← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

بعد وفاةِ أبي بكرٍ. فأما عبدُ اللَّه بن أبي بكر فشهد الطائف مع رسول اللَّه ﷺ ، فجُرح، فمات في خلافة أبيه، وقد ذكرناه (١). وأما أسماءُ فتزوَّجها الزبيرُ بن العوَّام بمكة، فولدت له عدَّة أولادٍ، ثم طلَّقها، فكانت عند ابنها عبد اللَّه بن الزبير حتى قُتلِ، وسنذكُرُها عند مقتل ابنها. وأما عبدُ الرحمن بن أبي بكر فشهد بدرًا مع الكُفّار، ودعا أباه أبا بكرٍ في ذلك اليوم أن يُبارِزه، فمنعه رسولُ اللَّه وقال له: "يا أبا بكرٍ متِّعنا بنفسك"، ثم أسلم في هدنةِ الحديبيةِ وهاجر إلى المدينةِ، وسنذكرهُ في سنة بضعٍ وخمسين. وأما محمد فسنذكره في سنة ثمانٍ وثلاثين. وأما أُمُّ كلثوم فذكر ابن الزبير عن عائشة أنها قالت: لما احتُضِر أبو بكرٍ دعاني، فقال لي: إنه ليس في أهلي أحدٌ أحبُّ إليَّ منك، وإن أعزَّ الناس على فقرًا بعدي أنت، وإني كُنْتُ نَحلتُك جِداد عشرين وَسْقًا من مالي، فوَدِدْتُ واللَّه أنك كنت جَدَدْتِه وأخذتيه، فإنَّما هما أخواك وأختاك، قالت: قلت: هذان أخواي، فمن أُخْتاي؟ قال: ذات بطن بنت خارجة، فإني أظنُّها جاريةً وفي رواية ابن سعد: إني كنتُ نحلتُك أرضي التي تَعلمين بمكان كذا وكذا، وأنا أحبّ أن تَردِّيها إليَّ، فيكون ذلك قسمةً بين ولدي على كتاب اللَّه، فألقى ربي حين ألقاه ولم أفضِّل بعض ولدي على البعض (٢). وقال الواقدي: خطب عمر بن الخطاب أُمَّ كلثوم بعد وفاة أبي بكرٍ، فأجابته عائشةُ، وكرهته أمُّ كلثوم، فاحتالت حتى أمسكَ عنها -وسنذكرُه فيما بعد- فتزوَّجها طلحةُ بن عبيد اللَّه، فولدت له زكريا ويوسف مات صغيرًا وعائشة، ثم قُتل عنها يوم الجمل، ثم خلف عليها عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزومي، فولدت له إبراهيم الأحول، وموسى، وأمَّ حُميدٍ، وأمَّ عثمان (٣).

стр. 2137

ذكر مواليه: بلال بن رباح، وعامر بن فُهَيْرة، وصَفيّة، وهي أم محمد بن سيرين، وأبو نافع، وكان كثيرَ المال، نزل البصرة، وله بها دار، وقيل: إنه كان لعبد الرحمن بن أبي بكر، وفيه يقول يزيد بن مُفَرِّع الحميري: [من الطويل] سقى اللَّه أرضًا لي ودارًا تركتُها … إلى جنب دارَيْ معقل بن يسار أبو نافع (١) جارٌ لها وابن بُرْثن … فيا لك جارَيْ ذِلَّةٍ وصَغارِ ومُرَّة مولى أبي بكر، وقيل: إنه كان لعبد الرحمن أيضًا، وكتبت عائشة إلى زياد بن أبيه توصيه به، فسُرَّ بكتابها، وأقطعه نهرًا بالبصرة. وقد ذكرنا أن الصديق أعتق جماعةً ممن كان يُعذب في اللَّه تعالى. ذكره عُمَّاله: كان عاملُه على مكة عَتَّاب بن أَسِيد، وعلى الطائف عثمان (٢) بن أبي العاص الثقفي، وعلى صنعاء المهاجر بن أبي أميّة، وعلى حضرموت زياد بن لَبيد، وعلى زَبيد أبو موسى الأشعري، وعلى الجَنَد معاذ بن جبل، وعلى البحرين العلاء بن الحَضْرميّ، وعلى نجران جرير بن عبد اللَّه البَجلي، وعلى دُومة الجندل عياض بن غَنْم، وعلى الشام أبو عبيدة وخالد بن الوليد ومَن سَمّينا من الأمراء، وعلى العراق المثنى بن حارثة، وكان قاضيه عمر بن الخطاب، أقام مدة ولايته لم يحتكم عنده أحد، وكتب له زيد بن ثابت وعثمان بن عفان. فصل في ذكر من كتب لخليفة ثم صار هو خليفة: كتب عثمان لأبي بكر، ثم ولي عثمان الخلافة، وكذا مروان بن الحكم، وكذا عبد الملك بن مروان، كتب لمعاوية على ديوان المدينة، ثم ولي الخلافة. ذكر مسانيده: قال ابن الرَّقِّي: أسند عن رسول اللَّه ﷺ مئة واثنين وأربعين حديثًا، أخرج له في "الصحيحين" ثمانية عشر، المتَّفق عليه فيها ستة، وانفرد البخاري بأحد عشر، ومسلم بحديث واحد، وأخرج له الإِمام أحمد في "المسند" ستةً وثلاثين حديثًا، منها متفق عليه، ومنها أفراد.

стр. 2138

وقال أبو نُعيم: أسند أبو بكر عن رسول اللَّه ﷺ من المتون سوى الطرق مئةَ حديث ونيفًا بمراسيلها (١). وروى عن أبي بكر جماعة من الصحابة، منهم: عمر، وعثمانا، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمرو، وحذيفة، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وعبد اللَّه بن عمر، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وأنس، وأبو هريرة، وعقبة بن عامر، وأبو بَرزة الأسلمي، وأبو أُمامة، ومَعْقل بن سنان، وجابر بن عبد اللَّه، وأبو موسى، وعمران بن الحُصين، وابن الزُّبير، وعائشة ﵃ في آخرين. عبد اللَّه بن مِرْبَع الأنصاري من الطبقة الثانية، وكان أبوه مِربَع من المنافقين، وهو الذي حثا الترابَ في وجه رسول اللَّه ﷺ لما خرج إلى أُحد، وأم عبد اللَّه عُميرة بنت ظُهَيْر بن رافع، شهد عبد اللَّه أحُدًا وما بعدها من المشاهد مع رسول اللَّه ﷺ ، واستُشهد يوم جسر أبي عُبيد، وقُتل معه أخوه عبد الرحمن لأمه وأبيه (٢). عبد الرحمن بن العوّام من الطبقة الرابعة من المهاجرين، شهد بدرًا مع المشركين، ثم نجا، وأسلم عام الفتح، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه النبي ﷺ عبد الرحمن. هرب عبد الرحمن يوم بدر، ومعه أخوه عبيد اللَّه، ومعهما جمل، وكان عبيد اللَّه أعرج، فركب عبد الرحمن الجمل، وأردف أخاه، فلَقيهما حكيمُ بن حزام ماشيًا مُنهزمًا، فلما رآه عبد الرحمن قال لأخيه عبيد اللَّه: أنزل، فقال له: أنشدك اللَّه فيّ فإني أعرج، فقال: ألا تَنزل لرجل إن قُتلت كفاك، وإن أُسرت فداك، فنزلا عن الجمل، وحملا عليه حكيمًا، فنجى حكيم وعبد الرحمن على قدميه، وأُدرك عبيد اللَّه، فقُتل كافرًا. استشهد عبد الرحمن يوم اليرموك، وكان له ولد اسمه عبد اللَّه، قتل يوم الدار (٣).

стр. 2139

عَتَّاب بن أَسيد ابن أبي العيص (١) بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الرحمن، من الطبقة الرابعة ممن أسلم يوم الفتح، وأمُّه أروى بنت أبي عمرو بن أمية. استعمله رسول اللَّه ﷺ على مكةَ عام الفتح لما خرج إلى حُنين، وسِنُّه يومئذ ثماني عشرة سنة، وقيل: عشرون، وقيل: خمس وعشرون، ورزقه كلَّ يوم درهمًا، فأقام عَتَّاب للناس الحجَّ في تلك السنة، وهي سنة ثمان، حج بالمسلمين والمشركين. وقال ابن عباس: قيل لرسول اللَّه ﷺ : استخْلَفْتَ هذا الأعرابيَّ على مكة؟ فقال: "إني رأيتُه في المنام قد أخذ بحلقة باب الجنة، ففُتح له فدخل" (٢). وأمر عتاب مناديًا ينادي: لا أجد أحدًا لا يصلي إلا ضربتُ عنُقَه، فكان المسجد يمتلئ حتى يصلي الناس خارجَ المسجد، ولم يزل عَتَّاب على مكة حتى تُوفي رسول اللَّه ﷺ ، فأقرّه أبو بكر رضوان اللَّه عليه عليها، فلم يزل واليًا إلى اليوم الذي مات فيه أبو بكر بالمدينة. فمات عَتَّاب بمكة، وقيل: إن نعي أبي بكر وصل إلى مكة يوم مات عَتَّاب. وقال عمرو بن أبي عقرب: سمعتُ عَتَّاب بن أَسيد وهو يخطب مستندًا بظهره إلى الكعبة، يحلف باللَّه تعالى: ما أصبتُ في عملي الذي بعثني عليه رسول اللَّه ﷺ إلا ثوبين، كسوتُهما مولاي كيسان (٣). وكان عَتَّاب قد سُمّ في اليوم الذي سُمّ فيه أبو بكر ﵁ (٤). ذكر أولاده: كان له من الولد عبد الرحمن وأبو عثمان وأمية، وأمهم ريطة بنت عبد اللَّه خزاعية (٥)، قتل عبد الرحمن وأبو عثمان يوم الجمل، وسنذكره هناك. وكان لعتَّاب أخٌ اسمه خالد بن أَسيد، أسلم عام الفتح، وكان فيه تِيهٌ شديد، روى

стр. 2140

الحديث عن رسول اللَّه ﷺ ، وكان له ولدٌ اسمُه عبد اللَّه، وإليه يُنسب شِعب عبد اللَّه بن خالد، وكان لعبد اللَّه بن خالد من الولد: خالد وأُميّة وعبد العزيز. ولي خالد بن عبد اللَّه البصرة لعبد الملك بن مروان، وولي أخاه أمية حرب أبي فُدَيك الحَروري، فهزمه أبو فُديك، وكان عبد الملك قد عهد إلى خالد بن عبد اللَّه أن يُولّي المهلَّبَ بن أبي صُفْرة حرب الأزارقة، فخالفه وولّاه جبايةَ الخراج، وولى أخاه عبد العزيز بن عبد اللَّه حرب الأزارقة، فخرج إليهم في ثلاثين ألفًا، وهو يقول: زعم الناس أن هذا الأمر لا يتم إلا بالمهلّب، فسوف يعلمون، فلما دنا من عسكر الأزارقة أتاه سعد الطلائع، في خمس مئة فارس، وأعدَّ له من الخمس مئةً، وخرج الكمين واقتتلوا، فانهزم عبد العزيز، وقُتل معظم أصحابه، وتبعهم الخوارج نحو فرسخين، واستباحوا عسكرَه، وأخذوا امرأته، وبلغ عبد الملك فعزل خالدًا، وولّى مكانَه أخاه بشر بن مروان. وكان لعَتَّاب أختٌ يقال لها: عاتكة بنت أَسيد. قال محمد بن سلام: أرسل عمر بن الخطاب إلى الشّفاء بنت عبد اللَّه الأموية (١): أن اغدي عليّ، قالت: فغدوتُ، فوجدتُ عاتكة بنت أَسيد ببابه، فدخلنا عليه، فتحدَّثنا ساعةً، فدعا بنَمَطٍ فأعطاها إياه، ودعا بنَمَطٍ دونه فأعطاني إياه، فقلت: تربت يداك يا عمر، أنا قبلها إسلامًا، وأنا بنتُ عمك دونها، وأرسلتَ إليّ، وجاءتك هي من قِبَلها!؟ فقال: ما كنتُ رفعتُ ذلك إلا لك، فلما اجتمعتُما ذكرتُ أنها أقربُ إلى رسول اللَّه ﷺ منك. ولعتّاب بن أَسيد رواية. عكرمة بن أبي جهل من الطبقة الرابعة من المهاجرين، ويُقال: من الخامسة، وأمُّه أمُّ مجالد بنت يَربوع، عامرية، وكان عكرمة من رؤساء الكفّار على منهاج أبيه، وهو الذي كان يوم أُحد على خيل المشركين، وفعل تلك الأفاعيل، وأسلم يوم الفتح وحسن إسلامُه، وصحب النبي ﷺ ، وكان عكرمة ممن هرب يوم بدر، فكان إذا أجهد اليمين قال: لا والذي نجَّاني يوم بدر، وكان يضع المصحف على وجهه ويقول: كلامُ ربِّي، أو: كتاب ربي.

стр. 2141

واستعمله رسول اللَّه ﷺ عام حجَّ على هوازن، لصدقتها، واستعمله أبو بكر على أهل عُمان لما ارتدُّوا، واستشهد عكرمة باليرموك في أيام أبي بكر، وقيل: بأجنادين، وقيل: بمرج الصُّفَّر، وقيل: على دمشق، والقول الأول أصحّ. قال سيف: لما رأى عكرمةُ يوم اليرموك غَلَبةَ الروم قال: قاتلتُ رسول اللَّه ﷺ في كلِّ موطن، وأفرّ من هؤلاء اليوم؟!، ثم قال: مَن يُبايع على الموت، فبايعه أربع مئةٍ من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا بين يدي فُسطاط خالد بن الوليد، فانثنوا جمعيًا جرحى وقتلى، وأُتي خالد بعكرمة جريحًا، فوضع رأسَه على فخذه، وأتي بعمرو بن عكرمة، فوضع رأسه على ساقيه، وجعل يمسح الدم عن وجهيهما، ويقطر الماء في حلقيهما ويقول: زعم ابن حنتمة أننا لا نحب الشهادة (١)، وكان عكرمة يركب الأَسِنَّة حتى أنفَذَتْه، وخالد يقول: ليت ابن حَنْتمة ينظر إلى ابن عمي كيف يركب الأسِنّة. وقال الشيخ موفق الدين: ترجّل عكرمة يوم اليرموك، فقال له خالد: لا تفعل؛ فإن مُصابك على المسلمين شديد، فقال: دَعْني يا خالد، فإنه كانت لك مع رسول اللَّه ﷺ سوابق، ثم قاتل قتالًا شديدًا، فوجدوا به بضعًا وسبعين جِراحة (٢). ولعكرمة رواية عن رسول اللَّه ﷺ (٣). عمرو بن أوس ابن عَتيِك الجُشَمي، من الطبقة الثانية من الأنصار، شهد أُحدًا وما بعدها مع رسول اللَّه ﷺ ، واستشهد يوم جسر أبي عبيد، وأخوه الحارث بن أوس قُتل بأجنادين، وأخوهما عُمَير بن أوس قتل يوم الحَرَّة (٤).

стр. 2142

عمرو بن سعيد بن العاص أبو عتبة. من الطبقة الثانية من المهاجرين، أسلم قديمًا بعد أخيه خالد بيسير، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وقدم مع جعفر إلى خيبر، وشهد الفتح وحُنينًا والطائف وتبوك، واستعمله رسول اللَّه ﷺ على خيبر ووادي القرى وتيماء وتبوك، ولما خرج المسلمون إلى الشام كان ممن خرج، فقُتل بأجنادين سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر، وعلى الناس عمرو بن العاص، وقيل: استشهد باليرموك، وقيل: بمرج الصُّفَّر، وقيل: بفِحْل (١). عياش بن أبي ربيعة ذي الرُّمحَين (٢)، عمرو بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمرو بن مخزوم، من الطبقة الثانية من المهاجرين، أسلم قديمًا قبل أن يدخل رسول اللَّه ﷺ دار الأرقم، وكُنيته أبو عبد اللَّه، وكان من المستَضْعَفين الذين يُعذَّبون بمكة في اللَّه تعالى، وهو أحد الذين كان رسول اللَّه ﷺ يَقنت في الصلاة ويدعو لهم. وأم عيّاش: أسماء بنت مُخَربة، من بني دارم، وهي أم أبي جهل والحارث، واستشهد عياش باليرموك، وقيل: با يمامة، وقيل: مات بالمدينة، وقيل: بمكة، وقال البخاري والدارقطني وابن منده وابن ماكولا: مات بالشام في فتح عمر (٣). أسند عياش الحديث عن رسول اللَّه ﷺ . أولاد عياش: كان له من الولد عبد اللَّه، أبو الحارث، وكان رجلًا صالحًا، يصحب عبد اللَّه بن عمر في الأسفار فيصوم، فكان [ابن] عمر يأمر له بسحور.

стр. 2143

وابنه الحارث بن عبد اللَّه روى عنه الحديث، وابنه عبد الرحمن بن الحارث روى عنه الحديث والعلم، وابنه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث فقيه أهل المدينة بعد مالك، عرض عليه الرشيد هارون قضاء المدينة، وأجازه بأربعة آلاف دينار على ذلك فأبى، ورد المال، فأراد هارون أن يُلزمه فقال: واللَّه لأن يخنقني الشيطان أحبُّ إليَّ من أن أتقلّد القضاء، فأعفاه وقال: ما بعد هذا غاية، وأجازه بألفي دينار. وكان لعياش أخٌ يقال له: عبد اللَّه بن [أبي] ربيعة، أسلم يوم الفتح، وولّاه رسول اللَّه ﷺ الجَنَد ومخاليفها، فلم يزل واليًا عليها حتى قتل عمر بن الخطاب، ويقال: إن عمر ولّى عبد اللَّه اليمن وصنعاء والجَنَد، ثم ولّاه عثمان، فلما حُصِر عثمان جاء من اليمن في نُصرته، فسقط من راحِلته بقُرب مكة فمات. روى عبد اللَّه الحديث عن النبي ﷺ ، وكان له من الولد الحارث القُباع، وسنذكره، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة، وكان من وجوه قريش، وتزوّج أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق رضوان اللَّه عليه بعد طلحة بن عبيد اللَّه ﵁، وحلف أن لا يعطي بني مروان طاعة، فوفى بيمينه (١). فائد بن عمارة ابن الوليد بن المغيرة المخزومي، وكانوا ثلاثة إخوة: فائد وعبد الرحمن وهشام بنو عمارة، ولم يدرك منهم أحدٌ رسول اللَّه ﷺ ، وقيل: الذي لم يدركه فائد، وإنما أدرك زمانه، والكل أولاد أخي خالد بن الوليد، وكلّهم استشهدوا، واستشهد فائد بفِحْل، وقيل: مات باليمن في حياة رسول اللَّه ﷺ . وفائد هو الذي طلَّق فاطمة بنت قيس البتة وهو غائب، فأتت رسول اللَّه ﷺ فقال: لا نفقةَ لك. وقال ابن عبد البر: بعثه رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن لما بعث معاذًا، فطلّق فاطمة بنت قيس، وبعث بطلاقها، الحديث. قلت: هذا كلام مضطرب، فإنه قال: لم يدرك فائد رسول اللَّه ﷺ ، وإنما أدرك

стр. 2144

زمانه، ثم إنه قال: مات باليمن في حياة رسول اللَّه ﷺ ، وأن رسول اللَّه ﷺ بعثه إلى اليمن، وذكر حديث طلاقه فاطمة بنت قيس، ويحتاج ذلك إلى تحقيق (١). فراس بن النَّضْر ابن الحارث بن علقمة بن كَلَدة بن عبد مناف، وأبوه النضر الذي قتله رسول اللَّه ﷺ كافرًا بالصَّفْراء لما فصل من بدر. وفراس من الطبقة الثانية من المهاجرين، وأمُّه زينب بنت النبّاش بن زرارة، أسديّة، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة المرة الثانية، واستشهد باليرموك (٢). قيس بن السكن بن قيس من الطبقة الأولى من الأنصار، من بني النجّار، وكان ممن جمع القرآن على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وكنيته أبو زيد، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع النبي ﷺ ، واستشهد يوم جسر أبي عُبيد (٣). منصور بن عُمَير ابن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصيّ، أبو الرُّوم، من الطبقة الثانية من المهاجرين، وهو أخو مصعب بن عمير لأبيه، أسلم قديمًا، وفي هجرته إلى الحبشة خلاف، ولما قُتل أخوه مصعب يوم أحد دخل المدينةَ منصورٌ ولواء المهاجرين بيده، واستشهد يوم اليرموك، وأمه روميّة، ولم يشهد بدرًا (٤). النُّضَير بن الحارث عمُّ فراس بن النَّضْر المذكور آنفًا، والنُّضير من الطبقة الرابعة، من مُسلمة الفتح،

стр. 2145

وكان ممن خرج مع رسول اللَّه ﷺ إلى حُنين، ينتظر الدبرة عليه، فلما نصره اللَّه لقي النُّضير فقال له: يا نضير، هذا خيرٌ مما أردتَ، فقال: يا رسول اللَّه، واللَّه ما خرجت إلا لأغتالك، أو تكون الدبرة عليك، فأعين عليك، وأما الآن فقد أراد اللَّه غير ذلك، وأطلعك على ما في نفسي، أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأسلم وحسن إسلامه، وأعطاه رسول اللَّه ﷺ مئةً من الإبل مع المؤلفة قلوبهم، ولما عاد رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة من حُنين هاجر معه، وأقام حتى تُوفّي رسول اللَّه ﷺ ، وخرج إلى الشام غازيًا، فقتل يوم اليرموك شهيدًا، وكان يُعدُّ من حُلَماء قريش. وقال البلاذري: هاجر إلى الحبشة، ثم قدم مكة فارتدّ عن الإِسلام، ثم أسلم يوم الفتح (١). وقال الزبير: كان يحمد اللَّه على ما من به عليه من الإِسلام، وحيث لم يمت على ما مات عليه أخوه وأبوه، ولما أمر له رسول اللَّه ﷺ بمئة من الإبل يوم حنين، توقف في أخذها، وقال: إنما أسلمتُ للَّه، لا على رشوة، ثم قال: ما سألتُها، فأخذها وأعطى الذي بَشَّره بها عشرةً منها، وكان رجلًا من الدّيل (٢). نُعَيم بن عبد اللَّه بن أَسيد العدوي وهو النَّحّام، أسلم قديمًا قبل عمر بن الخطاب، بعد ثمانيةٍ وثلاثين إنسانًا، وهو التاسع والثلاثون، وقيل إنه أسلم بعد عشرة، ولم يزل مُقيمًا بمكة، يحوطه قومه وأهلُه لشرفه، حتى كان إلى زمن الحُدَيبية؛ لأنه كان يُنفق على أرامل بني عدي وأيتامِهم لشرفه، وهو من الطبقة الثانية. شهد مع رسول اللَّه ﷺ الحُدَيبية وما بعدها، وقدم على رسول اللَّه ﷺ في سنة ستّ، ومعه أربعون من أهله، فاعتنقه النبي ﷺ وقبَّله، وقيل: وسمّي النّحام لقول النبي ﷺ : "دخلتُ الجنة، فسمعتُ نَحْمَة من نُعيم". وروي أن النبي ﷺ قال له: "يا نُعيم، إن قومَك خيرٌ من قومي، إن قومي

стр. 2146

أخرجوني، وقومك أقرُّوك"، فقال: يا رسول اللَّه بل قومك خير، قال: "لم؟ "، قال: لأنهم أخرجوك إلى الهجرة، وقومي حبسوني عنها. استشهد نُعَيم باليرموك، وقيل: بأجنادين، وقيل: إنه قُتل بمؤتة مع زيد بن حارثة (١). واقد بن عبد اللَّه ابن عبد مناف بن عزيز التميمي، من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قديمًا، وآخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين بشر بن البراء بن مَعرور، وهاجر إلى المدينة، فنزل على رِفاعة بن عبد المنذر، وهو الذي كان في سريّة عبد اللَّه بن جحش إلى نخلة، وقتل يومئذ عمرو بن الحَضْرمي. شهد واقد بدرًا وأُحدًا والمشاهد كلها مع رسول اللَّه ﷺ ، وتوفي في هذه السنة، وليس له عقب (٢)، هبَّار بن سفيان ابن عبد الأسد المخزومي، [وكان قديم الإِسلام بمكة]، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية بالاتفاق، وقتل بأجنادين، وقيل: باليرموك. وهبَّار من الطبقة الثانية من المهاجرين، وقد وهم البخاري في هذه الترجمة، فجمع بين هبَّار بن سفيان، وهبار بن الأسود، فجعلهما واحدًا وهما اثنان، هذا مخزومي (٣). وهبَّار بن الأسود بن المطَّلب بن عبد العُزّى، أسديّ، وهو الذي نَخَس جملَ زينب

стр. 2147

بنت رسول اللَّه ﷺ فأسقطت، وقتل يوم أحد عشرةً من الصحابة، وأباح النبيُّ دمَه، وكان في الشَّراة مع النَّفر الذين كانوا مع عُتيبة بن أبي لهب، وعقره الأسد باللَّفَّاء (١)، وكان لهبّار دارٌ بدمشق في زقاق صفوان، ثم أسلم، وهو من الطبقة الرابعة، وكان رسول اللَّه ﷺ قد قتل يوم بدر أخويه ربيعة وعقبة ابني الأسود، وابن أخيه الحارث بن معاوية (٢). وعبد اللَّه بن سفيان أخو هبَّار لأبيه وأمه، وهاجر إلى الحبشة، وقتل باليرموك شهيدًا في أيام عمر بن الخطاب ﵁. هشام بن حكيم بن حِزام الأسدي كان من الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، وكان عمر بن الخطاب إذا أنكر الشيء يقول: لا يكون هذا ما عشتُ أنا وهشام بن حكيم. مرّ هشام بعُمَير بن سعد وهو يُعذّب الناس على الجِزية بالشمس، فقال له: ويحك يا أعور، ما هذا؟ سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن اللَّه يُعذِّب الذين يُعذّبون الناس في الدنيا" (٣)، فخلَّى سبيلَهم، وفي رواية: أنه مرَّ بفلسطين وعياض بن غَنْم يُعذّب الناس (٤). استشهد هشام في حياة أبيه بأَجنادين، وكانت له ولأبيه صُحبة ورواية (٥). هشام بن العاص بن وائل أخو عمرو، أسلم قديمًا بمكة، وهو من الطبقة الثانية من المهاجرين، وكنيته أبو العاص (٦)، وسمّاه رسول اللَّه ﷺ أبا مُطيع، وشهد له بالإيمان، وكان أصغر من أخيه

стр. 2148

عمرو، وهاجر إلى الحبشة المرة الثانية، ثم قدم مكة يريد الهجرة إلى المدينة لما بلغه مهاجر رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة، فحبسه أهله، فهرب بعد الخندق إلى المدينة، فشهد ما بعد الخندق من المشاهد. وكان شريفًا في قومه، فقيل لأخيه عمرو: أيّما أفضل أنت أم أخوك؟ قال: احكموا بيننا، أمُّه حَرْملة بنت هشام بن المغيرة، وأمي النابغة من بني عَنَزة، وكان أحبَّ إلى أبيه مني، وعُرِضْتُ أنا وإياه على رسول اللَّه ﷺ فقبله وتركني (١)، وهاجر قبلي، واستبقنا إلى اللَّه يوم اليرموك فسبقني، فأيّنا أفضل؟! وقال هشام: بعثني أبو بكر إلى دمشق رسولًا إلى ملك الروم ندعوه إلى اللَّه تعالى، فخرجتُ أنا ورجل من قريش، فقَدِمنا الغوطة، فنزلنا على جَبَلَةَ بن الأَيْهم الغسّاني، فإذا عليه ثيابُ سواد، فقلنا: ما هذا؟ قال: لَبِستُها، وحلفتُ أني لا أَنزِعها حتى أُخرجَكم من الشام، فقلت: نحن نُخرجك، ونَملك مجلسَك هذا إن شاء اللَّه تعالى، ونأخذ مُلكَ هرقل، قال: ومن أين لكم هذا؟! قلتُ: أنبأنا به نبيُّنا ﷺ . ثم دخلنا على الملك فأكرَمَنا، وأخرج إلينا صُورًا في خِرق الحرير، في كلِّ خِرقَةٍ صورة نبيٍّ، حتى أخرج لنا خِرقةً فيها صورةُ نبينا، وزعم أن تلك الصُّور أنزلت على آدم، واستخرجها ذو القرنين من مَطلع الشمس، من خزانة آدم، فدفعها إلى دانيال الأكبر (٢). واستشهد بأجنادين، وقيل باليرموك، وقيل بموج الصُّفَّر. وقال الواقدي: كان هشام رجلًا صالحًا، رأى من المسلمين يوم أَجنادين بعضَ التقصير، فرمى المِغفَر عن رأسه وصاح: إليَّ إليَّ أيها الناس، أمن الجنَّة تَفِرّون، أنا هشام بن العاص، وقاتل حتى قُتل، فوقع في ثُلمةٍ فسَدَّها، وكان العدوُّ فيها، فهاب

стр. 2149

المسلمون أن يَطؤوه بخيولهم، فصاح عمرو أخوه: أيها الناس، إن اللَّه قد استشهده، ورفع درجتَه، فأوطئوه الخيول، فأوطؤوه حتى قطعوه، فجعل عمرو بعد ذلك يجمع عظامَه وأوصالَه في نِطع حتى واراه. وقال سيف: استشهد هشام باليرموك، وأُصيب معه ثلاثةُ آلاف، منهم سبعون من بني سهم (١). يزيد بن قيس بن الخَطيم الأنصاري من بني ظَفَر، من الطبقة الثانية من الأنصار، وأمُّه حَوّاء بنت يزيد بن السَّكن، أشهليّة، وكانت من المبايعات، شهد أحدًا وما بعدها مع رسول اللَّه ﷺ . وأبوه قيس وافى رسولَ اللَّه ﷺ بذي المجاز، ولم يسلم، قتلتْه بنو سَلِمة. قال ابن سعد: كان قيس بن الخَطيم شاعرًا، وكُنيته أبو يزيد، فوافى رسول اللَّه ﷺ بذي المجاز، فدعاه إلى الإِسلام، وجعل يَرفُق به ويكنيه، فقال قيس: ما أحسن ما تدعو إليه، ولكن الحرب شغلتني عنك، وقد بلغك الذي بيننا وبين قومنا، فأَقْدِم المدينةَ وانظر وأرجع إليك، وكانت امرأتُه حواء قد أسلمت، فأوصاه رسول اللَّه ﷺ بها، وقال: "احفظني فيها"، فقال: أفعل، فقدم المدينة، فقال: يا حواء، إن محمدًا أوصاني بك، وسألني أن أحفَظَه فيك، وأنا فاعل، فغَدتْ بنو سلمة فقتلتْه ولم يكن أَسلم (٢). أبو عُبيد بن مسعود بن عمرو الثَّقفي وأبوه مسعود عظيم القريتين، الذي نزل فيه قوله تعالى ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١] والقريتان مكة والطائف (٣). وولد مسعود أبا عُبيد وسعدًا، فأما أبو عُبيد فهو الذي جَهّزه عمر ﵁ مع المثنّى ابن حارثة، فقدم العراق، وشنَّ الغارات على الفُرس، واستشهد يوم الجسر، وكان

стр. 2150

شجاعًا جوادًا شريفًا ورعًا حسنَ العِشرة والمواساة، وكان له من الولد مُختار وجَبْر وأسيد وصفيّة. فأما المختار فنذكره، وأما جَبْر فقُتل يوم الجسر، وأما صفيّة فتزوّجها عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، وأما سعد بن مسعود فولّاه علي رضوان اللَّه عليه المدائن، وله عَقِبٌ بالكوفة (١)، وهو الذي قال له المختار بن أبي عُبيد: سَلّم الحسن بنَ علي إلى معاوية لما استشهد علي ﵁. * * *

стр. 2151

السنة الرابعة عشرة (١) من الهجرة وفيها كانت وقعةُ القادسيّةِ، وإنَّما سُمِّيت القادسيّة لأن إبراهيم الخليل ﵇ قَدَّسها وبارك حولها، أو عليها، وذكرها الجوهري فقال: ويُقال: إنَّ القادسية دعا لها إبراهيم بالقدُس، وأن تكون مَحَلَّة الحاجّ (٢). وقال هشام بن الكلبي، عن أبيه قال: لمَّا خرج ابراهيمُ ﵇ من كُوثى -وهي محلَّةُ بأرضِ بابل- مُهاجرًا إلى اللَّه، كان راكبًا على حمارٍ، ومعه ابنُ أخيه لوط ﵇ يسوق غَنَمًا له، فنزلوا بقريةٍ يُقال لها: بانِقْيا، وكانت تُزَلْزَلُ كلَّ ليلةٍ، فبات بها يُصلّي طولَ ليلته، فلم تُزلزل في تلك الليلةِ، فاجتمع إليه أهلُها، وسألوه المقام عندهم، فأبى، ثم رحل إلى القادسيةِ، فجاءته عجوز بغَسولٍ فقالت: أراك شعثًا، اغسِلْ بهذا رأسَك ولحيتَك، ففعل، ثم قال لمكان القادسيةِ: كوني مُقَدَّسةً، فيك ينزلُ وَفدُ اللَّه، وفيك تحطُّ رحالُهم، فسمِّيت القادسيةُ بدعوته (٣). قال: ولمّا مرَّ بموضعِ جامع الكوفة وَجد أساسه الذي بناه نوحٌ قائمًا، وكان قد نسفه الغرقُ فاشتراه بالحمار، ورفعه مقدارَ ذراعٍ، ثم خرج إلى الجزيرة، ومرَّ بحرّان، وقد ذكرنا طرفًا منه في ترجمته (٤). ذكر السبب الذي أهاج أمر القادسيّة لما مَخَرَ المثنى بن حارثة بلادَ فارس بالغارات ما بين دجلة والفرات اجتمع أهل فارس إلى رُستم والفَيرزان -وكانا مختلِفَيْن- فقالوا لهما: قد أوهنتُما مملكةَ فارس، وأطمعتُما فينا عدوَّنا، وما بعد ساباط إلا المدائن، فإما أن تتَّفقا، وإلا ذهبت المدائن، وذهب ملك فارس، ولولا أن في قتلكما وَهَن فارس لقتلناكما، وإن قتلكما أهونُ من

стр. 2152

شماتة الأعداء بنا، فأرسل رستم والفيرزان إلى بوران بنت كسرى: سلي نساء كسرى وسراريّه، هل له ولد، فأرسلت إليهن، فأَنْكرن، فهُدِّدنَ بالعذاب، فأَقْررَرْن بغلامٍ اسمه يَزْدَجِرد، من ولد شَهْريار بن كسرى، وأنه عند أمِّه، وهي من أهل بادَرايا (١)، فأرسلوا إِلى أمه، فجاءت وهو معها، فسألوها عنه، فقالت: كنا في القصر الأبيض، فلما قتل كسرى الذّكور من أولاد الملوك، هربتُ به إلى أخواله خوفًا عليه، وكان ابنَ إحدى وعشرين سنة، فملّكوه عليهم. وهو يزدجرد بن شَهْريار بن أبرويز، وسمّي المشؤوم؛ لأن الفُرس كانت ترى أنه يزول مُلكهم على يده، وصِغر سِنّه هو الذي أوجب تمليك بوران وأختها، وقيل: كان قد نُفي إلى خراسان، فأحضروه وهو ابن خمس وعشرين سنة، ومَلّكوه عليهم، واستقام أمرُ فارس على يد يزدجرد في هذه السنة، فجلس على سرير الملك، وقال كلمات حُفظت عنه، منها: إن بالعدل والسياسة يتمُّ الملك، وبالإحسان يستعبد الأحرار. وأقام واليًا عشرين سنة، حتى زال مُلك فارس على يده في أيام عثمان. ولما ولي رتّب الأمور، وأخرج الأموال، وجهّز الجيوش إلى الحيرة والأنبار والأُبُلّة وكَسْكَر وما بيّن دجلة والفرات. وانحاز المثنى إلى خَفَّان، وكتب إلى عمر يُخبره بذلك، فلم يَرِد جوابُه، حتى كفر أهلُ السواد ونَقضوا العهد، فجاء كتابُ عمر يَأمر المثنى بأن يَخرجوا من بيّن ظَهرانَي الفرس، وأن يتفرّقوا في المياه التي في البرية، حتى يأتيهم المدد، فنزل المثنّى بذي قار، وهو مكان بيّن الحجاز والعراق، ونزل جرير بن عبد اللَّه في البرّية، وكتب عمر إلى القبائل يَستَنْفرهم ويقول: الوحا الوحا، العَجَل العَجَل، فوافَوْا إليه من كلّ مكان. وخرج عمر في أول المحرم سنة أربع عشرة، فعسكر بماءٍ يُدعى صِرارًا، وفي عَزْمِه أن يَسير بنفسه إلى العراق، ولا يَعلم الناسُ بما في قلبه، وكان مَهيبًا، فأقام، ولا يدري الناس أيُقيم أو يَسير، وكان لا يقدم عليه أحدٌ من الناس إلا عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وكان الناس إذا أرادوا منه شيئًا رَمَوْه بأحد الرَّجلين، وكان عثمان

стр. 2153

يُدعى في أيام عمر رَديفًا -والرَّديف الذي بعد الرَّجُل- وكان العباس ممن يقدم عليه أيضًا، فاجتمع الناس إلى عثمان، وسألوه أن يسأله ما الذي يريد أن يفعل، فسأله، فنادى عمر: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فأخبرهم باجتماع الناس على يزدجرد، واتّفاق الفرس عليه الخاصّ والعام، فقال عامّة الناس: سِرْ ونحن معك، فدخل من ورائهم (١) وقال: وأنا معكم، اللهمَّ إلا أن يَحضر رأيٌ هو أَمثلُ من هذا، ثم بعث إلى أهل الرأي من الصحابة وأشراف العرب، فاجتمع مَلَؤهم على أن يُقيم، وَيبعث بعض الصحابة، ويُمدّه بالجنود، فإن كان الفتح، وإلا نَدب آخر وآخر. وكان عمر قد استخلف عليًا على المدينة، فأرسل إليه ليَحضر، وكان قد جعل طلحة على أحد المُجَنبَتيْن، والزبير على الأخرى، وعبد الرحمن في المقدّمة، وقيل إن طلحة كان في المقدمة، فحضر الجميع، فاستشارهم، فأشار طلحة بالمسير، وأشار علي وعبد الرحمن بن عوف بالمقام، قال عبد الرحمن: فما فَديتُ أحدًا بعد رسول اللَّه ﷺ بأبي وأمي غيره، وقلت: ليس هَزْم جيوشك كهزيمتِك، فأَقِمْ وابعث الجيوش، وقال له علي: إذا سَلِم الرأس سلم سائر الجسد، وإذا عَطِب عطب الجميع، فقال: إنما أنا كرجلٍ منكم، وحيث صدَفْتموني عن المسير فأشيروا عليَّ مَن أبعث، فقال عبد الرحمن بن عوف: عليك بالأسد في بَراثنه؛ سعد بن مالك، يعني: ابن أبي وقّاص، فاتّفق الجميع. ذكر مسير سعد ﵁ إلى العراق وكان سعد على صدقات هوازن، فكتب إليه عمر، فقدم عليه، فقال له: يا سعد، [سعد] بني وهيب، قد أمّرتك على العراق، فلا يَغُرنّك من اللَّه قول الناس: خال رسول اللَّه ﷺ وصاحبه، فان اللَّه لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، وليس بين اللَّه وبين أحد [نسبٌ] إلا طاعته، فشريفُ الناس ووضيعُهم عند اللَّه سواء، اللَّه ربُّهم وهم عباده، فانظر إلى الأمر الذي بُعث فيه رسول اللَّه ﷺ إلى أن فارقنا عليه

стр. 2154

فالزمْه (١)، وإنك قادمٌ على أمرٍ شديدٍ كريهٍ، لا يخلص منه إلا بالحق، فالصبر الصبر، وذكر وصيَّة عامة، ثم عرض الجُند، فجاءت كندة، فأعرض عنها مرارًا، ثم قال: إني منهم لمتردّد، ثم أمضاهم على كُرهٍ منه، وكان منهم سودان بن حُمْران قاتل عثمان رضوان اللَّه عليه، وابن مُلجم قاتل عليّ كرم اللَّه وجهه، فسار سعد في سبعة آلاف، منهم ثلاث مئةٍ وستون من الصحابة، منهم ثمانية وعشرون من أهل بدر، والباقون ممن صحب النبي ﷺ ما بيّن بيعة الرضوان إلى وفاته، وسبع مئة من أبناء الصحابة، ومن أشراف العرب خلقٌ كثير، وكان عمر قد قال: واللَّه لأضربنّ ملوك العجم بملوك العرب، فلم يدع رئيسًا إلا وبعث به مع سعد وأمدّه به. وجاء سعد فنزل القادسية، وانضاف إليه جيش المثنّى في ثمانية آلاف، وكان المثنى قد مات من الجراحة التي أصابته يوم الجسر، وكتب عمر إليه وإلى جرير بطاعة سعد، فتكامل عنده بالقادسية تسعة وثلاثون ألفًا، وقيل تسعة وعشرون ألفًا، وهو الأصح، وجاءت القبائل من كلِّ وَجْه. ولما بلغ يَزْدَجِرد نزولهم القادسية، جهّز إليهم الجيوش، وولّى حربَهم رستم بن الفَرُّخْزاذ، ويُعرف بالأرمنيّ، وقدم الجالينوس في مقدّمته في أربعين ألفًا، وجعل على الميمنة الهُرْمزان في أربعين ألفًا، وعلى الميسرة مِهْران بن مهران في أربعين ألفًا، ورستم في المقدمة في مئة وعشرين ألفًا، ومعهم ثلاثون فيلًا عليهم المقاتلة والسلاح، وانضمَّ إليهم دهاقين السواد، فصاروا في ثلاث مئة ألف. فكتب سعد إلى عمر يُخبره بجمع القوم، فكتب إليه عمر: لا يَكثُر بك (٢) ما يأتيك عنهم، ولا [ما] يأتونك به، واستعن باللَّه عليهم، وتَوكَّل عليه، وابعث إليهم رجلًا من أهل الرأي والنَّظر، يدعوهم إلى اللَّه تعالى. فبينا سعد على هذا العزم إذا برسول رستم قد جاء يقول: ابعثوا إلينا رجلًا عاقلًا يبين إلينا ما الذي جاء بكم إلينا، فقال المغيرة بن شعبة: أنا ذلك الرَّجل، فسار إليه،

стр. 2155

فلما دخل عليه جلس معه على سريره، فنخر أصحابُه وصاحوا، فقال المغيرة: هذا شيءٌ لم يَزِدْني رِفعة، ولم يَنقص صاحبَكم، قال رستم: صدق، فقال له رُستم: ما الذي جاء بكم إلينا؟ فقال: إن اللَّه بعث إلينا رسولًا؛ فهدانا من الضَّلالة، وأنقذنا من الجهَالة، وأمرنا بجهادكم، فإن قَتلتمونا دخلْنا الجنة، وإن قتلْناكم دخلتُم النار، أو تُؤدّون الجزيةَ إلينا، فقال رستم وأصحابُه: لا صُلحَ بيننا وبينكم. وقال الهيثم: بعث رستم إلى سعد يَطلب جماعةً لهم رأيٌ وعقل، فأرسل إليه بجماعة فيهم المغيرة بن شعبة ومَعبَد بن مُرّة، فقال لهم معبد (١): دعوني أتقدَّمكم، فإن أتينا جميعًا رأونا قد احتَفَلْنا لهم، فقالوا: تقدَّم، فجاء وقد بسط رستم النَّمارق والوسائد، وأظهر اليواقيت واللآلئ والزينة العظيمة وجلس على سرير من ذهب، ولبس تاجَه، فجاء معبد على فرسٍ له قصير، ورُمحُه مشعوب، وسيفُه خَلَق (٢)، فاقتحم البساط بفرسه، ونزل فربطه بين وِسادتين، وعليه عباءة قد خلّها بخلال، فقال رستم: فرع سلاحَك، فقال: لا أَضعُه، أنتم دعوتموني، فإن أكرهتموني على وَضعِه رجعتُ، فقال رستم: دعوه، ثم قال له: ما الذي أَقدَمَكم علينا، فردَّ عليه مثل ما قال المغيرة، فقال رستم: أَخِّرونا حتى نَنظُرَ في هذا الأمر، فقال: لا نُؤخّركم أكثرَ من ثلاث، فإما أن تُسلموا، أو تُؤدّوا الجزية، وإلا قاتلناكم، فمال رُستم إلى الصُّلْح، فنهاه أصحابُه وقالوا: أيُّ قَدرٍ لهذا الأعرابي، أما ترى زِيَّه وثيابَه، فقال رستم: لا تنظروا إلى الثياب، وانظروا إلى الرأي والكلام، فإن العرب تَستخفُّ الثياب، وتَصونُ الأحساب، فقال (٣): قد أمرتُ لأميركم بكُسوة وألفِ درهم وبغْلٍ، وتنصرفون، فقال المغيرة: أبعد أن أَوْهَنّا مُلككم، وضَعْضَعْنا عِزَّكم، ولنا مدَّة نَمخر بلادَكم، ونأخذ الجزية عن يدٍ وأنتم صاغرون، وستصيرون لنا عبيدًا على رَغمكم، فاستشاط رُستُم غضبًا وقال: واللَّه لا تَرتفعُ الشمسُ غدًا حتى أقتلَكم أجمعين، فقال له المغيرة: ستعلم وتندم، ثم قال

стр. 2156

رستم: إما أن تَعبروا إلينا أو نَعبر إليكم، فقال المغيرة: بل أنتم فاعبروا، فنصبوا الجسر وعبروا، فصاروا غربيّ الفرات. وكتب سعد كتابًا إلى عمر يخبره الخبر، فكتب إليه وصيَّةً بالغة، منها: كونوا أشدَّ الناس احتراسًا من المعاصي بينكم، من عدوّكم، فإن ذُنوبَ الجيش أخوفُ عليهم من عدوِّهم، وإنما يُنصر المسلمون بمَعصية عدوِّهم، ولولا ذلك لم يكن لنا بهم قُوَّة؛ لأن عَددنا ليس كعددهم، وقوَّتنا ليست كقُوَّتهم، فإن استَوينا في المعصية كان لهم الفضلُ علينا في القوة. واعلموا أن عليكم من اللَّه حَفَظة في مسيركم وإقامتكم، يعلمون ما تفعلون، فاستَحيُوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي اللَّه وأنتم في سبيله، ولا تقولوا عدوُّنا شرٌّ منا، فلن يُسَلَّط علينا وإن أسأنا، فرُبَّ قومٍ سُلِّط عليهم مَن هو شرٌّ منهم، كما سُلّط علي بني إسرائيل لما عملوا بالمعاصي مَن هو شرٌّ منهم، فجاسوا خلال الديار، وكان وعد اللَّه مفعولًا، وذكر ألفاظًا أُخر، وقال: وإياكم وقُرى أهلِ الذِّمّة والصلح، ولا يدخلنَّها منكم إلا الموثوق بدينه وأمانته، فإن لهم حُرمة وذِمامًا، ولا تُروا أهلها شيئًا، ولتَنْتَقِ للطلائع أهلَ الرأي والنَجدةِ والصِّدقِ، وتخيَّر لهم سوابقَ الخيل، ولا تُعاجلوا العدوَّ بالقتال ما لم يَستكرهوكم عليه، وأبصروا عورات عدوِّكم، ومن أين يُؤتى، وأقيموا الحرس، واحذروا من البَيات، ولا تُؤتَوا بأسيرٍ له عهد إلا قتلتموه؛ لتُرهبوا به عدوَّكم، والسّلام (١). ولما رحل رستم عن المدائن نزل بساباط، وقَدَّم الجالينوس، ثم سار حتى نزل بكُوثى، فغصب أصحابُه أموالَ الرعيَّة، وفضحوا نساءهم، وعاثوا، فقال لهم رستم: قد كان اللَّه ينصركم بحُسن السيرة، وكفِّ الظُّلم، والوفاء بالعهود، فأما إذا تَغيَّرتُم عن هذه الأحوال فما أرى اللَّه إلا مُغيِّرًا ما أنتم فيه. ثم رحل فنزل النَّجَف، فخرج إليه رُؤساء الحيرة -وفيهم ابن بُقَيلة- فلامهم على أداء الجزية، وأراد قتلَهم، فقال له ابن بُقَيلة: لا تَجمع علينا اثنتين: القتل والعَجْز عن

стр. 2157

نُصرتنا، والدفع عنا وعن بلادنا، فسكت. وكان رستم لما نزل الدير رأى في منامه كأن ملكًا نزل من السماء، يختم على جميع سلاحهم، فتطيَّر من ذلك، وسار فنزل النَجف، فأقام عليه، وسعد بالقادسيّة لا يتقدَّم ولا يتأخّر، فأقام رُستم بالنَّجف أربعةَ أشهر؛ رجاء أن يَضجر سعد فينصرف، مخافةَ أن يَجري على رستم ما جرى [على] مَن تَقدّمه، وأرسل يَزْدَجِرد يحثُّ رُستم على لقائهم. وكان طُليحة قد أسلم وحَسُن إسلامه، وسار مع سعد في ذلك الجيش، فدخل عسكر رستم ليلًا، فرأى فرسًا على باب مِضْرَب، فقطع مِقوَده، وقرنه بفرسه، وساقه وسط العسكر، ونَذِروا به، فخرجوا في إثره، فقتل كل مَن تبعه ونجا، وتبعه مَرزبان منهم فأسره، وجاء به إلى سعد، فقال: حَدَّثني عن فُرسانكم، فقال: رأيتم فارسًا قطع عسكرًا فيه ما بين ألوف، ويخرج سالمًا غير هذا؟! يعني طُليحة، وأسلم الرجل وقال: أبشر بالنصر، فسمّاه سعد مُسلما. ثم عاد رستم إلى رؤياه، ورأى ذلك الملك بعينه قد نزل من السماء، وختم على سلاحه ومعه نبينا ﷺ ، فدفع الخَتْم إليه، فدفعه إلى عمر، فازداد حُزنًا. وعمر ﵁ يُمدُّ سعدًا بالسلاح والقبائل والميرة وغيرها، فلما علم رستم أنهم غيرُ مُنتَهين عنه، وإن أقام نازلوه، قرن عشرين ألفًا في السلاسل، وفَرَّق الفيلة ميمنةً وميسرة، وقدَّم بين يديه فيلًا أبيض كان لسابور يُعَدُّ بألف فيل، وجاء فنزل المكان المعروف بالعتيق، وكان ينظر في النجوم، فرأى تلك الليلة أهوالًا عظيمة، وأن النجوم تتساقط، فلما أصبح ركب وصَعد تلًا دون القَنْطرة -وكان سعد قد غلبهم على القنطرة التي على العتيق- فنظر إلى عساكر الإِسلام فوافاهم قليلًا، فاحتقرهم بالنسبة إلى عسكره، فأرسل إليهم زُهرة بن الحويّة يقول: أنتم جيرانُنا، وما زلنا مُحسنين إليكم، فارجعوا عنا، فقال سعد: إنا لم نَأتكم لطلب الدنيا، وإنما مَقصودُنا الآخرة، وإن اللَّه أرسل إلينا رسولًا، فدعانا إلى دينه، فأرسل رستم يقول: وما الدين؟ فقال سعد: عموده شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، وإخراج العباد من عبادة النيران والأوثان إلى عبادة الرحمن، فقال رستم: ما أحسن ما قلتُم، أرأيتُم إن أَجبناكم إلى ما

стр. 2158

تَدعون إليه هل تَرجعون عنّا؟ قالوا: نعم، فقال أعيان الفُرس: لا نفعل هذا أبدًا، ونفارق ديننا. وبات الفُرس يسكّرون العَتيق بالقَصب والتُّراب، فأصبحوا وهم على مواقفهم -وهذا اليوم الأول يُسمّى يوم أَرْماث، وهو اسم بُقعة كان القتال عندها- فجلس رستم على سرير، وضُربت عليه طيَّارة، ورتَّب الصفوف، وكان يَزدجِرد [وضع] على باب إيوانه رجلًا يُبَلِّغه أخبارَ رستم، وآخر على باب القصر، وآخر على باب المدائن، وكذا إلى رستم. ورتّب سعدٌ المسلمين، ولم يَقدر على الرُّكوب، كان به عِرق النَّسا وحُبون، أي: دَماميل، وكان مُلْقَى على وجهه في صدره وسادة، وهو مُنكَبٌ عليها، ينظر إلى الناس من سطح قصر القادسية، وقَدم على الناس خالد بن عُرْفُطة، فاختلف على خالد جماعةٌ منهم أبو مِحْجَن الثقفي، فقيَّده سعد وحبسه في قصر القادسيّة، وكان هذا اليوم يوم الإثنين سادس رجب. وأمر سعد خطباء الناس وشعراءهم، مثل: المغيرة بن شعبة وعمرو بن معدي كرب وطليحة بن خويلد وقيس بن هبيرة والشمّاخ والحطيئة وأوس بن مَغْراء أن يقوموا في الناس، فيُذكّرونهم بأيّام اللَّه، ويحرضونهم على القتال، ويُحذّرونهم الفرار، ففعلوا، فكان ما قال قيس بنُ هُبَيرة الأسدي: أيها الناس، احمدوا اللَّه على ما هداكم، وارغَبوا إليه فيما أبلاكم، فإن الجنة أمامكم، وليس وراء هذا القصر -يعني قصر القادسية- إلا العَراء، والقفار الموحشة، والمفاوز المعطِشة التي لا يَقطعها إلا كلُّ خِرِّيت ماهر بالدّلالة، فاحذروا أن تكونوا طُعمةً لها، ثم ذكر كلُّ واحد فصلًا في هذا المعنى، وفعلت الفُرس كذلك، وتعاهدوا على الموت، وقدّموا مع كلّ فيل أربعة آلاف مُقاتل. وكانت صفوف الفُرس مع العتيق على شَفيره، وصفوف المسلمين مع حائط قادس، قرية، وقال سعد: اجعلوا العَتيق أمامنا، والخندق من ورائنا، والمسلمون بين العَتيق والخندق. وكان رُستم مما يلي العراق، وسعد مما يلي الحجاز، والقَنطرةُ بين الفريقين،

стр. 2159

وجعل سعد على الميمنة جرير بنَ عبد اللَّه البَجَلي، وعلى الميسرة قيس بنَ المكشوح، وفي المقدمة القعقاع بن عمرو وعمرو بن معدي كرب والأشعث بن قيس وغيرهم، وقال سعد إذا كَبَّرتُ بعد الظهر فاستَعِدُّوا، وإذا كبَّرتُ الثانية فانشطوا، وإذا كبَّرتُ الثالثة فاحملوا، فإن اللَّه هدى هذه الأمة بالتَّكبير، والنَّصرُ مَقرون به. وخرج أهل النَّجدات يَطلبون المبارزة، فخرج إليهم أمثالُهم من أهل فارس، فبرز هُرمز وكان من ملوك باب الأبواب، وعليه تاجُه ومِنطَقَتُه وزينتُه، فخرج إليه غالب بن عبد اللَّه الأسدي فأسره، وجاء به إلى سعد، وخرج إلى طُليحة عظيمٌ من الفُرس فقتله طُليحة، وصلّى الناس الظُّهرَ، وكبَّر سعد فاستعدُّوا، ثم كبَّر الثانية فنشطوا، ثم كبَّر الثالثة فدارت رحى الحرب، وحملت الفيَلة على الميمنة والميسرة، فانذَعَرت الخيول منها وأحجَمتْ، فترجلت أَسَد وتميم وبَجيلة، وحملوا على الفِيَلة حملةً عظيمة، فقطعوا أحزمتها، ووقع مَن عليها فقتلوهم، وكان يومًا عظيمًا، قُتل فيه من أَسَد خمس مئة رجل؛ لأنهم باشروا الفيلة بنفوسهم، فأنْكَتْ فيهم. وجال المسلمون جولةً لما شاهدوا من قتال الفُرس، وكان [سعد قد تزوج سلمى بنت خَصَفة امرأة المثنّى قبله، فنزل بها القادسية، فلما رأت ما يصنع أهلُ فارس قالت: وامُثنَّياه ولا مُثَنَّى للخيل اليوم، فلطم] سعد وَجْهَها، وقال: أين المثنَّى من هذه الكتيبة التي تدور عليها رحى الحرب أو المنون، يعني بني أسد وبَجيلة وبني تميم، فقالت سلمى: أغَيْرةً وجُبنًا، فقال سعد: لا يَعذرني اليوم أحدٌ إذا أنت لم تَعذريني وأنت ترين ما بي، وحجز الليل بينهم، وأمر سعد بنقل القتلى إلى وادي العُذَيب وعين الشمس، ففعلوا. وأصبحوا في اليوم الثاني على تَعبية -ويقال له: يوم أغواث؛ لأن اللَّه أغاث المسلمين بجيش هاشم بن عُتبة بن أبي وقاص- فلما تزاحف الفريقان إذا بطلائع من نحو الشام قد ظهرت، وكان عمر قد جَهَّز هاشم بن عُتبة في ستة آلاف فارس. قال سيف: وتقدَّم القعقاع بن عمرو فطلب المبارزة، فبرز إليه بَهْمن جاذَويْه، ويقال له: [ذو] الحاجب، فقال له: مَن أنت؟ فقال: بهمن جاذَوْيه، فقال القعقاع: يا ثارات أبي عُبيد، وحمل عليه فقتله، وتواترت الجيوشُ من الشام، وفرح المسلمون

стр. 2160

وبشروا مما لَقوه بالأمس، ولم يزل القتال يعمل إلى الليل، ولم يقاتل الفُرس في هذا اليوم على فيل؛ لأن توابيتها كانت قد تكسَّرت، وفي هذا اليوم جرت وقائعُ عظيمة، أكثر المسلمون القتلَ في فارس، وألبس المسلمون الخيل جُلودَ الجِمال، على هيئة الفيلة، فلقي الأعاجم يوم أغواث أشدّ مما لقي المسلمون يوم أرماث. قصة العجوز ولما اجتمع الناس بالقادسيّة دعت خنساء بنت عمرو النَّخعيّة بنيها الأربعة، فقالت: يا بَنيّ، إنكم أسلمتُم طائعين، وهاجرتُم غير مُكرَهين، لم تَنْبُ بكم الدار، ولم تُقْحِمكم السَّنَة، ولا أرداكم الطَمع، واللَّه إنكم لبنو رَجُلٍ واحد، كما أنكم لبنو أمَّ واحدة، واللَّه ما فَضَحْتُ خالكم، ولا خُنتُ أباكم، ولا غَبَّرتُ نَسبَكُم، ولا أوطأتُ فِراشَ أبيكم غيرَه، فإذا شاهدتُم الحربَ غدًا قد أَبدت ساقَها، ومَدَّت رُواقَها، فتيمَّموا وَطيسها، وجالِدوا خَميسها، تَظفروا بالغَنيمة والسلامة، والفَوز والكرامة، في دار الخُلد والمقامة، يا بَنيّ، جئتُم بأُمِّكم العجوز الكبيرة، فألقيتُموها طُعمةً لأهل فارس، فاللَّه اللَّه فيها وفي أحسابكم، فانصرفوا وهم لأمرها طائعون، وبنُصحِها عارفون، فلما كان يوم أَغواث تَقدَّم الأول فقال: [من الرجز] يا إخوتي إن العجوز النَّاصِحه قد أيقظَتْنَا إذ دَعتنا البارِحَه نصيحة ذات بيانٍ واضحه فباكروا الحربَ الضَّروس الكالِحَه فإنما تَأتون عند الصائحه من آل ساسان كلابًا (١) نابحه قد أيقنوا منكم بوَقْعِ الجائحه

стр. 2161

وأنتم بين حياةٍ صالحه أو مِيتَةٍ تُورث غُنمًا رابحه ثم حمل على القوم فأزالهم عن مَواقفهم، ثم حمل الثاني وقال: [من الرجز] واللَّه لا نَعصي العجوز حَرفا قد أمرتنا حَدَبًا وعَطْفا منها وبِرًّا صادقًا ولطفا فباكروا الحَربَ الضَّروس زَحْفا حتى تَلفُّوا آل كسرى لَفَّا وتَكشِفوهم عن حِماكم كَشْفا إنَّا نرى التَّقصيرَ عنهم ضَعفا والقَتْلَ فيهم شِيمةً وعُرفا ثم حمل الثالث وقال: [من الرجز] لستُ لخنساءَ ولا للأَدْرَمِ (١) ولا لعمرٍو ذي السَّناء الأقدم إن لم أَدُرْ في آل جَمعِ الأعجمِ جَمْعِ أنو شروان جَمْعِ رُستُمِ بكلِّ مَحمود اللقاء ضَيغمِ ماضٍ على الهول خِضَمِّ خِضرِمِ إما لقَتل عاجلٍ أو مغْرمِ أو لحياةٍ في الأَسَدِّ الأكرمِ

стр. 2162

نَفوزُ فيها بالنَّصيبِ الأَعظمِ ثم شدَّ الرابع فقال: [من الرجز] إن العجوز ذاتُ حَزْمٍ وجَلَدْ والنَّظرِ الأَوفقِ والرَّأي الأسَدّ قد أمرتنا بالصَّواب والرَّشَدْ نَصيحة منها وبِرًّا بالوَلَدْ فباكروا الحرب وشدوا في العَدد (١) إما لقَهْرٍ واحْتياز (٢) للبَلَدْ أو مِيتَةٍ تُورث خُلدًا للأبَدْ في جنَّةِ الفردوس في عَيشٍ رَغَدْ فلما غابوا عن عينها رفعت يديها إلى السماء وقالت: اللهمَّ ادفع عن بَنيَّ، فأبلَوا بلال حسنًا، وعادوا إليها سالمين، لم يُكْلَم منهم أحدٌ، فكانوا يَأخذون أعطيتَهم ألفين ألفين، فيَصبُّونها في حِجر العجوز، فتَقسِم بينهم حَفْنَةً حفنة، لا يُغادر واحدٌ من عطائه دِرهمًا (٣). اليوم الثالث وهو يوم أغماس (٤)، وسُمّي بذلك لأن الفريقين انغمسوا في الحرب، ولم يَجْر في الجاهلية والإِسلام مثل هذا اليوم والليلة، وتُسمّى ليلة الهَرير، وهي أعظم من ليلة صِفّين. قال سيف: وأصبحوا في اليوم الثالث على مواقفهم، فلما ذرَّ قَرن الشمس إذا بهاشم بن عتبة بن أبي وقاص قد وصل، وكَردس الكراديس، وتزاحف القوم، وقَدَّمت

стр. 2163

الفُرس الفيلَ الأبيض الذي يُعدُّ بألف فيل، فحمل وحملت الفيول، فمَزَّقت الكتائب، فقال سعد: مَن للفيل، فقال عمرو بن معدي كرب والقعقاع: نحن له، وحملا عليه، فوضعا رُمحيهما في عينيه، وضربه المسلمون بالسيوف فقتلوه، وكانت الفِيلة تأنس به، فلما رأته صريعًا نَفرت، فخاضت العَتيق وصفوفَ الفرس، وتعثَّرَت في توابيتها، فوقع مَن كان عليها فهلكوا، ولحقت بالمدائن. وجنّ الليل والقتال يعمل للصباح، فسُمِّيت ليلةَ الهَرير؛ لأن الأصوات انقطعت عن سعد، ولم يَبق إلا هَريرُ الرجال، وشاهدت العجم من العرب ما لم يَروا مثله قَطّ، وفي هذا اليوم الثالث كانت قِصة أبي محجن الثقفي: لما اشتدَّ القتال -وكان سعد قد حبس أبا مِحْجَن في قصر القادسية وقيَّده- أتى أبو محجن سلمى بنت حفصة، امرأة سعد، فقال لها: يا بنت حفصة، هل لك في خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تُخلِّين عنّي، وتُعيريني البَلْقاء -يعني فرس سعد- وللَّه عليَّ إن سلّمني اللَّه أن أَرجعَ حتى أضعَ رِجلَيَّ في قيدي، وإن أُصِبتُ فما أكثر مَن أُصيب، فقالت: وما أنا وذاك؟ فرجع يَرْسُفُ في قيوده ويقول: [من الطويل] كفى حَزَنًا أن تَرْدِيَ الخيلُ بالقَنا … وأُتركَ مَشدودًا عليَّ وَثاقِيا إذا قُمتُ عَنَّاني الحديدُ وغُلّقَتْ … مَصاريعُ دوني قد تُصِمُّ المناديا وقد كنتُ ذا مالٍ كثيرٍ وإخوةٍ … فقد تركوني واحدًا لا أخا لِيا وللَّه عهدٌ لا أَخيسُ بعهده … ليِّن فُرِجَتْ أن لا أزورَ الحوانيا وسمعتْه سلمى، فقالت: استخرتُ اللَّه، ورضيتُ بعهدك، وأطلقَتْه، فاقتاد الفرس، فأخرجها من باب القصر، وركبها ثم دبَّ عليها، يَلعب برُمحه بين الصَّفَّين، حتى إذا كان بحيال الميمنة، كَبَّر، ثم حمل على الميسرة، ثم رجع إلى القَلْب، فبرز أمام الناس، وحمل على القوم، فتعجَّب الناس منه، وهم لا يعرفونه، ولم يَرَوْه من النهار، وقال بعضهم: هذا من أوائل خيل هاشم أو هاشم نفسه، وقال بعضهم: إن كان الخضر يشهد الحروب فليكن صاحب البلقاء، وقال آخرون: لولا أن الملائكة لا تُباشر الحروب لقلنا إنه ملك، وكان سعد في أعلى القصر، فقال: لولا مَحبَس أبي محجن لقلت: [هذه] شمائلُه، وهذه البلقاء.

стр. 2164

فلما انتصف الليل وتحاجز الناس، رجع أبو محجن، فدخل القصر ووضع رجليه في قيده. قال ابن سيرين: وكان لا يزال يشرب الخمر، فكان يُجلد فيها، فلما أكثر عليهم حبسوه وأوثقوه، فلما كان يوم القادسية فعل ما فعل، وجاء سعد فقالت له سلمى: كيف كان قتالُكم اليوم؟ فجعل يَصف لها حتى قال: فبعث اللَّه رجلًا على فَرسٍ أَبْلَق، لولا أني تركتُ أبا محجن في قيده لقلتُ إنها شمائلُه، فخَرق الصفوف، وفعل وفعل، فقالت: واللَّه إنه لأبو محجن، وقَصَّت عليه القصّة، فدعاه وحلَّ عنه قُيودَه، وقال: واللَّه لا نَجلِدُك في الخمر أبدًا، فقال أبو محجن: واللَّه لا أَشربُها أبدًا؛ لأني كنتُ آنف أن أدَعها من أجل جَلْدكم، وكنتُ أشربُها إذ يُقام عليَّ الحدّ فأطهَّرُ منها، أما إذا بَهْرَجْتَني، فواللَّه لا أشربُها أبدًا. وقال سيف: قالت امرأةُ سعد لأبي محجن: لِمَ حبسك هذا الرجل؟ فقال: واللَّه ما حبسني على حرامٍ أكلتُه، ولكني صاحبُ شَراب، وأنا امرؤٌ شاعر يَدبُّ الشعرُ على لساني، فقلت: [من الطويل] إذا متُّ فادفِنِّي إلى ظلِّ كَرمةٍ … تُروّي عظامي بعد مَوتي عُروقُها ولا تدفِنَنّي بالفَلاة فإنني … أخافُ إذا ما متُّ ألا أذوقُها فحبسني سعد لهذا، فأخبرت سلمى سعدًا، فقال له: اذهب، فلستُ أُواخِذُك على شيءٍ تقولُه بعدها حتى تَفعلَه، فقال: لا جَرَم، لا أُجيبُ لساني إلى صفة قبيحة أبدًا (١). دخل ابن أبي محجن على معاوية بن أبي سفيان، فقال له: أبوك القائل: [من الطويل] إذا متُّ فادفِنّي إلى ظلِّ كَرمةٍ فقال: لو شئتَ لذكرتَ من شعره غير هذا، قال: وما هو؟ قال: قولُه: [من البسيط]

стр. 2165

لا تسألِ الناسَ عن مالي وعن حَسبي … وسائلِ القومَ عن شَأني وعن خُلُقي القوم تَعلمُ أني من سَراتِهم … إذا تَطيشُ يَدُ الرِّعديدةِ الفَرِقِ قد أركب الهولَ مَسدولًا عَساكِرُه … وأكتُمُ السِّرَّ فيه ضَربةُ العُنُقِ أُعطي السِّنانَ غداةَ الرَّوعِ حصَّتَه … وعاملُ الرُّمحِ أروِيهِ من العَلَقِ فقال معاوية: رحم اللَّه أبا مِحجن، هو واللَّه كما وَصفَ نفسَه، ثم ذكر فِعلَه يومَ القادسية (١). وقال رجل يوم القادسية وسعد ﵁ على سطح القصر: [من الطويل]: نُقاتلُ حتى أنزل اللَّه نصرَه … وسعدٌ بقصر القادسيَّةِ مُعصِمُ فأُبنا وقد آمَت نساءٌ كثيرةٌ … ونسوةُ سعدٍ ليس فيهن أيِّمُ وبلغ سعدًا، فخرج إلى الناس، فأراهم ما به من الحبون والقروح، وقال: اللهمَّ إن كان قَصد الرِّياء فاقطع لسانَه، فبينا الرجل واقِفٌ في الصفِّ، جاء سهمٌ فشقَّ لسانَه، فوقع ميتًا (٢). اليوم الرابع، وهو آخر أيام القادسية، قال هشام: اقتتلوا إلى الظهر، فهَّبت ريحٌ عاصف، فسَفَتِ التُّرابَ على الفُرس، وقطعت طيارة رُسْتم، فألقتها في العَتيق، وقَدمت في تلك الساعة من المدائن بغالٌ عليها مالٌ، وقام رستم عن سريره لما وقعت الطَّيّارة، فاستظلَّ بظل بغل منها، وحمل القعقاع وهلال بن علقمة (٣) والأشعث بن قيس وعمرو بن معدي كرب على الفُرس، وتبعهم الأمراء، وبادر هلال بن علقمة إلى البغال، فضرب الحِمْل الذي تحته رستم فقطعه، ووقع أحد العِدلَين على رستم، فأزال فقارًا من ظهره، فهرب إلى القنطرة، فتبعه هلال فقتله، وجرَّ برجله فألقاه في العتيق، وصعد على سريره وصاح: قتلتُ رُستم وربِّ الكعبة، إليّ إلي، فاجتمع إليه المسلمون، وهربت الفُرس، وتهافتوا في العتيق، فقُتل منهم في ذلك اليوم ثلاثون ألفًا، وفي غيره من الأيام ثمانون ألفًا، وقُتل من المسلمين ستة آلاف، وقيل ثمانية آلاف، وأمر سعد بدفن الشهداء في مواضعهم.

стр. 2166

ذكر الغنائم جُمع في ذلك اليوم من الأموال والغنائم ما لا يُحصى، وجدوا في خزائن رستم ست مئة ألف ألف دينار، ومن الجواهر واليواقيت مثلها، ومن الخيل والبغال والخيام والثياب والأثاث والأمتعة والأسلحة ما عجزوا عن إحصائه، ووجدوا حِملًا من الكافور، فظنّوه ملحًا، فطُبخ منه في القدور فتمَرمر الطعام، فقالوا: هذا مِلحٌ مُرّ، كذا يكون ملح هذه البلاد؟ فباع واحد جرابًا من الكافور بدرهمين، وكان هلال قد أخذ سَلَب رُستم ومِنطَقَته وسلاحَه، وكانت قيمتُه خمس مئة ألف دينار، وقتل زهرة بن الحويّة الجالينوس وأخذ سلَبه، وكان دون سَلَب رستم، فاستكثر سعد السَّلَبين، فكتب إلى عمر بالفتح، وبعث إليه بالغنائم، وأخبره بالسلبين، فكتب إليه: قال ﷺ : "من قتل قتيلًا فله سلَبه" (١)، فادفع إلى القاتلين أسلابَ المقتولين، ففعل سعد. وكانت هذه الوقعة في هذه السنة، وقيل: سنة خمس عشرة، وقيل: سنة ست عشرة، والأول أظهر. ولما انهزمت الفرس إلى المدائن بعث سعد إلى يَزدجرد جماعةً يدعونه إلى الإِسلام، فيهم النعمان بن مُقَرِّن، والمغيرة بن زرارة الأسدي، وعاصم بن عمرو، فجمع كسرى مرازبته وأهلَ مملكته، وأدخلهم عليه فقال لترجمانه: قل له: ما الذي دعاكم إلى التَّعرُّضِ لبلادنا؟ فقال له النعمان: إن اللَّه أرسل إلينا رسولًا يَدلُّنا على الخير، ويأمرنا أن ندعوَ الناس إلى التوحيد والإنصاف، ونحن ندعوكم إلى ديننا، فإن أبيت وإلا فالمناجزة، فقال يزدجرد: إني لا أعلم في الأرض أُمّةً أشقى منكم، فقال المغيرة بن زرارة: فاختر إن شئتَ الجزية عن يدٍ وأنت صاغر، وإن شئت الإِسلام، وإلا فالسيف، فقال: أتستَقْبلُني بمثل هذا؟ فقال: ما استقبلتُ إلا مَن كلّمني، فقال: لولا أن الرُّسل لا تُقتل لقتلتُك، فقال: هو ما سمعت، فقال: ائتوني بوِقْر من تراب، واحملوه على أشرافهم، ثم سوقوه حتى تَخرجوا به من المدائن، فنظروا، فإذا عاصم ابن عمرو، فحَمَّلوه التراب، وقال: لا شيءَ لكم عندي، لأبعثنَّ إليكم مَن يَدفِنُكم في

стр. 2167

خنادق القادسية، فلما عادوا إلى سعد قال: أبشروا، قد مَلّككم اللَّه أرضَهم. ولما أتى عمر بن الخطاب ﵁ الخبر بنزول رستم القادسية؛ كان يخرج صبيحةَ كلِّ يوم [يستخبر الرُّكبان] ثم يَرجع إلى أهله، فبينا هو ذات يوم إذا براكبٍ، فسأله، فقال: أنا [البشير] هزم اللَّه العدو، وفعل وفعل، وعمر يمشي إلى جانب ناقة الرجل، ولم يعرفْه حتى دخل المدينة، فلَقيه رجل فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال الرَّجل: فهَلّا أخبرتَني رحمك اللَّه أنك أمير المؤمنين، فجعل عمر يقول: لا عليك يا أخي. ذكر دخول حُرقة بنت النعمان بن المنذر على سعد ﵁ - ودخلت حُرَقَة بنت النعمان عليه في جَوارٍ كلُّهن مثلها، فقال: أيّتكن حُرَقة؟ قالت: أنا، فقال كيف حالكم؟ قالت: إن الدنيا دارُ زوال، لا تدوم على حال، كنا مُلوك هذا المِصر، يجيءُ إلينا خَراجُه، ويُطيعنا أهلُه مدّةً، فلما أدبر الأمر، صاح بنا صائحُ الدهر، وإنا نجد في الكتب أنه ليس من قومٍ كانوا في حَبْرة إلا والدهرُ يُعقبهم بعَبْرة، وإني قد قلتُ في ذلك شعرًا، ثم أنشدت: [من الطويل] فبَيْنا نَسوسُ الناسَ والأمرُ أمرُنا … إذا نحن فيهم سُوقَةٌ نَتنَصَّفُ فأُفٍّ لدنيا لا يَدوم نعيمُها … تَقَلَّبُ تاراتٍ بنا وتَصرَّفُ فقال سعد قاتل اللَّه عديَّ بن زيد، كأنه حاضر حيث يقول: [من الخفيف] إن للدَّهر صَولةً فاحذَرَنْها … لا تَبيتنَّ قد أَمِنتَ الشُّرورا قد يبيتُ الفتى مُعافًى فيُرزى … ولقد كان آمنًا مَسرورا ثم أكرمها، ووَصلها، وأحسن جائزتَها، فقالت: ملكتك يدٌ افتقرت بعد غِنى، ولا ملكَتْك يدٌ استغنت بعد فقر، ولا جعل لك اللَّه إلى لئيمٍ حاجة، ولا أزال عن كريمٍ نعمةً إلا وجعلك السببَ في عودها إليه، وردها عليه، فلما خرجت من عنده قُلنَ لها نساءُ المِصر: ما الذي رأيتِ من الأمير؟ فقالت: [من الخفيف] حاط لي ذِمَّتي وأكرم وَجهي … إنما يُكرم الكريمَ الكريمُ فلما ولي المغيرة بن شعبة الكوفة خطب حُرقة، فقالت لرسوله: قل له: ما أردْتَ

стр. 2168

إلا أن يُقال: تزوَّج المغيرةُ الثقفي ابنةَ النعمان بن المنذر، وإلا فأيُّ حظٍّ لشيخٍ أعور في عجوزٍ عَمياء (١). وسار سعد من القادسية إلى الحيرة، وبعث الرَّوَّادِين يَرتادون له منزلًا، فخرج إليه ابنُ بقيلة من الحيرة، فقال: هل لك في أرضٍ ارتفعت عن البحر، وانحدرت من الفَلاة؟ قال: نعم فأشار إلى مَوضع الكوفة، فنزلها سعدٌ وخَطَّها، وخَطَّ الناس. فصل: وقد مدح بعضُ الناسِ الكوفةَ وذمَّها آخرون. أما المادحون لها فقالوا: قد قال عمر بن الخطاب: بالكوفةِ وُجوه الناسِ. وقال سلمان الفارسي: هي قُبَّةُ الإِسلام. وقد نزلها خلقٌ من الصحابة والعلماء، ونزلها ثمانيةٌ من الخُلفاء: عليٌّ والحسن ومعاويةُ وعبد الملك والسفَّاحُ والمنصورُ والمهدي والرشيد. وكان بها أعيانُ العلماء كإبراهيم النَّخَعي والتيمي أبي حنيفة وابن شُبْرمة والشَعبي وربيعة وسادات الفقهاء. وأما الذامُّون لها فقالوا: هي منشأُ الفِتَن والغَدْر والفساد، وما زالوا يَحْصِبون الولاة ويشكونهم حتى عزل عمرُ سَعْدًا، ودعا سعدٌ عليهم فأعمى اللَّهُ عينَ مَن دعا عليه، وشكوا عمار بنَ ياسر إلى عمر وكانوا ظالمين له، فعزله عنهم، وتربَّصوا على عليٍّ وقتلوه. وطعنوا الحسن في فَخِذِه، وخذلوه، ونزعوا بِساطه من تحته، وأرادوا تسليمَه إلى مُعاوية، وكاتبوا الحسين ثم خذلوه حتى قُتِل، وقَتلوا إخوتَه، وسَبَوْا أهلَه، وسلبوهم ثيابهم، وأخذوا سَراويل الحسين، وخذلوا زيد بن عليّ حتى قُتِلَ أقبحَ قِتْلةٍ، ومثَّلوا به شر مُثْلَةٍ، وكان فيهم المختارُ بن أبي عُبيد الكذابُ الذي ادّعى النبوةَ، ومنهم الخوارج: ابن مُلجَم، وابن السَّوداء، وابن الكَوَّاء وغيرهم (٢). قالوا: وما رُوي عن عمر وسلمان محمولٌ على زمانهما، لمّا كان بها وجوهُ الصحابةِ الذين فتحوا العراقَ، وجاهدوا الكفارَ، وأما بعد ذلك فقد حدث جميع ما ذكرنا.

стр. 2169

فصل في ذكر اختطاط البصرة قال الجوهري: البصرة حجارةٌ بيضٌ خَشِنَةٌ، وبها سُمّيت البصرة، وهي رِخوةٌ إلى البياض (١) وقال أبو الحسن المدائني: بعث عمر بن الخطاب عُتبةَ بن غَزْوان إلى البصرةِ في سنة أربع عشرة وأمره أن يقطع مادَّةَ أهلِ فارس عن المدائن. وكان استيطان الكوفةِ والبصرةِ في شهرٍ واحدٍ. والبصرة باب الهند قال المدائني (٢): ولمّا نزل عتبةُ بن غزوان البصرة، كان بالأُبُلَّة خمسُ مئةٍ من الأساورة يَحمونها، وهي مَرفأُ السُّفُنِ من الهندِ والصين، وهي من أقدمِ بلاد الدنيا، فسار إليها عتبةُ، فناهضَ أهلَها، فركبوا في السفنِ وهربوا، فدخلها فوجد فيها غنائمَ كثيرةً، فكتب إلى عمر بالفتح مع نافع بن الحارث. قال المدائني: وكان اختطاط البصرةِ في شهر ربيع الآخر، وفتوحُ الأُبُلَّة في شعبان. قال: ولما فتحوا الأُبُلَّة وجدوا جِرارًا فيها صَحْناةٌ (٣)، فذاقوها فقالوا: قبَّحَ اللَّه الفُرس، أيدَّخرون العَذِرةَ في الجِرار؟ وأصابوا جَرَّة فيها جوز فلم يدروا ما هو، وأصابَ بعضُهم سراويل، فلم يحسن أن يلبسها فقال: قبَّحك اللَّه من ثوبٍ، فما تركَكَ أهلُك لخيرٍ، ثم رمى بها، وجعلوا يأكلون الخُبز ويبصرون أَذرعتهم: هل سمنوا أم لا؟ وقال سيف: إنما بعث عتبةَ إلى البصرة والأُبُلَّة سعد بنُ أبي وقاص، لما فرغ من المدائن وبَهُرسير وتكريت وجَلولاء في سنة ست عشرة بأمر عمر، والأول أظهر. وجمع أهل دُسْتِمَيْسان لعُتبة، فسار إليه مَرزبانها (٤)، فقاتلوه، فهزمهم عُتبة، وأخذ المرزُبان أسيرًا، وبعث سلاحَه ومِنطَقته إلى عمر مع [أنس بن] حجيَّة اليَشكري (٥).

стр. 2170

ذكر مسير عتبة بن غزوان إلى عمر بن الخطاب (١) ذكرَ هشام بن الكلبي عن أبيه قال: قال عمر لعتبةَ بن غزوان: إني موجِّهك إلى أرض الهندِ، يعني البصرة، لتمنع أهلها أن يُمِدّوا أهلَ فارس، فنزلها في ربيع الأوّل سنة أربع عشرة، وبها سبعُ دَساكر. وكتب إلى العلاء بن الحَضْرمي أن يُمِدَّ عتبةَ بعَرْفجة ابن هَرْثمة. قال: واجمعِ الناسَ من الدَّساكر مَوضعًا واحدًا، ففعل، وأقام بها شهرًا وخرج إلى الأُبُلَّة فانهزموا، وكان الفتحُ (٢) على يد أبي بكرة نُفيعٍ. وشهد فتح الأُبُلَّةِ مئتان وسبعون من الصحابة، فحكى موسى بن المثنّى بن سلمة بن المحبّق الهُذَلي، عن أبيه، عن جدِّه قال: شهدتُ فتح الأُبُلَّة، وأميرُنا قُطبةُ بن قتادةَ السدوسي، فاقتسمنا الغنائمَ، فدُفعت إليَّ قِدْرٌ من نُحاسٍ، فلما صارت في يدي تبيَّن لي أنَّها ذهبٌ، وعرف ذلك المسلمون فنازعوني فيها إلى أميرنا، فكتب إلى عمر بن الخطاب يُخبرُه بذلك، فكتب إليه: اطلُبْ يمينَه أنَّه لم يعلم أنَّها ذهبٌ إلا بعدما (٣) صارت إليه، فإن حلف فادفعها إليه، وإن أبي فاقسمها بين المسلمين، فحلفَ فدفعها إليه وكان فيها أربعون ألفَ مِثقالٍ، قال ابن المحبِّق: وقال جدّي: فمنها أموالُنا التي نَتوارثُها إلى اليومِ. قلتُ: وهذا مَذهبُ عمر ﵁، ولعله أراد استمالةَ قلوب المؤمنين بهذا في أوَّل الأمرِ. أما مذهبُ عامةِ الصحابةِ والفقهاء أنه أُسوةٌ للغانمين، وأنَّها تُقسَمُ بينهم، إلا ما نفَّله الإمامُ قبل القِسمة، أو من الخُمْسِ. وقال المدائني: وكان قُطبةُ بنُ قتادةَ السدوسيّ هو السببَ في إيْفاد عمرَ عُتبةَ بن غزوان المازني إلى البصرة. وقُطبةُ أوَّلُ مَن أغار على السَّواد من ناحية البصرة، كتب إلى عمرَ يستمدُّه، فبعث به إليه، وذكر بمعنى ما ذكرنا (٤). وكتب عتبةُ بن غزوان إلى عمر يستأذنُه في الحجِّ، فأذن له، فولّى الحربَ مُجاشِع

стр. 2171

ابنَ مسعود، والصلاةَ المغيرة بنَ شُعبة، وكان مجاشعٌ بناحية الفُراتِ، والمغيرةُ بالبصرةِ، وقال له عتبةُ: إذا قَدِم مجاشع فهو الأمير. وكان بنواحي العراق مَرزبان عظيم يقال له: الفلتان (١). فلما قَفل عُتبةُ عن البصرةِ سار الفلتان إليها في جمع عظيمٍ من الفُرسِ، قبل وصول مجاشعٍ، فخرج إليه المغيرةُ، فهزمه وغَنِم عسكرَه، وكتب إلى عمر بالفتح، فقال عمر لعُتبة وقد اجتمعا بمكَّة: مَن استعملتَ على البصرة؟ فقال: مجاشعًا، فقال له عمر: أتستعملُ رجلًا من أهل الوَبر على أهلِ المدَر؟ أهل علمتَ ما جرى؟ وأخبره الخبر، فلما قضى مناسِكَه قال له عمر: ارجع إلى عملِكَ، فسار من مكة يُريدُ البصرة، حتى إذا كان بالفَرَعِ -وقيل بالمعدِن- وَقَصَتْ به ناقتُه فمات، وسنذكره في آخر السنة. فصل: وفي هذه السنة أقام عمر التّراويحَ للناس، وأمرهم بها في المساجد في شهر رمضان بمجمعٍ من الصحابة. وقد ذكرنا أن رسول اللَّه ﷺ صلّى في رمضان ثلاث ليالٍ أو أربعَ ليالٍ ركعتين بعد العشاء، ثم امتنع وقال: "خشيتُ أن تُكْتَب عليكم" (٢). وتُوفي رسولُ اللَّه ﷺ والأمرُ على ذلك، وكذا خلافةُ أبي بكرٍ، وصدر من خلافة عمر، فحكى البخاري (٣)، عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجتُ مع عمر بن الخطاب ليلةً إلى المسجدِ، فإذا الناسُ أَوزاعٌ متفرّقون، يُصلّي الرجلُ لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلي بصلاتهِ الرَّهطُ، فقال عمر: لو جَمعتُ هؤلاء على قارئٍ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أُبيّ بن كعب. قال: ثم خَرجتُ معه ليلةً أُخرى والناس يُصلّون بصلاةِ قارئهم، فقال عمر: نِعم البدعةُ هذه، والتي ينامون عنها أفضلُ من التي يقومون، يُريدُ آخِرَ الليل، وكان الناس يقومون أوَّله. وكتب عمر إلى الأمصار بإقامةِ التَّراويح.

стр. 2172

قلت (١): وقد ادّعى قومٌ أن عمر ﵁ فعل شيئًا لم يَفعلْه رسولُ اللَّه ﷺ ، ولا أبو بكر، وقد سمَّاها بِدعةً، والصحابةُ لم يُنكروا عليه خوفًا منه. والجواب أنَّ النبي ﷺ قد بيَّن السببَ الذي امتنع من صَلاةِ التراويحِ لأجله؛ وهو مخافة أن تكتبَ علينا، وبعد انسداد باب الوحي زال هذا المعنى، وقد كانوا يُصلُّون مُتفرِّقين، فجمعهم على إمامٍ واحدٍ. وأما البدعةُ فبدعتان: مكروهةٌ ومستحبَّة، فالمكروهةُ ما ليس لها أصل في الشرع وتلك هي الضلالة، والمستحبَّةُ ما لها أصل في الشرع، وقال ﷺ : "الصلاة خيرٌ موضوع" (٢). وأما الصحابة فقد استمروا بعد موته عليها، وكان عليٌّ إذا مرّ ليالي رمضان فرأى القناديل تزهرُ، وسمع القُرَّاء يقرؤون قال: نوَّرَ اللَّه قبر مَن نوَّر علينا مساجدَنا (٣). فإن قيل: فلم كانت التراويحُ عشرين ركعةً؟ قلنا: لأنهم وزَّعوا القرآن عليها في ذلك الوقت؟ ليكون الختمُ في آخر الشهر. فصل: وفيها جلد عمر بنُ الخطاب ولده عبد الرحمن في شرابٍ شربه، وكان عمرو بنُ العاص قد جلده قبل ذلك بمصر، وبلغ عمر، فكتب إلى عمرو بن العاص أن يَبعث به إليه، فبعث به إليه، فحدَّه عمر ثانيًا لأجل مكانه منه، فأقام شهرًا ومات، فكانوا يَرون أنَّه مات من جَلْد عمر إيّاه. وقد اختلفوا في اسم المضروب، فقال الطبري (٤): هو عبيد اللَّه بن عمر، وقال غيره: هو أبو شَحْمة. وقد أخرج جدّي ﵀ في آخر كتاب "الموضوعات" حديثًا طويلًا في جلد عمر ولده، فقال بإسناده عن سعيد بن مسروق قال: كانت امرأةٌ تدخلُ منزل عمر، ومعها صبيٌّ، فقال لها عمر: مَن هذا الصبيُّ معك؟ فقالت: هو ابنُك، وقع عليَّ أبو

стр. 2173

شَحمة فهو ابنُه، قال: فأرسل إليه عمر فأقرَّ، فقال لعلي: اجلِده، فضربه عليٌّ خمسين، وضربه عمر خمسين، فقال لعمر: يا أبة قتلتَني، فقال: إذا لقيت ربَّك فأخبره أن أباك يُقيمُ الحدود. ثم قال جدي: هذا حديثٌ موضوع، وضعه القُصّاص فأَبدؤوا فيه وأعادوا، وشرحوا فأطالوا (١). ثم أخرجه جدي من طرقِ: أحدها عن سعيد بن مسروق، ومجاهد عن ابن عباس، وعبد القدوس بن الحجاج. فأما طريقُ سعيد بن مسروقٍ فقد ذكرناه. وأما طريقُ مجاهد عن ابن عباس، فقال مجاهد: تذاكر الناسُ فضلَ أبي بكرٍ وعمر في مجلس ابن عباس، فبكى ابنُ عباسٍ وقال: رحم اللَّهُ رجلًا لم تأخذْه في اللَّه لومةُ لائم، أقام الحدود كما أُمر، لم يَزدجر عن قريبِ لقرابتهِ، ولم يَحِف على البعيد لبُعدِه، ولقد أقام الحدَّ على ولدهِ حتى قتله. بينما أنا عنده ذات يوم ونحن بالمسجد، إذا بجاريةِ قد أقبلت تتخطّى رقاب المهاجرين والأنصار، ومعها ولدٌ تحملُه، فقالت: السلامُ عليك يا أمير المؤمنين، خذ هذا الولدَ فأنت أحقُّ به مني. قال: ومن أين؟ قالت: هو ولدُ ولدِك أبي شَحْمة؛ مررتُ في بعضِ الأيّام لحاجتي عند حائط لبني النّجار، فإذا بصائحِ يَصيح من ورائي، فالتفتُّ فإذا بابنك أبي شحمة يتمايل سُكْرًا، وكان قد شرب عند نُسَيكةَ اليهوديِّ، فجرَّني إلى الحائط، وتوعَّدني فأُغمي عليَّ، فما أفقتُ إلا وقد نال مني ما ينالُ الرجلُ من امرأته، ثمَّ كتمتُ أمري عن أهلي، وإذا بي حاملٌ، فوضعتُ هذا الغُلام، فأردتُ قتلَه ثم نَدمتُ، وقد أتيتُك به، فاحكُم بيني وبين ولدِك بحكم اللَّه. فأمر عمرُ مُناديه فنادى: يا معاشر المهاجرين والأنصار، فأقبلوا مُسْرِعين، فقام وأتى بيتَ أبي شَحمة وأنا معه، فدخل عليه فقال: يا بُنيّ، أمالي طاعةٌ؟ قال: بلى، طاعتان: طاعةُ الوالد، وطاعةُ الخلافة، فقال: باللَّه وبحقّي عليك، هل كنتَ ضيفًا لنُسَيْكةَ اليهودي، فشربتَ عنده الخمرَ، وواقعتَ امرأةً في وقت كذا؟ فقال: يا أبة، قد كان ذلك وأنا تائبٌ، فقال عمر: التوبةُ رأسُ مال المذنبين، وقبض عمرُ على يده،

стр. 2174

ولبَّبه، وجرَّه إلى المسجدِ، فقال: يا أبة، لا تفضَحْني على رؤوسِ الناس، اقتُلني هاهُنا، فقال: أما سمعتَ قول اللَّه تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]. ثمَّ جاء به إلى المسجد، وأمر غُلامًا له يُقال له: أَفْلَح فقال: انزع ثيابَه، وافعل ما آمرُك به، اضربه مئةَ سوطٍ، ولا تُقَصِّر في ضَرْبهِ، فبكى أفلحُ، وقال: ليتني لم تَلدْني أمي؛ حيثُ أُكلَّف ضَرْبَ ولدِ سيدي، فقال: اضربْه، وضجَّ الناسُ بالبكاء والنَّحيب، وجعل الغُلامُ يقول: يا أبة، ارحمني، وعمرُ يبكي ويقول: يرحمُك ربُّك، فلما ضربه السَّوط الأوَّل قال الغلامُ: بسمِ اللَّه، فقال عمرُ: نِعمَ الاسمُ سَمَّيتَ، فلما ضربه ثانيًا قال الغُلام: ما أمرَّه، فقال عمر: اصبر كما عصيتَ، فلما ضربه ثالثًا قال: الأمان الأمان، فقال عمر: ربُّكَ يُعطيك الأمان، فلما ضربه رابعًا قال: واغَوْثاه، فقال عمر: الغَوْثُ عند الشِّدَّة، فلما ضربه خمسًا قال: الحمدُ للَّه، فقال عمر: حمدُ اللَّهِ واجبٌ، فلما ضربه عشرًا قال: يا أبة، قتلتَني، قال: ذنبُك قتلك، فلما ضربه ثلاثين قال: أحرقتَ قلبي، فقال عمر: النارُ أشدُّ حرًّا، فلما ضربه أربعين قال: يا أبة، دَعْني أذهب على وجهي، فقال عمرُ: يا بنيّ، إذا أخذتُ حدَّ اللَّهِ منك فاذهبْ حيثُ شئتَ، فلما ضربه خمسين قال: أنشدكَ بالقُرآن لمَا خَلَّيتَني، فقال: يا بُنيّ، هلّا وعظكَ القُرآنُ [وزَجَرك] عن المعاصي؟ فلما ضربه ستين قال: يا أبة، أغِثني، قال: إنَّ أهل النار إذا استغاثوا لم يُغاثوا، فلما ضربه سبعين قال: يا أبة، اسقِني شربةً من ماءٍ، قال: [يا] بُنيّ، إن كان ربُّك يطهرك فيسقيك محمد ﷺ شربةً لا تظمأُ بعدها أبدًا، فلما ضربه ثمانين قال: يا أبة، السلام عليك، فقال: يا بُنيَّ، إذا لقيتَ محمَّدًا ﷺ فأقرئه عني السلام، وقُل له: خَلفتُ عمر يقرأُ القُرآنَ ويُقيمُ الحدود، فلما ضربه تسعين ضَعُفَ وانقطع كلامُه، فوثب أصحابُ رسول اللَّه من كلِّ جانبٍ وقالوا: يا أميرَ المؤمنين، أخِّر ما بقي إلى وَقْتٍ آخر، فقال عمر: كما لم تُؤخَّر المعصيةُ لا تُؤخَّر العقوبةُ، وبلغ أمّ الغُلام فجاءت صارخة تقول: يا عمرُ، أحجُّ بكل سوطٍ حجَّة ماشيةً، وأتصدَّقُ بكذا وكذا درهمًا، فقال عمر: إن الحجَّ والصدقة لا تَنوبان عن الحدِّ، فضربه مئةً فمات الغُلامُ، فجعل عمرُ رأسَه في حِجره، وجعل يبكي ويقول: بأبي مَن قتله الحقُّ، بأبي مَن لم يَرحمه أبوه ولا أقاربُه، وضجَّ الناسُ بالبكاء والنحيبِ، وجاء حُذيفةُ بن اليمان

стр. 2175

بعد ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، رأيتُ الغلام في المنام وعليه حُلَّتان خضراوان، وهو مع رسول اللَّه ﷺ ، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : يا حُذيفة، اقرأ على عمر مني السلام، وقيل: هكذا أمرك ربُّكَ أن تقرأ القُرآن وتُقيمَ الحدود. وقال الغُلامُ: قل لأبي: طهَّركَ اللَّهُ كما طهَّرتني (١). وهذه روايةُ مجاهدٍ عن ابن عباسٍ اختصرتُها. وذكر الزبيرُ بن بكارٍ أن عبد الرحمن الأوسط من أولاد عمر كان يُكنى أَبا شَحمة، وعبدُ الرحمن هذا كان بمصر، خرج غازيًا، فاتَّفق أنه شرب نبيذًا، فسَكِرَ، فجاء إلى عمرو بن العاص فقال له: أقم عليَّ الحدَّ، فامتنع، فقال له: إني أُخبرُ أبي إذا قدمتُ عليه، فضربه عمرو الحدَّ في داره، ولم يُخْرِجْه، وبلغ عمر، فكتبَ إلى عمرو يلومُه في مراقبته لعبد الرحمن ويقول له: ألا فعلتَ به ما تفعلُ بجميع المسلمين؟ فلما قدِم على عمر ضربه، واتفق أنه مرض فمات. قال جدي: هذا الذي ذكره ابن سعدٍ في الطبقات وغيرُهُ. ويحتمل أنه شرب النَّبيذ متأوِّلًا، فسكر من غير اختيار، وأنَّ عمر ضربه ضَرْبَ تأديبٍ، لا ضربَ حدٍ، ومرض لسببٍ آخر، ومات لا من الضَّرْبِ. ثمَّ قال: [وفي] الإسناد الأوَّلِ مجهولٌ (٢). وفيها ولّى عمر النعمان بن عَديّ بن نَضْلة العدويّ دُسْتَ مِيسان، وعديّ أبو النعمان أوَّلُ مَن هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، ومات بها، وورثه النعمان، وهو أول ميراثٍ في الإِسلام. وكان النعمان شاعرًا، ولما ولي دُسْت مِيسان قال: [من الطويل] ألا هل أتى الحسناءَ أن خَليلَها … بميسان يُسقى في زجاجٍ مُخَتَّمِ إذا شئتُ غَنَّتْني دَهاقينُ قريةٍ … وصنَّاجةٍ تَجثو على كلِّ مَبْسِمِ فإن كنتَ نَدماني فبالأكبر اسقني … ولا تَسقني بالأصغرِ المتثَلِّمِ لعل أمير المؤمنين يَسُوءُه … تنادُمُنا في الجَوْسَقِ المتهدِّمِ فبلغ عمر ذلك، فقال: إي واللَّه إنني ليَسُوءني ذلك، ثم عزله، فقدم عليه فقال: يا
следующие страницы →