍ يُعضّل بالذّواق
وقال الأسود التميمي: [من الطويل]
وكم قد أَغَرْنا غارةً بعد غارةٍ … ويومًا كريهًا قد أضلت أهاوِلُه
لقيناهم اليرموك لما تضايقتْ … بقيصر باليرموك منه حمائلُهْ
فلا يَعْدَ مَنْ منا هرقلُ كتائبًا … إذا رامها رام الذي لا يحاولُه (١)
فصل: وفيها في أَوَّلِ السنةِ كان قد استقام أمرُ شهريار بن كسرى (٢) بعد خُروج خالد إلى الشام، فوجَّه شهريار إلى المثنى بن حارثة خليفة خالد على العراقِ جيشًا في
стр. 2086
عشرة آلافٍ مع هرمز جاذَوَيْه، ومعه فيلٌ عظيم، وكتب شهريار إلى المثنى كتابًا يُرعبه فيه ويقول: قد بعثتُ إليك جندًا من وَحْشِ أهل فارس، إنما هم رُعاةُ الدَّجاج والخنازير، ولستُ أُقاتِلُك إلا بهم. فكتب إليه المثنى: الحمدُ للَّه الذي اضطرك إلى رُعاةِ الدجاج والخنازير. فقرأ كتابَه على أهل فارس، فجزع أهل فارس وقالوا: جَرَّأتَ علينا عدوَّنا. وإنَّما أُتيَ شهريارُ من حيثُ مولدُهُ ولؤمُ مَنشَئه؛ لأنه كان نشأ بمَيْسان، وقالوا له: إذا كتبتَ بعدها كتابًا إلى أحدٍ فاستَشِر.
وسار المثنى من الحيرةِ فالتقوا ببابلَ فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكان الفيلُ يخرقُ الصفوفَ بحملاته، فقال المثنى: مَنْ له؟ فقصده رجلٌ من العربِ فقتله، فانهزمت الفرسُ، والمسلمون في آثارِهم يقتلون ويأسِرون، وانهزم هرمز جاذَوَيه، وقُتِلَ شهريار. وقيل: مات حين انهزم الجيشُ. والأصح أن أهلَ فارسٍ قتلوه وقد ذكرناه في صدر الكتاب في الفُرْسِ الثانية.
ولمّا قُتِلَ شهريارُ لم يَبْقَ من الفُرسِ ذكرٌ؛ قتل شيرويه بن أبيرويز الجميع إلا ابنتين لأبرويز، وهما: بوران، فأقامتِ العدْلَ وأحسنت السيرةَ، فأقامت سنة وسبعة أشهر ثم ماتت، وقيل: قُتِلَتْ. فملكوا عليهم آزَرْمي دخت أُخت بوران، فأقامت ستَّة أشهر وقُتِلت. ثم ملكوا يَزْدَجرْدَ بنَ شهريار.
قال هشام: وأبطأ على جيوشِ العراق خبرُ أبي بكرٍ ومَدَدُهُ، فاستخلف المثنى بنُ حارثة على الناس بشير بن الخَصاصية، وخرج إلى أبي بكر ليُخْبرَه خبرَ فارس ويستأذنه فيما يفعلُ، فقَدم المدينة وأبو بكرٍ مريضٌ، فقال أبو بكرٍ لعمر: إني لأرجو أن أموتَ في يومي هذا، فلا تُمْسِيَنَّ حتى تَندبَ الناس مع المثنّى، وإن تأخَرْتُ فلا تُصْبحنَّ حتى تَندبَ الناس معه. ولا تشغلنكَم مصيبةٌ عن دينكم، وقد رأيتَ ما صَنعتُ عند وفاة رسول اللَّه ﷺ فمات أبو بكرٍ ونَدب عمرُ الناسَ مع المثنى.
ذكر استخلاف أبي بكر لعمر ﵄ -
لما اشتد بأبي بكر رضوان اللَّه عليه مرضُه دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر، فقال: ما تسألُني عن أمرٍ إلا وأنت أَخبرُ به مني، [فقال أبو بكر: وإنْ] فقال عبد الرحمن: هو واللَّه أفضلُ من رأيك فيه، ثم دعا عثمان فقال: أخبرني عن عمر،
стр. 2087
فقال: أنت أَخبَرُنا به، فقال: على ذلك، فقال عثمان: علمي به أن سريرتَه خيرٌ من عَلانيته، وليس فينا مثله، فقال أبو بكر: لو تركته لما عدوتُك، وشاور معهما سعيد بن زيد وأُسيد بن حُضَير وغيرهما من المهاجرين والأنصار.
وسمع بعض أصحاب النبي ﷺ بذلك، فدخلوا على أبي بكر، فقال له قائل منهم: ما أنت قائلٌ لربّك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا، وقد ترى غِلظَتَه؟ فقال أبو بكر: أجلسوني، أباللَّه تُخوِّفوني، خاب مَن تزوَّد من أمركم بظُلْمٍ، أقول: اللهم إني استخلفتُ عليهم خيرَ أهلك، أبلغ عني ما قلتُ لك من وراءك، ثم اضطجع.
قالت عائشة ﵂: الذي قال لأبي بكر ذلك هو طلحة وعلي بن أبي طالب.
ثم قال لعثمان: اكتب، فكتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن [أبي] قُحافة في آخر عهده بالدنيا خارجًا منها إلى الآخرة، وعند أول [عهده] بالآخرة داخلًا فيها، إني قد استخلفتُ عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آلُ اللَّه ورسولَه ودينَه ونفسي وإياكم خيرًا، فإن عَدَل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإنْ بَدَّلَ أو غيَّر فلكلِّ امرئٍ ما اكتسب [من الإثم]، والخيرَ أردتُ، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ مُنقلَبٍ يَنقلبون، والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. ثم أمر بالكتاب فخُتِم.
وفي رواية: لمّا أَملى أبو بكر ﵁ صدرَ الكتاب، وبقي ذكر عمر، فذُهب به قبل أن يُسمِّي أحدًا، فكتب عثمان: إني قد استخلفتُ عليكم عمر، ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ عليَّ ما كتبتَ، فقرأ عليه ذكرَ عمر، فكبّر أبو بكر وقال: أراك قصدتَ أنني لو ذُهب بي في غَشيتي هذه أن لا يَختلف الناسُ، فجزاك اللَّه خيرًا عن الإِسلام وأهله، واللَّه لو سَمَّيتَ نفسَك لكنتَ لها أهلًا.
ثم أمره فخرج بالكتاب مختومًا فقال للناس: أتُبايعون لمن في هذا الكتاب؟ قالوا: نعم، قال علي كرم اللَّه وجهه: قد عَلِمنا به، وهو عمر، وأَقَرُّوا بذلك، ورَضُوا به جميعًا وبايعوا، ثم دعا أبو بكر عمر خاليًا فأوصاه بما أوصاه (١).
стр. 2088
الباب الثاني في ذكر عمر ﵁ -
هو عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العُزَّى بن رِياح بن عبد اللَّه بن قُرْط بن رَزاح بن عديّ بن كعب بن لؤي، أبو حفص العَدَويّ القرشي.
قال وهب: اسمه في التوراة الفاروق.
وكان أبوه الخَطّاب من رجالات قريش، وأمُّ الخطاب من بني فَهم، وأم عمر حَنْتَمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد اللَّه بن مخزوم.
فصل: ذكر صفته:
قال الواقدي: كان أبيضَ أَمْهَق تعلوه حُمرة طُوالًا (١). قال الجوهري: الأمهق: الشديد البياض كلونِ الجِصِّ (٢).
وكان أصلعَ شديدَ حُمرة العينين في عارِضه خفَّةٌ، يخضب عارضيه بالحِنَّاء والكَتَم، وصفته في التوراة: قرن من حديد، أمير شديد.
قال ابن قتيبة وهذا وصفُ أهل الحجاز. أما وصفُ الكوفيين فيقولون: كان آدمَ شديدَ الأُدْمَةِ (٣).
قال الواقدي: والمثبت عندنا هو الأوَّلُ، اللهمَّ إلَّا أن يكون تغيَّر لونه عامَ الرمادةِ لما أكل الزيت (٤).
وقال ابن قتيبة: كان أرْوَحَ، وهو الذي يتدانى عَقباه إذا مشى، قال: وكان كأنه من رجال سدوس، يعني من طُوله، فكان إذا مشى كأنه راكبٌ والناسُ يمشون.
стр. 2089
وقال ابن قتيبة أيضًا: كان أعسر من اليسار (١). وقال أبو جعفر الطبري في "تاريخه": كان أَعسرَ يَسَرَ (٢)، ويُسمَّى الأيسر. قلتُ: وقال الجوهري: ويقال رجل أعسَرُ بيِّنُ العَسَرِ، للذي يعملُ بيساره، وأما الذي يعملُ بكلتا يَدَيه فهو أعسَرُ يَسَرٌ بغير ألف، قال: وكان عمر بن الخطاب أَعسرَ يَسَرًا (٣). وقال المسعودي: كانت أم عمر سوداءَ (٤)، وليس كما ذكر، بل كانت سمراءَ.
وكان منزلُه في الجاهلية بمكة، في أصل الجبل الذي يقال له اليوم: جبل عمر، وكان في الجاهلية يقال له: العاقر، وبه كانت منازل عديّ بن كعب.
ذكر خلافته:
قال الواقدي: تُوفي أبو بكر ﵁ ليلة الثلاثاء، لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة، فاستقبل عمر بخلافته يوم الثلاثاء صبيحة يوم مات أبو بكر في ليلته (٥)، وكان سنُّه يوم وَلي الخلافة اثنان وخمسون سنة، وكذا علي رضوان اللَّه عليه.
ذكر أول خطبة خطبها:
حمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فقد ابتُليتُ بكم، وابتُليتُم بي، وخَلفتُ فيكم بعد صاحبي، فمن كان بحضرتنا باشَرْناه بأنفسنا، ومَن غاب عنا وَلَّينا أهلَ القُوَّة والأمانة، فمن يُحسن نَزِدْه حسنًا، ومَن يُسئ نُعاقبْه، ويغفر اللَّه لنا ولكم.
وقال ابن سعد: قال عمر: اللهمَّ إني شديدٌ فليِّنّي، وإني ضعيفٌ فقوِّني، وإني بخيلٌ فسَخِّني (٦).
وقال حُميد بن هلال: حدَّثنا مَن شهد وفاة أبي بكر رضوان اللَّه عليه، قال: لما فرغ عمر من دفنه نفض. يده من تراب قبره، ثم قام خطيبًا مكانه فقال: إن اللَّه ابتلاكم بي
стр. 2090
وابتلاني بكم، وأبقاني فيكم بعد صاحبي، فواللَّه لا يَحضرني شيءٌ من أمركم فيَليه أحدٌ دوني، ولا يتغيَّبُ عني فآلو فيه [عن الجَزْء والأمانة] ولئن أحسنوا لأُحسِنَنَّ إليهم، ولئن أساؤوا لأُنَكّلنَّ بهم، قال الرجل: فواللَّه مازال على ذلك حتى فارق الدينا.
وقال: إنما يَحِلُّ لي من مال اللَّه حُلَّتان؛ حُلَّةٌ في الشتاء، وحُلَّةٌ في الصيف، وما أحجُّ عليه وأعتمر من الظّهر، وقُوتي وقوت أهلي كقوتِ رجلٍ من قريش، وما أنا إلا رجلٌ من المسلمين.
وقال: إني أنزلتُ نفسي من مال اللَّه منزلةَ اليتيم، إن استغنيتُ استعفَفْتُ، وإن افتقرتُ آكل بالمعروف، [فإن أيسرتُ] قَضيتُ.
إنما يحل لي من هذا المال ما كنتُ آكلًا من صُلْبِ مالي الخلّ والزيت.
ذكر تسميته بأمير المؤمنين:
لما وَلي قيل له: يا خليفة خليفة رسول اللَّه ﷺ ، [فقال المسلمون: فمن جاء بعد عمر قيل له: خليفة خليفة خليفة رسول اللَّه] فيطول هذا، ولكن أجمِعوا على اسمٍ يُدعى به مَن بعده من الخلفاء، فقال بعض الصحابة: نحن المؤمنون وعمر أميرُنا، فدُعي أمير المؤمنين، وهو أوّل مَن سُمِّي بذلك (١). وقال المسعودي: أوَّلُ مَن سماه به عديّ بن حاتم، وقيل: المغيرة بن شعبة، وقيل: أبو موسى الأشعري كتب إليه: لعبد اللَّه [عمر] أمير المؤمنين، فلما قرأ الكتاب قال: إني لعبدُ اللَّه وأميرُ المؤمنين، والحمد للَّه ربّ العالمين (٢).
وقعة أجنادين
وهي بلدة بين الرّملة وبيت جِبرين من أعمال فلسطين، وكانت في رجب، وقيل: كانت بعد فتح دمشق، وقيل: كانت قبل اليرموك في حياة أبي بكر، وقيل: كان بأجنادين وقعتان: وقعة في جمادى الأولى وأخرى في رجب.
قال سيف: اجتمع عمرو بن العاص والأمراء بأجنادين فعسكروا بها، وجاءهم
стр. 2091
القُبُقلار نائب الملك، فاقتتلوا، فقُتل القبقلار، واستُشهد جماعة من المسلمين نذكرهم في آخر السنة (١).
ذكر عزل خالد بن الوليد عن الشام
لم يزل عمر ساخطًا على خالد مدة خلافة أبي بكر لكلامٍ كان يبلغه عنه من الاستخفاف به، واطّراح جانبه، وما كان يُسمّيه إلا باسم أمه وبالأعيسر، وكان أكبر ذنوب خالد عنده قتل مالك بن نويرة بعد إسلامه، وأخذه لامرأته، ودخوله المسجد وعلى رأسه السّهام فيها دم، وكان يحثُّ أبا بكر على عزله، ويُحرِّضه على قتله بسبب قتله لمالك، وكان أبو بكر يتوقّف.
فلما مات أبو بكر وَولي عمر قال: واللَّه لا يلي خالد عملًا أبدًا. وقال ابن سيرين: قال عمر بن الخطاب: واللَّه لأعزلن خالدًا عن الشام، والمثنى مُثنَّى بني شيبان عن العراق؛ حتى يعلما أن اللَّه يَنصر هذا الدين، وليسا بناصِرَيْه (٢).
قال سيف: فكتب عمر إلى أبي عبيدة: سلام عليك، أما بعد فإني قد عزلتُ خالدًا عن جند الشام، وولَّيتُك أمرَهم، فقم به والسلام. فوصل الكتاب إلى أبي عبيدة، فكتم الحال حياءً من خالد، وخوفًا من اضطراب الأمور، ولم يوقفه على الكتاب حتى فُتحت دمشق، وكان خالد على عادته في الإمرة وأبو عبيدة يصلي خلفه، وقدم بهذا الكتاب شَدّاد بن أوس بن ثابت الأنصاري ومَحمِيَة بن جَزْء في رجب.
وقعة فِحل
وسار المسلمون من أجنادين إلى فِحل، وهي بلدة بأرض فلسطين، وقيل: بالأردن، وكان الروم قد اجتمعت بها ونزلت ببَيْسان، وتقدَّم خالد بن الوليد في المقدمة، فبثقت الروم المياه، وهي أرض سَبْخة، فصارت وَحْلًا، ولم يعلم المسلمون، فلما غشيها خالد وَحِلت خيولُهم، فلقوا منها عناءً، ثم سلمه اللَّه تعالى، وانحازت الروم إلى فِحل، وقصدهم المسلمون، فنصرهم اللَّه عليهم فانهزموا، وغنم
стр. 2092
المسلمون أموالَهم، واستشهد جماعة من المسلمين نذكر أعيانهم في آخر السنة. وكانت الوقعة في ذي القعدة قبل فتح دمشق، وفيها يقول القعقاع بن عمرو: [من الكامل]:
كم من أبٍ لي قد وَرثتُ فعالَه … جَمِّ المكارم بحرُهُ تَيَّارُ
وَرث المكارم عن أبيه وجدِّه … فبنى بناءهمُ له استبصارُ
وغداة فِحْل قد رَأَوني مُعلمًا … والخيلُ تَنْحطُ والبَلا أطوارُ
ما زالت الخيلُ العِرابُ تَدوسُهم … في جوف فِحْل والهبا مَوَّارُ
حتى رَمَيْنَ سراتَهم عن أسرهم … في رَدْغَةٍ ما بعدها استِمرارُ (١)
ذكرُ فتوح دمشق ومرج الصُّفَّر
قال سيف: وسار أبو عبيدة والمسلمون إلى دمشق، فخرج إليهم ماهان قريبًا من دمشق، فقاتلهم فهزموه، فدخل دمشقَ.
وقال الواقدي: سار أبو عبيدة نحو دمشق فنزل بمرج الصُّفَّر، واجتمعت الروم إلى ماهان فخرج بهم إلى المرج، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وانهزمت الروم، فدخلوا دمشقَ فتحصّنوا بها، وقُتل بمرج الصُّفَّر جماعةٌ من المسلمين نذكرُهم في آخر السنة.
ثم سار المسلمون فنزلوا على دمشق، وبَثُّوا الخَيْلَ ما بين دمشق وحمص، وقطعوا الموادَّ عنها، ونصبوا عليها المجانيق، وجَدُّوا في القتال، وفرَّقَ أبو عبيدة الأُمراء على الأبوابِ: فنزل خالدٌ على باب الجابية، ويزيدُ بن أبي سفيان على باب الصغير، وأبو عبيدة على الباب الشرقي، ونزل أبو الدرداءِ ببَرْزَةَ في جماعةٍ من المسلمين.
وجَدُّوا في القتال ستّين ليلةً، فوهن الرومُ وضَعُفوا، وانقطعت المواد عنهم، واتَّفق أنه وُلدَ لبطريقٍ ولدٌ، فأكلوا في الليلِ وشَرِبوا، وغَفلوا عن مواقفهم، ولم يعلم بهم إلا خالدٌ لأَنه كان يتعرَّفُ أخبارَهم، وكان قد عمل حبالًا مثلَ السلالمِ، واتَّفق مع القعقاع ابن عمرو ومذعور بن عديّ على أنَّهم يتسلَّقون في الحبالِ، وأرسل إلى يزيد بن أبي سفيان وأبي عبيدة وقال: إذا سمعتُم التكبير فاقصدوا الأبواب. وتسلَّق خالد ومَن معه
стр. 2093
على باب الجابيةِ، ونزل فقتل البَوَّابين وكسر أغلاق الباب وفتحه، ودخل المسلمون، ووقع الصوت وكبَّروا وفتحوا الباب الصغير، والباب الشرقي، ودخل الناس فصاحوا: الأمان الأمان، والتقى المسلمون في وسط البلد، وقيل: إن الروم فتحوا الباب الصغير والباب الشرقي على الأمان، ودخل خالد من بابِ الجابيةِ عَنوةً، فالتقاه الْأُمراءُ في وسط البلد وهذا أصحُّ.
وقال سيف: رابط المسلمون دمشق ستة أشهر (١)، وكان أبو عبيدة استخلف على اليرموك بشيرَ بن كعبٍ، وكانت الرومُ قد اجتمعت بفِحْلٍ، فلم يدر أبو عبيدة بأيِّهما يبدأ بدمشق أم بفِحْل، فكتب إلى عمر يستشيرُه، فضم خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة، وأمر عمرو بن العاص بأن يكون مددًا لأهل فلسطين، وكتب: أن ابدؤوا بدمشق فإنَّها حصنُ الشام وبيت مملكتهم، واشغلوا عنكم أهلَ فِحْلٍ بخَيلٍ تكون بإزائهم، فنازلوا دمشق نحوًا من سبعين ليلة وهرقل يومئذٍ بحمص، فحالت بين دمشقَ وبينه خيولُ المسلمين وفُتحت دمشق على الوجه الذي ذكرنا.
وقد حكينا عن ابن إسحاق أن وقعةَ فِحْلٍ كانت قبل فتح دمشقَ، وهو الأصحُّ.
وجرى الصلحُ بين أبي عبيدة وأهل دمشق على مُقاسمةِ الدينار والدرهم والعقار، وعلى كل رأسٍ دينار.
واختلفوا في أي سنةٍ فُتحت دمشق؟ فقال سيف: في هذه السنة، وهي سنة ثلاث عشرة، وقال ابن إسحاق والواقدي: في سنة أربع عشرة (٢).
وأصيبت قدمُ أبي الزهراء القُشيري بدمشق، وقيل قدم أخيه، فلما هاجا بنو قُشَير بني جَعْدة فخروا عليهم بذلك، وعدوه من المآثر، فقال نابغة بني جَعْدة: [من البسيط]
فإن تكن قَدمٌ بالشام نادِرَةً … فإن بالشام أقدامًا وأوصالًا
стр. 2094
وإن يكن حاجبٌ ممّن فَخرتَ به … فلم يكن حاجبٌ عمًّا ولا خالا
ثم فَخَر عليهم وقال:
تلك المكارمُ لا قَعْبانِ من لَبَنٍ … شِيبا بماءٍ فعاد الكلُّ أبوالا (١)
ذكر إظهار أبي عبيدة كتاب عمر بعزل خالد
ولما فتحت دمشق أظهر أبو عبيدة كتاب عمر بعزل خالد، وكان عمر كتب إلى أبي عبيدة يَلومه على إخفاء كتابه، فأوقف خالدًا عليه، فقال خالد: وهذا الكتاب له مدة وأنت تصلي خلفي ولم تعلمني، فجزاك اللَّه خيرًا، وهذا فعلُ ابن حنتمة.
وقد أخرج الإِمام أحمد رحمة اللَّه عليه حديثًا في الباب فقال: حدثنا حسين بن علي الجُعفي، عن زائدة، عن عبد الملك بن عُمير قال: استعمل عمر أبا عبيدة بن الجراح على الشام، وعزل خالد بن الوليد، فقال خالد بن الوليد: بعَث عليكم أمينَ هذه الأُمَّة، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول ذلك، فقال أبو عبيدة: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "خالد سيف من سيوف اللَّه، ونِعم فتى العَشيرة" (٢).
ذكر طبريّة وبَيْسان
ثم بعث أبو عبيدة أبا الأعور السُّلَمي إلى طبرية، وعمرو بن العاص إلى بَيْسان وشرحبيل بن حسنة، ففتحوهما عَنوة، وقيل: صلحًا على صلح دمشق وهو الظاهر، وكتب أبو عبيدة إلى عمر بما فتح اللَّه على المسلمين، وبعث إليه بالأخماس، وكتب إليه عمر: أن أبعث إلى العراق مددًا، فبعث القعقاع بن عمرو وهاشم بن عتبة في عشرة آلاف، وذلك بعد فتح دمشق.
كتاب عمر إلى أبي عبيدة في مضي خالد
وكتب عمر إلى أبي عبيدة: أما بعد، فإنْ أَكذب خالدٌ نفسَه فهو أميرٌ على مَن معه، وإن لم يُكذب نفسَه فأنت الأمير على ما هو عليه، ثم انزع عمامتَه عن رأسه، وقاسمه مالَه نصفَين، وبلغ خالدًا فقال: فعلها الأُعيسر ابن حنتمة، لا يزال كذا، ودخل على
стр. 2095
أخته فاطمة بنت الوليد -وكانت عند الحارث بن هشام- فقال: ما يَرضى في كذا وكذا، فقالت: واللَّه لا يُحبّك عمر أبدًا، وما يريد إلا أن تُكذب نفسَك فيعزلك، فقبّل رأسَها، وأرسل إلى أبي عبيدة وقال: لا أُكذب نفسي أبدًا، تعال فقاسمني مالي، فقاسمه حتى أخذ نَعْلًا وأعطاه نعلًا (١)، فتكلّم الناس في عمر وقالوا: هذه واللَّه العداوة، ولم يعجب الصحابة ما فعل بخالد، وقد روي أن خالدًا امتنع من ذلك، فقام إليه بلال بنُ حمامة المؤذن ليَعْقِلَه بعمامته، فقال له: إيهًا، ما تُريد؟ ونال منه، ثم قال لبلال: افعل ما تُريد، فيقال: إنه عَقَلَه بعمامته.
حديث المثنّى بن حارثة وأبي عبيد (٢) الثقفي
قد ذكرنا وصيّة أبي بكر لعمر ﵄ أن يندب الناس مع المثنى، فندب عمر النّاس صبيحةَ البيعة بعد مافرغ من دفن أبي بكر، وكان المسلمون يكرهون قتال الفُرس لشدَّة بأسهم، فندب الناسَ ثلاثة أيام، فما انتدب له أحد، فقال: أيها الناس، إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النُّجعة، ولا يَقوى عليه أهلُه إلا بذلك، فسيروا في الأرض التي وعدكم اللَّه في كتابه أن يُورثكموها؛ فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، واللَّه مُظهر دينه، ومعزّ ناصره، ومموّل (٣) أهله مواريثَ الأمم.
وقام المثنى فقال: أيها الناس، لا يَعظمنّ عليكم قتالُ فارس، فإنا قد غلبناهم على السّواد، وقاسمناهم البلاد، وصغُر أمرُهم، وحقر شأنهم. ورغَّب الناسَ في الجهاد، فأولُ مَن انتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وقال: أنا أول مَن أجاب، ثم أجاب سعد ابن عُبيد الأنصاري، وسَليط بن قيس وسلمة بن أَسلم وكانا من أهل بدر، فقيل لعمر: أمِّر على الناس رجلًا من المهاجرين الأوَّلين أو من الأنصار، لا تُؤَمِّر عليهم رجلًا من ثَقيف، يعني أبا عبيد، فقال: لا واللَّه، إن اللَّه إنما أعزّ الإِسلام بمَن بادر إلى نُصرته، وسارع إلى قتال عدوِّه، وإذا كرهتم لقاءَ العدوّ فأولى بالتَّقدُّم والرياسة مَن أجاب.
стр. 2096
ثم أمَّر عمر أبا عبيد على الجيش، وكانوا خمسة آلاف، وقيل: سبعة آلاف، وأوصى أبا عُبيد وقال له: اسمع من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وأشركهم في الأمر، لا تَقطع أمرًا دون سَليط بن قيس وسلمة، فإن الحرب لا يُصلحها إلا الرجل الذي يَعرف الفُرصة، فقال أبو عبيد: أنا لها.
وكان أول جيش جهزه عمر رضوان اللَّه عليه إلى العراق، ثم بعث بعده يعلي بنَ أميّة إلى اليمن، وأمره بإجلاء أهل نجران؟ لوصيَّة رسول اللَّه ﷺ في مرضه بأن يُخرجوا مَن بأرض العرب مِن اليهود والنصارى، وأوصى بذلك أبو بكر في مرضه.
ثم ندب عمر أهل الردَّة، فأقبلوا سراعاَّ من كلّ وجه، فرمى بهم الشام والعراق، وتقدّم المثنّى إلى العراق، فوجد الفُرس قد قتلت شهريار وتوَّجت رُستمًا، وجعلت بوران بنت كسرى -وهي التي أهدت لرسول اللَّه ﷺ ، وقبل هديَّتَها- عَدْلًا بين الناس؛ إلى أن يَصطلحوا على من يرونه أهلًا. وكان مسير المثنى من المدينة إلى الحيرة في عشر ليالٍ، ولحقه أبو عبيد بعد شهر، وقيل: بعد عشرين يومًا.
قصة النَّمارق
ولما رجع المثنى إلى الحيرة، ولحقه أبو عبيد بلغ رستمًا، فكتب إلى دهاقين السواد ومَن عندهم أن يثوروا على مَن يليهم من المسلمين، ووعدهم يومًا بعينه، وبعث جُندًا لمصادمة المثنى، وبعث جابان (١) إلى أسفل السواد ليثور على مَن فيه، فنزل بمكان يُقال له: النمارق، وبعث رستم نَرسي، فنزل مكانًا يقال له: زندورد، ونرسي ابن عمّ كسرى (٢)، وكانت كَسْكَر قَطيعة له، وثار أهلُ فارس من الدَّهاقين والرَّساتيق وغيرهم من أعلى الفرات إلى أسفل.
وجاء المثنى فنزل خَفّان لئلا يُؤتى من خلفه، فأقام حتى وصل أبو عبيد، وتهيّؤوا للقتال، وجعل أبو عبيد المثنّى على الخيل، وعلى الميمنة والق بن جيدارة، وعلى الميسرة عمرو بن الهيثم، والتقوا على النَّمَارق، فاقتتلوا، فانهزمت الفرس، وأَسر مطر
стр. 2097
ابن فضَّة التيمي جابان مقدّم العساكر، فخدعه بمال فأطلقه، فأخذه المسلمون وأتوا به أبا عبيد، وأخبروه أنه الملك، وقالوا اقتُله، فقال: إني أخاف اللَّه، كيف أقتله وقد أمَّنه رجلٌ من المسلمين، والمسلمون في الأمان كرجل واحد، فاستبقاه، وأسر أكتلُ بنُ شمَّاخ العُكلي (١) مردانشاه، فقتله ولم يعرفه، وكان من عظماء الفرس.
ولما انهزمت الفرس التجؤوا إلى نرسي، وكان بكَسْكَر ومعه ابن خاله بندويه.
وفي وقعة النمارق يقول عاصم بن عمرو: [من الطويل]
لعَمري وما عمري عليَّ بهيِّنٍ … لقد صُبِّحت بالخِزي أهلُ النَّمارقِ
بأيدي رجالٍ هاجروا نحو ربِّهم … يَجوسونهم ما بين دُرْنا وبارقِ (٢)
وبعث أبو عبيد بالغنائم إلى عمر، وهي أول غنيمة وصلت من العراق إليه.
وقعة كَسْكَر
وسار أبو عبيد إلى كسكر، وهي مكان بالعراق، والتقوا، وعلى ميمنة نَرسي وميسرته ابنا خاله بسطام، وهم ابن دويه وتيرويه، وأبو عبيد على تعبية، وكان رستم قد جهّز الجيوش مع الجالينوس، فأعجلهم أبو عبيد قبل وصوله، وكانت الوقعة بين كَسْكر والسَّقَاطِية، فاقتتلوا في صحارى مُلْس، فنصر اللَّه المسلمين وانهزمت الفرس، وهرب نرسي، وغنم المسلمون أموالَهم، وظفر أبو عبيد بحمًى كان لنرسي لم يكن بالعراق مثلُه، وهو حول كسكر، فلم يفرح المسلمون بشيء كفرحهم به لأجل دوابّهم، وأخذ خزائن نرسي، وبعث الأمراء إلى أماكن، فهزموا مَن كان بها، وأهدى بعضُ الدَّهاقين من أهل زَندورد إلى أبي عبيد طعامًا كثيرًا أكرموه به، فقال أبو عبيد: أَكُلَّ الجند أهديتُم له مثل هذا؟ قالوا: لا، قال: فبئس المرءُ أنا إن صحبتُ قومًا ثم أستأثِرُ عليهم بشيء، ولم يأكل منه لقمة.
стр. 2098
وقعة الجسر
ولما عاد نَرْسي إلى المدائن مهزومًا جهز رستم بَهْمَن جاذويه، وأعطاه درفش كابيان -راية أفويدون، وهي راية كسرى العُظمى، وكانت الفُرس تتيمَّن بها- فنزل على شرقي دجلة، وأقبل أبو عبيد فنزل غربي دجلة، بمكان يقال له: المَرْوَحَة، مقابلًا لبَهْمَن جاذويه، فأرسلوا إلى أبي عبيد: إما أن تَعبروا إلينا أو نَعبُر إليكم، فقال أبو عبيد: بل نحن نَعبر إليكم، وترك الرأي، ولامه المسلمون، وقالوا: لا، بل هم يَعبرون إلينا كما فعل بهم خالد، فقال أبو عبيد: لا يكونوا على الموت أجرأ منا، فعَبر أبو عبيد والمسلمون على جسر نصبوه لهم، في مكان ضيّق المَطْرَد، وقطع الجسرَ أبو عبيد، وقيل: غيره، فقال له سلمة بن أسلم: أيها الرجل، إنه ليس لك علم بما ترى، وقد خالفتنا، فسوف تهلك وتُهلكنا بسوء سياستك، وقال له سليط: ستعلم، فقال لهما أبو عبيد: أَجَبُنْتُما؟! فقال له سليط: إن العرب لم تقاتل فارسًا مثل اليوم، فاجعل لها ملجأ، فقال: ما بقي غيرُ القتال، وقد حُمَّ الأمر، فاقتتلوا يومًا.
وكانت الخيول كما رأت الفِيلة عليها الرجال والتَّجافيف لم تُقدم عليها (١)، والفُرس تُنكي فيهم بالنُّشَّاب، وكان معهم فِيلة يقدمها قيل أبيض تَنفِر منه الخيول، فقال أبو عبيد: هل لهذه الدابّة من مَقتل؟ قالوا: نعم مِشفَره، فحمل عليه أبو عبيد راجلًا، ولم يكن ﵁ رأى فيلًا قط قبل ذلك، وهو ينشد ويقول: [من الرجز]:
يالك من ذي أربعٍ ما أكبرك
إني لعالٍ بالحُسام مِشْفَرَكْ
يالك من يومِ وغى ما أنكرك
وهالِكٌ وفي الهلاك لي دَرَكْ
ثم قال للناس: اقصدوا الفِيَلة، وواثب هو الفيلَ الأبيض، فتعلّق ببطنه فقتله، وفعل القوم مثل ذلك، فما تَركوا فيلًا إلا وحَطُّوا رحلَه (٢)، وقتلوا أصحابَه، وقُتل من
стр. 2099
الفُرس ستةُ آلاف في المعركة، وأشرفوا على الهزيمة، ثم أهوى أبو عبيد إلى مشفر الفيل الأبيض، فخطمه بالسيف فقطع مِشفره، وصاح الفيل صيحةً هائلةً منكرة، وخبط أبا عبيد خبطةً، ووقع عليه فمات، ولما رأى المسلمون أبا عُبيد تحت الفيل ضَعُفت نفوسُهم، وحاربوا الفيل حتى تَنحَّى عنه، فجرُّوه إلى الرَّحل.
وجال المسلمون جولةً، وركبهم أهلُ فارس، وأخذ اللواءَ سبعةٌ من المسلمين فقتلوا، وقتل الفُرسُ من المسلمين أربعةَ آلاف، وانتهى الباقون إلى الجسر وهو مقطوع فتهافتوا في الفرات، فغرق منهم خلقٌ كثير، وحمى المثنى الناس، وعقد الجسر، وعبر من بقي وهم ثلاثة آلاف، وعبر بعضُ الفُرس في آثارهم، وقيل إن الجسر كان ممدودًا، فقطعه عبد اللَّه بن مَرثَد الثقفي، ثم مَدَّه المثنى وأصحابُه حتى عبر من بقي من المسلمين، ولما قطع الجسرَ عبد اللَّه بن مَرثَد نادى: أيها الناس، موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا، فجاء المثنى فضرب عبد اللَّه وقال: ويحك، ما حملك على ما صنعتَ؟ فقال: ليقاتلوا، فعقد المثنى الجسرَ وقال: أيها الناس اعبروا على هينتكم فأنا دونكم.
وقتل سَليط وسلمة بن أسلم عند الجسر، وجُرح المثنى جراحةً كانت سببَ موته، ونجا بمن بقي من الناس، ولما عبروا ارفضُّوا إلى المدينة، وبقي المثنى في عددٍ يسير، ولما وصلوا المدينة استحيوا من الهزيمة، وسبق القومَ عبدُ اللَّه بن زيد، فوافى عمر رضوان اللَّه عليه على المنبر، فصعد إليه فسارّه، فترحَّم على أبي عبيد وقال: لو انحاز إليَّ لكنت له فئةً، ثم قال للمنهزمين: أنا فِئتُكم، فطابت قلوبهم.
وقيل: إن الذي قطع الجسر عبد اللَّه بن يزيد [بن زيد] بن حُصين بن عمرو بن الحارث بن خَطْمة الأنصاري، من الأوس، وهو من الطبقة الخامسة من الصحابة ممن هم حدثاء الأسنان، وهو الذي جاء إلى عمر بن الخطاب بحديث الجسر.
قال أبو طوالة وغيره: لما برك الفيل على أبي عبيد يوم الجسر فقتله هرب الناس، فسبقهم عبد اللَّه بن يزيد الخَطْمي فقطع الجسر، وقال: قاتلوا عن أميركم، وكان عمر يتوقَّع خبر أصحابِ الجسر، وكان قد رأى رؤيا فكرهها، فكان يُكثر الخروج يطلب الخبر؛ حتى قدم عليه عبد اللَّه بن يزيد الخطمي فأخبره الخبر.
قال ابن سعد: جاء وعمر ﵁ على المنبر، فقال له: يا عبد اللَّه ما الخبر؟ قالت
стр. 2100
عائشة ﵂: فقمت إلى صِير الباب انظر منه، ما رأيتُ أحدًا كان أثبتَ لذلك الخبر من عمر (١).
وأمُّ عبد اللَّه بن يزيد ليلى بنتُ مروان بن قيس، من بني خَطْمة، وكان له أولاد: موسى وأمُّ الحكم والسَّرِيّة، أمُّهم أم بكر بنت حذيفة بن اليمان، وفاطمة وأمُّ عدي وأمُّ أيوب وحفصة، وسُلَيْمة، وأمُّهم أمُّ هارون بنت مسعود، وقيل: أمُّ الجميع أم بكر بنت حذيفة (٢).
وقيل: إن عبد اللَّه شهد الحديبية وهو مُدرك، وقال محمَّد بن عمر: لا نعلمه شهد مَشهدًا مع رسول اللَّه ﷺ ، وولَّاه عبدُ اللَّه بنُ الزبير الكوفة، وشهد أبوه يزيد أُحدًا (٣).
وأخرج الإِمام أحمد لعبد اللَّه بن يزيد حديثين (٤). قال المصنف ﵀: لم أقف على وفاة عبد اللَّه بن يزيد.
وأما الفُرس فعبر بعضُهم، وهمَّ الباقون بالعبور، فجاءهم الخبر أن الفرس قد ثاروا في المدائن برستم، ونقضوا ما كان بينهم وبينه من العهد، فرجعوا، وتُسمّى هذه الوقعة وقعة قَسّ النّاطف أيضاَّ، وكانت في رجب سنة ثلاث عشرة، وقيل: كانت في سنة أربع عشرة، وقيل: سنة خمس عشرة، والأول أشهر.
وقعة أُلَّيْس الصغرى
ولما عبر المسلمون عبر خلفهم جابان، وقيل: بهمن جاذَويه، وفرَّق أصحابه ليأخذوا على المسلمين الطُّرق، ونزل جابان أُلّيس فتبعه المثنى في خيل فأخذه أسيرًا، وقال: أنت غَررْتَ أبا عبيد حتى عبر الجسر، فقتله بأبي عبيد، وقتل أصحابَه، وكتب كتاب أمان لأهل أُلَّيْس، ورجع إلى عسكره، وهرب أبو محجن الثقفي من أُلّيس إلى الطائف، ثم قدم بعد ذلك إلى القادسية مع سعد بن أبي وقاص ﵁.
стр. 2101
قصة البُوَيب
جمع المثنى بعد وقعة الجسر جمعًا عظيمًا من العرب، ومَن يليه من أهل البادية؛ ليغير على نهر سُليم، فيأخذ بثأر أبي عبيد، وبلغ الخبر رستم، فجهّز إليه مهران بن باذان ليأتيه من خلفه، وبلغ المثنى فعسكر بالسِّباخ من أرض القادسية وخَفَّان، وبعث إلى جرير ابن عبد اللَّه البَجلي -وكان قريبًا منه- في جمع، فتواعدا البوَيب، واجتمعوا هناك.
وجاء مهران فنزل شرقي الفرات بإزائهم، على موضع يقال له: بَسُوسيا، فقال المثنى: هلك مهران، نزل البسوس والسوء، وأرسل إليهم مهران: إما أن تعبروا إلينا أو نعبرَ إليكم، فقال المثنى: لا نُلدغ من جُحر مرّتين، اعبروا إلينا، ونزل مهران منزلًا يقال له: شوميا فقال المثنى: انهضوا بنا إليهم فقد هلكوا وربِّ الكعبة، انتقلوا من السوء إلى الشؤم.
وحمل المثنى فأبلى بلاءً حسنًا، فقُتل مهران، قتله غُلامٌ نصرانيّ من بني تغلب، وقُتل من الفرس مئة ألف، وكان المثنى سببَ الهزيمة، حمل على القلب فأزاله، وغنم المسلمون أموالًا عظيمة، وسار المسلمون ما بين دجلة والفرات، ومن الفرات إلى البرية مما يلي القادسية، واعتصم الفرس بساباط.
وقال ابن إسحاق: لما بلغ عمر وقعة الجسر، شقّ عليه، واتّفق قدوم جرير بن عبد اللَّه البَجلي من اليمن في وفدٍ من بَجيلة، فقال عمر: سمعتُم ما جرى على إخوانكم يوم الجسر، فسيروا إلى العراق، وبعث معهم القبائل من بني عامر بن صعصعة، وأمّر على الجيش عرفجة، فغضب جرير وقال لعمر: استعملتَ علينا رجلًا ليس منا؟ وبلغ عرفجة فغضب، وقال (١): واللَّه لا أسير معهم، فأمّر عمر جرير بنَ عبد اللَّه البَجلي على بَجيلة.
وسار فنزل قريبًا من المثنى، فأرسل إليه المثنى أن: أَقبِل فإنما أنت مَددٌ لي، فأرسل إليه جرير: أنا أمير وأنت أمير، وسأستأذن أميرَ المؤمنين.
وسار جرير يريد الجسر، فلقيه مهران عند النُّخيلة، وكان مهران من عظماء الفرس، وكان شرقيَّ دجلة، فعبر إليه، والتقوا، فطعن المنذر بن حسّان الضبيّ مهران،
стр. 2102
فوقع عن فرسه، واقتحم عليه جرير بن عبد اللَّه فاحتز رأسه، ثم اختصما فيه واصطلحا، فأخذ جرير سلاحَه، وأخذ المنذر مِنطقته.
وكان مهران قد نشأ باليمن مع أبيه باذان لما كان عاملًا لكسرى عليها، ولما التقى مهران جريرًا والمنذر قال: [من الرجز]:
إن تسألوا عني فإني مهران … أنا لمن أنكرني ابنُ باذانْ
وكتب المثنى إلى عمر يشكو جريرًا، فكتب إليه: كيف أقدّمُك على رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ (١).
وكانت وقعة البُوَيْب في رمضان سنة ثلاث عشرة، وذكر ابن سعد أن جريرًا شهد وقعة جسر أبي عبيد.
قصة الخنافس
ولما قُتل مهران قيل للمثنى: هاهنا سوق عظيم يُقال له: الخنافس، يجتمع إليه خلقٌ عظيم من الفرس والعرب والدهاقين، فيقيمون بها أيامًا يبيعون ويشترون، وفيها أموال عظيمة، فقصدها يوم سوقها، فانتسف السوق ومَن فيه، وقتل وسبى، وغنم وعاد.
قصة بغداد
قال سيف: كان موضع بغداد في أيام الفرس سوقٌ عظيم يقوم في السنة، فذُكرت للمثنى.
وقد أخرج القصّة الخطيب في تاريخه، عن ابن إسحاق بطوله قال: قال أهل الحيرة للمثنى: ألا ندلُّك على قريةٍ تأتيها تجارُ مدائنِ كسرى والسواد، ويجتمعُ بها في كلّ سنةٍ من أموال الناس مثلُ خراج العراق، وهذه أيام سوقهم يجتمعون فيها، فإن أنت قَدرت على أن تُغير عليهم وهم لا يشعرون، أصبتَ منه مالًا يكون منه عزٌّ للمسلمين، وقوَّةٌ على عدوِّهم، وبينها وبين مدائن كسرى يوم واحد. فقال: وأنَّى لي بها؟ فقالوا: خُذ على طريق الأنبار، وبين يديك الأدِلَّاء، فتسير أولَ الليل من الأنبار فتُصبّحها أو تأتيها ضُحًى.
стр. 2103
قال: فخرج من النُّخَيلة ومعه الأدِلّاء من أهل الحيرة، حتى نزل الأنبار، فتحصّن منه صاحبُها، فأرسل إليه المثنى: أنزل فأنت آمنٌ على دمك وقريتك (١)، حتى ترجع سالمًا إلى حصنك، فنزل، فقال: أريد دليلًا إلى بغداد لأعبر منها إلى المدائن، فبعث معه دليلًا، وأخرج لهم الطعام والعلف، وسار حتى قَرُب من بغداد فنزل، وسار في الليل، فصبَّحهم وهم في أسواقهم، فوضع فيهم السيف، فقتل [وأخذ الأموال]، وقال لأصحابه: لا تأخذوا إلا الذهب والفضة، ومن المتاع ما يقدر أحدكم على حمله، ففعلوا، وحملوا من الأموال ما أعجزهم حملُه، وعادوا غانمين (٢).
قال سيف: وكان أهلُ الأنبار قد نقضوا العهد بعد خالدٍ، فأمّنهم المثنى، فأرسلوا إليه بالإقامة عند ذهابه إلى بغداد وعند عوده. وقد ذكرنا أنَّ المثنى أغار على سوق بغداد في أيام خالد بن الوليد، فتكون غارتين.
وحجّ بالناس عمر بن الخطاب، وعند مرجعه من الحج جهّز الجيوش إلى العراق، وقيل: لم يَحجّ في هذه السنة لاشتغاله بتجهيز الجيوش، وبعث عبد الرحمن بن عوف فحجّ بالناس، ثم حج عمر بعد هذه السنة مدّةَ خلافته.
وكان على الطائف عثمان بن أبي العاص الثقفي، وعلى اليمن يَعلي بن مُنْية، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى العراق المثنى بن حارثة، وعلى البحرين العلاء بن الحضرميّ، وعلى القضاء علي بن أبي طالب ﵇.
وفيها توفي.
الأَخْنَس
واسمه أُبيّ بن شَريق بن عمرو الثقفي، أسلم يوم الفتح، وسُمّي الأخنس لأنه أشار يوم بدر علي بني يربوع بالرجوع إلى مكة (٣)، فرجعوا ولم يشهدوا بدرًا، فسلموا من
стр. 2104
القتل، فخَنَس بهم أي: تأخّر.
شهد مع رسول اللَّه ﷺ حُنينًا، وأعفاه مع المؤلَّفة قلوبهم، وله صحبة ورؤية، وليس له رواية، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤] (١).
أبان بن سعيد
ابن العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو الوليد، وقيل: أبو سعيد، من الطبقة الثالثة من الصحابة، أسلم بين الحُديبية وخيبر، وهو الذي حمل عثمان على فرس عام الحديبية، وأجاره حتى دخل مكة، وبَلَّغ رسالة رسول اللَّه ﷺ وقال له: [من المنسرح]:
أقبلْ وأدبِرْ ولا تَخَف أحدًا … بنو سعيدٍ أعزَّةُ الحرمِ (٢)
واستعمله رسول اللَّه ﷺ في بعض سراياه، وولَّاه البحرين بعد العلاء بن الحَضْرميّ، ولما تُوفّي رسول اللَّه ﷺ قدم على أبي بكر، فقال له: ارجع إلى عملك، فقال: لا أعمل لأحد بعد رسول اللَّه ﷺ ، وخرج إلى الشام غازيًا فاستشهد بأجنادين، وقيل باليرموك، وقيل بمرج الصُّفَّر، وقيل: عاش إلى سنة تسعٍ وعشرين، والأول أَشهر.
قال ابن عساكر: وهو الذي قدم على رسول اللَّه ﷺ ، فقال له: كيف تركتَ مكة؟ فوصفها وقال: تركتُ أهلمها وقد جبذوا، والإذخر قد اغْدَوْدَق، والثُّمام قد أَخْوَص، فاغرورقت عينا رسول اللَّه ﷺ بالدموع، ثم قال: أنا أفصحكم، ثم أبان بعدي (٣). روى أبان الحديث عن رسول اللَّه ﷺ .
فأما أبو سعيد بن العاص فكان من سادات قريش وأشرافِها، وكان له عدَّةُ أولاد، منهم أُحيحة، وعبيدة، والعاص، قتلوا كفارًا، وأبان وخالد وعمرو وسعيد والحكم، واستشهدوا في سبيل اللَّه.
فأما أُحيحة فقتل يوم الفِجار، وأما عبيدة فطعنه الزُّبير يوم بدر في عينه بالعَنَزة
стр. 2105
فمات، وهو الذي يُكنى: أبا ذات الكرش، وأما العاص فقتله علي يوم بدرٍ كافرًا، ولقي عمر ﵁ سعيد بن العاص يومًا، فقال له: تَزعم أني قتلتُ أباك، وَدِدتُ أني فعلتُ ذلك، ما قتله إلا علي، ولكن قتلتُ خالي بيدي العاص بن هشام، فقال له سعيد: يا أمير المؤمنين لو قتلتَه لكنت على حق، وهو على باطل (١). وأما الذي استشهد من ولد سعيد فسنذكرهم في نواحيهم.
قال عبد اللَّه بن عمرو بن سعيد بن العاص: كان خالد وعمرو ابنا سعيد بن العاص قد أسلما، وهاجرا إلى الحبشة، وأقام غيرهما من ولد أبي أحيحة سعيد بن العاص على ما هم عليه، ولم يسلموا حتى كان يوم بدر، فخرجوا يوم بدر، ولم يتخلَّفْ منهم أحد، فقُتل العاص بن سعيد كافرًا، قتله عليّ، وقَتل الزبيرُ عبيدة بنَ سعيد، وأفلت أبان ابن سعيد.
وكان خالد وعمرو ابنا سعيد يكتبان من الحبشة إلى أخيهما أبان، يقولان: اللَّه اللَّه أن تموتَ على ما ماتَ عليه أبوك، وقُتل عليه أخواك، فيغضب من ذلك ويقول: لا أفارق دينَ آبائي، وكان أبوه قد مات مسألة بالطائف بالظُّرَيْبة كافرًا، فقال أبان: [من الطويل]:
ألا ليت ميتًا بالظُّرَيبة شاهدًا … لما يفتري في الدين عمرو وخالدُ
أطاعا بنا أمرَ النساء فأصبحا … يُعينان من أعدائنا مَن نُكايدُ
فقال خالد بن سعيد: [من الطويل]:
أخي ما أخي لا شاتمٌ أنا عِرضه … ولا هو عن سوء المقالة مُقْصِرُ
يقول إذا اشتدّت عليه أمورُه … ألا ليت مَيتًا بالظُّرَيْبة يُنشَرُ
فدع عنك ميتًا قد مضى لسبيله … وأقبلْ على الحي الذي هو أفقرُ
وأقام أبان بمكة على حاله كافرًا إلى زمن الحُديبية، فلما بَعث النبي ﷺ عثمان بنَ عفان في رسالة إلى قريش، أجاره أبان حتى بلَّغ الرسالة، وعاد إلى رسول اللَّه ﷺ ، [وعاد رسول اللَّه ﷺ ] إلى المدينة.