إلينا مَن تختار، فجهَّز إليهم الهرمزان في جيشٍ كثيفٍ، فنزل رامَهُرْمز، واتَّفق أهل الأهواز وتعاهدوا على المسلمين، وكُتب إلى عمر بذلك، فبعث إلى سعد: ابعث إلى الأهواز النعمان بنَ مُقَرِّن، وسويد بنَ مقرن، وجرير بنَ عبد اللَّه، وكتب إلى أبي موسى: أن ابعث إلى الأهواز جيشًا كثيفًا، وأمَّر عليهم سهل بنَ عديّ، وابعث معه البراء بنَ مالك في جماعةٍ سمَّاهم، وعلى أهل الكوفة والبصرة أبو سبرة بن أبي رُهْم، وكلُّ مَن أتاه كان مدَدًا له.
وخرج النُّعمان بن مقرِّن في أهل الكوفة حتى قطع دجلة بِحيال مَيْسان، ثم أخذ طريق البرِّ إلى الأهواز فانتهى إلى نهر تِيرى فجاوزها، ثم انتهى إلى مَناذرٍ وسوق الأهواز وقصد الهُرمزان -وهو يومئذ برامَهُرْمُز- فسار إلى النّعمان وبادره قبل أن تنضمّ إليه جيوش المسلمين، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وانهزم الهرمزان إلى تُستَر، وجاء النعمان فنزل برامهرمز.
وكان الهرمزان قد صالح المسلمين ثم نكث، فحاصروه في تستر، وأقاموا عليه مدَّةً، وزحفوا عليهم ثمانين مرة، فلما كان في آخر زحفٍ واشتدَّ القتال قال الناس للبراء بن مالك: يا براء، أقسم على ربك ليهزمنَّهم لنا فقال: اللهمَّ اهزمهم واستَشْهدني، فاستشهد البراءُ في ذلك اليوم، وهزموهم حتى ألجؤوهم إلى الخنادق، وتقدَّم المسلمون فأحاطوا بالمدينة، وأزالوهم عن أماكنهم، وخرج إليهم رجلٌ مُستأمن، فدلَّ النعمان بنَ مُقرِّن على مكانٍ يَدخلُ منه إلى البلد، وجاؤوا فدخلوا، وهرب الهرمزان إلى القلعة، فأحاطوا به، فاطَّلع عليهم وبيده قوسُه وجَعبته وقال: في هذه الجَعْبة مئةُ نُشَّابة، واللَّه لا تَصلون إلي حتى أقتل مئةَ رجل من أعيانكم، قالوا: فماذا تريد؟ قال: أنزل على حُكم عمر يَفعلُ بي ما شاء، قالوا: نعم، فنزل فأخذوا سلاحَه وأوثقوه، واقتسموا الغنائم، فكان سهمُ الفارس ثلاثة آلافٍ، والراجل ألفًا.
وخرج من تُستَر جماعةٌ من الفُرس، فقصدوا السُّوس، واتبعهم أبو سَبْرة، ثم إن أَبا سَبْرة كتب إلى عمر بالفتح، وبعث إليه بالهُرمزان ومعه أنس بنُ مالك والأحنف بن قيس وجماعةٌ من الأعيان، فلما وصلوا المدينة أَلبسوا الهرمزان ثيابَه الدِّيباج وسلاحَه، ووضعوا على رأسه تاجَه -وكان مُرَصَّعًا باليواقيت والجواهر- ليراه المسلمون على
стр. 2242
هيئته، وكان عمر نائمًا في المسجد، فقال الهُرمزان: أين عمر؟ فقالوا: ها هو ذا، فقال: أين حُجَّابُه وحُرَّاسُه؟ قالوا: ليس له حاجبٌ ولا حارسٌ، فقال: هذا واللَّه الملكُ الهَنيُّ من غير تعبٍ، وفي روايةٍ: يَنبعْي أن يكون هذا نبيًا.
وانتبه عمر فقال: أين الهُرمزان؟ فقالوا: ها هو ذا يَا أمير المؤمنين، فلم يُكلّمه، قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا ملكُ الأهواز فكلّمه، فقال: لا، حتى لا يَبقى عليه من حِليته شيء، فرمَوا جميع ما عليه، وألبسوه ثوبًا صَفيقًا، وأحضره بين يديه، وقال له: كيف رأيتَ وَبالَ الغدر؟ فقال له: يا عمر، إنَّا غَلبناكم في الجاهليّة حيث كان اللَّه معنا، فلما صار معكم غلبتمونا، فقال له عمر: ما عُذرك في انتقاضك مرَّة بعد مرة؟ قال: أخاف أن تَقتلني قبل أن أُخبرك، قال: لا تَخفْ، لا بأسَ عليك.
فاستسقى ماءً، فأُتي به في قَدَح غليظ، فقال: لو متُّ عَطشا لم أستطع الشُّرب في هذا، فأُتي بإناء يرضاه، وقيل: بإناء زجاجٍ، فأخذه بيده، وجعلت يده ترعد فقال عمر: مالك؟ قال: أخاف أن أُقتل قبل أن أَشرب، فقال: لا بأس عليك حتى تَشربَه، فضرب به الأرضَ فكسره، فقال عمر: أعيدوا عليه الماء، ولا تَجمعوا عليه القتلَ والعطش، فقال الهرمزان: لا حاجةَ لي في الماء، وإنما أردتُ أن أستَأمن به، فقال عمر: فإني قاتلُك، قال: إنك قد أمَّنتني، قال: كذبتَ، فقال أنس: صدق قد أَمَّنتَه، قال: ويحك يا أنس، أنا أُؤمِّنه وقد قتل البراء بن مالك وغيره، واللَّه لتأتينَّ بالمخرج أو لأُعاقبنَّك، قال: نعم يَا أمير المؤمنين، قلت: لا بأس عليك حتى تُخبرَني، ولا بأس عليك حتى تشرب الماء، وقالت الصحابة مثلَ قول أنسٍ، فأقبل عمرُ على الهُرمزان وقال: أتَخْدعُني؟ واللَّه لا أنخدع إلا أن تُسلم، فأسلم، ففرض له ألفين وأنزله المدينة، وقال هشام: أنزله دار رملة، وأحسن إليه، وسُرَّ بإسلامه.
وقال الأحنف بن قيس: يا أمير المؤمنين، إنك نهيتَنا عن الانسياح في البلاد، وأمرتَنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وما دام مَلك فارس حيًّا بين أظهرهم لا يزالون يساجلونا، وإنه هو الذي يَبعثهم على ذلك، ولن يجتمع مَلكان قط، فأْذن لنا في الانسياح في بلإدهم حتى نُزيلَه عن مُلك فارس، فإما أن نَقتُلَه، وإما أن نُزيلَه ونُلجئه إلى مَملكةٍ أخرى غير مملكته، ورعيةٍ غير رعيته، فنَأمن شرَّه، ويَنقطع رجاءُ أهل فارس منه، قال: صدقتَ، ثم إنه انتهى إلى رأي الأحنف، وأذِنَ لهم في الانسياح في البلاد،
стр. 2243
وبعث كلَّ أميرٍ إلى ناحية (١).
هذا ويزدجرد بن كسرى مُقيمٌ بمَرْو، وقد أمِن على نفسه، وبنى القصور، واتَّخذ بيت نارٍ، واتّخذ بُستانًا عظيمًا، وبنى فيه القِباب، وغرس الأشجار، وأقام إقامةَ مُطمئن، وكانت الفرس تُكاتبه وتَحفظ عهدَه في الأماكن التي لم يصل إليها المسلمون، وورد على عمر كتاب بأن الفرس قد اجتمعوا في نهاوند.
فصل حديث السّوس
قال علماءُ السير: كتب عمر إلى ابن أبي رُهمٍ بمُنازلة السُّوس، فنازلها، وحاصرهم أيامًا وقاتلهم، وأشرف عليهم الرُّهبان، وقالوا: يا معاشر العرب، إن مما عَهد إلينا علماؤنا ألا يَفتح السوسَ إلا الدجالُ، أو قومٌ فيهم الدجال، وكان ابن صيّادٍ مع المسلمين، فأتى بابَ السوس فضربه برجله وقال: انفتِح، فتقطعت السلاسلُ وتفتَّحت الأبواب، ودخل المسلمون، فألقى الكفار بأيديهم وقالوا: الصُّلحَ الصلح، فأجابوهم.
قلت: وقد ذكر ابن سعدٍ ابنَ صيّادٍ فقال: اسمه عبد اللَّه، ويقال: صاف، كان أبوه من اليهود، ولا يُدرى من هو، ولد على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وهو أعور مَختون (٢).
وكان جماعة من الصحابة يظنون أنه الدجال، وكان جابر بن عبد اللَّه يحلف باللَّه أنه الدجال، قال محمد بن المنكدر: فقلتُ لجابر: أتحلف باللَّه؟ فقال: سمعتُ عمر ابن الخطاب يَحلف على ذلك عند رسول اللَّه ﷺ ، ورسول اللَّه ﷺ لا يُنْكِرُهُ (٣).
ولمسلم عن أبي سعيد قال: صحبتُ ابن صيّاد إلى مكة، فقال لي: يا أبا سعيد، أما قد لقيتُ من الناس، يزعمون أني الدّجال، ألستَ سمعتَ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنه لا يُولَد له"؟ قلتُ: بلى، قال: فقد وُلد لي، أو ليس سمعتَ رسول اللَّه ﷺ يقول إنه: "لا يدخل الدجالُ المدينة ولا مكة"؟ قلتُ: بلى، قال: فقد وُلدتُ بالمدينة، وها أنا أريد مكة، ثم قال: أما واللَّه، إني لأعلم مَولد الدجّال ومكانَه وأين هو؟ قال: فلَبَسَني،
стр. 2244
وأخذَتْني منه ذَمامة.
وفي رواية: فقال: مالي ولكم يا أصحاب محمد! ألم يَقل نبيُّ اللَّه: "إن الدجَّال يهوديٌّ" وقد أسلمتُ، و"إن اللَّه قد حرَّم عليه المدينة" وقد حججتُ، قال: فما زال حتى كاد أن يَأخذني من قوله، ثم قال. واللَّه إني لأعرف الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمَّه (١)، فقيل له: أيَسرُّك أنك ذلك الرجل؟ فقال: لو عُرض عليَّ ما كرهتُ (٢).
وروى ابن سعدٍ عن محمد بن كعبٍ القرظي قال: كنا بالأهواز، فقيل: مات ابن صائد، فأخرج بنوه نعشًا لا يُدرى ما فيه.
قال ابن سعد: ومن ولده عمارةُ بن عبد اللَّه بن صيّاد، من خيار المسلمين، وكان من أصحاب ابن المسيّب، وروى عنه مالك بنُ أنس (٣).
حديث دانيال
قال أبو اليقظان وغيره: ولما فُتحت السوس، قيل لأبي سبرة بن أبي رُهم (٤): إن في السوس جسد دانيال -وكان في مغارةٍ يَستسقون به- وتوجَّه أبو سبرة إلى جُنْدَيْ سابور، وأقام أبو موسى الأشعري بالسُّوس، وجاء إلى المغارة فرآه مُلقى وفي يده خاتم من حديدٍ، وعليه منقوشٌ صورة رجلٍ بين أسدَين، وكان بُختنصَّر قد رماه بين أسدين فنجاه اللَّه منهما، فنقش ذلك على خاتمه شُكرا للَّه تعالى، وكتب أبو موسى الأشعريُّ إلى عمر يُخبره بذلك، فكتب إليه يَأمره بمواراته، وكتب عمر إلى لسعدٍ بأن يشن الغارات في بلاد فارس.
وفيها تزوَّج عمر أمَّ كلثوم بنت عليِّ بن أبي طالب، وأمُّها فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ، وكان قد خطبها وهي جاريةٌ لم تَبلُغ، وقيل: كانت بنت أربع سنين.
стр. 2245
وقال ابن سعد بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب خطب إلى عليٍّ ابنتَه أمَّ كلثوم (١)، فقال علي: إنما حبستُ بناتي علي بني جعفر، فقال عمر: واللَّه مالي بالنساء حاجة، ولكني سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "كلُّ حَسبٍ ونَسبٍ يَنقطع يومَ القيامة إلَّا حسبي ونسبي"، وإني صحبتُه، وأحببتُ أن يكون لي هذا. فقال علي: قد فعلتُ، فخرج عمر إلى الصحابةِ وقال: رفِّئوني، فرفئوه، وقالوا: بمن؟ فأخبرهم.
وقال الواقدي: لما خطبها عمرُ قال له علي: يا أمير المؤمنين، إنها صبية، فقال عمر: قد علمنا ما بك، فأمر عليٌّ بها فصُنّعت، ثم أمر ببُرده فطواه، ثم قال: انطلقي بهذا إلى أمير المؤمنين وقولي له: إن رضيتَ بهذا البُرد فأمسكه، وإلا فاردُدْه، فجاءت إلى عمر فقال لها: بارك اللَّه فيك وفي أبيك، قد رضينا، فرجعت إلى أبيها فقالت: ما نَشر البُردَ، ولا نظر إليه، فزوّجها إياه (٢). وسنذكرها عند وفاتها، وحج عمر بالناس.
فصل (٣) وفيها توفي
البراء بن مالك
ابن النَّضر بن ضَمْضَم، أخو أنس لأمه وأبيه، وهو من الطبقة الثانية من الأنصار، شهد أُحدًا وما بعدها من المشاهد مع رسول اللَّه ﷺ ، وكان شجاعًا، قتل مئةَ رجلٍ مُبارزة، وكتب عمر رضوان اللَّه عليه إلى العراق: لا تستعملوا البراء على جيشٍ من جيوش المسلمين؛ فإنه مَهلكة يَقدم [بهم].
وهو الذي هزم الكفارَ يومَ اليمامة، ووقف في ثُلمة الحديقة وقال: ارفعوني على
стр. 2246
رماحكم، وجلس في تُرس، فرفعوه فألقَوه، فقتل عشرةً، وقتل مسيلمة.
قال أنس بن مالك: قال رسول اللَّه ﷺ : "كم من ضعيفٍ مُستضعَفٍ، ذي طمرين، لو أقسم على اللَّه لأبرَّه، منهم البراءُ بنُ مالك" (١)، وإن البراء لقي زَحْفًا من المشركين، وقد أوجف (٢) المشركون في المسلمين، فقالوا له: يا براء، إن رسول اللَّه ﷺ قال إنك لو أقسمتَ على اللَّه لأبرَّك، فأقسمْ على ربِّك، فقال: يا رب، أقسمتُ عليك لما مَنحتَنا أكتافَهم، فمُنحوا أكتافَهم، ثم التقوا على قَنطرة السُّوس، فأوجفوا في المسلمين، فقال: أقسمتُ يا ربّ لما مَنحتَنا أكتافَهم وألحقتَني بنبييّ ﷺ ، فمُنحوا أكتافهم، وقُتل البراءُ شهيدًا ﵁ (٣).
الحُباب بن المنذر
ابن الجموح بن زيد بن حرام، وكنيته أبو عمرو، من الطبقة الأولى من الأنصار شهد بدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، وكان لِواءُ الخزرج بيده يوم بدر، وهو ابن ثلاثة وستين سنة (٤).
وهو القائل يوم بدر لرسول اللَّه ﷺ : آللَّه أمرك أن تَنزل هذا المنزل؟ قال: لا، قال فارتحِل، فجاء جبريل فقال: الرأيُ ما قال حُباب، وهو الذي قال يوم حاصر رسول اللَّه ﷺ النَّضير وقُريظة: أرى أن نَنزل بين قصورهم، فنمنع خبرَ هؤلاء عن هؤلاء، فأخذ بقوله.
وهو القائل يوم السَّقيفة: أنا جُذَيلُها المُحَكَّك وعُذَيْقُها المُرَجَّب، منّا أميرٌ ومنكم [أمير] وله صحبة ورُؤية، وليس له رواية ﵁ (٥).
стр. 2247
حُدَيْر
رجل من الصحابة (١)، ولم يُذكر له نسب.
حدثنا جدي ﵀ بإسناده عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ بعث جيشًا فيهم رجل يُقال له: حُدير، وكانت تلك السنة قد أصابتْهم شِدَّةٌ من قلَّة الطعام، فزوَّدهم رسولُ اللَّه ﷺ ، ونسي أن يزوِّدَ حُدَيرًا، فخرج حدير صابرًا مُحتسبًا في آخر الركب يقول: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، والحمدُ للَّه، وسبحان اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم، ويقول: نِعم الزادُ زادُك يَا حُدَير، يُردِّدها وهو في آخر الركب.
فجاء جبريل إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: إن ربي أرسلني إليك يُخبرك أنك زوَّدتَ أصحابك ونسيتَ أن تُزوِّد حُدَيرًا، وهو يقول كذا وكذا، وكلامه نورٌ له يوم القيامة ما بين السماء والأرض، فابعث إليه بزاد.
فدعا رسولُ اللَّه ﷺ رجُلًا، فدفع إليه زادًا لحُدَيرٍ، وأمره إذا انتهى إليه حَفِظ ما يقول، وإذا دفع إليه الزاد حَفِظ ما يقولُ، وقال له: اقرأ عليه¬ السلام وقيل له: إن رسول اللَّه ﷺ نسي أن يُزوِّدك، وإنما جاءه جبريل فذكَّره بك.
فانتهى إليه وهو يقول تلك الكلمات، فأدَّى إليه الرسالة، فحمد اللَّه وأثنى عليه، وصلّى على رسوله وقال: الحمد للَّه الذي ذكرني من فوق عرشه وسبع سماواته، ورَحِم جوعي وضَعفي، ياربّ، كما لم تنس حُدَيرًا فاجعل حُدَيرًا لا ينساك.
قال: فحفظ عنه الرجل ما قال، ورجع فأخبر النبيَّ ﷺ بما قال، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أما إنك لو رفعتَ رأسَك إلى السماء لرأيتَ لكلامه نورًا ساطعًا بين السماء والأرض" (٢).
وفي الصحابة مَن اسمُه حُدير رجلان: أحدهما هذا وليس له رواية، والثاني حُدَير مولى بني سُلَيم وكنيته أبو فروة، له صحبةٌ وروايةٌ (٣).
стр. 2248
ربيعة بن الحارث
ابن عبد المطلب بن هاشم، ابنُ عمِّ رسول اللَّه ﷺ ، وكنيته أبو أروى، من الطبقة الثانية من المهاجرين، وكان أسنَّ من العباس بسنتين، وقيل بسبع سنين.
ولما خرج العباس ونَوفل إلى المدينة مُهاجرَيْن أيام الخندق شيّعهما إلى الأبواء، وهَمَّ بالرجوع إلى مكة، فقالا له: إلى أين تَرجع؟ إلى دار الشِّرك إلى قوم يُحاربون اللَّه ورسوله، وقد أعزَّه اللَّه، وكثَّر أنصارَه، فرجع معهما إلى المدينة مُسلِمين، ثم شهد مع رسول اللَّه ﷺ فتحَ مكة وحنينًا، وثبت معه يومئذٍ، وشهد الطائف، وذكره بالمدينة في بني حُديلة، وقال فيه رسول اللَّه ﷺ : "نِعم الرجلُ ربيعة لو قصَّر من شعره، وشَمَّر من ثوبه" ففعل، وأطعمه رسول اللَّه ﷺ بخيبر مئةَ وسْق (١).
العلاء بن الحَضْرميّ
واختلفوا في اسم الحضرمي. فقال ابن سعد: اسمه عبد اللَّه بن ضِماد بن سلمى ابن أكبر، من حضر موت من اليمن (٢)، وقيل: عماد بن مالك، وقيل: عبد اللَّه بن عماد، والعلاءُ حليف (٣) لبني أمية بن عبد شمس.
وذكر ابن سعد العلاء في الطبقة الثانية من المهاجرين، وأخوه ميمون بن الحَضْرميّ صاحبُ البئر التي بأعلى مكة بالأَبطح، يقال لها بئر مَيمون، مشهورةٌ على طريق العراق، وكان حفرها في الجاهلية (٤)، وعندها مات أبو جعفر المنصور.
بعثه رسول اللَّه ﷺ إلى المنذر بن ساوى بالبحرين بكتابه، يدعوه فيه إلى اللَّه تعالى، مُنصرَفَه من الجِعِرَّانة، وفيه فرائض الصَّدقة، ولما وَلَّى رسول اللَّه ﷺ العلاء البحرين، بعث معه نفرًا منهم أبو هريرة ﵁، وقال له: "استوص به خيرًا"، قال أبو هريرة: فقال
стр. 2249
لي العلاء: انظر ما تحب فقال: تجعلني أُؤذّن لك، ولا تَسبقني بآمين، فأعطاه ذلك.
وكان رسول اللَّه ﷺ قد كتب إلى العلاء أن يَقدم عليه بعشرين رجلًا من عبد القيس، فقدم عليه بهم، ورئيسُهم عبد اللَّه بن عوف الأشجّ، واستخلف العلاءُ على البحرين المنذر بن ساوَى، فشكا الوفدُ العلاءَ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فعَزله عنهم، وولَّى أَبان بن سعيد بن العاص عليهم، وقال له: "استَوصِ بعبد القيس خيرًا وأكرم سَراتهم".
فلم يزل أَبان على البحرين حتى قبض رسول اللَّه ﷺ ، فقدَم على أبي بكر رضوان اللَّه عليه، فقال له: ارجع إلى عملك، فقال: لا واللَّه، لا أعملُ لأحدٍ بعد رسول اللَّه ﷺ ، فلما امتنع دعا العلاءَ، فولاه البحرين، فخرج من المدينة في ستةَ عشر راكبًا، معه فُرات بنُ حيَّان العجليّ دليلًا، وكتب معه كتابًا أن يَنفر معه كلُّ مَن مَرَّ به من المسلمين.
فسار حتى نزل بحِصن جُواثا، فقاتلهم فلم يُفلت منهم أحد، ثم أتى إلى القَطيف وبها جمع من العجم فقاتلهم، فأصاب منهم طرفًا، فانضمَّت الأعاجم إلى الزَّارة، فأتاهم العلاء، فنزل الخَطّ على ساحل البحر، فقاتلهم وحاصرهم؛ إلى أن توفي أبو بكر رضوان اللَّه عليه، وولي عمر رضوان اللَّه عليه، وطلب أهلُ الزَّارة الصُّلْحَ، فصالحهم العلاء، ثم عبر إلى أهل دَارِين فقاتلهم، فقتل المقاتلة، وحوى الذَّراري، وبعث عَرْفَجة ابن هَرْثَمة إلى أسيافِ فارس، فقطع في السفن، فكان أوَّل مَن فتح جزيرةً بأرض فارس، واتخذ فيها مسجدًا، وأغار على بارِنْجان والأسياف، وذلك في سنة أربعَ عشرة.
قال الشعبي: كتب عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه إلى العلاء بن الحَضْرميّ وهو بالبحرين أن سِرْ إلى عُتبة بن غزوان، فقد وَليتُك عملَه، واعلم أنك تَقدم على رجلٍ من المهاجرين الأوَّلين، الذين سبقتْ لهم من اللَّه الحُسنى، لم أعزِلْه ألا يكون عفيفًا صَليبًا في دين اللَّه، شديدَ البأس ولكنني ظننتُ أنك أغنى عن المسلمين في تلك الناحية منه، فاعرف له حقَّه، وقد ولَّيتُ قبلَك رجلًا، فمات قبل أن يَصل، فإن يُرد اللَّه أن تليَ وليت، وإن يرد اللَّه أن يليَ عُتبة فالخلقُ والأمر للَّه رب العالمين، واعلم أن أمر اللَّه مَحفوظ بحِفظه الذي أنزله، فانظر الذي خُلقتَ له فاكْدَح له، ودَعْ ما سواه، فإن الدنيا أمَدٌ، والآخرة أبد، فلا يُشغلنكم شيءٌ مُدبِرٌ خيرُه، عن شي باقٍ خيرُه، واهرب إلى اللَّه من سَخَطِه، فإن اللَّه يجمع لمن شاء الفَضيلة حِلمه وعلمه، نسألُ اللَّه لنا ولكم العَونَ على طاعته، والنجاةَ من عذابه.
стр. 2250
فخرج العلاءُ من البحرين في رهطٍ منهم أبو هريرة وأبو بَكرة، فلما كانوا بتِياس قريبًا من الصّعاب -والصّعابُ من أرض بني تميم- مات العلاء ﵁، ورجع أبو بكرة إلى البصرة، فكان أبو هريرة يقول: رأيتُ من العلاء ثلاثةَ أشياء، لا أزال أحبُّه أبدًا، رأيتُه قطع البحر على فرسه يوم دارِين، وقدم من المدينة يُريد البَحرين، فلما كان بالدهناء نَفِد ماؤهم، فدعا اللَّه فنبع لهم ماء من تحت رَمْلة، فارتَووا وارتحلوا، وأُنسِيَ رجلٌ منهم بعضَ مَتاعه، فرجع فلم يَجدِ الماء، وخرجتُ معه من البحرين إلى سِيف البصرة، فلما كنا بتِياس مات العلاء، ونحن على غير ماء، فأبدى اللَّه سحابةً فمُطِرنا، فغسّلناه، وحفَرنا له بسيوفنا ولم نُلحِد له، ودَفَنَّاه ومَضينا، فقلنا: رجلٌ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ دَفنّاه ولم نُلحد له، فرجعنا فلم نجد مَوضع قبره (١).
وقال هشام: كان العلاءُ مُجاب الدعوة.
قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل بإسناده عن سهم بن مِنجاب قال: غزونا مع العلاء ابن الحَضرميّ دارِين، فدعا بثلاث دَعوات، فاستجاب اللَّه له فيهن، نزلنا مَنزلًا، فطلبنا الماء لنتوضأ فلم نجدْه، فصلَّى ركعتين وقال: اللهمَّ إنَّا عبيدك، ونقاتل عدوَّك في سبيلك، فاسقِنا غيثًا نَتوضأ منه ونشرب، فإذا توضأنا لم يكن لأحدٍ فيه نصيبٌ غيرنا.
قال: فسرنا قليلًا وإذا نحن بماءٍ حين أقلعت السماءُ عنه، فتوضَّأنا وشربنا منه وتزوَّدنا، وملأت إداوتي، وتركتُها مكانَها حتى أَنظرُ هل استُجيبَ له أم لا؟ فسرنا قليلًا، فقلتُ لأصحابي: نسيتُ إداوتي في ذلك المكان، فجئتُ وإذا بمكانه كأنه لم يُصبْه الماء قط. ثم سِرنا، فأتينا دارِين والبحرُ بيننا وبينهم، فقال: يا عليم يا حكيم يا عليّ يا عظيم، إنَّا عبيدُك وفي سبيلِك، ثم اقتحم البحرَ فخُضنا وما يَبلغُ الماءُ لُبودَنا، فخرجْنا إليهم، فلما رجعنا أخذه البطنُ فمات، فطلبنا ماءً لنغسله به فما وَجدنا، فلففناه في ثيابه ودفنّاه، وسِرنا غير بعيدٍ، وإذا نحن بماءٍ كثيرٍ، فقلنا: لو رجعنا فاستخرجناه فغسلناه، فرجعنا فلم نجدْه، فقال رجل من القوم: إنّي سمعتُه يقول: يا عليُّ يَا عظيم يا حكيم، أخف عنهم موتي، ولا تُطلع على عورتي أحدًا، قال: فرجعنا وتركناه. قال: وكان الحسن يزيد فيه: يا حليم (٢). وروي أن رجلًا من أهل البصرة دخلت في أُذنه
стр. 2251
حصاةٌ، فوصلت إلى صِماخه، فأسهرت ليلَه، ونَغَّصتْ عيشةَ نهاره، وعجز الأطباء عن استخراجها، فقال الحسن: فأين أنتَ من دعوة العلاء بن الحَضْرميّ التي كان يدعو بها؟ فدعا بها، فخرجت الحصاةُ من أُذنه ولها طنينٌ، فضربت الحائط (١).
أسند العلاء الحديث عن رسول اللَّه ﷺ ، وتوفي العلاءُ في سنة سبعَ عَشْرة، وقيل: سنةَ خمس عشرة، والأوَّل أصحُّ (٢).
عمرو بن عَبَسة
ابن خالد بن حُذيفة السُّلَميّ، من الطبقة الثالثة من بني سُلَيم، أسلم قديمًا بمكّة، ورجع إلى بلاد قومه، ثم قَدِم المدينة بعد خيبر، وأقام بها حتى تُوفّي رسول اللَّه ﷺ ، فخرج إلى الشام، فشهد اليرموك، وكان أحد الأُمراء يومئذٍ، ثم نزل حمص، فأقام بها حتى توفي بها سنة سبع عشرة، وشهد مع رسول اللَّه ﷺ الطائف ورمى إليه بأَسهم، وكان يقول: رميتُ قصرَ الطَّائف بستة عشر سهمًا، وكان يقول: أنا رابعُ أربعة في الإِسلام، وكنيتُه أبو نَجيح.
حديث إسلامه: قال عمرو بن عَبَسة: فَكَّرتُ في آلهة قومي، وإذا بها حجارةٌ لا تضرُّ ولا تَنفع، فعلمتُ أن ذلك باطل، فلقيت رجلًا من أهل تيماء، فقلتُ: إني امرؤٌ ممَّن يَعبدُ الحجارة، فينزل الحيّ ليس معهم إله، فيخرج الرجل منهم، فيأتي بأربعة أحجار، فيَنصِبُ ثلاثةً لقِدره، ويَجعلُ أحسنَها إلهًا يَعبُده، ثم لعله يَجد ما هو أحسن قبل أن يَرتحل، فيأخُذه ويتركه، فقال: يَخرج رجل من أهل مكة، يَرغب عن آلهة قومه، فاتَّبعْه فإنه على الحقّ.
فكنتُ آتي مكة، فاسألُ عنه، وأتجسَّسُ (٣) الأخبار، حتى قالوا: حدث رجلٌ يَرغبُ عن آلهةِ قومه، فتلطَّفتُ حتى رأيتُه، فقلتُ له: مَن أَنْتَ؟ فقال: "أنا نبيٌّ أرسلني
стр. 2252
اللَّه"، قلتُ: بأيّ شيء؟ قال: "بصِلَةِ الأرحام، وكسر الأوثان، وأن نُوحِّدَ اللَّه لا نُشرِكَ به شيئًا"، قلتُ: فمَن معك على هذا؟ قال: "حرٌّ وعبد"، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال، فقلتُ له: إني مُتَّبعُك، فقال: "لا تستطيع ذلك يَومك هذا"، قلتُ: ولمَ؟ قال: "ألا ترى حالي وحال الناس، ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعتَ أني قد ظهرتُ فائتني"، فذهبتُ إلى أهلي، وقَدِم رسول اللَّه ﷺ المدينة، فقدمتُ عليه، فقلتُ: يا رسول اللَّه، أتعرفني؟ قال؟ "نعم، أَنْتَ الذي لقيتَني بمكة". أسند عمرو ﵁ الحديث (١).
أبو خيثمة
واسمُه مالك بن [قيس بن] ثعلبة بن العَجْلان الأنصاريّ ﵁، من الطبقة الثانية من الأنصار، شهد أُحدًا وما بعدها من المشاهد، وهو الذي تأخَّر عن رسول اللَّه ﷺ في غزاة تبوك، ثم قَدم عليه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "كُن أَبا خيثمة". وليس له رواية (٢).
* * *
стр. 2253
السنة الثامنة عشرة من الهجرة
وتُسمّى عامَ الطَّاعون، وعامَ الرمادة، تفانى فيه الناس. قال الجوهري: وطاعون عَمْواس أولُ طاعونٍ كان في الإِسلامِ بالشام، والطاعون: الموتُ [الوَحيُّ] في الوَباء (١).
وعَمْواس: قريةٌ من قُرى الساحل في الأَطْرُون معروفة.
وقال هشام (٢): مات بطاعون عَمْواس في الشام ثلاثون ألفًا، وقيل: خمسةٌ وعشرون ألفًا.
ولما وقع كتب عمر رضوان اللَّه عليه إلى أبي عبيدة ﵁: أما بعد، فقد عرض لي أمرٌ، وأُريد أن أُشافِهَك به، فعزمتُ عليك إذا نظرتَ في كتابي هذا ألا تضعه من يديك حتى تَقدم عليّ، وإنما أراد أن يُخرجه من الوباء، فعرف أبو عبيدة مَقصودَه، فكتب إليه: إني قد عرفتُ حاجتَك، وإني في جُندٍ من المسلمين، لا أجدُ بنفسي رغبةً عنهم، فلستُ أُفارقَهم حتى يَقضي اللَّه فيَّ وفيهم أمرَه وقضاءَه، فحلِّلني من عَزمتك، فلما قرأ عمر ﵁ كتابَه بكى، فقال الناس: أماتَ أبو عبيدة؟! قال: لا (٣).
وقال أحمد بن حنبل بإسناده عن شَهْر بن حَوْشب الأشعري، عن رجلٍ من قومه كان قد خلف على أُمِّه بعد أَبيه، وكان قد شهد طاعون عَمْواس قال: لمّا اشتعل الوجعُ، قام أبو عُبيدَة خطيبًا فقال: أيُّها النَّاسُ، إنَّ هذا الوجعَ رحمةٌ من ربكم، ودعوةُ نبيِّكم، وموتُ الصالحين قبلكم، وإنَّ أَبا عُبيدة يسألُ اللَّه أن يَقسمَ له حظًّا منه.
قال: فطُعِن فمات، واستُخلف على الناس معاذ بنُ جبل، فقام خطيبًا بعده فقال: أيّها النَّاسُ، إن هذا الوجعَ رحمةٌ من ربكم، ودعوةُ نبيّكم، وموتُ الصالحين قبلكم، وإنَّ مُعاذًا يسألُ اللَّه أن يقسِمَ لآلِ مُعاذٍ حظًّا منه. قال: فطُعِنَ ابنُه عبد الرحمن فمات،
стр. 2254
ثم قام فدعا ربَّه لنفسِه، فطُعِنَ في راحته فلقد رأيتُه ينظر إليها، ثم يُقَبِّلُ ظهر كفِّه، ثم يقول: ما أُحبُّ أنَّ لي بما فيك شيئًا من الدنيا، ومات.
فاستُخلف على الناس عمرو بنُ العاص، فقام فينا خطيبًا فقال: أيُّها الناسُ، إن هذا الوَجعَ إذا وقع اشتعلَ اشتعالَ النَّار، فتحيَّزوا منه في الجبالِ، فقال له أبو واثِلة الهُذَلي: كذبتَ، ولقد صحبتُ رسولَ اللَّه ﷺ وأنتَ شرٌّ من حماري هذا! فقال: واللَّه ما أردُّ عليك، ولا نُقيمُ عليه. ثم خرج، وخرج الناسُ، فتفرقوا عنه، ورفعه اللَّه عنهم. قال: وبلغ عمر بنَ الخطاب ذلك من رأي عمرو، فواللَّهِ ما كَرِهه (١).
وقيل: إن القائل لعمرٍو ذلك شُرَحْبيل بن حسنة، وسنذكره.
وقال الواقدي: أول ما ظهر الطاعون من قريةٍ بالساحلِ يُقال لها: عَمْواس، نبع الماء من بئرها، مات من المسلمين في شهرٍ واحدٍ خمسةٌ وعشرون ألفًا، ما كان أحدٌ يقول لأحدٍ: كيف أصبحتَ ولا كيف أَمسيتَ، وكان القبرُ يُرمى فيه جماعة، وعلَّق عمرو بنُ العاصِ بعمود خِبائه سبعين سيفًا، كلّها وَرِثه عن كَلالةٍ، أولا عن كلالة، وطمع العدوُّ في المسلمين.
واختلفوا في أيِّ سنةٍ كان الطاعونُ على أقوالٍ: أحدُها في هذه السنة، ذكره الواقدي، والثاني في سنة سبع عشرة، قاله سيف، والثالث في سنة عشرين، والأوَّل أَشهر. وسنذكر أعيانَ مَن مات في هذه السنةِ في آخرها.
فصل (٢) حديث الغار الذي وُجد بجبل لبنان
روى أبو الفضلِ بن ناصر بإسناده إلى الهيثم بن عدي قال: افتُتح غارٌ في جبل لبنان، فإذا فيه رجلٌ مُسَجَّى على سريرٍ من ذهبٍ، وإلى جانبِه لوحٌ من ذهبٍ مكتوب عليه بالرومية: أنا ساب ابن بوناس بن سابا، خدمتُ العيص بن إسحاق بن إبراهيم خليلِ الربِّ الأكبرِ، وعشتُ بعده دهرًا طويلًا ورأيتُ عجبًا كثيرًا، فلم أرَ أعجب من غافلٍ عن الموت وقد عاين مصارعَ آبائه، ووقف على قُبور أحبّائه، وعلم أنَّه صائرٌ إليهم لا
стр. 2255
محالة، والذي بعد الموت من حساب الديّانِ أعظمُ. حفرتُ قبري هذا بيدي قبل أن أصير إليه بمئةٍ وخمسين عامًا، ووضعتُ سريري هذا فيه، وقد علمتُ أن الجفاةَ الأَجلاف يخرجوني من غاري، ويُنزلوني عن سريري، وهم يومئذٍ مُقِرُّون بربوبيّة الديّان الأعظم، وعند ذلك يتغيَّرُ الزمان، ويتأمَّرُ الصبيانُ، ويكثر الحَدَثان، ويظهرُ البُهتان، فمَن أدرك ذلك الزمان عاش قليلًا ومات ذليلًا، وبكى كثيرًا، ولا بُدَّ مما هو كائن أن يكون، والعاقبةُ للمتّقين، وقد رأيتُ الثلج نازلًا على هذا الجبلِ في تموز مرارًا، فإن رأيتُم ذلك، فلا تَعجبوا (١).
فصل: وفيها أصاب جماعةٌ من المسلمين من الشَّراب بالشام، فسألهم أبو عبيدة: كيف تأوَّلتموه؟ فقالوا: تأوَّلنا قولَه تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] فقد خيّرنا فاخترنا شُربه، فكتب أبو عبيدة فيهم إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه: اسألهم، فإن زعموا أنها حلالٌ فاقتُلهم، وإن زعموا أنَّها حرامٌ فاجلدْهم ثمانين، فسألهم فاعترفوا أنها حرامٌ، فجلد كلَّ واحد ثمانين، ثم قال عمر: لَيَحدُثَنَّ في هذا العام حادث، فحدث القحطُ والجوعُ والطاعون.
وقال هشام: إنَّما حدث الطَّاعون بالشام لأجلِ هؤلاء الذين شربوا الخمر، وكان فيمن شرب أبو جندل.
وفيها أَجدبتِ الأرضُ فكانت تَسفي الريحُ تُرابًا كالرَّماد، فسُمّي عام الرمادة، واختلطت الوحوشُ بالإنس، فصارت تَأوي إليهم.
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن حزام بن هشام، عن أَبيه قال: لمَّا صَدر النَّاسُ من الحجّ سنة ثماني عشرة أصابَ النَّاسَ جَهدٌ شديدٌ، وأجدَبت البلادُ، وهلكت الماشيةُ، وجاع الناسُ وهلكوا، حتى كان الناسُ يُرَوْن يَستفُّون الرُّمَّةَ، ويَحفرون نُفَق اليرابيع والجُرذان يُخرِجون ما فيها.
قال: وقال الواقدي فيما حكاه عن أشياخه: إنما سُمّي عامَ الرَّمادة لأن الأرضَ كلَّها صارت سوداء، فشُبِّهت بالرَّماد، وكانت تسعةَ أشهر (٢).
стр. 2256
وكان عمر يُصلّي الليل كلَّه، فإذا كان السَّحَرُ بكى وقال: اللهمَّ لا تجعلْ هلاكَ أمَّةِ مُحَمَّدٍ على يديّ، أو على رجلي.
وآلى عمرُ أنْ لا يذوقَ لحمًا ولا سَمنًا حتى يَحيا الناسُ، وكان يأكلُ الزيتَ فيُقَرْقِرُ جَوفُهُ فيقول: قَرْقِر، فواللَّه لا تأكلُه حتى يَأكُلَه الناسُ.
وقال الواقدي: حدثني أُسامةُ بنُ زيدٍ، عن نافعٍ مَولى الزبير قال: سمعتُ أَبا هُريرة يقول: رحم اللَّهُ ابن حَنْتَمة، لقد رأيتُه عامَ الرَّمادة وإنه ليَحملُ على ظهره جرابَيْن وعُكَّةَ سمنٍ أو زيتٍ في يده، وإنَّه ليَعْتَقِبُ هو وأَسلم، فلما رآني قال: من أين؟ قلتُ: من هاهُنا قريبًا، قال: فأخذتُ أُعقِبهُ، فحملْناه حتى انتهينا إلى صِرار، فإذا صِرْم نحوٌ من عشرين بيتًا، فقال: ما أَقدَمكم؟ قالوا: الجهدُ، وأخرجوا لنا جلدَ الميتة مشويًّا يأكلونه، ورِمَّة عظامٍ مَسحوقة يَستفّونها، فطبخ لهم عمر، وأطعمهم حتى شبعوا، وأرسل إلى المدينة، فجيء بأربعة أَبعِرةٍ، فحمل عليها ما يُصلحهم، وكساهم، وكان يَختلفُ إليهم وإلى غيرهم حتى رفع اللَّه ذلك.
قال: وقال الواقدي: وحدثني عبد اللَّه بن يزيد، عن عِياض بن خَليفة قال: رأيتُ عمر عامَ الرَّمادة وهو أسود اللون، ولقد كان أبيض اللون، أكل الزيت فتغيَّر لونُه.
وقال الواقدي عن بعض نساء عمر قالت: ما قَرُب عمر امرأةً زمان الرَّمادة حتى أحيا الناس.
قال: وقال الواقدي: نظر عمر إلى بطّيخةٍ في يد بعض أولاده، فقال عمر: بَخْ بَخْ يَا ابن أمير المؤمنين، تأكلُ الفاكهة وأُمَّة محمدٍ هَزْلى؟ فخرج الصبيُّ هاربًا، فقالت أُمُّه: اشتراها بكفٍّ من نَوى.
وقال الواقدي: حدثني عبد اللَّه بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: كتب عمر إلى عمرو بن العاص عام الرمادة: من عبد اللَّه أمير المؤمنين إلى العاصي بن العاصي، أما بعد أفتُراني هالكًا ومَن قِبَلي وتعيشُ أَنْتَ ومَن قِبَلك؟ واغَوْثاه، قالها ثلاثًا (١).
وكتب إلى أُمراء الأجناد والشام والعراق كذلك، فجاءته الأمدادُ والمِيرةُ من بعد،
стр. 2257
وكانت مدّة الجهد تسعة أشهر.
حديد استسقاء عمر بن الخطاب بالعباس
روى سيف بن عمر، عن سهل بن يوسف، عن عبد الرحمن بن كعب قال: أقبل بلالُ بن الحارث المزنيُّ إلى عمر فقال: أنا رسولُ رسول اللَّه ﷺ إليك؛ إنَّه يقرأ عليك السلامَ ويقول لك: لقد عَهِدتُك كَيِّسًا، فما شأنُك؟ قال: فخرج عمر فصعد المنبرَ ونادى: الصلاة جامعةٌ، فاجتمع النَّاسُ فقال: أَنشُدُكم اللَّه، هل تعلمون مني أمرًا غيرُه خيرٌ منه؟ قالوا: اللهمَّ لا، قال: فإن بلالَ بنَ الحارث يقول ذَيَّة وذَيَّة، قالوا: صدق بلال، فاستَغِث إلى اللَّه بالطلب والاستسقاء، فقال عمر: اللَّه أكبر! بلغ البلاءُ مُدَّتَه؛ ما أُذِنَ لقومٍ في الطلب إلَّا وقد رُفع عنهم البلاء. ومعنى ذَيَّة وذَيَّه، أي: كَيْتَ وكَيتَ (١).
فخرج إلى المصلَّى، فصلّى ركعتين واستسقى، وأخذ بيد العباس ﵁ وقال: اللهمَّ إنَّا نَتقرَّب إليك بعمِّ نبيِّك ونَستشفع به، فاحفَظْ به نبيَّك كما حفظتَ الغُلامَيْن بصلاح أبيهما، وقد أتيناك مُستغفِرين ومُستشفعين، اللهمَّ إن الرَّاعي لا يُهمل الضالّة، ولا يَدع الكَسير بدار مَضِيعة، وقد ضَرع الصغير، ورقَّ الكبير، وارتفعت الشكوى، وعَظُمت البَلوى، وأنت تعلم السِّرَّ والنَّجوى، اللهمَّ فأَغِثْهم بغياثك من قبل أن يَقنطوا فيَهلكوا، فإنه لا يَيأس من رَوح اللَّه إلَّا القومُ الكافرون، فنشأت طَريرةٌ من سحاب، فقال الناس: تَرون تَرون! ثم تلاءمت واستَتَمَّتْ، ثم هَدرت ودَرَّت، فواللَّه ما بَرحوا حتى اعتقلوا الحِذاء، وقَلَّصوا المآزر، والعباس ﵁ يبكي، وعيناه تَنضحان، فطَفِق الناس يَمسحون أركانَه ويقولون: هنيئًا لك يَا ساقي الحرمَيْن.
قال الفضل بن عُتبة بن العباس بن أبي لهب: [من الطويل]
بعمّي سقى اللَّه الحجازَ وأهلَه … عَشِيَّةَ يَستسقي بشَيبته عُمرْ
توجَّه بالعباس في الجَدْب راغبًا … فما كرَّ حتى جاء بالدِّيمة المطرْ (٢)
وقال هشام: ذبح رجلٌ من مُزَينةَ شاةً، فسلخها عن عظمٍ أحمر فنادى: وامحمَّداه
стр. 2258
ثلاثًا، ثم نام فرأى رسول اللَّه في المنام، فقال له: ائتِ عمر، وقُل له: عهدي بك وأنت شديدُ العهد والعَقْدِ، الكَيْسَ [الكَيْس]، فجاء عمَر فأخبره، فصعِد المنبر وقال بمعنى ما ذكرنا، ففطِنوا، وقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء لنا، فاخرج إلى المُصلَّى، فخرج إلى المُصلَّى فصلى ركعتين واستسقى.
وقال ابن سعد بإسناده عن الشعبي: أنَّ عمر خرج يستسقي، فقام على المنبر وقرأ هؤلاء الآيات: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] ثم نزل، فقيل له: ما منعك أن تَستسقي؟ فقال: قد طلبتُ المطرَ بمَجاديح السَّماء التي ينزل بها القَطْرُ (١)، ومَجاديح السماء: أنواؤها.
وقال الواقدي: فقيل إنَّه أخذ بيد العباس وخرجا ماشيَين، وعبدُ اللَّه بن العباس معهما، فصَعِد عمر المنبر، ووقف بين العباس وابنه، ولزم بعَضُد العباس وقال: اللهمَّ إنَّا كنَّا نتوسَّلُ إليك بنبيّك ﷺ فتَسقينا، ونحن نتوسَّل إليك بعمِّ نبيّك، ثم قرأ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ الآيات [نوح: ١٠].
وقال ابن إسحاق: فما وصلوا إلى بُيوتهم إلا وهم يخوضون في الماء، فقيل لعمر: قد اختصرتَ في الدُّعاء، هلّا قلتَ: غيثًا مُغيثًا؟ فقال: لقد استسقيتُ بمَجاديح السماء، وذكره.
ثم قَدِمت السُّفنُ من مصر من عمرو بن العاص، فيها الحنطةُ والأطعمة، وبعث أبو عبيدة بأربعة آلاف راحلةٍ من الشام، وبُعث إليه من العراق، وعاش الناسُ.
وهل كان هذا قبل طاعون عَمْواس أو بعده؟ فيه قولان.
وقال هشام: أوَّل ما قدم عليه طعامُ أبي عُبيدة في أربعةِ آلاف راحلة، فأمر له بأربعةِ آلافِ درهم، فلم يقبَلْها وقال: إنما أردتُ وجهَ اللَّه، فلا تُدخل عليَّ الدنيا، فقال عمر: لا بأس، فقد جرى لي مع رسولِ اللَّه ﷺ مثل هذا، وذكر الحديث، فأَخَذها.
فصل: وفيها فُتحت حرَّان والرُّها وعينُ وَرْدة بالخابور، بعد غاراتٍ كثيرةٍ، وصالحوهم على صُلح دمشق.
стр. 2259
وقال خليفة: إنَّما فُتحت هذه الأماكنُ على يد أبي موسى الأشعري، سار إليها من البصرة بأمر عمر، وكان أبو عبيدة قد جهَّز إليها عياض بن غَنْم، فاتفقا على الفتوح، وقيل: إن خالد بن الوليد افتتح الرُّها ونَصيبين وآمِد وسُمَيْساط (١).
وفيها فُتحت أماكنُ العراق منها الأهوازُ، وكانوا قد نقضوا العَهد، فبعث إليهم عمرُ أَبا موسى الأَشعريّ، واستخلف على البصرة عمران بنَ الحُصين، وسار إليها فافتتحها، ووظَّفَ عليها عشرةَ آلاف ألف وأربع مئة ألف درهم، ثم سار إلى جُنْدَي سابور والسُّوس وجُرجان وأَذْرَبِيجان وطَبَرِسْتان.
وقيل: إنما سُمِّيت جُرجان لأنه بناها جُرجان بن لاوِذ بن سام بن نوح، وقيل: إنها فُتحت في سنة اثنتين وعشرين.
وقال أبو الحسن المدائني: إنما فُتحت جُرْجان في سنة ثلاثين في خلافة عثمان ﵁، وأما أذربيجان ففُتحت على يد عُتبة بن فَرْقَد صُلْحًا.
قال سيف بن عمر: قَدِم عتبةُ على عمر ومعه سِلالٌ فيها خَبيصٌ، فوجد بين يديْ عمر جفنةً فيها فِدَرٌ من سَنام جَملٍ، فقال له: كُلْ، فأخذ قطعة منه، فلم يَسِغْها، وكشف السِّلال فقال: ما هذا؟ قال: خَبيصٌ أهديتُه لك من أَذْرَبيجان، فقال: أكلّ المسلمين أهديتَ لهم مثلَ هذا؟ قال: وأيُّ مالٍ يتَّسِعُ لهم؟ فقال: ضُمَّ إليك هدَّيتك، فلا حاجةَ لي في شيءٍ لا يَسعُ المسلمين (٢).
وقد قيل: إن طَبَرِسْتان فُتِحت على يد عُتبة أيضًا، وقيل: على يد سُوَيد بن مُقَرِّن.
وفيها استَقضى عمر شُرَيحَ بن الحارث على الكوفةِ، واستقضى كعبَ بنَ سُوْر على البصرةِ، وسببُ استقضائه كعبَ بن سُورٍ ما أَنْبأنا به غيرُ واحدٍ عن فخر النساء شُهْدَة بنت أحمد بن الفرج بن عُمر الإِبَري قالت: حدثنا نقيبُ النُّقباء، ذو الرِّئاستَين، شهابُ الحضْرتَين أبو الفوارس طِراد بنُ محمد بن عليّ الزَّينبي بإسناده، عن عبد الكريم بن أُمية قال: جاءت امرأةٌ إلى عمر بن الخطاب فقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي يَصوم
стр. 2260
النهار ويَقوم الليل، وأنا أكره أن أَشكُوَه، فقال عمر: نِعم الرجلُ زوجُك، فجعلت تُردّد كلامَها وعمرُ لا يزيدُ على ذلك، وكان عنده كعبُ بنُ سُورٍ فقال: يا أمير المؤمنين، إنها تَشكو زوجَها في هجرِه فراشَها، فقال له عمر: كما فهِمتَ إشارتَها فاقضِ بينهما، فأرسل إلى زوجها فجاء، فقال لها كعبٌ: ما تَقولين؟ فقالت: [من الرجز]:
يَا أيُّها القاضي الحكيمُ أرشدهْ
أَلهَى خليلي عن فراشي مَسجِدُهْ
زهَّده في مضجعي تعبُّدُه
نهارُه وليله ما يَرقُدُه
ولستُ في أمر النّساء أَحمَدُهْ
فقال كعبٌ لزوجها: ما تقول أنت؟ فقال:
زهَّدني في فَرْشِها وفي الكِلَلْ
أني امرؤٌ أَذهلَني ما قد نَزَلْ
في سُورة النَّمل وفي السَّبْعِ الطُّوَل
فقال له كعبُ بن سُوْر:
إن لها عليك حقًّا يَا رجُلْ
نصيبُها في أربعٍ لمَن عَقَلْ
فأدِّها ذاك ودَعْ عنك العِلَلْ
فقال له عمر: ولمَ؟ قال كعبٌ: لأن اللَّه أباح للمسلم أربعَ زوجاتٍ، ولكل واحدةٍ منهن يومٌ وليلة، ولما لم يكن له سوى زوجةٍ واحدة فنصيبُها على تقدير الأربع يومٌ وليلة، فقال عمر: واللَّه ما أدري ممَّ أعجب؟ من فهمك إشارتها، أو من قَضائك بينهما (١).
стр. 2261
قلتُ: والعجبُ من هذا الحكم وإمضائه! ولا خلاف بين العلماء أن عماد القَسْم الليلُ، وأنه متى كان للرجل زوجةٌ لم يَجُزْ له أن يَبيتَ عنها ثلاث ليالٍ من غير عُذرٍ، وهل يكون القَسْمُ إلَّا بين الزَّوجات؟ أما مع الواحدة فلا قائل به، بل الزمان كلُّه حظُّ المرأة الواحده، وإن كانتا اثنتين كان القَسْمُ بينهما، وهذا كعبُ بن سُوْر الأَسدي قُتل يوم الجمل، وسنذكره هناك (١).
وحجَّ بالناس عمرُ، وحوَّل المقام إلى موضعه اليوم، وكان مُلصقًا بالكعبة.
فصل وفيها توفي
أُوَيْس القَرَني
قال ابن سعد في "الطبقات": أويسٌ من الطّبقة الأولى من التابعين، من أهل الكوفة، وفي رواية أنه من أهل اليمن (٢)، ونزل الكوفة، وأدرك حياة رسول اللَّه ﷺ ولم يره، ووفد على عمر بعرفات.
وذكره (٣) البخاري فقال: أُويس القَرَني من أهل اليمن، مُراديٌّ (٤).
وقال أبو أحمد بن عدي: له نُتَفٌ وحكايات وأخبار في زُهده (٥).
وكان أُويس ثقةً صدوقًا، وقصَّته مشهورةٌ، أخرجها مسلم فقال: حدثنا محمد بن المثنى بإسناده، عن أُسَيْر بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتتْ عليه أمدادُ أهل اليمن يسألهم: هل فيكم أُوَيس بن عامر؟ حتى أتى على أُوَيس فقال له: أنت أُوَيس؟ قال: نعم، قال: أمن مُرادٍ؟ قال: نعم، قال: من قَرَنٍ؟ قال: نعم، قال: كان بك بَرَصٌ فبَرِأتَ منه إلا مَوضِعَ درهم؟ قال: نعم، قال: ألك والدةٌ خَلَّفْتَها باليمن؟ قال: نعم، فقال عمر: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يأتي عليكم أُوَيسُ بنُ عامرٍ مع أمداد أهل اليمن، كان به بَرَصٌ فبَرئ منه إلا موضعَ درهم، له والدةٌ هو بارٌّ بها، لو أقسم
стр. 2262
على اللَّه لأَبرَّه، فإن استطعتَ أن يَستغفِر لك فافعل"، فاستغفِرْ لي، فاستغفر له، ثم قال له عمر: أين تُريدُ؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتبُ لك إلى عاملها فيستوصي بك؟ فقال: لأن أكونَ في غَبْراء الناس أحبّ إليَّ.
فلما كان في العام المقبل حجَّ رجلٌ من أشرافهم، فوافق عمرَ، فسأله عن أُويس: كيف تركْتَه؟ قال: رب البيت قليلَ المتاع، فقال عمر: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول، وذكره، ثم قال عمر للرجل: إن استطعتَ أن يَستغفرَ لك فافعل، فلما قدم الرجلُ الكوفة أتى أويسًا القرنيَّ فقال: استغفِر لي، فقال: أنت أحدثُ عهدًا بسفرٍ صالحٍ، فردَّد عليه القول فقال: هل لقيتَ عُمر؟ قال: نعم، فاستغفر له، وفَطِن له الناس، فانطلق على وجهه.
قال أُسير بن جابر: فكسوتُه بُرْدةً فكان كلَّما رآها عليه إنسان قال: من أين لأُويسٍ هذه البردةُ؟ انفرد بإخراجه مسلم (١).
وروى عكرمةُ عن ابن عباسٍ قال: مكث عمر يَطلبه عشرَ سنين حتى ظَفِر به في آخرِ خلافته.
وقال عبد الغني بن سعيد: أُوَيس القَرَني، وقَرَنٌ: بَطنٌ من مرادٍ، أخبر به رسولُ اللَّهِ ﷺ قبل وُجوده (٢).
وقال ابن سعد بإسناده عن أُسَيْر بن جابر قال: كان محدِّثٌ بالكوفةِ يُحدِّثنا، فإذا فرغ من حديثِه تفرَّقوا، ويبقى رهطٌ فيهم رجلٌ يتكلَّمُ بكلامٍ لا أسمعُ أحدًا يتكلَّم كلامَه، فأحببتُه ففقدتُه، فقلتُ لأصحابي: هل تعرفون رجلًا كان يُجالسُنا كذا وكذا؟ فقال رجلٌ من القوم: نعم أنا أعرفُه، ذاك أُوَيس القَرَني، قال: فتعلمُ منزلَه؟ قال: نعم، قال: فانطلقتُ معه حتى ضربتُ حُجْرتَه، فخرج إليَّ، فقلتُ: يا أخي، ما حَبَسك عنا؟ قال: العُرْيُ، وكان أصحابُه يُؤذونه ويَسخرون به، قال فقُلتُ: خُذ هذا البُرْدَ فالبَسه، قال: لا تَفعل، فإنَّهم إذًا يُؤذونني إن رأَوه عليَّ، قال: فلم أزل بهِ حتى لَبِسه، وخرج عليهم،
стр. 2263
فقالوا: مَن تَرَوْن خدع عن بُرْدهِ هذا؟ قال: فجاء فوضعه وقال: أتَرى؟
قال أُسَيْرٌ: فأتيتُ المجلسَ فقلتُ: ما تُريدون من هذا الرَجل؟ قد آذَيْتموه، الرجل يَعْرى مرَّةً ويكتسي أُخرى.
قال: فقُضي أن أهلَ الكوفةِ وفَدوا على عمرَ، فوفد رجلٌ ممَّن كان يَسخرُ به، فقال عمر: هل هاهنا أحدٌ من القَرَنيين؟ فجاء ذلك الرجل، فقال: إن رسولَ اللَّه ﷺ قد قال: إن رجلًا يَأتيكم من اليمن، يُقال له أُوَيس، لا يَدعُ باليمن غيرَ أُمّ، وقد كان به بياض، فدعا اللَّه فأذهبه عنه إلا مثل الدرهم، فمَن لَقيه منكم فمُروه فليستغفر لكم.
قال: فقدم علينا فقلتُ: من أين؟ قال: من اليمنِ، قال قلتُ: ما اسمُك؟ قال: أُوَيس، قلتُ: فمَن تركتَ باليمنِ؟ قال: أُمًّا لي، قال: أكان بك بَياضٌ فدعوتَ اللَّه فأذهبه عنك؟ قال: نعم، قال: استغْفِر لي، قال: أو يستغفِرُ مِثلي لمثلك يَا أميرَ المؤمنين؟ قال: فاستغفر له. قال: قلت له: أنتَ أخي لا تُفارقني، فامَّلَس مني، فأُنبئتُ أنَّه قَدِم عليكم الكوفةَ. قال: فجعل ذلك الرجل الذي قال يَسخَرُ به ويَحتقره يقول: ما هذا؟ هذا عندنا وما نَعرفُه؟! فقال عمر: بلى إنَّه رجل كذا، كأنَّه يضعُ من شأنِه، قال: فينا يا أمير المؤمنين رجلٌ يقالُ له أُوَيس يُسْخَرُ به، قال: أَدركْ ولا أُراك تُدْرِك.
قال: فأقبل ذلك الرجل حتى دخل عليه قبل أن يَأتيَ أهلَه، فقال له أُويس: ما هذه بعادتِك فما بدا لك؟ قال: سمعتُ عمر بنَ الخطاب يقول فيك كذا وكذا، فاستَغْفِر لي يَا أُوَيسُ، فقال: لا أفعل حتى تجعلَ لي عليك ألا تسخَرَ بي فيما بعد، ولا تذكر الذي سمعتَ من عمر إلى أحدٍ، قال: فاستغفر له.
قال أُسير: فما لبثنا أن فشا أمرُهُ في الكوفةِ، فأتيتُه فدخلتُ عليه، فقلتُ له: يا أخي، ألا أراك العجبَ ونحن لا نشعر؟ قال: ما كان في هذا ما أتبلَّغُ به في الناسِ، وما يُجْزى كلُّ عبدٍ إلَّا بعملهِ، ثم امَّلس منهم فذهبَ (١).
وقال ابن سعد بإسنادِه عن سلّام بن مسكين: حدثني رجل قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "خليلي من هذه الأمة أُويس القَرَني" (٢).
стр. 2264
وقال أبو نُعَيم الحافظ بإسناده عن أبي هُريرة قال: قال رسول ﷺ : "إنَّ اللَّه يحبُّ من خَلْقه الأصفياءَ الأخفياءَ، الشَّعثةَ رؤوسُهم، المُغْبَرَّةَ وجوهُهم، الخَميصةَ بطونُهم، الذين إذا استأذنوا على الأُمراء لم يُؤذَن لهم، وإن خَطبوا المُنَعَّمات لم يُنكحوا، وإن غابوا لم يُفْتَقدوا، وإن طَلعوا لم يُفْرَح بطلعتهم، وإن مَرِضوا لم يُعادوا، وإن ماتوا لم يُشهدوا، قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف لنا برجلٍ منهم؟ قال: ذاك أُوَيس القَرَني، أشهلُ ذو صُهوبةٍ، بعيدُ ما بين المَنْكبَيْن، مُعتدِلُ القامة، آدمُ شديدُ الأُدْمَة، ضاربٌ بذَقنه على صدره، رامٍ ببصره مَوضعَ سجوده، واضعٌ يمينَه على شماله، يَتلوا القُرآن ويَبكي على نفسه، ذو طِمْرَيْن لا يُؤبه له، مُتَّزرٌ بإزارٍ من صوفٍ، ورداءٍ من صوف، مجهولٌ في أهل الأرض، معروفٌ في أهل السماء، لو أقسم على اللَّه لأبرَّه، ألا وإن تحت مَنكبه الأيسر لَمعةً بيضاء، ألا وإنه إذا كان يومُ القيامة يُقال للعباد: ادخلوا الجنَّة، ويُقال لأُويسٍ: قف فاشفَعْ، فيُشفِّعه اللَّه في مثل عدد ربيعة ومُضر. يَا عمر ويا علي، إذا أنتُما لقيتماه فاطلبا إليه أن يَستغفر لكما، يَغفر اللَّه لكما".
قال: فمكثا يَطلبانه عشرَ سنين، لا يَقدران عليه، فلما كان في آخر السنة التي هلك فيها عمر قام على أبي قُبيس، ونادى بأعلى صوته: يا أهل الحجيج من اليمن، أُوَيسٌ فيكم؟ فقام شيخ كبير، فقال: إنَّا لا ندري ما أُوَيس؟ ولكن لي ابنُ أخٍ يُقال له أُوَيس، هو أخملُ ذكرًا، وأقلُّ مالًا، وأهون أمرًا من أن تَرفعه إليك، وإنه ليرعى إِبِلَنا بأَراك عَرفات، وهو حقيرٌ بين أظهُرنا.
فركب عمر وعليٌّ حمارَيْهما، وأسرعا إلى عرفات، وإذا به قائمٌ يُصلِّي إلى شجرة، والإبلُ ترعى حوله، فشدّا حمارَيهما، وأقبلا إليه فسلَّما عليه، فخفَّف من صلاته، وردَّ عليهما، فقالا: مَن الرَّجُل؟ قال: راعي إبلٍ وأجيرُ قومٍ، قالا: لسنا نَسألُك عن هذا، وإنما سألناك عن اسمك، فقال: اسمي عبد اللَّه، قالا: قد علمنا أن أهل السماء والأرض كلَّهم عبيدُ اللَّه، فما اسمُك الذي سمَّتك به أمُّك؟ فقال: يا هذان، ما تُريدان مني؟ قالا: وصف لنا رسولُ اللَّه ﷺ أُوَيْسًا القَرَني، فقد عرفنا الصُّهوبةَ والشُّهولةَ، وأنبأنا أن تحت مَنكبك الأَيسر لَمعةً بيضاءَ، فأَوضِحْها لنا، فإن كانت بك، فأنت هو.
فأوضح مَنكبه فبدت اللمعةُ البيضاءُ، فابتدراه يُقَبِّلانه ويقولان: نشهدُ أنك أُويسٌ،
стр. 2265
فاستغفِر لنا يَغفر اللَّه لنا، فقال: ما أخصُّ باستغفاري نفسي ولا أحدًا من ولد آدم، ولكنه في البرِّ والبحر، وللمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، ثم قال: يا هذان، قد شَهر اللَّه لكما حالي، وعَرَّفكما مَكاني، فمَن أنتُما؟ فقال له عليّ: أما هذا فأميرُ المؤمنين، وأما أنا فعلي بن أبي طالب، فقام أُويس قائمًا وقال: السلامُ عليك يَا أمير المؤمنين ورحمةُ اللَّه وبركاتُه، فردَّ عليه فقال: وأنت يَا ابن أبي طالب، فجزاكم اللَّه عن هذه الأُمة خيرًا، فقالا: وأنت فجزاك اللَّه عن نفسك خيرًا، ثم قال له عمر: مكانَك يَرحمك اللَّه؛ حتى أَدخُلَ مكة، فآتيك بنفَقةٍ من عطائي، وكسوةٍ من ثيابي، هاهُنا ميعاد ما بيننا، فقال له أُويس: لا ميعاد بيني وبينكم، لا أَراك بعد اليوم، ما أَصنع بالنَّفقة والكسوة؟ أما ترى عليَّ إزارًا من صوفٍ ورداءً من صوف؟ متى تراني أُخْلِقُهما؟ أما ترى نَعليَّ مَخصوفَتَين؟ متى تراني أُبليهما؟ أما تراني أخذتُ من رعاية الإبل أربعةَ دراهم؟ متى تراني آكلُها؟
يَا أمير المؤمنين، إن بين يديك عَقبةً كَؤودًا، لا يُجاوزُها إلا كلُّ ضامِرٍ مُخفٍّ مَهزول، فخفِّف يَرحمك اللَّه، فلما سمع عمر ذلك ضرب بدرَّته الأرض، ثم نادى بأعلى صوتِه: يا ليت عمر لم تَلدْه أمّه، يَا ليتها كانت عاقرًا لم تُعالج حملَها، ألا مَن يَأخذُها بما فيها؟ فقال أويسٌ: خُذا هاهُنا حتى آخُذَ هاهُنا، فأخذا ناحية مكة، وساق أُويسٌ الإبل، فدفعها إلى أصحابها، وأقبل على العبادة حتى لحق باللَّه تعالى (١).
وقال أبو نعيم: إنما منع أُويسًا أن يَقدم على رسول اللَّه ﷺ بِرُّه بأمِّه (٢).
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن هَرِم بن حيّان العَبدي قال: قدمتُ من البصرة، فلقيتُ أُوَيسًا القَرَني على شطِّ الفُرات بلا حذاءٍ، فقلتُ: كيف أَنْتَ يَا أخي؟ حدِّثني؟ قال: أكرهُ أن أَفتح هذا الباب على نفسي، يعني أن أكون مُحدِّثًا أو قاصًّا أو مُفتيًا، ثم أخذ بيدي وبكى، قال: قلتُ: فاقرأ عليَّ، فقال: أعوذُ باللَّه السميع العلم من الشيطان: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الدخان: ١ - ٦] قال: فغُشي عليه، ثم أفاق وقال: الوحدةُ أحبُّ [إليَّ] (٣).
стр. 2266
قلتُ: وقد روى قِصَّته مع هَوِم بن حَيَّان غيرُ ابن سعدٍ، فأنبأنا غيرُ واحدٍ، عن أبي الفضل محمد بن ناصر بإسناده (١)، عن علقمة قال: انتهى الزُّهد إلى ثمانيةٍ من التابعين، منهم أُوَيس القَرَني، ظنَّ أهلُه أنَّه مجنون، فبَنَوْا له [بيتًا] على باب دارهم، فكانت تأتي عليه السِّنون لا يَرودْ له وجهًا، وكان طعامُه مما يَلتقط من النوى، فإذا أمسى باعه وأفطر على ثَمنه.
فلما ولي عمر بن الخطاب قال في الموسم: أيها الناسُ، قوموا، فقاموا، فقال: اجلسوا إلا مَن كان من اليمن، فجلسوا، فقال: اجلسوا إلا مَن كان من مُراد، فجلسوا، فقال: اجلسوا إلا مَن كان من قَرَن، فجلسوا إلا رجُلًا، وكان عمَّ أُويسٍ، فقال له عمر: أقَرَنيٌّ أَنْتَ؟ قال: نعم، قال: أتعرفُ أُوَيسًا؟ قال: وما تَسأل عنه؟ فواللَّه ما فينا أجنُّ ولا أحوجُ ولا أحمقُ منه، فبكى عمر ثم قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يدخُل الجنَّة بشفاعته مثلُ ربيعةَ ومُضر".
وقال هَرِم بن حَيَّان: فلما بلغني ذلك قدمتُ الكوفة فلم يكن لي همٌّ إلا طَلَبه، حتى سقطتُ عليه جالسًا نصفَ النهار على شاطئ الفرات يتوضَّأ، فعرفتُه بالنَّعت الذي نُعِت لي، فإذا رجلٌ نحيلٌ آدمُ شديدُ الأُدمة، أشعثُ مَحلوقُ الرأس، مهيبُ المنظر، فسلَّمتُ عليه فردَّ عليَّ، فمددتُ يدي لأُصافحه فأبى، فقلتُ: رحمك اللَّه يَا أُويسُ وغفر لك، كيف أَنْتَ؟ وخَنَقتْني العَبْرة من حبِّي إياه ورقَّتي عليه، لما رأيتُ من حاله، وبكيتُ وبكى وقال: وأنت فحيَّاك اللَّه يَا هَرِم بن حَيَّان، مَن دلَّك عليّ؟ فقلتُ: اللَّه، فقال: لا إله إلا اللَّه، سبحان ربِّنا إن كان وَعدُ ربِّنا لمَفعولا.
قلتُ: فمن أين عرفتَ اسمي واسمَ أبي، وما رأيتَني قطُّ، ولا رأيتُك قبل اليوم؟ فقال: أنبأني العليمُ الخبير، عرفتْ روحي روحَك حين كلَّمتْ نَفسي نفسَك، إن المؤمنين يَعرف بعضُهم بعضًا، ويتحابون بروح اللَّه وإن لم يَلتقوا، وإن نأَت بهم الدار، وتفرَّقت بهم المنازل.
قلتُ: حدِّثني عن رسول اللَّه ﷺ فقال: إني لم أُدْركْه، ولم يكن لي معه صُحبةٌ،
стр. 2267
بأبي وأُمي رسولُ اللَّه، ولكني قد رأيتُ مَن رآه، ولستُ أُحبُّ أن أفتح هذا الباب، فأكون محدِّثًا أو قاصًّا أو مُفتيًا، في نفسي شُغلٌ عن الناس.
قلتُ: اقرأ عليَّ آياتٍ من كتاب اللَّه، وأوصني بوصيةٍ، فقال: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم، قال ربِّي وأصدقُ الحديثِ حديثُ ربي: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ الآية [الدخان: ٣٨]، ثم شَهق شَهقةً فطننتُه قد مات، ثم أفاق فقال: يا هَرِم بن حيَّان: مات أبوك، ويوشك أن تموت أنت، فإما إلى الجنّة وإما إلى النار، ومات آدم وحوَّاء ونوحٌ وإبراهيم ومحمد صلى اللَّه عليهم أجمعين، ومات أبو بكر خليفةُ رسول اللَّه ﷺ ، ومات أخي وصديقي عمرُ بنُ الخطاب، فقلتُ له: إن عمر لم يَمُت، فقال: بلى، قد نعاه إليَّ ربّي، ونَعى إليَّ نفسي، وأنا وأنت في الموتى، ثم دعالي وأوصاني وقال: السلام عليك، لا أَراك بعد اليوم؛ فإنِّي أكره الشُّهرة، خُذْ أَنْتَ هاهُنا، حتى آخذ أنا هاهُنا، ودخل بعضَ السّككِ، ثم طلبتُه بعد ذلك أشدَّ الطَّلب فلم أجد أحدًا يعرفُه، وأنا باكٍ عليه، وأَراه كل وقتٍ في منامي (١).
قلتُ: وهذا هَرِم بن حَيّان العَبْدي ذكره ابن سعدٍ في الطبقةِ الأولى من التَّابعين من أهل البصرة، استعمله عمر بن الخطاب (٢)، وروى عن عمر الحديث وعن جماعةٍ من الصحابة، وكان عالمًا زاهدًا صالحًا، وروى عنه الحسنُ البصري وغيرُه، وإنما سُمّي هَرِمًا لأن أمَّه حملتْ به سنتين، وولدته وقد بدت ثناياه، وسنذكره في سنة ستٍّ وأربعين (٣).
وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: كان أُويسٌ يلقُطُ الكِسَرَ من المزابل، فيغسلها في الفرات، ويفطر على بعضها، ويتصدَّقُ بالباقي، ويأخذُ الرُّقَع من المزابل، فيغسلها في الفُرات، ويَرقعُ بها ثوبَه، وعَري حتى جلس في قَوْصَرة.
وجاء يومًا إلى مَزْبَلةٍ أو كُناسةٍ يَتَقمَّمُ منها وعليها كلبٌ، فنبح عليه، فقال له أُويس: كُلْ ممّا يَليك، وآكلُ أنا مما يَليني، إن دخلتُ الجنّةَ كنتُ خيرًا منك، وإن دخلتُ النَّار كنتَ خيرًا مني.
стр. 2268
وقال أُويس: لا تنظُر إلى صِغَر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظمة مَن عصيتَ.
وقال: إني لأصلُ إخواني بالدعاء بظهر الغيب؛ لأن الزيارة واللقاء قد يعرضُ فيهما التصنُّع والرِّياءُ (١).
وقال أبو نُعيم بإسناده: كان أُويسٌ إذا أمسى يقول: هذه ليلةُ السجود، فيسجد حتى يُصبح، وإذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع، فيركع إلى الصَّباح (٢).
ذكر وفاته:
واختلفوا فيها ولم يذكرها ابن سعد في "الطبقات"، وروى أبو نعيم، عن عبد اللَّه ابن سلمة قال: غزونا أَذْرَبيجان في أيام عمر بن الخطاب ومعنا أُوَيس، فمرض بعد رجوعنا، فحملناه فلم يَستمسكْ، فمات في منزل، فإذا قبرٌ محفورٌ، وماءٌ مَسكوب، وكفنٌ وحَنوط، فغسلناه وكفنَّاه، وصلَّينا عليه ودفنَّاه، ثم مَضَينا، فقال بعضُنا لبعضٍ: لو رجعنا فعلَّمْنا قبرَه، فرجَعْنا إلى المكان فلاعَينٌ ولا أَثَر (٣).
وقد حكى جدِّي هذا في "المنتظم"، ثم قال: وقد رُوي أنه عاش بعد ذلك طويلًا، حتى قُتل مع عليّ ﵇ يومَ صِفّين، قال: والأَوَّلُ أَثبت (٤). يعني: أنَّه مات في هذه السنةِ.
قلتُ: الرواياتُ الظاهرةُ تدلُّ على أنَّه عاش إلى أيام صِفّين.
قال ابنُ سعد بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نادى رجلٌ من أهل الشام فقال: أفيكم أُوَيسٌ القَرَني؟ قالوا: نعم، قال: إني سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ من خير التَّابعين أُوَيسًا القَرَنيَّ"، ثم ضرب دابَّته فدخل فيهم (٥)، يعني عسكر عليٍّ ﵇.
стр. 2269
وكذا حديث أبي هريرة الذي أخرجه أبو نُعيمٍ (١)، وفيه: فلما كان في آخر السنة التي هلك فيها عمر قام على أبي قُبَيْسٍ، وذكره. وعمر إنما هلك في سنة ثلاثٍ وعشرين، وهي متأخرةٌ عن هذه السنة.
وقال ابنُ أبي ليلى: وُجِد أُويسٌ قتيلًا يوم صِفّين، وقال عبد الغني بن سعيد: شهد أُوَيس صِفِّين مع عليٍّ ﵇، وكان من خيار المسلمين.
وقال ابن أبي ليلى: قبرُه بالرَّقَّةِ، حمله عليٌّ ﵇ فدفنه بها في جُملة الشُّهداء.
وذكر ابن عساكر في "تاريخه" وقال: ويُقال إن قبرَ أُوَيسٍ بباب الجابية (٢).
الحارث بن هشام
ابن المغيرة بن عبد اللَّه بن مخزوم، اختُلف في وفاته؛ فقيل في طاعون عَمْواس، وقيل استُشهد باليرموك وهو أولى (٣).
سهيل بن عمرو
ابن عَبْد شَمْس بن عبد وُد بن نَصْر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي بن غالب، وكُنيتُه أبو زيد، من الطبقة الرابعة من المسلمة (٤) بعد الفتح، وكان من سادات قُريش وأشرافِهم، والمنظور إليه منهم، شهد بدرًا كافرًا، فأسره مالك بن الدُّخْشُم، وكان ابنُه عبد اللَّه قد أسلم قديمًا، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، فلما كان يومُ الفتح أخذ لأبيه أمانًا، وقال رسول اللَّه ﷺ يوم الفتح: "لا تتعرَّضوا لسُهيل؛ فإن له عقلًا وشَرفًا"، وأسلم سُهيل بالجِعْرانة، وأعطاه رسول اللَّه ﷺ مئةً من الإبل.
ولم يكن أحدٌ من كُبراء قريش؛ الذين تأخَّر إسلامُهم فأسلموا يوم الفتح أكثرَ
стр. 2270
صلاةً، ولا صيامًا، ولا صدقةً، ولا أَقْبلَ على ما يَعنيه من أمر الآخرة من سُهيل بن عمرو، حتى إن كان لقد شَحِب وتَغيَّر لونُه، وكان كثيرَ البكاء، رقيقًا عند سماع القرآن وقراءته.
ولقد رُئي يَختلف إلى مُعاذ بن جبل يُقرئه القرآن وهو بمكة، حين خرج معاذ إلى مكة (١)، حتى قال له ضِرار بنُ الخطاب: يا أَبا يزيد، تَختلف إلى هذا الخزرجيّ يُقرئك القرآن! هلا يكون اختلافُك إلى رجلٍ من قومك؟ فقال: يا ضرار، إن هذا الذي صنع بنا ما صنع، حتى سبقنا كلّ السَّبْق، إني لعَمري اختلف إليه، فقد وَضع اللَّه أمرَ الجاهلية، ورَفع بالإِسلام أقوامًا كانوا لا يُذكرون، فليتنا كنا مع أولئك فتقدمنا، وإني لأذكر قَسْم اللَّه لي في تقدُّم [إسلام] أهلي، حتى الرجال والنساء، ومولاي عُمير (٢) بن عوف، فأُسَرّ به، وأَحمَد اللَّه عليه، وأرجو أن يكون اللَّه نفعني بهم ودعائهم؛ ألا أكون متُّ أو قُتلت على ما مات عليه نُظرائي أو قتلوا.
وقد شَهدت مَواطنَ كلّها أنا فيها مُعانِد الحق: يوم بدر واحد والخندق، وأنا وَليتُ أمرَ الكتاب يوم الحديبية، وإني لأذكُر مُراجعتي رسولَ اللَّه ﷺ يومئذٍ، وما كنتُ أَلطُّ به من الباطل، وأنا بمكة وهو بالمدينة، فأستحيي منه، ولكن ما كان فينا من الشرك أعظم من ذلك، ولكن رأيتني يوم بدر وأنا في حَيِّز المشركين، وأَنظُر إلى ابني عبد اللَّه وعُمير ابن وهب مولاي قد فرَّا مني، فصارا في حيِّز محمد، وما عمي عني يومئذٍ من الحق لما أنا فيه من الجهالة، وما أرادهما اللَّه به من الخير، ثم قُتل ابني عبد اللَّه يوم اليمامة، فعَزّاني فيه أبو بكر وقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الشَّهيد لَيَشفع لسبعين من أهل بيته" (٣)، وإني لأرجو أن أكون أوَّلَ مَن يشفع [له].
قال الحسن ﵀: حَضر بابَ عمر بن الخطاب سُهيل بنُ عمرو، والحارث بنُ هشام، وأبو سفيان بنُ حَرْب، ونَفرٌ من قُريش من تلك الرؤوس، وصُهيب وبلال وتلك
стр. 2271
الموالي، فخرج إذْن عمر للموالي، وترك أولئك، قال أبو سفيان بن حَرْب لسُهيل بن عمرو وأصحابِه: لم أرَ كاليوم، يَأذن للعبيد ونحن على بابه لا يَلتفِتُ إلينا، فقال سهيل ابن عمرو وكان عاقلًا: أيها القوم، إنْ كنتم غِضابًا فعلى نفوسكم فاغضبوا، دُعي القومُ ودُعيتُم، فأسرعوا وأبطأتُم، فكيف بكم إذا دُعوا يوم القيامة وتُركتم، أما واللَّه لما سَبقوكم إليه من الفَضْل مما لا ترون أشدُّ عليكم فَوْتًا من بابكم هذا الذي تُنافسوهم عليه، ونَفض ثوبه وانطلق.
قال الحسن: صدق واللَّه سُهيل، لا يجعل اللَّه عبدًا أسرع إليه كعبد أَبْطأ عليه.
ولما قُتل عبد اللَّه بن سُهيل باليمامة شهيدًا قال أبوه سُهيل: لا أزال بالشام حتى أموتَ شهيدًا، فمات بعَمْواس ﵀ (١).
عمرو بن حاطب بن عمرو (٢)
من الطبقة الأولى من السابقين إلى الإِسلام، أسلم قبل دخول رسول اللَّه ﷺ دارَ الأَرْقم، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين جميعًا، ولما هاجر إلى المدينة نزل على رِفاعة بن عبد المنذر، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها.
وكان له ولدان: أحدهما سَليط بن عمرو (٣)، من المهاجرين الأوَّلين، وشهد أحدًا، وفي بدر خلاف، وبعثه رسول اللَّه ﷺ إلى هَوْذَة بن عليّ وثُمامة بن أُثال الحنفييْن رئيسي اليمامة، وابنه سَليط بن سَليط، شهد اليمامة مع أبيه.
كسا عمر ﵁ الصحابة ﵃ حللًا، ففضل عنده حُلَّة فقال: دلُّوني على فتى هاجر
стр. 2272
هو وأبوه، فقالوا: عبد اللَّه بن عمر، فقال: لا، ولكن سَليط بنُ سَليط، فكساه إياها.
ومن إخوة سُهيل بن عمرو: سَهْل بن عمرو، أسلم يوم الفتح، ومات بالمدينة في أيام عمر رضوان اللَّه عليه.
عُمَير بن عوف
مولى سُهيل بن عمرو، من الطبقة الأولى من المهاجرين، شهد بدرًا وأُحدًا والخندق والمشاهدَ كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، ولما هاجر إلى المدينة نزل على كُلثوم بن الهِدْم، مات بالمدينة في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وصلّى عليه [عمر] (١).
شُرَحْبيل بن حَسَنة
وهي أمُّه، من الطبقة الأولى من المهاجرين، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة المرّة الثانية، وكان من كبار الصحابة، وغزا مع النبي ﷺ عدَّةَ غزوات، وهو أحد الأُمراء الذين عَقد لهم أبو بكر رضوان اللَّه عليه على الشام، وافتَتح الأُردُنَّ كلَّه عَنوة، ما خلا طَبَريّة؛ فإن أهلَها صالحوه.
ولما قدم عمر رضوان اللَّه عليه الشام نزع شُرحبيل عن الإمرة، فقال لعمر رضوان اللَّه عليه: أعَجَزْتُ أم خُنتُ؟ فقال: لا، ولكن تَحرَّجتُ أن أُؤَمِّرَك، وأنا أجدُ مَن هو أكفأُ منك، قال. فقُم فاعْذِرني، فقام في الناس فقال: ما عزلتُ شُرحبيل عن خيانة، ولكن أردتُ أَجلَدَ منه، وتُوفّي بعَمْواس ﵁ (٢).
فصل (٣) وفيها توفي
أبو عبيدة بن الجراح
واسمه عامر بن عبد اللَّه بن الجراح بن هلال بن أُهَيْب بن ضَبّة بن الحارث بن فِهر ابن مالك بن النُّضْر بن كنانة، وعند فِهر يلتقي مع النبي ﷺ في النسب، وأمُّه أُميمة بنت
стр. 2273
غَنْم بن جابر بن عبد العُزّى، وأُمّها دَعْد بنت هلال بن أُهيب، فِهْريَّةٌ.
وحكى البلاذريّ، عن المدائني، عن أبي اليقظان أنَّه قال: أسلمت أمُّ أبي عبيدة وزوجُها (١).
وقال عبد اللَّه بن شَوْذَب: خرج أبو أبي عُبيدةَ يوم بدرٍ مع الكفّار، وابنُه أبو عبيدة مع المسلمين، فجعل أبوه يتعرَّضُ له ليقتله، وجعل ابنُه أبو عُبيدة يَحيد عنه، فلما كثر قَصْدُه له قتله أبو عبيدة، ونزل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢] (٢).
وأبو عُبيدة ﵁ من الطبقة الأولى من المهاجرين، واحد العشرة المبشرين، أسلم قديمًا هو وعثمان بن مَظعون وعبد الرحمن بن عوف وعبيدة بن الحارث وأبو سلمة بن عبد الأسد (٣) في ساعة واحدة، قبل دخول رسول اللَّه ﷺ دار الأرقم.
وكان طُوالًا، نَحيفًا، أَجْنأ، مَعْروقَ الوجه، خفيفَ اللحم، أَثْرَم الثَّنيَّتَين، هُتِما يومَ أحد لما نزع حَلْقَتَيْ المِغفَر من وَجه رسول اللَّه ﷺ ، وكان يَخضِبُ بالحِنَّاء والكَتَم، ونَقْش خاتَمه: الخُمُس للَّه.
ذِكرُ جملةٍ من فضائله: حكى ابن سعدٍ عن ابن إسحاق والواقديّ أنه هاجر إلى الحبشة الهجرةَ الثانيةَ. ولم يذكُره موسى بن عقبة وأبو معشر (٤).
وقال البلاذري: هاجر الهجرتين جميعًا، ثم هاجر إلى المدينةِ فنزل على كلثوم بن الهِدْم (٥).
وشهد بدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كلَّها مع رسولِ اللَّه ﷺ ، وثبت يوم أُحدٍ لمّا انهزم النَّاسُ، ولما دخلت حَلَقَتا المغْفَرِ في وجْنتَي رسول اللَّه ﷺ نزعهما، فسقطت ثنيَّتاه، فكان أحسنَ الناس هَتْمًا، وقد ذكرناه في غزاةِ أُحد (٦).
стр. 2274
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن أنسٍ قال: لما قَدِمَ وَفْدُ اليمن على النبي ﷺ سألوه أن يَبعث معهم رجلًا يُعلِّمهم الفرائض والسننَ، ويُعلّمهم الإِسلام، فأخذ بيدِ أبي عبيدة وقال: "إنَّ لكلّ أمّةٍ أمينًا، وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة". أخرجاه في الصحيحين (١).
ولما بلغ عمر سَرْغ حُدِّث أن بالشام وباءً شديدًا، فقال: بلغني شدَّة الوَباء بالشام، فقال: [إنْ] أدركَني أجلي وأبو عبيدة حيٌّ استَخْلَفتُه، فإن سألني اللَّه: لمَ استخلفتَه على أمّة محمد؟ قلتُ: سمعتُ نبيَّك ﷺ يقول: "لكلِّ أمّة أمينٌ، وأمين هذه الأمَّة أبو عبيدة ابنُ الجراح"، فإن أدركَني أجلي وقد تُوفّي أبو عبيدة استخلفتُ مُعاذ بنَ جَبَل، فإن سألني ربّي: لمَ استَخلفتَ معاذًا؟ قلتُ: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "مُعاذٌ يوم القيامة بين يدي العلماء، بيده اللواء" (٢).
وقال ابن سعدٍ عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "نِعم الرجلُ أبو عبيدة بن الجراح" (٣).
ورُوي أن عمر بن الخطاب قال لأصحابه: تمنَّوْا، فقال رجلٌ: أتمنّى لو أن لي هذه الدارَ مملوءةً لؤلؤًا وزَبَرْجَدًا وجوهرًا أُنْفقه وأَتصدَّقُ به، فقال: تمنَوْا، فتمنَّوا، فقال عمر: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءةً رجالًا مثلَ أبي عُبيدة (٤).
وقال أبو نُعيم بإسناده عن هشام بن عروة، عن أَبيه قال: لمّا قَدِم عمر الشَّامَ تلقَّاه الناسُ وعُظماءُ أهلِ الأرضِ، فقال عمر: أين أخي أبو عُبيدة؟ قالوا: الآن يَأتيك، فلما أتاه نزل فاعتنقه، ثم دخل بيته فلم يَرَ فيه إلَّا سيفَه وتُرْسَه ورَحْلَهُ، فقال له عمر: ألا اتَخذتَ ما اتَّخذ أصحابُك؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، هذا يُبَلِّغُني المَقيلَ (٥).
وقد ذكرنا أن عمر قَبَّل يده لمَّا لَقِيه، وقال ابنُ سعدٍ بإسناده عن قتادة، عن العِرْباض قال: قال أبو عبيدة: وَدِدْتُ أني كنتُ كَبْشا فذبحني أهلي، وأكلوا لحمي، وحَسَوْا مَرَقي (٦).
стр. 2275
وآخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين طلحة بن عُبيد اللَّه ﵁ (١)، وكان يُدعى القويّ الأمين، وبعثه رسول اللَّه ﷺ على عِدَّةِ سرايا، وبعثه في سرية أميرًا وفيهم أبو بكر وعمر رضوان اللَّه عليهما.
وقيل لعائشة رضوان اللَّه عليها: مَن كان رسول اللَّه ﷺ مُستخلِفًا لو استَخْلَف؟ فقالت: أبو بكر، قيل: فمَن بعده؟ قالت: عمر، قيل لها: فمَن بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة (٢).
وقال له أبو بكر رضوان اللَّه عليه يوم السقيفة: مُدَّ يدك لأُبايعك، فقال له أبو عبيدة ﵁: ما كنتُ لأُصلّيَ برجل أَمره رسول اللَّه ﷺ فأَمَّنا حتى قُبض (٣).
وقال ابن سعدٍ بإسنادهِ عن العِرْباضِ بن سارِية قال: دخلتُ على أبي عُبيدَة في مرضِه الذي مات فيه، فقال: يَغفِرُ اللَّه لعمر بن الخطاب رجوعَه من سَرْغٍ؛ سمعتُ رسول اللَّه ﷺ ويقول: "المطعون شهيد، والمبطون شهيد، والغَريقُ شهيد، والحَرِقُ شهيد، والهَدَمُ شهيد، وذاتُ الجَنْب شهيد، والمرأةُ تموت بِجُمْعٍ شهيدة" (٤). وله معنيان: أحدُهما: أن تموتَ عَذْراءَ، والثاني: أن تموت وفي بَطنها ولدُها.
وقال هشام: لما أتى عمرُ الشام نزل بمنزل أبي عُبيدة، فقالت له امرأتُه: أهلًا وسهلًا يا أمير المؤمنين، فقال: أفلانةُ؟ قالت: نعم، قال: والذي نفسي بيده لأسوءنَّك، قالت: هل تستطيعُ أن تَسلِبني الإِسلامَ؟ قال: لا واللَّه، قالت: فما أُبالي ما كان بعد ذلك.
قال: وكانت أهدت امرأةُ عظيمِ الرومِ عند فتح دمشق لامرأة أبي عبيدة عِقدًا فيه خرزٌ ولؤلؤٌ وشيءٌ من ذهب، يُساوي ثلاث مئة درهم أو دينار -اشتبه على الراوي، وقيل: إنَّما أهدت لها تاجًا مُرَصَّعًا- فلما نزل عمر منزل أبي عُبيدة جاءت ابنةٌ له
стр. 2276
جُوَيْرِية، فجلست بين يدي عمر، فجعل يَستطعمها الكلامَ ما حَلْيُك؟ فقالت: كذا وكذا، وسمعتْه أُمُّها من داخل البيت فقالت: كأنك تُريد العِقد أو التاج؟ قال: نعم، فقالت: نعم، قسمه أبو عبيدة بين المسلمين، ولم يُعطِنا منه شيئًا، فسكت.
ولم يذكر هشام اسمَ امرأة أبي عبيدة، وذكرها الحافظ ابن عساكر في آخر تاريخه، في ذكر النساء، في حرف التاء وقال: اسمُها تحيفة بالتاء (١).
قال الشيخ موفق الدّين ﵀ في الأنساب: لما قدم عمر رضوان اللَّه عليه الشام [قال لأبي عُبيدة]: ألا تَسْتَزيرُني؟ فقال: أخاف أن تعصر (٢) عينيك، فاستزاره، فلم يجد في بيته إلَّا طِنْفِسَة رَحْلِه، فقدم إليه خبزًا يابسًا ومِلحًا، فقال له عمر رضوان اللَّه عليه: هلا اتَّخذتَ ما اتَّخذه غيرُك؟ فقال: هذا يُبلّغني المحل، فبكى عمر رضوان اللَّه عليه وقال: أنت أخي، ما أجد إلا مَن غَرَّتْه الدُّنيا غيرك.
وكان يسير في العسكر ويقول: ألا رُبَّ مُبَيّضٍ لثيابه مُدَنِّس لدِينه، ألا رُبَّ مُكرِمٍ نفسَه وهو لها مُهين، فادْرؤوا السِّيئات القديمات بالحسنات الحَديثات، فلو أن أحدكم عمل من السيّآت ما بينه وبين السماء، ثم عمل حَسنةً لعلت فوق سيئاته حتى تَقهرهنّ (٣).
ودخل عليه بعضُ أصحابه في مرضه فوجده يبكي، فقال: ما يُبكيك؟ فقال: أبكي أن رسول اللَّه ﷺ ذكر يومًا ما يَفتح اللَّه على المسلمين ويَفيءُ عليهم، حتى ذكر الشام فقال: "إنْ يُنسَأ في أجَلك يَا أَبا عبيدة، فحسبُك من الخَدَم ثلاثة: خادم يَخدُمك، وخادم يُسافر [معك]، وخادم يَخدُم أهلَك، وحَسبُك من الدَّوابّ ثلاثة: دابّة لرجلك (٤)، ودابة لثَقَلِك، ودابّة لغُلامك"، وها أنا أنظُر إلى بيتي قد امتلأ رَقيقًا، وإلى مَرْبَطي قد امتلأ دوابًّا وخيلًا، فكيف ألقى رسول اللَّه ﷺ بعد هذا؟ وقد أوصانا: "إن أحبكّم إليَّ وأقرَبكم منّي مَن لَقيني على مثل الحال التي فارقَني عليها" (٥).
وقد ذكرنا أن أَبا عبيدة شهد بَدْرًا والمشاهِدَ كلّها، واليرموكَ وأجنادين وفحْلًا
стр. 2277
ومرجَ الصُّفَّر ودمشقَ وغيرَ ذلك.
ذكر وفاته: روى ابن سعدٍ عن الواقدي قال: شهد أبو عبيدة بدرًا مع رسولِ اللَّه ﷺ وهو ابن إحدى وأربعين سنةً، ومات بطاعون عَمْواس سنة ثماني عشرة، ومات عن ثمانٍ وخمسين سنةً (١)، أو سبعٍ وخمسين سنةً (٢).
واختلفوا في مَوضع قبره، فقال ابن الكلبي: قبره بعَمْواس، وهي قريةٌ بينها وبين الرَّمْلة ثلاثةُ أميالٍ، أو أربعةُ أميالٍ. وقال الواقديّ وضَمْرة بن ربيعة: قبرُه ببَيْسان.
قلتُ: ورأيتُ بطَبَريّة مشهدًا، وفيه قبر، وعلى حائطه بَلاطة عليها مكتوب: هذا قبرُ أبي عبيدة بن الجراح، تُوفّي بطاعون عَمْواس سنة عشرين، وقيل: إنه بِفِحْل، واللَّه أعلم.
وصلى عليه معاذ بن جبل، ونزل في قبرِه، والمشهور أنَّه بعَمْتا من الغَورِ (٣). أسند الحديث عن رسول اللَّه ﷺ (٤).
عامر بن غَيْلان بن أَسْلَم الثَّقفي (٥)
أسلم قبل أَبيه وهاجر، وله صحبة، وكان شاعرًا وأُمُّه خالدة بنت أبي العاص.
ولما هاجر عامر إلى المدينة عمد خازن غَيْلان إلى مالٍ له، وسَرقه ودفنه في خارج الححن، وقال لغَيْلان: إن ابنَك سَرق مالك، وراح به إلى المدينة، فشكاه إلى الناس، وبلغ عامرًا فلم يَعتذر إلى أَبيه، ولم يذكر براءته مما قيل عنه، ولما شاع ذلك جاءت أَمَةٌ لبعض آل ثَقيف، فقالت لغيلان: أيّ شيءٍ [لي] عندك إن دَلَلْتُك على مالك؟ قال: مهما شئتِ، قالت: تَشتريني وتُعتِقني، قال: نعم، فأخرجَتْه إلى ظاهر الحِصْن، وقالت رأيتُ عبدك فُلانًا قد دفن ههنا شيئًا في بعض الليالي، وإنه يَتعاهَدُه في كلِّ وقت، فنبش المكان، وأخذ المال، فاشترى الأمَةَ وأَعتقها.
стр. 2278
وبلغ الخبرُ عامرًا فقال: واللَّه لا يَراني غَيْلان أبدًا، وخرج عامر وعُمارة أخوه إلى الشام مُجاهِدين، فمات عامر بطاعون عَمْواس في حياة أَبيه، وأسلم غَيْلان، وقدم المدينة، رحمه اللَّه تعالى.
عامر بن مالك
أخو سعد بن أبي وَقّاص لأبَويْه، من الطبقة الثانية من المهاجرين، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، ولَقي من أُمّه حَمْنَة بنت سفيان بن أُميَّة أَذًى، آلت لا تَستَظِلُّ بظِلٍّ، ولا تَأكلُ طعامًا، ولا تَشرب شرابًا حتى يعود عامر إلى الكُفر، واجتمع عليها الناس، وأقبل سعد بنُ أبي وَقَّاص ﵁، فرأى الناس مُجتمعين عليها، قال: مالَك؟ فقالت: حلفتُ على كذا وكذا، فقال سعد ﵁: يا أُمّه، عليَّ فاحْلِفي، إنك لا تَستَظلِّي بظِلٍّ، ولا تَأكُلي طعامًا، ولا تشربي شَرابًا حتى تَرَيْ مَقعدَك من النَّار، فقالت: إنما حلفتُ على ابني البَرّ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية [لقمان: ١٥].
شهد عامر أُحدًا، وكُنيتُه أبو صفوان، وتُوفّي بطاعون عَمْواس، وقيل باليرموك، وقيل بأَجْنادين، وليس له زوجة، رحمه اللَّه تعالى (١).
عُمير بن عديّ
ابن خَرشَة بن أُميَّة بن عامر بن خَطْمة، أسلم قديمًا، وكان ضَريرًا، وهو الذي قتل عَصْماء بنت مَروان اليهوديّة، كانت تُؤذي رسول اللَّه ﷺ ، وتُحرض عليه، وتقول الأشعار، فلما غاب رسول اللَّه ﷺ ببدر؛ نَذر عُمير (٢) إن عاد رسول اللَّه ﷺ سالمًا أن يقتُل عصماء، فلما عاد رسول اللَّه ﷺ من بدر؛ أتاها عُمير نِصفَ الليل، فقَتلَها، وكانت وَفاتُه بالمدينة، ﵁ (٣).
стр. 2279
الفَضْل بن العبّاس
ابن عبد المطلب بن هاشم ﵁، كُنيتُه أبو محمد، وقيل: أبو العبّاس، من الطبقة الثانية من المهاجرين، وأمُّه لُبابة الكُبرى بنت الحارث بن حَزْن الهِلاليّة، أُخت (١) ميمونة زوج النبي ﷺ .
وكان أَسَنَّ وَلد العباس، وبه كان يُكنى، وكان رجلًا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وغزا معه عامَ الفتح ويومَ حُنين، وثَبتَ يومئذٍ.
وكان جَميلًا، فكان يُقال: من أراد الجَمَالَ والسَّخاءَ والفِقهَ فلْيَأتِ دارَ العباس، فالجمال للفضْل، والسَّخاءُ [لعُبيد اللَّه، والفقه] لعبد اللَّه.
وشهد حَجّة الوداع، وأَرْدَفَه رسول اللَّه ﷺ من جَمْعٍ إلى مِنًى، فكان يُقال له: رديفَ رسول اللَّه ﷺ ، وشهد غسلَ رسول اللَّه ﷺ .
وكان صالحًا، زاهدًا، عابدًا، خرج إلى الشام مُجاهدًا، فتُوفّي بطاعون عَمْواس.
وكان إذا نزل مَنزلًا يُرْخي عِنان فرسه ويُطيل لها فتَرعى، وهو أوَّلُ مَن فعل ذلك بالشام.
قال أبو علاقة: حضرتُ الفَضْلَ وقد نال الطَّاعون من الناس، فقلتُ: بأبي أَنْتَ وأُمّي، لو انتقلتَ إلى مكان كذا وكذا، فقال: واللَّه ما أخافُ أن يسبقَ أجلي، ولا أُحاذر أن يَغلط بي ملكُ الموتُ، إنه لَبَصيرٌ بأهل كلِّ بلَد. أسند الحديث عن رسول اللَّه ﷺ (٢).
أبو مالك الأشعَري
من الطبقة الثالثة، أسلم، وصحب رسول اللَّه ﷺ ، وشهد فتحَ مِصر، طُعن هو وأبو عبيدة ﵄ في يوم واحد، وعَقدَ له رسول اللَّه ﷺ على خيل الطَّلَب، وأمره أن يَطلُبَ هوازن حين انهزمت (٣).
стр. 2280
فصل وفيها تُوفّي
معاذ بنُ جَبَل
ابن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن أُدَيّ بن سعد بن عليّ بن أسد بن سارِدة بن يَزيد بن جُشم بن الخَزْرَج، وكُنيتُه أبو عبد الرحمن، وأمّه هند بنت سهل [من بني] رِفاعة، من جُهينة.
ومعاذ من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العَقَبة مع السبعين، وبدرًا وأحدًا والخندق، والمشاهدَ كلَّها مع رسولِ اللَّه ﷺ ، وأسلم وهو ابن ثماني عشرة سنةً، وقيل: ابن عشرين.
وكان يكسِرُ أصنامَ بني سَلِمة، وأردفَه رسول اللَّه ﷺ وراءه، ومشى في رِكابه لمّا شيَّعه إلى اليمن ومعاذ راكبٌ، وقد ذكرناه في سنة تسع. وكان يُفتي بالمدينة في حياةِ رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر، وآخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين ابن مسعود.
وقال ابن سعد: شهد مُعاذ بدرًا وهو ابن عِشرين أو إحدى وعشرين سنةً.
وخرج إلى اليمنِ بعد غَزاة تبوك وشهدها، وخرج إلى اليمن وهو ابن ثمانٍ وعِشرين سنةً (١).
ذكر صفته: قال ابن سعدٍ، عن الواقدي، عن أشياخٍ له قالوا: كان معاذ طُوالًا، أبيض، حَسَنَ الثغْرِ، مجموعَ الحاجبين، أكحَلَ العينين، برّاقَ الثنايا، جَعْدًا، قَطَطًا (٢).
وقال ابن مسعود (٣): كان يُسمّى القانتَ والخاشِعَ.
وقال ابن سعدٍ بإسناده عن أبي مُسلم الخَولاني قال: دخلتُ مسجدَ حمص، فإذا فيه نحوٌ من ثلاثين كَهْلًا من أصحابِ رسول اللَّه ﷺ ، وإذا فيهم شابٌّ أكحلُ العينين، برّاقُ الثَّنايا، ساكتٌ لا يتكلّم، فإذا امتَرى القومُ في شيءٍ أقبلوا عليه فسألوه، فقلتُ اجَليسي: مَن هذا؟ قال: معاذ بن جبل (٤).