← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

قصة البُوَيب جمع المثنى بعد وقعة الجسر جمعًا عظيمًا من العرب، ومَن يليه من أهل البادية؛ ليغير على نهر سُليم، فيأخذ بثأر أبي عبيد، وبلغ الخبر رستم، فجهّز إليه مهران بن باذان ليأتيه من خلفه، وبلغ المثنى فعسكر بالسِّباخ من أرض القادسية وخَفَّان، وبعث إلى جرير ابن عبد اللَّه البَجلي -وكان قريبًا منه- في جمع، فتواعدا البوَيب، واجتمعوا هناك. وجاء مهران فنزل شرقي الفرات بإزائهم، على موضع يقال له: بَسُوسيا، فقال المثنى: هلك مهران، نزل البسوس والسوء، وأرسل إليهم مهران: إما أن تعبروا إلينا أو نعبرَ إليكم، فقال المثنى: لا نُلدغ من جُحر مرّتين، اعبروا إلينا، ونزل مهران منزلًا يقال له: شوميا فقال المثنى: انهضوا بنا إليهم فقد هلكوا وربِّ الكعبة، انتقلوا من السوء إلى الشؤم. وحمل المثنى فأبلى بلاءً حسنًا، فقُتل مهران، قتله غُلامٌ نصرانيّ من بني تغلب، وقُتل من الفرس مئة ألف، وكان المثنى سببَ الهزيمة، حمل على القلب فأزاله، وغنم المسلمون أموالًا عظيمة، وسار المسلمون ما بين دجلة والفرات، ومن الفرات إلى البرية مما يلي القادسية، واعتصم الفرس بساباط. وقال ابن إسحاق: لما بلغ عمر وقعة الجسر، شقّ عليه، واتّفق قدوم جرير بن عبد اللَّه البَجلي من اليمن في وفدٍ من بَجيلة، فقال عمر: سمعتُم ما جرى على إخوانكم يوم الجسر، فسيروا إلى العراق، وبعث معهم القبائل من بني عامر بن صعصعة، وأمّر على الجيش عرفجة، فغضب جرير وقال لعمر: استعملتَ علينا رجلًا ليس منا؟ وبلغ عرفجة فغضب، وقال (١): واللَّه لا أسير معهم، فأمّر عمر جرير بنَ عبد اللَّه البَجلي على بَجيلة. وسار فنزل قريبًا من المثنى، فأرسل إليه المثنى أن: أَقبِل فإنما أنت مَددٌ لي، فأرسل إليه جرير: أنا أمير وأنت أمير، وسأستأذن أميرَ المؤمنين. وسار جرير يريد الجسر، فلقيه مهران عند النُّخيلة، وكان مهران من عظماء الفرس، وكان شرقيَّ دجلة، فعبر إليه، والتقوا، فطعن المنذر بن حسّان الضبيّ مهران،

стр. 2102

فوقع عن فرسه، واقتحم عليه جرير بن عبد اللَّه فاحتز رأسه، ثم اختصما فيه واصطلحا، فأخذ جرير سلاحَه، وأخذ المنذر مِنطقته. وكان مهران قد نشأ باليمن مع أبيه باذان لما كان عاملًا لكسرى عليها، ولما التقى مهران جريرًا والمنذر قال: [من الرجز]: إن تسألوا عني فإني مهران … أنا لمن أنكرني ابنُ باذانْ وكتب المثنى إلى عمر يشكو جريرًا، فكتب إليه: كيف أقدّمُك على رجل من أصحاب رسول اللَّه ﷺ (١). وكانت وقعة البُوَيْب في رمضان سنة ثلاث عشرة، وذكر ابن سعد أن جريرًا شهد وقعة جسر أبي عبيد. قصة الخنافس ولما قُتل مهران قيل للمثنى: هاهنا سوق عظيم يُقال له: الخنافس، يجتمع إليه خلقٌ عظيم من الفرس والعرب والدهاقين، فيقيمون بها أيامًا يبيعون ويشترون، وفيها أموال عظيمة، فقصدها يوم سوقها، فانتسف السوق ومَن فيه، وقتل وسبى، وغنم وعاد. قصة بغداد قال سيف: كان موضع بغداد في أيام الفرس سوقٌ عظيم يقوم في السنة، فذُكرت للمثنى. وقد أخرج القصّة الخطيب في تاريخه، عن ابن إسحاق بطوله قال: قال أهل الحيرة للمثنى: ألا ندلُّك على قريةٍ تأتيها تجارُ مدائنِ كسرى والسواد، ويجتمعُ بها في كلّ سنةٍ من أموال الناس مثلُ خراج العراق، وهذه أيام سوقهم يجتمعون فيها، فإن أنت قَدرت على أن تُغير عليهم وهم لا يشعرون، أصبتَ منه مالًا يكون منه عزٌّ للمسلمين، وقوَّةٌ على عدوِّهم، وبينها وبين مدائن كسرى يوم واحد. فقال: وأنَّى لي بها؟ فقالوا: خُذ على طريق الأنبار، وبين يديك الأدِلَّاء، فتسير أولَ الليل من الأنبار فتُصبّحها أو تأتيها ضُحًى.

стр. 2103

قال: فخرج من النُّخَيلة ومعه الأدِلّاء من أهل الحيرة، حتى نزل الأنبار، فتحصّن منه صاحبُها، فأرسل إليه المثنى: أنزل فأنت آمنٌ على دمك وقريتك (١)، حتى ترجع سالمًا إلى حصنك، فنزل، فقال: أريد دليلًا إلى بغداد لأعبر منها إلى المدائن، فبعث معه دليلًا، وأخرج لهم الطعام والعلف، وسار حتى قَرُب من بغداد فنزل، وسار في الليل، فصبَّحهم وهم في أسواقهم، فوضع فيهم السيف، فقتل [وأخذ الأموال]، وقال لأصحابه: لا تأخذوا إلا الذهب والفضة، ومن المتاع ما يقدر أحدكم على حمله، ففعلوا، وحملوا من الأموال ما أعجزهم حملُه، وعادوا غانمين (٢). قال سيف: وكان أهلُ الأنبار قد نقضوا العهد بعد خالدٍ، فأمّنهم المثنى، فأرسلوا إليه بالإقامة عند ذهابه إلى بغداد وعند عوده. وقد ذكرنا أنَّ المثنى أغار على سوق بغداد في أيام خالد بن الوليد، فتكون غارتين. وحجّ بالناس عمر بن الخطاب، وعند مرجعه من الحج جهّز الجيوش إلى العراق، وقيل: لم يَحجّ في هذه السنة لاشتغاله بتجهيز الجيوش، وبعث عبد الرحمن بن عوف فحجّ بالناس، ثم حج عمر بعد هذه السنة مدّةَ خلافته. وكان على الطائف عثمان بن أبي العاص الثقفي، وعلى اليمن يَعلي بن مُنْية، وعلى الشام أبو عبيدة، وعلى العراق المثنى بن حارثة، وعلى البحرين العلاء بن الحضرميّ، وعلى القضاء علي بن أبي طالب ﵇. وفيها توفي. الأَخْنَس واسمه أُبيّ بن شَريق بن عمرو الثقفي، أسلم يوم الفتح، وسُمّي الأخنس لأنه أشار يوم بدر علي بني يربوع بالرجوع إلى مكة (٣)، فرجعوا ولم يشهدوا بدرًا، فسلموا من

стр. 2104

القتل، فخَنَس بهم أي: تأخّر. شهد مع رسول اللَّه ﷺ حُنينًا، وأعفاه مع المؤلَّفة قلوبهم، وله صحبة ورؤية، وليس له رواية، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤] (١). أبان بن سعيد ابن العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو الوليد، وقيل: أبو سعيد، من الطبقة الثالثة من الصحابة، أسلم بين الحُديبية وخيبر، وهو الذي حمل عثمان على فرس عام الحديبية، وأجاره حتى دخل مكة، وبَلَّغ رسالة رسول اللَّه ﷺ وقال له: [من المنسرح]: أقبلْ وأدبِرْ ولا تَخَف أحدًا … بنو سعيدٍ أعزَّةُ الحرمِ (٢) واستعمله رسول اللَّه ﷺ في بعض سراياه، وولَّاه البحرين بعد العلاء بن الحَضْرميّ، ولما تُوفّي رسول اللَّه ﷺ قدم على أبي بكر، فقال له: ارجع إلى عملك، فقال: لا أعمل لأحد بعد رسول اللَّه ﷺ ، وخرج إلى الشام غازيًا فاستشهد بأجنادين، وقيل باليرموك، وقيل بمرج الصُّفَّر، وقيل: عاش إلى سنة تسعٍ وعشرين، والأول أَشهر. قال ابن عساكر: وهو الذي قدم على رسول اللَّه ﷺ ، فقال له: كيف تركتَ مكة؟ فوصفها وقال: تركتُ أهلمها وقد جبذوا، والإذخر قد اغْدَوْدَق، والثُّمام قد أَخْوَص، فاغرورقت عينا رسول اللَّه ﷺ بالدموع، ثم قال: أنا أفصحكم، ثم أبان بعدي (٣). روى أبان الحديث عن رسول اللَّه ﷺ . فأما أبو سعيد بن العاص فكان من سادات قريش وأشرافِها، وكان له عدَّةُ أولاد، منهم أُحيحة، وعبيدة، والعاص، قتلوا كفارًا، وأبان وخالد وعمرو وسعيد والحكم، واستشهدوا في سبيل اللَّه. فأما أُحيحة فقتل يوم الفِجار، وأما عبيدة فطعنه الزُّبير يوم بدر في عينه بالعَنَزة

стр. 2105

فمات، وهو الذي يُكنى: أبا ذات الكرش، وأما العاص فقتله علي يوم بدرٍ كافرًا، ولقي عمر ﵁ سعيد بن العاص يومًا، فقال له: تَزعم أني قتلتُ أباك، وَدِدتُ أني فعلتُ ذلك، ما قتله إلا علي، ولكن قتلتُ خالي بيدي العاص بن هشام، فقال له سعيد: يا أمير المؤمنين لو قتلتَه لكنت على حق، وهو على باطل (١). وأما الذي استشهد من ولد سعيد فسنذكرهم في نواحيهم. قال عبد اللَّه بن عمرو بن سعيد بن العاص: كان خالد وعمرو ابنا سعيد بن العاص قد أسلما، وهاجرا إلى الحبشة، وأقام غيرهما من ولد أبي أحيحة سعيد بن العاص على ما هم عليه، ولم يسلموا حتى كان يوم بدر، فخرجوا يوم بدر، ولم يتخلَّفْ منهم أحد، فقُتل العاص بن سعيد كافرًا، قتله عليّ، وقَتل الزبيرُ عبيدة بنَ سعيد، وأفلت أبان ابن سعيد. وكان خالد وعمرو ابنا سعيد يكتبان من الحبشة إلى أخيهما أبان، يقولان: اللَّه اللَّه أن تموتَ على ما ماتَ عليه أبوك، وقُتل عليه أخواك، فيغضب من ذلك ويقول: لا أفارق دينَ آبائي، وكان أبوه قد مات مسألة بالطائف بالظُّرَيْبة كافرًا، فقال أبان: [من الطويل]: ألا ليت ميتًا بالظُّرَيبة شاهدًا … لما يفتري في الدين عمرو وخالدُ أطاعا بنا أمرَ النساء فأصبحا … يُعينان من أعدائنا مَن نُكايدُ فقال خالد بن سعيد: [من الطويل]: أخي ما أخي لا شاتمٌ أنا عِرضه … ولا هو عن سوء المقالة مُقْصِرُ يقول إذا اشتدّت عليه أمورُه … ألا ليت مَيتًا بالظُّرَيْبة يُنشَرُ فدع عنك ميتًا قد مضى لسبيله … وأقبلْ على الحي الذي هو أفقرُ وأقام أبان بمكة على حاله كافرًا إلى زمن الحُديبية، فلما بَعث النبي ﷺ عثمان بنَ عفان في رسالة إلى قريش، أجاره أبان حتى بلَّغ الرسالة، وعاد إلى رسول اللَّه ﷺ ، [وعاد رسول اللَّه ﷺ ] إلى المدينة.

стр. 2106

وأقبل خالد وعمرو من الحبشة في السفينتين، وكانا آخر من هاجر منها، فكتبا إنى أبان يدعوانه إلى الإسلام، فأجابهما، وقدم المدينةَ على إثرهما مسلمًا، وخرجوا إلى خيبر سنةَ سبعٍ من الهجرة، ورسول اللَّه ﷺ بها، فأسهم لهم، ثم قالوا بالمدينة إلى سنة تسع، فبعث رسول اللَّه ﷺ أبانًا عاملًا على البحرين، وكتب له كتاب الصدقات. وسأل أبان رسول اللَّه ﷺ أن يحالف عبد القيس، فأذن له، فقدم البحرين ومعه لواء أبيض وراية سوداء، فحمل لواءه أبو رافع مولى رسول اللَّه ﷺ ، فلما قارب البحرين تَلقَّاه المنذر بن ساوى في ثلاث مئةٍ من قومه، وعبد القيس على ليلةٍ من منزله، فاعتنقا، ورحَّب به المنذر، وسأله عن رسول اللَّه ﷺ ، فأخبره أن رسول اللَّه ﷺ قد شفعه في قومه. وأقام أبان بالبحرين يأخذ الصدقات والجزية والعشور، فاجتمع عنده مال، فكتب إلى رسول اللَّه ﷺ يُخبره، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين، فحمل المال إلى رسول اللَّه ﷺ . فلما تُوفي رسول اللَّه ﷺ ، وارتدّت العرب، وارتدّ أهلُ هجر، قال أبان بن سعيد لعبد القيس: بلِّغوني مَأمني، فقالوا: بل أقم عندنا نجاهد معك في سبيل اللَّه، فنحن قد ثبتنا على إسلامنا، واللَّه مُعزّ دينه ومظهره، فقال: أبلغوني مأمني، يكون لي أسوةٌ بأصحابي، فما مثلي مَن يَغيب عنهم في هذا الوقت، أحيا بحياتهم، وأموت بموتهم، فقال له الجارود العبدي: لا تفعل، أنت عندنا أعزّ الناس، وعلينا وعليك في هذا وَهن عظيم، يقال: فرَّ من القتال، ولامه الجارود، وقال: أَنشُدك اللَّه أن تَخرج من بين أظهُرنا، فإن دارنا مَنيعةٌ، ونحن لك سامعون مطيعون، ولو كنتَ اليوم بالمدينة لبعثك أبو بكر إلينا، فأبى عليهم، فجهّزوا معه ثلاث مئة منهم. وكان معه من مال الصدقة مئةُ ألف درهم، فلما قدم على أبي بكر لامه على القدوم، فقال ألا ثبتَّ مع قوم لم يُغيّروا ولم يُبدّلوا، فقال أبان: وهم على ذلك، وأثنى عليهم، قال: فأرجع إليهم، فقال أبان: لا أعمل لأحدٍ بعد رسول اللَّه ﷺ ، وقال له عمر: ما كان حقّك أن تَقدم المدينة بغير إذن إمامك، وقال لأبي بكر: أَكرِهْه على

стр. 2107

العمل والرجوع إليهم، فقال أبو بكر: لا واللَّه لا أُكرهه بعد أن قال لا أعمل لأحدٍ بعد رسول اللَّه ﷺ ، ثم بعث أبو بكر العلاء بن الحَضرميّ إليهم (١). بَشير بن عَنْبس ابن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر، من الطبقة الثانية من الأنصار، شهد أحدًا وما بعدها، ولم يشهد بدرًا، وأمُّه من الأزد، ويُقال له: فارس الحواء، اسم فرس له، واستشهد يوم جسر أبي عُبيد (٢). ولده سهل بن بشير، استشهد يوم القادسية، فولد سهل عبد اللَّه، وأمُّه الفُرَيعة بنت مالك، وخالاه قتادة بن النعمان وأبو سعيد الخدري، وهما أخوال الأم (٣). تميم بن الحارث ابن قيس بن عديّ السَّهمي، من الطبقة الثانية من الصحابة، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية. وكانوا ستة أخوة: تميم وسعيد وأبو قيس وعبد اللَّه والسائب والحجاج بنو الحارث. فأما تميم فاستشهد يوم أجنادين، وأما أخواه سعيد وأبو قيس فمن مهاجرة الحبشة، وأما السائب فخرج يوم الطائف واستشهد بفِحْل، وأما الحجَّاج فأُسر يوم بدر. وكان أبوهم الحارث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هُصَيْص القرشي، أحد المستهزئين برسول اللَّه ﷺ ، وهو ابن الغَيْطلة، وهي أمُّه (٤). ثعلبة بن عمرو بن مِحْصَن الأنصاري من الطبقة الأولى من بني النجار، وأمُّه كَبْشة بنت ثابت أخت حسّان الشاعر، شهد

стр. 2108

بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، واستشهد يوم جسر أبي عبيد، وله عقب، وقيل توفي في خلافة عثمان ﵁ (١). الحجاج بن الحارث هاجر إلى الحبشة المرة الثانية، من الأنصار، شهد أحدًا وما بعدها، وفي شهوده بدرًا خلاف، واستشهد بأجنادين (٢). الحارث بن عدي ابن مالك بن حَرام، من الطبقة الثانية من الأنصار، شهد أحدًا وما بعدها، واستشهد يوم جسر أبي عبيد (٣). الحارث بن هشام ابن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مَخزوم، أخو أبي جهل، وكنيته أبو عبد الرحمن، حضر أحدًا مع المشركين، ولم يزل متمسِّكًا بالشرك إلى يوم الفتح؛ حتى استأمَنَتْ له أمُّ هانئ بنت أبي طالب، فأسلم وحسن إسلامه، وهو من الطبقة الخامسة، شهد حُنَينًا والطائف مع رسول اللَّه ﷺ ، وأعطاه مئةً من الإبل مع المؤَلَّفةِ قلوبهم. ولم يزل مقيمًا بمكة بعد [أن أسلم حتى] وفاة رسول اللَّه ﷺ ، وهو غير مَغْموصٍ عليه في إسلامه، وهو الذي انهزم يوم بدر وكان مع المشركين، فعيَّره حسان بن ثابت فقال: [من الكامل] إن كنتِ كاذبةَ الذي حَدَّثْتِني … فنجوتِ مَنْجى الحارث بنِ هشامِ ترك الأحبَّةَ أن يُقاتلَ عنهمُ … ونجا برأسِ طِمِرَّةٍ ولجامِ (٤) وقال الحارث يعتذر: [من الكامل] اللَّه يَعلمُ ما تركتُ قتالَهم … حتى رَمَوا فرسي بأشقَرَ مُزْبِدِ

стр. 2109

ووجدتُ ريحَ الموت من تلقائهم … في مأزقٍ والخيلُ لم تَتَبَدَّدِ فعلمتُ أني إن أُقاتل عنهم … أُقتلْ ولا يَنْكِي عدوّيَ مَشهدي وصددْتُ عنهم والأحبَّةُ فيهمُ … طمعًا لهم بعقابِ يومٍ مُفْسِدِ (١) قال خلف الأحمر: أبياتُ هُبيرة بن أبي وَهْب في الاعتذار عن الفرار خيرٌ من أبيات الحارث، وهي: [من الطويل] لعَمْرُك ما وَلَّيتُ ظهري محمدًا … وأصحابَه جُبْنًا ولا خِيفةَ القتلِ ولكنني قَلَّبْتُ أمري فلم أجد … لسَيفي غناءً إن ضربتُ ولا نَبْلي وقفتُ فلما خِفتُ ضيعةَ مَوقفي … رجعتُ لعَودٍ كالهِزَبْر أبي الشِّبْلِ (٢) وكان الحارث سيِّدًا في قومه، شريفًا في الجاهلية، ورُوي أن النبي ﷺ ذكرَ فِعلَه في الجاهلية في قِرى الأضياف وإطعامِ الطعام، فقال: إنه لسَرِي، وكان أبوه سَريًّا، ووَدِدْتُ أن اللَّه هداه إلى الإِسلام. وكان الحارث جوادًا شاعرًا فاضلًا، وفيه يقول الشاعر: [من الكامل] أحسبت أن أباك حيق تَسبُّني … في المجد كان الحارثَ بنَ هشامِ أَولى قريشٍ بالمكارم كلِّها … في الجاهلية كان والإِسلامِ (٣) قال الواقدي: لم يزل الحارث مُقيمًا بمكة، حتى جاء كتابُ أبي بكر يَستنفر الناس إلى الشام لجهاد العدوّ، فاستعدّ للخروج (٤). وقال الزبير بن بكار: تجهَّز الحارث من مكة غازيًا، فخرج بماله إلى الشام وأهله، وتبعه أهلُ مكة يبكون عليه، وذلك في خلافة عمر بن الخطاب، فبكى وقال: واللَّه لو كنت مستبدلًا دارًا بدار، وجيرانًا بجيران، ما أردتُ بكم بدلًا، وفي رواية: واللَّه ما خرجتُ رغبةً بنفسي عنكم، ولا أختار بلدًا غيركم، ولكن كان هذا الأمر، فخرجتْ فيه

стр. 2110

رجالٌ من قريش، واللَّه ما كانوا من ذوي أسنانها، ولا في بيوتها، فأصبحنا ولو أن جبال مكة ذهبٌ أنفقناها في سبيل اللَّه ما أدركنا يومًا من أيامهم، ولئن فاتونا في الدّنيا لنَلْتَمسنَّ أن نُشاركهم في الآخرة (١). وقال الواقدي: إنما خرج الحارث إلى الشام في خلافة أبي بكر، هو وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل غزاة، فنزلوا المدينة، فأتاهم أبو بكر في منازلهم، فسلَّم عليهم ورَحَّب بهم، وسُرَّ بقُدومهم (٢)، وهذا أَصَحّ. واستشهد الحارث في سنة ثلاث عشرة بأجنادين. وقال ابن الأعرابي: مرَّ خالد بن الوليد يوم اليرموك بالحارث وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وجماعة من بني المغيرة وغيرهم وهم صَرعى عِطاش، [فأتوا بماء] فتدافعوه، ينظر عكرمة إلى سهيل وهو ينظر إليه، فقال ابدؤوا به، فماتوا ولم يشربوا، فبكى خالد وقال: بنفسي أنتم (٣). وقال الواقدي: مات الحارث بطاعون عمواس سنة ثماني عشرة (٤)، ويقال: إنه عاش إلى أيام عثمان، وذهب بصره. ذكر أولاده: كان له من الولد عبد اللَّه: وُلد على عهد رسول اللَّه ﷺ ، ولا صُحبة له، وحديثُه مُرسل. وعبد الرحمن، كنيته أبو محمد، وكان اسمُه إبراهيم، فغيَّره عمر لما غيَّر إسامي الناس، وكانت عائشة رضوان اللَّه عليها تُثني عليه (٥)، وسنذكره سنة تسع وخمسين. وأم حكيم زوجة عكرمة بن أبي جهل، أسلمت يوم الفَتْح، وتزوَّجها خالد بن سعيد بن العاص. روى الحارث الحديثَ عن رسول اللَّه ﷺ .

стр. 2111

خالد بنُ سعيد ابن العاص بن أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصَيٍّ، أبو سعيد الأموي، من الطبقة الأولى من المهاجرين. قال ابن سعدٍ: وأمُّ خالد بنتُ خَبَّاب بن عبد ياليل من كنانة (١). أسلم قديمًا لرؤيا رآها، ذكرها أبو اليقظان وموسى بنُ عقبة، عن أمِّ خالد بنت خالد بن سعيد قالت: قال أبي: لما كان قُبيل المبعث، رأيتُ في المنام كأن ظُلمة غَشِيت مكَّة، حتى لا يُبصِرُ أحدٌ كفه، ثم ظهر نورٌ فعلا في السماء، فأضاء البيتَ ومكَّة، ثم امتدَّ الضوء إلى نجدٍ ويثرب، حتى إني لأنظر إلى البُسْر في النخل، قال: فانتبهتُ، فقصصتُها على أخي عمرو بن سعيد، وكان جَزْلَ الرأي فقال: يا أخي، إنَّ هذا الأمر سيكون في بني عبد المطلب، قال خالد: فهداني اللَّه إلى الإِسلام، ثم ذكرها بعد إسلامه لرسول اللَّه ﷺ فقال: "أنا ذلك النورُ" (٢). قالت أم خالد: فأبي واللَّه أوَّل الناس إسلامًا، ثم عمّي عمرو بن سعيدٍ بعده. وقد ذكر هذه الرؤيا ابن سعدٍ عن خالدٍ قال: رأيتُ ظُلمةً غشِيت مكَّة، فخرج نورٌ من زمزم مثل ضوء المصباح، فارتفع وعلا وسطع، فملأ السهل والجبل، ثم انحدر إلى يثرب حتى أضاءَ البُسْرَ في النخل، وسمعتُ قائلًا يقول في الضوء: سبحانه سبحانه، ذهبت الظُّلمةُ، وهلك ابن ماردٍ بهضبة الحصى بين أَذْرح والأكمة، سَعِدت هذه الأُمة، جاء نبيُّ الأميين، وبلغ الكتابُ أجلَه، كذبته هذه القرية، بَعدت بَعدت مرَّتين، فقصها على أخيه عمرو بن سعيد فقال له: إن هذا الأمر في بني عبد المطلب، ألا ترى أن النور من حُفْرة أبيهم (٣)؟! وذكر الشيخ الموفق في الأنساب قال: قالت أم خالد بنت خالد: كان أبي خامسًا في الإِسلام تقدَّمه عليٌّ وأبو بكر وزيد بن حارثة وسعد بن أبي وقّاص.

стр. 2112

قال: وقال الواقدي: كان بدءُ إسلامه أنه رأى في المنام أنه وُقِف به على شفير النار، فذكر من نعتها ما اللَّه أعلم به، وكأن أباه يدفعه فيها، ورأى رسول اللَّه ﷺ آخذًا بحَقْوَيْه يمنعُه من الوقوع فيها، ففزع، فلما أصبح لقي أبا بكرٍ فأخبره، فقال له: قد أُريدَ بك خيرٌ، هذا رسول اللَّه فاتَّبعْه، فإنه يُخلّصك من أن تقع في النار، وأبوك واقعٌ فيها. فلقي رسول اللَّه ﷺ بأجياد، فقال له: الأم تدعو يا محمَّد؟ فقال: إلى اللَّه وحده لا شريك له، وأني عبده ورسوله، وخَلْعِ ما أنت عليه من عبادة حجرٍ لا يضرُّ ولا ينفع، ولا يُبصر ولا يسمع، قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسولُ اللَّه، فسرَّ رسولُ اللَّه ﷺ بإسلامه. وعلم أبوه أبو أُحيحة بإسلامه، فأرسل في طلبه مَن بقي من إخوته، ولم يكونوا أسلموا، فأَتَوْه به، فأنَّبه أبوه وشتمه، وضربه بمِقرعة في يده حتى كسرها على رأسه، وقال له: أتبعت محمدًا وأنت ترى خلافَه قومَه، وما جاء به من عيبِ آلهتهم وآبائهم؟ فقال خالد: أي واللَّه قد اتَّبعتُه فافعل ما بدا لك، فقال: اذهب يا لُكَع حيث شئت، فواللَّه لأمنعنَّك القُوت، فقال خالد: إن منعتَني فإن اللَّه يَرزقني ما أعيشُ به، فأخرجه وقال لإخوته: لا يكلِّمه أحدٌ منكم إلا صنعتُ به مثل ما صنعت به، فانصرف خالد إلى رسول اللَّه ﷺ فلزمه، وكان يعيش معه حتى خرج أصحابُ رسول اللَّه ﷺ إلى الحبشة الهجرة الثانية فخرج معهم (١). وقال هشام: مرض أبو أحَيْحة فقال. لئن عافاني اللَّه من مرضي هذا لا يُعبد إله ابن أبي كَبْشةَ بمكة أبدًا، فقال خالد: اللهم لا تَشفه، فمات من مرضه ذلك. وقال الواقدي: قالت أم خالد بنت خالد: هاجر أبي إلى الحبشة المرة الثانية، فأقام بها بضعَ عشرة سنة، ووُلدتُ أنا بها، ثم قدم على النبي ﷺ بخيبر، فكلَّم المسلمين فيه فأسهموا لنا، ثم رجعنا مع النبي ﷺ إلى المدينة فأقمنا بها، وشهد أبي مع رسول اللَّه ﷺ عمرة القَضيَّة وفتح مكة وحنينًا والطائف وتبوك، وبعثه رسول اللَّه ﷺ على صدقات اليمن، فتُوفّي رسولُ اللَّه ﷺ وأبي باليمن (٢).

стр. 2113

قالت: وأول من كتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم بين يدي رسول اللَّه ﷺ أبي. وقال هشام: كان خالد بن سعيد على اليمن، وأخوه أبان على البحرين، وأخوهما عمرو على تيماء وخيبر، فلما توفي رسولُ اللَّه ﷺ قدموا المدينة، فقال لهم أبو بكر رضوان اللَّه عليه: ما لكم رجعتم عن عمالتكم، ارجعوا إليها، فما أجد أحدًا أحق بالعمل من عمال رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا: نحنُ بنو أبي أحيحة لا نعمل لأحدٍ بعد رسول اللَّه ﷺ ، ثم مضوا إلى الشام فاستشهدوا جميعًا. ويقال: ما فُتحت بالشام كورةٌ إلا ووجدوا عندها رجُلًا من بني سعيد قتيلًا (١). وقد ذكرنا أن أول لواءٍ عقده أبو بكر لخالد بن سعيد، وأن عمر كلَّمه فيه فعزله، وولَّى يزيد بن أبي سفيان. وقال ابن قتيبة: استعمل رسول اللَّه ﷺ خالد بن سعيد على صدقات بني زبيد، فصارت إليه الصَّمصامة التي لعمرو بن معدي كرب، فلم تزل عند ولده حتى اشتراها محمَّد بن المهدي بن أبي جعفر بعشرين ألف درهم (٢). وقال سيف بن عمر: تزوَّج خالد بن سعيد بأم حكيم بنت الحارث بن هشام المخزومي، وأمُّها فاطمة بنت الوليد بن المغيرة، أخت خالد بن الوليد، وإليها تُنسب قَنطرة أمِّ حكيم بمرج الصُّفَّر، ولها صحبةٌ، وهي التي أسلمت يوم الفتح، واستأمنت لزوجها عكرمة بن أبي جهل، وخرجت خلفه، وكان قد هرب إلى البحر، وقد ذكرناه. واختلفوا في وفاة خالد بن سعيد (٣): فقال الواقدي: استشهد بمرج الصُّفر. وقال الهيثم: بأجنادين. وقال أبو اليقظان: بفِحْل. والأول أصحّ. قال الواقدي: شهد خالد أجنادين وفِحلًا، وجاء فنزل مرجَ الصُّفَر، وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام تحت عكرمة بن أبي جهل، فقُتل عنها باليرموك، فاعتدت بأربعة أشهر وعشرة أيامٍ، ثم تزوَّجها خالد بن سعيد، وأصدَقها أربع مئة دينارٍ، وكان

стр. 2114

الروم بمقابلة المسلمين، فأراد خالد أن يُعرّس بها فقالت: لو أخَّرت ذلك حتى تنفضَّ الجموعُ، فقال: نفسي تُحدّثني أنني أصابُ في هذه المرة، فقالت: دونك، فأعرس بها عند القنطرة التي بمرج الصُّفَّر، وبها سُميت قنطرة أم حكيم، وأولم عليها، ودعا أصحابه، فما فرغوا من الطعام، حتى صَفَّت الرومُ صفوفَها، والتقوا، وصبر الفريقانِ، وتصافحوا بالسيوف، حتى سُمع وقْعُها على الحديد، وقاتلت أم حكيم بعمود الفُسطاط، حتى قتلت سبعةً من الروم (١). وقال الموفق في الأنساب عن الأموي قال: حمل خالد وهو يقول: [من الكامل]: مَن فارسٌ كَرِه الطِّعانَ يُعيرني … رُمحًا إذا نزلوا بمَرْج الصُّفَّرِ فحمل عليه رجلٌ من القوم، فقتله، ثم قلب الروميُّ ترسه، وجاء إلى صفِّ المسلمين مُستأمِنًا، فقيل له: مالك؟ فقال: رأيتُ حين قتلتُه قد سطع منه نورٌ مثلُ السارية، حتى بلغ عَنان السماء (٢). وقال هشام: حمل خالد في وسط الروم، فخرق الصفوف، فقتلوه على النهر. وقال ابن عائذ: أقام مع أم حكيم سبعةَ أيامٍ، والأوَّل أَشهر، وقيل: إن خالد بن سعيد فُقِد يوم اليرموك (٣)، والأصحُّ أنه قُتل بمرج الصفر على ما ذكرنا. قلت: وربما سمع سامع قول الواقدي: فأعرس بها عند قنطرة أم حكيم وبها سُميت، فظنها قصرَ أم حكيم، وليس كذلك؛ لأن قنطرة أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام عند النهر القريب من الكسوة، وقصر أم حكيم قِبَليّ مرج الصفر، قريبًا من غباغب، وأم حكيم التي نُسب إليها القصر هي بنت يحيى، وقيل: بنت يوسف بن يحيى ابن الحكم بن العاص بن أمية، وذكرها الزبير بن بكارة وأمها زينب بنت عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، كانت شاعرة، تزوجها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك، وطلقها، فتزوجها هشام بن عبد الملك، فولدت له يزيد بن هشام.

стр. 2115

وكانت لها دارٌ بدمشق، وسوق يقال له: سوق أم حكيم، وبنت القصر المشار إليه، وكانت تخرج فتقيم به. ويقال: إنه لما تزوجها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك تزوج عليها ابنة لأبي بكر ابن عبد الرحمن بن أبي بكر، فحظيت عنده، فطلَّق أمَّ حكيم، فتزوَّجها هشام بن عبد الملك، فلما مات عبد العزيز بن الوليد تزوج هشام ابنة أبي بكر بن عبد الرحمن، فجمع بينهما، ثم طلَّق هشام ابنة أبي بكر وأبقى أم حكيم، وقال لها: قد أَقَدْتُك منها، كما فعل بك عبد العزيز حيث طلقك وأبقاها، فولدت لهشامٍ محمدًا ويزيد ابني هشام (١). ذكر أولاد خالد بن سعيد: كان له من الولد عبد اللَّه وسعيد وأم خالد، ولدوا بالحبشة، فأما سعيد فكساه رسول اللَّه ﷺ حلةً فيها حرير، فيها سُمّيت الثياب السعيدية، وولد سعيدٌ بن خالد أربعين ولدًا: عشرين ذكرًا وعشرين أنثى، ومن ولده عمرو بن سعيد الأشدق الذي قتله عبد الملك بن مروان، وكان شُجاعًا فَطِنًا، قال له معاوية: إلى من أوصى بك أبوك؟ فقال: أوصى إليّ، وما أوصى بي (٢). وأما أم خالد فاسمها أمة، وأمُّها هُمينة بنت خلف بن أسعد الخُزاعية، ولدتها بأرض الحبشة، قالت أم خالد: سمعت النجاشيَّ يوم خرجنا يقول لأصحاب السفينتين: اقرؤوا جميعًا على رسول اللَّه ﷺ مني السلام، قالت أمة: فكنتُ فيمن أقرأ رسول اللَّه ﷺ من النجاشي السلام. وروت أم خالد عن رسول اللَّه ﷺ أحاديث. وقال الواقدي: تزوج الزبير بن العوام أمة بنت خالد، فولدت له عمرًا وخالدًا ابني الزبير (٣). السائب بن الحارث ابن قيس بن عديّ السَّهمي، من الطبقة الثانية من المهاجرين، هاجر إلى الحبشة

стр. 2116

الهجرة الثانية، وجُرح يوم الطائف، وقُتل بعد ذلك بفِحْل بسواد الأردن سنة ثلاث عشرة، في أول خلافة عمر (١). سعد بن سلامة بن وَقْش من الطبقة الثانية من الأنصار، من بني عبد الأَشْهل، وأمه سُهيمة بنت عبد اللَّه من الأوس، شهد أحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، واستشهد يوم جسر أبي عبيد، وليس له عقب (٢). سَلمة بن أَسلَم ابن حَريش بن عَدي بن مَجْدَعة، أبو سعد، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، وهو الذي كُسر سيفُه يوم بدر، وأعطاه رسول اللَّه ﷺ لَحْي جمل، فصار بيده سيفًا، وخرج به في جيش أسامة بن زيد، الذي جَهزه أبو بكر رضوان اللَّه عليه إلى البلقاء، وأمُّه سعاد بنت رافع من بني النجار. قُتل سلمة يوم جسر أبي عبيد، وهو ابن ثلاث وستين سنة. وقُتل في هذا اليوم أيضًا أخوه مسلمة بن أسلم، وهو من الطبقة الثانية من الأنصار (٣). سَلمة بن هشام ابنِ المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم، وأمُّه ضُباعة بنت عامر بن قُرْط، من ربيعة، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى في قول بعضهم، ولما رجع إلى مكة حبسه أخوه أبو جهل، وضربه وعذَبه، وهو أحد الثلاثة الذي كان رسول اللَّه ﷺ يدعو لهم إذا قَنَت في صلاة الفجر، فيقول: "اللهمَّ أَنْجِ الوليد ابنَ الوليد، وسلمة بنَ هشام، وعيَّاش بنَ أبي ربيعة" (٤)، ثم نُسخ القنوت بعد. وكان سلمة من كبار الصحابة وفُضلائهم، وهو أخو أبي جهل، وكانوا خمسة

стр. 2117

أخوة: أبو جهل والحارث وسلمة وخالد والعاص بنو هشام، فأما أبو جهل والعاص فقُتلا كافِرَين ببدر، وأُسر خالد يومئذ، ثم فُدي ومات كافرًا، وأما سلمة والحارث فكانا من خيار المسلمين. ولم يشهد سلمة بدرًا لأنه كان محبوسًا، ثم أفلت بعد الخندق، ولحق رسول اللَّه ﷺ فأقام معه، فقالت أمّه ضُباعة: [من الرجز]: اللهمَّ ربَّ الكعبةِ المحرَّمة … أظهرْ على كلِّ عدوٍّ سَلَمة له يدان في الأمور المبهمة … كفٌّ بها يُعطي وكفٌّ مُنْعِمة وشهد سلمة غَزاةَ مؤتة، واستشهد بأجنادين قبل موت أبي بكر رضوان اللَّه عليه بليالٍ، في سنة ثلاث عشرة، وقيل: استشهد في مرج الصُّفَّر، في المحرم سنة أربع عشرة، في أول خلافة عمر (١). سَليط بن قيس ابن عمرو الأنصاري، من الطبقة الأولى من بني النجار، وأمُّه زُغَيبة بنت زُرارة بن عُدَس نجارية أيضًا، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، وكان لما أسلم يَكسر أصنام بني عَديّ بن النجار (٢). سُلَيم مَولى رسول اللَّه ﷺ - وكُنيتُه أبو كبشة، وقيل: اسمه أوس، من مُوَلّدي السراة، وقيل [من مولّدي] أرض دوس، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، وتوفي بالمدينة يوم الثلاثاء لثمانٍ بقين من جُمادى الآخرة، في اليوم الذي استُخلف فيه عمر رضوان اللَّه عليه (٣). سَهل بن عَتيك بن النُّعمان من الطبقة الأولى من الأنصار، من بني عمرو بن عوف (٤)، وأمُّه جَميلة بنت

стр. 2118

علقمة، من بني مَبذول، شهد العقبة مع السبعين، وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، واستشهد يوم جسر أبي عبيد، وقيل: إن الذي استشهد يوم الجسر أخوه لأبيه وأمّه، واسمه الحارث بن عَتيك، له صُحبة، ولم يشهد بدرًا، وكُنيته أبو أَخْزم، ولسهل رواية عن النبي ﷺ . طُلَيب بن عمير ابن وهب بن كثير بن عبد بن قصي، أبو عدي، وأمُّه أروى بنت عبد المطلب، عمَّةُ رسول اللَّه ﷺ ، وهو من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قديمًا في دار الأرقم، ثم هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وآخى النبيّ ﷺ بينه وبين المنذر بن عمرو الساعدي، وشهد بدرًا في قول بعضهم، وهو أول من دَمَّى مشركًا في سبيل اللَّه، ضرب أبا جهل بلَحْي جمل بمكة في سنة خمس من النبوة (١)، واستشهد بأجنادين وهو ابن خمس وثلاثين سنة، وقيل: باليرموك، والأول أشهر. والذي استشهد باليرموك: طُلَيب بن عمرو بن وهب بن عبد اللَّه بن قصي بن كلاب (٢). عبد اللَّه بن الزُّبير ابن عبد المطلب بن هاشم، ابن عمّ رسول اللَّه ﷺ ، أسلم وحَسُن إسلامُه، وثبت مع رسول اللَّه ﷺ يوم حُنين، وكان رسول اللَّه ﷺ يقول: "ابن عمي وحِبّي"، واستشهد بأجنادين. قال أبو الحويرث: أول قتيلٍ من الروم يوم أجنادين بِطريق خرج معلمًا، فدعى إلى البِراز، فبرز إليه عبد اللَّه بن الزبير، فاختلفا ضربتين، فقتله عبد اللَّه ولم يعرض لسَلَبه، ثم برز إليه آخر، فضربه على عاتقه بالسيف، وقال: خُذها وأنا ابن عبد المطلب، فقطع الدرع، وأسرع السيفُ في منكبه، وعزم عليه عمرو بن العاص أن لا يبارز أحدًا، فقال عبد اللَّه: واللَّه إني لا أجدني أصبر، ثم اختلطوا، فوجدوه قتيلًا بين عشرة من الروم،

стр. 2119

في رِبضة (١)، قد قتلهم وقتلوه، وقائمُ سيفه في يده، فما نُزع من يده إلا بعد نهار، ويقال: إنه استشهد بفِحل. قال الواقدي: كان لعبد اللَّه يوم قُبض رسول اللَّه ﷺ نحوٌ من ثلاثين سنة، ولا نعلمه غزا مع رسول اللَّه ﷺ ، ولا روى عنه حديثًا (٢). عبد اللَّه بن سفيان ابن عبد الأسد المخزومي، من الطبقة الثانية من المهاجرين، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة المرّة الثانية، وقتل بأجنادين، وقيل: باليرموك، وقيل: بمؤتة، وأخوه هبَّار ابن سفيان، وعبد اللَّه له رؤية، وهو ابن عمِّ أبي سلمة (٣). أبو بكر الصديق رضوان اللَّه عليه واسمُه عبد اللَّه بن عثمان، وقد ذكرنا نسبه وجُمْلةً من فضائلهِ (٤)، وهو من الطبقة الأُولى من المهاجِرين، وأحدُ العَشَرة المبشَرين، المجاهدُ بنفسه وماله في سبيل اللَّه، شهد بدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كُلَّها مع رسولِ اللَّه ﷺ ، لم يَفُتْهُ مشهدٌ، وثبت معه يوم أُحُد لمّا انهزَمَ الناسُ، بايعه على الموت، ودفع إليه رسولُ اللَّه رايتَه العُظمى يوم تبوك. وهو أوَّلُ من أسلم من الرجال، وأوَّلُ من جمع القرآن، وتنزَّه عن شُرْب المُسكر في الجاهلية والإِسلام، وكان رئيسًا في الجاهلية، إليه مَساق الديات والمغارم، وكان أنسبَ العربِ، ولم يُفْتِ بحضرةِ رسول اللَّه ﷺ سواه. وذكرنا (٥) أنَّه قال في غزاةِ حنين في حديث أبي قتادة: لا ها اللَّه ذا، وذكرنا (٦) أن

стр. 2120

أمَّه أُمُّ الخير، واسمُها سلمى بنت صخر بن عامر [بن كعب] بن سعد بن تَيْم، وتُوفّيت في صدر الإِسلام بعد أن أسلمت وبايعت. وأسلم على يد أبي بكر من العشرة خمسةٌ: عثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف. وقال الموفق في الأنساب: وأسلم على يده الأَرْقَم بنُ أبي الأرقم (١). وهو أوَّلُ مَن أجاب على المنبر وهو يخطب عن ميراث الجدة، قال: لا أَجدُ لها في كتاب اللَّه شيئًا، فشهد عبدُ الرحمن بن عوف والمغيرة بن شعبة أن رسول اللَّه ﷺ أعطاها السُّدس، فعمل بما شهدا به. وكان أول من قضى للجدة بسهم، وأوَّل من أسقط الأخوة من الأب بالجد، وأول مَن قاء مخافةَ الحرام، وأول مَن غَسَّلتْه زوجتُه في الإِسلام، وأول من نصَّ على خليفةٍ بعده، وأول مَن دُفن إلى جانب رسول اللَّه ﷺ ، وأول من وَلَّى قاضيًا بحضرته وهو عمر ابنُ الخطاب، وأوَّل مَن ولَّى صاحبَ شرطةٍ وهو أبو عبيدة، وهو أَوَّل مَن اتخذ حاجبًا من الخلفاء، وهو سَديف مولاه (٢). وكان زاهدًا، عابدًا، ورعًا، باكيًا، خائفًا، خاشعًا، متواضعًا، يحلب أغنام الحيِّ، وقد ذكرناه (٣). وحكى ابن سعد أن نَقْشَ خاتمه: نعم القادر اللَّه (٤)، وقيل: عبد ذليل بين يدي رب جليل (٥). وكان يلبس في خلافته الشَّملة والعباءة، وقدم عليه أشراف العربِ وملوك اليمن لما ولي الخلافةَ وعليهم التيجان والحرير والوشي، فلما رأوا لباسَه رموا ما كان عليهم، وسلكوا طريقه في التواضع ومكارم الأخلاق.

стр. 2121

ذكر إنفاقه على رسول اللَّه ﷺ وما أعتق: قال ابن سعدٍ بإسناده عن أسامة بن زيد ابن أسلم عن أبيه قال: كان أبو بكرٍ معروفًا بالتجارة، لقد بُعث رسول اللَّه ﷺ وعنده أربعون ألفًا -قال عروة بن الزبير: أربعون ألف دينار، وغيره يقول: أربعون ألف درهم- فلم يزل يُقوي المسلمين، ويُعتِق منها؛ حتى قدم المدينة ومعه خمسةُ آلاف درهم، فكان يفعل فيها ما يفعل بمكة، حتى تُوفِّي ولم يترك دينارًا ولا درهمًا (١). وقال أحمد بن حنبل: حدثنا [أبو] معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما نَفعَني مالٌ كمال أبي بكرٍ" فبكى أبو بكر وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول اللَّه (٢). وفي روايةٍ: "ما لأحدِ عندنا يدٌ إلَّا وقد كافيناه عليها ما خلا أبا بكرٍ، فإن له عندنا يدًا يكافيه اللَّه عليها" (٣). فإن قيل (٤): فقد أنفقت عليه خديجة أضعافَ ذلك، وما قال: ما نفعني مالٌ كمالِ خديجة، فالجواب: أن رسول اللَّه ﷺ كان يُثنى على خديجة، ويَعترف بإنفاقها عليه، وإحسانها إليه، على ما ذكرناه في ترجمتها (٥). وقولُه: "ما نفعني مال كمال أبي بكرٍ"، أراد به المبالغةَ في الثناء عليه. وقد ذكر جدي ﵀ في كتاب "المنتخب" وقال: إذا أراد اللَّه قَبول نَفقةٍ قَدَّر لها فاقةَ مُحتاجٍ، وأَحوجُ ما كان الإِسلامُ إلى نفقة أبي بكرٍ، فلهذا حُلِّي حليةَ: "ما نفعني مال كمالِ أبي بكرٍ". وقال في إنفاق خديجة: أنفقت خديجةُ لشائبةِ هواها، ونفقةُ أبي بكرٍ لقاعدةٍ بناها. قلت: فأبو بكرٍ ﵁ إنما أنفق بعد الرسالة ونزول الوحي، وذلك في سنة أربعين من النبوَّة، ورسولُ اللَّه ﷺ تزوَّج خديجة وهو ابن خمسٍ وعشرين سنة، قبل النبوة بخمس عشرة سنةً، فإنفاقُ خديجةَ عليه مُتقدّم على إنفاق أبي بكر بخمس عشرة سنةً، ثم شاركت

стр. 2122

أبا بكرٍ بعد النبوة في الإنفاق عشرَ سنين؛ لأنها تُوفِّيت في السنة العاشرة من النُّبوَّة. ولا يُقال. أنفقتْ خديجةُ لشائبةِ هواها؛ لأنها إنما تزوجت رسول اللَّه ﷺ لما أخبرها غلامها ميسرةُ بحديث بَحيرى الرّاهب، وتظليلِ الغمامة لرسولِ اللَّه ﷺ ، ونحوِ ذلك، فتزوَّجته لذلك المعنى، والدليلُ عليه أنها أوّلُ مَن أسلم وصدَّق بنُبوَّته وآمن برسالته، وقد ذكرناه (١). وقد ذكرنا أن النبيَّ ﷺ لمّا حثَّ على الصدقة في غزاة تبوك، جاء أبو بكرٍ بكلِّ ماله، وجاء عمر بنصف ماله، فقال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر: ما أبقيتَ لعيالك؟ قال: اللَّه ورسوله، وقال لعمر: ما أبقيت لعيالك؟ قال: مثلَ ما جئتُ به، وكان عمرُ قد قال: لأُسابقنَّ اليوم أبا بكرٍ، فلما جاء بالكلِّ قال عمر: واللَّه لا أُسابقُك إلى شيءٍ أبدًا (٢). وأما ما أعتق أبو بكرٍ، فقال هشام: أعتق سبعةً ممن كان يعذبُ في اللَّه تعالى: أعتق بلالًا وعامر بن فُهيرة وزِنيرة والنَّهْدية وابنتها وجارية بني عمرو وأم عُمَيْسٍ أو عُبَيْس (٣). وقال هشام بن الكلبي، عن أبيه قال: قال أبو قُحافة لابنه أبي بكرٍ: يا بُنيّ، أَراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك تُعتِق رجالًا جُلدًا يمنعونك ويقومون دونك، فأنزل اللَّه ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ (٤) الآية [الليل: ٥]. وقد ذكرنا أنه اشترى بلالًا فيما تقدَّم، وقول المشركين: غُبِنْتَ: فقال: المغبونُ من كل ثمنَ بلالٍ (٥). فصل في ذكر ما نزل فيه من الآيات: قال ابن عباس: عاتب اللَّه أهل الأرض بقوله: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٤٠]، إلَّا أبا بكرٍ ﵁، فإنه أثنى

стр. 2123

عليه حيث قال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ (١). قال: وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ الآيات (٢) [الليل: ١٩]. وفيه نزل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ (٣) [الحديد: ١٠]. وفيه نزل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ (٤) [التوبة: ١٠٠] في آياتٍ كثيرةٍ. حديث الأبواب: في آخر حديث التَّخيير، وقد تقدم (٥)، "سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر"، وفيه: "إن أَمَنَّ الناسِ بصُحبته وماله أبو بكر، ولو كنتُ مُتَّخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا" (٦). فإن قيل: فما الحكمة في سد الأبواب؟ قُلنا: تعظيمًا لحقِّ أبي بكر ﵁، واعترافًا لفضله، إذ سُدَّت جميعُ الأبواب -وهي الخوخات- وبقيت خوخته لم تُسَدّ. حديث المفاخرة: قال أبو الدرداء: كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبتيه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أمَّا صاحبُكم فقد غامر" فسلَّم ثم جلس، وقال: كان بيني وبين عمر بن الخطاب شيءٌ، فأسرعتُ إليه ثم ندمتُ، فسألتُه أن يَغفرَ لي، [فأبى عليَّ] فأقبلتُ إليك، فقال: "يَغفر اللَّه لك يا أبا بكر" قالها ثلاثًا، ثم إن عمر نَدم، فأتى منزلَ أبي بكر فسأل: أَثَمَّ أبو بكر؟ قالوا: لا، فأتى النبيَّ ﷺ ، فجعل وَجهُ النبي ﷺ يَتَمعَّر، حتى أشفق أبو بكر، فجثا على ركبتيه وقال: يا رسول اللَّه، أنا كنتُ الظَّالم، وأنا كنتُ أظلم له، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه بعثني إليكم، فقُلتم: كذبتَ، وقال أبو بكر: صدقتَ أو صدق، وواساني بنَفسِه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي"؟ قالها مرّتين، فما أُوذي بعدها. انفرد بإخراجه البخاري (٧).

стр. 2124

حديث في الصلاة: قد ذكرنا صلاةَ أبي بكر رضوان اللَّه عليه بالناس في مرض رسول اللَّه ﷺ ، وهذا حديثا يختصُّ بحالة الصّحة. قال سهل بن سعد: كان قتالٌ في بني عمرو بن عوف حتى تَرامَوا بالحجارة، فبلغ النبيّ ﷺ ، فأتاهم ليُصلح بينهم بعد الظهر، وقال: يا بلال، إن حَضرت الصلاة ولم آتِ فَمُرْ أبا بكر أن يُصلّي بالناس، وجاء رسول اللَّه ﷺ من حيث ذهب، فجعل يَتخلّل الصفوف، حتى بلغ الصفَّ الأوّل، ثم وقف، وجعل الناس يُصفِّقون ليُؤذِنوا أبا بكر برسول اللَّه ﷺ ، وكان أبو بكر لا يَلتفتُ في الصلاة، فلما أكثروا عليه التفت، فإذا هو برسول اللَّه ﷺ خلفه مع الناس، فأشار إليه رسول اللَّه ﷺ أن اثْبُتْ، فرفع يديه كأنه يدعو، ثم استأخر القَهْقَرى حتى جاء الصف، فتقدم رسول اللَّه ﷺ فصلى بالناس، فلما فرغ من صلاته قال رسول اللَّه ﷺ : "ما بالكم، أَنابَكم في صلاتكم شيءٌ فجعلتم تصفِّقون؟! إذا ناب أحدَكم شيءٌ في صلاته فليسبِّح اللَّه تعالى، فإنما التسبيحُ للرجال، والتَّصفيقُ للنساء"، ثم قال لأبي بكر: "لم رفعتَ يديك، ما منعك أن تَثبُتَ حين أشرتُ إليك؟ "، فقال: رفعتُ يديَ لأني حَمدتُ اللَّه على ما رأيتُ منك، ولم يكن لابن أبي قُحافة أن يَؤمَّ برسول اللَّه ﷺ (١). حديث المرأة: قال جُبير بن مُطعم: أتت امرأةٌ النبيّ ﷺ ، فأمرها أن ترجعَ إليه، فقالت: أرأيتَ إن جئتُ فلم أرك أو أجدَك؟ كأنها تقول: الموت، قال: "فأتي أبا بكر". متفق عليه (٢). فصل في حديث التَّخَلُّل بالعباءة: قال جدي ﵀ بإسناده عن عبد اللَّه بن عمر قال: كنتُ عند النبي ﷺ وعنده أبو بكرٍ الصديق، وعليه عباءةٌ لا قد خَلّها في صدره بخِلالٍ، فنزل عليه جبريل فقال: يا محمَّد، ما لي أرى على أبي بكرٍ عباءةً قد خَلَّها في صدره؟ فقال: يا جبريل، إنه أنفقَ عليَّ مالَه قبل الفتح، فقال: قُلْ له: الحقُّ يُقرئك السلام، ويقول لك: أراضٍ أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أأسخط على ربي؟ أنا عن ربي راضٍ. قالها ثلاثًا (٣).

стр. 2125

وذكر أبو القاسم بن عساكر في تاريخه عن ابن عباس، عن رسول اللَّه ﷺ بمعناه، فقال: هبط عليَّ جبريل وعليه طِنفسَةٌ، وهو مُتخلِّلٌ بها فقلتُ: "يا جبريلُ، ما نزلتَ إليَّ في مثل هذا الزيِّ! " فقال: إن اللَّه أمر الملائكةَ أن تتخلَّل في السماء؛ لتخلُّلِ أبي بكرٍ في الأرض (١). فصل في حديث وَرَعِه: قال أبو نُعيم بإسناده عن زيد بن أرقم قال: كان لأبي بكرٍ مملوكٌ يَغلُّ عليه، فأتاه ليلةً بطعامٍ، فتناول منه لقمةً، فقال له المملوكُ: مالك كُنتَ تسألُني كلَّ ليلةٍ، ولم تسألني الليلة؟ قال: حملني على ذلك الجوعُ، من أين جئتَ بهذا؟ قال: مررتُ بقومٍ في الجاهلية، فرَقيتُ لهم فوعدوني، فلما أن كان اليوم مررتُ بهم، فإذا عرسٌ لهم، فأعطوني، فقال: أفٍّ لك، كدتَ تُهلكني، فأدخل يده في حلْقه، فجعل يتقيّأ، وجعلتْ لا تخرج، فقيل له: إن هذه لا تخرج إلا بالماء، فدعا بعُسٍّ من ماءٍ، فجعل يشرب ويتقيّأ، حتى رمى بها، فقيل له: يَرحمك اللَّه، كلُّ هذا من أجل لُقمةٍ؟ فقال: لو لم تَخرُج إلا مع نفسي لأخرجتُها، سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "كلُّ جسدٍ نَبت من سُحْتٍ فالنارُ أولى به" فخشيتُ أن يَنبتَ شيءٌ من جسدي من هذه اللقمة (٢). وقد أخرج البخاري في أفراده عن عائشة بمعناه، وفيه: كان لأبي غلامٌ يَغُلُّ عليه، وكان أبي يأكلُ من خَراجه (٣)، والخراج: الضَّريبةُ التي يَتَّفق العبدُ مع سيِّده عليها، يؤدّيها إليه، والكهانة: تعاطي علم الغيب. وقد ذكرنا أن أبا بكرٍ كان أول من تاجر مخافة أكل الحرام.

стр. 2126

وقد روى ابن أبي الدنيا عنه أنه كان يأخذ بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد (١). ذكرُ تواضُعِه وخوفِه: قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل بإسناده، عن أبي عمران الجَوْني قال: قال أبو بكر: وَدِدتُ أني شَعرةً في جَنب عبدٍ مؤمن. وفي روايةٍ: يا ليتني كنتُ شجرة تُعضَدُ، أي: تُقطَعُ، ثم تُؤكل، يا ليتني كنتُ كَبْشًا، فأكلني أهلي ولا أُبعثُ (٢). وقال عبد اللَّه بن أحمد بإسناده، عن ابن أبي مُليكة قال: ربّما سقط السَّوطُ أو الخِطام من يد أبي بكرٍ، فيَضرب بذراع ناقته، فيُنيخُها، فيأخذُه، فيُقال له: ألا أمرتنا نناولكه؟ فيقول: إن رسول اللَّه ﷺ أمرني أن لا أسأل الناسَ شيئًا (٣). ذكرُ طرفٍ من خُطبه: قد ذكرنا عند خلافته طوفًا من ذلك. وحدَّثنا غير واحدٍ، حدثنا إسماعيل بن أحمد بإسناده عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، أن أبا بكرٍ ﵁ كان يقول في خُطبته: أين الوِضاء، الحسنةُ وجوهُهم، المعجَبون بشبابهم؟ أين الملوك الذين بَنَوْا المدائن، وحصَّنوها بالحيطان؟ أين الذين كانوا يُعْطَوْن الغَلَبةَ في مواطن الحرب؟ قد تضعضع بهم الدهرُ، فأصبحوا في ظلماتِ القبورِ. الوحا الوحا، النجاءَ النجاءَ (٤). وقال عبد اللَّه بن عُكيم: خطبنا أبو بكرٍ فقال: أما بعد فإني مُوصيكم بتقوى اللَّه، وأن تُثنوا عليه بما هو أهلُه، وأن تَخلِطوا الرَّغبةَ بالرَّهبة، وتجمعوا الإلحافَ بالمسألة فإن اللَّه تعالى أثنى على زكريا وأهلِ بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. ثم اعلموا عباد اللَّه أن اللَّه قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقَكم، واشترى منكم القليلَ الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب اللَّه فيكم، لا تَفنى عجائبُه، ولا يُطفأ نورُه، فصدِّقوا قولَه، واستضيؤؤوا بنوره ليوم الظلمة، وإنما خلقكم لعبادته، ووَكل بكم الكرامَ الكاتبين، يعلمون ما تفعلون.

стр. 2127

ثم اعلموا عباد اللَّه أنكم تَغدون وتَروحون في آجال قد غُيِّبت عنكم، أو غُيِّب عنكم علمُها فإن استطعتُم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل اللَّه فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا باللَّه تعالى، فسابقوا في مهل آجالكم، قبل أن تنقضي آجالكم، فتُردُّون إلى أسوأ أعمالكم، فإن أقوامًا جعلوا آجالَهم لغيرهم، ونَسُوا أنفسَهم، فأنهاكم أن تكونوا أمثالَهم، الوحا الوحا، النَّجاء النَّجاء، إن وراءكم طالبًا حثيثًا، أمره سريع (١). ذكر مرض أبي بكر: واختلفوا في سبب ذلك على أقوال: أحدها ما رواه سيف بن عمر قال: حدثنا مبشر بن الفضيل، حدثنا سالم بن عبد اللَّه ابن عمر، عن أبيه قال: كان سبب موت أبي بكر ﵁ وفاة رسول اللَّه ﷺ ، كَمِدَ فما زال جِسْمُه ينحلُ ويذوب حتى مات. وفي روايةٍ عن سالم عن ابن عمر، ولم يذكر عمر (٢). والثاني أنَّه سُمَّ، فقال ابن سعدٍ بإسناده عن ابن شهابٍ، أنَّ أبا بكرٍ والحارثَ بن كَلَدَة كانا يأكلان خَزيرةً أُهدِيت لأبي بكرٍ، فقال له الحارث: ارفع يدك يا خليفةَ رسول اللَّه، واللَّه إنَّ فيها لَسَمَّ سنةٍ، وأنا وأنت نموتُ في يومٍ واحدٍ عند إنتهاء السنة، فماتا عند انقضائها، ولم يزالا عليلَيْن حتى ماتا (٣). وقد ذكرنا أن الخزيرة أن تقطع اللحم وتَذرَّ عليه الدقيقَ، فإن لم يكن في القدر لحمٌ فهي العصيدةُ (٤). وقال أبو جعفرٍ الطبري: الذي سمَّتْهُ امرأةٌ من اليهودِ في أرُزَّةٍ (٥). والثالث: أنه اغتسل في يومٍ باردٍ، فحُمَّ خمسة عشر يومًا وتُوفّي. حكاه الواقدي عن عائشة (٦).

стр. 2128

والرابعُ: أنه علق به سِلٌّ قبل وفاة رسول اللَّه ﷺ ، فلم يَزلْ به حتى قتله. حكاه عكرمة، عن ابن عباسٍ. قال: وكان يأمرُ أبو بكر عمرَ فيصلي بالناسِ، ويدخلُ عليه الناسُ فيعودونه، وكان عثمانُ ألزمَ الناس له في مرضه. وقال عبد اللَّه بن أحمد بإسناده عن أبي السَّفْر قال: مرض أبو بكرٍ فعاده الناسُ، وقالوا: ألا ندعو لك طبيبًا؟ فقال: الطبيب أمرضني، وقد رواه أبو نُعيمٍ: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: قد رآني، قالوا: فأي شيءٍ قال لك؟ قال: قال: إني فعَّالٌ لما أُريد (١). وقال ابن سعدٍ بإسناده عن مسروقٍ، عن عائشة قالت: لمَّا مرِض أبو بكرٍ مرضَه الذي مات فيه قال: انظروا ما زاد في مالي منذُ دخلتُ الإمارةَ، فابعثوا به إلى الخليفة بعدي، قالت: فلما مات نظرنا؛ فإذا عبدٌ نوبيٌّ كان يحملُ صبيانَه، وناضحٌ كان يَسني عليه، أي: يسقي له بستانًا، وقطيفة، فبعثنا به إلى عمر، فبكى عمرُ وقال: يرحمُ اللَّهُ أبا بكرٍ، لقد أتعب مَن بعده تعبًا شديدًا. وفي روايةٍ عنها: ما كان عنده يومَ مات درهم ولا دينارٌ، ما كان عنده إلا خادمٌ ولقْحَةٌ ومِحْلَبٌ. وروى ابن سعدٍ: أن أبا بكرٍ بعث إلى عمر بالعبدِ النُّوبي والناضح والقطيفة، وكانت تُساوي خمسة دراهم، فقال له عبد الرحمن بن عوفِ: سبحان اللَّه تسلبُ عيالَ أبي بكرٍ هذا؟ رُدَّه عليهم فقال: لا واللَّه، لا يتأثَّمُ بها أبو بكرٍ حالَ حياته وأتحمّلُها بعد مماتهِ. وفي روايةٍ: فقال عمرُ لعبد الرحمن: ما تأمرُ؟ قال: رُدَّه عليهم. فقال: لا يَخرُج عن شيءٍ وقتَ الموت وأردُّه في عيالِه (٢). وقال الشعبي: نظروا فيما وصلَ إليه فكان ستَة آلاف درهم فقال: حائطي الفُلاني عِوَضُها، وكان يُساوي أضعافها فأدخله في بيتِ المال. وأوصى بعد ذلك بخُمْسِ ماله

стр. 2129

في سبيل اللَّه. وأخرج ابنُ سعدٍ بمعناه، وفيه: فقال عمر: أنا وليُّ الأمر بعده فردَّها في عياله (١). وذكر ابن سعدٍ: أن عائشة لما احتُضِر أبو بكرٍ تمثَّلت يقول حاتم: [من الطويل] لعَمرك ما يُغني الثراءُ عن الفتى … إذا حَشرَجَتْ يومًا وضاق بها الصَّدْرُ (٢) ففتح عينيه وقال: يا بُنَيَّةُ، لا تقولي كذا، ولكن قوفي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾ [ق: ١٩] وهي قراءة أبي بكر ﵁ (٣). وذكر ابن سعدٍ أيضًا عن عائشة أنها تمثَّلت وأبو بكر رضوان اللَّه عليه يَقضي: [من الطويل] وأبيض يُستسقى الغَمامُ بوجهه … ثمالُ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ ففتح عينيه وقال: ذاك رسولُ اللَّه ﷺ (٤). وقال أحمد بإسناده عن عائشة ﵂ قالت: لما ثَقُل أبي قال: أيّ يومٍ هو؟ قالوا: يوم الإثنين. قال: ففي أي يومٍ قُبض رسولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قالوا: فيه. قال: فأني أرجو ما بينه وبين الليل. قالت: وكان عليه ثوب به رَدْعٌ من مِشْقٍ، فقال: إذا مِتُّ، فاغسلوا ثوبيَّ هذين، أو ثوبي هذا، وضُمُّوا إليه ثوبَين جديدَين، فكفِّنوني في ثلاثة أثوابٍ. قالت: فقُلنا: ألا نجعلُها كلها جُددًا؟ قال: لا إنما هي للمهلة. فمات ليلة الثلاثاء. انفرد بإخراجه البخاري (٥). وروى ابن سعدٍ عن عائشة قالت: قال أبي: انظروا مُلاءتيَّ هاتين، فاغسلوهما،

стр. 2130

وكفِّنوني فيهما؛ فإن الحي أحوجُ إلى الجديد من الميِّتِ، إنما هو للمُهْلِ والصديد والتُرابِ (١). ذكر ما سُمع من أبي بكر عند وفاته: [كان آخر ما تكلم به أبو بكر:] ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] (٢) ولما احتُضر قال: ما آسى على شيء من الدنيا، إلا على ثلاثٍ فعلتُهنَّ وَدِدت أني تركتُهن، وثلاثٍ وَددتُ أني لو فعلتهن، وثلاثٍ وَدِدتُ أني سألت رسول اللَّه ﷺ عنهنّ. أما الأوَّل: فوددت أني [لم] أكن كشَفْتُ بيتَ فاطمة عن شيء، وإن كانوا أغلقوه على حرب، ولم أكن حَرّقتُ الفُجاءةَ السُّلَمي، وحيث لم أقذف الأمر يوم السقيفة إلى أحد الرجلين -يعني: عمر وعبد الرحمن بن عوف- فكان أميرًا وكنت وزيرًا (٣). وأما الثلاث الأخر: فوَدِدْتُ أني يوم أُتيتُ بالأشعث بن قيس أسيرًا في الردة كنتُ ضربتُ عُنقَه، فإنه لا يرى شرًا إلا أعانه، ووَدِدْتُ أني لما أرسلتُ خالدًا إلى الشام أني قذفتُ بعمر بن الخطاب المشرق، فكنتُ قد بَسطتُ يميني وشمالي في سبيل اللَّه، ووددت أني كنتُ في جيوش أهل الرّدة وأقمتُ بذي القَصَّة رِدْءًا للمسلمين. وأما الثلاث الأول: فوَدِدْتُ أني سألت رسول اللَّه ﷺ عن ميراث العمَّة وبنت الأخ، فإن في نفسي منهما شيء، ووَدِدْتُ أني سألتُه عن هذا الأمر فيمن هو، فلا يُنازَع أهلُه، ووددت أني سألته هل للأنصار فيه نصيبٌ، فنعطيهم إياه (٤). وقال الواقدي: تُوفي أبو بكر ليلةَ الثلاثاء، ما بين المغرب والعشاء، لثماني ليالٍ بَقين من جُمادى الآخرة (٥). وقال ابن قتيبة (٦): توفي يوم الجمعة، وقيل ليلة الجمعة، والأول أصحّ.

стр. 2131

وقال هشام: أوصى أن تَغسِله زوجتُه أسماءُ بنتُ عُمَيْسٍ، وكانت صائمةً، فقال لها: باللَّهِ أفطري، فقالت: واللَّهِ لا أتبِعُه اليومَ حِنْثًا، فشربت ماءً. وقال ابن سعدٍ: لمّا غسلته خرجت إلى من حضر من المهاجرين والأنصار، فقالت: إني صائمةٌ، وهذا يومٌ شديدُ البرد، فهل على من غُسْلٍ؟ قالوا: لا. وروى القاسم بن محمد بن أبي بكرٍ أنّه أوصى أن تَغسِله أسماءُ، فإن عجزت أعانها محمد ابنُه. قال الواقدي: وهذا وهم؛ لأنَّ الروايةَ الثانية أن أبا بكرٍ أوصى أن تَغسِله أسماءُ، فإن عجزت أعانها عبد الرحمن بنُ أبي بكرٍ؛ لأنَّ محمدًا وُلدَ بذي الحُليفة في سنة عشرٍ من الهجرة، فقد كان لمحمَّدٍ يوم مات أبو بكرٍ ثلاثُ سنين أو نحوها، أما عبدُ الرحمن فكان كبيرًا يوم مات أبوهُ (١). ذكرُ الصلاة عليه: قال علماءُ السير: صلَّى عليه عمر بين القبر والمنبر، وكبَّر عليه أربعًا، ودُفِن عند رسولِ اللَّه ﷺ ليلًا. قال الواقدي: سُئل عقبةُ بن عامرٍ: أيُدْفَن الميتُ ليلًا؟ فقال: قد دَفن عمرُ أبا بكرٍ ليلًا، ونزل في حفرتهِ هو وعثمان وطلحةُ وولده عبد الرحمن بن أبي بكرٍ، وقال ابن عمر: وأردْتُ أن أنزِل، فقال عمرُ: كُفيت، ودُفِنَ ورأسُه عند كَتِفي رسولِ اللَّه ﷺ (٢)، وسُنِّم قبرُه في أصحِّ الروايات (٣). وقال ابن إسحاق: حُمِل على سريرِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وكان من خشب السَّاج، منسوجًا باللِّيف، وهو الذي أعطاه إياه سعدُ بن عُبادة لمّا قَدِم المدينة، ثمَّ بيع في ميراث عائشة، فاشتراه معاويةُ بأربعة آلاف درهم، وجعله في المدينة وَقْفًا على المسلمين. وقال ابن قتيبة: إنما اشتراه بعضُ موالي معاوية (٤).

стр. 2132

ذكر سِنِّه: حكاه الواقدي عن أشياخه قال: تُوفّي أبو بكرٍ وهو ابن ثلاثٍ وستين سنةً، قال الواقدي: وهو الثَّبت عندنا، قال: لأنه ولد بعد رسولِ اللَّه ﷺ بثلاث سنين (١)، وقيل: ابن ستين سنةً. والأوَّل أصحُّ، وعليه عامّةُ أربابِ السِّيَرِ. ذكر خلافته: قال الواقدي: أقام خليفةً سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليالٍ. وقال هشام: سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليالٍ. ذكر النَّوح عليه: ذكر ابن سعدٍ أن عائشة أقامت النَّوْح عليه، فبلغ عمر بن الخطاب، فجاء فنهاها، فأبت، فقال لهشام بن الوليد: ادخل على ابنة أبي قُحافة، فاضربها بالدِّرّة، فدخل فعلاها ضَرْبًا، فتفرَّق النوائح، ثم قال عمر: أردْتُنّ أن تُعذِّبْنَ أبا بكرٍ بنَوحكنَّ عليه، أو ببكائكنَّ عليه، إن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنَّ الميّت لَيُعَذَّبُ ببكاء أهله عليه" (٢). وذكر أبو جعفر الطبري في تاريخه (٣) أن المضروبة هي أمُّ فروة أخت أبي بكرٍ، وقال عمر لهشام: ادخل فأخرجها من بيت عائشة، فدخل فقالت له عائشةُ: اخرج من بيتي، فأخرج أمَّ فروة، ثم ضربها ثلاث دررٍ. قلتُ: وهذا الأصحُّ؛ لأن عمر ما كان يَجهل فضلَ عائشة، وأنها أمُّ المؤمنين وزوجةُ النبيّ ﷺ ، وقد كانت مُحْتَرمةً بين الصحابةِ، فكيف يضربها بالدِّرَّة وهي أمّه؟ وقولُ عمر: ابنة أبي قُحافة يدلُّ عليه؛ لأن ابنة أبي قُحافة هي أمُّ فروة لا عائشة. وقوله: "إن الميِّت ليُعذَّب ببكاء أهله عليه"، قد أنكر هذا ابنُ عباسٍ، ولو سلم كان معناه إذا أوصى بذلك، وإلّا فلا ذَنبَ للميت (٤). ذكر ثناءِ عليّ ﵇ عليه: حدثنا غيرُ واحدٍ قالوا: حدثنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القَزّاز بإسناده، عن أَسِيد بن صفوان قال: لما قُبضَ أبو بكرٍ ﵁ وسُجّي، ارتجَّت المدينةُ بالبكاء كيوم قُبِض رسولُ اللَّه ﷺ ، فجاء عليُّ بن أبي طالب

стр. 2133

مُسرعًا، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكرٍ وقال: رحمك اللَّه يا أبا بكرٍ، فلقد كُنتَ إِلْفَ رسول اللَّه، وأنيسَه، وثقتَه، وموضعَ سرِّه، ومشاورَه، وكنتَ أوّلَ القوم إسلامًا، وأخلصَهم إيمانًا، وأشدَّهم يقينًا، وأخوفهم للَّه، وأعظمَهم غناءً في دين اللَّه، وأحوَطَهم على رسول اللَّه ﷺ ، وأحدَبَهم على الإِسلام، وأحسنَهم صُحبةً، وأكثرَهم مناقبَ، وأفضلَهم سَوابقَ، وأرفعَهم درجةً، وأقربَهم وسيلةً، وأشبَههم هَدْيًا وسَمْتًا برسول اللَّه ﷺ ، وأشرفَهم منزلةً، وأرفعَهم عنده، وأكرمَهم عليه، فجزاك اللَّه عن رسول اللَّه ﷺ وعن الإِسلام أفضل الجزاء. صَدَّقتَ رسول اللَّه ﷺ حين كذَّبَه الناس، وكنت عنده بمنزلةِ السَّمعِ والبصر، سَمَّاك اللَّه في تنزيله صِدِّيقًا فقال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] (١). آسيته حين بَخِلوا، وقمتَ معه في المكاره حين قَعدوا، وصحِبتَه في الشدَّة أكرمَ الصُّحبة، ثاني اثنين إذ هما في الغار، وأنت المنزل عليه السكينة، ورفيقُه في الهجرة، وخليفتُه في دين اللَّه. قُمتَ حين ارتدُّوا بما لم يَقُمْ به خليفةُ نبيٍّ، ونهضتَ حين وَهَن أصحابُه، وبَرزْتَ حين استكانوا، وقويتَ حين ضَعُفوا، ولزِمتَ منهاج رسول اللَّه ﷺ إذ جبنوا ووَهنوا، فكنت خليفتَه حقًا، لن تنازع ولن تضارع برغم المنافقين وبكَبْتِ الحاسدين. قمتَ بالأمر حين قَعدوا، فاتَّبعوك فهدوا، وكنتَ أخفَضَهم صوتًا، وأعلاهم فوقًا، وأقلَّهم كلامًا، وأصدقَهم منطقًا، وأبلغَهم قولًا، وأكرمَهم رأيًا، وأشجعَهم نفسًا، وأشرفهم عملًا، كنتَ واللَّه للدين يعسوبًا، أولًا حين نفر الناس عنه، وآخرًا حين أقبلوا، كنت للمؤمنين أبًا رحيمًا حين صاروا عليك عيالًا، حَملت أثقالَ ما عنه ضَعُفوا، ورعيتَ ما أهملوا، وعلمتَ ما جهلوا، وشَمَّرت إذ ظلعوا، وصَبرتَ إذ جَزِعوا، وأدركتَ أوتار ما طلبوا، وراجعوا برأيك رُشْدَهم، فظَفِروا، ونالوا بك ما لم يحتسبوا. كنتَ واللَّه على الكافرين عذابًا صَيِّبًا ولهبًا، وللمؤمنين رحمةً وأنسًا وحصنًا،

стр. 2134

ذهبتَ واللَّه بفضائلها، وأدركتَ سوابقَها، لم تُفْلَل حُجَّتُك، ولم تَضعُف بصيرتُك، ولم تَجبُن نفسُك، ولم يُرَعْ قلبُك. كنتَ كالجبال لا تُحرّكها العواصف، ولا تُزيلها القواصف، كنتَ كما قال رسول اللَّه ﷺ ، أمنَّ الناس عليه في صُحبتك وذاتِ يدك، وكنتَ كما قال: "ضعيفًا في بدنك، قويًا في أمر اللَّه"، متواضعًا في نفسك، عظيمًا عند اللَّه، جَليلًا في أعين الناس، كبيرًا في نفوسهم، لم يكن لأحدٍ فيك مَعْمَرٌ، ولا لقائل فيك مَهْمَز، ولا لمخلوقٍ عندك هوادة، الضعيفُ عندك قويّ حتى تأخُذَ بحقِّه، والقريبُ والبعيد عندك في ذلك سواء. أقربُ الناس إليك أطوعُهم للَّه وأتقاهم، شأنُك الحقُّ والصدقُ، والعفوُ والرِّفقُ، قولك حُكْمٌ وحَتْم، وأمرُك حِلمٌ وحَزم، ورأيُك علمٌ وعَزم، اعتدل بك الدِّين، وقوي الإيمان، وظهر أمرُ اللَّه، فسبقتَ واللَّه سَبْقًا بعيدًا، وأتعبتَ مَن بعدك إتعابًا شديدًا، وفُزتَ بالخير فوزًا مُبينًا، فجَلِلتَ عن البكاء، وعَظُمت رزيَّتُك في الأرض وفي السماء، وهدَّت مُصيبتُك الأنامَ، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. رضينا بقضاء اللَّه، وسلَّمنا لأمره، ولن يُصابَ المسلمون بعد رسول اللَّه ﷺ بمثلك أبدًا، ألحقك اللَّه بنبيِّك، ولا حَرَمنا أجرَك، ولا أضلَّنا بحدك، وسكت الناس حتى سمعوا وقضى كلامَه، ثم بكوا حتى ارتفعت أصواتُهم، وقالوا: صدقتَ يا خَتَن رسول اللَّه ﷺ (١). ذِكرُ ميراثِهِ: قال الواقدي: لما تُوفي أبو بكرٍ سمع أبو قُحافةَ الواعيةَ بمكَّة، فقال: ما هذا؟ قالوا: مات ابنك بالمدينة، فقال: رُزْءٌ جليل، فمن قام بعده بالأمر؟ قالوا: عمر بن الخطّاب، فقال: صاحبُه. وورث أبو قُحافة من ولده السُّدس -يعني أبا بكر- فكُلِّم فيه فقال: قد رددتُه في ولد عتيق، يعني أبا بكر، ولم يأخذ منه شيئًا (٢). وقد روى بعضهُم: فسمع أبو قُحافة بمكة صوتَ الهائعة، وهو خطأٌ، لأنَّ الهائعة إنَّما تكون في الحرب، والواعيةُ في الموت.

стр. 2135

وحكى ابن سعدٍ عن الواقديِّ وغيرِه، قالوا: لمّا مات أبو بكرٍ دعا عمر بن الخطّاب الأمناء، ودخل بهم بيتَ مال أبي بكرٍ، ومعه عبدُ الرحمن بن عوفي وعثمان ابن عفان وغيرُهما، فلم يَجدوا في بيتِ ماله شيئًا ولا درهمًا ولا دينارًا، ووجدوا خَيْشَةً للمال، فنُفِضتْ، فوجدوا فيها درهمًا، فترحَّموا على أبي بكر، وكان الواردُ عليه من المعدن وغيره مُدَّة خلافته مئتي ألفٍ، فكان يُنفقُها في سبيلِ اللَّه، وعلى الفقراء والمساكين (١). فصل في ذِكر أزواجِه: قال علماءُ السِّير: تزوَّج أبو بكرٍ في الجاهلية قُتيلَةَ بنتَ عبد العُزّى من ولد عامر بن لؤي، فولدتْ له عبدَ اللَّه وأسماءَ. وتزوَّج أيضًا في الجاهليةِ أمَّ رومان بنت عامر بن عميرة الكنانية. وقيل: أُمِّ رومان بنت عامر بن عويمر، حكى القولين ابنُ سعدٍ، ونسبها إلى كنانة (٢). وقال ابن قُتيبة: هي أُمُ رومان بنت الحارث بن الحويرِث، من بني فراس بن غَنْم ابن كنانة (٣). وقال البلاذري: من قال هذا فقد أخطأ، وإنما هي بنت عامرٍ، وقيل: بنت عويمر. فولدت له عبد الرحمن وعائشة. وكانت أم رومان قبل أبي بكرٍ عند عبد اللَّه بن الحارث ابن سخبرة. فولدت له الطفيل بن عبد اللَّه فكان الطفيل أخا عائشة لأُمِّها (٤). فأما في الإِسلامِ فتزوَّج أسماء بنت عُميس بن معد بن تيم بن الحارث، ونسبها ابن سعدٍ إلى خثعم، فولدت له محمدًا (٥). وكانت قبله عند جعفر بن أبي طالب فولدت له محمَّدًا. ثم تزوَّجها علي بن أبي طالب فولدت له محمَّدًا، فكانت تُدعى أُمَّ المحمَّدين. وآخرُ مَن تزوَّج أبو بكر في الإِسلام: حبيبةَ ابنةَ خارجة بن زيد بن أبي زهير الخزرجي، كان أبو بكر قد نزل عليه بالسُّنْحِ لمّا هاجر إلى المدينة، فولدت له أُمَّ كلثوم

стр. 2136

بعد وفاةِ أبي بكرٍ. فأما عبدُ اللَّه بن أبي بكر فشهد الطائف مع رسول اللَّه ﷺ ، فجُرح، فمات في خلافة أبيه، وقد ذكرناه (١). وأما أسماءُ فتزوَّجها الزبيرُ بن العوَّام بمكة، فولدت له عدَّة أولادٍ، ثم طلَّقها، فكانت عند ابنها عبد اللَّه بن الزبير حتى قُتلِ، وسنذكُرُها عند مقتل ابنها. وأما عبدُ الرحمن بن أبي بكر فشهد بدرًا مع الكُفّار، ودعا أباه أبا بكرٍ في ذلك اليوم أن يُبارِزه، فمنعه رسولُ اللَّه وقال له: "يا أبا بكرٍ متِّعنا بنفسك"، ثم أسلم في هدنةِ الحديبيةِ وهاجر إلى المدينةِ، وسنذكرهُ في سنة بضعٍ وخمسين. وأما محمد فسنذكره في سنة ثمانٍ وثلاثين. وأما أُمُّ كلثوم فذكر ابن الزبير عن عائشة أنها قالت: لما احتُضِر أبو بكرٍ دعاني، فقال لي: إنه ليس في أهلي أحدٌ أحبُّ إليَّ منك، وإن أعزَّ الناس على فقرًا بعدي أنت، وإني كُنْتُ نَحلتُك جِداد عشرين وَسْقًا من مالي، فوَدِدْتُ واللَّه أنك كنت جَدَدْتِه وأخذتيه، فإنَّما هما أخواك وأختاك، قالت: قلت: هذان أخواي، فمن أُخْتاي؟ قال: ذات بطن بنت خارجة، فإني أظنُّها جاريةً وفي رواية ابن سعد: إني كنتُ نحلتُك أرضي التي تَعلمين بمكان كذا وكذا، وأنا أحبّ أن تَردِّيها إليَّ، فيكون ذلك قسمةً بين ولدي على كتاب اللَّه، فألقى ربي حين ألقاه ولم أفضِّل بعض ولدي على البعض (٢). وقال الواقدي: خطب عمر بن الخطاب أُمَّ كلثوم بعد وفاة أبي بكرٍ، فأجابته عائشةُ، وكرهته أمُّ كلثوم، فاحتالت حتى أمسكَ عنها -وسنذكرُه فيما بعد- فتزوَّجها طلحةُ بن عبيد اللَّه، فولدت له زكريا ويوسف مات صغيرًا وعائشة، ثم قُتل عنها يوم الجمل، ثم خلف عليها عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزومي، فولدت له إبراهيم الأحول، وموسى، وأمَّ حُميدٍ، وأمَّ عثمان (٣).

стр. 2137

ذكر مواليه: بلال بن رباح، وعامر بن فُهَيْرة، وصَفيّة، وهي أم محمد بن سيرين، وأبو نافع، وكان كثيرَ المال، نزل البصرة، وله بها دار، وقيل: إنه كان لعبد الرحمن بن أبي بكر، وفيه يقول يزيد بن مُفَرِّع الحميري: [من الطويل] سقى اللَّه أرضًا لي ودارًا تركتُها … إلى جنب دارَيْ معقل بن يسار أبو نافع (١) جارٌ لها وابن بُرْثن … فيا لك جارَيْ ذِلَّةٍ وصَغارِ ومُرَّة مولى أبي بكر، وقيل: إنه كان لعبد الرحمن أيضًا، وكتبت عائشة إلى زياد بن أبيه توصيه به، فسُرَّ بكتابها، وأقطعه نهرًا بالبصرة. وقد ذكرنا أن الصديق أعتق جماعةً ممن كان يُعذب في اللَّه تعالى. ذكره عُمَّاله: كان عاملُه على مكة عَتَّاب بن أَسِيد، وعلى الطائف عثمان (٢) بن أبي العاص الثقفي، وعلى صنعاء المهاجر بن أبي أميّة، وعلى حضرموت زياد بن لَبيد، وعلى زَبيد أبو موسى الأشعري، وعلى الجَنَد معاذ بن جبل، وعلى البحرين العلاء بن الحَضْرميّ، وعلى نجران جرير بن عبد اللَّه البَجلي، وعلى دُومة الجندل عياض بن غَنْم، وعلى الشام أبو عبيدة وخالد بن الوليد ومَن سَمّينا من الأمراء، وعلى العراق المثنى بن حارثة، وكان قاضيه عمر بن الخطاب، أقام مدة ولايته لم يحتكم عنده أحد، وكتب له زيد بن ثابت وعثمان بن عفان. فصل في ذكر من كتب لخليفة ثم صار هو خليفة: كتب عثمان لأبي بكر، ثم ولي عثمان الخلافة، وكذا مروان بن الحكم، وكذا عبد الملك بن مروان، كتب لمعاوية على ديوان المدينة، ثم ولي الخلافة. ذكر مسانيده: قال ابن الرَّقِّي: أسند عن رسول اللَّه ﷺ مئة واثنين وأربعين حديثًا، أخرج له في "الصحيحين" ثمانية عشر، المتَّفق عليه فيها ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بحديث واحد، وأخرج له الإِمام أحمد في "المسند" ستةً وثلاثين حديثًا، منها متفق عليه، ومنها أفراد.

стр. 2138

وقال أبو نُعيم: أسند أبو بكر عن رسول اللَّه ﷺ من المتون سوى الطرق مئةَ حديث ونيفًا بمراسيلها (١). وروى عن أبي بكر جماعة من الصحابة، منهم: عمر، وعثمانا، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمرو، وحذيفة، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وعبد اللَّه بن عمر، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وأنس، وأبو هريرة، وعقبة بن عامر، وأبو بَرزة الأسلمي، وأبو أُمامة، ومَعْقل بن سنان، وجابر بن عبد اللَّه، وأبو موسى، وعمران بن الحُصين، وابن الزُّبير، وعائشة ﵃ في آخرين. عبد اللَّه بن مِرْبَع الأنصاري من الطبقة الثانية، وكان أبوه مِربَع من المنافقين، وهو الذي حثا الترابَ في وجه رسول اللَّه ﷺ لما خرج إلى أُحد، وأم عبد اللَّه عُميرة بنت ظُهَيْر بن رافع، شهد عبد اللَّه أحُدًا وما بعدها من المشاهد مع رسول اللَّه ﷺ ، واستُشهد يوم جسر أبي عُبيد، وقُتل معه أخوه عبد الرحمن لأمه وأبيه (٢). عبد الرحمن بن العوّام من الطبقة الرابعة من المهاجرين، شهد بدرًا مع المشركين، ثم نجا، وأسلم عام الفتح، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن. هرب عبد الرحمن يوم بدر، ومعه أخوه عبيد اللَّه، ومعهما جمل، وكان عبيد اللَّه أعرج، فركب عبد الرحمن الجمل، وأردف أخاه، فلَقيهما حكيمُ بن حزام ماشيًا مُنهزمًا، فلما رآه عبد الرحمن قال لأخيه عبيد اللَّه: أنزل، فقال له: أنشدك اللَّه فيّ فإني أعرج، فقال: ألا تَنزل لرجل إن قُتلت كفاك، وإن أُسرت فداك، فنزلا عن الجمل، وحملا عليه حكيمًا، فنجى حكيم وعبد الرحمن على قدميه، وأُدرك عبيد اللَّه، فقُتل كافرًا. استشهد عبد الرحمن يوم اليرموك، وكان له ولد اسمه عبد اللَّه، قتل يوم الدار (٣).

стр. 2139

عَتَّاب بن أَسيد ابن أبي العيص (١) بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الرحمن، من الطبقة الرابعة ممن أسلم يوم الفتح، وأمُّه أروى بنت أبي عمرو بن أمية. استعمله رسول اللَّه ﷺ على مكةَ عام الفتح لما خرج إلى حُنين، وسِنُّه يومئذ ثماني عشرة سنة، وقيل: عشرون، وقيل: خمس وعشرون، ورزقه كلَّ يوم درهمًا، فأقام عَتَّاب للناس الحجَّ في تلك السنة، وهي سنة ثمان، حج بالمسلمين والمشركين. وقال ابن عباس: قيل لرسول اللَّه ﷺ : استخْلَفْتَ هذا الأعرابيَّ على مكة؟ فقال: "إني رأيتُه في المنام قد أخذ بحلقة باب الجنة، ففُتح له فدخل" (٢). وأمر عتاب مناديًا ينادي: لا أجد أحدًا لا يصلي إلا ضربتُ عنُقَه، فكان المسجد يمتلئ حتى يصلي الناس خارجَ المسجد، ولم يزل عَتَّاب على مكة حتى تُوفي رسول اللَّه ﷺ ، فأقرّه أبو بكر رضوان اللَّه عليه عليها، فلم يزل واليًا إلى اليوم الذي مات فيه أبو بكر بالمدينة. فمات عَتَّاب بمكة، وقيل: إن نعي أبي بكر وصل إلى مكة يوم مات عَتَّاب. وقال عمرو بن أبي عقرب: سمعتُ عَتَّاب بن أَسيد وهو يخطب مستندًا بظهره إلى الكعبة، يحلف باللَّه تعالى: ما أصبتُ في عملي الذي بعثني عليه رسول اللَّه ﷺ إلا ثوبين، كسوتُهما مولاي كيسان (٣). وكان عَتَّاب قد سُمّ في اليوم الذي سُمّ فيه أبو بكر ﵁ (٤). ذكر أولاده: كان له من الولد عبد الرحمن وأبو عثمان وأمية، وأمهم ريطة بنت عبد اللَّه خزاعية (٥)، قتل عبد الرحمن وأبو عثمان يوم الجمل، وسنذكره هناك. وكان لعتَّاب أخٌ اسمه خالد بن أَسيد، أسلم عام الفتح، وكان فيه تِيهٌ شديد، روى

стр. 2140

الحديث عن رسول اللَّه ﷺ ، وكان له ولدٌ اسمُه عبد اللَّه، وإليه يُنسب شِعب عبد اللَّه بن خالد، وكان لعبد اللَّه بن خالد من الولد: خالد وأُميّة وعبد العزيز. ولي خالد بن عبد اللَّه البصرة لعبد الملك بن مروان، وولي أخاه أمية حرب أبي فُدَيك الحَروري، فهزمه أبو فُديك، وكان عبد الملك قد عهد إلى خالد بن عبد اللَّه أن يُولّي المهلَّبَ بن أبي صُفْرة حرب الأزارقة، فخالفه وولّاه جبايةَ الخراج، وولى أخاه عبد العزيز بن عبد اللَّه حرب الأزارقة، فخرج إليهم في ثلاثين ألفًا، وهو يقول: زعم الناس أن هذا الأمر لا يتم إلا بالمهلّب، فسوف يعلمون، فلما دنا من عسكر الأزارقة أتاه سعد الطلائع، في خمس مئة فارس، وأعدَّ له من الخمس مئةً، وخرج الكمين واقتتلوا، فانهزم عبد العزيز، وقُتل معظم أصحابه، وتبعهم الخوارج نحو فرسخين، واستباحوا عسكرَه، وأخذوا امرأته، وبلغ عبد الملك فعزل خالدًا، وولّى مكانَه أخاه بشر بن مروان. وكان لعَتَّاب أختٌ يقال لها: عاتكة بنت أَسيد. قال محمد بن سلام: أرسل عمر بن الخطاب إلى الشّفاء بنت عبد اللَّه الأموية (١): أن اغدي عليّ، قالت: فغدوتُ، فوجدتُ عاتكة بنت أَسيد ببابه، فدخلنا عليه، فتحدَّثنا ساعةً، فدعا بنَمَطٍ فأعطاها إياه، ودعا بنَمَطٍ دونه فأعطاني إياه، فقلت: تربت يداك يا عمر، أنا قبلها إسلامًا، وأنا بنتُ عمك دونها، وأرسلتَ إليّ، وجاءتك هي من قِبَلها!؟ فقال: ما كنتُ رفعتُ ذلك إلا لك، فلما اجتمعتُما ذكرتُ أنها أقربُ إلى رسول اللَّه ﷺ منك. ولعتّاب بن أَسيد رواية. عكرمة بن أبي جهل من الطبقة الرابعة من المهاجرين، ويُقال: من الخامسة، وأمُّه أمُّ مجالد بنت يَربوع، عامرية، وكان عكرمة من رؤساء الكفّار على منهاج أبيه، وهو الذي كان يوم أُحد على خيل المشركين، وفعل تلك الأفاعيل، وأسلم يوم الفتح وحسن إسلامُه، وصحب النبي ﷺ ، وكان عكرمة ممن هرب يوم بدر، فكان إذا أجهد اليمين قال: لا والذي نجَّاني يوم بدر، وكان يضع المصحف على وجهه ويقول: كلامُ ربِّي، أو: كتاب ربي.
следующие страницы →