آلاف؛ معونةً لأجل جهادهما.
ولما كتب الديوان قال له كبار الصحابة؛ كعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف ﵃: ابدأ بنفسك أوّلَا، فقال: لا واللَّه، بل أبدأ بعمّ رسول اللَّه ﷺ ، ثم بالأقرب فالأقرب من رسول اللَّه ﷺ ، فبدأ بالعباس ﵁، ففرض له خمسة وعشرين ألفًا، ثم فرض لأهل بدر خمسة آلاف درهم لكلّ رجل، وأدخل في أهل بدر الحسن والحسين ﵄ لقرابتهما، وأدخل أَبا ذر وسلمان ﵄ لسابقتهما، ثم فرض لأهل الحُديبية أربعة آلاف درهم لكلّ رجل، ثم لمَن بعد الحديبية إلى وفاة رسول اللَّه ﷺ خمسة آلاف درهم، ودخل فيمن شهد الفتح (١)، ثم لمن شهد اليرموك والقادسية ألفين ألفين، وزاد فيهم مَن أبلى بلاءً حسنًا خمس مئة خمس مئة، فقيل له: لو ألحقت أهل اليرموك والقادسية بمَن تقدَّم، فقال: لاها اللَّه ذا، لم أكن لأُلحقهم بدرجةٍ لم يدركوها، ثم فرض للمردفين الذين بعد القادسية ألفًا ألفًا، ثم لمن بعدهم (٢) ثلاث مئة ثلاث مئة، وسوّى كلَّ طبقة في العطاء، الضعيف والقوي، والعربي والعَجمي.
ولما فرض لأزواج رسول اللَّه ﷺ زاد عائشة ﵂ ألفين، فأبت أن تَقبلها، فقال: هذا لمكانِكِ من رسول اللَّه ﷺ ، فإذا أخذتيها فشأنك بها، وسأل أزواج رسول اللَّه ﷺ عن القَسْم فقلن: ما كان يُفضّل منا واحدة، وكان قد أراد أن يَنقص مَن جرى عليها الرّق، فلما قُلن ذلك سوَّى بينهن، ثم جعل لنساء أهل بدر خمس مئة خمس مئة، ثم لنساء أهل الحديبية أربع مئة أربع مئة، ثم ما بين الحديبية إلى وفاة رسول اللَّه ﷺ ثلاث مئة ثلاث مئة، ولنساء أهل اليرموك والقادسية مئتي درهم مئتي درهم، وللصبيان من أهل بدر وغيرهم مئة مئة، فقال له قائل: يَا أمير المؤمنين، لو تركتَ في بيوت الأموال بيثرب عدَّة لنائبة تنوب، أو لحادثة تحدث، فقال: كلمة ألقاها الشيطان على فيك، وقاني اللَّه شرَّها، وهي فتنة لمن بعدي (٣)، بل أعدّ لهم طاعةَ اللَّه وطاعة رسوله؛ فهما
стр. 2207
عُدَّتنا التي أفضينا بها إلى ما ترى، فإذا كان هذا المال ثمن دين أحدكم هلكتم (١).
قال الإِمام أحمد ﵁ في "المسند" (٢): حدثنا عليّ بن إسحاق، حدثنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا سعيد بن يزيد قال: سمعتُ الحارث بنَ يزيد الحَضْرميّ، يحدث عن عُلَيّ ابن رباح، عن ناشرة بن سُمَيِّ اليَزَنيّ قال (٣): سمعتُ عمر بن الخطاب يقول يوم نزل الجابية وهو يخطب الناس: إن اللَّه جعلني خازنًا لهذا المال وقاسمًا له، وإني بادئٌ بأهل رسول اللَّه ﷺ ، ثم أشرفِهم، ففرض لأزواج النبي ﷺ عشرة آلاف عشرة آلاف إلَّا جُوَيرية وصَفيّة ومَيمونة، فقالت عائشة: إن رسول اللَّه ﷺ كان يعدل بيننا، فعدل بينهن عمر.
ثم قال: إنِّي بادئ بأصحابي المهاجرين الأولين، فإنا أُخرجنا من ديارنا ظُلمًا وعُدوانًا، ثم أشرفِهم، ففرض لأصحاب بدر منهم خمسةَ آلاف، ولمن شهد بدرًا من الأنصار أربعةَ آلاف، ولمن شهد أُحدًا ثلاثةَ آلاف، قال ومَن أسْرع في الهجرة أسرع بالعطاء، ومَن أبطأ في الهجرة أبطأ في العطاء، فلا يَلومنَّ أحدُ إلَّا مُناخَ راحلته.
ثم قال: وإني أَعتذرُ إليكم من خالد بن الوليد، إني أمرتُه أن يَحبس هذا المال على ضُعفاء المهاجرين، فأعطاه ذا العباس والشرف واللسان، فنزعتُه، وأمّرت أَبا عبيدة بن الجرَّاح، فقال له أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: واللَّه لقد نزعتَ عاملًا استعمله رسول اللَّه ﷺ ، وغَمدتَ سيفًا سَلّه رسول اللَّه ﷺ ، ووضعتَ لواءً نَصبه رسول اللَّه ﷺ ، وقطعتَ الرَّحِم، وحسدتَ ابنَ العمّ، ولقد كنتَ عدوًّا لبني مَخزوم في الجاهلية والإِسلام، فقال له عمر رضوان اللَّه عليه: إنك قريبُ القرابة، حديثُ السّنّ، تَغضب لابن عمّك.
ذكر ما فرضوا لعمر
قال ابن سعدٍ بإسناده عن أيوب بن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن أَبيه قال: مكث عمر زمانًا لا يأكل من بيت المالِ شيئًا، حتى دخلت عليه في ذلك خَصاصةٌ،
стр. 2208
فأرسل إلى الصحابة فاستشارهم وقال: قد شغلتُ نفسي بهذا الأمر، فما يصلح لي منه؟ فقال عثمان بن عفان وسعيد بن زيد: كل وأطعِمْ، فقال لعلي: ما تقول؟ فقال: غَداء وعَشاء، فأخذ بقول علي.
وفي رواية ابن سعدٍ أَيضًا: أن عمر (١) كان يَستَنْفِقُ درهمين كلَّ يومٍ له ولعياله، وأنفق في حجّته ثمانين ومئة درهم، وقال: قد أسرفنا (٢).
ولما فتح اللَّه على المسلمين وقعة رستم (٣)، وقدمت عليه فتوح الشام، شاور الصحابة ﵃، وقال: ماذا تَرون يحلُّ للوالي من هذا المال؟ وإني كنت امرءًا تاجرًا أُعين أهلي بتجارتي، وقد شغلتموني بأمركم، فانظروا ماذا ترون؟ فأكثر القومُ وعليٌّ رضوان اللَّه عليه ساكت، فقال: يا علي، ما تقول؟ فقال: يحلُّ لك ما أصلحك وأصلح عيالَك بالمعروف، ليس لك غيرُ ذلك، فقال القوم: القولُ ما قال علي بن أبي طالب، فرضي به.
وعن ابن عمر ﵄ (٤) قال: لما ولي عمر قعد على رزق أبي بكر (٥) الذي كانوا فرضوا له، فكان على ذلك مدّة، فاشتدت حاجتُه، فاجتمع نفرٌ من المهاجرين، منهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير ﵃، فقال الزبير: لو قلنا لعمر في زيادة تزيدونه إياها في رزقه، قال علي: وَدِدنا أنه فعل بنا ذلك، فانطلقوا بنا، فقال عثمان،: إنه عمر! فهلموا لنَسبر ما عنده من وراء وراء، تعالوا ندخل على حفصة، فنكلِّمها ونَستكتمها أسماءنا، فدخلوا عليها، وسألوها أن تُخبره الخبر من غير تسميتهم، فأخبرته، فغضب وقال: مَن هؤلاء؟ فقالت لا سبيل إلى تسميتهم، فقال: لو علمتُ مَن هم لَسُؤتُ وجوهَهم، أَنْتَ بيني وبينهم، أُناشدك اللَّه، [ما أفضل] ما اقتنى رسولُ اللَّه ﷺ في بيتك من الملبَس؟ قالت ثوبَين مُمَشَّقَيْن كان يَلبَسهما للوفد، ويخطب فيهما للجُمَع والعيدين، قال: فأيّ
стр. 2209
الطعام [ناله عندك] كان أرفع؟ قالت: خُبزة شعير بإهالةٍ سَنِخَةٍ (١) يأكل منها، قال: فأيّ البِسِاط كان يُبسط له؟ قالت: كساء ثخين، كنا في الشتاء نَبسط نِصفَه تحتنا ونصفَه نَتدثَّر به.
ثم ذكر عيش رسول اللَّه ﷺ ، ثم قال: أبلغيهم ذلك، وأن رسول اللَّه ﷺ ترك فُضول الدنيا، وسأسلك ما سلك هو وصاحبه حتى ألحقَ بهما، وإلا حدتُ عن طريقهما، فيُحال بيني وبينهما (٢).
وقالت حفصةُ: مرض عمر، فوُصف له العسلُ، وفي بيت المال عُكَّةٌ من عسل، فصعِد المنبر وقال: أيّها الناس، إني مريض، وقد وُصف لي العسلُ، وفي بيت المال عُكَّةٌ من عسل، فإن أَذنتم لي فيها، وإلا فهي حرام عليّ، وفي رواية: أذنوا له فيها (٣). وحجَّ عمر بالناس.
فصل وفيها تُوفّي
سعدُ بن عُبادة
ابن دُلَيم بن حارثة بن أبي حَزِيمة بن ثعلبة بن طَريف بن الخزرج بن ساعدة، وأمُّه عَمرة بنت مسعود بن قيس، خَزرجيّة، وسعد من الطبقة الأولى من الأنصار، وكنيتُه أبو ثابت، وقيل: أبو قيس، شهد العقبة مع السّبعين، وهو أحد النُّقباء الاثني عشر، وشهد المشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ما خلا بدرًا، فإنه تهيَّأ للخروج إليها فنُهش، فأقام، وكان يأتي دُورَ الأنصار فيُحرِّضهم على الخروج إلى بدر، وبلغ رسولَ اللَّه ﷺ أنه نُهش، فقال: لئن كان سعد لم يشهد بدرًا لقد كان حريصًا عليها.
وقال ابن سعد: كان سعدٌ سيّدًا جوادًا، يكتب بالعربية، وكانت الكتابة في العرب قليلًا، وكان يُحسن العَوْم والرَّميَ، وكان مَن أَحسن ذلك في الجاهلية يُسمّى الكامل.
стр. 2210
وكان سعد وعدَّة آباءٍ له في الجاهلية يُنادى على أُطُمهم: مَن أحبَّ الشَّحمَ واللحم فليأتِ أُطُم دُلَيم بن حارثة، ثم صار يُنادى على باب سعدٍ في الإِسلام كذلك (١).
وقال ابن إسحاق والواقدي: كانت قَصعة سعدٍ تدورُ مع رسول اللَّه ﷺ كلَّ ليلةٍ في بيوت أزواجه، وكان إذا خطب امرأة يشترط لها جفنة سعدٍ، وكانت مرَّةً بلحمٍ، ومرةً بلَبن، ومرةً بسمن يبعث بها إليه حيث كان.
قال هشام: جاء سعدٌ ليلةً بجَفْنةٍ مملوءةٍ مُخًّا، فقال له رسول اللَّه ﷺ : يا أَبا ثابتٍ، ما هذا؟ فقال: لقد ذبحتُ أربعين ذاتِ كبدٍ، فأحببتُ أن أُشبِعَك من المخّ، فأكل ودعا له بخير.
وحكى الهيثم عن ابن سيرين قال: كان أهلُ الصُّفَّة إذا أمسَوْا انطلق الرجلُ بالرجل والرجلين والخمسة، وينطلقُ سعد بثمانين رجلًا كلَّ ليلةٍ.
وقد ذكرنا أنَّ سعدًا صاحبُ السقيفة، وأنَّه امتنع من بيعةِ أبي بكرٍ واعتزلهم في قومه؛ فلم يكن يحضر معهم الجماعات، ويقف بعرفة ناحيةً عنهم، فلما تُوفي أبو بكرٍ استمر على ذلك (٢).
وحكى ابن سعد عن الواقدي أن أبا بكرٍ لمّا ولي أرسل إلى سعدٍ: أن أَقبل فبايع، فقال: لا واللَّه لا أبايعُ حتى أرميكُم بما في كنانتي، وأقاتلُكم بمن تبعني من قومي وعشيرتي، فقال بشير بن سعد لأبي بكرٍ: يا خليفة رسول اللَّه، إنه قد أبي ولجَّ، وليس بمبايعكم حتى يُقتل، ولن يُقتل حتى يُقتل معه ولدُه وعشيرتُه، ولن يُقتلوا حتى يَقتلوا الأوس، فلا تُحرّكوه، فقد استقام لكم الأمرُ، وليس بضارّكم، إنه رجلٌ واحد، فاتوكوه ما ترك. فقبل أبو بكرٍ مشورة بشير، وقد ذكرنا هذا فيما تقدّم (٣).
قال الواقدي (٤): فلما ولي عمر لَقِيَه ذات يومٍ في بعض طُرُق المدينة، فقال: إيه يَا سعد! فقال: إيه يا عمر! فقال عمر: أنت صاحب المقالة؟ قال سعد: نعم أنا ذاك، وقد
стр. 2211
أفضى إليك هذا الأمر، كان واللَّه صاحبُك خيرًا لنا -أو أحبَّ إلينا- منك، وقد أصبحتُ كارهًا لجوارك فقال عمر: إنه من كَره جوار جاره تحوَّل عنه، فقال سعد: إني مُتحوِّلٌ إلى جوار من هو خيرٌ من جوارك، وخرج إلى الشام، فتُوفي بحَوران. وهذه رواية ابن سعد عن الواقدي (١).
وقال أبو اليقظان؟ لما قال له عمر ذلك قال له سعدٌ: هلا تحولت أنت يا عمرُ عن منازلنا وديارنا وأوطاننا حتى ترجع من حيثُ جئتَ، فأنت أولى بذلك، ثم قال: واللَّه لا جاورتُك ولأتحوَّلَنَّ إلى جوار مَن هو خيرٌ من جوارك، وخرج سعدٌ إلى الشام معتزلًا لا يُخالطُ أحدًا من الأمراء ولا غيرهم، ولا يُقاتل معهم، ولا يشهدُ مشهدًا، حتى تُوفّي على ذلك.
واختلفوا في وفاتِه، فحكى ابنُ سعدٍ، عن الواقديّ، عن يحيى بن عبد العزيزِ بن سعيد بن سعد بن عُبادة، عن أَبيه: أنه تُوفّي بحَوران من أرض الشام، لسنتين ونصف من خلافة عمر. قال: وكأنَّه مات سنة خمس عشرة (٢)، فما عُلمَ بموته بالمدينة حتى سمع غِلمان في بئر نصف النهار يتبرَّدون في حرِّ شديدٍ قائلًا يقول من البئر: [من مجزوء الرمل]
قد قتلنا سيِّدَ الخَزْ … رَجِ سَعْدَ بنَ عُبادهْ
فرَمَيْناه بسَهْمَيْـ … ـنِ فلم نُخْطِ فؤادَهْ
فذُعر الغلمان، فحُفِظ ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه سعدٌ، وإنما جلس يبول في نفقٍ، فاقتُتل من ساعته، ووجدوه قد اخضرَّ (٣).
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن محمد بن سيرين أنَّه قال: بال سعدٌ قائمًا، فلما رجع قال لأصحابه: إني لأجِدُ دَبيبًا، فمات، فسمعوا الجنَّ تقول: قتلنا سيد الخزرج، وذكر البيتين (٤).
стр. 2212
وحكى البلاذريُّ في تاريخه (١) أن سعدًا امتنع من بيعة أبي بكرٍ، فوجَّه إليه رجلًا ليأخذ له عليه وهو بحوران، فأبى، فرماه بسهمٍ فقتله، قال: وفيه يُروى هذا الشعر الذي تنتحله الجن.
قلت: وهذا وهمٌ من البلاذريِّ؛ لاتِّفاق أهل السّير على أن سعدًا ما خرج من المدينة إلا بعد موت أبي بكر.
وقال أبو عبيدٍ القاسمُ: مات سعد سنةَ أربع عشرة، وقيل: سنة ست عشرة، والأول أصحّ وأثبتُ، وذكر أبو القاسم بن عساكر في تاريخه (٢) أن سعدًا سكن دمشق. قلت: ولا يُعرفُ بحوران قبرُ سعدٍ، وإنما بغوطة دمشق بقريةٍ يُقال لها: المنيحة، فيها قبرٌ يُعرف بسعدٍ، فيحتمل أنه مات بحَوران، ثم نُقل إليها (٣).
وليس في الصحابةِ من اسمه سعد بن عبادة غير اثنين: أحدهما هذا، والثاني سعد ابن عبادة الزُّرقي، أنصاريٌّ أَيضًا (٤).
وأسند سعدُ بنُ عبادة عن النبي ﷺ الحديث، فأخرج له أحمد في "المسند" سبعة أحاديث، وليس له في الصحيح شيءٌ.
قال أحمد بإسناده عن قتادة قال: سمعتُ الحسن يُحدِّث عن سعد بن عبادة: أن أمَّه ماتت فقال: يا رسول اللَّه، إنَّ أمّي ماتت، فأتصدَّق عنها؟ قال: "نعم"، قال: فأيّ الصدقةِ أفضل؟ قال: "سقي الماء"، قال: فتلك سقايةُ آل سعدٍ بالمدينة.
وقال أحمد بإسناده عن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه، [عن] ابن عباس، عن سعد بن عُبادة أنه أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نَذرٌ، أفيُجزئ أن أُعتِق عنها؟ قال: أعتق عن أمك (٥).
стр. 2213
وقال ابن سعد بإسناده عن سُويد أبي حاتمٍ قال: سمعتُ الحسن، وسأله رجل: أشربُ من ماء هذه السِّقاية التي في المسجد فإنَّها صدقةٌ؟ فقال الحسنُ: قد شرب أبو بكر وعمرُ من سقاية أمِّ سعدٍ، فمَهْ؟
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن ابن عباسٍ، أن سعد بن عُبادة ماتت أمّه وهو غائبٌ عنها، فسأل رسول اللَّه: أفينفعُها أن أتصدَّق عنها؟ قال: "نعم"، قال: فإنِّي أُشهِدُك أن حائطي المِخْراف صدقةٌ عنها (١).
قلتُ: وقد ذكرنا [أن] أمَّ سعد تُوفيت وسعدٌ مع النبي ﷺ في غزاة دومة الجَنْدل، وكانت في شهر ربيعٍ الأول سنة خمسٍ من الهجرة، فلما قَدِم رسول اللَّه المدينة أتى قبرَها فصلَّى عليها (٢).
واسمُ أمِّ سعد عَمرة بنتُ مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة، وكانت من المبايعات، وليس في الصحابيَّات من اسمها عَمرة بنت مسعودٍ غيرها. فأما عمرة غير بنت مسعود فكثير (٣).
عبد اللَّه بن الزِّبَعْرَى
ابن قيس بن عديّ بن سعد بن سهم (٤) الهاشمي الشاعر، كان يهجو رسول اللَّه ﷺ وأصحابَه، فلما كان يومُ الفتح هرب إلى نَجران، فكتب إليه حسان بن ثابت ﵀: [من الكامل]:
لا تَعدَمَنْ رجلًا أحلَّك بُغضُه … نجرانَ في عَيشٍ أحذَّ لئيمِ
غضب الإله على الزِّبَعْرى وابنِه … وعذابُ سوءٍ في الحياةِ مُقيمِ (٥)
стр. 2214
ولم يَزدْ على هذا، فقدم على رسول اللَّه ﷺ ، فأسلم وحَسُن إسلامُه، وكان من أشعر الناس، شهد ما بعد الفَتْح من المشاهد مع رسول اللَّه ﷺ ، ومن شعره: [من الخفيف]:
يَا رسولَ المليك إنّ لساني … راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذ أنا بُورُ
جئتَنا باليقين والصِّدقِ والبر … ر وفي الصِّدقِ واليقين السرور
أذهب اللَّه ضَلَّةَ الجهلِ عنَّا … وأتانا الرَّخاءُ والميسورُ (١)
وله صُحبة ورواية.
* * *
стр. 2215
السنة السادسة عشرة
وفيها فُتحت المدائنُ، واستولى المسلمون على مدينة كسرى وإيوانه وذخائره، وقيل: إن ذلك في سنة أربع عشرة، والأول أصحُّ، ذكره علماءُ التواريخ بأيام الفرس، وحكى أبو بكر الخطيب في تاريخه طرفًا منه (١)، وقالوا بأن المدائن على جانبَي دجلة شرقًا وغربًا، ودجلة بينهما، فالمدائنُ الشَّرقية تُسمّى العَتيقة، وبها إيوانُ كسرى، وهي للخواص من أصحابه وأساورته، وكان هو ينزلُ الإيوان، وهو القصر الأبيض، ويعرف بأَسْبانَبْر (٢). واختلفوا في مَن بناه؟ فقال قوم: لا يُعلم مَن بناه، وقال قوم: بناه سابور ذو الأكتافِ.
وأما المدينةُ الغربية فتُسمَّى بَهُرَسِير، وهي للتجار والعوام لا يُخالطون الأساورة.
وكان على دجلة من طرفي المدينتين جِسران، فإذا جاء الليلُ قفلوا كلَّ جسر، وجعلوا عليه الحرس، فلا يصلُ إلى المدينتين أحدٌ لا من ناحية البصرة ولا من ناحية الشمال.
وكان الإسكندرُ قد طاف الدنيا وبنى المدائن: سَمَرْقَنْد وهراة وما ذكرناه في ترجمته، وجاء إلى مكان المدائن فاستطابه، فبنى المدائن وسماها الرومية، وأثرُها باقٍ إلى اليوم، لأنه لما بنى الإسكندرية وجاء إلى العراق بني المدائن وشبّهها بها، ويُقال إنه تُوفي بها أو ببابل، وحمل إلى الإسكندرية، وقد ذكرناه في ترجمته (٣).
وإنما سُمِّيت المدائن لكثرة من بني بها من الملوك والأكاسرة.
وقال الجوهري: المدائن: جمعُ مدينةٍ، وأصلُها من مَدن بالمكان: إذا أقام به. قال: والإيوان: الصُّفَّةُ العظيمةُ كالأَزَج، ومنه إيوان كسرى (٤).
стр. 2216
وأقام سعد ﵁ بالكوفة يَشنُّ الغارات بعد وَقعة القادسية، وله مع الفرس وقائع إلى أن دخلت هذه السنة، فكتب عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه إلى سعد ﵁: سِرْ إلى المدائن، واجعل مع نساء المسلمين وعِيالهم مَن يحرسهم من العدو، واجعل لهم نَصيبًا من المغنم، ففعل سعد ﵁ ذلك، وسار إلى بابل، فلقي جُموعًا من الفُرس فهزمهم، وكان مسيره من الكوفة في شوال، ونزل ببابل، وجاء إلى كُوثى في المكان الذي حبس فيه الخليل ﵇، فصلَّى فيه، وقدَّم بين يديه زَهرة بن الحويّة إلى بَهُرَسِير، فَبَيْنَا زَهرة يسير إذ لَقيه شيرزاد بالصَّلح، وكان شيرزاد نائبَ يَزدجرد فبعث به إلى سعد، وجاء سعد فنزل على بَهُرَسِير وقد خندقت الفُرس، ونصبوا المناجيق وآلة القتال (١).
ولما سار سعدٌ من الكوفة إلى بَهُرَسير أغار ما بين الفُرات ودجلة، فأصاب مئةَ ألف دِهقان أو أَكَّار، فاستشار المسلمين فيهم فقالوا: شاوِرْ أميرَ المؤمنين، فكتب إلى عمر بسببهم فكتب إليه: إن البلاد بأهلها، وإن لم يُعينوا عليكم فدعوهم وشأنَهم، ومَن هرب منهم إلى القوس فلا عهدَ له. فأطلقهم سعدٌ، وجاء فنزل على بَهُرَسير، وقد تحصَّنت الفُرسُ منه، فنصب عليهم سعدٌ عشرين منجنيقًا والعرّاداتِ، وقاتلهم أشدَّ قتالٍ، ومنعهم الميرة، وشُغِل عنهم أهلُ المدينة الشَّرقية بما هم فيه من الخوف، حتى أكلوا لحوم الكلاب والقِطاط.
وقُتل زَهرةُ بن الحَوِيَّة بعد أن قتل شيرزاد (٢)، وقيل إنه لم يُقتل وإنما قتل شيرزاد. فبينما هم كذلك إذ بعث إليهم يَزدَجرد رسولًا، فأَشرف عليهم وقال: الملكُ يقول لكم: هل لكم في الصُّلح، على أنّ لنا ما يَلينا من دجلة إلى المشرق والجبل، ولكم ما يليكم من دجلة إلى الحجاز؟ فبدر النَّاسَ أبو مُفَزِّر الأسودُ بن قطبة، فأجابه بكلمةٍ أنطقه اللَّه بها، لم يدر ما قال ولم يفهمها النَّاسُ، فنزل الرسول إلى البلد، فقيل للأسودِ: ما قلتَ؟ فقال: واللَّه ما أدري، وإنما هي كلمات أجراها اللَّه على لساني.
وشرع أهلَ بهُرَسير يَقطعون دِجلة في السفن إلى المدينةِ الشرقيةِ، واستأمن رجلٌ
стр. 2217
من أهل بَهُرَسير، فخرج إلى سعدٍ فقال: ما الذي يَمنعكم من دخول بَهُرَسير؟ فواللَّه ما بقي فيها أحد، فقال له سعد: فما السببُ في كونهم هربوا؟ قال: لأن الملكَ لمَّا بعث إليكم في الصلح، أجبتموه بما أوجب ذلك، قال: فما الذي قُلنا؟ قال: قال إنسان منكم: لا صُلح بيننا وبينكم حتى نَأكلَ عسلَ أفريذين بأتْرُجِّ كُوثى، فقال الملك: إن الملائكة لتتكلَّم على ألسنتهم، فيقال إن أفريذين مدينة قاطع نهر جيحون (١).
ثم تَسوّر المسلمون الأسوار، ونزلوا وفتحوا الأبواب، ووجدوا فيها من الأموال والذخائر والأطعمة ما لا يُحصى، وكان دُخولُهم في الليلة العاشرة من صَفَر، فلما لاح لهم أبيضُ كسرى كبَّروا وقالوا: هذا ما وعدَ اللَّه ورسولُه، وأقاموا أيّامًا من صفر لا يقدرون على العُبور إلى المدينةِ الشرقية، وكانت الفُرس قد أخذت السفن والمعابر إلى ما يليهم، فكانت من البطائح إلى تكريت.
حديث فتح مدينة كسرى
قال هشام: وقال سعد: مَن يَدلُّنا على مَخاضة؟ فجاء قومٌ من النَّبط فدلُّوهم على مخائض، فتوقَّف سعدٌ في ذلك ورأى الإبقاء على المسلمين، فرأى سعدٌ في المنام أنّ خُيولَ المسلمين اقتحمت دجلة وعَبرتْ، فأصبح عازمًا على العُبور، فقال للناس: رأيتُ كذا وكذا وإني عازِمٌ على قطع هذا البحر، وجاءه علجٌ فقال: إنْ أقمتَ ثلاثًا ذهب يَزْدَجِرْدُ بكلِّ شيء في المدائن، فقوي عزمُه على العبور، وأصبح المدُّ في دجلة زائدًا على الحدِّ، فقال سعد: مَن يتقدَّم فيَحمي لنا الفِراضَ حتى يَتلاحقَ به النَّاسُ؛ لئلا يَمنعوهم من الخروج؟ فقال عاصم بن عمرو: أنا، وخاضَ أوَّلَ الناسِ، وانتدب معه ستّ مئةٍ من أهل النَّجدات، فجاؤوا إلى الفِراضِ، وعليها جماعة من الفُرس فقتلوهم وانهزم الباقون، فحينئذٍ قال سعد للناس: اقتحموا، فقدَّموا الرِّماك (٢)، ثم الفُحول بعدها، فيقال إن الخيل أحجَمت، فصاح سعد: إنْ كُنتِ خيلَ اللَّه فاعبُري، وإن كنتِ خيلَ سعد فلا تَعبُري، فاقتحمت الماء وإن دجلة ليَقذف بالزَّبَد من شِدَّة الزيادة، وجعل
стр. 2218
الناسُ يُحادث بعضُهم بعضًا كما يتحدَّثون على الطُّرق، وكان الفرسُ يَعوم براكبه، فربَّما لم يَبلغ الماءُ إلى الحزام، وربما أعيا الفرسُ فتَظهر له تَلْعَةٌ يَستريحُ إليها، وكان سلمان يسايرُ سعدًا ويتحادثان، وسعدٌ يقول: حسبُنا اللَّه ونعم الوكيل، حتى خرجوا ولم يفقدوا شيئًا، إلَّا قَدَحًا من خشب، فأخذه رجلٌ فجاء به إلى العسكرِ، فعرفه صاحبُه فأخذه.
فلما رأت الفُرس ذلك قالوا: إنما نُقاتل الإنس لا الشياطين والجن، فهربوا وتركوا جمهور أموالهم، وكان يوم عبورهم يُدعى يوم الجراثيم، ومعناه: أنه لا يَعيا أحدٌ من المسلمين إلَّا ظهرت له جُرثومةٌ يستريح عليها. والجرثومةُ: الأصلُ، كان يَظهر لهم في دجلة جراثيم، وهي الرمل يجتمع في أماكن مثل الجزيرة.
ورأى عظماءُ الفرس أمرًا عظيمًا لم يكن في حسابهم، فأعجلوهم عن أموالِهم، فدخلوا القصرَ الأبيض فتحصَّنوا به، وطلبوا الأمانَ على نُفوسهم، فأمَّنوهم، وهرب يزْدَجِرْد بعياله إلى حُلْوان، وترك أموالَه وذخائرَه، ولم يَحمل إلا شيئًا يسيرًا، واستولى المسلمون على الباقي.
ونزل سعد القصرَ الأبيض واتَّخذه مُصلَّى، وقرأ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٢٥] ولم يغيِّر سعدٌ ما كان في الإيوان من التماثيل، وصلى فيه الجمعة في أول ربيع الأوَّل، وهي أوَّل جُمعةٍ جُمِعت بالعراق في سنة ست عشرة. وأتمَّ سعد الصلاة لأنه كان على نيّة الإقامة.
وقال الخطيب: ولما دخل عليٌّ ﵇ الإيوان في مسيره إلى صِفّين أمر بالتماثيل فقُطعت رؤوسُها ثم صلَّى فيه (١).
وقال الخطيب: ولما بنى المنصورُ بغداد عزم على نقض الإيوان ليستعين في بنائها، ثم انصرف عن ذلك (٢). وسنذكر القصة في سنة خمسٍ وأربعين ومئة عند بناء بغداد.
стр. 2219
قال الخطيب في إسناده عن أبي بكر (١) بن عيّاش (٢) قال: لما خرج عليٌّ ﵇ إلى صفين؛ مرَّ بخراب المدائن، فتَمثَّل رجلٌ من أصحابه فقال:
جَرت الرِّياحُ على مَحلِّ ديارهم … فكأنَّهم كانوا على مِيعادِ
فإذا النَّعيمُ وكلُّ ما يُلهى به … يومًا يصيرُ إلى بِلى ونَفاد
من أبيات، فقال علي: لا تَقلْ هكذا ولكن قُل ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥)﴾ إلى قوله: ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨] إن هؤلاء كانوا وارِثين فأصبحوا مَوروثين، وإنهم استحلُّوا الحرم، فحَلَّت بهم النِّقم، ولا تكونوا أمثالَهم (٣).
ذكر ما وُجد في بيوت أموال كسرى
وُجد ثلاثةُ آلاف ألفِ ألفِ دينار -ثلاث مرات- ومن الجواهر والتُّحفِ والألطاف (٤) والأمتعة أكثر من قيمة ذلك، وأما من الأسلحة والبقر والغنم والأطعمة وما أعدُّوا للحصار فشيءٌ لا يحصى.
وروى سيف بن عمر، عن الأعمش، عن حبيب بن صُهبان قال: دخلْنا المدائن، فأتينا على قِبابٍ تُركيّة مملوءةٍ سلالًا مختومة بالرّصاص، فما حسبناها إلا طعامًا، فإذا آنيةُ الذّهب والفضّة، فقسمت بعدُ بين الناس، فلقد رأيتُ الرَّجل يطوف ويقول: مَن معه بيضاء بصفراء؟ وأَتينا على كافورٍ كثيرِ، فما حَسِبناه إلا مِلحًا، فجعلنا نَعجِنُ به حتى وجدنا مرارتَه في الخُبز (٥).
ذكر بساط الإيوان (٦)
قال سيف: ووجدوا بساط الإيوان، وكان ستين ذراعًا في مثلها، فيه طرقٌ كالأنهار، وقصورٌ كالدُّرِّ، ووسطه كالأرض المزروعة مثل زهر الرَّبيع، ويُقال له:
стр. 2220
البَهار، وكانوا يُعِدُّونه للشتاء، إذا ذهبت الرياحينُ والأزهار فرشوه وجلسوا عليه للشُّرب، فكأنهم في البساتين والرِّياض، وقيل: إن العرب كانت تسمّيه القِطف، وكان مُوشّى بأنواع الجواهر والفُصوص، ولونه مثلُ الذهب (١).
ذكر ستر الإيوان
قال هشام: كان طولُه خمسَ مئة ذِراعٍ في مثلها، فيه من الجواهر واليواقيت ما لا يُحدُّ ولا يُقَوَّمُ.
وذكر الخطيب في تاريخه عن أبي العباس المبرّد أن ستر الإيوان أحرقه المسلمون لما فتحوا المدائن، فوجدوا فيه أو أخرجوا منه ألفَ ألفِ مثقال ذهبًا، فبيع المثقالُ بعشرة دراهم، فبلغ ذلك عشرة آلاف ألفِ دِرهم (٢).
قال سيف: وتبعهم زهرة بن الحَويّة إلى جسر النَّهروان، فازدحموا عليه، فوقع بَغْل في الماء، فتكالبوا عليه، فقال زهرة: إن لهذا البغل شأنًا، فتكاثروا عليه وأخذوه، وإذا عليه حِليةُ كسرى، ووشاحُه وسلاحُه ودِرعه، فبعثوا به إلى عمر (٣).
ذكر قسم الغنائم
قال علماء السير: كانوا ستين ألفًا، فقسم سعدٌ بينهم الغنائم، فأصاب الفارس اثني عشر ألفًا بعد الخُمس، وقسم دور المدائن بين الناس، وبعث إلى العيال فأنزلَهم إياها.
قال سيف: وجمع سعد الخُمس، وأدخل فيه كلَّ شيء أراد أن يَعجب به عمر، من ثياب كسرى وحليته وسيفه ونحوه، وأحضر بِساطَ كسرى فلم يُقَوَّم، فقال للناس: هل لكم أن تطيبَ نُفوسُنا عن أربعةِ أخماسه، ونبعثه إلى عمر فيَضعه حيث يرى؟ قالوا: نعم، فبعث به إليه، فلما قدم على عمر هاله وقال: أشيروا عليَّ فيه، فقالوا: قد طابت نُفوسُ المسلمين لك به، فَرَ رأيَك فيه، إلا ما كان من علي فإنه قال: يا أمير المؤمنين،
стр. 2221
الأمرُ على ما قالوا، ولم يبق إلا التَّروية، إنك إنْ تَقبلْه اليوم لم تَعدَم في غدٍ من يستحقُّ به ما ليس له، فقال: صدقتَني، فقطعه بينهم.
وروى سيف عن عبد الملك بن عمير قال: لما قَدم البساطُ على عمر جمع الناسَ واستشارهم فيه، فمن مُشيرٍ بقَبْضه، وآخر مفوّض إليه (١)، فقام علي ﵇ فقال: لِمَ تجعلُ علمَك جَهلًا، ويقينَك شكًّا! إنه ليس لك من الدنيا إلا ما أعطيتَ فأَمضيتَ، أو لبستَ فأبليت، أو أكلتَ فأفنيت، فقال: صدقتَني، فقطعه وقسمه بين الناس، فأصاب عليًا قطعةٌ، فباعها بعشرين ألفًا، وما هي بأجود تلك القِطع.
وقال سيف: قال سعد للمسلمين: خُصُّوا أمير المؤمنين بحلية كسرى، فبعثوا بها إلى عمر، ومعها سَفَطٌ فيه جواهر ليس لها قيمة، فلما رآها عمر عجب وقال: إنَّ قومًا أدوا إلينا هذا لذَوو أمانةٍ، فقال له علي: عَفَفْتَ فعفَّت رعيَّتُك (٢).
قال: ولما حضرت حِليةُ كسرى بين يديه قال عمر لمُحَلِّم، وكان أجسمَ أهل المدينة: قم فالبس ثيابَ كسرى وتاجَه، ففعل، فرأى الناسُ أمرًا عظيمًا، فقال له: اخطر، فخَطَر في ثيابِ كسرى، فقال له عمر: إيه، أعرابيٌّ يَلبَس ثيابَ كسرى وسلاحه! انزع لا أمَّ لك، فنزعها، ويقال: إن عمر أعاد الجميع إلى سعد وقال: لم أشهد معكم فكيف آخذُه.
وذكر الخطيب عن السائب بن الأقرع: أنه كان جالسًا في إيوان كسرى، فنظر إلى تمثالٍ يُشير بأصبعه إلى موضع، قال: فوَقع في روعي أنه يشير إلى كنزٍ، فاحتَفرتُ ذلك الموضع، فاستخرجتُ كنزًا عظيمًا، فكتبتُ إلى عمر أقول: هذا شيءٌ أفاءه اللَّه عليَّ دون الناس، فكتب إليَّ عمر: إنك أميرٌ من أُمراء المسلمين، فاقسمه بينهم (٣).
وحكى سيف عن عِصمة بن الحارث الضبِّي قال: خرجتُ فيمن خرج من المدائن نطلب الفُرسَ، فإذا حمَّارٌ معه حِمار، فلما رآني حثَّه حتى لحق بآخر قُدّامه فحثا حمارَيهما، فانتهيا إلى جدولٍ قد كُسر جسرُه، فأتيتُهما، فقتلتُ واحدًا منهما وأفلت
стр. 2222
الآخرُ، فرجعتُ إلى الحمارين، فأتيتُ بِهما صاحب الأَقباض، فنظر فيما على أحدهما، فإذا سَفطان في أحدهما فرسٌ من ذهبٍ مُسْرَجٌ بسرج من فضَّة، على ثَفَره ولَبَبِه الياقوتُ والزمرُّد، وعليه فارسٌ من فضَّةٍ مكلَّل بالجواهر، وإذا في الآخر ناقةٌ من فضَّة، عليها رجلٌ من ذهبٍ، مكلَّلٌ بالجواهر، كان كسرى يَضعُهما على إسطوانتي التاج الذي على رأسه.
وقال سيف، عن هبيرة بن الأشعث، عن أبي عُبيدة العَنْبَريّ قال: لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الأقباض، أقبل رجلٌ بحُقّ معه، فدفعه إلى صاحب الأقباض، فقالوا: ما رأينا مثل هذا قط، هل أخذتَ منه شيئًا؟ فقال: أما واللَّه لولا اللَّه ما أتيتُكم به، فقالوا: مَن أَنْتَ؟ فقال: واللَّه ما أنا بمُخبِركم لتَحمَدوني، ولكن أرضى بثواب اللَّه، فأَتْبعوه رجلًا ليعرفه، فإذا هو عامر بن عبد قيس.
وقال سيف عن مُبشِّر بن الفُضَيل، عن جابر بن عبد اللَّه قال: واللَّه الذي لا إله إلا هو، ما اطَّلعنا على أحدٍ من أهل القادسية يريد الدنيا مع الآخرة، ولقد اتَّهمْنا ثلاثةَ نفرٍ: طُلَيحة بن خُوَيْلد، وعمرو بن معدي كرب، وقيس بن المكشوح، فإذا هم على خلاف ما ظننا من الأمانة والزُّهد (١).
وقعة جَلُولاء (٢)
قال علماء السير: لما نزل سعد القصرَ الأبيض، واستوطن المسلمون المدائنَ، وبعث إلى عمر بالأخماس، بلغه أنَّ مِهْرانَ الرازيَّ -وكان من عُظماء الفرس- قد عسكر بجلُولاء وخندق، وأنَّ أهلَ الموصل قد عسكروا بتكريت، وحشد يَزدجرد الأعاجمَ عند مهران، وأقام هو بحُلوان، كتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه: أن سَرِّح هاشمَ بنَ عتبة، فسرَّحه في اثنيْ عشرَ ألفًا، وكان القعقاعُ بنُ عمرو على مُقدِّمته، وعلى ميمنته سِعْر (٣) بن مالك، وعلى الميسرة أخوه عمرو بن مالك، وعلى ساقتِه عمرو بن مُرَّة الجُهنيّ.
стр. 2223
وكانت الفُرسُ لما هربوا من المدائن ووصلوا إلى جَلُولاء قال بعضهم لبعضٍ: إنِ افترقتُم بعدها لم تجتمعوا أبدًا، فاثبتوا على قتالهم، فإن كانت لنا فهو الذي نُريد، وإن كانت علينا كنّا قد قضينا ما علينا، فاجتمعوا وخندقوا عليهم، ويزدجرد مقيمٌ بحُلْوان يُمدُّهم بالأموال والرجال.
وجاءهم هاشمٌ في وجوه المهاجرين والأنصار، وسادات العرب وأشرافهم، وخرج إليهم مهران، واقتتلوا قتالًا عظيمًا، وأرسل اللَّه عليهم ريحًا سوداء أظلمت الدنيا، فتهافتوا في الخندق، وقُتل منهم يومئذٍ مئةُ ألفٍ، فجَلَّلَتِ القتلى الأرضَ والمحال والطرق، فسُمِّيت جَلُولاء لما جلَّلها من قتلاهم، وهربوا إلى حُلوان، فأدرك القعقاع مِهرانَ بخانقين فقتله، وبلغتِ الهزيمةَ يزدجرد فسار من حلوان نحو الجبل.
وأصاب خارجةُ بن الصَّلتِ يومئذ ناقةً من ذَهبٍ، عليها رجلٌ من ذهبٍ مُرَصَّع بالدرِّ والياقوت، فدفَعها إلى هاشم بن عُتبة، فبعث بها إلى سعد، وكان الهرمزانُ مع مهران، فقُتل مهران ونجا الهرمزان.
فصل في ذكر غنائم جَلُولاء
قال علماء السير: اقتسموا غنائمَ جَلُولاء على كل فارسٍ سبعة آلاف وتسعة من الدواب.
وحكى سيف عن الشعبيّ قال: اقتسم النَّاسُ فَيء جَلُولاء على ثلاثين ألف ألف، فكان الخُمْس ستةَ آلاف ألف.
قال سيف: فلما قدِموا به على عمر قال: واللَّه لا يُجِنُّه سقفُ بيتٍ حتى أقسمَه، فبات عبدُ الرحمن بن عوف وعبد اللَّه بن أرقم في المسجد يَحرُسانه، فلما أصبح عمرُ جاء فكشف عنه الأَنْطاع، فلما نظر إلى ياقوتِه وجوهرِه ولُؤلؤِه وزبرجده بكى، فقال له ابن عوفٍ: ما يُبكيك يَا أمير المؤمنين؟ واللَّه إنه لمَوطنُ شكرٍ، فقال عمر: واللَّه ما ذاك يُبكيني، وواللَّه ما أعطى اللَّه هذا قومًا إلا تحاسدوا وتباغضوا، وما تحاسدوا إلا أُلْقِي بأسُهم بينهم، ثم قسمه بين الناس (١).
стр. 2224
وكان عبد اللَّه بن عمر حاضرًا وقعة جَلُولاء، فاشترى من الغنائم بأربعين ألفًا، فدعا عمر التُّجار فباعهم ذلك بأربع مئة ألف، فأعطى ابنه عبدَ اللَّه ثمانين ألفًا، وقال: هذا ربحٌ كثير، وبعث بالباقي إلى سعدٍ فقال: اقسمه فيمن شهد الوقعة، ومَن كان قد مات فادفعه إلى وارثه، وقال لابنِه: يا عبد اللَّه، لو أُمر بي إلى النّار أكنتَ تَفديني؟ قال: نعم، قال: هو ذاك (١).
قال هشام: وكان في سَبْي جَلُولاء أمهاتُ أولادٍ، منهنَّ (٢) أم عامر الشّعبي، وقعت إلى رجلٍ من بني عبس، فولدت منه ثم مات، فخلف عليها شراحيل، فأولدها الشعبي.
وكان بين وقعة جَلُولاء والمدائن تسعةُ أشهر؛ لأنها كانت في ذي القعدة. وقيل: كانت في سنة سبع عشرة، والأوّل أصحُّ (٣).
وقعة حُلْوان
حكى سيف بن عمر، عن محمد وطلحة والمهلَّب وعمرو وسعيد قالوا: كان عمر قد كتب إلى سعد: إنْ فتح اللَّهُ عليكم جَلُولاء فسَرِّح القعقاع بنَ عمرو في آثار القوم، حتى ينزلَ حُلوانَ، فيكون رِدْءًا للمسلمين، ويُحْرِزَ اللَّه لكم سوادَكم، فلما فُتِحت جَلُولاء أقام بها هاشمُ بن عتبة، وسار القعقاعُ في آثارهم، فقتل مهران، وأفلت الهرمزان (٤)، وسبق وغنم، وسار يزدجرد إلى الرَّي والجبال، وخَلَّف بحُلْوان خيلًا عليها خسروشنوم، فخرج إلى القعقاع، فاقتتلوا، فقُتل خسروشنوم، وأقام القعقاعُ بحُلوان إلى أن عاد سعد إلى الكوفة، فلَحق به.
وقعة تكريت
قد ذكرنا أنَّ أهل الموصل اجتمعوا بها وخندقوا، وانضافت إليهم تغلبُ وإيادُ والنَّمرُ والشهارجة والقبائل، فأرسل إليهم سعدٌ عبدَ اللَّه بن المعتِّم، فحاصرهم، وكانوا
стр. 2225
جميعًا بتكريت (١). ورأتِ الرومُ الغلبة من جانب المسلمين، فعزموا على الهربِ، وعلمت القبائلُ فأرسلت إلى عبد اللَّه يسألونَه الصُّلْحَ على الروم فقال: حتى تُسلموا فأسلموا، فقال لهم: إذا سمعتُم التكبير فافتحوا الأبوابَ ففعلوا، ودخل وقتل الروم.
قصة قَرقيساء
كان بها جُموعٌ من الروم، فبعث إليها سعد عمر بنَ مالك بن عُتْبة بن نوفل بن عبد مناف، فاجتاز بهيت فافتتحها عَنوةً، ثم افتتح قَرْقيسياء عَنْوةً، وحجّ بالناس عمر.
فصل وفيها توفي
سعد بن عُبيد بن النعمان
ويقال له: سعد القاري، وكُنيتُه أبو زيدٍ الأنصاري، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، وهو ممَّن جمع القُرآن على عهد رسول اللَّه ﷺ في قول الكوفيين. وقد حكاه ابن سعد (٢).
شهد بدرًا وأُحدًا والخندقَ والمشاهد كلَّها مع رسولِ اللَّه ﷺ ، وليس في الصحابة من يقال له سعدٌ القاري غيره (٣). وكان حاضرًا جسر أبي عُبيد (٤)، فكان من جملةِ المنهزمين إلى المدينة، فعاتبه عمر.
قال ابن سعدٍ بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال عمر بن الخطاب لسعدٍ بن عُبيد لمّا انهزم يوم الجِسر (٥): هل لك في الشام لعلَّك أن تَغسل عنك الهُنَيهة؟ قال: لا، بل الأرض التي فَررْتُ منها، والعدوُّ الذي هربتُ منه، أو الذي صنع بي ما صنع أولى، فخرج إلى العراق فاستُشهد وهو ابن أربعٍ وستين سنةً.
ويقال: إنه استُشهد في القادسية، فحكى ابن سعدٍ عن ابن أبي ليلى قال: خطب
стр. 2226
سعدٌ يوم القادسية فقال: إنا ملاقو العدوِّ غدًا ومستشهدون، فلا تَغسلوا عنا دمًا ولا نكفن إلا في ثوبٍ كان علينا، فاستُشهد (١).
وولدُه عُميرُ بن سعد صاحبُ عمر بن الخطاب، ولاه بعضَ بلاد الشام، وسنذكرُه. ولسعدٍ صحبةٌ وليس له رواية (٢).
وفيها تُوفيت
أُمُّ سُلَيم بنت مِلْحان
ابن خالد بن زيد بن حَرَام الأنصاريّةُ، وهي أمُّ أنس بن مالك.
واختلفوا في اسمها على أقوالٍ: أحدُها سَهْلةٌ، والثاني رُمَيْلةُ، والثالث رُمَيْثة، والرابع أُنَيفة، حكاها ابن سعد (٣).
وأمُّها مُلَيْكةُ بنت مالك بن عدي، من بني النجّارِ، وأُمُّ سُليم أمُّ أنس بن مالك، قال: ويُقال: هي الغُمَيْصاء والرُّمَيْصاء.
وهذه أُمُّ سُليم (٤) تزوَّجها في الجاهليةِ مالكُ بن النَّضْر، فولدت له أنس بن مالكٍ، فقُتِل عنها مُشركًا، فخطبها أبو طلحة وكانت قد أسلمتْ، فقالت له: أنت مُشركٌ، فإن أسلمت فنعم.
وقد ذكر القصةَ ابنُ سعدٍ بإسناده عن إسحاق بن عبد اللَّه، عن جدَّتِه أُمِّ سُليم أنها قالت: آمنتُ برسول اللَّه ﷺ ، قالت: فجاء أبو أنس وكان غائبًا، فقال: أصبَوْتِ؟ قالت: ما صَبَوْتُ، ولكني آمنتُ بهذا الرجل، قال: فجعلت تُلقَنُ أنسًا وتشيرُ إليه: قل لا إله إلَّا اللَّه، قل: أشهدُ أن محمدًا رسول اللَّه، ففعل، قال: يقول لها أبوه: لا تُفْسدي على ابني دينهُ، ولا تُفسدي عليَّ ابني، فتقول: إنِّي لا أُفْسِدُه.
قال: فخرج مالك أبو أنسٍ، فلَقِيه عدوٌّ فقتله، فلما بلغها قَتْلُه قالت: لا جَرَمَ، لا
стр. 2227
أفطم أنسًا حتى يَبلغ الثدي حُبًّا (١)، ولا أتزوَّجُ حتى يَأمُرني أنس (٢)، فخطبها أبو طلحة وهو مشرك، فأبت وقالت: أرأيتَ حجرًا تعبدُه لا يضرُّكَ ولا ينفَعُك، أو خشبةً تأتي بها النجَّار فيَنجُرُها لك، هل تضرك أو تنفعك؟ قال: فوقع في قلبه ما قالت، فأتاها وقال: لقد وقع في قلبي ما قُلتِ، وآمن، قالت: فإنِّي أتزوَّجُك، ولا آخذُ منك صَداقًا غير الإِسلام، فكان صَدَاقها الإِسلام.
وقد رواه أبو نُعيم، وفيه: فقالت لابنها أنس: يا أنسُ، زوِّج أَبا طلحة فقد أسلم وذلك صَداقي، قال ثابت: فما سمعنا بمَهرٍ كان أكرمَ من مَهرِ أُمِّ سُليم، الإِسلام (٣).
وقال ابن سعد: لا أتزوَّجُ حتى يَبلُغَ أنسٌ، ويجلسَ في المجالس، ويقول: جزى اللَّه أُمي عني خيرًا، لقد أحسنتْ وِلايتي، فقال لها أبو طلحة: فقد جلس أنسٌ في المجالس وتكلَّم (٤).
وقال ثابت: فتزوَّجها أبو طلحة، فوَلدت له عبد اللَّه وأبا عُمير.
وقال ابن سعد (٥): شهدت حُنينًا وهي حاملٌ بعبد اللَّه بن أبي طلحة، وشهدت أُحدًا قبل ذلك، فكانت تَسقي العَطشى، وتُداوي الجَرحى، وبيدها يوم أُحدٍ خَنْجر، وكذا يوم حنين.
وكان يدخل عليها رسول اللَّه ﷺ ويَقيلُ عندها.
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن إسحاق بن عبد اللَّه، عن أنس بن مالك قال: لم يكن رسولُ اللَّه ﷺ يَدخلُ بيتًا بالمدينة غير بيتِ أُمّ سُليم، إلَّا على أزواجه، فقيل له، فقال: "أَرحَمُها، قُتل أخوها معي". وقد أخرجاه في الصّحيحين (٦).
وقيل: لأنها كانت خالتُه من الرَّضاع، وكان يدخلُ أيضًا على أُختها أُمِّ مِلحان.
стр. 2228
وقد ذكرنا في السيرة أن رسول اللَّه ﷺ كان يَقيل في بيتها، فكانت تَبسطُ له نِطْعًا، فيَعرقُ فتأخذُ عَرَقه، فتجعله في الطِّيب (١).
وقد أخرجه ابنُ سعد أيضًا، فقال لها رسول اللَّه ﷺ وهي تَمسحُ العرقَ: ما تَصنعين يَا أُمَّ سُليم؟ فقالت: آخذُ هذا للبركة التي تخرجُ منك (٢).
وهي التي كان رسول اللَّه ﷺ يُداعب وَلَدها فيقول: "أَبا عُمير، ما فعل النُّغَيْرُ؟ ".
وقال أحمد: حدثنا هُشَيم، عن حُمَيد، عن أنسٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "دخلتُ الجنَّةَ، فسمعتُ خَشْفة بين يديّ، فإذا هي الغُمَيْصاء بنت مِلْحان" أُمُّ أنس (٣)، والخَشفة: الحركةُ، وقيل: الصوتُ.
وقال البخاري بإسناده عن أنس بن مالك قال: اشتكى ابنٌ لأبي طلحة من أُمِّ سُلَيْم، وخرج أبو طلحة، وقُبِضَ الصبيّ، فلما رجع أبو طلحة قال: كيف ابني؟ فقالت: هو أسكَنُ مما كان، وقرَّبتْ إليه العَشاء فتَعشَّى، وأصاب منها، فقالت: وارِ الصبيَّ، فأخبر أبو طلحة رسولَ اللَّه ﷺ فقال: "أَعْرستُما الليلة؟ " فقال: نعم، قال: "اللهمَّ بارك لهما في ليلتهما"، فوَلَدت غُلامًا، فحمله إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأخذ تَمراتٍ فمضغها، ثم جعلها في فَم الصبي، وحنكه، وسمّاه عبد اللَّه. أخرجاه في الصحيحين (٤).
وأخرجه أحمد في "المسند" عن أنسٍ وفيه: مات ابنٌ لأبي طلحةَ، فقالت أُمُّ سليم: لا تُحدِّثوا أَبا طلحة حتى أكون أنا أُحدِّثُه، ثم قامت فتصنَّعت أحسن ما كانت تصنَّع قبل ذلك. وقَرَّبت إليه عَشاءً، فأكل وأصابَ منها، فقالت له: أرأيتَ لو أنَّ قومًا أعاروا أهلَ بيتٍ عارِيَّةً ثم طلبوها منهم، أكان لهم أن يَمنعوهم منها؟ قال: لا -وفي روايةٍ: ألا أُعجبك من جيراننا؟ قال: وما لهم؟ قالت: أُعيروا عارِّيةً، فلما طُلِبت منهم جَزعوا، فقال: بئس ما صنعوا- قالت: فاحتسب ابنَك فهو العارِّيةُ، وفيه: أن رسول
стр. 2229
اللَّه لما حنَّكَ الغُلامَ جعل يَتلَمَّظُ، فقال رسول اللَّه: "إنَّ الأنصارَ يُحبّون التمر" (١).
وقد أخرجه ابنُ سعدٍ برواياتٍ كثيرةٍ، وقال أنس: لما قال رسول اللَّه ﷺ : "اللهمَّ بارك لهما في ليلتهما" فلقد رأيتُ لهم في المسجد سبعةً يقرؤون القرآن (٢).
وقيل: إنَّ الولد الذي مات لأبي طلحة اسمُه حفص، وكان قد تَرَعْرَع.
وروت أُمُّ سُليم عن رسول اللَّه ﷺ الحديث، فقال ابن سعدٍ بإسناده عن حسين بن أبي سفيان، عن أنس بن مالك (٣) قال: زار رسولُ اللَّه ﷺ أُمَّ سليم، فصلَّى في بيتها صلاةً تطوُّعًا، فقال: "يَا أُمَّ سليمٍ، إذا صلَّيْتِ المكتوبةَ فقولي: سبحانَ اللَّه عشرًا، والحمد للَّه عشرًا، واللَّه أكبر عشرًا، ثم سلي اللَّه ما شئتِ، فإنَّه يُقال لك: نعم نعم نعم" (٤).
وأُمُّ سُليم هي اختُ أمِّ حَرام بنت مِلْحان، وسنذكرُها في سنةِ ثمانٍ وعشرين.
وفي الصحابيات جماعةٌ يُقال لكلِّ واحدةٍ منهن أُمَّ سليم، إحداهُنَّ هذه (٥).
فصل وفيها توفّيت (٦)
مارِيَة القِبطية
أُمُّ إبراهيم ابن رسول اللَّه ﷺ . وقد ذكرنا أخبارها فيما تقدَّم (٧).
ولما مات رسولُ اللَّه ﷺ كان أبو بكرٍ يُنْفِقُ عليها، وكذا عمر إلى حين ما فَرض لها، وكانت وفاتُها في المُحرَّم، وصلَّى عليها عمر، ودفنها في البقيعِ.
وذكرها ابن سعدٍ (٨) عن الواقدي فقال: بعث بها المُقَوْقِسُ صاحب الإسكندرية
стр. 2230
إلى رسول اللَّه ﷺ في سنة سبعٍ من الهجرة، وبأُختها سيرين، وبألف مثقال ذَهبٍ، وبالدُّلْدُلِ واليعفور (١) وعشرين ثوبًا ليّنًا. وذكر ما ذكرناه فيما تقدَّم، وحديث الخصيّ (٢).
قال: وقال الواقدي: كانت مارية من حَفْن، من كُورة أَنْصِنا، وقيل: هي بنتُ ملك مصر.
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن ابن كعب بن مالك قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "استوصوا بالقِبطِ خيرًا، فإن لهم ذِمَّة ورحمًا". قال: ورَحمهم أن أم إسماعيل بن إبراهيم [منهم]، وأمُّ إبراهيم ابن رسول اللَّه منهم (٣).
* * *
стр. 2231
السنة السابعة عشرة من الهجرة
وفيها عاد سعدُ بن أبي وقاصٍ من المدائن إلى الكوفة، وتمَّم خِططها.
قال هشام بن الكلبي: لما نزلوا المدائنَ استَوخموها، فاصفرَّت ألوانُهم، وعَظمت بطونُهم، وقدم جماعةٌ منهم على عمر فأنكرهم وقال: ما هذا؟ وكان فيهم عبد اللَّه بن المعتَمّ، فقال: يا أمير المؤمنين، وباءُ البلاد ووَخَمُها.
قال سيف: فعجَّل عمر سراحَهم بعد أن قضى حوائجَهم، وكتب إلى سعدٍ: أنبئْني ما الذي غيَّر ألوانَ العرب ولحومهم؟! فكتب إليه سعد: وَخَمُ المدائن ودجلة، فكتب إليه عمر: إنَّ العرب لا يُوافقُها إلَّا ما يُوافق إبلَها من المباركِ، فابعث حُذيفة وسلمان يرتادان لكم منزلًا برِّيًّا بحريًّا، لا يكون بيني وبينكم بحرٌ ولا جسرٌ.
فخرجا يرتادان، فلم يريا أصلحَ من الكوفة فإنها على حَصْباء رَمْلةٍ، وكلُّ حَصْباء رَمْلة فهي كوفة، وكان في أرضها ثلاثةُ أديرةٍ: دير حُرَقة، وديرُ هند ابنتي النعمان بن المنذر (١)، ودير قُرّة أو دير سلسلة، فأعجبهما ذلك المكان، فرجعا إلى سعدٍ بالخبر، فارتحل سعدٌ بالناس من المدائن، وخيَّر مَن شاء منهم بين الإقامة والرَّحيل، وجاء فنزل مَوضع الكوفة، وصلَّى ركعتين وقال: اللهمَّ بارك فيه، واجعله منزلَ قَرارٍ وثباتٍ، ودار سلام (٢).
قال الواقدي: وكان نزوله بالكوفة في المحرم سنة سبع عشرة، وقيل: سنة ثماني عشرة. والأوّل أصحُّ.
وكتب سعدٌ إلى عمر: إنَّني قد نزلتُ الكوفة، منزلًا بين الحيرة والفُرات بَرِّيا بحريًّا، يُنبت الشِّيح والقَيصوم والنِّصِيَّ والكَلأ، وإنّي خَيَّرتُ المسلمين، فاختار بعضهم المقام بالمدائن فتركتُه. فكتب إليه عمر يُباركُ له في منزله.
قال الهيثم: وبنى سعدٌ قصر الإمارة، ونزل المسلمون في أكواخ القَصب، فوقع
стр. 2232
حريقٌ فاحترق الجميعُ، فاستأذنوا عمر في البناء باللبن، فأذن لهم وقال: لا تَطاولوا في البُنيان، والزموا السنَّة تَدُمْ لكم الدولة.
قال هشام: أوَّلُ مَن بني بظاهر الكوفة بالآجُرِّ خَبَّابُ بن الأرتّ وعبدُ اللَّه بن مسعود، ثم بني سعدٌ بعد ذلك قصرَ الإمارة.
وكان مقدارُ الكوفة ستةَ عشر ميلًا، فما مضت إلا مدّةٌ حتى صار فيها مئةُ ألف دار، وفي جامعها مئةُ حلقةٍ للعلم والحديث والفقه.
فصل في ذكر خروج عمر إلى الشام المرة الثانية
قال علماء السير منهم سيف بن عمر: كان سببُ خروج عمر إلى الشام المرّة الثانية: أن ملك الروم جَهَّز الجيوش إلى الشام، وكاتب أهلَ الجزيرة، فعسكر أبو عبيدة بفِناء حمص، وكان خالد بن الوليد بقِنَّسرين فانضم إليه، وكان عمر قد اتَّخذ في كلِّ مِصرٍ خيلًا مُعَدَّةً للعدوِّ، وكان من ذلك أربعةُ آلاف فارسٍ بالكوفة، فكتب أبو عبيدة إلى عمر يُخبره الخبر، فكتب عمر إلى سعدٍ يخبره أن أَبا عبيدة قد أُحيط به.
فندب الناسَ مع القعقاع بن عمرو إلى حمص، وأمره أن ينفذ سُهيل بن عديّ إلى الجزيرة، فإنهم الذين أشاروا على الرُّوم بالخروج، وأن تُسيِّر الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط إلى الجزيرة والرقّة، ردْءًا للقعقاع ولسُهيل بن عديّ، وعبد اللَّه بن عِتبان إلى نَصيبين، وعِياض بن غَنم على المقدِّمة، وإليه أمرُ أمراء الجزيرة.
وجمع عمر المسلمين وقال: لابُدَّ من المسير إلى نجدة أبي عبيدة، واستخلف على المدينة عليَّ بن أبي طالب، وسار في وجوه المهاجرين والأنصار حتى نزل سَرْغ، وقيل: الجابية.
وأما أبو عبيدة فاستشار المسلمين في التَّحصُّن إلى أن يأتيهم الغِياث، أو مُناجزة العدو، فقال خالد بن الوليد: ناجِزهم وقال الباقون: تحصَّنْ حتى يأتي الغياث، فأطاع الناس وعصى خالدًا.
ومضى القعقاع في أربعة آلافٍ مُجدًّا نحو حمص، ورأى أبو عبيدة مُناجزةَ القوم، فسار إليهم، فهزمهم اللَّه وفتح عليه، ووصل القعقاع بعد ثلاثة أيام من الوقعة، فكتب عمر إلى أبي عبيدة أسهِمْهم في الغنيمة؛ فإنهم نفروا إليك، وتفرَّق عدوُّكم بهم.
стр. 2233
وانتهى سُهيل بن عديّ إلى الرقَّة وقد تفرَّق جمعُ أهل الجزيرة، فحاصرهم فصالحوه.
وجاء عبد اللَّه بن عِتبان إلى نَصِيبين، فصالحوه كما فعل أهلُ الرَّقّة، وسار عياض إلى حَرَّان، والوليد إلى الرُّهاء، ووقع الصلحُ على الجزية، وأقام الأمراء بالجزيرة، فاستعمل عمر حبيبَ بنَ مَسلَمة على عَجَم الجزيرة وحربِها، والوليد على عربها، وأقام هو بالجابية، وكان الطاعون قد وقع بالشام، فلم يدخله عمر، وأقام بسَرْغ (١).
حديد الطاعون ورجوع عمر إلى المدينة
وقد اختلف الروايات فيه: فقال البخاري بإسناده عن عبد اللَّه بن عباسٍ قال: خرج عمر إلى الشام، حتى إذا كان بسَرْغٍ لقيه أُمراءُ الأجنادِ: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابُه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فقال عمر: ادعُ لي المهاجرين، قال ابن عباسٍ: فدعوتُهم فاستشارهم فاختلفوا، قال بعضهم: خرجتَ لأمرٍ، ولا نرى أن تَرجع عنه، وقال بعضهم: معك بقيةُ الناس وأصحاب رسول اللَّه ﷺ ، ولا نرى أن تُقدِمهم على الوباء، فقال (٢): ارتفعوا عني.
ثم قال: ادعُ لي الأنصار فدعوتُهم، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني.
ثم قال: ادعُ لي مَن كان هاهنا من مَشْيخة قريشٍ من مُهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان، وقالوا: نرى أن تَرجعَ بالناس. فنادى عمر في الناس، إني مُصبح على ظهرٍ فأصبِحوا عليه، فقال أبو عبيدة: أفرارًا من قدر اللَّه؟ فقال عمر: لو غيرك قالها -وكان عمر يكره خِلافه- نعم، نفِرُّ من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه، أرأيتَ لو كان لك إبلٌ فهبطت واديًا له عُدْوَتان إحداهما خَصبة والأخرى جَدبة، أليس إنْ رعيتَ
стр. 2234
المخصِبة رعيتَها بقدر اللَّه، وإنْ رعيتَ المجدبة رعيتَها بقدر اللَّه؟
قال: فجاء عبد الرحمن بن عوفٍ وكان مُتغيِّبًا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علمًا، سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا سمعتُم به في أرضٍ فلا تَقربوبها ولا تَقدُموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا مَنه"، قال: فحمد اللَّه عمر، ثم انصرف، وقال لعبد الرحمن: أنت عندنا الصادق المصدوق، أخرجاه في الصحيحين (١).
ومعنى قوله ﷺ : "فلا تَقدموا عليه"، نَهيٌّ عن التعرُّض للتَّلف، و"لا تخرجوا منها" له معنيان: أحدُهما: أنَّه يُعلّم التسليمَ لأمر اللَّه والتوكُّلَ عليه، والثاني: لأنه إذا خرج الأصِحَّاء لم يبقَ للمرضى مَن يقوم بهم ولا بأمرهم ولا بخدمتهم فيهلكوا.
وروى بمعناه جماعةٌ من الصحابة، منهم أسامةُ بن زيدٍ قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "إن هذا الوباء رِجزٌ أهلك اللَّه به الأممَ قبلكم، وقد بقي منه شيءٌ في الأرض، يجيءُ أحيانًا ويذهب أحيانًا، فإذا وقع بأرضٍ فلا تأتوها".
والطريق الثاني أخرجه أحمد بإسناده عن أسامة بن زيدٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا سمعتُم بالطاعون في أرضٍ فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه". والطريقان في الصحيحين، وهذه روايات الصحيح (٢).
فأما أقوال علماء السِّير، فقال ابن إسحاق والواقدي وهشام: خرج عمر إلى الشام غازيًا سنة سبع عشرة، حتى إذا كان بسَرْغٍ لقيه أمراءُ الأجناد، فأخبروه أن الأرض سقيمة، فعاد بالناس إلى المدينة، وكان فيهم كعب الأحبار، وكان ممّن أشار عليه بالرجوع، وقالوا: وأسلم كعب في هذه السنة، وقيل: في سنة خمس عشرة.
ذكر اختلاف العلماء في خرجات عمر إلى الشام
ذكر جدي ﵀ في "المنتظم" (٣) وقال: خرج عمر إلى الشام أربع مراتٍ: مرّتين في سنة ست عشرة، ومرّتين في سنة سبع عشرة، فأما في هذه المرة فإنه لم
стр. 2235
يَدخُلها لأجل الطاعون، والخرجة الرَّابعة أَذَّن له بلالٌ حين حضرت الصلاةُ، فبكى الناس عند ذكر رسول اللَّه ﷺ ، وكان أشدَّهم بكاءً عمرُ ﵁. هذا صورة ما قال.
وقال الواقدي: إن عمر خرج إلى الشام أربع مرّاتٍ: فالأولى جاء على فرسٍ، والثانية على بعيرٍ، والثالثة: على حمار، والرابعة لم يتعدَّ الجابية لاشتعال الطاعون بالشام.
وقال سيف بن عمر: قال عمر بن الخطاب: ضاعت مواريثُ الناس بالشام، وأريد أن أبدًا بها، فأقسمها على ما في نفسي، ثم أرجع فأنقلبُ في البلاد، فأتى عمر الشام أربع مراتٍ: مرتين في سنة ست عشرة، ومرَّتين في سنة سبع عشرة، ولم يدخل دمشق في المرَّتين الأوَّلتين.
وقال أبو مِخْنَفٍ، واسمُه لوط بن يحيى: توجه عمر إلى الشام في سنة ست عشرة، فلما أشرف على الغوطة ونظر إلى دمشق والقصور والبساتين قرأ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥)﴾ الآية [الدخان: ٢٥].
وحكى ابن سعدٍ عن الواقدي أنه قال: روى أهل الشام أن عمر دخل الشام في خلافته مرّتين، ورجع في الثالثة أو الرابعة من سرغٍ. قال: وهذا لا يُعرف عندنا، وإنما قدم عمرُ الشام عام الجابية، سنة ستّ عشرة، حين فتح البيت المقدَّس، وصالح أهله، وجاء عام سَرْغ سنة سبع عشرة، ورجع من سَرْغ لأجل الطاعون، لا يكون غير هاتين المرتين الدَّخلتين، وهم يقولون إنه دخل دمشق وحمص في المرّة الثالثة، وهذه الرحلة الثالثة لا تُعرف عندنا، سنين عمر معروفةٌ: عام الجابية سنة ست عشرة، وعام سَرْغٍ سنة سبع عشرة، ولا غير ذلك (١).
وقال سيف: وعاد عمر على أَيْلة، فلما نزلها دفع قميصَه إلى أُسقُفِّها وقال له: اغسله وارقَعْه، وكان من كرابيس قد غيَّره مرُّ السنين، فغسله ورقعه وخاط مثله قَباطيًا، وأحضرهما، فلبس عمر قميصه وردَّ عليه القباطي، وكان رجوعه إلى المدينة في صفر (٢).
وفي هذه السنة كَتَب التاريخ، وحمى عمر الرَّبَذة لخيل المسلمين، واتَّخذ دار
стр. 2236
الضيافة، وأعد فيها الدقيق والسمن والعسل وغيره، وجعل بين مكة والمدينةَ مَن يحمل المنقطِعين من ماء إلى ماءٍ حتى يوصلوهم إلى البلدِ.
فصل: وفيها غزا خالد بن الوليد وعياض بنُ غَنْم دَرْبَ الروم، وأوغلا فيه، وعادا بالغنائم والسبايا، وبلغ أهلَ الآفاق فانتجعوا خالد بن الوليد، منهم الأشعث بن قيس، فأجازه خالد بعشرة آلاف درهم، وكان عمر له عُيونٌ على عُمّاله وأمرائه، يكتبون إليه بما يكون منهم، فكتب إلى أبي عبيدة أن يُقيم خالدًا، ويَعقِله بعمامته، وينزع عنه قَلنسوته، حتى يُقرّ من أين أجاز الأشعث بن قيس، فإن زعم أنه من ماله فقد أسرف، وإن زعم أنه من مال أصابه من الدَّرْبِ فقد باء بخيانة، فاعزِلْه على كلّ حال.
فكتب أبو عبيدة إلى خالد فقدِم، وجمع له الناس، وقام البريد الذي حمل كتاب عمر على المنبر فقال: يا خالد، من أين أجزْتَ الأشعث بن قيس، أمن مالك، أم من مالٍ أصبتَه من بلد العدو؟ وخالد لا يتكلّم، فقام بلال فقال: إن أمير المؤمنين أمر أن تُعقَل بعمامتك، وتناول عمامته فنفضها، ووضع قَلنْسوَته، ثم عقله بعمامته وقال: ما تقول؟ قال: هو من مالي، فأطلقه، وأعاد قَلنْسُوَته، ثم عمَّمه بيده.
وفي روايةٍ أن عمر كتب إلى أبي عُبيدة: فإن اعترفَ أنه من ماله فقد أسرف، فاعزلْه وضُمَّ ما في يده إلى يدك من العمل، وكذا إن أقرَّ أنها ليست من ماله.
وكان خالد بقِنَّسرين، فكتب إليه فحضر، ولما قام إليه بلال ليعقله قال له: يا عبدَ بني جُمَح ما هذا؟ فقال له أبو عبيدة: إن كتاب عمر ورد بكذا وكذا، فقال: يا عامر، هي من مالي، فأعاد إليه قَلنسوته وعمامته، ولم يخبره أبو عبيدة أنه قد عزله حياءً منه، وأقام متحيِّرًا، فخرج من الشام فقَدم على عمر فقال له: واللَّه يَا عمر لقد شكوتُك إلى اللَّه والمسلمين؛ فإنك غيرُ مُجملٍ في أمري، فقال له عمر: من أين هذا الثراءُ؟
فقال: من الأنفال والسُّهمان، فقدَّم أموالَه فكانت عشرين ومئة ألفٍ، فأدخلها عمر في بيت المال، ثم عَوَّضه عنها.
وكتب عمر إلى الأمصار: لم أعزل خالدًا عن خيانة، ولكن الناس فُتِنوا به، فخفتُ أن يُوكلوا إليه، فأحببت أن أُعلِمهم أن اللَّه هو الصَّانع، فقال خالد: واللَّه ما به إلا النَّفاسة على الصِّيت والذكر، وواللَّه لا وليتُ له ولاية أبدًا، وخرج إلى الشام، فاعتزل
стр. 2237
الناس، وأقام بحمص إلى أن مات.
فصل: وفيها اعتمر عمر في رجب، واستخلف على المدينة زيد بنَ ثابت، وأقام بمكة عشرين ليلةً، ووسَّع المسجد الحرام، وهدم على قوم أَبَوا أن يبيعوه دُورَهم، ووضع أثمانَها في بيت المال لما امتنعوا من أخذها، ثم أخذوها بعد ذلك.
وتزوَّج ابنةَ حفص بن المغيرة، فأُخبر أنها عاقر، فطلقها قبل أن يَدخل بها.
وفي هذه العمرة أمر بتجديد أنصاب الحرم، ووَلَّى ذلك جماعة من قريش: مَخرمة ابن نوفل، والأزهر بن عبد عوف، وحاطب بن عبد العُزَّى، وسعيد بن يربوع، وكان عمر لمَّا مرَّ في طريقه إلى مكة كلّمه أهلُ المياه أن يَبنوا منازل بين مكة والمدينة، فأمرهم بذلك، وقد ذكرناه (١).
وفي هذه السنة كانت قصَّة المغيرة بن شُعبة، والشهادة عليه بالزنا (٢).
وقد اختلفوا فيه، فقال ابن إسحاق: كان المغيرة يختلفُ إلى امرأة من بني هلال يقال لها: أمّ جميلٍ بنت الأفقم، من بني عامر بن صَعصعة، وكانت تَغشى الأُمراءَ والأشراف، وليس لها زوج، وعلم به أهل البصرة فأعظموا ذلك، ووضعوا له الرَّصَد، فدخل عليها يومًا، فهجموا عليه فرأوه يُواقعها، فركب أبو بكرة إلى عمر فأخبره، فولّى أَبا موسى الأشعريَّ البصرة، وكتب بإشخاص المغيرة إليه.
وقال الهيثم: عَشِق المغيرةُ امرأةً من بني هلال بن عامر بن صعصعة يقال لها: أم جميل بنت مِحْجَن، وكانت عند الحجاج بن عتيك الثقفي، وكان أبو بكرة لا يزال يَلقى المغيرة وحده خارجًا من عندها، فيقول: أين كنتَ؟ فيقول: عند مَن أحبُّ، فيقول أبو بكرة: إن الأمير يُزار ولا يزور، فدخل المغيرة يومًا عليها، فاطَّلع أبو بكرة فإذا هي تُقبّل المغيرة، فاستدعى أبو بكرة شِبْل بن مَعبد البَجَلي، ونافع بن الحارث وزيادًا أخويه (٣)، فشاهدوا المغيرة وهو يَنكحها، فارتحل أبو بكرة والشهود إلى المدينة،
стр. 2238
فشهدوا عليه عند عمر.
وقال الواقدي: كان بين المغيرة وبين أبي بكرة مُنافرة، وكانا متجاورَيْن في مَشربتين متقابلتين، في كلِّ واحِدةٍ منهما كُوَّة مقابلة الأخرى، فاجتمع إلى أبي بكرة قومٌ يتحدَّثون عنده، فهبت الريحُ ففتحت باب الكُوَّة، فقام أبو بكرة ليَصفِق بابَها، فبصُر بالمغيرة وهو بين رجلَي امراةٍ، فقال للنفرِ: قوموا فانظروا، فقاموا فنظروا، فقال: اشهدوا، فقالوا: مَن هذه؟ قال: أمُّ جميل بنتُ الأَفقم، وعرفوها حين قامت، ثم خرج المغيرة إلى الصلاة، فحال أبو بكرة بينه وبينها وقال: واللَّه لا تصلي بنا بعدها.
وكتبوا إلى عمر وأخبروه، فبعث أَبا موسى وقال له: استعِنْ بأنس بن مالك، وعمران بن الحُصَين، وهاشم بن عتبة، فلما قدم أبو موسى البصرة أَشخص المغيرة وأبا بكرة وزياد بن أَبيه ونافع بن الحارث بن كَلَدة وشِبل بن مَعبد البَجَلي، وهم الذين عاينوا القصة، فلما قدموا على عمر شهدوا على المغيرة بما عاينوا، فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين، سَلْ هذه الأعبد كيف رأوني؟ فإن كانوا استقبلوني، فكيف لم أستتر عنهم. وإن كانوا استدبروني، فكيف يَحلُّ لهم أن ينظروا في منزلي؟ واللَّه ما أتيتُ إلَّا امرأتي وكانت تُشبهها، فقام أبو بكرة فقال: كذبتَ، أشهد أنه بين رجلي أمِّ جميل بنت الأفقم، وهو يدخله في فرجها كالمُلْمول في المُكْحُلَة، ثم شهد شبل ونافع بمثل ذلك، وبقي زياد فقال له عمر: بم تَشهد؟ فقال: رأيتُه جالسًا بين رجلي امرأةٍ، ورأيتُ قدمين مَخضوبتَيْن تَخفِقان، وسمعت حَفَزانًا شديدًا، قال: هل رأيت كالملمولِ في المُكحلة؟ قال: لا، قال: هل تَعرف المرأة؟ قال: لا، قال: فتنحَّ، وقرأ عمر: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣]، وأمر بالثلاثة فحُدُّوا، وقيل: كان ذلك في سنة خمس عشرة.
وقال الواقدي: ولما حُدُّوا حدَّ القذف قال المغيرة: يا أمير المؤمنين، اشفني من هذه الأعبد، فقال له عمر: اسكت أسكتَ اللَّه نَأمَتك -أي: صوتَك- واللَّه لو كملت الشهادةُ لرجمتُك بأحجارك (١).
стр. 2239
وقد ذكر القصّة البلاذري (١) وقال: ولمَّا بلغ عمر فعلُ المغيرة عزله عن البصرة، وولّى أَبا موسى، وبعث معه أنس بن مالك، وأخاه البراء بن مالك، وأبا نُجَيد عمران ابن الحصين الخُزاعي، وأمره بأن يُشخِص المغيرة والشهود، فلما قدموا على عمر جمع الناس، وأُقيم المغيرة، وقام أبو بكرة فشهد عليه، فقال عمر: ذهب رُبعُ المغيرة، وقام نافع بنُ الحارث فشهد بمثل ذلك، فقال عمر: ذهب نصفُ المغيرة، فقام شبل بن معبد فشهد بمثل ذلك، فقال عمر: ذهب ثلاثةُ أرباع المغيرة، ثم تقدّم زياد، وكان شابًا طريرًا جميلًا، فلما نظر إليه عمر قال: واللَّه إني لأرى وجهًا خليقًا أن لا يُخزي اللَّه به رجلًا من أصحاب محمد ﷺ ، ثم قال له عمر: بم تَشهد؟ فقال: أشهدُ أني سمعتُ نَفَسًا عاليًا، ورأيتُ أمرًا قبيحًا، فأما ما ذكره هؤلاء فلا -يعني الملمول في المكحلة- فانتضى المغيرةُ السيف، وقصد أَبا بكرةَ وصاحبَيْه، فصاح عمر: لعنك اللَّه يَا أعور أمسِكْ -وكانت إحدى عينيه قد ذهبت باليرموك أو بالقادسية-.
ثم أمر عمر بالثلاثة فحُدُّوا، ودرأ عن زيادٍ حدَّ القَذْف، وعن المغيرة حدَّ الزِّنا، ثم قال عمر: توبوا، فقال له أبو بكرة: واللَّه لا أتوبُ من الحق أبدًا، أشهدُ أن الأعور الفاسق زانٍ، فأراد عمر أن يَحُدَّه ثانيًا، فقال له علي: لا تفعل، فإنك إن جعلتَها شهادةً رجَمْنا المغيرة، فسكت عمر، وقال أبو بكرة لزياد بن أَبيه، وهو أخوه لأمِّه سميَّة: نافقتَ وداجيتَ وكذبتَ!؟ واللَّه لا كلّمتُك أبدًا، فلم يُكلِّمه حتى مات.
وذكر جدي في "المنتظم" (٢) وقال: من الجائز أن يكون قد تزوَّجها ولم يَعلم أحدٌ، وقد كانت تُشبه زوجتَه، قال: وقال ابنُ عقيل: للفقهاء تأويلات؛ فقد كانت المتعةُ عَقدًا في الشرع، وكان نكاحُ السرِّ عند قوم زنا، ولا يجوز أن تُنسبَ الصحابةُ إلى ما لا يجوز.
قلت: والعجب من هذا الاعتذار، وقد ارتكب المغيرةُ أعظمَ من الزنا لمّا ولاه معاوية بن أبي سفيان الكوفة؛ بعد ما استشهد أمير المؤمنين، كان يَلعن أمير المؤمنين على منبر الكوفة وفي مجالسه، ويَختلق له المساوئ لما سنذكر (٣)، وقد ثبت أن النبي
стр. 2240
ﷺ قال: "لعن اللَّهُ من سبَّ أصحابي" (١). واستحلال عِرض المؤمن أعظمُ من الزّنا لأنه كفرٌ، وأما المتعة فحرامٌ عند عامة العلماء على ما تقدَّم. وكيف يُبيحها ابنُ عقيلٍ بعد التحريم؟ اللهمَّ أن يكون مذهبه، فإنه كان يرى ذلك على ما حكت الحنابلةُ عنه، أنه كان يرى رأيَ الشيعة، وسنذكره في ترجمته. وقد كان الواجبُ على عمر أن يَحُدَّه؛ لأنه كان يُقيم الحدود على ما تقدّم، وإنما قصد السترَ على المغيرة لئلا يَفضحه.
وروي عن أبي بكرة أنه لما عاد إلى البصرة قيل له في ذلك فقال: عمرُ لقَّن زيادًا الرجوع، أشار إلى ما ذكرنا من قول عمر: واللَّه إني لأرى وجهًا خَليقًا أنه لا يُخزي اللَّه به رجلًا من أصحاب محمد ﷺ .
فصل: وفيها فُتحت (٢) الأهواز ومَناذر ونهر تِيرَى وتُستَر ورامَهُرْمُز والسُّوس، وأُسر الهرمزان.
قال علماء السِّير منهم سيف بن عمر عن أشياخه قالوا: لم يزل يَزْدَجرد منذ انفصل عن المدائن وهو مقيمٌ بمَرْو، يُراسل أهلَ هذه الأماكن، ويقول لهم: رَضيتُم بغَلَبة العرب عليكم حتى حكموا على أموالكم وحريمكم، وسلبوكم عزَّكم! فراسلوه. ابعث
стр. 2241
إلينا مَن تختار، فجهَّز إليهم الهرمزان في جيشٍ كثيفٍ، فنزل رامَهُرْمز، واتَّفق أهل الأهواز وتعاهدوا على المسلمين، وكُتب إلى عمر بذلك، فبعث إلى سعد: ابعث إلى الأهواز النعمان بنَ مُقَرِّن، وسويد بنَ مقرن، وجرير بنَ عبد اللَّه، وكتب إلى أبي موسى: أن ابعث إلى الأهواز جيشًا كثيفًا، وأمَّر عليهم سهل بنَ عديّ، وابعث معه البراء بنَ مالك في جماعةٍ سمَّاهم، وعلى أهل الكوفة والبصرة أبو سبرة بن أبي رُهْم، وكلُّ مَن أتاه كان مدَدًا له.
وخرج النُّعمان بن مقرِّن في أهل الكوفة حتى قطع دجلة بِحيال مَيْسان، ثم أخذ طريق البرِّ إلى الأهواز فانتهى إلى نهر تِيرى فجاوزها، ثم انتهى إلى مَناذرٍ وسوق الأهواز وقصد الهُرمزان -وهو يومئذ برامَهُرْمُز- فسار إلى النّعمان وبادره قبل أن تنضمّ إليه جيوش المسلمين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وانهزم الهرمزان إلى تُستَر، وجاء النعمان فنزل برامهرمز.
وكان الهرمزان قد صالح المسلمين ثم نكث، فحاصروه في تستر، وأقاموا عليه مدَّةً، وزحفوا عليهم ثمانين مرة، فلما كان في آخر زحفٍ واشتدَّ القتال قال الناس للبراء بن مالك: يا براء، أقسم على ربك ليهزمنَّهم لنا فقال: اللهمَّ اهزمهم واستَشْهدني، فاستشهد البراءُ في ذلك اليوم، وهزموهم حتى ألجؤوهم إلى الخنادق، وتقدَّم المسلمون فأحاطوا بالمدينة، وأزالوهم عن أماكنهم، وخرج إليهم رجلٌ مُستأمن، فدلَّ النعمان بنَ مُقرِّن على مكانٍ يَدخلُ منه إلى البلد، وجاؤوا فدخلوا، وهرب الهرمزان إلى القلعة، فأحاطوا به، فاطَّلع عليهم وبيده قوسُه وجَعبته وقال: في هذه الجَعْبة مئةُ نُشَّابة، واللَّه لا تَصلون إلي حتى أقتل مئةَ رجل من أعيانكم، قالوا: فماذا تريد؟ قال: أنزل على حُكم عمر يَفعلُ بي ما شاء، قالوا: نعم، فنزل فأخذوا سلاحَه وأوثقوه، واقتسموا الغنائم، فكان سهمُ الفارس ثلاثة آلافٍ، والراجل ألفًا.
وخرج من تُستَر جماعةٌ من الفُرس، فقصدوا السُّوس، واتبعهم أبو سَبْرة، ثم إن أَبا سَبْرة كتب إلى عمر بالفتح، وبعث إليه بالهُرمزان ومعه أنس بنُ مالك والأحنف بن قيس وجماعةٌ من الأعيان، فلما وصلوا المدينة أَلبسوا الهرمزان ثيابَه الدِّيباج وسلاحَه، ووضعوا على رأسه تاجَه -وكان مُرَصَّعًا باليواقيت والجواهر- ليراه المسلمون على
стр. 2242
هيئته، وكان عمر نائمًا في المسجد، فقال الهُرمزان: أين عمر؟ فقالوا: ها هو ذا، فقال: أين حُجَّابُه وحُرَّاسُه؟ قالوا: ليس له حاجبٌ ولا حارسٌ، فقال: هذا واللَّه الملكُ الهَنيُّ من غير تعبٍ، وفي روايةٍ: يَنبعْي أن يكون هذا نبيًا.
وانتبه عمر فقال: أين الهُرمزان؟ فقالوا: ها هو ذا يَا أمير المؤمنين، فلم يُكلّمه، قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا ملكُ الأهواز فكلّمه، فقال: لا، حتى لا يَبقى عليه من حِليته شيء، فرمَوا جميع ما عليه، وألبسوه ثوبًا صَفيقًا، وأحضره بين يديه، وقال له: كيف رأيتَ وَبالَ الغدر؟ فقال له: يا عمر، إنَّا غَلبناكم في الجاهليّة حيث كان اللَّه معنا، فلما صار معكم غلبتمونا، فقال له عمر: ما عُذرك في انتقاضك مرَّة بعد مرة؟ قال: أخاف أن تَقتلني قبل أن أُخبرك، قال: لا تَخفْ، لا بأسَ عليك.
فاستسقى ماءً، فأُتي به في قَدَح غليظ، فقال: لو متُّ عَطشا لم أستطع الشُّرب في هذا، فأُتي بإناء يرضاه، وقيل: بإناء زجاجٍ، فأخذه بيده، وجعلت يده ترعد فقال عمر: مالك؟ قال: أخاف أن أُقتل قبل أن أَشرب، فقال: لا بأس عليك حتى تَشربَه، فضرب به الأرضَ فكسره، فقال عمر: أعيدوا عليه الماء، ولا تَجمعوا عليه القتلَ والعطش، فقال الهرمزان: لا حاجةَ لي في الماء، وإنما أردتُ أن أستَأمن به، فقال عمر: فإني قاتلُك، قال: إنك قد أمَّنتني، قال: كذبتَ، فقال أنس: صدق قد أَمَّنتَه، قال: ويحك يا أنس، أنا أُؤمِّنه وقد قتل البراء بن مالك وغيره، واللَّه لتأتينَّ بالمخرج أو لأُعاقبنَّك، قال: نعم يَا أمير المؤمنين، قلت: لا بأس عليك حتى تُخبرَني، ولا بأس عليك حتى تشرب الماء، وقالت الصحابة مثلَ قول أنسٍ، فأقبل عمرُ على الهُرمزان وقال: أتَخْدعُني؟ واللَّه لا أنخدع إلا أن تُسلم، فأسلم، ففرض له ألفين وأنزله المدينة، وقال هشام: أنزله دار رملة، وأحسن إليه، وسُرَّ بإسلامه.
وقال الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين، إنك نهيتَنا عن الانسياح في البلاد، وأمرتَنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وما دام مَلك فارس حيًّا بين أظهرهم لا يزالون يساجلونا، وإنه هو الذي يَبعثهم على ذلك، ولن يجتمع مَلكان قط، فأْذن لنا في الانسياح في بلإدهم حتى نُزيلَه عن مُلك فارس، فإما أن نَقتُلَه، وإما أن نُزيلَه ونُلجئه إلى مَملكةٍ أخرى غير مملكته، ورعيةٍ غير رعيته، فنَأمن شرَّه، ويَنقطع رجاءُ أهل فارس منه، قال: صدقتَ، ثم إنه انتهى إلى رأي الأحنف، وأذِنَ لهم في الانسياح في البلاد،
стр. 2243
وبعث كلَّ أميرٍ إلى ناحية (١).
هذا ويزدجرد بن كسرى مُقيمٌ بمَرْو، وقد أمِن على نفسه، وبنى القصور، واتَّخذ بيت نارٍ، واتّخذ بُستانًا عظيمًا، وبنى فيه القِباب، وغرس الأشجار، وأقام إقامةَ مُطمئن، وكانت الفرس تُكاتبه وتَحفظ عهدَه في الأماكن التي لم يصل إليها المسلمون، وورد على عمر كتاب بأن الفرس قد اجتمعوا في نهاوند.
فصل حديث السّوس
قال علماءُ السير: كتب عمر إلى ابن أبي رُهمٍ بمُنازلة السُّوس، فنازلها، وحاصرهم أيامًا وقاتلهم، وأشرف عليهم الرُّهبان، وقالوا: يا معاشر العرب، إن مما عَهد إلينا علماؤنا ألا يَفتح السوسَ إلا الدجالُ، أو قومٌ فيهم الدجال، وكان ابن صيّادٍ مع المسلمين، فأتى بابَ السوس فضربه برجله وقال: انفتِح، فتقطعت السلاسلُ وتفتَّحت الأبواب، ودخل المسلمون، فألقى الكفار بأيديهم وقالوا: الصُّلحَ الصلح، فأجابوهم.
قلت: وقد ذكر ابن سعدٍ ابنَ صيّادٍ فقال: اسمه عبد اللَّه، ويقال: صاف، كان أبوه من اليهود، ولا يُدرى من هو، ولد على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وهو أعور مَختون (٢).
وكان جماعة من الصحابة يظنون أنه الدجال، وكان جابر بن عبد اللَّه يحلف باللَّه أنه الدجال، قال محمد بن المنكدر: فقلتُ لجابر: أتحلف باللَّه؟ فقال: سمعتُ عمر ابن الخطاب يَحلف على ذلك عند رسول اللَّه ﷺ ، ورسول اللَّه ﷺ لا يُنْكِرُهُ (٣).
ولمسلم عن أبي سعيد قال: صحبتُ ابن صيّاد إلى مكة، فقال لي: يا أبا سعيد، أما قد لقيتُ من الناس، يزعمون أني الدّجال، ألستَ سمعتَ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنه لا يُولَد له"؟ قلتُ: بلى، قال: فقد وُلد لي، أو ليس سمعتَ رسول اللَّه ﷺ يقول إنه: "لا يدخل الدجالُ المدينة ولا مكة"؟ قلتُ: بلى، قال: فقد وُلدتُ بالمدينة، وها أنا أريد مكة، ثم قال: أما واللَّه، إني لأعلم مَولد الدجّال ومكانَه وأين هو؟ قال: فلَبَسَني،
стр. 2244
وأخذَتْني منه ذَمامة.
وفي رواية: فقال: مالي ولكم يا أصحاب محمد! ألم يَقل نبيُّ اللَّه: "إن الدجَّال يهوديٌّ" وقد أسلمتُ، و"إن اللَّه قد حرَّم عليه المدينة" وقد حججتُ، قال: فما زال حتى كاد أن يَأخذني من قوله، ثم قال. واللَّه إني لأعرف الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمَّه (١)، فقيل له: أيَسرُّك أنك ذلك الرجل؟ فقال: لو عُرض عليَّ ما كرهتُ (٢).
وروى ابن سعدٍ عن محمد بن كعبٍ القرظي قال: كنا بالأهواز، فقيل: مات ابن صائد، فأخرج بنوه نعشًا لا يُدرى ما فيه.
قال ابن سعد: ومن ولده عمارةُ بن عبد اللَّه بن صيّاد، من خيار المسلمين، وكان من أصحاب ابن المسيّب، وروى عنه مالك بنُ أنس (٣).
حديث دانيال
قال أبو اليقظان وغيره: ولما فُتحت السوس، قيل لأبي سبرة بن أبي رُهم (٤): إن في السوس جسد دانيال -وكان في مغارةٍ يَستسقون به- وتوجَّه أبو سبرة إلى جُنْدَيْ سابور، وأقام أبو موسى الأشعري بالسُّوس، وجاء إلى المغارة فرآه مُلقى وفي يده خاتم من حديدٍ، وعليه منقوشٌ صورة رجلٍ بين أسدَين، وكان بُختنصَّر قد رماه بين أسدين فنجاه اللَّه منهما، فنقش ذلك على خاتمه شُكرا للَّه تعالى، وكتب أبو موسى الأشعريُّ إلى عمر يُخبره بذلك، فكتب إليه يَأمره بمواراته، وكتب عمر إلى لسعدٍ بأن يشن الغارات في بلاد فارس.
وفيها تزوَّج عمر أمَّ كلثوم بنت عليِّ بن أبي طالب، وأمُّها فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ، وكان قد خطبها وهي جاريةٌ لم تَبلُغ، وقيل: كانت بنت أربع سنين.
стр. 2245
وقال ابن سعد بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب خطب إلى عليٍّ ابنتَه أمَّ كلثوم (١)، فقال علي: إنما حبستُ بناتي علي بني جعفر، فقال عمر: واللَّه مالي بالنساء حاجة، ولكني سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "كلُّ حَسبٍ ونَسبٍ يَنقطع يومَ القيامة إلَّا حسبي ونسبي"، وإني صحبتُه، وأحببتُ أن يكون لي هذا. فقال علي: قد فعلتُ، فخرج عمر إلى الصحابةِ وقال: رفِّئوني، فرفئوه، وقالوا: بمن؟ فأخبرهم.
وقال الواقدي: لما خطبها عمرُ قال له علي: يا أمير المؤمنين، إنها صبية، فقال عمر: قد علمنا ما بك، فأمر عليٌّ بها فصُنّعت، ثم أمر ببُرده فطواه، ثم قال: انطلقي بهذا إلى أمير المؤمنين وقولي له: إن رضيتَ بهذا البُرد فأمسكه، وإلا فاردُدْه، فجاءت إلى عمر فقال لها: بارك اللَّه فيك وفي أبيك، قد رضينا، فرجعت إلى أبيها فقالت: ما نَشر البُردَ، ولا نظر إليه، فزوّجها إياه (٢). وسنذكرها عند وفاتها، وحج عمر بالناس.
فصل (٣) وفيها توفي
البراء بن مالك
ابن النَّضر بن ضَمْضَم، أخو أنس لأمه وأبيه، وهو من الطبقة الثانية من الأنصار، شهد أُحدًا وما بعدها من المشاهد مع رسول اللَّه ﷺ ، وكان شجاعًا، قتل مئةَ رجلٍ مُبارزة، وكتب عمر رضوان اللَّه عليه إلى العراق: لا تستعملوا البراء على جيشٍ من جيوش المسلمين؛ فإنه مَهلكة يَقدم [بهم].
وهو الذي هزم الكفارَ يومَ اليمامة، ووقف في ثُلمة الحديقة وقال: ارفعوني على