← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

جُوَيْرِية، فجلست بين يدي عمر، فجعل يَستطعمها الكلامَ ما حَلْيُك؟ فقالت: كذا وكذا، وسمعتْه أُمُّها من داخل البيت فقالت: كأنك تُريد العِقد أو التاج؟ قال: نعم، فقالت: نعم، قسمه أبو عبيدة بين المسلمين، ولم يُعطِنا منه شيئًا، فسكت. ولم يذكر هشام اسمَ امرأة أبي عبيدة، وذكرها الحافظ ابن عساكر في آخر تاريخه، في ذكر النساء، في حرف التاء وقال: اسمُها تحيفة بالتاء (١). قال الشيخ موفق الدّين ﵀ في الأنساب: لما قدم عمر رضوان اللَّه عليه الشام [قال لأبي عُبيدة]: ألا تَسْتَزيرُني؟ فقال: أخاف أن تعصر (٢) عينيك، فاستزاره، فلم يجد في بيته إلَّا طِنْفِسَة رَحْلِه، فقدم إليه خبزًا يابسًا ومِلحًا، فقال له عمر رضوان اللَّه عليه: هلا اتَّخذتَ ما اتَّخذه غيرُك؟ فقال: هذا يُبلّغني المحل، فبكى عمر رضوان اللَّه عليه وقال: أنت أخي، ما أجد إلا مَن غَرَّتْه الدُّنيا غيرك. وكان يسير في العسكر ويقول: ألا رُبَّ مُبَيّضٍ لثيابه مُدَنِّس لدِينه، ألا رُبَّ مُكرِمٍ نفسَه وهو لها مُهين، فادْرؤوا السِّيئات القديمات بالحسنات الحَديثات، فلو أن أحدكم عمل من السيّآت ما بينه وبين السماء، ثم عمل حَسنةً لعلت فوق سيئاته حتى تَقهرهنّ (٣). ودخل عليه بعضُ أصحابه في مرضه فوجده يبكي، فقال: ما يُبكيك؟ فقال: أبكي أن رسول اللَّه ﷺ ذكر يومًا ما يَفتح اللَّه على المسلمين ويَفيءُ عليهم، حتى ذكر الشام فقال: "إنْ يُنسَأ في أجَلك يَا أَبا عبيدة، فحسبُك من الخَدَم ثلاثة: خادم يَخدُمك، وخادم يُسافر [معك]، وخادم يَخدُم أهلَك، وحَسبُك من الدَّوابّ ثلاثة: دابّة لرجلك (٤)، ودابة لثَقَلِك، ودابّة لغُلامك"، وها أنا أنظُر إلى بيتي قد امتلأ رَقيقًا، وإلى مَرْبَطي قد امتلأ دوابًّا وخيلًا، فكيف ألقى رسول اللَّه ﷺ بعد هذا؟ وقد أوصانا: "إن أحبكّم إليَّ وأقرَبكم منّي مَن لَقيني على مثل الحال التي فارقَني عليها" (٥). وقد ذكرنا أن أَبا عبيدة شهد بَدْرًا والمشاهِدَ كلّها، واليرموكَ وأجنادين وفحْلًا

стр. 2277

ومرجَ الصُّفَّر ودمشقَ وغيرَ ذلك. ذكر وفاته: روى ابن سعدٍ عن الواقدي قال: شهد أبو عبيدة بدرًا مع رسولِ اللَّه ﷺ وهو ابن إحدى وأربعين سنةً، ومات بطاعون عَمْواس سنة ثماني عشرة، ومات عن ثمانٍ وخمسين سنةً (١)، أو سبعٍ وخمسين سنةً (٢). واختلفوا في مَوضع قبره، فقال ابن الكلبي: قبره بعَمْواس، وهي قريةٌ بينها وبين الرَّمْلة ثلاثةُ أميالٍ، أو أربعةُ أميالٍ. وقال الواقديّ وضَمْرة بن ربيعة: قبرُه ببَيْسان. قلتُ: ورأيتُ بطَبَريّة مشهدًا، وفيه قبر، وعلى حائطه بَلاطة عليها مكتوب: هذا قبرُ أبي عبيدة بن الجراح، تُوفّي بطاعون عَمْواس سنة عشرين، وقيل: إنه بِفِحْل، واللَّه أعلم. وصلى عليه معاذ بن جبل، ونزل في قبرِه، والمشهور أنَّه بعَمْتا من الغَورِ (٣). أسند الحديث عن رسول اللَّه ﷺ (٤). عامر بن غَيْلان بن أَسْلَم الثَّقفي (٥) أسلم قبل أَبيه وهاجر، وله صحبة، وكان شاعرًا وأُمُّه خالدة بنت أبي العاص. ولما هاجر عامر إلى المدينة عمد خازن غَيْلان إلى مالٍ له، وسَرقه ودفنه في خارج الححن، وقال لغَيْلان: إن ابنَك سَرق مالك، وراح به إلى المدينة، فشكاه إلى الناس، وبلغ عامرًا فلم يَعتذر إلى أَبيه، ولم يذكر براءته مما قيل عنه، ولما شاع ذلك جاءت أَمَةٌ لبعض آل ثَقيف، فقالت لغيلان: أيّ شيءٍ [لي] عندك إن دَلَلْتُك على مالك؟ قال: مهما شئتِ، قالت: تَشتريني وتُعتِقني، قال: نعم، فأخرجَتْه إلى ظاهر الحِصْن، وقالت رأيتُ عبدك فُلانًا قد دفن ههنا شيئًا في بعض الليالي، وإنه يَتعاهَدُه في كلِّ وقت، فنبش المكان، وأخذ المال، فاشترى الأمَةَ وأَعتقها.

стр. 2278

وبلغ الخبرُ عامرًا فقال: واللَّه لا يَراني غَيْلان أبدًا، وخرج عامر وعُمارة أخوه إلى الشام مُجاهِدين، فمات عامر بطاعون عَمْواس في حياة أَبيه، وأسلم غَيْلان، وقدم المدينة، رحمه اللَّه تعالى. عامر بن مالك أخو سعد بن أبي وَقّاص لأبَويْه، من الطبقة الثانية من المهاجرين، هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، ولَقي من أُمّه حَمْنَة بنت سفيان بن أُميَّة أَذًى، آلت لا تَستَظِلُّ بظِلٍّ، ولا تَأكلُ طعامًا، ولا تَشرب شرابًا حتى يعود عامر إلى الكُفر، واجتمع عليها الناس، وأقبل سعد بنُ أبي وَقَّاص ﵁، فرأى الناس مُجتمعين عليها، قال: مالَك؟ فقالت: حلفتُ على كذا وكذا، فقال سعد ﵁: يا أُمّه، عليَّ فاحْلِفي، إنك لا تَستَظلِّي بظِلٍّ، ولا تَأكُلي طعامًا، ولا تشربي شَرابًا حتى تَرَيْ مَقعدَك من النَّار، فقالت: إنما حلفتُ على ابني البَرّ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية [لقمان: ١٥]. شهد عامر أُحدًا، وكُنيتُه أبو صفوان، وتُوفّي بطاعون عَمْواس، وقيل باليرموك، وقيل بأَجْنادين، وليس له زوجة، رحمه اللَّه تعالى (١). عُمير بن عديّ ابن خَرشَة بن أُميَّة بن عامر بن خَطْمة، أسلم قديمًا، وكان ضَريرًا، وهو الذي قتل عَصْماء بنت مَروان اليهوديّة، كانت تُؤذي رسول اللَّه ﷺ ، وتُحرض عليه، وتقول الأشعار، فلما غاب رسول اللَّه ﷺ ببدر؛ نَذر عُمير (٢) إن عاد رسول اللَّه ﷺ سالمًا أن يقتُل عصماء، فلما عاد رسول اللَّه ﷺ من بدر؛ أتاها عُمير نِصفَ الليل، فقَتلَها، وكانت وَفاتُه بالمدينة، ﵁ (٣).

стр. 2279

الفَضْل بن العبّاس ابن عبد المطلب بن هاشم ﵁، كُنيتُه أبو محمد، وقيل: أبو العبّاس، من الطبقة الثانية من المهاجرين، وأمُّه لُبابة الكُبرى بنت الحارث بن حَزْن الهِلاليّة، أُخت (١) ميمونة زوج النبي ﷺ . وكان أَسَنَّ وَلد العباس، وبه كان يُكنى، وكان رجلًا على عهد رسول اللَّه ﷺ ، وغزا معه عامَ الفتح ويومَ حُنين، وثَبتَ يومئذٍ. وكان جَميلًا، فكان يُقال: من أراد الجَمَالَ والسَّخاءَ والفِقهَ فلْيَأتِ دارَ العباس، فالجمال للفضْل، والسَّخاءُ [لعُبيد اللَّه، والفقه] لعبد اللَّه. وشهد حَجّة الوداع، وأَرْدَفَه رسول اللَّه ﷺ من جَمْعٍ إلى مِنًى، فكان يُقال له: رديفَ رسول اللَّه ﷺ ، وشهد غسلَ رسول اللَّه ﷺ . وكان صالحًا، زاهدًا، عابدًا، خرج إلى الشام مُجاهدًا، فتُوفّي بطاعون عَمْواس. وكان إذا نزل مَنزلًا يُرْخي عِنان فرسه ويُطيل لها فتَرعى، وهو أوَّلُ مَن فعل ذلك بالشام. قال أبو علاقة: حضرتُ الفَضْلَ وقد نال الطَّاعون من الناس، فقلتُ: بأبي أَنْتَ وأُمّي، لو انتقلتَ إلى مكان كذا وكذا، فقال: واللَّه ما أخافُ أن يسبقَ أجلي، ولا أُحاذر أن يَغلط بي ملكُ الموتُ، إنه لَبَصيرٌ بأهل كلِّ بلَد. أسند الحديث عن رسول اللَّه ﷺ (٢). أبو مالك الأشعَري من الطبقة الثالثة، أسلم، وصحب رسول اللَّه ﷺ ، وشهد فتحَ مِصر، طُعن هو وأبو عبيدة ﵄ في يوم واحد، وعَقدَ له رسول اللَّه ﷺ على خيل الطَّلَب، وأمره أن يَطلُبَ هوازن حين انهزمت (٣).

стр. 2280

فصل وفيها تُوفّي معاذ بنُ جَبَل ابن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن أُدَيّ بن سعد بن عليّ بن أسد بن سارِدة بن يَزيد بن جُشم بن الخَزْرَج، وكُنيتُه أبو عبد الرحمن، وأمّه هند بنت سهل [من بني] رِفاعة، من جُهينة. ومعاذ من الطبقة الأولى من الأنصار، شهد العَقَبة مع السبعين، وبدرًا وأحدًا والخندق، والمشاهدَ كلَّها مع رسولِ اللَّه ﷺ ، وأسلم وهو ابن ثماني عشرة سنةً، وقيل: ابن عشرين. وكان يكسِرُ أصنامَ بني سَلِمة، وأردفَه رسول اللَّه ﷺ وراءه، ومشى في رِكابه لمّا شيَّعه إلى اليمن ومعاذ راكبٌ، وقد ذكرناه في سنة تسع. وكان يُفتي بالمدينة في حياةِ رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر، وآخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين ابن مسعود. وقال ابن سعد: شهد مُعاذ بدرًا وهو ابن عِشرين أو إحدى وعشرين سنةً. وخرج إلى اليمنِ بعد غَزاة تبوك وشهدها، وخرج إلى اليمن وهو ابن ثمانٍ وعِشرين سنةً (١). ذكر صفته: قال ابن سعدٍ، عن الواقدي، عن أشياخٍ له قالوا: كان معاذ طُوالًا، أبيض، حَسَنَ الثغْرِ، مجموعَ الحاجبين، أكحَلَ العينين، برّاقَ الثنايا، جَعْدًا، قَطَطًا (٢). وقال ابن مسعود (٣): كان يُسمّى القانتَ والخاشِعَ. وقال ابن سعدٍ بإسناده عن أبي مُسلم الخَولاني قال: دخلتُ مسجدَ حمص، فإذا فيه نحوٌ من ثلاثين كَهْلًا من أصحابِ رسول اللَّه ﷺ ، وإذا فيهم شابٌّ أكحلُ العينين، برّاقُ الثَّنايا، ساكتٌ لا يتكلّم، فإذا امتَرى القومُ في شيءٍ أقبلوا عليه فسألوه، فقلتُ اجَليسي: مَن هذا؟ قال: معاذ بن جبل (٤).

стр. 2281

ثم تفرقوا، فلما كان الغد جاء معاذ، فصلّى إلى سارية، فصليتُ عنده، فلما انصرف من صلاته جلستُ إليه وقلت: واللَّه إني أُحبُّك لغير دنيا أرجوها منك، ولا لقرابةٍ بيني وبينك، قال: فلأيِّ شيءٍ، قلتُ: للَّه ، فقال أَبشِر إن كنتَ صادقًا، فإنِّي سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "المتحابُّون في اللَّه في ظِل العرش، يوم لا ظل إلَّا ظِلُّه، يَغبطهم بمكانهم النبيُّون والشهداء". ثم خرجتُ فلقيتُ عُبادةَ بنَ الصَّامت، فحدَّثتُه بالذي حدَّثني به معاذ، فقال عُبادة: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يروي عن ربه تعالى أنه قال: "حقَّت محبَّتي للمتحابِّين [فيَّ] والمتناصِحين فيَّ، والمتزاوِرين فيَّ، والمتباذِلين فيَّ، هم على مَنابرَ من نور، يَغبطُهم النبيُّون والصدِّيقون" (١). وقال أبو بَحريَّة [بن] قُطَيْب السَّكوني: دخلتُ مسجد حمص، فإذا أنا بفتًى جَعْدٍ قَطَطٍ، حوله الناس، فإذا تكلّم كأنما يخرج من فِيه نورٌ ولُؤلؤ، فقلتُ: مَن هذا؟ قالوا: مُعاذ بن جَبَل (٢). ذكر زهده وورعه وتعبُّده وجُوده وقضاءِ دَينه وسَخائه: قال أبو نعيم بإسناده عن عبد الرحمن بن سعيد بن يَربوع، عن مالكٍ: أن عمر بن الخطاب أرسل بأربع مئة دينارٍ إلى أبي عُبيدة، وقال للغُلام: تَلَهَّ بالبيتِ ساعةً، وانظُر ماذا يصنعُ؟ فجاء الغلامُ فقال لأبي عبيدة: يقول لك أميرُ المؤمنين: اجعلْ هذه في بعضِ حاجتك، فقال: وَصله اللَّه ورَحِمَه، ثم قال: يا جاريةُ، اذهبي بهذه السبعةِ إلى فُلانٍ، وبهذه الخمسةِ إلى فُلانٍ، حتى أنفدَ الجميع، فرجع الغُلامُ إلى عمرَ فأخبره، فوجده قد أعدَّ مثلَها لمعاذِ بن جَبل، وقال للغُلام: اذهب بها إلى مُعاذٍ، وتلَهَّ ساعةً حتى تنظرَ ما يصنعُ بها؟ فذهب بها إليه وقال: إن أميرَ المؤمنين يقول لك: اجعل هذه في بعضِ حاجتك، فقال: ﵀ ووَصله، ثم قال: تعالى يَا جاربةُ، اذهبي إلى بيت فُلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأةُ معاذٍ فقالت: ونحنُ واللَّهِ مساكين فأعطِنا، ولم يبق في الخِرْقةِ إلَّا ديناران، فدحا بهما إليها، فرجع الغلامُ إلى عمر فأخبره، فقال: إنهم إخوةٌ بعضُهم من بعض.

стр. 2282

وقال أبو نُعيمٍ بإسناده عن يحيى بن سعيد قال: كانت تحت معاذٍ امرأتان، فإذا كان عند إحداهما لم يشربْ من بيت الأُخرى الماء، وفي روايةٍ: لم يتوضأ من بيتِ الأُخرى، ثم تُوفِّيتا في الطاعونِ، فدُفِنتا في حُفْرَةٍ، فأسهم بينهما؛ أيتهما تُقَدَّمُ في القبرِ؟ (١) وروى ابن سعد قال: كان معاذ يأكلُ تُفّاحةً ومعه امرأتُه، فمرَّ غُلامٌ له، فناولتْه امرأتُه تفاحةً قد عَضَّتها، فضَربها معاذ. وحكى ابن سعدٍ عنه أنه قال: ما بَصَقتُ عن يميني منذ أسلمتُ وصحبتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ . قال: ورأى معاذ امرأتَه تَطَلَّع من رَوْزَنَةٍ فضربها (٢). وقال أبو نعيم بإسناده قال (٣): كان معاذ بن جبل إذا تهجّد من الليلِ قال: اللهمَّ قد نامتِ العيونُ، وغارتِ النجومُ، وأنت حيٌّ قيوم، اللهمَّ طَلبي الجنَّةَ بطيءٌ وهَربي من النار ضَعيف، اللهمَّ اجعل لي عندك هُدًى، تَرُدُّه إليَّ يومَ القيامة، إنك لا تُخلِفُ الميعاد. حديثُ قضاءِ دَيْنه: قال أبو نُعيم بإسناده عن ابن كعب بن مالك قال: كان معاذ بنُ جَبل شابًا جَميلًا سَمْحًا، من خَيْرِ شباب قومهِ، لا يُسْألُ شيئًا إلَّا أعطاه، حتى ادّان دَينًا أغلق مالَه، وكلَّم رسولَ اللَّه ﷺ أن يُكلِّمَ غُرماءه أن يَضعوا له شيئًا ففعل، فلم يضعوا له شيئًا، فدعاه رسولُ اللَّه ﷺ ، فلم يَبْرَح حتى باع مالَه، وقسمه بين غُرمائه، فقام مُعاذٌ ولا مالَ له (٤). قال جابر بن عبد اللَّه: كان معاذ قد ادَّان دينًا كثيرًا، فلَزمه غُرماؤه، حتى تغيَّب عنهم أيامًا في بيته، فطلبه غُرماؤه وقالوا: يا رسول اللَّه، خُذْ لنا منه حقَّنا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "مَن يَتصدَّقُ عليه؟ "فتصدَّق عليه ناس وأبى آخرون، فخَلَعه رسول اللَّه ﷺ من ماله، وقَسمه بينهم، فأصابهم خمسةُ أسباعِ حُقوقهم، فقالوا: يا رسول اللَّه،

стр. 2283

ادفَعْه لنا، فقال: "خَلُّوا عنه، فليس لكم عليه سبيل"، فانصرف معاذ إلى بني سَلِمة، فقال له قائل: يا أَبا عبد الرحمن، لو سألتَ رسول اللَّه ﷺ ، فقد أصبحتَ اليوم مُعدمًا، فقال: ما كنتُ لأسألَه. ثم دعاه رسول اللَّه ﷺ بعد يوم، فبَعثه إلى اليمن، وقال له: "لعلَّ اللَّه يَجبُرُك ويُؤدِّي عنك دَيْنك". فخرج إلى اليمن، فلم يَزلْ بها حتى تُوفّي رسول اللَّه ﷺ ، فوافى مُعاذ مكّة وقد حجَّ عمر رضوان اللَّه عليه بالناس في تلك السنة، فالتقيا، فاعتنقا وبَكيا، وعزَّى كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه في رسول اللَّه ﷺ . ورأى عمر رضوان اللَّه عليه معه غِلمانًا، فقال له: ما هؤلاء؟ فقال: أُهدوا إليّ، فقال: اذكُرهم لأبي بكر، فقال: لا أفعل، وإنهم مالي. فرأى في تلك الليلة في المنام كأنه على شَفير النار، وعمر رضوان اللَّه عليه آخِذٌ بحُجْزته، يَمنعه أن يقع فيها، وكان معاذ ﵁ أعتقهم لما رآهم يُصلّون، ثم قضى أبو بكر رضوان اللَّه عليه لبقيَّة غُرمائه، وقال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لعلَّ اللَّه يَجبُرك" (١). وكان معاذ ﵁ يُصلّي مع رسول اللَّه ﷺ ، ثم يَرجع فيُصلّي بقومه، فأخَّر رسول اللَّه ﷺ الصلاةَ مرَّةً، فصلَّى مُعاذ معه، ثم جاء يَؤُمُّ لقومه، فقرأ البقرة، فاعتزل رجلُ من القوم فصلّى، فقيل: نافقتَ يَا فلان، فقال: ما نافَقْتُ، فأتى رسولَ اللَّه ﷺ فقال: إن معاذًا يُصلِّي معك، ثم يَرجع فيؤمُّنا يَا رسول اللَّه، إنما نحن أصحابُ نَواضِح، ونعملُ بأيدينا، وإنه جاء يَؤُمُّنا، فقرأ سورةَ البقرة، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يَا معاذ، أفتَّانٌ أَنْتَ؟ اقرأ باسم ربك الأعلى، والليل إذا يَغشى" (٢). وقال (٣) عبد اللَّه بن أحمد بإسناده عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعلمُ أمَّتي بالحلال والحرام معاذُ بنُ جبل" (٤).

стр. 2284

وقال ابن مسعود ﵁: إن معاذ بنَ جبل كان أُمّةً، قانتًا للَّه حَنيفًا، فقيل له: إن إبراهيم كان أُمَّة قانتًا للَّه حَنيفًا، فقال: ما نسيتُ، هل تدري ما الأُمَّة وما القانِت؟ الأُمَّةُ الذي يُعلّم الخير، والقانت المطيعُ للَّه ولرسوله، وكان معاذ كذلك (١). وقالت شَهْر بن حَوْشَب: كان أصحابُ محمّدٍ ﷺ وإذا تحدَّثوا وفيهم معاذ؟ نظروا إليه هَيبةً له (٢). وقال هشام: كان معاذ ممَّن جمع القرآن. وكتب رسول اللَّه ﷺ إلى أهل اليمن: "إني قد بعثتُ إليكم من خير أهلي، واليَ علمهم، واليَ دينهم" (٣). وقال عمر بن الخطاب ﵁ حين خرج معاذ إلى الشام: لقد أَخَلَّ خروجُه بالمدينة وأهلها [في الفقه وما كان يُفتيهم به]، ولقد كلَّمتُ أَبا بكر أن يَحبِسَه لحاجة الناس، فأبى عليَّ وقال: رجل أراد [وَجْهًا يريد الشهادةَ فلا أحبسه، فقلتُ: واللَّه إن الرجل لَيُرزق] الشهادةَ وهو في بيته على فراشه (٤). وكان معاذ ﵁ قد جمع القرآن، وقال لابنه: يا بُنيّ، إذا صلّيتَ فصلِّ صلاةَ مُوَدّع، لا تَظنُّ أنك تَعودُ إليها أبدًا، واعلم أن المؤمن يموتُ بين حَسَنتَين: حسنةٍ عملها، وحسنةٍ أخَّرها (٥). وروى أبو نعيم، عن معاذ أنه قال: أخوفُ ما أخاف عليكم فتنةَ النساء إذا تَسوَّرْنَ الذَّهبَ، ولَبِسنَ رِياطَ الشام، وعَصْبَ اليمن، فأتعبْنَ الغنيَّ، وكلَّفْنَ الفقيرَ ما لا يجد (٦). ذِكرُ مرضِه ووفاتهِ: قال أبو نُعيم بإسناده عن طارق بن عبد الرحمن قال: وقع طاعونٌ بالشامِ فاستعر فيها، فقال النَّاسُ: ما هذا إلَّا الطُّوفانُ، إلَّا أنَّه ليس بماءٍ، فبلغ

стр. 2285

مُعاذًا، فقام خطيبًا فقال: إنَّه قد بلغني ما تقولون، وإنّما هذه رحمةُ ربِّكم، ودعوةُ نبيّكم، وكَفْتُ الصالحين قبلَكم، ولكن خافوا ما هو أشدُّ من ذلك؛ أن يَغدُوَ الرجلُ منكم من منزلهِ لا يدري: أمؤمن هو أم منافِقٌ؟ وخافوا إمارةَ الصِّبيان (١). وروى ابنُ سعدٍ قال: لمّا قال معاذ: اللهمَّ آتِ آل مُعاذٍ نَصيبَهم من هذه الرحمةِ طُعِن ابناه، فقال: كيف تَجِدانِكما؟ قالا: يا أبانا ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ [آل عمران: ٦٠]، قال: وأنا ستَجداني إن شاء اللَّه من الصابرين، ثم طُعِنت امرأتاه فهلكتا (٢)، وطُعِنَ هو في إبهامه فجعل يمصُّها بفيه ويقول: اللهمَّ إنَّها صغيرةٌ فبارك فيها، فإنك تُبارك في الصغير، حتى هلك. وروى أبو نُعيم أنَّه كان كُلَّما أفاق -وكان شديدَ النَّزْعِ- فتح عينيه وقال: اخنُقْ خَنْقَك، فوَعِزَّتِك إنك تَعلم أني أُحبُّك، وأنَّ قلبي يُحبُّك (٣). وقال عبد اللَّه بن أحمد بإسناده عن عَمرو بن قيس، عمَّن حدَّثه، عن معاذٍ أنَّه لما احتُضِرَ قال: انظروا هل أصبحنا؟ قالوا: لم نُصْبح، ثم قيل له: قد أصبحتَ، فقال: أعوذُ باللَّهِ من ليلةٍ صباحُها النَّار، مَرْحبًا بالموتِ مرحبًا، زائرٌ مُغِبٌّ حبيب جاء على فاقةٍ، لا أَفلحَ من نَدِم، اللهمَّ إني قد كُنتُ أخافُك وأنا اليومَ أرجوك، اللهمَّ إنك تعلمُ أني لم أكُن أُحبُّ الدنيا وطولَ البقاء فيها لكَرْي الأنهار، وغرسِ الأشجارِ، ولكن للظمأ في الهواجرِ، ومكابَدَةِ الساعات، ومُزاحمةِ العلماء بالرّكَبِ عند حِلَقِ الذكْر (٤). ولم يبق من آل معاذ من الجمعة إلى الجمعة أحد. وقال ابن سعدٍ بإسناده قال: وحدثنا إسحاقُ بنُ خارجة بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن أَبيه، عن جدِّه قال: شهد معاذ بَدْرًا وهو ابنُ عشرين، أو إحدى وعشرين سنةً، وخرج إلى اليمن بعد أن غزا رسولُ اللَّه تبوكًا وهو ابنُ ثمانٍ وعشرين سنةً، وتُوفي في طاعون عَمْواس بالشام بناحية الأُردُن سنة ثماني عشرة وهو ابنُ ثمانٍ وثلاثين سنةً، وليس له عَقِبٌ.

стр. 2286

وقال ابن سعد بإسناده عن سعيد بن المُسَيّب قال: رُفع عيسى وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين سنةً، ومات مُعاذ وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين سنةً (١). وقيل: كان له ست وثلاثون سنةً. وقيل: أربعٌ وثلاثون (٢). أسند مُعاذٌ عن رسولِ اللَّه ﷺ الحديث. فالمشهورُ عنه أنَّه رُوي عنه مئةُ حديثٍ وسبعةٌ وخمسون حديثًا. أُخرج له في "الصحيحين" ستَّةُ أحاديث، اتّفقا على حديثين، وأخرج البخاري ثلاثةً، وانفرد مسلم بحديث (٣)، وأخرج له أحمد سبعةً وخمسين حديثًا (٤). منها ما روى أنسٌ، عن معاذ (٥) حدَّثه أن النبي ﷺ قال له: "يَا مُعاذَ بن جَبل" قال: لبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ يَا رسولَ اللَّه، قال: "لا يَشهدُ عبدٌ أن لا إله إلَّا اللَّه ثم يموتُ على ذلك إلَّا دخل الجنَّةَ"، قال: فقلتُ: ألا أُحَدِّثُ الناس؟ قال: "لا، إني أخشى أن يَتّكِلوا". أخرجاه في "الصّحيحين" (٦). والحديث (٧) الثاني المتَّفقُ عليه أيضًا لمّا بعثه إلى اليمن وفي آخرِه: "واتَّقِ دعوةَ المظلوم، فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب" (٨). وقال أحمد بإسناده عن يؤيد بن قُطَيب السَّكوني -وكُنيتُه أبو بَحريَّة- قال: سمعتُ معاذَ بنَ جبل يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "الملْحَمة العُظْمى، وفتحُ قُسطَنْطِينيَّة، وخروج الدَّجال في تسعةِ أشهر" (٩). وقال أحمد بإسناده عن الوالبيّ صديق لمُعاذٍ قال: قال معاذ: سمعتُ رسول اللَّه

стр. 2287

ﷺ تلا هذه الآية: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١)﴾ [الواقعة: ٢٧ - ٤١] فقَبض قَبضتين فقال: "هذه في الجنةِ ولا أُبالي، وهذه في النَّار ولا أُبالي" (١). وقال أحمد بإسناده عن مُعاذِ بن جبل قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إلَّا تُؤذي امرأةٌ زوجَها في الدنيا إلَّا قالت زوجتُه من الحورِ العين: لا تُؤذيه قاتلك اللَّه، فإنَّما هو عندك دَخيل يُوشِكُ أن يفارِقَك إلينا" (٢). الدَّخيل: الضَّيف. يزيد بن أبي سفيان بن حرب كُنيته أبو خالد، وأمُّه زينب بنت نَوفل، من بني فراس بن غَنْم (٣)، وهو من الطبقة الرابعة ممّن أسلم يوم الفتح، وكان أفضلَ أولاد أبي سُفيان، ويقال له: زيد الخير. شهد مع النبي ﷺ حُنينًا، وأعطاه مئة من الإبل، وأربعين أُوقيّة، ولم يزل رسول اللَّه ﷺ يَذكره بخير، واستعمله على صدقات بني فراس بن غَنْم؛ لأن يزيد منهم (٤). وولاه أبو بكر رضوان اللَّه عليه الشام، وخرج معه ماشيًا يُودِّعه ويُوَجِّهُهُ وقال: إنك شاب تُذكر بخير، وقد أردتُ أن أختبرَك، فإن أحسنتَ زدتُك، وإن أسأتَ عزلتُك، وأوصاه بأبي عُبيدة ومعاذ خيرًا، فقال: يا خليفة رسول اللَّه أوصِهما بي. وأقام أميرًا على الشام حين مات أبو بكر رضوان اللَّه عليه، وولي عمر بن الخطاب ﵁، فولّى أَبا عبيدة على الجيوش، وولّى يزيدَ بنَ أبي سفيان دمشق، فأقام عليها حتى مات بعَمْواس، واستَخلف أخاه معاوية، فأقرَّه عمر رضوان اللَّه عليه. ولما مات يَزيد جزع عمر رضوان اللَّه عليه جزعًا شديدًا ونَعاه إلى أبيْه، فقال: عند اللَّه أحتسبُ يزيد، فمَن أَمَّرتَ بعدَه، فقال: معاوية، قال: وصلتْك [رحم] (٥).

стр. 2288

السنة التاسعَة عَشْرَة قال خليفة: وفيها أَسرتِ الرومُ عبدَ اللَّه بن حُذافة السَّهْميَّ (١)، وذهبوا به إلى ملكهم وقالوا: هذا من أكابرِ أصحاب محمد ﷺ ، فقال له الطاغيةُ: تَنَصَّرْ وأُشْرِكُكَ في مُلْكي، فقال: لو أعطيتَني جميعَ ما تَملك ما رجعتُ عن ديني، فقال له: تَنَصَّرْ وإلّا ألقيتُك في البَقَرةِ، فأبى، فدعا ببَقَرةٍ أو بقِدْرٍ من نحاسٍ، فصُبَّ فيها ماءٌ، وأُوقد عليها حتى التَهبت، ودعا بأسيرٍ من المسلمين، فألقاه فيها فإذا عظامُه تلوحُ، فأمر بعبدِ اللَّه أن يُلقى فيها فبكى، فظنَّه قد جَزع فقال: واللَّه ما بُكائي من الموتِ، وإنَّما أبكي حيثُ لم يكن لي إلَّا نَفْسٌ واحدةٌ تَفْعَلُ بها هذا في سبيل اللَّه، وكنتُ أتمنّى أن يكون لي عددُ كُلِّ شعرةٍ فيَّ، أو في جسدي، أَنفسٌ تفعلُ بها هذا في اللَّه تعالى. فقال له الطاغية: هل لك أن تُقَبِّلَ رأسي وأُطْلقك؟ فقال: لا حتى تُطْلِقَ جميعَ أُسارى المسلمين، قال: نعم، فقبَّله فأطلق له ثمانين أسيرًا، فلما دخل المدينةَ كان عمرُ في المسجدِ، فقام إليه وقَبَّل رأسَهُ، وكان المسلمون بعد ذلك يُداعبونه فيقولون: قَبَّلْتَ رأسَ عِلْجٍ (٢)! وفي روايةٍ: أنَّ عمرَ كتب إلى الطّاغيةِ يتهدَّده فأطلقَه. وقد روى لنا الشيخ المُوَفَّقُ ﵀ القصَّةَ بإسناده عن سليمان بن حبيب قال: ما اخْتُبِر أحدٌ من المسلمين مثل ما اختُبِر عبد اللَّه بنُ حُذافةَ السَّهْمي، وكان قد شُكي إلى رسول اللَّه ﷺ أنَّه صاحُب مُزاحٍ وباطلٍ، فقال: "اتركوه، إن له بطانةً يُحبُّ اللَّه ورسوله"، فرُمي على قَيْسارِيَّة، فأخذوه وبعثوا به إلى الطاغيةِ وهو بالقُسْطنْطينية، فقال له: تنصَّر وأُنكِحك ابنتي، وأُشْرِكك في مُلكي، فقال: لا أفعل، فقال: أقتُلُك، قال: فعجِّل، فأتى بأُسارى، فضرب أعناقَهم، فمدَّ عُنُقَه وقال: اضرِبْ، قال: فأتى ببَقَرةٍ من نُحاسٍ، فمُلِئت زيتًا، قال: وحَبَسه في بيتٍ وعنده لحمُ خِنْزيرٍ مشويّ، وخمرٌ ممزوج، فلم يأكُل ولم يشرب. . . وذكر إطلاقَ الأُسارى وتقبيل رأسِهِ (٣).

стр. 2289

فصل وفيها وسَّع عمر مسجدَ النبي ﷺ واشترى له الدُّور وأدخلَها فيه، وسقفه بالجَريدِ والعَمَدِ والخَشب. وفيها ظهرت نارٌ عظيمة من حَرَّةِ ليلى، بحيث سألت الحرَّةُ نارًا، قال الواقدي: فخرج عمر وجميعُ الصحابة إليها، فقيل له: إنَّ هذه آية من آياتِ اللَّه لا تَنْدَفعُ بالقتالِ بل بالصّدَقة، ففتح عمر بيتَ المال، وجاء كلُّ واحدِ من الصحابةِ بمال: عثمانُ وطلحةُ وعبد الرحمن، فتصدَّقوا بهِ فطَفِئت. وقال محمد بن حبيب الهاشمي: إنَّما ظهرت النار بخَيبر، ويحتمل أنَّها ظهرت في الموضِعَيْن. وفيها بعث عمرُ عُثمانَ بن أبي العاص الثقفي إلى أَرْمينية غازيًا في جيشٍ، فاستُشْهِد فيه صفوانُ بن المعَطَّل السُّلَمي، الذي قيل بسببه في الإفكِ ما قيل. وقيل: إن غَزاةَ نَهاوَند كانت في هذه السنة، وقال ابن إسحاق وابن سعدٍ عن الواقدي: كانت في سنة إحدى وعشرين. واختلفت الروايات في غزاة نهاوند: فروى ابنُ ناصر بإسناده إلى الحسن قال: كانت الأعاجم من أهل قُومِس وأهل الرّي وهَمَذان ونهاوند قد تكاتبوا، وتعاقدوا على أن يُخرجوا العربَ من بلادهم، وكتب أهلُ الكوفة إلى عمر رضوان اللَّه عليه بالخبر، فصَعِد المنبر، وأخبرهم الخبر، وقال: أَشيروا عليَّ، فقام طلحةُ ﵁ فقال: أنت وليُّ الأمر، قد أحكمتَ التَّجارِب، وأنت مَيمون النَّقيبة، فمُرنا بأمرك، ثم قعد. وقام عثمان رضوان اللَّه عليه فقال: أرى أن تكتب إلى أهل الشام، [فيسيرون] من شامهم، [وتكتب إلى] أهل [اليمن فيسيرون] من يَمنهم، [وتسير] أنت بنفسك [من هذين الحَرمَين إلى هذين المِصرين] من أهل الكوفة [والبصرة، فتلقى جموع المشركين في جموع المسلمين. ثم قام علي بن أبي طالب ﵁ فقال: إنك إنْ أشخصتَ أهلَ الشام] سارت الرُّومُ

стр. 2290

إلى أهلهم وذَراريهم، وإن أشخصتَ أهلَ اليمن سارت الحَبَشةُ إلى ذَراريهم، وإنك متى شَخصتَ من هذين الحرمين انتَقَضَت عليك الأرضُ من أقطارها، حتى يكون ما تُخلّف خلفك من العَورات أهمَّ إليك مما بين يديك، ولكن أرى أن تكتب إلى أهل البصرة فيتفرقون؛ فِرقة تُقيم في أهلها، وفرقة يسيرون إلى إخوانهم بالكوفة، ثم يَسيرون إلى العدو. فقال عمر رضوان اللَّه عليه: صَدقتَ، فأشيروا عليَّ برجلٍ أُوَلّيه ذلك الثغر، قالوا: أَنْتَ أفضلُنا رأيًا، قال: أشيروا عليّ واجعلوه عراقيًّا، قالوا: أنت أعلمُ بأهل العراق، فقال: لأُوَلِّينَّ رجلًا يكون قتيلًا في أول وَهْلة، قالوا: ومَن هو، قال: النعمان بن مُقَرِّن المزَني. وكان النعمان بالكوفة فكتب إلى أهل الكوفة: أما بعد، فقد استعملتُ عليكم النعمان، فإن قُتل فعليكم حُذيفة بن اليمان، فإن قُتل فعليكم جرير بن عبد اللَّه، فإن قتل فعليكم المغيرة بن شُعبة، فإن قُتل فعليكم الأَشعث بن قيس. وكان في كتابه إلى النعمان: أما بعد فإن في عَسكرك عمرو بن مَعدي كَرِب، وطُليحة بن خُوَيلد، وهما يُعدّان بأَلْفَي رجل، فشاوِرْهما في الحرب، ولا تُولِّهما عَملًا، ثم دعا السَّائب بنَ الأَقْرع، فدفع إليه الكتاب وقال: انطلق فاقرأ كتابي على الناس، وانظر ذلك الجيشَ، فإن نَصرهم اللَّه كنتَ الذي تَلي مَغانمهم، وإن وَهنوا فاذهب في الأرض، ولا أراك بعدها أبدًا. فسار السَّائبُ حتى قَدم الكوفة، فقرأ الكتاب على الناس، وبَعث إلى أهل البَصرة بكتابهم، فأقبلوا، وسار الناس مع النعمان، وأقبلت الأعاجم بجمُوعها حتى نزلت نَهاوَنْد (١). وقيل: إن كتاب عمر رضوان اللَّه عليه لما وَرد النعمان يَأمُره بالمسير إلى المشرق كتب إليه: يا أمير المؤمنين، أُمَّ بي أَشَدَّ الوُجوه وهي نَهاوَنْد، فإن الفُرس قد اجتمعت بها، وعليهم ذو حاجب نائب يَزدجرد، فكتب إليه: سِر إليها، فسار ومعه وُجوه

стр. 2291

الصحابة: حُذيفة بنُ اليَمان، وعبد اللَّه بنُ عمر، وجرير بن عبد اللَّه، والمغيرة بنُ شُعبة، وعبد اللَّه بنُ الزبير، وقيس بن المَكشوح، وطُليحة بن خُوَيْلد، وعمرو بن مَعدي كَرب وغيرهم. حديثُ الوَقْعَة قال علماءُ السير: سار النعمانُ بن مُقَرِّن بالناسِ على راياتهم، وكان مَسيرُ النعمان بأمر عمر بن الخطاب، وجعل يَقفُ على رايةٍ رايةٍ، فيحمَد اللَّه ويُثني عليه ويقول: قد علمتُم ما أعزَّكم اللَّه به من هذا الدِّين، وما وَعدكم به من الظُّهور، وقد أنْجَزَ لكم هَوادِيَ ما وَعدكم، وإنَّما بقيتْ أعجازُه وأَكارِعُه، واللَّهُ مُنجِزٌ وَعدَه، ولا يَكونُنَّ على دُنياهم أَحمى منكم (١) على دينكم؛ فإنكم تَنتظرون إحدى الحُسنيَيْن: إمّا الشهادةُ، وإمّا الفتحُ القريبُ، فاستعِدُّوا فإنِّي مُكبِّرٌ ثلاثًا، فإذا كبَّرْتُ الأولى فتهيّؤوا، وإذا كبَّرتُ الثانية فتأهَّبوا، وإذا كبَّرْتُ الثالثة فاحمِلوا. فأقاموا ثلاثًا يقتتلون قتالا شديدًا، وكَثُرتِ الجراحاتُ بين الفريقين والقتلى، وباتَ المسلمون في ليلةٍ قَرَّةٍ، يُداوون جِراحاتهم، ويوقدون النّيران، وبات الكفار يَشربون الخمور، ويضربون بالطبولِ والمعازفِ. وكان أهلُ نَهاوَنْد قد طرحوا حول البلد حَسَكَ الحديد، وبعث النعمان عُيونًا، فساروا لا يَعلمون بالحَسَكِ، فوَطئت دوابُّهم عليه، فعادوا وأخبروا النعمان، فرحل فنزل ناحيةً، فلما كان يوم الجمعة ركب النعمان فرسًا أَشهبَ، وعليه قَباءٌ أبيضُ، وعِمامةٌ بيضاء، وكان رجلًا آدمَ قصيرًا، وخطب فقال: أيها النَّاسُ، إنكم اليومَ بابُ العربِ، فإن كُسِرَ البابُ اليوم دخل على المسلمين أمرٌ عظيم، فقالوا: نحنُ عند أمرِك، فمُرنا بما شئتَ، فقال: إني أُحت القتالَ إذا زالت الشمسُ وهبَّتِ الرّياحُ، فلما زالت صلى بالناسِ صلاةَ الخوفِ، وهزَّ الرايةَ ثلاثًا، وكبَّر ثلاثًا، وحمل وحمل المسلمون. وكان قد كتَّب الكتائبَ، وكان في مُقَدِّمتهِ ساريةُ بنُ زُنَيم أميرًا على كُرْدوس، قد استبطن الوادي، وقد كَمن له جمعٌ من الفُرس، وحمل النعمانُ والناسُ معه قد كسروا

стр. 2292

جُفون سُيوفهم، فكان النعمانُ أوَّل قتيلٍ، فطرح عليه أخوه سُويدُ بن مُقَرِّن ثوبَه لئلا يُعرف، وأخذ سويدٌ الراية فإذا هي تَنْضَحُ دمًا، وقيل: إن فرس النعمان زَلَق به في الدِّماء فصَرَعه، وأن الذي أخذ الرَّايةَ نُعيم بن مُقَرِّن، وقال المغيرةُ بن شعبة: اكتُموا مُصابَ أميركم حتى نَنظُرَ ما نَصنع. وكان النعمان قد قال: اللهمَّ أعِزَّ دينَك، وانْصُرْ عبادَك، واجعل النعمانَ أوَّلَ شهيدٍ. وأخذ اللواءَ حُذيفةُ بن اليمان، واقتتلوا إلى الليلِ، ونصر اللَّه المسلمين، وكان الكفار قد قَرنوا ثمانين ألفًا في السلاسلِ، وحفروا حولهم خَندقًا، فلما هزمهم المسلمون، وقع منهم في الخندقِ مئةُ أَلْفٍ فماتوا، وقُتل عامّتهم في المعركةِ، وكان عليهم الفَيرزان أو ذو حاجب، فانهزم إلى هَمَذان، فأدركه القَعقاعُ على ثَنيَّة هَمَذان، والثنيَّةُ مَشحونةٌ بأحمالٍ فيها عَسَلٌ، فلم يَتخلَّصِ الفَيرُزانُ من الزحام، فقتله القعقاعُ، فقال المسلمون: للَّه جنودٌ من عَسَل. وفي هذه الغزاةِ صاح عمر: يا ساريةُ، الجبلَ، قالها ثلاثًا، ثم خطب ونزل، فقيل له: ما هذا؟ فقال: واللَّه ما ألقيتُ له بالًا، ولكنه شيءٌ أجراه اللَّه على لساني. وفي رواية ابن سعد: يا سارِيةُ بن زُنَيْم، الجبلَ الجبل، ظلم مَن استَرعى الذئبَ الغَنَم، فلما كان بعد أيامٍ وصل كتابُ سارية إلى عمر: إن اللَّه فتح علينا يومَ الجمعة، في ساعة كذا وكذا، سمعنا صوتًا يقول: الجبلَ الجبلَ، وكان العدوُّ قد كَمن لنا في الوادي، فلما ارتفعنا الجبَلَ هَزمهم اللَّه وكان الفتحُ. وفي روايةٍ: إن عمرَ رأى ذلك في منامِه، فأصبح فصَعِد المِنْبَر وصاح، فقيل لساريةَ: أسمعتَ الصوتَ؟ قال: إي واللَّه. وقال هشام: ولما فتح اللَّه نَهاوَنْد جاء راهبٌ إلى السائبِ بن الأقْرَعِ، وكان أميرًا على كُردوسٍ، فسارَّه بشيءٍ وقال: إن دَلَلْتُك على كُنوزِ كسرى أأنا آمنٌ على نفسي وأهلي؟ قال: نعم، فجاء به إلى مكانٍ، فاستخرج منه سَفَطَيْن عظيمين، فيهما اليواقيت التي كانت ذخائرَ كِسرى ومَن تَقدَّمه، فرأى السائبُ ما أذهله، وقسم حُذيفةُ الأخماسَ، وأصاب الفارسُ ستَّةَ آلاف، والراجلُ ألفَين، وأما من الثيابِ والأمتعةِ والأطعمةِ

стр. 2293

وغيرها فلا يُحَدُّ ولا يُحصى. وكتم السائبُ السَّفَطين عن حُذيفة وعن المسلمين، وسار بالأخماسِ إلى المدينةِ، قال: فلقيتُ عمر فقال: ما الخبرُ؟ فقلتُ: استُشهِدَ النعمان، فبكى حتى اختلج صُدْغاه، وقلتُ: فتح اللَّه نهاوَنْد، وقُتِل من العدوِّ مئةُ أَلْفٍ، ودفعتُ إليه الأخماسَ، ثم خلوتُ به فكشفتُ عن السفطين، فلما رآهما تَحيَّر -ويقال: إن قيمتهما أربعُ مئة ألف ألف دينار- فقال: اختُم عليهما، وأدخِلْهما بيتَ المالِ حتى أنظرَ في أمرِهما، قال: ففعلتُ، فقال: الحَق بجُنْدكَ، فخرجتُ، فبَعثَ في إثري رسولًا، فقال: ما نمتُ البارحةَ؛ ما زال السفطانِ يشتعلانِ نارًا، والملائكةُ تَسحبُني إليهما يقولون: لنكوينَّك بهما، فخُذهما عني فاقسِمْهما بين المسلمين، فأخذتُهما ورجعتُ فقسمتُهما بين المسلمين. وفي روايةٍ: إن الذي جاء بالسَّفَطَيْنِ الهِرْبِذُ، وقال: هُما عندي وَديعةٌ، فاتفق حُذيفةُ مع المسلمين أن يخبر بهما عمرَ، فبعثوا بهما إليه، فردَّهما إلى حُذيفة وقال: اقسمهما على مَنْ أفاءَ اللَّه عليه. وفي رواية أبي الفضل بن ناصر: أن دِهقانًا أتى إلى السائبِ بن الأقرعِ، وقال له: هل لك أن تُؤمنني على دَمي ودمِ ذوي قَرابتي وأدلّك على كنز النَّخيرجان نائب كِسرى؟ قال: وما هو؟ قال: إنه كان للنَّخيرجان امرأةٌ يَنتابُها العالَمُ، وإنَّ كسرى كان يَختلفُ إليها ومعه وصائفُ عليهن الحليُّ والديباجُ، وكان لكسرى تاجٌ من الياقوتِ، وهو مدفون في مكانٍ لم يعلم به غيري، وأنَّ السائبَ أخرج السفطَيْن، وذهب بهما إلى عمر، وذكر بمعنى ما تقدَّم. وفي هذه الرواية: فدعا عمرُ عليًّا وابن مسعودِ وعبد اللَّه بنَ أرقَم صاحب الخِزانة وقال: ضعوا خَوَاتِيْمَكُمْ عليهما حتى أنظرَ فيهما، ثم دفعهما بعد إلى السائب، فقسمهما في جامعِ الكوفةِ. وقال سيف بن عمر: حدثنا عمر بن محمد، عن الشعبيّ (١) قال: لما قُدِم بغنائم

стр. 2294

نَهاوَند على عمر بكى، فقال له عبد الرحمن بنُ عَوف: ليس هذا مكانَ بُكاءٍ وحُزنٍ، لكن بُشرى من اللَّه وفَتخ، فافرحْ واحَمد اللَّه فقال: ويحكَ يَا ابن عوفٍ، إنَّه واللَّهِ ما كثُرتِ الصفراءُ والبيضاءُ في قومٍ قط إلا فُتِنُوا وتقاتلوا وتدابَروا، حتى يُدَمِّرَ اللَّه عليهم. قال: وجعل أبو لؤلؤةَ لا يَلْقَى من السَّبي صغيرًا إلَّا ووضع يده على رأسهِ ومسحها وبكى، ولا يَلقى كبيرًا إلا اشتكى إليه وقال: أكل عمرُ كَبدي، وكان أبو لؤلؤة من نَهاوَنْد. وكان عمر يقول: ما بتُّ بليلةٍ بعد وفاةِ رسولِ اللَّه ﷺ أعظم من ليلةِ نَهاوَنْد خَوفًا على المسلمين. وروى دَعْلَجُ بن أحمد [بإسناده] عن شَقِيق بن سَلَمة الأسدي: أنَّ عمرَ جهَّزَ سَلمة ابن قيس الأَشْجَعيَّ إلى فارس، وأنه أصاب سَفَطَيْنِ من جنْسِ السَّفَطَيْنِ اللذَين ذكرناهُما، وأنه بعث بهما إلى عمر برِضى المسلمين، وأنه ردَّهما على سَلَمة بعد أن وَقف عليهما بالمدينةِ، وأنَه أمره فقسمهما بين الغانمين (١)، وهي قصة طويلة حاصلها ما ذكرنا. فصل: وحجَ بالناس عمرُ بن الخطاب، وكان عُمّاله في هذه السنة على الأمصار الذين كانوا في العام الماضي. فصل وفيها تُوفّي الأغلبُ بن جُشَم ابن سعد بن عِجْل بن جُشَم، كان شاعِرًا مُفْلِقًا فصيحًا، عُمِّر دهرًا طويلًا؛ فيقال: إنه عاش في الجاهلية مئة وثلاثين سنة، ثم أسلم وهاجر ونزل الكوفةَ واختطَّ بها، وشهد القادسية، وهو أوّلُ مَن قال الأراجيزَ على قولِ هشام. ولما ولّى عمر المغيرة بنَ شُعبة الكوفة قال له: اكتب إليَّ مما قال الشعراء في الإِسلام، فأحضر لبيدًا والأغلب، وقال: أنشِداني، فأمّا الأغلب فقال: [من الرجز]

стр. 2295

أرَجَزًا تُريدُ أم قَصيدا لقد سألتَ هيِّنًا موجودًا وقال للبيد: أَنشِد، فقال: قد أبْدَلَني اللَّه سُوَرَ القرآن عِوضَ الشعر، فكتب المغيرة إلى عمر رضوان اللَّه عليه بذلك، فكتب إليه: أَنقِص من عَطاءِ الأَغلب خمس مئة، ورُدَّها في عطاء لَبيد، فكتب الأغلب إلى عمر رضوان اللَّه عليه: أتَنْتَقِص من عَطائي أن أَطعتُك؟ فردّ عليه الخمس مئة، وأقرَّها في عطاء لَبيد. واستُشهد الأَغلب في وقعة نَهاوَنْد رحمه اللَّه تعالى (١). فصل وفيها تُوفّي خبّابُ مولى عُتبةَ بنِ غَزْوان الذي اختطَّ البصرةَ، وكُنْيتُه أبو يحيى، من الطبقةِ الأولى من المهاجرين، آخى رسولُ اللَّه ﷺ بينه وبين تميم مولى خِراش بن الصّمَّة، شهد خبَّاب بدرًا وأُحدًا والخندقَ والمشاهدَ كلَّها مع رسولِ اللَّه ﷺ . قال ابن سعد: وتُوفّي بالمدينةِ في سنة تسع عشرة، وصلّى عليه عمر، وليس له رواية (٢). وفيها توفي صفوان بن المعطَّل ابن رُحيْضةَ الذَّكْواني السُّلَميّ صاحبُ الإفْكِ، من الطبقة الثالثة من الصحابة، وكنيتُه: أبو عمرو، أسلم قبل المُرَيْسيع، وكان على ساقةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وشهد الخندق وما بعدها مع رسول اللَّه ﷺ ، وكان مع كُرْز بن جابر في طلب العُرَنيّين الذين أغاروا على لِقاح رسول اللَّه ﷺ ، وكان شُجاعًا فاضلًا خَيّرًا، أثنى عليه النبي ﷺ

стр. 2296

وقال: "ما علمتُ عليه إلَّا خَيرًا" (١). وقال ابن عبد البرِّ: لمّا نزل المسلمون على دمشق حمل صفوان على رجلٍ من الرُّوم بدارَّيا، وعليه حِلْيةُ الأعاجم، فطعنه صَفوان فصرعه، فصاحت زوجةُ الرُّوميّ على صفوان، وأقبلتْ نحوه فقال: [من الكامل] ولقد شَهِدْتُ الخيلَ يَسطعُ نَقْعُها … ما بين داريّا دمشق إلى نَوى فطعنتُ ذا حُلْيٍ فصاحت عِرْسُه … يَا ابنَ المعطَّلِ ما تُريد بما أرى فأجبتُها إني لأَتركُ بَعْلَها … بالديرِ مُنْعَفِرَ المضاحكِ بالثّرى (٢) واختلفوا في وفاته، فقال أبو حذيفة إسحاق بن بِشر (٣): بعث عمر بنُ الخطابِ عثمانَ بن أبي العاص إلى أرمينية في سنة تسع عشرة، وكان معه صفوانُ بنُ المعطَّلِ، فقُتل شهيدًا. قال أبو إسحاق السّنجاريّ: أتينا بَوْلاءَ في بَعْثٍ، فقال لي شيخ من أهلها قد جاوز المِئة: أتُريدُ أن أُريك قبر صفوان بن المعطَّل؟ قلتُ: نعم، فقال: ها هو على بابها قَدْرَ رمية حَجَرٍ، رَميناه فقتلناه، وبلغ عمرَ، فدعا علينا دعوة إنّا لنَعْرِفُها إلى الساعةِ. وكان يوم (٤) استُشهدَ ابنَ بِضْعٍ وستين سنةً، وحكى ابن سعدٍ عن الواقدي: أنَّه اسُتشهد بسُمَيْساط سنة ستين، وكذا قال جدّي في "المنتظم" وذكره في سنة ستين، واللَّه أعلم (٥). وقال ابن عبد البرِّ: غزا الرومَ سنة ثمانٍ وخمسين، فجعل يُطاعنُ، فاندقَّت ساقُه فمات (٦).

стр. 2297

قلت: والأوَّلُ أشهر، نصَّ عليه أبو أحمد الحاكم، فقال: وقولُ مَن قال إنه استُشهدَ بأرمينية أثبتُ (١). وليس في الصحابةِ مَن اسمُه صفوان بن المعظَل غيرُه، فأما غيرُ ابن المعطَّل فكثير. وروى أحمد بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: جاءت امرأةُ صفوان بن المعطَّل إلى رسولِ اللَّه ﷺ ونحن عنده، فقالت: يا رسول اللَّه، إن زوجي صَفوانَ يَضربني إذا صلَّيْتُ، ويُفَطِّرني إذا صُمْتُ، ولا يُصلّي الفجرَ حتى تَطلع الشمسُ، قال: وصفوان عنده، فسأله عما قالت فقال: أما قولُها يَضربني إذا صلَّيْتُ، فإنَّها تقرأُ سورَتي، وقد نَهَيتُها عنها، فقال له: "لو كانت سورةً واحدةً لكفَت الناس"، وأما قولُها إني أُفطِّرها وهي صائمة، فإنَّها تَصومُ وأنا رجلٌ شاب لا أَصبرُ، فقال رسول اللَّه يومئذ: "لا تصومُ امرأةٌ منكن إلَّا بإذن زَوْجِها"، وأما قولُها إني لا أُصلّي حتى تطلع الشمسُ، فإنا أهلُ بيتٍ لا نكاد نستيقظ حتى تَطلعَ الشمسُ، فقال: "إذا استيقظتَ فَصَلِّ" (٢). طُليحَة بن خُوَيْلد ابن نَوْفَل بن نَضْلَة بن الأَشْتر الأَسدي، الذي تَنبَّأ بعد مُسيلمة، وكان مع الأحزاب على رسول اللَّه ﷺ في غزاة الخندق، وَفَد على رسول اللَّه ﷺ سنة تسعٍ وأسلم، فكان يُعد بألفِ فارس، ولما انفصل عن رسول اللَّه ﷺ ارتدَّ عن الإِسلام، وكتب إلى رسول اللَّه ﷺ يُخبره بنبوَّته، وأن الذي يَأتيه يُقال له: ذو النُّون، لا يَكذب ولا يَخون، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لقد ذكر مَلكًا عظيمًا"، وبَعث بالكتاب مع ابن أخيه، فأَغلظه لرسول اللَّه ﷺ ، فدعا عليه، فقُتل في الرِّدّة كافرًا. ومن سَجْعه: والحمامِ واليَمام، والصُّرَدِ [الصَّوَّام] (٣)، وما مضى من الأعوام، لأملكنّ العراقَ والشَّام. وكان له سيفٌ يُقال له: الجراز. وهزمه خالد بن الوليد ﵁ إلى الشام، فنزل في كَلْب وآل جفنة الغَسّانيين، ثم

стр. 2298

أسلم، وخرج إلى مكة معتمرًا في أيام أبي بكر ﵁، فمرَّ بجنَبَات المدينة، فقيل لأبي بكر ﵁: هذا طُليحة، فقال بعد أن أسلم: دَعوه فقد هداه اللَّه إلى الإِسلام، وعاد إلى الشام بعد ما قضى عُمرته. ولما قام عمر رضوان اللَّه عليه جاء طُليحةُ إليه مُبايعًا له، فقال له عمر رضوان اللَّه عليه: أنت قاتلُ عُكَّاشة وثابت بن أَقرم، لا أُحبُّك بعدهما، فقال: يا أمير المؤمنين، وما تنقم من رَجُلين أكرمهما اللَّه تعالى بيدي، ولم يُهنّي بأيديهما، وما كلُّ القلوب جُبلت على الحبّ، ولكن صَفحة جميلة، فإن الناس يَتصافحون على الشَّنَآن، فبايعه عمر رضوان اللَّه عليه، وأسلم إسلامًا صحيحًا وقال: [من الطويل] نَدمتُ على ما كان من قَتْلِ ثابتٍ … وعُكَّاشَةَ الغَنْميِّ ثم ابنِ مَعْبَدِ وأعظمُ من هاتَين عندي مُصيبةً … رُجوعي عن الإِسلام فِعْلَ التَّعَمُّدِ وتَركي بلادي والحوادثُ جَمَّةٌ … طَريدًا وقِدْمًا كنتُ غيرَ مُطَرَّدِ فهل يَقبلُ الصِّدّيقُ أني راجِعٌ … ومُعطٍ بما أحْدَثْتُ من حَدَثٍ يَدي وأنّيَ من بعد الضَّلالةِ شاهدٌ … شهادةَ حقٍّ لستُ فيها بمُلْحدِ بأنّ إله النّاسِ ربي وأنني … مُقرّ وأن الدّين دينُ محمّد ولما خرج طُليحة إلى الشام هاربًا هو وأصحابُه يُريدون الرُّوم ركبوا البحر مُلَجِّجين، وإذا بقَادِس من قَوادِس الرُّوم (١)، فيه جماعةٌ منهم، فنادَوْهم: إما أنْ تَثِبوا إلى سفينتنا، أو نَثِبَ إلى سفينتكم، فدنا منهم طُليحة، ووَثب حتى صار معهم في السّفينة، وغَشيَهم بسيفه، فقتل منهم مَن قَتَل، واستسلم مَن استسلم، وألقى نفسَه في البحر منهم جماعة فغرقوا، وبلغ ذلك عمر رضوان اللَّه عليه فأعجبه. وأقام طُليحة إلى أيام القادسيّة مُسلمًا في قومه، لم يُغمَضْ عليه شيء، حتى جَهّزه عمر رضوان اللَّه عليه إلى العراق، فقُتل بنَهاوَنْد رحمة اللَّه عليه (٢).

стр. 2299

فصل وفيها توفي عمرو بن معدي كَرِب ابن عبد اللَّه بن عمرو بن عُصْم بن عَمرو بن زُبَيد الأصغر، وكُنيتُه أبو ثور، وكان شُجاعًا فارسًا، يُعدُّ بألفِ فارسٍ، كخالد بن الوليد والقَعقاع بن عمرو وطليحة وغيرهم، وله الغاراتُ المشهورة، والواقعات المذكورةُ، وكان قد كتب على سَيفه: [من الكامل] ذَكَرٌ على ذكرٍ يَصولُ بصارمٍ … ذكَر يَمانٍ في يمين يَماني وقد ذكرنا أن عَمْرًا وفد على رسول اللَّه ﷺ في السنةِ العاشرةِ وأسلم (١). وحكى هشام، عن أَبيه، عن عمرو قال: قَدِمتُ المدينةَ، فوافيتُ رسولَ اللَّه ﷺ قافِلًا من تبوك، فأردتُ أن أَدنُوَ منه فمنَعني مَن حولَه، فقال لهم: دَعوه، فدنوتُ منه فقلت: انعَم صباحًا، أبيت اللعنَ، فقال: "يَا عمرو، أسلِم تَسلم، ويؤمِّنُك اللَّه من الفزعِ الأكبرِ، ذلك يومٌ يُصاحُ فيه بالناسِ، فلا يبقى ذو روحٍ إلَّا مات، ولا ميّتٌ إلا انتَشر، وتَسيرُ فيه الجبالُ، وتنشقُّ الأرضُ، وتَبرزُ النَّار لها لسانٌ، تَرمي بشَررٍ مثلِ قُلَلِ الجبالِ، فلا يبقى ذو روحٍ إلا انخلعَ قلبُه، وذكر ذَنْبه، فأين أَنْتَ من ذلك الفَزع يَا عمرو؟ " قال: فقُلتُ يَا رسولَ اللَّه، أما الآن فنعم، فأسلمتُ. قال الواقدي: ولم يَحْسُن إسلامُه، وفي النفوسِ منه شيءٌ، وكان تَأثيرُ ذلك أنَّه ارتدَّ بعد وفاةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ثم عاد إلى الإِسلام. وبعثه عمر إلى القادسية، وكتب إلى سعدٍ: قد أمددتُكَ بألفَي رجلٍ، منهم عمرو وطُليحةُ، فشاوِرْهما في أمر الحرب، ولا تُوَلِّهما من أمر المسلمين شيئًا، وهذه كانت عادة أبي بكرٍ وعمر، لا يُوَلِّيانِ مَنْ أَسلم ثم ارتدّ ثم أسلم شيئًا (٢). وأبلى عمرو بلاءً حسنًا يوم القادسيّة، وهو كان سبب هزيمة الفُرْس، قطع خراطيمَ الفِيَلة حتى انهزموا، ولعمروٍ يومئذٍ ثلاثون ومئةُ سنةٍ.

стр. 2300

قال ابن سعدٍ بإسناده عن عبد الملك بن نَوْفل: إن عمرو بن معدي كَرِب قال: كانت خيلُ المسلمين تَنْفِرُ من الفِيَلة يوم القادسيةِ، فأمرتُ رجلًا فترَّسَ عني، ثم حملتُ على الفيلِ الأكبرِ، فضربتُ خَطْمَهُ بالسيفِ فقطعتُه، فنَفَر ونَفَرت الفِيَلةُ فحطَّمت العسكرَ، فانهزموا. وقال عمرو (١): إن الفِيَلَة ليس لها مَقتلٌ إلَّا خراطيمَها، وليس للخراطيم إلا السُّيوفُ. وقال ابن سعد بإسناده عن قَيس بن أبي حازم قال: شهدتُ القادسية، فسمعتُ عمرو بنَ معدي كَرِب وهو يمشي بين الصفَّين ويقول: يا معاشِرَ المسلمين، كونوا أُسودًا، إنّما الفارسيّ تَيْسٌ بعد أن يُلقي نَيْزَكه، فَحمل عليه أُسوارٌ، فالتقاه فألقاه، ثم جلس على صدرهِ فذبحه، وأخذ سَلَبه (٢). ولعمروٍ واقعاتٌ عجيبة، فحكى هشام، عن أَبيه، عن عمرو قال: حضرتُ في الجاهلية بذي المجَازِ -وهو سوقُ عرفات- فرأيتُ حُبَّى الكِنْديّةِ، فأعجبني جمالُها، فعرضتُ نفسي عليها وقلتُ: هل لكِ في كُفءٍ كريم، ضَروبٍ لهامِ الرجالِ غَشُوم، مُواتٍ لكِ، طيِّبِ الخِيم، من سعدِ العَشيرةِ في الصَّميَّمَ، قالت: من أيّ سعدِ العَشيرةِ؟ قلتُ: من أُرومةِ مَحْتِدِها وغُرَّتِها المُنيرةِ، إن كُنتِ بالنَّسب بَصيرة، فقالت: إن لي بَعْلًا يَصدقُ اللقاءَ، ويُخيفُ الأعداءَ، ويُجزِلُ العطاءَ، قال فقلتُ: لو علمتُ أنَّ لكِ بعلًا لما سُمْتُكِ نَفسَك، ولا عَرضتُ نفسي عليكِ، فكيف أَنْتَ إن قتلتُه؟ قالت: لا أَصِيفُ عنك، ولا أَعدِلُ بك، ولا أُقَصِّرُ دونك، وإياكَ أن يَغُرَّك قولي، فتُعرِّضَ نفسك للقَتلِ؛ فإنِّي أراك مُفْرَدًا من الناصرِ، وبعلي في عِزٍّ من المالِ والأهلِ. ثم قامت ومَشَت، فتبعتُها من حيثُ لا تَشعرُ، فلما قَدِمَت على زَوْجها سألها عمّا رأتْ في طريقها، فقالت: رأيْتُ رجُلًا مَخيلًا للبَأسِ، يتعرَّضُ للقتالِ، ويَخطبُ حَلائل الرِّجال، فعَرضَ عليَّ نفسَه، فوصفتُك له، فقال: ذاك -يعني بعلها-[عمرو]، وَلَدتني أُمُّه إن لم آتِكِ به مَقْرونًا مَجنوبًا إلى جملٍ صعب المراس، غير ذَلول.

стр. 2301

فلما سمع عمرو كلامَه دخل عليه بغتةً، فقتله ووَقع عليها، فلما قضى وَطَرَه منها قال لها: إني لم أقَعْ على امرأةٍ قطّ إلَّا حَمَلت، ولا أُراكِ إلَّا قد حَملتِ، فإن رُزِقتِ غلامًا، فسمّيه الخُزَز، وإن رزِقتِ جاريةً فسمِّيها عِكْرِشة،، وجعل ذلك بينهما أَمارةً، ثم فارقها مُدّةً، ووَلدت غلامًا، فسمَّتْه الخُزَز. فخرج عمرو في بعضِ أيّامه يتعرّض للقتالِ، فالتقى فارسًا مُدَجَّجًا في سلاحه، فالتقيا فصَرع عَمْرًا، وجَثَم على صدرهِ ليَذبحه، فقال له: انتَسِب، فقال: أنا عمرو، فقام عنه وقال: اللَّه أكبر، أنا ابنُك الخُزَز، فقال له عمرو: لا تُساكِنِّي بعد اليوم في أرضٍ، فخرج إلى اليمنِ فسادَهم، وشكَوْا إليه غاراتِ أَبيه فيهم، وقَتْلَه إيّاهم، وأمروه بقتله، فخرج يُريد قَتلَ أَبيه، فالتقيا فقتله عمرو، ثم جاء الإِسلامُ عُقَيْبَ ذلك فأسلم (١). وكان عمر بن الخطاب يَسأله عن أشياء، أخبرنا غيرُ واحدٍ عن أبي الفضلِ بن ناصر بإسناده عن الشعبي قال: دخل عمرو بن مَعدي كَرِب يومًا على عمر بن الخطاب فقال له: يا عمرو، أخبرني عن أَشجع مَن لَقيتَ وأجبنِ من لَقيتَ، وأَحْيَلِ مَن لَقِيتَ، قال: نعم. خرجتُ مرَّةً أُريد الغارَةَ، فمررتُ ببيتٍ في البرِّيّةِ وعنده فرسٌ مَشدود، ورُمحٌ مَركوزٌ، ورَجُلٌ جالسٌ بِفنائه، مُحتَبٍ بسيفٍ، وهو كأعظمِ الرجالِ خِلْقَةً، فقلتُ: خُذ حِذْرَكَ؛ فإني قاتِلُك، قال: ومَن أنت؟ قلت: عمرو بن مَعدي كَرِب، فشَهَق شَهقةً فمات، فهذا أجبنُ مَن رأيتُ. قال: وخرجتُ مرَّةً فأتيتُ على حي وإذا بفَرسٍ مَشدودٍ، ورمحٍ مَركوزٍ، وصاحبُه في وَهْدَةٍ يَقضي حاجتَه، فقلتُ له: خُذ حِذْرَك فإنِّي قاتُلك، فقال: مَن أَنْتَ؟ قلتُ: عمرو بن مَعدي كَرِب، فقال: ما أنصفتَني يَا أَبا ثور؛ أَنْتَ على ظهرِ فرسك وأنا في بئر، فأعطني عهدًا أنك لا تَقتلني حتى أركبَ فرسي، وآخذَ رُمحي. فأعطيتُه عهدًا أنني لا أقتله حتى يركبَ فرسه، ويأخُذَ حِذره، فخرج من الوَهْدَةِ، ثم احتَبى بسيفه وجلس، فقلتُ: ما هذا؟ فقال: ما أنا براكبٍ فرسي ولا بمقاتلك، فإن نكثتَ العهد فأنت أعلم،

стр. 2302

فتركتُه ومضيتُ، فهذا أحْيَلُ مَن رأيتُ. وخرجتُ يومًا، حتى انتهيتُ إلى مَوضعٍ كنتُ أقطعُ فيه الطريقِ، وإذا بفارسٍ أوَّلَ ما بَقَلَ وجهُه، من أجملِ الفتيانِ، قد أقبل من نحوِ اليَمامةِ، فلمّا دنا مني سقَم، فردَدْتُ عليه وقلتُ: من الفتى؟ فقال: من نحو اليمامة، فقلتُ: انتَسِب، فقال: الحارث بن سعيد فارس الشهباء، فقلتُ: خُذْ حِذْرَك فإنِّي قاتِلُك، فمضى ولم يلتفت، فأعدتُ عليه القولَ فقال: ويَلك مَن أَنْتَ؟ فقلت: عمرو بن مَعدي كَرِب، فقال: الحقير الذّليل، واللَّه ما يَمنعُني من قتلك إلا استصغارُك، قال: فتصاغرَتْ إليَّ نفسي، وعَظُمَ عندي ما استقبَلني به، فقلتُ: خُذ حِذْرَك، فواللَّه لا ينصرِفُ إلَّا أحدنا، فقال: ويلك، اغرُبْ، فإنّا أهلُ بيتٍ ما نكَلْنا عن فارسٍ قطَّ، فقلتُ: هو الذي تَسمعُ، واخْتَرْ لنَفْسك، فقال: إمّا أن تَطرُد لي وإمَّا أن أَطردَ لك، فاغتنمتُها منه وقلتُ: اطرُدْ لي، وحَمْلتُ عليه، حتى إذا قلتُ إني قد وضعتُ الرُّمحَ بين كتِفيه، إذا هو قد صار حِزامًا لفَرَسهِ، ثم اتَّبعني فقرع برُمحه أو بقَناته رأسي، وقال: يا عمرو، خُذْها إليك واحدة، فواللَّه لولا أني أكرهُ قتلَ مثلك لقتلتُك. قال: فتصاغَرَتْ إليَّ نفسي، وكان الموتُ أحبَّ إليَّ مما رأيتُ، فقلتُ: واللَّهِ لا ينصرفُ إلَّا أحدُنا، فقال: اختر لنفسك، فقلتُ: اطرُد لي، فطرد، فحملتُ عليه حتى إذا ظننتُ أني قد وضعتُ الرُّمحَ بين كتفيه، وثَبَ عن فرسِه، فإذا هو على الأرضِ، فأخطأتُه ومضيتُ، فاستوى على فرسهِ، وقَرَعَ بالقناةِ رأسي، وقال: ويحك يَا عمرو، خُذْها ثانيًا، واللَّهِ لولا أني أكرهُ قتلَ مثلك لقتلتُك. فلما كان في الثالثة فعل ما فعل في الأولى والثانيةِ، وقال: إن عُدْتَ قتلتُك، فقلتُ له: اقتُلني فهو أحبُّ إليَّ مما أرى بنَفسي، وأن تسمعَ فتيانُ العربِ هذا، فقال: إنَّما العفوُ ثلاثٌ، وإن استمكنتُ من الرَّابعةِ قتلتُك، ثم قال: [من الرجز] وَكَّدْتُ أغلاظًا من الأَيْمان إن عُدْتَ يَا عمرو إلى الطِّعانِ لتُزْجرنَّ لهبَ السنان

стр. 2303

أو لا فلستُ من بني شيبانِ قال: فهِبتُه هيبةً عظيمةً، وقلتُ له: إنَّ لي إليك حاجةً، قال: وما هي؟ قلتُ: أكونُ من أصحابك، أو أكون لك صاحبًا -ورَضيتُ واللَّه بذلك يَا أمير المؤمنين- فقال: لستَ من أصحابي، فكان ذلك أشدَّ عليَّ وأعظمَ مما صَنع، فلم أزل أخضَعُ إليه، فقال: ويحكَ! وهل تَدري أين أُريدُ؟ قلتُ: لا، قال: أُريدُ الموتَ عِيانًا، فقلتُ: وقد رَضيتُه معك، فقال: امضِ بنا. فسِرنا جميعًا يومَنا حتى جَنَّنا الليلُ وذهب شَطرُه، ودنَونا من حيٍّ من أحياء العرب، فأومأ إلى قُبَّةٍ من قِبابِ الحيّ، وقال: يا عمرو، في تلك القُبَّةِ الموتُ الأحمرُ، فإمّا أن تُمْسِك عليَّ فرسي، فأنزل فآتي بحاجتي، وإمَّا أن أُمسكَ عليك فرسَك، فتَنزل فتأتيني بحاجتي، فقلتُ: لا بل انزِلْ أَنْتَ؟ فأنت أعرفُ بموَضع حاجتك مني، فرمى إليَّ بعِنان فرسه ونزل -ورضيتُ واللَّه أن أكون له سائسًا- ثم مضى فدخل القُبَّةَ، واستخرج منها جاريةً لم تَرَ عيناي مثلَها حُسْنًا وجمالًا، فحملها على ناقةٍ، ثم سِرنا. فلما طلع الفجرُ قال: يا عمرو، انظر هل ترى من أحدٍ؟ فنظرتُ فإذا بثلاثةِ فوارسٍ، فيهم شيخٌ كبير -وهو أبو الجاريةِ، وأخواها غلامانِ شابّان- فسلَّموا علينا، فردَدْنا السلامَ، ووقفوا ووقفنا، فقال الشيخُ: يا حارثُ، يَا ابنَ أخي، خلِّ عن الجارية، فقال: ما كنتُ لأُخلِّيها، وما أخذتُها لهذا، فقال لأصغر ابنَيْه: اخْرُج إليه، فخرج وهو يجرُّ رُمحَه، فحمل عليه الحارثُ وهو يقول: [من الرجز] من دون ما تَرجوه خَضبُ الذَّابلِ من فارسٍ مُستَلئمٍ مُقاتلِ يَنمي إلى شيبانَ خيرِ وائلِ ما كان سَيري نحوها بباطلِ ثم طعنه فدقَّ صُلبَه، فوقع ميتًا. فقال الشيخُ لابنه الآخر: أخرج إليه، فلا خيرَ في الحياةِ على ذلّ، فخرج إليه،

стр. 2304

فأقبل الحارث عليه وهو يقول: [من الرجز] لقد رأيتَ كيف كانت طَعنتي اليومَ للقِرْنِ شديد همَّتي والموتُ خيرٌ من فِراقِ خُلَّتي فقَتْليَ اليوم ولا مَذَلَّتي ثم طعنه فألقاه مَيتًا. فقال له الشيخ: خلِّ عن الظَّعينةِ؛ فإني لستُ كمَن رأيتَ، فقال: ما كنتُ لأخَلِّيها، فقال له الشيخ: احْتَر، فإن شئت طاردْتُك، وإن شئتَ نازلتُك، قال: نازِلني، فنزل الشَّيخُ والفتى، فقال الشيخُ: [من الرجز] ما أَرتَجي عند فَناءِ عُمْري سأجعلُ السنينَ مثلَ الشَّهرِ شيخٌ يُحامي دونَ بَيْضِ الخِدْرِ إنَّ استِباحَ البَيضِ قَصْمُ الظَّهْرِ سوف تَرى كيف يكون صَبْري وتقدَّم الحارث وهو يقول: [من الرجز] بعد ارتحالي وطويلِ سَفري وقد ظَفِرْتُ وشَفيتُ صَدْري والموتُ خيرٌ من لباسِ الغَدْرِ والعار أُهديه لحيِّ بَكْرِ ثم اختلفا ضَرْبتَيْن، ورفع الحارث السيف، فلما نظر الشيخ إلى أنه قد أهوى به إلى رأسه، ضربَ بطنَ الحارث ضَرْبةً قدَّ أمعاءه، ووقعت ضربةُ الحارثِ في رأسِ الشيخِ، فوقعا مَيِّتَينِ.

стр. 2305

قال عمرو: يا أميرَ المؤمنين، فأخذتُ أربعةَ أفراسٍ وأربعةَ أسيافٍ، وقُدْتُ ناقةَ الظَّعينةِ، فقالت: إلى أين يَا عمرو، وما أَنْتَ لي بصاحبٍ، ولو كنت صاحبي لسلكت سبيلَهم، فقلتُ: اسكُتي، فقالت: أَسْكتَ اللَّهُ نَأْمَتك -أي: صَوْتَك- ثم رَمَتْ بنَفْسها إلى الأرض، وقالت: واللَّهِ لا تَصِلُ إلي أبدًا، ولستُ كمَن رأيتَ، وإن كنتَ ذاك الرجلَ فأعطني سيفًا، فإن غلبتَني فأنا لك، وإن غلبتُك قتلتُك، قال: فقلت لها: ما أنا مُعْطيكِ ذلك، وقد عرفتُ أصلَك، وشجاعةَ قومِك، فأقبلتْ إليَّ وهي تقول: [من الرجز] أبعد ما شيخي وبعد إخوتي أطلبُ عيشًا بعدهم في لذَّتي هلّا يكون قبل (١) ذا مَنِيّتي ثم أهوتْ إلى الرُّمح، وكادت تَنتزعه من يدي، فلما رأيتُ ذلك منها خِفْتُ إن هي ظَفِرت بي أن تَقتُلني، فقتلتُها، فهذا أعجبُ ما لقيتُ يَا أمير المؤمنين، فقال عمر: صدقتَ، وعجبَ من ذلك. وقال الهيثم (٢): كان عمر يحبُّه ويُكرمُه ويَسألُه، قال له يومًا: أبعث إليَّ بصَمْصَامتك، فبعث بها إلى عمر، فلم يَرَ فيها ما بَلَغه عنها، فقال له عمر في ذلك، فقال: سألتَني أن أبعثَ إليك بالصَّمْصَامةِ، ولم تَسألْني أن أبعثَ إليك بالساعدِ الذي يَضربُ بها. قال: وقال له عمر: ما تقول في الحربِ؟ فقال: مُرَّةُ المذاق، إذا كشفتْ عن ساق، من صبرَ فيها عُرِف، ومن ضَعُفَ فيها تَلِفَ، ثم قال: [من الكامل] الحربُ أوَّل ما تكون فَتيَّة … تَسعى بزينتها لكلِّ جَهولِ حتى إذا حَمِيتْ وشبَّ ضِرامُها … عادتْ عجوزًا غيرَ ذاتِ خَليلِ شمطاء جَزَّتْ رأسَها وتنكَّرتْ … شمطاء لا للشمِّ والتَّقبيلِ قال: فما تقول في الرُّمحِ؟ قال: أخوك وربما خانك، قال: فالنَّبْلُ؟ قال: منايا

стр. 2306

تُصيبُ وتُخطئُ، قال: فالسيفُ؟ قال: رفيقٌ صالح، قال: فالدرعُ؟ قال: حِصنٌ حصينةٌ، قال: فالتُّرس؟ قال: عليه تَدورُ الدوائر، وفي رواية: فالسيف؟ قال: عندها قارَعَتْكَ أُمُّك عن الثُّكْلِ، فقال له عمر: بل أُمُّك، قال: أُميّ، والحُمّى أَضْرَعَتْني لك، وهذا مثل (١)، ومعناه أن الإِسلام أذلَّني، ولو كنتُ في الجاهليةِ ما تجاسَرْتَ أن تَرُدَّ عليَّ، وعمرو من شعراء الحماسة، رحمه اللَّه تعالى (٢). ذكْرُ وفاته: واختلفوا فيها؛ فالمشهور أنَّه قُتِلَ بنَهاوَنْد مع طُليحةَ والنعمان بن مُقَرّن، وقُبورُهم في مكانٍ واحدٍ. وقال الهيثم: استُشهد برُوْذةَ بين قُمّ والرَّيّ، خرج في غارةٍ فقُتِلَ، وقيل: إنَّه عاش إلى أيامِ معاوية. وليس في الصحابة من اسمه عمرو بن معدي كَرِب سواه، وله روايةٌ عن النبي ﷺ ، وَرَثَتْه امرأتُه، يعني امرأة عمرو بن معدي كَرِب (٣). النعمان بن مُقَرِّن من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وكُنيتُه أبو عمرو، وشهد الخندق والحُدَيْبية مع رسول اللَّه ﷺ هو وإخوتُه الستّة، وحمل أحدَ ألوية مُزَينة الثلاثة، التي كان رسول اللَّه ﷺ عَقدها لهم يوم الفَتْح، وكانت مُزَينَة قد أُلِّفت يومئذٍ، ولم يُؤلَّف من قبائل العرب غيرُها، ولمزينة مَحلَّتان بالمدينة، وليس لغيرهم ذلك. حَدَّث كَثير بنُ عبد اللَّه المزَنيّ، عن أَبيه، عن جدّه -وكان قد حضر نَهاوَنْد- قال: كان أميرُ الناس يومئذٍ النُّعمان بن مُقَرّن، وكان أوَّلَ قتيلٍ، فأخذ [الراية] سويد (٤) بن

стр. 2307

مُقَرّن، حتى إذا اجتمعت الغنائم قَسمها السَّائب بنُ الأَقْرع الثَّقَفي، فأسهم للفرس سَهمَين، ولصاحبه سَهْمًا، فأصابَني اثنا عشر ألف سهم، وكنت راجلًا. وله صُحبة ورواية، وذكر [ابن سعد] إخوته: سُوَيد بن مُقَرّن، ويُكنى أَبا عَدِيّ، وله صُحبة ورواية، وسِنان بن مُقَرّعا، له صُحبة، وكذا عَقيل بن مُقَرّن، وعبد الرحمن بن مُقَرّن، له صُحبة، رحمهم اللَّه تعالى (١). * * *

стр. 2308

السنةُ العِشرون من الهجرةِ النبوية وفيها فُتحت مصرُ والإسكندريةُ في أشهرِ الرواياتِ عن ابن إسحاق وأبي مَعشر والواقدي ويزيد بن أبي حَبيب، قالوا: فُتحت مصرُ يوم الجمعةِ غُرَّةَ المُحرَّم سنةَ عشرين. وقال سيف: فُتحت مصر سنة ستَّ عشرة، وفي روايةٍ عنه سنة ستٍّ وعشرين، والأَوَّل أصحُّ، وقيل في سنة إحدى وعشرين، وسنة اثنتين وعشرين (١). واختلفوا في كيفية فَتْحِها، قال [ابن] إسحاق: لما فرغ عمر رضوان اللَّه عليه من الشام، كتب إلى عمرو بن العاص: أن سِرْ إلى مصر، وكان بفلسطين، وأردَفَه بالزُّبير ابن العَوّام ﵁، وقد كان الأَرطبون هرب من الشام إلى مصر فيما تقدّم، وكان ملك الساحل، فصار إلى الإسكندريّة وبها المقَوْقِس. وكان المقوقس يُؤدّي خراجَ مصر إلى الرُّوم، وكذلك ملوكُ مصر قبلَه، فسار عمرو والزبير ﵁ حتى نزلا البابَيْن، فجاءا قُرى ما بين البُويب والصَّعيد ومصر والإسكندرية، فجاءت رُسلُ ملك مصر، وهو المقوقس، وكان مقيمًا بالإسكندرية إلى عمرو بن العاص يقول: إنني كنتُ أُؤدِّي الخراج إلى مَن هو أبغضُ إليَّ منكم -وهم فارس والروم- فإن أحببتَ أن أُعطيَك الجِزية، وتَردّ عليّ ما أصبتُم من السبايا فعلتَ. فبعث إليه عَمرو يقول: إن فوقي أميرًا لا أقدرُ أن أقطعَ أمرًا دونه، فإن شئت أن أُمسكَ عنك، وتُمسك عني؛ حتى أكتبَ إليه فافعل، فكتب إلى عمر رضوان اللَّه عليه يُخبره الخبر، فكتب إليه: أجِبْه إلى ما سأل، على أن تُخيِّروا مَن في أيديكم من سَبْيهم بين الإِسلام وبين دين قومِهم، فمَن اختار الإِسلام فهو من المسلمين، ومن اختار دينَ قومه أُخذت منه الجِزية، أمّا مَن تفرَّق من سَبْيهم بأرض العرب، ووصل إلى الحَرمَيْن واليمن وما والاه؛ فإنا لا نَقدر على ردِّهم، ولا يَنبغي أن نُصالحهم على أمر لا نقدر

стр. 2309

على الوفاء به. فكتب عمرو إلى المقَوْقِس بذلك فرضي، وجمع المسلمون ما عندهم من السّبايا، واجتمع النصارى وخَيَّروهم، فمنهم مَن اختار الإِسلام، ومنهم من عاد إلى دينه، وانعقد الصُّلح وعمر مُقيمٌ في أرض مصر. وقال سيف عن أشياخه: خرج عَمرو إلى مصر بعد أن عاد عمر بنُ الخطاب رضوان اللَّه عليه إلى المدينة، فانتهى إلى باب مِصر، واتّبعه الزُّبير ﵁، واجتمعا، فلقيهم هناك أبو مريم جاثَليق مصر (١)، ومعه الأُسقُفّ الذي بَعثه المقوقس لمنع بلاده، وشرعوا في القتال، فأرسل إليهم عمرو: ابرُزا إليّ ولا بأس عليكما، فبَرَزا، وخرج إليهما عمرو فقال لهما: أنتما راهِبا هذه المدينة، فاسمعا ما أقول: إن اللَّه بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأَمَره فقام به أحسنَ قيام، وأدّى إلينا كُلّ ما أُمر به، ثم مضى، وتَرَكَنا على بيضاءَ نَقيَّةٍ واضحةٍ، وكان فيما أَمَرَنا به الإعْذارُ إلى الناس قبل القتال، ونحن نَدعوكم إلى الإِسلام، فإن أجبتُم قبِلْنا، ومَن لم يُجب عَرضْنا عليكم الجِزية، وكان فيما أَمَرَنا به الوَصيَّة بكم، وأخبرنا أنا نَفتحَ أرضَكم فقال: "ستفتحون أرضًا يُقال لها مصر، فاستوصوا بأهلها خيرًا، فإن لهم ذِمَّةً ورَحِما". فقالا: قَرابةٌ بعيدة، فلا يَصلُ مثلَها إلا الأنبياء وأتباعُ الأنبياء، وهي شريفة، كانت بنتَ مَلِكنا، فصارت إلى إبراهيم خليلِ اللَّه، فمرحبًا بكم وأهلًا، آمِنّا حتى نَرجع إليك، فقال عَمرو: مثلي لا يُخدع، وقد أجَّلتُكما ثلاثًا لتَنظُرا وينظر قومكما، وإلا ناجَزتُكما، قالا: زِدْنا أيّامًا فزادهما. فرجعا إلى المقوقس وأخبراه، فهَمَّ أن يُجيب، فنهاه الأرطبون وقال: ناهِدْهم، فقاتلوا المسلمين عند عين شَمس -وهي كانت دارَ فرعون، فانهزم القوم، وظَفِر بهم المسلمون، فقالوا للمُقَوْقِس: قومٌ قَهروا كسرى وقَيْصر، وأزالوا مُلكهما، لا طاقةَ لنا بهم، فأرسل إلى عمرو يَسأله الصُّلح، فصالحهم على نفوسهم وأموالهم وكَنائسهم على أن يُعطوا الجزية، ثم جاء عمرو فنزل مكان الفُسطاط اليوم.

стр. 2310

ذِكْرُ الفُسْطاط قال الجوهري: الفُسْطاط بيتٌ من شَعَرٍ، قال: وفسطاط مدينةُ مصر (١). وقال هشام: لما امتنعوا من الصُّلْحِ عزمَ عَمرو أن يسيرَ إلى الإسكندرية، فأمر بفُسطاطِه أن يُقَوَّضَ، فقيل له: إن حمامةً قد عشَّشت في أعلاه، ولها بَيْضٌ، فقال: نحنُ أولى مَن عَرفَ حُرمةَ الجِوار، وقد تَحرَّمت بجِوارنا، أقِروّا الفُسطاط حتى تَطيرَ فِراخُها، ووكَّل به مَن يَحرُسه، فمازال حتى طارتِ الفِراخُ، فلذلك سُمّيَ الفُسْطاط. وسار عمرو إلى الإسكندرية في شعبان فافتتحها، وقال الهيثم: بعث عمرو أبرهةَ ابنَ الصباحِ إلى الفَرَما، وهي مدينةٌ عتيقةٌ على ساحل بحرِ الرُّومِ، مقابل القُلْزُمِ، وبعث عوفَ بن مالك إلى الإسكندرية ففتحها. قال: وكان الإسكندر [والفَرَما] أخوَيْن فبنى الإسكندرُ الإسكندريّةَ، وبنى الفَرَما الفَرَما على نَعْتِ الإسكندرية، وهي الآن مدينةٌ رَثَّةٌ، ولم تزلُ منذُ بُنيتْ رَثَّةً، ومازالت الإسكندرية بَهِجَةً، يرتاحُ إليها كلُّ من رآها، فسأل عوفٌ أهلَ الإسكندرية فقال: ما أحسن مدينتكم؟! فقالوا: إنَّ الإسكندرَ لمّا بناها قال: قد بَنيتُ مدينةً فقيرةً إلى اللَّه، غنيّةً عن الناسِ، فبقيت بَهْجَتُها. وقال أبرهةُ لأهلِ الفَرَما: ما أخلقَ مدينتكم؟! قالوا: إن الفَرَما لمّا بناها قال: هذه مدينةٌ غنيّةٌ عن اللَّه فقيرةُ إلى الناسِ، فذهبت بَهْجتُها. وأقام عمرو على مِصرَ أميرًا من قِبَلِ عمر، وبعث إلى عمر بالفتحِ والأخماس. وقد روى أحمد بإسناده عن أبي ذرٍّ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ستَفتحون مِصرَ، وهي أرضٌ يُذكر فيها القيراط، فإذا فتحتموها فأحسِنوا إلى أهلها، واستوصوا بهم خيرًا، فإنَّ لهم ذِمَّةً ورَحِمًا وصِهْرًا، وإذا رأيتَ يَا أَبا ذرٍّ رجلين يختصمانِ في لَبِنَةٍ فاخرُج"، قال: فرأيتُ عبد الرحمن بن شُرَحْبيل بن حَسَنَةَ وأخاه ربيعةَ يَختصمان في مَوْضعِ لَبِنَةٍ، قال: فخرجتُ منها. انفرد بإخراجه مسلم (٢).

стр. 2311

وفي قوله ﵇: "إنَّ لهم ذِمَّةً ورَحمًا" قولان: أحدُهما أنَّه أَرادَ هاجَرَ أُمَّ إسماعيل، كانت قبطيةً. والثاني: مارية أُم إبراهيم كانت قبطيّةً. رَجَعْنا إلى الحديث، وبعث إلى عمرَ بالفتحِ والأخماسِ، ونزل عمرو بالفُسْطاط واختطَّه المسلمون، ووضع عمر المسالح على السواحل إلى الشامِ، خوفًا من الرُّومِ، وكان هِرَقْلُ قد جَهَّزَ المراكب في البحرِ، وعزمَ على قصدِ الشامِ بنَفْسهِ وأن ينزل سوريَّةَ. ذكر كتاب عمر بن الخطاب ﵁ إلى نيل مصر حدثنا غيرُ واحدٍ عن أبي الفضل بن ناصر بإسناده، عن قيس بن الحجّاجِ، قال: لمّا فُتِحت مصرُ أتى أهلُها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤنه -من أَشهُرِ العَجَم- فقالوا له: أيُّها الأميرُ، إن لنيلنا هذا سُنَّةً لا يَجري إلَّا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إذا دخلت اثنتا عَشْرَةَ ليلةً من هذا الشهرِ عَمَدْنا إلى جاريةٍ بِكْرٍ بين أبَوَيها فأرضَيْنا أهلها، وحملنا عليها من الحُليِّ والثيابِ أفضلَ ما يكون، ثم ألقيناها في النيل. فقال لهم: إنَّ هذا لا يكون في الإِسلام، وإنَّ الإِسلامَ يَهدمُ ما كان قبله. فأقاموا بُؤنه وأبيب ومَسرى، وهي أَشهُرٌ معروفةٌ، لا يجري النيلُ قليلًا ولا كثيرًا، حتى همُّوا بالجَلاء عنها، فلما رأى ذلك عمرو، كتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمر: إنَّكَ قد أصبتَ؛ لأنَ الإِسلامَ يهدِمُ ما قبله، وكتب بطاقةً داخل كتابه، وكتب إلى عمرو: قد بعثتُ إليك ببطاقةٍ في داخلِ كتابي، فألقِها في النيل. فلما قَدِم كتابُ عمر إلى عَمرو أخذ البطاقةَ، فإذا فيها: من عبدِ اللَّه عمر أميرِ المؤمنين إلى نيلِ مصر، أما بعدُ: فإن كنتَ تَجري من قِبَلكَ فلا تَجرِ، وإن كنتَ إنما تجري بأمرِ اللَّه الواحدِ القهار -أو وإن كان اللَّه هو الذي يُجريك- فنسألُ اللَّه الواحد القهارَ أن يُجرِيَك، فألقى البطاقه في النّيل قبل يوم عيد الصَّليبِ بيومٍ، وقد تهيّأ أهلُ مصرَ للجلاء والخروج؛ لأنه لا يقومُ بمَصْلحتهم إلَّا النيل، فلما ألقى البطاقة أصبحوا وقد أجراه اللَّه ستَّة عشر ذراعًا في ليلةٍ واحدةٍ، وقطع اللَّهُ تلك السُّنَّةَ عن أهل مصر إلى اليومِ.

стр. 2312

فصل: وفيها زُلزلت المدينةُ، ووقعتِ الدورُ، أَنْبأنا جدّي بإسناده عن صَفية بنت أبي عبيد -وأخرجه أبو بكر الخطيب بإسناده عن صفية- قالت: زُلزلت المدينةُ على عهد عمر، فقال عمر: أيها الناس، ما هذا؟ ما أسرع ما أحدثتُم، لئن عادت لا ساكنتكم فيها أبدًا (١). وذكر جدّي في كتابٍ يُقال له: "معاني المعاني": فضربها عمر بالدِّرَّةِ فسكنت. قال هشام: وهي أَوَّلُ زَلزلةٍ كانت في الإِسلام. وقد أخبر النبي ﷺ بحدوثِ الزلازل، روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تقومُ الساعةُ حتى يُقْبَضَ العلمُ، وتكثرَ الزلازلُ، وتظهَرَ الفِتَنُ، ويَكثُرَ الهَرْجُ"، قيل: وما الهرج؟ قال: "القتل" (٢). وفي رواية: "وإذا ظهرتِ الفاحشةُ كانت الرجْفَةُ" (٣). وفي حديث أبي هريرة أيضًا قال: رجفت الأرضُ على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ فقال: "أيُّها النَّاسُ، إن ربكم قد عَتِبَ عليكم، فأعتبوه". وفيها عزل عمر رضوان اللَّه عليه قُدامة بن مَظعون عن البحرين، وولّاها أَبا هُريرة، وقيل: إنما ولّاها أَبا بكرة، وكان قُدامة قد شرب الخمر، فحدَّه عمر رضوان اللَّه عليه. وفيها تزوّج عمر فاطمة بنت الوليد بن المغيرة المخزوميّ، أمّ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكان زوجُها الحارث بن هشام قد مات بالطاعون، وفاطمة أختُ خالد بن الوليد، خرجت مع زَوْجِها الحارث يوم أحد مع الكفّار، ثم أسلمتْ يومَ الفتح، وحَسُن إسلامُها، وروت عن رسول اللَّه ﷺ . وفيها عزل عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه سعد بنَ أبي وقّاص ﵁ عن الكوفة، وولّاها عمار بن ياسر ﵁.

стр. 2313

وكان بعض أهل الكوفة شَكَوْا سعدًا ﵁، وقالوا: إنه لا يُحسن أن يُصلّي، فأرسل إليه عمر رضوان اللَّه عليه، فقال: يا أَبا إسحاق، إن هؤلاء يَزعمون أنّك لا تُحسِن أن تُصلّي! فقال: أما أنا فإنِّي واللَّه كنتُ أُصلّي بهم صلاةَ رسول اللَّه ﷺ ، لا أَخْرِمُ عنها، أُصلّي صلاتَي العشاء، فأرْكُدُ في الأوَّلَتين، وأَحْذِف في الآخرتين، قال: ذلك الظَّنُ بك يَا أَبا إسحاق، إن هؤلاء يَزعمون أنك لا تُحسن أن تُصلّي (١). فأرسل عمر رضوان اللَّه عليه معه رجالًا إلى الكوفة، فسأل عنه أهلَها، فلم يَدعْ مسجدًا إلا سأل عنه، ويُثنون عليه معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم يُكنى أَبا سَعدة، اسمه أسامة بنُ قتادة فقال: أما إذ نَشَدْتنا، فإن سعدًا كان لا يَسير بالسَّرِيّة، ولا يَقسم بالسَّوِيّة، ولا يَعدِل في القَضيّة، فقال سعد ﵁: أما واللَّه لأدعُونّ بثلاث: اللهمَّ إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياءً وسُمعةً، فأطِلْ عُمُره، وأطل فَقرَه، وعَرِّضه للفِتن، فكان بعد ذلك إذا سُئل يقول: شيخ مَفتون أصابَتْه دَعوةُ سعد. قال جابر بن سَمُرة: فأنا رأيتُه بعد ما سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر، وإنه ليَتعرَّضُ للجَواري في الطُّرق يَغمِزهُنّ (٢). وفيها قسم عمر بن الخطّاب رضوان اللَّه عليه خيبر بين المسلمين، وأَجْلى اليهودَ عنها، وسببه أنَّهم فَدَعوا ابنه عبد اللَّه ﵁. قال نافع: لما فَدَع أهلُ خَيبر عبد اللَّه بن عمر قام [عمر] خطيبًا فقال: إن رسول اللَّه ﷺ كان عامَل أهلَ خَيبر على أموالهم، وقال: "نُقِرُّكم على ما أَقَرَّكم عليه اللَّه"، وإن عبد اللَّه بن عُمر خرج إلى ماله هناك، فعُدِي عليه من الليل، فَفُدِعَتْ يداه ورجلاه، وليس هناك عدوٌّ غيرَهم، وقد رأيتُ إجلاءَهم، فإنهم عَدوُّنا وتُهْمَتُنا، فلما قال عُمر ذلك أتاه أحدُ بني أبي الحُقَيق فقال: يا أمير المؤمنين، أتُخرِجُنا وقد أقرَّنا محمد، وعامَلَنا على الأموال، وشرط لنا ذلك؟ فقال له عمر: أتظنُ أني نسيتُ قولَ رسول اللَّه ﷺ : "كيف بك إذا أُخرِجْتَ من خيبر تَعدو بك قَلُوصُك ليلةً بعد ليلة؟ "، فقال: كانت تلك هُزَيْلةً كانت

стр. 2314

من أبي القاسم، فقال: كذْبتَ يَا عدوَّ اللَّه، فأَجْلاهم، وأعطاهم قيمةَ ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعُروضًا من أَقْتابٍ وحِبال وغير ذلك. انفرد بإخراجه البخاري (١). وعن جابر بن عبد اللَّه، عن عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لأُخرجنَّ اليهودَ والنّصارى من جزيرة العرب، حتى لا أَتْرُكَ فيها إلا مُسلِمًا". انفرد بإخراجه مسلم (٢). وفيها أجلى عمر يهودَ نَجْران إلى العراق فسكنوا الحِيرة، قال ابن إسحاق: وأمّا يهودُ خَيبر فخرجوا إلى أَذْرِعات في الشام. وفيها قسم عمر فَدَك ووادي القُرى على يد أبي حَبيبة، فأقام لهم نِصْفَ الأرضِ. وفيها آلى عمر أن لا يجهِّزَ سفينةً في البحرِ أبدًا، قال الواقدي: كان أهلُ الحبَشةِ يتعدَّوْنَ على أطرافِ المسلمين من ناحيةِ جُدَّةَ والساحلِ، فبعث عُمر عَلقمةَ بنَ مُجَزِّز المُدْلجيّ في أربعِ سُفُن، فأُصيب منها ثلاث سُفن، في كلِّ واحدةٍ خمسون رجُلًا، وبقيت سفينةٌ واحدةٌ، فرجع بها علقمةُ. فصل: وحجَّ بالناسِ عمر (٣). فصل وفيها تُوفّي أُسَيْد بنُ حُضَيْر ابن سِماك بن عَتيك (٤) بن رافع بن امرئ القيس الخَزْرجي، وكُنيتُه أبو الحُضَيْر، وقيل: أبو يحيى، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، وكان الحضير كاتبًا شريفًا في الجاهلية، وكان (٥) رئيسَ الأوس يوم بُعاث، وهي آخر وَقْعةٍ كانت بين الأوس والخَزْرج، وكان يُسمّى الكامل، وفيه يقول خُفاف بن نُدْبَة، وقُتل الحُضَير يومئذٍ: [من الطويل]

стр. 2315

لو أنَّ المنايا حِدْنَ عن ذي مهابةٍ … لَهِبْنَ حُضَيرًا يومَ غَلَّق واقمًا يَطوف به حتى إذا الليلُ جَنَّه … تبوَّأ منه مَقعدًا مُتَناعِما (١) واقِم: أُطُم حُضَيْر، وكانت وقعةُ بُعاث قبل الهجرة بستِّ سنين. أسلم أُسَيد على يدَيْ مصعب بن عُمير ﵁ قبل سعد بن مُعاذ ﵁ بساعة، وشهد العَقَبة مع السَّبعين، وكان أحد النُّقبَاء الاثني عشر، ولم يَشهد بدرًا؛ لأن أكابر الأنصار ظَنُّوا أن رسول اللَّه ﷺ خرج في طَلَب العِير، لا أنه يَلقى عدوًّا، وشهد أحدًا، وثبت يومئذٍ، وجُرح سبع جِراحات، وشهد الخندقَ والمشاهدَ كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ . وكان يُسمَّى الكامل كأبيه، وكان رسول اللَّه ﷺ يُثني عليه ويقول: "نِعمَ الرّجل أُسَيد بنُ حُضَير"، وشهد خُطبة [عمر] رضوان اللَّه عليه بالجابية، وأمّره لما خرج إلى الشام على رُبع الأنصار، وخرج معه الخَرْجَة الأولى والثانية، وشهد معه فُتوحَ القدس، وكان معه لما خرج من سَرْغ. قال أنس: كان أُسيد بن الحُضَيْر وعَبَّاد بنُ بِشر عند رسول اللَّه ﷺ في ليلةٍ مُظلمة حِنْدِس، فتحدَّثا عنده، حتى إذا خرجا أضاءت لهما عَصى أحدِهما، فمَشَيا في ضوئها، فلما تَفرَّق بهما الطّريق أضاءت لكل واحدٍ منهما عصاه، فمشى في ضوئها. انفرد بإخراجه البخاري (٢). وتُوفّي ﵁ في شعبان بالمدينة سنة عشرين، فحمله عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه بين العمودين من بني عبد الأشهل، حتى وضعه بالبَقيع، ثم صلّى عليه ودفنه، أسند الحديث عن رسول اللَّه ﷺ (٣). أُنَيْس بن [مَرْثَد بن] أبي مَرْثَد كَنَّاز بن الحُصَين الغنوي، حَليف حمزة ﵁، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وكُنيتُه أبو يزيد، شهد مع رسول اللَّه ﷺ يومَ الفتح وحنينًا والطائف، [وكان] عَيْن
следующие страницы →