ابنَ مسعود، والصلاةَ المغيرة بنَ شُعبة، وكان مجاشعٌ بناحية الفُراتِ، والمغيرةُ بالبصرةِ، وقال له عتبةُ: إذا قَدِم مجاشع فهو الأمير.
وكان بنواحي العراق مَرزبان عظيم يقال له: الفلتان (١). فلما قَفل عُتبةُ عن البصرةِ سار الفلتان إليها في جمع عظيمٍ من الفُرسِ، قبل وصول مجاشعٍ، فخرج إليه المغيرةُ، فهزمه وغَنِم عسكرَه، وكتب إلى عمر بالفتح، فقال عمر لعُتبة وقد اجتمعا بمكَّة: مَن استعملتَ على البصرة؟ فقال: مجاشعًا، فقال له عمر: أتستعملُ رجلًا من أهل الوَبر على أهلِ المدَر؟ أهل علمتَ ما جرى؟ وأخبره الخبر، فلما قضى مناسِكَه قال له عمر: ارجع إلى عملِكَ، فسار من مكة يُريدُ البصرة، حتى إذا كان بالفَرَعِ -وقيل بالمعدِن- وَقَصَتْ به ناقتُه فمات، وسنذكره في آخر السنة.
فصل: وفي هذه السنة أقام عمر التّراويحَ للناس، وأمرهم بها في المساجد في شهر رمضان بمجمعٍ من الصحابة.
وقد ذكرنا أن رسول اللَّه ﷺ صلّى في رمضان ثلاث ليالٍ أو أربعَ ليالٍ ركعتين بعد العشاء، ثم امتنع وقال: "خشيتُ أن تُكْتَب عليكم" (٢).
وتُوفي رسولُ اللَّه ﷺ والأمرُ على ذلك، وكذا خلافةُ أبي بكرٍ، وصدر من خلافة عمر، فحكى البخاري (٣)، عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجتُ مع عمر بن الخطاب ليلةً إلى المسجدِ، فإذا الناسُ أَوزاعٌ متفرّقون، يُصلّي الرجلُ لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلي بصلاتهِ الرَّهطُ، فقال عمر: لو جَمعتُ هؤلاء على قارئٍ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أُبيّ بن كعب.
قال: ثم خَرجتُ معه ليلةً أُخرى والناس يُصلّون بصلاةِ قارئهم، فقال عمر: نِعم البدعةُ هذه، والتي ينامون عنها أفضلُ من التي يقومون، يُريدُ آخِرَ الليل، وكان الناس يقومون أوَّله.
وكتب عمر إلى الأمصار بإقامةِ التَّراويح.
стр. 2172
قلت (١): وقد ادّعى قومٌ أن عمر ﵁ فعل شيئًا لم يَفعلْه رسولُ اللَّه ﷺ ، ولا أبو بكر، وقد سمَّاها بِدعةً، والصحابةُ لم يُنكروا عليه خوفًا منه.
والجواب أنَّ النبي ﷺ قد بيَّن السببَ الذي امتنع من صَلاةِ التراويحِ لأجله؛ وهو مخافة أن تكتبَ علينا، وبعد انسداد باب الوحي زال هذا المعنى، وقد كانوا يُصلُّون مُتفرِّقين، فجمعهم على إمامٍ واحدٍ.
وأما البدعةُ فبدعتان: مكروهةٌ ومستحبَّة، فالمكروهةُ ما ليس لها أصل في الشرع وتلك هي الضلالة، والمستحبَّةُ ما لها أصل في الشرع، وقال ﷺ : "الصلاة خيرٌ موضوع" (٢).
وأما الصحابة فقد استمروا بعد موته عليها، وكان عليٌّ إذا مرّ ليالي رمضان فرأى القناديل تزهرُ، وسمع القُرَّاء يقرؤون قال: نوَّرَ اللَّه قبر مَن نوَّر علينا مساجدَنا (٣).
فإن قيل: فلم كانت التراويحُ عشرين ركعةً؟ قلنا: لأنهم وزَّعوا القرآن عليها في ذلك الوقت؟ ليكون الختمُ في آخر الشهر.
فصل: وفيها جلد عمر بنُ الخطاب ولده عبد الرحمن في شرابٍ شربه، وكان عمرو بنُ العاص قد جلده قبل ذلك بمصر، وبلغ عمر، فكتب إلى عمرو بن العاص أن يَبعث به إليه، فبعث به إليه، فحدَّه عمر ثانيًا لأجل مكانه منه، فأقام شهرًا ومات، فكانوا يَرون أنَّه مات من جَلْد عمر إيّاه.
وقد اختلفوا في اسم المضروب، فقال الطبري (٤): هو عبيد اللَّه بن عمر، وقال غيره: هو أبو شَحْمة.
وقد أخرج جدّي ﵀ في آخر كتاب "الموضوعات" حديثًا طويلًا في جلد عمر ولده، فقال بإسناده عن سعيد بن مسروق قال: كانت امرأةٌ تدخلُ منزل عمر، ومعها صبيٌّ، فقال لها عمر: مَن هذا الصبيُّ معك؟ فقالت: هو ابنُك، وقع عليَّ أبو
стр. 2173
شَحمة فهو ابنُه، قال: فأرسل إليه عمر فأقرَّ، فقال لعلي: اجلِده، فضربه عليٌّ خمسين، وضربه عمر خمسين، فقال لعمر: يا أبة قتلتَني، فقال: إذا لقيت ربَّك فأخبره أن أباك يُقيمُ الحدود. ثم قال جدي: هذا حديثٌ موضوع، وضعه القُصّاص فأَبدؤوا فيه وأعادوا، وشرحوا فأطالوا (١).
ثم أخرجه جدي من طرقِ: أحدها عن سعيد بن مسروق، ومجاهد عن ابن عباس، وعبد القدوس بن الحجاج. فأما طريقُ سعيد بن مسروقٍ فقد ذكرناه.
وأما طريقُ مجاهد عن ابن عباس، فقال مجاهد: تذاكر الناسُ فضلَ أبي بكرٍ وعمر في مجلس ابن عباس، فبكى ابنُ عباسٍ وقال: رحم اللَّهُ رجلًا لم تأخذْه في اللَّه لومةُ لائم، أقام الحدود كما أُمر، لم يَزدجر عن قريبِ لقرابتهِ، ولم يَحِف على البعيد لبُعدِه، ولقد أقام الحدَّ على ولدهِ حتى قتله.
بينما أنا عنده ذات يوم ونحن بالمسجد، إذا بجاريةِ قد أقبلت تتخطّى رقاب المهاجرين والأنصار، ومعها ولدٌ تحملُه، فقالت: السلامُ عليك يا أمير المؤمنين، خذ هذا الولدَ فأنت أحقُّ به مني. قال: ومن أين؟ قالت: هو ولدُ ولدِك أبي شَحْمة؛ مررتُ في بعضِ الأيّام لحاجتي عند حائط لبني النّجار، فإذا بصائحِ يَصيح من ورائي، فالتفتُّ فإذا بابنك أبي شحمة يتمايل سُكْرًا، وكان قد شرب عند نُسَيكةَ اليهوديِّ، فجرَّني إلى الحائط، وتوعَّدني فأُغمي عليَّ، فما أفقتُ إلا وقد نال مني ما ينالُ الرجلُ من امرأته، ثمَّ كتمتُ أمري عن أهلي، وإذا بي حاملٌ، فوضعتُ هذا الغُلام، فأردتُ قتلَه ثم نَدمتُ، وقد أتيتُك به، فاحكُم بيني وبين ولدِك بحكم اللَّه.
فأمر عمرُ مُناديه فنادى: يا معاشر المهاجرين والأنصار، فأقبلوا مُسْرِعين، فقام وأتى بيتَ أبي شَحمة وأنا معه، فدخل عليه فقال: يا بُنيّ، أمالي طاعةٌ؟ قال: بلى، طاعتان: طاعةُ الوالد، وطاعةُ الخلافة، فقال: باللَّه وبحقّي عليك، هل كنتَ ضيفًا لنُسَيْكةَ اليهودي، فشربتَ عنده الخمرَ، وواقعتَ امرأةً في وقت كذا؟ فقال: يا أبة، قد كان ذلك وأنا تائبٌ، فقال عمر: التوبةُ رأسُ مال المذنبين، وقبض عمرُ على يده،
стр. 2174
ولبَّبه، وجرَّه إلى المسجدِ، فقال: يا أبة، لا تفضَحْني على رؤوسِ الناس، اقتُلني هاهُنا، فقال: أما سمعتَ قول اللَّه تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
ثمَّ جاء به إلى المسجد، وأمر غُلامًا له يُقال له: أَفْلَح فقال: انزع ثيابَه، وافعل ما آمرُك به، اضربه مئةَ سوطٍ، ولا تُقَصِّر في ضَرْبهِ، فبكى أفلحُ، وقال: ليتني لم تَلدْني أمي؛ حيثُ أُكلَّف ضَرْبَ ولدِ سيدي، فقال: اضربْه، وضجَّ الناسُ بالبكاء والنَّحيب، وجعل الغُلامُ يقول: يا أبة، ارحمني، وعمرُ يبكي ويقول: يرحمُك ربُّك، فلما ضربه السَّوط الأوَّل قال الغلامُ: بسمِ اللَّه، فقال عمرُ: نِعمَ الاسمُ سَمَّيتَ، فلما ضربه ثانيًا قال الغُلام: ما أمرَّه، فقال عمر: اصبر كما عصيتَ، فلما ضربه ثالثًا قال: الأمان الأمان، فقال عمر: ربُّكَ يُعطيك الأمان، فلما ضربه رابعًا قال: واغَوْثاه، فقال عمر: الغَوْثُ عند الشِّدَّة، فلما ضربه خمسًا قال: الحمدُ للَّه، فقال عمر: حمدُ اللَّهِ واجبٌ، فلما ضربه عشرًا قال: يا أبة، قتلتَني، قال: ذنبُك قتلك، فلما ضربه ثلاثين قال: أحرقتَ قلبي، فقال عمر: النارُ أشدُّ حرًّا، فلما ضربه أربعين قال: يا أبة، دَعْني أذهب على وجهي، فقال عمرُ: يا بنيّ، إذا أخذتُ حدَّ اللَّهِ منك فاذهبْ حيثُ شئتَ، فلما ضربه خمسين قال: أنشدكَ بالقُرآن لمَا خَلَّيتَني، فقال: يا بُنيّ، هلّا وعظكَ القُرآنُ [وزَجَرك] عن المعاصي؟ فلما ضربه ستين قال: يا أبة، أغِثني، قال: إنَّ أهل النار إذا استغاثوا لم يُغاثوا، فلما ضربه سبعين قال: يا أبة، اسقِني شربةً من ماءٍ، قال: [يا] بُنيّ، إن كان ربُّك يطهرك فيسقيك محمد ﷺ شربةً لا تظمأُ بعدها أبدًا، فلما ضربه ثمانين قال: يا أبة، السلام عليك، فقال: يا بُنيَّ، إذا لقيتَ محمَّدًا ﷺ فأقرئه عني السلام، وقُل له: خَلفتُ عمر يقرأُ القُرآنَ ويُقيمُ الحدود، فلما ضربه تسعين ضَعُفَ وانقطع كلامُه، فوثب أصحابُ رسول اللَّه من كلِّ جانبٍ وقالوا: يا أميرَ المؤمنين، أخِّر ما بقي إلى وَقْتٍ آخر، فقال عمر: كما لم تُؤخَّر المعصيةُ لا تُؤخَّر العقوبةُ، وبلغ أمّ الغُلام فجاءت صارخة تقول: يا عمرُ، أحجُّ بكل سوطٍ حجَّة ماشيةً، وأتصدَّقُ بكذا وكذا درهمًا، فقال عمر: إن الحجَّ والصدقة لا تَنوبان عن الحدِّ، فضربه مئةً فمات الغُلامُ، فجعل عمرُ رأسَه في حِجره، وجعل يبكي ويقول: بأبي مَن قتله الحقُّ، بأبي مَن لم يَرحمه أبوه ولا أقاربُه، وضجَّ الناسُ بالبكاء والنحيبِ، وجاء حُذيفةُ بن اليمان
стр. 2175
بعد ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، رأيتُ الغلام في المنام وعليه حُلَّتان خضراوان، وهو مع رسول اللَّه ﷺ ، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : يا حُذيفة، اقرأ على عمر مني السلام، وقيل: هكذا أمرك ربُّكَ أن تقرأ القُرآن وتُقيمَ الحدود. وقال الغُلامُ: قل لأبي: طهَّركَ اللَّهُ كما طهَّرتني (١). وهذه روايةُ مجاهدٍ عن ابن عباسٍ اختصرتُها.
وذكر الزبيرُ بن بكارٍ أن عبد الرحمن الأوسط من أولاد عمر كان يُكنى أَبا شَحمة، وعبدُ الرحمن هذا كان بمصر، خرج غازيًا، فاتَّفق أنه شرب نبيذًا، فسَكِرَ، فجاء إلى عمرو بن العاص فقال له: أقم عليَّ الحدَّ، فامتنع، فقال له: إني أُخبرُ أبي إذا قدمتُ عليه، فضربه عمرو الحدَّ في داره، ولم يُخْرِجْه، وبلغ عمر، فكتبَ إلى عمرو يلومُه في مراقبته لعبد الرحمن ويقول له: ألا فعلتَ به ما تفعلُ بجميع المسلمين؟ فلما قدِم على عمر ضربه، واتفق أنه مرض فمات.
قال جدي: هذا الذي ذكره ابن سعدٍ في الطبقات وغيرُهُ. ويحتمل أنه شرب النَّبيذ متأوِّلًا، فسكر من غير اختيار، وأنَّ عمر ضربه ضَرْبَ تأديبٍ، لا ضربَ حدٍ، ومرض لسببٍ آخر، ومات لا من الضَّرْبِ. ثمَّ قال: [وفي] الإسناد الأوَّلِ مجهولٌ (٢).
وفيها ولّى عمر النعمان بن عَديّ بن نَضْلة العدويّ دُسْتَ مِيسان، وعديّ أبو النعمان أوَّلُ مَن هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، ومات بها، وورثه النعمان، وهو أول ميراثٍ في الإِسلام.
وكان النعمان شاعرًا، ولما ولي دُسْت مِيسان قال: [من الطويل]
ألا هل أتى الحسناءَ أن خَليلَها … بميسان يُسقى في زجاجٍ مُخَتَّمِ
إذا شئتُ غَنَّتْني دَهاقينُ قريةٍ … وصنَّاجةٍ تَجثو على كلِّ مَبْسِمِ
فإن كنتَ نَدماني فبالأكبر اسقني … ولا تَسقني بالأصغرِ المتثَلِّمِ
لعل أمير المؤمنين يَسُوءُه … تنادُمُنا في الجَوْسَقِ المتهدِّمِ
فبلغ عمر ذلك، فقال: إي واللَّه إنني ليَسُوءني ذلك، ثم عزله، فقدم عليه فقال: يا
стр. 2176
أمير المؤمنين، واللَّه ما شربتُها قطّ، وإنما أنا شاعر فقلتُ، فقال: على ذلك، واللَّه لا تلي لي ولايةً أبدًا (١).
فصل وفيها توفي
الحارث بن قيس
ابن خالد بن مخلد الأنصاري، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العقبة مع السبعين، وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، وشهد اليمامة مع خالد بن الوليد، فجُرح، وبرئ، ثم انتَقض جُرحُه في هذه السنة فمات، يُعدُّ من شهداء اليمامة، وكنيتُه أبو خالد (٢).
زياد بن لبيد
ابن ثعلبة بن [سنان] عامر بن عَديّ، أبو عبد اللَّه، من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العقبة مع السبعين، وخرج من المدينة، فقدم على رسول اللَّه ﷺ مكة، ثم هاجر معه إلى المدينة، ولما أسلم كان يكسر أصنامَ بني بَيَاضة، شهد بدرًا وأُحدًا والخندقَ والمشاهدَ كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، واستعمله على حَضْرَ موت، فلما توفي رسول اللَّه ﷺ ، وارتدت العرب، قاتلَ كِندة وحِصنَ النُّجير وفيه الأشعث بن قيس. وقد ذكرناه في قتال أهل الردة (٣)، وزياد (٤) له صُحبة ورواية (٥).
فصل وفيها توفي
عُتبة بن غَزوان
ابن جابر بن وَهب المازني، أبو عبد اللَّه، وقيل أبو غزوان، وهو من الطبقة الأولى
стр. 2177
من المهاجرين، من حُلفاءِ نوفل بن عبد مناف بن قُصيّ، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشةِ المرة الثَّانية، وكان من الرُّماة المذكورين، وهاجر إلى المدينةِ وهو ابن أربعين سنة فنزل على عبد اللَّه بن سَلمةَ (١) العَجْلاني، وآخى رسولُ اللَّه ﷺ بينه وبين أبي دُجانة، وكان خَطيبًا فصيحًا.
وقال ابن سعد عن الواقدي: هو الذي اختطَّ البصرة -وكانت قبل ذلك الأُبُلّة- وبنى المسجد بقَصَب، وولَّاه عمرُ البَصرة، فأقام عليها ستَة أشهر، ثم حجَّ واعتمر، واجتمع بعمرَ فردَّه واليًا على حاله، مات بطريق البصرة بمرضِ البطن، وهو ابن سبع أو خمس وخمسينَ سنة (٢).
واختلفوا في أيِّ سنةٍ مات على أقوالٍ: أحدُها في هذه السنة، ذكره المدائني. والثاني في سنة سبع عشرة، حكاه ابنُ سعدٍ عن الواقدي. قال: أصابه بطنٌ فمات بمعدِنِ بني سُلَيم (٣). وقول المدائني أَظهر.
وليس في الصَّحَابَة من اسمُه عتبةُ بن غزوان غيره (٤).
وقد روى عن رسول اللَّه ﷺ الحديث، فقال الإمامُ أحمدُ: حدثنا ابن أَسَد، حدثنا سُليمان بنُ المغيرة، حدثنا حُميد بنُ هلال، عن خالد بن عُمير قال: خطب عُتْبةُ بن غزوان -أو خطبنا- فحَمِد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: أمَّا بعد، فإنَّ الدُّنيا قد آذنتْ بصُرْمٍ، وولَّت حذَّاءَ، لم يَبقَ منها إلَّا صُبابةٌ كصُبابةِ الإناء، يَتصابُّها صاحبُها، وأنتُم مُنتقلوَن منها إلى دارٍ لا زوال لها، فانتقلوا بخيرٍ؛ فإنَّه قد ذُكِرَ لنا أنَّ الحَجر يُلقى من شفيرِ جهنَّم، فيَهوي فيها سَبعين خريفًا ما يُدْرِكُ قَعْرَها، ولقد ذُكر لنا أنّ ما بين مِصْراعَي الجنَّةِ مسيرةُ أربعينَ عامًا، وليأتينَّ عليه يومٌ كَظِيظُ الزِّحام.
ولقد رأيتُني وأنا سابعُ سبعةٍ مع رسولِ اللَّه ﷺ ، ما لنا طعامٌ إلَّا ورقُ الشجرِ، حتَّى قَرِحَتْ أشداقُنا، ولقد التقطتُ بُرْدَة فشقَقْتُها بيني وبين سعد نِصفين، فاتَّزرَ بنِصفها، واتَّزرتُ بالنصفِ الآخر، وما أصبح مِنّا أحد إلَّا وهو أميرٌ على مِصرٍ من الأمصارِ،
стр. 2178
وإني أعوذُ باللَّه أن أكونَ في نفسي عظيمًا وعند اللَّه صغيرًا.
وإنَّها لم تكن نُبوَّةٌ قطّ إلَّا تناسَخَت، حتَّى تكونَ مُلْكًا، وستُجَرّبون الأُمراءَ بعدنا. انفرد بإخراجه مسلم (١). وليس لعتبةَ في الصحيح غيرُه.
ولما مات عتبةُ قَدِمَ غلامُه سُويد على عمر بتَرِكَته (٢).
وقال ابن سعد: كان لعُتبةَ مولى يقال له: خَبّاب، وكُنيتُه أبو يحيى، آخى رسولُ اللَّه ﷺ بينه وبين تميم مولى خِراش بن الصِّمَّةِ، وخَبَّاب من الطَّبقة الأولى من المهاجرين، شهد بدرًا وأُحدًا والخندق والمشاهدَ كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، وتُوفي سنة تسع عشرة بالمدينة، وصلّى عليه عمرُ، وهو ابن خمسين سنةً (٣).
وليس في الموالي مَن اسمُه خبَّابٌ غيرُه، وله صحبةٌ، وليس له روايةٌ.
فصل وفيها توفي
عثمان بن عامر
ابن عمرو بن كعب، أبو قُحافة، والد أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، وأمه قَيْلة بنت أَذَاة، من بني كعب بن لؤي.
وقد ذكرنا إسلامَه يومَ الفتح (٤)، وأن النبي ﷺ قال: "يَا أَبا بكر، هلّا تركتَ الشيخَ حتَّى أكون أنا الذي أمشي إليه".
وكان أبو قُحافة من عقلاء الناس، واستدلُّوا على عقله أن ابنَه لما وَلي الخلافة لم يكترث بذلك، ولا وَفَد عليه، ولا مَنَّ على النَّاس به، ولم يزل يُسمّيه عتيقًا، ويخاطب به ما ولي الخلافة إلى أن مات.
قال ابن قتيبة: وقدم أبو قُحافة المدينة (٥). وهو وهم منه، لاتفاق العلماء على أنه
стр. 2179
لم يزل مُقيمًا بمكة.
وكان أبو قُحافة قد أضرَّ، وكانت وفاتُه في المحرم في هذه السنة، وكان بينه وبين وفاة ابنه سبعةُ أشهر وستةُ أيام، وعاش سبعةً وتسعين سنة، وورث من ابنه أبي بكر السُّدس، فردّه في أولاد أبي بكر.
ذكْرُ أولاده: كان له أبو بكرٍ وعبد اللَّه وأمُّهما أمّ الخير سلمى. وأُمُّ فَرْوَة تزوَّجها الأشعثُ بن قيس.
وقال ابن قُتيبة: تزوَّج أمَّ فَرْوَة رجلٌ من الأزْدِ فولدت له جاريةً، ثم تزوَّجها تميم الداريّ، ثم الأشعثُ بنُ قيسٍ (١).
فولدت له محمَّدًا وإسحاقَ وجُمانةَ (٢) وقريبة.
وذكرها الشيخ الموفَّق في الأنساب، وقال: أسلمت وبايعت، وروتِ الحديثَ عن رسول اللَّه ﷺ ، قال: وفي بعض المغازي أن أَبا قُحافةَ قال لابنته يوم الفتح: خُذي بيدي، واصعدي بي إلى أبي قُبيس، ففعلت فقال لها: ما تَرَيْنَ؟ قالت: أرى سوادًا مُجتمعًا قال: تلك الخيلُ. [قالت]: وبين أيديها فارسٌ يُقبلُ ويُدبِرُ، فقال: ذاك الوازعُ -قال الجوهري: الوازعُ: الذي يتقدَّم الصفَّ فيُصلحُه، ويُقَدِّمُ ويُؤخِّرُ. قال: ويُسمَّى الكلبُ وازعًا؛ لأنَّه يكفّ الذئبَ عن الغنم (٣) - فقال: ما تَرين؟ قالت: قد انتشر السوادُ، فقال: أغارت الخيلُ، فالحقي بي المنزلَ، فنزلتْ فأدركتها الخيلُ قبل بلوغِ المنزلِ، فأخذ بعضُهم طَوْقًا كان في عُنُقِها، فلما فتح النبي ﷺ مكَّة قال أبو بكرٍ: أَنشُدُ اللَّه رجلًا أخذ طَوْقَ أختي إلَّا رَدَّه، فلم يُرَدَّ. فقال أبو بكر لأخته: احتسبي طَوْقَك، فإن الأمانةَ في الناسِ اليوم قليل (٤).
وليس في الصحابيات من يُكنى أمّ فَرْوة إلَّا هذه، وأمّ فروة أنصارية (٥).
стр. 2180
وذكرها ابن سعدٍ في طبقات النساء فقال: وأمُّها هند بنت نُفيل (١) بن بُجَيْر بن عبد ابن قُصيّ، زوَّجها أبو بكرٍ من الأشعثِ بن قيسٍ، فولدت له محمّدًا وإسحاق وإسماعيل وحبابة وقريبة. وقال: وكان لأبي قُحافةَ ابنةٌ تُسمّى قريبة، تزوّجها قيس بن سعد بن عُبادة بن دُليم، فلم تَلِدْ له شيئًا. قال: وأُمُّها هندُ بنتُ نُفيلٍ أَيضًا. وكان لأبي قُحافة ابنةٌ يُقال لها: أم عامر، وأمُّها هند بنت نُفَيل أَيضًا، تزوجها سعد بن أبي وقاص (٢)، فولدت له ضعيفة، وقيل: اسمها أم عاصم، وتُسمّى ضعيفة.
وليس في الصحابة مَن اسمُه عثمان بن عامر، ويُكنى أَبا قُحافة غيره. وليس له رواية، وإنما أسلم على يد رسول اللَّه ﷺ يوم الفتح.
وقال موسى بن عقبة (٣): ما نعلم أن أربعةً تناسلوا، ورأَوا رسول اللَّه ﷺ في نسق واحد، إلا عثمان بن عامر، وابنه أبو بكر، وابنه عبد الرحمن، وابنه محمد ويُكنى أَبا عتيق (٤).
عفراء بنت عُبيد
ابن ثعلبة الأنصاريّة، من بني النجار، وأمُّها الرعاة بنت عديّ بن سواد، نجارية أَيضًا، أسلمت وبايعت، وولدت سبع بنين مُسلمين، شهدوا بدرًا، تزوّجها الحارث بن رفاعة من بني النجار، فولدت له مُعاذًا ومُعوِّذًا، ثم طلَّقها، فقدمت مكة، فتزوجها كثير (٥) ابن عبد ياليل، فولدت له خالدًا وإياسًا وعاقلًا وعامرًا، ثم طلَّقها، فرجعت إلى المدينة، فراجعها الحارث بن رفاعة، فولدت له عوفًا، فأسلموا، وحضروا مع رسول اللَّه ﷺ بدرًا، فاستشهد معاذ ومعوذ وعاقل قبل يوم بدر، واستشهد خالد يوم الرَّجيع، وعامر يوم بئر معونة، وإياس يوم اليمامة، وانقرض نسلهم إلَّا عوف فإنه أعقب (٦).
стр. 2181
أبو سفيان بن الحارث
ابن عبد المطلب بن هاشم، ابنُ عم رسول اللَّه ﷺ .
واسمه المغيرة، وأمُّه غزيّة بنت قيس، وهي أمُّ نوفل بنت الحارث، وكان أبو سفيان ونوفل أخوان لأم وأبي، وربيعة وعبد اللَّه ابنا الحارث أخوان لأب وأم، وقيل: بل غزيّة أمُّ الكلّ.
وكان أبو سفيان أخا رسول اللَّه ﷺ من الرضاعة، أرضعته حليمةُ أيامًا، وكان تِربَ رسول اللَّه ﷺ وإلْفَه، فلما بُعث رسول اللَّه ﷺ نصب له العداوة، وهجاه، وهجا أصحابَه، وأقام عشرين سنة عدوًّا للَّه ورسوله والمؤمنين، لا يتخلَّف عن مَوضعٍ تسير فيه قريش لقتال رسول اللَّه ﷺ إلَّا وهو معهم، وإليه أشار حسان بن ثابت الأنصاري ﵁، يقول: [من الوافر]
هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنه … وعند اللَّه في ذاك الجزاءُ (١)
وأقام على ذلك حتى تحرك رسول اللَّه ﷺ لغَزاة الفتح، فألقى اللَّه الإِسلامَ في قلبه، قال: فقلتُ: قد ضرب الإِسلامُ بجِرانه، فمع مَن أكون، ولمن أصحب؟ فقلتُ لزوجتي ولولدي: تهيَّؤوا للخروج، فقد أظلَّ قُدوم محمد، فقالوا: قد آن لك أن تُبصرَ أن العرب والعجمَ قد اتَّبعت محمدًا، وأنت مُوضعٌ في عداوته، وكنتَ أولى الناس بنصره!
قال: فخرجتُ حتى نزلتُ الأَبواء، ومعي غُلامي مَذكور، وقد نزلت مُقَدِّمتُه الأبواء، وكان قد نذر دمي، فتنكّرتُ حتى طلع بركبه، فقَصدتُه من تلقاء وجهه، فأعرض عني، فتحوَّلتُ إلى الناحية الأخرى، فأعرض عني، فأخذني ما قَرُب وما بَعُد، وقلت: أنا مقتولٌ قبل أن أصلَ إليه، فأسلمتُ، وكنتُ أظنُ أن أصحابَه يَفرحون بإسلامي، وأنه يَسرُّه ذلك، فلما رأى النَّاس [إعراض رسول اللَّه ﷺ ] عني، أعرضوا جميعًا، وكان معي جعفر وعبد اللَّه ابن أبي أمية، أخو أمِّ سلمة زوج رسول اللَّه ﷺ ، وابن عمّة رسول اللَّه ﷺ ، فقالت له أمُّ سلمة: يَا رسول اللَّه، لا يكون ابن عمِّك، وأخي ابنُ عمتك (٢) أشقى النَّاس بك، فقال:
стр. 2182
أما ابنُ عمي فهو الذي هجاني وقال ما قال، وأما ابن عمتي فهو القائل: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠].
قال: ونظر إليّ عمر بن الخطاب، فأغرى بي رجلًا من الأنصار، يقال له نعمان بن الحارث، قال لي: يَا عدوَّ اللَّه، أَنْتَ الذي كنتَ تُؤذي رسولَ اللَّه ﷺ وأصحابَه، واستطال عليَّ حتى جعلني مثلَ الحَرَجَة (١)، والناسُ يُسرُّون بما يفعل بي، فدخلتُ على العباس، فقلتُ: يَا عمّ، قد كنتُ أرجو أن يَفرح رسول اللَّه ﷺ بإسلامي؛ لقَرابتي منه، وشرفي في قومي، وقد كان منه ما رأيتَ، فكلّمه فيّ ليَرضى عني، فقال: لا واللَّه لا أُكلِّمه فيك أبدًا بعد ما رأيتُ منه ما رأيت، إلَّا أن أرى وجهًا، إني أُجِلُّ رسول اللَّه ﷺ وأهابُه، قلت: فكُفَّ عني الرَّجل، فأرسل إليه: يَا نُعَيمان، إن أَبا سفيان ابنُ عمّ رسول اللَّه ﷺ وابن أخي، وإن يكن ساخطًا عليه فسَيرضى عنه، فكُفَّ عنه. قال: فبعد لأي ما كفَّ عني.
ولزمتُ بابَ رسول اللَّه ﷺ وهو يُعرض عنّي، فلم أزل كذلك حتى فتح مكة، وأنا لا أُفارقُه، ودخل عليه نساءُ بني عبد المطلب فرَقَّقْنَه عليَّ وقلن: برّك وعطفك، فنظر إليَّ نظرًا هو أَلينُ من ذلك، حتى خرج إلى هوازن وخرجتُ معه.
فلما لَقيناهم حملوا الحملةَ التي قال اللَّه تعالى فيها: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥].
وثبت رسول اللَّه ﷺ على بغلته المثل هباء، فاقتحمتُ عن فرسي، وبيدي السَّيف صَلْتًا قد كسرتُ جَفْنَه، واللَّه يَعلم أني أُريد الموتَ دونه، وهو ينظر إليّ، وقد أخذ العباس بلجام بَغلته، وأَخذتُ بالجانب الآخر، فقال للعباس: "مَن هذا؟ " قال: أخوك وابنُ عمك أبو سفيان، فقال: "أخي لعَمري"، فقال: يَا رسول اللَّه، ارضَ عنه، فقال: "قد فعلت"، قال: فأُقبِّلُ رجلَه في الرِّكاب، ثم هزم اللَّه القوم (٢).
وحَسُن إسلامُ أبي سفيان، وهاجر إلى المدينة، وأقام بها ملازمًا للمسجد، ناسكًا زاهدًا، وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج، وأقام لا يرفع طَرفه إلى النبي ﷺ
стр. 2183
حياءً منه، وكان من أماثل قريش.
وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من المهاجرين (١).
شهد مع رسول اللَّه ﷺ فتح مكة وحُنينًا والطائف، وكان رسول اللَّه ﷺ يقول بعد ذلك: "أخي وابنُ عمي وخيرُ أهلي، وقد أعقبني اللَّه من حمزة أَبا سفيان" وكان يُقال له: أسد اللَّه وأسد رسوله، وأطعمه بخيبر مئةَ وَسْق.
وله في رسول اللَّه ﷺ أشعار كثيرة، منها: قال: [من الطويل]
لَعمرك إني يوم أحملُ رايةً … لتَغْلِبَ خيلُ اللاتِ خيلَ محمدِ
لكا لمُدْلِجِ الحَيْران أظلمَ ليلُه … فهذا أوان اليوم أُهدى وأَهتدي
هَدانيَ هادٍ غير نفسي ودَلَّني … على اللَّه مَن طَرَّدْتُ كل مُطَرَّدِ
فقال رسول اللَّه ﷺ : "بل نحن طردناكم كلَّ مُطَرَّد" (٢).
وكان أبو سفيان يشبه رسول اللَّه ﷺ ، وقال يوم حنين: [من الطويل]
لقد علمتْ أفناء كعبٍ وعامرٍ … غداةَ حُنَين حين عمَّ التَّضَعْضُعُ
بأني أخو الهَيجاءِ أركبُ حدَّها … أمام رسول اللَّه لا أتَتَعْتَعُ
رجاءَ ثواب اللَّه واللَّه واسِعٌ … إليه تعالى كلُّ أمرٍ سيَرجِعُ (٣)
ولما احتضر بكى أهلُه، فقال: لا تَبكوا، فواللَّه ما تَنظَفتُ بخَطيئةٍ منذ أسلمتُ، أي: ما تلطَّختُ، وكان قد حجَّ، فحلق الحلاقُ رأسَه بمنى، وكان فيه ثُؤلول، فقطعه، فعاد إلى المدينة فمات منه، فكانوا يرون أنه شهيد، وذلك في سنة أربع عشرة، وصلَّى عليه عمر بن الخطاب، ودُفن في دار عقيل بن أبي طالب، وهو الذي حفر قبرَ نفسِه قبل موته بثلاثة أيام، وقيل: مات في سنة خمس عشرة، وقيل: في سنة عشرين، وقيل: بعد ذلك، والأوّل أَشهر.
ذكر أولاده: كان له من الولد جعفر، وأمُّه جُمانة بنت أبي طالب، شهد مع أَبيه
стр. 2184
الفتح وحُنينًا والطائف، ومات في أيام معاوية، وعبد اللَّه ويُكنى أَبا الهيجاء (١)، رأى رسول اللَّه ﷺ ، وروى عنه الحديث، فمن روايته عن النبي ﷺ : "ما قُدِّست أمَّةٌ لا يُؤخذُ لضعيفها حقّه من قويِّها غير مَتَتعتِع" (٢).
وقال البلاذري: جعفر وعبد اللَّه أمُّهما جُمانة، ولا عقبَ لهما (٣)، وجُمانة وحَفصة أمُّهما فغمة من بني دُهْمان، وقيل: إنها أمُّ أبي الهيجاء أَيضًا، وأمه وأم كلثوم لأم ولد (٤)، وقد انقرض عَقب أبي سفيان.
وقد أخرج ابن سعد حديثًا فقال: حدثنا يزيد بن هارون وعَفّان بن مُسلم قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عُروة، عن أَبيه، عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "أبو سفيان بن الحارث سَيِّدُ فِتيان أهلِ الجنة" (٥).
أم عُمارة (٦)
واختلفوا في اسمها، فقال ابن سعد: هي نَسيبة بنت كعب بن عمر وابن عوفٍ، من بني النجار، وكذا نسيها ابن ماكولا وعامة النُّسَّابِ (٧).
شهدت العقبة مع السَّبعين، وأسلمت وبايعت، وشهدت أُحدًا والحُديبيةَ وخيبرَ وحُنينًا وعمرة القضيَّة واليمامة.
стр. 2185
وقال ابن سعد: وأمُّها الرباب بنت عبد اللَّه بن حبيب، من الخَزْرَج، وهي أختُ عبد اللَّه بن كعب شهد بدرًا، وأختُ أبي ليلى عبد الرحمن بن كعب أحدِ البكَّائين لأبيهما وأمِّهما.
وتزوَّج أمَ عُمارة بنت كعب: زيدُ بن عاصم بن عمرو النّجاري، فولدت له عبدَ اللَّه وحبيبًا، صحبا رسولَ اللَّه ﷺ ، ثم خلف عليها غَزيّة بن عمرو بن عطيّة من بني النجار أَيضًا، فولدت له تميمًا وخولة.
وحكى ابنُ سعدٍ عن الواقدي قال: شهدت البَيعة ليلةَ العَقَبة، وبايعتْ مع القوم، وشهدت أُحدًا مع زوجها غَزيّة بن عمرو؛ لأنها تزوَّجت به أَيضًا، شهدت هي وابنَيْها، وخرجت معهم بشَنِّ في أول النهار، تُريدُ أن تَسقي الجرحى، فقاتلت يومئذٍ، وأبلت بلاءً حسنًا، وجُرِحت اثني عشر جُرحًا بين طعنةٍ برمحٍ أو ضربةٍ بسيفٍ.
قال: وقالت: لما انهزم المسلمون انحزْتُ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فجعلتُ أُباشر القتال بنفسي، وأذبُّ عن رسول اللَّه ﷺ بالسيف، وأرمي بالقوسِ حتى خَلَصَتْ إليَّ الجراحُ، وأقبل ابنُ قَميئة يُريد رسول اللَّه ﷺ ، فضربني هذه الضَّربة، وكان على عاتقِها ضربةٌ لها غورٌ أَجوفُ، قالت: ولقد ضربتُه ضربات، ولكن عدوَّ اللَّه كان عليه دِرعان (١).
وقال رسول اللَّه ﷺ : "لمَقَامُ نَسيبة بنت كعب اليوم خيرٌ من مقام فُلان وفلان، ما التفتُّ يَمينًا وشمالًا إلَّا رأيتُها تُقاتل دوني"، وجُرحت ثلاث عشرة جراحة، وضربها ابنُ قَميئة على عاتقها ضربةً فداوتها سنةً، ولما نادى منادي رسول اللَّه ﷺ إلى حَمْراء الأَسَد شَدَّت عليها ثيابَها، فما استطاعت من نَزْف الدَّم، فلما رجع رسول اللَّه ﷺ من الحمراء، ما وصل إلى بيته حتى أرسل إليها عبد اللَّه بن كعب يَسأل عنها، فرجع فأخبره بسلامتها فسُرَّ رسول اللَّه ﷺ بذلك.
وقال رسول اللَّه ﷺ يوم أُحد: "ومَن يُطيق ما تُطيقين يَا أمَّ عُمارة"، وكانت قد قتلتْ يوم أُحد جماعة.
стр. 2186
وقال رسول اللَّه ﷺ عنْ أم عُمارة وابنيها وزوجها لما وَلَّوا عنه يوم أُحد (١). "اللهمَّ اجعلهم رِفاقي في الجنة"، فقالت أمُّ عُمارة؟ ما أُبالي ما أصابني من الدنيا.
قال ضَمْرة بنُ سعيد: أُتي عمر بن الخطاب بمُروط، فكان فيها مِرْطٌ جيّد، فقال بعضهم: لو أرسلتَ به إلى صَفيَّة بنت أبي عُبيد، زوجة عبد اللَّه بن عمر، وذلك حِدْثانُ ما دخلتْ على ابن عمر، فقال: ابعثوا به إلى مَن هو أحق منها: أمّ عُمارة، سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول يومَ أُحد: "ما التفتّ يمينًا وشمالا إلَّا وأنا أَراها تُقاتل دوني" (٢).
وقال محمد بن يحيى بن حَبَّان: جُرحت أمّ عُمارة بأُحد اثني عشر جُرحًا، وقُطعت يدُها باليمامة، وجُرحت يوم إليمامة سوى يدها أحد عشر جُرحًا، فقدمت المدينة وبها الجراحات، فلقد رؤي أبو بكر وهو خليفة يَأتيها ويَسأل عنها، وابنُها حَبيب بن زيد الذي قطّعه مُسيلمة، وابنُها عبد اللَّه بن زيد قُتل يوم الحَرَّة (٣).
روت أمّ عُمارة الحديث عن رسول اللَّه ﷺ .
وقالت أمُّ عمارة: دخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ عائدًا، فقرَّبتُ إليه طَفَيْشَلةً (٤) وخُبزَ شعير، قالت: فأصابَ منه وقال: تعالي كُلي، فقلت: يَا رسول اللَّه إنِّي صائمة فقال: "إن الصائم إذا أُكلَ عنده لم يزلْ تصلي عليه الملائكةُ حتى يُفْرغَ من طعامِهِ" (٥).
نوفل بن الحارث
ابن عبد المطلب بن هاشم، ابنُ عمّ رسول اللَّه ﷺ ، وأمُّه غَزِيّة بنت قيس بن طَريف، فِهريّة، ونوفل من الطبقة الثانية من المهاجرين، وكُنيته أبو الحارث.
قال ابن الكلبي: إن قريشًا أخرجتْ مَن كان بمكة من بني هاشم مُكرَهين إلى بدر، فقال نوفل: [من الطويل]
стр. 2187
حرامٌ علينا حَربُ أحمدَ إنني … أرى أحمدًا منا قريبًا أواصِرُه
فإن تكُ فهِرٌ ألَّبتْ وتَجَمَّعتْ … عليه فإن اللَّه لا شكَّ ناصِرُه
فأُسِر يوم بدر، وحضر بين يدي رسول اللَّه ﷺ ، فقال له: "افْدِ نفْسَك"، قال: ليس لي مال، قال: "فأين رِماحُك التي بجُدَّة (١)؟ "، وكانت ألفَ رُمح لم يعلم بها أحد، فقال له: أشهدُ أنك رسول اللَّه، وفدى نفسه بها، ثم رجع إلى مكة، وأسلم، ثم هاجر بعد ذلك إلى المدينة هو والعبّاس أيام الخندق، وشهد فتح مكة ويومَ حُنين، وثبت مع رسول اللَّه ﷺ ، وكان عن يمينه، وأعان رسول اللَّه ﷺ بثلاثة آلاف رُمح.
وقال لما أسلم: [من الطويل]
إليكم إليكم إنني لستُ منكمُ … تَبَرَّأتُ من دين الشّيوخِ الأكابرِ
لعَمريَ ما ديني بشيءٍ أبيعُه … وما أنا إن أسلمتُ يومًا بكافرِ
شهدتُ على أن النبيَّ محمدًا … أتى بالهُدى من ربِّه بالبَصائِرِ
وإن رسولَ اللَّه يدعو إلى التُّقى … وإن رسولَ اللَّه ليس بشاعرِ
على ذاك أحيا ثم أُبعثُ مُوقِنًا … وأُثوى عليه مَيِّتًا في المقابرِ
ولما قدم نوفل والعباس على رسول اللَّه ﷺ المدينة آخى بينهما، وكانا شَريكَين في الجاهلية، مُتَفاوِضَين [في المال]، مُتَحابَّين مُتصافِيَيْن، وأَقطَعهما رسولُ اللَّه ﷺ بالمدينة منزِلَيْن متجاوِرَين.
وتوفي نوفل في سنة أربع عشرة بالمدينة بعد استخلاف عمر بسنة وثلاثةِ أشهر، وصلَّى عليه عمر، ومشى في جنازته، ودُفن بالبقيع، وتوفي قبل أخيه أبي سفيان بأربعة أشهر إلا ثلاثة عشر ليلة، وقيل: مات سنة خمس عشرة (٢).
ذكر أولاده: كان له من الولد الحارث وعبد اللَّه والمغيرة وسعيد وعبد الرحمن وربيعة.
فأما الحارث فكان رجلًا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، أسلم مع أَبيه، وصحب رسول اللَّه ﷺ وروى عنه، واستعمله رسول اللَّه ﷺ على بعض أعمال مكة، ووُلد له ولدٌ
стр. 2188
سمَّاه عبدَ اللَّه، فأتى به النبيَّ ﷺ ، فحنّكه بيده، ودعا له، وعبدُ اللَّه هو الذي يُلَقَّب بَبَّه.
وقال الواقدي: ولَّى أبو بكر وعمر وعثمان الحارث بن نوفل مكة، وتزوَّج دُرَّة بنت أبي لهب، وسكن المدينة، ثم انتقل إلى البصرة، واختطّ بها دارًا، ونزلها في ولاية عبد اللَّه بن عامر، ومات في آخر خلافة عثمان، وكان له أولاد، منهم: عبد اللَّه ومحمد الأكبر وربيعة وعبد الرحمن ورَمْلة وأم الزُّبير، وأم الجميع هند بنت أبي سفيان ابن حرب، وأمُّها أم عمرو بنت أمية.
فأما عبد اللَّه فسبب لقبه أن أمَّه كانت تُرقّصه وتقول: [من الرجز]
لأُنكِحَنّ بَبَّهْ
جاريةً خِدَبَّهْ
عَظيمةً كالقُبَّهْ
إذا بدتْ في نقبهْ
تَمشُط رأسَ لعبهْ
تحبُّ أهلَ الكَعبةْ
كريمةً في النِّسبهْ
مُكرَمَةً مُحَبَّهْ
قال عمرو بن دينار: قدم بَبَّة مكة، فجاء ابنَ عمر، فسلَّم عليه فلم يَبَشَّ به، فقال له: أما تعرفني؟ قال: بلى ألستَ بَبَّة، فشق عليه، وتضاحك القوم، ففَطِن ابنُ عمر، وقال: ليس هذا يَعيب الرجلَ الحادر يُقال له: بَبَّة (١).
وكان بَبَّة قد سفر بين الحسن ومُعاوية في الصُّلح، وسأل معاويةَ أن يُولِّيه فقال: لام ألف، فنزل عبد اللَّه البصرة مع أَبيه، فلما مات يزيد بن معاوية، ووثب أهل البصرة على عبيد اللَّه بن زياد واختفى، بايع أهلُ البصرة بَبَّة حتى يجتمعَ النَّاس على إمام، فأقام عليهم شهورًا، ثم قال: ولُّوا أمرَكم مَن شئتم، فأمَّروا عليهم عمر بن عبيد اللَّه بن معمر
стр. 2189
التَّيمي، وأقام بَبَّة بالبصرة إلى زمن الحجَّاج [ثم خرج مع عبد الرحمن بن الأشعث، فلما هُزم ابن الأشعث خاف بَبَّة الحَجَّاج]، فهرب إلى عُمان، فمات بها في سنة أربعٍ وثمانين، وهو شيخٌ كبير في أُذُنه ثِقل.
وكان لعبد اللَّه بَبَّة ولدٌ اسمُه عبد اللَّه، ويقال له: الأرجوان لحُسنه، وكنيتُه أبو يحيى، خرج مع سليمان بن عبد الملك إلى الحج، فقتلته السّموم وحرُّ الشَّمس بالأَبواء سنة تسعٍ وتسعين، فصلَّى عليه سُليمان، وحَزِن عليه.
وأما عبد اللَّه بن نوفل بن الحارث فوُلد على عهد رسول اللَّه ﷺ ، ولم يَحفظ عنه شيئًا، وكان يُشبه رسول اللَّه ﷺ ، ووَلي قضاءَ المدينة لمعاوية، ومروان واليًا على المدينة، وقال أبو هريرة: وهو أولُ قاضٍ رأيتُه في الإِسلام بها.
قال ابن سعد: وأهلُه ينكرون هذا، مات سنة أربعٍ وثمانين، وقيل في أيام مُعاوية.
وأما المغيرة بن نوفل فإنه وُلد على عهد رسول اللَّه ﷺ بمكة، وقيل لم يُدرك من حياة رسول اللَّه ﷺ سوى ستّ سنين، وكنيته أبو يحيى، وابنه يحيى من أُمامة بنت أبي العاص، وأمها زينب ﵍ بنتُ رسول اللَّه ﷺ كان قد تزوّجها بعد عليّ ﵁، وقيل إن عليًّا أوصاه أن يتزوَجها خوفًا لا يتزوَّجها معاوية.
روى المغيرة الحديث عن رسول اللَّه ﷺ ، وقيل: إنه لم يسمع منه، فحديثُه مُرسَل، وكان قاضيًا في زمن عثمان ﵁، ولما ضرب ابنُ مُلْجم عليًا كرم اللَّه وجهه، وخاف النَّاس منه، حمل عليه المغيرة بقَطيفة، فرمى بها عليه، واحتمله فضرب به الأرض، وقَعد على صدره، وأخذ السيفَ منه، ثم حمله إلى الحبس.
قال الواقدي: وولَّاه الحسن الكوفة، وسار إليه معاوية وهو عليها، وأعقب المغيرة أولادًا فُضلاء، فوُلد له عبد اللَّه بن المغيرة، وكُنيته أبو محمد، مات في أيام عمر بن عبد العزيز، وإسحاق بن المغيرة، وابنُه لوط بن إسحاق، كان عالمًا زاهدًا عابدًا فقيهًا، مات في أيام أبي جعفر المنصور، وابنُه محمد بن لوط كان عالمًا فقيهًا، مات في أيام أبي جعفر أَيضًا، وعبد الملك بن المغيرة بن نوفل، وُلد له يزيد بنُ عبد الملك، وكُنيته أبو خالد، كان فقيهًا فاضلًا.
стр. 2190
[وأما سعيد فكان فقيهًا]، وكانت له ابنةٌ اسمُها رُقَيَّة، تزوَّجت بكر بنَ حُصين، من بني عامر بن لُؤيّ، فقال لها عبد الملك: ترون أن تنكح المرأة عبدها فقالت: [من الرجز]
إن القُبورَ تنكح الأيامى … النّسوة الأرامل اليتامى
المرءُ لا تبقى له السُّلامى
وأما عبد الرحمن وربيعة ابنا نوفل فلا بقيةَ لهما.
وكان لنوفل بنات، منهن أمّ سعيد وأمّ المغيرة وأمّ حكيم وأم ظريبة بنت سعد بن أبي وقّاص (١).
ولنوفل عَقِبٌ كثير بالمدينة والبصرة وبغداد، وليس له رواية (٢).
هند بنت عُتبة
ابن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف. قال ابن سعد: وأُمُّها صفية بنت أُمية بن حارثة بن الأَوْقص بن مُرَّة، من بني سُلَيم (٣)، وأوَّل مَن تزوَّجها حفص بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم (٤)، فولدت له أبانًا.
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن عبد الملك بن نوفل بن مُساحق، شيخٍ من أهل المدينة من بني عامر بن لؤي قال: قالت هند لأبيها: إنِّي امرأةٌ قد ملكتُ أمري، فلا تُزوِّجْني رجلًا حتى تَعْرِضَه عليَّ. فقال لها: ذلك لك. ثم قال لها يومًا: إنَه قد خطبك رجلانِ من قومك، ولستُ مُسمِّيًا لك واحدًا منهما حتى أصفَه لك (٥).
стр. 2191
وحكى الرَّبيع عن الشافعي قال: كان عتبةُ قد زوَّج ابنتَه هندًا رجلًا من قريشٍ، فطلَّقها أو مات عنها، فقالت لأبيها: إنَّك زوَّجْتَني ولم تُشاورني، فإن عُدْتَ فشاورني، فخطبها أبو سفيان بن حربٍ وسُهيل بن عمرو، فقالت: صِفهما لي. فقال: أما سهيل فتقضين عليه في أهله وماله، وأما أبو سفيان فلا تُخالفينه إلَّا نهاك (١)، وكلاهما سيِّدان. فاختارت أَبا سفيان، وقالت: إن أتاني منه ولد يكن سيِّدًا، وإن أتاني ولدٌ من سُهيلٍ يكن (٢) أحمق. فتزوَّجها أبو سفيان فولدت له مُعاوية، وتزوَّج سهيلٌ امرأةً فولدت له ولدًا، فمرَّ عليه ذات يومٍ رجلٌ ومعه ناقةٌ وشاةٌ، فقال لأبيه سهيل: يَا أبه، هذه بنتُ هذه، فقال سُهيل: يرحمُ اللَّه هندًا.
ولم يذكر ابنُ سعد الفاكه في أزواجِ هند، ويقال: إن الفاكه [هو] حفص، والفاكه لقب (٣).
وذكر ابن عبد ربِّه في كتاب "العقد" وقال: كانت هند عند الفاكه بن المُغيرة المخزومي، وكان له بيتٌ للضيّافة يغشاه النَّاسُ فيه بغير إذن، فخلا ذلك البيتُ يومًا، فدخل الفاكهُ وهند فناما فيه وقت القائلةِ، فانتبه الفاكه وخرج لبعض حاجته، وجاء رجلٌ ممَّن كان يدخلُ بيت الضيافة، فدخل، فرأى هندًا نائمةً فولَّى هاربًا، وعاد الفاكه فرأى الرجل خارجًا، وهند نائمةٌ، فضربها برجله فانتبهت، فقال: من هذا الخارج من عندك؟ فقالت: واللَّه ما رأيتُ أحدًا، فقال لها: الحقي بأهلك، وخاض النَّاسُ في أمرها، فقال لها أبوها: أخبريني خبرك، فإن كان صادقًا دسستُ إليه مَن يقتلُه، فينقطع العارُ، وإن كان كاذبًا حاكمته إلى الكاهن، فقالت: واللَّه إنَّه لكاذِبٌ، فقال عتبةُ للفاكه: إنَّك قد رَميتَ بنتي ببُهتانٍ عظيمٍ، فإما أن تُبيّن، وإمَّا أن تُحاكمني إلى الكاهن، فقال: أُحاكمك.
فخرجا إلى الكاهن في جماعةٍ من أهلهما، فلما شارفوا بلادَ الكاهن تغيَّر وجهُ هند، فقال لها أبوها: هلا كان هذا قبل أن يَشتهر خُروجُنا بين النَّاس، فقالت: واللَّه ما ذاك لمكروهٍ [قبلي] ولكنكم تأتون بشرًا يُصيبُ ويُخطئُ، ولعله يُخطئ فيَسِمني بميسمٍ
стр. 2192
يَبقى على ألسنة العرب، فقال لها أبوها: صدقتِ، ولكني سأختبره لك، ثم صفر لمهره فبال وأدلى، فعمد إلى حَبَّةِ بُرٍّ، فتركها في إحليله وأوكى عليها، ثم نزلوا على الكاهن فأكرمهم، فقال له عُتبة: قد أتيناك في أمر وقد خبأت لك خبيئًا. فقال الكاهن: ثمرة في كَمَرة. فقال: أُريد أبينَ من هذا. فقال. حَبَّةُ بُرٍّ في إحليل مُهر. فقال: صدقتَ، فانظر في أمر هذه النسوة، وكان قد خَرج معها نسوة من بني عبد مناف -فجعل يَمسح على رأس كل واحدةٍ منهن ويقول: قومي لشأنِك، فلم يَبقَ غير هندٍ فقال: تقدمي ومسح على رأسها وقال: قومي غير رَسْحاء ولا زانية، وستلدين ملكًا يقال له معاوية. فقامت، فأخذ الفاكه بيدها، فنترتها منه، وقالت: واللَّه لأَجتهدنَّ أن يكون من غيرك، وفارقته، فتزوَّجها أبو سفيان، فولدت معاوية (١).
وقال الجوهري: الرسحاءُ -بسين وحاء مُهملتين- القليلةُ لحم العَجُز والفخذَين (٢).
قلت: وكانت هند على غير هذه الصفة، [ذكر قصتها الموفق] بغير هذه العبارة، وزاد فيها بأن قال: كانت هند امرأة حازمةً شاعرة، ذات نفسٍ وأَنَفةٍ، فيُروى أنها كانت قبل أبي سفيان عند الفاكه بن المغيرة، وكان من فتيان قُريشٍ، له مجلسٌ يأتيه فيه نُدماؤه، فيدخلون بغير استئذان، فدخلتْه هند يومًا وليس فيه أحدٌ، فنامت فيه، وجاء بعض نُدَماء الفاكه فدخل البيت فرآها نائمة فخرج، فلقيه الفاكهُ خارجًا، فدخل فوجدها نائمةً، فقذفها بالرجل، ثم خرجوا إلى الكاهن، فلما قربوا من الكاهن اصفرَّ لونُها، فقال لها أبوها: إن كنت قد ألممت بذنبٍ فأخبريني حتى أحل هذا الأمر قبل الفضيحة، وذكرها. وفيه: فضرب الكاهنُ بين كتفيها وقال: قومي حصانًا غير زانية (٣).
قال: ولما ولدت معاوية مر بها رجلٌ وهي ترقصه وهو صغير، فقال الرجلُ: إنِّي أراه سيسود قومَه، فقالت هند: ثكلتُه إن لم يَسُد غير قومه (٤).
стр. 2193
وقد ذكرنا أن هندًا أسلمت يوم الفتح وبايعت بعد إسلام زوجها أبي سفيان، وردَّها رسولُ اللَّه إما بنكاحٍ جديدٍ أو بالنكاح الأول على اختلاف الروايات. وذكرنا في غزاة الفتح أنها كَلَّمت رسول اللَّه ﷺ وقالت: أنا هند بنتُ عتبة، فقال: مرحبًا بك، وأنها قالت: يَا رسول اللَّه، إن أَبا سفيان رجلٌ شحيح، لا يُعطيني وولدي ما يكفيني، فقال: "خُذي من ماله ما يَكفيك وولدك بالمعروف" (١)، وأنها لما بايعت رسول اللَّه ﷺ وقال: "ولا تقتلن أولادَكن" قالت هند: أَنْتَ قتلتَهم (٢).
وقد أخرجه ابنُ سعدٍ عن عبيد اللَّه بن موسى، عن عمر بن أبي زائدة (٣)، عن الشعبي.
ولم يذكر ابن سعدٍ تاريخَ وفاتها، وذكره ابن إسحاق والزُّبير بن بكار والموفق في الأنساب فقال: تُوفّيت هند بنت عتبة في سنة أربع عشرة، في اليوم الذي تُوفّي فيه أبو قُحافة والد الصديق بمكة (٤).
وذكرها جدّي في "التلقيح" (٥) وقال: لما قال لها رسول اللَّه ﷺ : "ولا تقتلْنَ أولادكن" قالت (٦) له: وهل تركتَ لنا ولدًا إلا قتلتَه يوم بدر.
وفي الصحابيات جماعةٌ اسمُ كلِّ واحدة منهن هند، إحداهن هذه، وهند بنت أسيد ابن حُضَير، وهند بنت [أبي] أُميَّة وهي أم سلمة زوجةُ النبي ﷺ وهند خولانية امرأة بلال بن رباح، وهند بنت أوس بن شريق، وهند بنت أبي سفيان بن حرب وأمُّها صفية بنت أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس (٧).
стр. 2194
وقال الهيثم (١): حضرت هند مع زوجها أبي سفيان يوم اليرموك، وكان لها من الولد: معاويةُ وحنظلة ومحمد، قُتل حنظلة يوم بدرٍ. انتهت ترجمة هند (٢).
أم سَليط بنت عُبيد بن زياد
أنصاريّة، وهي أمُّ قيس أَيضًا، أسلمت وبايعت رسول اللَّه ﷺ ، وشهدت أُحدًا وحنينًا، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يَتعاهَدُها.
فأخرج البخاري عن عمر أنه قَسم مُروطًا بين نساء أهل المدينة، فبقي منها مِرطٌ جيّد، فقيل له: أعطِه لابنة رسول اللَّه ﷺ التي عندك -يُريدون أمَّ كلثوم بنت علي ﵄ فقال: أمُّ سَليط أحقُّ به منها، فإنَّها ممن بايع رسول اللَّه ﷺ ، وكانت تَزْفِرُ لنا القِربَ يوم أُحد، فبعث به إليها (٣).
* * *
стр. 2195
السنة الخامسة عشرة من الهجرة
وفيها كانت وقعةُ المرجِ بدمشق، جهَّز هِرَقْلُ بِطريقًا يُقال له: توذرا من عُظماء أصحابهِ، فنزل المرجَ، فخرج إليه يزيد بنُ أبي سفيان، فقتله واستباح الرومَ، وكان أبو عُبيدة وخالدٌ ﵄ قد أَوْغلا في بلاد الروم، فقتلا جمعًا من البطارقة، وهرب هِرَقْلُ إلى الرُّهاء، وجاء أبو عبيدة وخالد فنزلا حمص.
فصل في ذكر فتوح حمص
أقام عليها عسكر المسلمين مُدَّة، وكان بها جَمْعٌ عظيمٌ، واشتدّ عليهم الحصارُ، واتفق أنها زُلزلت، فوقعت دورٌ كثيرةٌ وقطعةٌ من سور البلد، فبادروا إلى الصُّلح، ولم يعلم أبو عبيدة بما حدث فيهم، فصالحهم على صلح دمشق، وكتب بالفتح إلى عمر، وبعث بالغنائم مع عبد اللَّه بن مسعود وقال له: أخبره بأن هرقل قطع الفُرات.
ذكر فتح حصن قِنَّسرين
كان على الحاضر بِطريقٌ يقال له: مساس في جمع، وكان مثل هرَقْلَ في عيونِ الروم، فنازله خالدٌ، فخرج إليه فاقتتلا، فقتله خالد وفتح حصن قِنَّسرين وأخربهُ، وصالح أهلها على صلح دمشق.
ذكر مسير هِرَقْلَ إلى القسطنطينية
لما عبر هِرَقْلُ إلى الفُرات جهَّز إليه أبو عبيدة الجيوش، فنازلوا الرُّهاء، فسار إلى سُمَيْساط، ثم تحمَّل إلى الروم، والتفت إلى الشَّام وقال: السلامُ عليك يَا سورية -يعني الشَّام- قد كنت (١) أُسلِّم عليك سلامَ مُوَدِّع، وهذا سلامُ مفارقٍ لا اجتماع بعده أبدًا، وهذا قولُ ابن إسحاق، وقال سيف: إنما خرج هرقل إلى القسطنطينية في سنة ست عشرة (٢).
стр. 2196
وفيها كتبَ عمر بن الخطَّاب إلى أبي عبيدة أن يُولّي معاوية بن أبي سفيان حرب قَيْسارية، ويولي عمرو بن العاص حرب إيلياء يعني بيت المقدس، وقال هشام: إنَّما وَليَ حربَ الساحل عمرو بن العاص (١).
وفيها جرت وقعةٌ أخرى بأجنادين. قال سيف وغيره: لما فتحت حمص وقِنَّسرين اجتمع عسكرُ الروم بأجنادين وقَيْساريّة وغزّة والسواحل، فجهَّز إليهم أبو عبيدة شُرَحبيل بن حَسَنة ومعاوية وعمرو بنَ العاص وعلقمة بن مُجَزِّز، وكان بأجنادين الأرطَبون من عظماء الروم، وبغزة القيقار عظيمٌ آخر، فنازل معاوية قيسارية، فخرجوا إليه مرارًا وهو يهزمهم، فيقال: إنه قتل منهم ثمانين ألفًا، ثم افتتحها، وكان الأرطبون ملكًا ذا رأي داهيةً، وهو نائب هرقل بالسواحل والقدس.
ومضى علقمة بن مجزز فنازل القيقار بغزة، والأرطبون نازلٌ بأجنادين، وعساكر المسلمين بإزائه، عليهم عمرو بن العاص لا يَقدرون على شيءٍ، وكان عمر قد استخلف أَبا الأعور السُّلَمي على الأردن، وجعل على مقدّمته شرحبيل بن حَسَنة، وعلى الميمنةِ ولده عبد اللَّه بن عمرو، وعلى الميسرة جُنادة بن تميم المالكي، فنازل أجنادين، والروم في الحصون قد خَندقوا عليهم، ورتَّب الأَرطبون العساكر بالرَّملة وإيلياء، فأقام عمرو مُدَّةً لا يقدرُ منهم على شيء، فسار (٢) فنزل على غزة، فبعث إليه عِلْجُها: أبعث إليّ رجلًا من أصحابك حتى أكلّمه، [ففكّر عمرو وقال: ما لهذا أحد غيري، فخرج حتى دخل على العِلْج فكلّمه، فسمع كلامًا لم يسمع مثلَه قط، فقال العِلج: حدِّثني هل في أصحابك أحدٌ] مثلُك (٣)، فقال: لا تسأل عن هواني عليهم إذ بَعثوني إليك، وعَرَّضوني لما عَرّضوني له، [ولا يَدرون ما تصنع بي] فأمر له بجائزةٍ وكُسوة، وأرسل إلى بوّابه: إذا مرَّ عليك فاقتُله وخُذْ ما معه، فمرّ عمرو برجلٍ من نصارى غَسّان فعَرفه، فقال: يَا عَمرو، قد أحسنتَ الدخول فأحسن الخروج، ففَطِن،
стр. 2197
فعاد إلى العِلج، فقال له: ما الذي رَدَّك؟ فقال: نظرتُ فيما أعطيتَني، فلم أجد ذلك يَسَعُ بني عميّ، وقد أردتُ أن آتيك بعشرةٍ منهم لتُعطيهم هذه العطيّة، فيكون معروفُك عند عشرة خيرًا [من أن يكون] عند واحد، فقال: صدقتَ، وأرسل إلى البوّاب: لا تقتلْه، وخرج، فلما صالح العِلْج بعد ذلك ودخل على عمرو قال له: أَنْتَ هو، قال: نعم على ما كان من غَدرِك، ولما بلغ ذلك عمر بنَ الخطاب رضوان اللَّه عليه أنكر على عمرو وقال: غَرَّرْتَ بنفسك فلا تَعُدْ، وقيل: إن الواقعة كانت لعلقمة بن مُجزّز (١).
وقال ابن الكلبي -وقد حكاه جدي في كتاب "الأذكياء"- إن الواقعة كانت مع القيقار صاحب غزَّة (٢).
وقال سيف (٣): ثم التقوا بأجنادين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وقُتل بينهم خلقٌ كثير، وهرب الأرطبون إلى إيلياء، وقيل: بل سار على حاميةٍ (٤) حتى نزل القدسَ بجموعه، ونزل عمرو بأجنادين، فأرسل إليه الأَرطبون: واللَّه لا تفتحُ بعد أجنادين من فلسطين شيئًا، فأرجع ولا تتعب، فإنَّ صاحب هذا الفتح رجل اسمه على ثلاثة أحرف، ففهم عمرو أنه عمر، فجمع الأمراءَ وأخبرهم، فقالوا: اكتب إلى أبي عُبيدة، فكتب إليه، وقيل: إن عَمرًا هو الذي كتب إلى عمر، فأخبره بما قال الأرطبون، فعزم عمر على الخروج إلى الشام، وكان في كتاب عمرو إلى عمر: إنَّ القوم قد وجدوا في كُتبهم صفتك، وقد اجتمع ببيت المقدس من الملوك والبطارقة والعظماء والعَدد والعُدد ما لا يدخُلُ تحت حد ولا حصر، فاقدُم لعلَّ اللَّه أن يَجعل هذا الفتح العظيم على يدك.
ذكر خروج عمر بن الخطاب إلى الشام المرة الأولى
وقد اختلفوا في صفة قُدومِه، قال علماء السير: وهذه أوَّلُ خَرْجةٍ خرجها في الإِسلام، أما في الجاهلية فقد خرج تاجرًا مرارًا ودخل دمشق. وقيل: إن خَرْجاته إلى
стр. 2198
الشام، فما وصل إلى دمشق (١).
قال سيف: ولما عزم على المسير قال له علي بن أبي طالب: أين تُريد بنفسك وبين يديك عدوٌّ كَلِبٌ؟! أقم ولا تُغرّر بنفسك، فقال: أبادرُ بجهاد العدوّ موتَ العباس (٢)، إنكم إن فقدتم العباس انتقض (٣) بكم الشرّ كما يُنتقض الحبْل، فمات العباس [لستّ خلون من إمارة عثمان] فانتقض بالنَّاس الشر (٤)، واستخلف على المدينة عليَّ بن أبي طالب، وكتب إلى أمراء الأجناد (٥) بالشام أن يَستخلفوا على أعمالهم، ويُوافوه بالجابية، فكان أوّل مَن لَقيه يزيدُ بن أبي سُفيان، ثم أبو عبيدة، ثم خالدُ بنُ الوليد.
قال الهيثم: وكان عليهم أَقبيةُ الدِّيباج والحرير، وهم على الخيول المسومة (٦)، فنزل عمر عن بعيره، وأخذ الحجارة، وجعل يرميهم بها، وقال: ويحكم إيّاي تَستقبلون بهذا؟ ما أسرع ما نسيتم، لقد كَثُرت فيكم البِطنة، وإنما شبعتُم منذ سنين، ولو فعلتموها على رأس المئة لاستبدلتُ بكم غيركم، فقالوا: يَا أمير المؤمنين، إن علينا السلاح، ونحنُ في مقابلة العدوِّ، فقال: نعم إذن.
ثم نزل الجابية فرآه رجلٌ من يهود دمشق، فقال: السلامُ عليك يَا فاروق، أَنْتَ واللَّه صاحبُ إيلياء، لا تَرجعُ عنها حتى تفتحها، فقال عمر: إن شاء اللَّهُ تعالى.
ذكر خطبة عمر بالجابية
قال أحمد بن حنبل بإسناده عن ابن عمر: إن عمر خطب بالجابية فقال: قام فينا رسولُ اللَّه ﷺ مَقامي فيكم فقال: "استوصوا بأصحابي خيرًا، ثم الذين يَلونهم، ثم
стр. 2199
الذين يَلونهم، ثم يَفشو الكذبُ، حتى إن الرجل ليَبتدئ بالشهادة قبل أن يُسألها، فمَن أراد بَحْبَحَة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطانَ مع الواحد، وهو من الاثنين أبعده لا يَخلُونَّ أحدُكم بامرأةٍ، فإن الشيطان ثالثُهما، ومَن سَرَّته حسنتُه وساءته سيئته فهو مؤمن" (١). هذا لفظُ المسند، وأما الخطبةُ فقد رواها ابن إسحاق والواقدي وهشام، وهي خطبةٌ طويلةٌ كثيرة الروايات، منها أنَّه قال بعد حمدِ اللَّه والثناء على رسولهِ: أيُّها النَّاسُ (٢)، أَصلحوا سرائركم تَصلح علانيتُكم، واعملوا لآخرتكم تُكفَوْا أمرَ دُنياكم، واعلموا أن رجلًا ليس بينه وبين آدم أبي لمعرِق في الموتى، سمعتُ حبيبي -وبكى وقال- رسول اللَّه ﷺ يقول. . . وذكر هذا الحديث (٣). وقال الواقدي: وجاءه أهلُ الجابية فصالحوه على الجزية.
حديث راهب دير العَدَس
روى زيدُ بن أسلم عن أَبيه قال: لما نزل الجابيةَ عمرُ، أتاه راهبُ دير العَدَس بكتابٍ فقال: أوفِ بشرطي، فلما رآه عجِب ووفى له، فقيل لعمر: ما هو؟ فقال: خرجتُ في الجاهلية إلى الشام، فدخلتُ دمشق ومعي تجارةٌ، فبينما أنا أمشي في بعض أسواقها إذا ببِطريقٍ قد قبض على يدي، وجاء بي إلى كنيسةٍ فيها تُراب كثير فقال: أخرجه، وجاءني بمِجرْفةٍ وزِنْبيل، قال: فوقفتُ مُتحيرًا في أمري لا أدري ما أصنع؟ وجاءني وقت الهاجرة فقال: ما أراك صنعتَ شيئًا، ولطمني في رأسي لطمةً هائلةً، فضربته بالمجرفة في رأسه فنثرتُ دماغَه، وحفرت له في التُّراب ودفنتُه، وخرجت من البلد لا أدري أين أذهب؟
فمشيتُ يومي وليلتي، فانتهيتُ إلى ديرٍ، فجلستُ تحت حائطه، وإذا بهذا الشيخ الراهب قد خرج من الباب، فصوَّب النَّظر فيَّ وقال: أرى عينك عينَ خائفٍ، ادخل. فدخلتُ فقدَّم إليَّ طعامًا، فأكلتُ، وهو يُصوِّبُ النظر ويُصعِّدهُ فيَّ، فقلت: مالك؟ فقال: أعلم أنه لم يَبق على وجه الأرض أعلمُ مني بالكتب السالفة، وإني أجد هذه
стр. 2200
الصفةَ في كُتبنا، وأنك تُخرجنا من هذه الأرض، فقلت: لقد ذهبتَ كلَّ مَذهب، وضَللتَ وما أَنْتَ إذًا من المهتدين، فقال: ما اسمُك؟ قلت: عمن، قال: أنت واللَّه صاحبُنا من غير شكّ، ثم أخرج إليَّ هذا الكتاب، وقال: اكتب لي على ديري وما فيه، فإن كنتَ ذاك فما يَضرُّك، فكتبتُ له، وختمتُ عليه، وزوَّدني طعامًا كثيرًا، ونفقةً وثيابًا، ودفع إلى أتانًا وقال: اركبها، فإنك لا تمرُّ بأهل دَيرٍ إلا أكرموك وعلفُوها وسقوها، فإذا بلغتَ مَأمنك فا ضرب وجهها مدبرة، فإنها ترجع إلي.
قال: فخرجتُ، فوجدتُ ما قال، ووجدتُ رِفقةً من أصحابي، فضربتُ وجهها فولَّت مُدبرةً، ثم أكرم الراهب، وكتب في كتابه:
وعليكم أن تُضيفوا المسلمين، وتقوموا بأمر المرضى وتدلوا الحائرين (١)، قال: نعم.
وقال طارق بن شهاب: لما قدم رضوان اللَّه عليه الشام تلقته (٢) الجنود وعليه إزارٌ وخُفَّان وعمامة، وهو آخذٌ برأس راحلته يخوض الماء، وقد نزع خُفَّيه ووضعهما (٣) تحت إبطيه، فقيل له: يَا أمير المُؤْمنين، الآن تَلقاك الجنود وبطارقةُ الشام وأنت على هذه الحال، فقال: إنا قوم أعزَّنا اللَّه بالإِسلام، فلا نطلب العزَّ بغيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعتَ اليوم صنيعًا عظيمًا عند الناس، فصكَّ عمر في صدره وقال: لو غيرك يقولها، ثم قال: ويحك يَا عامر، كنتم أذلَّ الناس وأقلَّهم وأحقرهم، فأعزَّكم اللَّه بالإِسلام، فمهما تَطلبون العِزَّ بغيره يُذلَّكم اللَّه. ثم جيء ببِرذونٍ، فقيل له: اركب هذا ليراك العُظماء، فقال: دعوني، وأشار بيده إلى السماء (٤)، ولم يركبه.
وقال زيد بن أسلم: لما خرجَ عمر إلى الشام سلك على طريق أَيلة، فلما قرب من الشام عمد إلى مَركب أسلم فركبه وعليه فَروٌ مقلوب، وحوَّل غلامَه إلى مركبه، وكان على جملٍ أحمر قد ارتدى بعمامته، وتحته حقيبة على فرو، والعباس بين يديه على
стр. 2201
فرس، وكان العباس وسيمًا جميلًا، فجعل البطارقةُ والعظماء يُسلمون على العباس، وهو يُشير إلى عمر، فيرجعون فيُسلّمون عليه، وسجد له جماعةٌ من القِسّيسين والرهبان فمنعهم وقال: لا ينبغي السجودُ إلا للَّه تعالى، وقالوا: ما رأينا أحدًا أشبه بأوصاف الحواريين من هذا الرجل (١).
وقال هشام: تلقّاه أهلُ الأديان والمقلِّسون بالسيوف والرَّيحان، فكره عمر النظر إليهم، وقال: ردُّوهم، فقال له أبو عبيدة: إنها سنة الأعاجم، فإن منعتَهم ظنوا في نفوسهم أنَّه نقضٌ لعهدهم، فقال عمر: دعوهم، عمر وآل عمر في طاعة أبي عبيدة (٢). قال الجوهري: التقليس: الضرب بالدف والغناء (٣).
وكان أبو عبيدة لما التقي عمر قبَّل عمر يدَ أبي عبيدة.
وقال الواقدي: قدم عمرُ الشام على حمار ومعه عبد الرحمن بن عوف، فتلقَّاه معاوية بن أبي سفيان في موكبٍ نبيلٍ، فجاوز عمر ولم يعرفه، فأُخبر أنَّه قد تقدّمه، فرجع إليه فترجَّل، وقبَّل يده، ومشى إلى جنبه وعمر مُعرض عنه، فقال له عبد الرحمن: أتعبت الرجل فقال له عمر: يَا ابن أبي سفيان، أنت صاحبُ الموكب آنفًا مع ما يبلغني من وقوف ذوي الحاجات على بابك؟!
فقال: يَا أمير المؤمنين، إنا في بلاد فيها جواسيس العدو، ولا بد ما نردعهم بما نُروّعهم به من هيبة السلطان، فإن أمرتَني أقمتُ على ما أنا عليه، وإن نهيتَني انتهيتُ، فلم يرد عليه شيئًا (٤)، وفي رواية: علمني وفهِّمني -وهي جيدة في الجواب- فلم يردّ عليه شيئًا.
وقال أبو العالية الرِّياحي (٥): قدم عمر رضوان اللَّه عليه الشام على جملٍ أَوْرق، تلوح صَلعتُه [في الشمس] ليس عليه عمامةٌ ولا قلنسوة، قد طبق رجليه بين شُعْبَتَي
стр. 2202
رحْلِه بغير ركاب، وتحته كساء من دبر، وهو فراشه إذا نزل، وعليه قميص من كرابيس قد دَسِم وتَخَرَّق جَيْبه (١)، فقال: ايتوني بقميص، واغسلوا قميصي هذا، فأَتوه لقميص كتّان، [فقال: ما هذا؟ قالوا: كتان، قال: وما الكتان؟ فأخبروه] به، وقال: ايتوني بكرابيس، فأتوه به، فنزع ثوبَه وقال: اغسلوه، فقال له دهقان الجابية: أنت ملك العرب، وهذه البلاد لا تصلح فيها الإبل (٢)، فلو ركبتَ بِرذونا، فأُتي ببرذون، فطرح عليه قطيفةً، بغير سَرْج ولا رَحْل، فركبه وسار هُنيَّةً وقال: احبِسوا، ما كنتُ أظنُّ أن الناس يَركبون الشياطين قبل هذا، عليَّ بجملي، فجيء به فركبه (٣).
وقال هشام: لمّا نزل عمر الجابيةَ جاء إليه عظماءُ أنباط الشام، وقالوا: قد صنعنا لك طعامًا، ونُريدُ أن تدخُل كنيستَنا، فقال عمر: في كنائسكم الصُّورُ، وإنَّ الملائكةَ لا تدخُلُ بيتًا فيه صورةٌ، ومَن دخل بيتًا فيه صورةٌ حبط عملُه أربعين صباحًا، ثم قال لأبي عبيدة: انطلق معهم، فذهب ومعه المسلمون، فدخل كنيستهم، وتغدّى ومَن معه من المسلمين، وجعل يقول: ما ضَرَّ أمير المؤمنين لو دخل وتغدَّى (٤).
ذكر وقف عمر الشام
ذكر علماءُ السير أن عمر لمّا قدم الجابية استشار الصحابةَ في الشام: هل يقسمه بين الغانمين، أو يُوظِّف عليه الخراج، أو يوقفه على جميع المسلمين؟ فأشار بعضهم بالقسمة، وبعضهم بتوظيف الخراجِ، فقال له معاذ بن جبل: يَا أمير المؤمنين، أوقفه على المسلمين فهو أنفعُ لهم، فأجابه عمر إلى ذلك، وأثنى عليه وشكره.
ذكر مسير عمر بن الخطاب إلى بيت المقدس
قال سيفٌ وغيره: لما توجَّه عمرُ من الجابية إلى فلسطين هرب الأرطبونُ والتذارق
стр. 2203
صاحب الرملة ومَن في الحصون الساحلية إلى مصر، وكانت الرومُ قد أخذتها من اليونان على ما ذكرنا في صدر الكتابِ (١). فجهّز عمر عَمرو بنَ العاص، وأردفه الزبير معاونًا له، ولما وصل عمر إلى القُدس خرجَ الرهبان والأقِساءُ والشمامسة والأكابرُ، ودخلوا بين يديه، فأتى محراب داود ﵇ فصلى فيه، وقرأ سورة "ص" وسجد، وسأل عن الصخرةِ فلم ير لها أثرًا. كانت الروم أو اليهودُ قد ألقت عليها الكُناسة، وكان معه كعب الأحبار فقال له: أين الصخرةُ؟ فقال: اذْرَع من الحائط الشرقي كذا وكذا ذراعًا، فذرع فبدت الصخرة، فنظَّفها، وأراد أن يجعل المحرابَ فيها، فقيل له: يضيقُ المسجد بالناس، فوضعه في آخر الحرمِ عند مهد عيسى ﵇، وصلى عمرُ فيه وعاد إلى الجابية، ثم عاد إلى المدينة.
فصل: وفيها فرض عمر الأُعطية للمسلمين على قَدر السوابق في الإِسلام، ودوَّن الدواوين، وقد اختلفوا في ذلك؛ فقال ابن الكلبي: فعل ذلك في هذه السنةِ. وحكى ابن سعدٍ عن الواقدي أنه فعل ذلك في سنةِ عشرين (٢). وقولُ الكلبيّ أصحُّ.
وكان رضوان اللَّه عليه استشار المسلمين في تدوين الدواوين، فقال له عليّ رضوان اللَّه عليه: تقسم كلَّ سنة ما اجتمع عندك من مال، ولا تُمسك منه شيئًا، وقال عمار رضوان اللَّه عليه (٣): أرى مالًا كثيرًا يسع الناس وإن لم يُحصوا، حتى تعرف من يأخذ ممن لم يأخذ، خشية أن ينتشر الأمر، فقال له الوليد بن هشام بن المغيرة: يا أمير المؤمنين، إني جئتُ الشام، فرأيت ملوكها يُدوِّنون ديوانًا، ويجنّدون جنودًا، فأخذ بقوله، فدعا عَقيل بن أبي طالب ومَخرمة بن نوفل وجُبير بن مُطعِم، وكانوا من نُسَّاب قريش فقال: اكتبوا للناس على منازلهم، فبدؤوا ببني هاشم، ثم أتبعوهم بني تميم أَبا بكر رضوان اللَّه عليه وقومَه، فنظر فيه عمر ﵁ فقال: ابدؤوا بقرابة رسول اللَّه ﷺ ، الأقرب فالأقرب، حتى تَضعوا عمر حيث وضعه اللَّه، فجاءت بنو عدي إليه فقالوا: أنت خليفةُ أبي بكر، وأبو بكر خليفةُ رسول اللَّه ﷺ قال: وعلى ذلك؟! قالوا: فلو
стр. 2204
جعلتَ نفسك حيث جعلك هؤلاء القوم، فقال: بخٍ بخ يا بني عديّ، أردتم الأكلَ على ظهري، وأن أذهب لكم بحسناتي، لا واللَّه، حتى تأتيكم الدعوة، وإني أطبق عليكم الدفتر، إن لي صاحبَيْن سلكا طريقًا، فإن خالفتُهما خولف بي، واللَّه ما أدركنا الفضلَ في الدنيا، وما نرجو من الأجر في الآخرة إلا بمحمد ﷺ ، فهو شرفنا، وقومُه أشرف العرب.
ثم أمر بالأقرب فالأقرب، حتى انتهى إلى الأنصار، فقالوا: بمَن نبدأ؟ فقال: برهط سعد بن معاذ الأشهلي ﵁، ثم أهلِ السوابق والمشاهد، قيل له: إن أَبا بكر رضوان اللَّه عليه سوَّى بين الناس، فقال: لا أجعل مَن قاتل رسول اللَّه ﷺ كمن قاتل معه، فبدأ بعد الأقرب فالأقرب بمن شهد بدرًا من المهاجرين، ثم بالأنصار، يفرض لكل واحدٍ منهم خمسةَ آلاف درهم في كل سنة، حليفُهم ومولاهم معهم على السواء، وفرض للعباس ﵁ خمسة آلاف درهم، وقيل: سبعة آلاف درهم، وفرض لأزواج رسول اللَّه ﷺ لكلّ واحدة اثني عشر ألفًا، وفرض لمن هاجر قبل الفتح، لكلّ رجل ثلاثة آلاف درهم، وفرض لمسلمة الفتح، لكلّ رجل ألف درهم (١)، وفرض لغلمان أحداث أبناء المهاجرين والأنصار كمسلمة الفتح، وفرض لعمر بن أبي سلمة أربعة آلاف درهم، فقال محمد بن عبد اللَّه بن جحش: لِمَ يُفضّل علينا عمر؟ فقد هاجر آباؤنا وشهدوا المشاهد، فقال عمر رضوان اللَّه عليه: أُفضِّله لمكانه من النبي ﷺ ، وأنه ربيبُه، فليأت الذي يَستعتب بأمٍّ مثل أمّ سلمة أُعتبه، وفرض لأسامةَ بن زيد ﵄ أربعة آلاف درهم، [فقال عبد اللَّه بن عمر: فرضتَ] لي ثلاثة آلاف، وقد شهدت ما لم يَشهد أُسامة، فقال: إنما زِدتُه لأنه كان أحبَّ إلى رسول اللَّه ﷺ منك، وكان أبوه أحبّ إلى رسول اللَّه ﷺ من أبيك، ثم فرض (٢) للناسِ على قَدْرِ منازلهم وقرابتهم، وفرض للنساءِ المهاجِرات: لصفية بنت عبد المطلب ستة آلاف درهم، ولأسماء بنت عُميس ألفَ درهم، وكذا لأُمِّ كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيْطٍ، ولأُمِّ عبد اللَّه بن مسعود. وفرض للمنفوس مِئة درهم، فإذا ترعرع فرض له مئتي درهم فإذا بلغ زاده مئةً، [وكان إذا أُتي
стр. 2205
باللقيط فرض له مئة درهم، وفرض له رزقًا يأخذه وليه كل شهرٍ بقدر ما يصُلحه،] وكان يَنقله من سنةٍ إلى سنةٍ، ورضاعُه ونفقتُه في بيت المال.
وكان يقول: واللَّه الذي لا إله إلا هو، ليس أحدٌ من الناس إلا وله في هذا المال حقٌّ، ولئن بقيتُ لأبعثنَّ إلى الراعي بجبل صنعاء حقَّه منه قبل أن يحمرَّ وجهُه، يعني في طلبه (١).
وروى ابن سعدٍ عن أبي هريرة قال: قدمت على عمر من البحرين بخمس مئة ألف درهم، فصلَّيتُ معه العشاءَ فقال: ماذا جئتَ به؟ قلتُ: بخمس مئة ألف درهم، قال: ويحك، هل تدري ما تقولُ؟ قال: قلتُ: جئتُ بمئة أَلْفٍ ومئةِ أَلْفٍ حتى عددتُها خمس مئة ألف، قال: أنت ناعسٌ، ارجع فنم عند أهلك، فإذا أصبحتَ فأتني، فلما أصبحتُ جئته من الغد، فأعاد عليّ القول، فأجبتُه بمثل ذلك، قال: فقسمه في الناس فلم يدع منه دِرهمًا (٢).
وحكى ابن سعدٍ عن الواقدي عن أشياخه قالوا: أرسل عمرُ إلى زينب بنت جحش بمالٍ، فقالت: يرحم اللَّهُ عمر! غيري من أَخواتي كان أحقَّ مني، وسترت بينها وبين المال بثوبٍ ثم فرَّقته، واختلفوا فيه: فقال قومٌ: كان اثني عشر ألفًا، وقال آخرون: أربعين ألفًا، ثم رفعت يديها إلى السماءِ وقالت: اللهمَّ لا يُدْركني عطاءُ عمر بعدها، فماتت قبل العطاء (٣).
قال: وكان عمر يقول: لئن عشتُ لأدعنَّ أرامل العراق لا يَحتَجْن إلى أحدٍ بعدي، وإني لأرجو أن أكيلَ لهم المال بالصَّاع كَيلًا.
ولما أعطى الناس على مقدار السَّوابق، كلّمه سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية وأقرانُهما في تقليل أعطياتهم، فقال: إنما أعطي على السوابق في الإسلام، لا على الأحساب، ثم أعطى بعد ذلك سهيل بن عمرو والحارث (٤) بن هشام أربعة آلاف أربعة
стр. 2206
آلاف؛ معونةً لأجل جهادهما.
ولما كتب الديوان قال له كبار الصحابة؛ كعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف ﵃: ابدأ بنفسك أوّلَا، فقال: لا واللَّه، بل أبدأ بعمّ رسول اللَّه ﷺ ، ثم بالأقرب فالأقرب من رسول اللَّه ﷺ ، فبدأ بالعباس ﵁، ففرض له خمسة وعشرين ألفًا، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف درهم لكلّ رجل، وأدخل في أهل بدر الحسن والحسين ﵄ لقرابتهما، وأدخل أَبا ذر وسلمان ﵄ لسابقتهما، ثم فرض لأهل الحُديبية أربعة آلاف درهم لكلّ رجل، ثم لمَن بعد الحديبية إلى وفاة رسول اللَّه ﷺ خمسة آلاف درهم، ودخل فيمن شهد الفتح (١)، ثم لمن شهد اليرموك والقادسية ألفين ألفين، وزاد فيهم مَن أبلى بلاءً حسنًا خمس مئة خمس مئة، فقيل له: لو ألحقت أهل اليرموك والقادسية بمَن تقدَّم، فقال: لاها اللَّه ذا، لم أكن لأُلحقهم بدرجةٍ لم يدركوها، ثم فرض للمردفين الذين بعد القادسية ألفًا ألفًا، ثم لمن بعدهم (٢) ثلاث مئة ثلاث مئة، وسوّى كلَّ طبقة في العطاء، الضعيف والقوي، والعربي والعَجمي.
ولما فرض لأزواج رسول اللَّه ﷺ زاد عائشة ﵂ ألفين، فأبت أن تَقبلها، فقال: هذا لمكانِكِ من رسول اللَّه ﷺ ، فإذا أخذتيها فشأنك بها، وسأل أزواج رسول اللَّه ﷺ عن القَسْم فقلن: ما كان يُفضّل منا واحدة، وكان قد أراد أن يَنقص مَن جرى عليها الرّق، فلما قُلن ذلك سوَّى بينهن، ثم جعل لنساء أهل بدر خمس مئة خمس مئة، ثم لنساء أهل الحديبية أربع مئة أربع مئة، ثم ما بين الحديبية إلى وفاة رسول اللَّه ﷺ ثلاث مئة ثلاث مئة، ولنساء أهل اليرموك والقادسية مئتي درهم مئتي درهم، وللصبيان من أهل بدر وغيرهم مئة مئة، فقال له قائل: يَا أمير المؤمنين، لو تركتَ في بيوت الأموال بيثرب عدَّة لنائبة تنوب، أو لحادثة تحدث، فقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك، وقاني اللَّه شرَّها، وهي فتنة لمن بعدي (٣)، بل أعدّ لهم طاعةَ اللَّه وطاعة رسوله؛ فهما
стр. 2207
عُدَّتنا التي أفضينا بها إلى ما ترى، فإذا كان هذا المال ثمن دين أحدكم هلكتم (١).
قال الإِمام أحمد ﵁ في "المسند" (٢): حدثنا عليّ بن إسحاق، حدثنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا سعيد بن يزيد قال: سمعتُ الحارث بنَ يزيد الحَضْرميّ، يحدث عن عُلَيّ ابن رباح، عن ناشرة بن سُمَيِّ اليَزَنيّ قال (٣): سمعتُ عمر بن الخطاب يقول يوم نزل الجابية وهو يخطب الناس: إن اللَّه جعلني خازنًا لهذا المال وقاسمًا له، وإني بادئٌ بأهل رسول اللَّه ﷺ ، ثم أشرفِهم، ففرض لأزواج النبي ﷺ عشرة آلاف عشرة آلاف إلَّا جُوَيرية وصَفيّة ومَيمونة، فقالت عائشة: إن رسول اللَّه ﷺ كان يعدل بيننا، فعدل بينهن عمر.
ثم قال: إنِّي بادئ بأصحابي المهاجرين الأولين، فإنا أُخرجنا من ديارنا ظُلمًا وعُدوانًا، ثم أشرفِهم، ففرض لأصحاب بدر منهم خمسةَ آلاف، ولمن شهد بدرًا من الأنصار أربعةَ آلاف، ولمن شهد أُحدًا ثلاثةَ آلاف، قال ومَن أسْرع في الهجرة أسرع بالعطاء، ومَن أبطأ في الهجرة أبطأ في العطاء، فلا يَلومنَّ أحدُ إلَّا مُناخَ راحلته.
ثم قال: وإني أَعتذرُ إليكم من خالد بن الوليد، إني أمرتُه أن يَحبس هذا المال على ضُعفاء المهاجرين، فأعطاه ذا العباس والشرف واللسان، فنزعتُه، وأمّرت أَبا عبيدة بن الجرَّاح، فقال له أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: واللَّه لقد نزعتَ عاملًا استعمله رسول اللَّه ﷺ ، وغَمدتَ سيفًا سَلّه رسول اللَّه ﷺ ، ووضعتَ لواءً نَصبه رسول اللَّه ﷺ ، وقطعتَ الرَّحِم، وحسدتَ ابنَ العمّ، ولقد كنتَ عدوًّا لبني مَخزوم في الجاهلية والإِسلام، فقال له عمر رضوان اللَّه عليه: إنك قريبُ القرابة، حديثُ السّنّ، تَغضب لابن عمّك.
ذكر ما فرضوا لعمر
قال ابن سعدٍ بإسناده عن أيوب بن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن أَبيه قال: مكث عمر زمانًا لا يأكل من بيت المالِ شيئًا، حتى دخلت عليه في ذلك خَصاصةٌ،
стр. 2208
فأرسل إلى الصحابة فاستشارهم وقال: قد شغلتُ نفسي بهذا الأمر، فما يصلح لي منه؟ فقال عثمان بن عفان وسعيد بن زيد: كل وأطعِمْ، فقال لعلي: ما تقول؟ فقال: غَداء وعَشاء، فأخذ بقول علي.
وفي رواية ابن سعدٍ أَيضًا: أن عمر (١) كان يَستَنْفِقُ درهمين كلَّ يومٍ له ولعياله، وأنفق في حجّته ثمانين ومئة درهم، وقال: قد أسرفنا (٢).
ولما فتح اللَّه على المسلمين وقعة رستم (٣)، وقدمت عليه فتوح الشام، شاور الصحابة ﵃، وقال: ماذا تَرون يحلُّ للوالي من هذا المال؟ وإني كنت امرءًا تاجرًا أُعين أهلي بتجارتي، وقد شغلتموني بأمركم، فانظروا ماذا ترون؟ فأكثر القومُ وعليٌّ رضوان اللَّه عليه ساكت، فقال: يا علي، ما تقول؟ فقال: يحلُّ لك ما أصلحك وأصلح عيالَك بالمعروف، ليس لك غيرُ ذلك، فقال القوم: القولُ ما قال علي بن أبي طالب، فرضي به.
وعن ابن عمر ﵄ (٤) قال: لما ولي عمر قعد على رزق أبي بكر (٥) الذي كانوا فرضوا له، فكان على ذلك مدّة، فاشتدت حاجتُه، فاجتمع نفرٌ من المهاجرين، منهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير ﵃، فقال الزبير: لو قلنا لعمر في زيادة تزيدونه إياها في رزقه، قال علي: وَدِدنا أنه فعل بنا ذلك، فانطلقوا بنا، فقال عثمان،: إنه عمر! فهلموا لنَسبر ما عنده من وراء وراء، تعالوا ندخل على حفصة، فنكلِّمها ونَستكتمها أسماءنا، فدخلوا عليها، وسألوها أن تُخبره الخبر من غير تسميتهم، فأخبرته، فغضب وقال: مَن هؤلاء؟ فقالت لا سبيل إلى تسميتهم، فقال: لو علمتُ مَن هم لَسُؤتُ وجوهَهم، أَنْتَ بيني وبينهم، أُناشدك اللَّه، [ما أفضل] ما اقتنى رسولُ اللَّه ﷺ في بيتك من الملبَس؟ قالت ثوبَين مُمَشَّقَيْن كان يَلبَسهما للوفد، ويخطب فيهما للجُمَع والعيدين، قال: فأيّ
стр. 2209
الطعام [ناله عندك] كان أرفع؟ قالت: خُبزة شعير بإهالةٍ سَنِخَةٍ (١) يأكل منها، قال: فأيّ البِسِاط كان يُبسط له؟ قالت: كساء ثخين، كنا في الشتاء نَبسط نِصفَه تحتنا ونصفَه نَتدثَّر به.
ثم ذكر عيش رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: أبلغيهم ذلك، وأن رسول اللَّه ﷺ ترك فُضول الدنيا، وسأسلك ما سلك هو وصاحبه حتى ألحقَ بهما، وإلا حدتُ عن طريقهما، فيُحال بيني وبينهما (٢).
وقالت حفصةُ: مرض عمر، فوُصف له العسلُ، وفي بيت المال عُكَّةٌ من عسل، فصعِد المنبر وقال: أيّها الناس، إني مريض، وقد وُصف لي العسلُ، وفي بيت المال عُكَّةٌ من عسل، فإن أَذنتم لي فيها، وإلا فهي حرام عليّ، وفي رواية: أذنوا له فيها (٣). وحجَّ عمر بالناس.
فصل وفيها تُوفّي
سعدُ بن عُبادة
ابن دُلَيم بن حارثة بن أبي حَزِيمة بن ثعلبة بن طَريف بن الخزرج بن ساعدة، وأمُّه عَمرة بنت مسعود بن قيس، خَزرجيّة، وسعد من الطبقة الأولى من الأنصار، وكنيتُه أبو ثابت، وقيل: أبو قيس، شهد العقبة مع السّبعين، وهو أحد النُّقباء الاثني عشر، وشهد المشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ما خلا بدرًا، فإنه تهيَّأ للخروج إليها فنُهش، فأقام، وكان يأتي دُورَ الأنصار فيُحرِّضهم على الخروج إلى بدر، وبلغ رسولَ اللَّه ﷺ أنه نُهش، فقال: لئن كان سعد لم يشهد بدرًا لقد كان حريصًا عليها.
وقال ابن سعد: كان سعدٌ سيّدًا جوادًا، يكتب بالعربية، وكانت الكتابة في العرب قليلًا، وكان يُحسن العَوْم والرَّميَ، وكان مَن أَحسن ذلك في الجاهلية يُسمّى الكامل.
стр. 2210
وكان سعد وعدَّة آباءٍ له في الجاهلية يُنادى على أُطُمهم: مَن أحبَّ الشَّحمَ واللحم فليأتِ أُطُم دُلَيم بن حارثة، ثم صار يُنادى على باب سعدٍ في الإِسلام كذلك (١).
وقال ابن إسحاق والواقدي: كانت قَصعة سعدٍ تدورُ مع رسول اللَّه ﷺ كلَّ ليلةٍ في بيوت أزواجه، وكان إذا خطب امرأة يشترط لها جفنة سعدٍ، وكانت مرَّةً بلحمٍ، ومرةً بلَبن، ومرةً بسمن يبعث بها إليه حيث كان.
قال هشام: جاء سعدٌ ليلةً بجَفْنةٍ مملوءةٍ مُخًّا، فقال له رسول اللَّه ﷺ : يا أَبا ثابتٍ، ما هذا؟ فقال: لقد ذبحتُ أربعين ذاتِ كبدٍ، فأحببتُ أن أُشبِعَك من المخّ، فأكل ودعا له بخير.
وحكى الهيثم عن ابن سيرين قال: كان أهلُ الصُّفَّة إذا أمسَوْا انطلق الرجلُ بالرجل والرجلين والخمسة، وينطلقُ سعد بثمانين رجلًا كلَّ ليلةٍ.
وقد ذكرنا أنَّ سعدًا صاحبُ السقيفة، وأنَّه امتنع من بيعةِ أبي بكرٍ واعتزلهم في قومه؛ فلم يكن يحضر معهم الجماعات، ويقف بعرفة ناحيةً عنهم، فلما تُوفي أبو بكرٍ استمر على ذلك (٢).
وحكى ابن سعد عن الواقدي أن أبا بكرٍ لمّا ولي أرسل إلى سعدٍ: أن أَقبل فبايع، فقال: لا واللَّه لا أبايعُ حتى أرميكُم بما في كنانتي، وأقاتلُكم بمن تبعني من قومي وعشيرتي، فقال بشير بن سعد لأبي بكرٍ: يا خليفة رسول اللَّه، إنه قد أبي ولجَّ، وليس بمبايعكم حتى يُقتل، ولن يُقتل حتى يُقتل معه ولدُه وعشيرتُه، ولن يُقتلوا حتى يَقتلوا الأوس، فلا تُحرّكوه، فقد استقام لكم الأمرُ، وليس بضارّكم، إنه رجلٌ واحد، فاتوكوه ما ترك. فقبل أبو بكرٍ مشورة بشير، وقد ذكرنا هذا فيما تقدّم (٣).
قال الواقدي (٤): فلما ولي عمر لَقِيَه ذات يومٍ في بعض طُرُق المدينة، فقال: إيه يَا سعد! فقال: إيه يا عمر! فقال عمر: أنت صاحب المقالة؟ قال سعد: نعم أنا ذاك، وقد