وفي قوله ﵇: "إنَّ لهم ذِمَّةً ورَحمًا" قولان:
أحدُهما أنَّه أَرادَ هاجَرَ أُمَّ إسماعيل، كانت قبطيةً.
والثاني: مارية أُم إبراهيم كانت قبطيّةً.
رَجَعْنا إلى الحديث، وبعث إلى عمرَ بالفتحِ والأخماسِ، ونزل عمرو بالفُسْطاط واختطَّه المسلمون، ووضع عمر المسالح على السواحل إلى الشامِ، خوفًا من الرُّومِ، وكان هِرَقْلُ قد جَهَّزَ المراكب في البحرِ، وعزمَ على قصدِ الشامِ بنَفْسهِ وأن ينزل سوريَّةَ.
ذكر كتاب عمر بن الخطاب ﵁ إلى نيل مصر
حدثنا غيرُ واحدٍ عن أبي الفضل بن ناصر بإسناده، عن قيس بن الحجّاجِ، قال: لمّا فُتِحت مصرُ أتى أهلُها إلى عمرو بن العاص حين دخل بؤنه -من أَشهُرِ العَجَم- فقالوا له: أيُّها الأميرُ، إن لنيلنا هذا سُنَّةً لا يَجري إلَّا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إذا دخلت اثنتا عَشْرَةَ ليلةً من هذا الشهرِ عَمَدْنا إلى جاريةٍ بِكْرٍ بين أبَوَيها فأرضَيْنا أهلها، وحملنا عليها من الحُليِّ والثيابِ أفضلَ ما يكون، ثم ألقيناها في النيل. فقال لهم: إنَّ هذا لا يكون في الإِسلام، وإنَّ الإِسلامَ يَهدمُ ما كان قبله.
فأقاموا بُؤنه وأبيب ومَسرى، وهي أَشهُرٌ معروفةٌ، لا يجري النيلُ قليلًا ولا كثيرًا، حتى همُّوا بالجَلاء عنها، فلما رأى ذلك عمرو، كتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمر: إنَّكَ قد أصبتَ؛ لأنَ الإِسلامَ يهدِمُ ما قبله، وكتب بطاقةً داخل كتابه، وكتب إلى عمرو: قد بعثتُ إليك ببطاقةٍ في داخلِ كتابي، فألقِها في النيل.
فلما قَدِم كتابُ عمر إلى عَمرو أخذ البطاقةَ، فإذا فيها: من عبدِ اللَّه عمر أميرِ المؤمنين إلى نيلِ مصر، أما بعدُ: فإن كنتَ تَجري من قِبَلكَ فلا تَجرِ، وإن كنتَ إنما تجري بأمرِ اللَّه الواحدِ القهار -أو وإن كان اللَّه هو الذي يُجريك- فنسألُ اللَّه الواحد القهارَ أن يُجرِيَك، فألقى البطاقه في النّيل قبل يوم عيد الصَّليبِ بيومٍ، وقد تهيّأ أهلُ مصرَ للجلاء والخروج؛ لأنه لا يقومُ بمَصْلحتهم إلَّا النيل، فلما ألقى البطاقة أصبحوا وقد أجراه اللَّه ستَّة عشر ذراعًا في ليلةٍ واحدةٍ، وقطع اللَّهُ تلك السُّنَّةَ عن أهل مصر إلى اليومِ.
стр. 2312
فصل: وفيها زُلزلت المدينةُ، ووقعتِ الدورُ، أَنْبأنا جدّي بإسناده عن صَفية بنت أبي عبيد -وأخرجه أبو بكر الخطيب بإسناده عن صفية- قالت: زُلزلت المدينةُ على عهد عمر، فقال عمر: أيها الناس، ما هذا؟ ما أسرع ما أحدثتُم، لئن عادت لا ساكنتكم فيها أبدًا (١).
وذكر جدّي في كتابٍ يُقال له: "معاني المعاني": فضربها عمر بالدِّرَّةِ فسكنت.
قال هشام: وهي أَوَّلُ زَلزلةٍ كانت في الإِسلام.
وقد أخبر النبي ﷺ بحدوثِ الزلازل، روى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا تقومُ الساعةُ حتى يُقْبَضَ العلمُ، وتكثرَ الزلازلُ، وتظهَرَ الفِتَنُ، ويَكثُرَ الهَرْجُ"، قيل: وما الهرج؟ قال: "القتل" (٢).
وفي رواية: "وإذا ظهرتِ الفاحشةُ كانت الرجْفَةُ" (٣).
وفي حديث أبي هريرة أيضًا قال: رجفت الأرضُ على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ فقال: "أيُّها النَّاسُ، إن ربكم قد عَتِبَ عليكم، فأعتبوه".
وفيها عزل عمر رضوان اللَّه عليه قُدامة بن مَظعون عن البحرين، وولّاها أَبا هُريرة، وقيل: إنما ولّاها أَبا بكرة، وكان قُدامة قد شرب الخمر، فحدَّه عمر رضوان اللَّه عليه.
وفيها تزوّج عمر فاطمة بنت الوليد بن المغيرة المخزوميّ، أمّ عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكان زوجُها الحارث بن هشام قد مات بالطاعون، وفاطمة أختُ خالد بن الوليد، خرجت مع زَوْجِها الحارث يوم أحد مع الكفّار، ثم أسلمتْ يومَ الفتح، وحَسُن إسلامُها، وروت عن رسول اللَّه ﷺ .
وفيها عزل عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه سعد بنَ أبي وقّاص ﵁ عن الكوفة، وولّاها عمار بن ياسر ﵁.
стр. 2313
وكان بعض أهل الكوفة شَكَوْا سعدًا ﵁، وقالوا: إنه لا يُحسن أن يُصلّي، فأرسل إليه عمر رضوان اللَّه عليه، فقال: يا أَبا إسحاق، إن هؤلاء يَزعمون أنّك لا تُحسِن أن تُصلّي! فقال: أما أنا فإنِّي واللَّه كنتُ أُصلّي بهم صلاةَ رسول اللَّه ﷺ ، لا أَخْرِمُ عنها، أُصلّي صلاتَي العشاء، فأرْكُدُ في الأوَّلَتين، وأَحْذِف في الآخرتين، قال: ذلك الظَّنُ بك يَا أَبا إسحاق، إن هؤلاء يَزعمون أنك لا تُحسن أن تُصلّي (١).
فأرسل عمر رضوان اللَّه عليه معه رجالًا إلى الكوفة، فسأل عنه أهلَها، فلم يَدعْ مسجدًا إلا سأل عنه، ويُثنون عليه معروفًا، حتى دخل مسجدًا لبني عبس، فقام رجل منهم يُكنى أَبا سَعدة، اسمه أسامة بنُ قتادة فقال: أما إذ نَشَدْتنا، فإن سعدًا كان لا يَسير بالسَّرِيّة، ولا يَقسم بالسَّوِيّة، ولا يَعدِل في القَضيّة، فقال سعد ﵁: أما واللَّه لأدعُونّ بثلاث: اللهمَّ إن كان عبدك هذا كاذبًا، قام رياءً وسُمعةً، فأطِلْ عُمُره، وأطل فَقرَه، وعَرِّضه للفِتن، فكان بعد ذلك إذا سُئل يقول: شيخ مَفتون أصابَتْه دَعوةُ سعد.
قال جابر بن سَمُرة: فأنا رأيتُه بعد ما سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر، وإنه ليَتعرَّضُ للجَواري في الطُّرق يَغمِزهُنّ (٢).
وفيها قسم عمر بن الخطّاب رضوان اللَّه عليه خيبر بين المسلمين، وأَجْلى اليهودَ عنها، وسببه أنَّهم فَدَعوا ابنه عبد اللَّه ﵁.
قال نافع: لما فَدَع أهلُ خَيبر عبد اللَّه بن عمر قام [عمر] خطيبًا فقال: إن رسول اللَّه ﷺ كان عامَل أهلَ خَيبر على أموالهم، وقال: "نُقِرُّكم على ما أَقَرَّكم عليه اللَّه"، وإن عبد اللَّه بن عُمر خرج إلى ماله هناك، فعُدِي عليه من الليل، فَفُدِعَتْ يداه ورجلاه، وليس هناك عدوٌّ غيرَهم، وقد رأيتُ إجلاءَهم، فإنهم عَدوُّنا وتُهْمَتُنا، فلما قال عُمر ذلك أتاه أحدُ بني أبي الحُقَيق فقال: يا أمير المؤمنين، أتُخرِجُنا وقد أقرَّنا محمد، وعامَلَنا على الأموال، وشرط لنا ذلك؟ فقال له عمر: أتظنُ أني نسيتُ قولَ رسول اللَّه ﷺ : "كيف بك إذا أُخرِجْتَ من خيبر تَعدو بك قَلُوصُك ليلةً بعد ليلة؟ "، فقال: كانت تلك هُزَيْلةً كانت
стр. 2314
من أبي القاسم، فقال: كذْبتَ يَا عدوَّ اللَّه، فأَجْلاهم، وأعطاهم قيمةَ ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعُروضًا من أَقْتابٍ وحِبال وغير ذلك. انفرد بإخراجه البخاري (١).
وعن جابر بن عبد اللَّه، عن عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لأُخرجنَّ اليهودَ والنّصارى من جزيرة العرب، حتى لا أَتْرُكَ فيها إلا مُسلِمًا". انفرد بإخراجه مسلم (٢).
وفيها أجلى عمر يهودَ نَجْران إلى العراق فسكنوا الحِيرة، قال ابن إسحاق: وأمّا يهودُ خَيبر فخرجوا إلى أَذْرِعات في الشام.
وفيها قسم عمر فَدَك ووادي القُرى على يد أبي حَبيبة، فأقام لهم نِصْفَ الأرضِ.
وفيها آلى عمر أن لا يجهِّزَ سفينةً في البحرِ أبدًا، قال الواقدي: كان أهلُ الحبَشةِ يتعدَّوْنَ على أطرافِ المسلمين من ناحيةِ جُدَّةَ والساحلِ، فبعث عُمر عَلقمةَ بنَ مُجَزِّز المُدْلجيّ في أربعِ سُفُن، فأُصيب منها ثلاث سُفن، في كلِّ واحدةٍ خمسون رجُلًا، وبقيت سفينةٌ واحدةٌ، فرجع بها علقمةُ.
فصل: وحجَّ بالناسِ عمر (٣).
فصل وفيها تُوفّي
أُسَيْد بنُ حُضَيْر
ابن سِماك بن عَتيك (٤) بن رافع بن امرئ القيس الخَزْرجي، وكُنيتُه أبو الحُضَيْر، وقيل: أبو يحيى، وهو من الطبقة الأولى من الأنصار، وكان الحضير كاتبًا شريفًا في الجاهلية، وكان (٥) رئيسَ الأوس يوم بُعاث، وهي آخر وَقْعةٍ كانت بين الأوس والخَزْرج، وكان يُسمّى الكامل، وفيه يقول خُفاف بن نُدْبَة، وقُتل الحُضَير يومئذٍ: [من الطويل]
стр. 2315
لو أنَّ المنايا حِدْنَ عن ذي مهابةٍ … لَهِبْنَ حُضَيرًا يومَ غَلَّق واقمًا
يَطوف به حتى إذا الليلُ جَنَّه … تبوَّأ منه مَقعدًا مُتَناعِما (١)
واقِم: أُطُم حُضَيْر، وكانت وقعةُ بُعاث قبل الهجرة بستِّ سنين.
أسلم أُسَيد على يدَيْ مصعب بن عُمير ﵁ قبل سعد بن مُعاذ ﵁ بساعة، وشهد العَقَبة مع السَّبعين، وكان أحد النُّقبَاء الاثني عشر، ولم يَشهد بدرًا؛ لأن أكابر الأنصار ظَنُّوا أن رسول اللَّه ﷺ خرج في طَلَب العِير، لا أنه يَلقى عدوًّا، وشهد أحدًا، وثبت يومئذٍ، وجُرح سبع جِراحات، وشهد الخندقَ والمشاهدَ كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ .
وكان يُسمَّى الكامل كأبيه، وكان رسول اللَّه ﷺ يُثني عليه ويقول: "نِعمَ الرّجل أُسَيد بنُ حُضَير"، وشهد خُطبة [عمر] رضوان اللَّه عليه بالجابية، وأمّره لما خرج إلى الشام على رُبع الأنصار، وخرج معه الخَرْجَة الأولى والثانية، وشهد معه فُتوحَ القدس، وكان معه لما خرج من سَرْغ.
قال أنس: كان أُسيد بن الحُضَيْر وعَبَّاد بنُ بِشر عند رسول اللَّه ﷺ في ليلةٍ مُظلمة حِنْدِس، فتحدَّثا عنده، حتى إذا خرجا أضاءت لهما عَصى أحدِهما، فمَشَيا في ضوئها، فلما تَفرَّق بهما الطّريق أضاءت لكل واحدٍ منهما عصاه، فمشى في ضوئها. انفرد بإخراجه البخاري (٢).
وتُوفّي ﵁ في شعبان بالمدينة سنة عشرين، فحمله عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه بين العمودين من بني عبد الأشهل، حتى وضعه بالبَقيع، ثم صلّى عليه ودفنه، أسند الحديث عن رسول اللَّه ﷺ (٣).
أُنَيْس بن [مَرْثَد بن] أبي مَرْثَد
كَنَّاز بن الحُصَين الغنوي، حَليف حمزة ﵁، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، وكُنيتُه أبو يزيد، شهد مع رسول اللَّه ﷺ يومَ الفتح وحنينًا والطائف، [وكان] عَيْن
стр. 2316
رسول اللَّه ﷺ بأَوْطاس، وتُوفّي في ربيع الأول بالمدينة، وصلّى عليه عمر رضوان اللَّه عليه، له صُحبة ورواية ﵁ (١).
بِشر بن عمرو بن حَنَش الأَنْماري
ويُلقّب بالجارود، لأنه كان له إبلٌ جَرْباء يُورِدُها على أخواله من بني شيبان، فأَعدتْ إبلَهم فهلكتْ، فقال الناس: جَرَدهم بِشر، وفيه يقول الشاعر: [من الطويل]
جَرَدْناهمُ بالبِيض من كلِّ جانبٍ … كما جَرد الجارودُ بكرَ بنَ وائل
وفد على رسول اللَّه ﷺ في السنة العاشرة من الهجرة.
وأمّه دَرْمكة بنت رُوَيم من بني شيبان.
وكان الجارود شريفًا، سيِّدَ عبد القَيْس، وهو الذي شَهد على قُدامة، [فقدم على عمر فقال: يا أمير المؤمنين، إن قُدامة قد شرب الخمر، قال: فمَن يَشهد معك؟ قال: أبو هريرة، فكتب إلى قُدامه فحَضَر، فقام الجارود فقال: أقِمِ الحدَّ على قُدامة، فقال له عمر رضوان اللَّه عليه: لتَملكَنّ عليك لِسانَك أو لأسُوأنّك، فقال الجارود: يَشرب ابنُ عمِّك الخمر وتَسوءُني؟! فوَزَعه عمر رضوان اللَّه عليه، ثم دعا بقُدامة فحَدَّه.
قُتل الجارود بعَقَبة الطين شهيدًا ﵀، وكان له من الولد: المنذر وحَبيب وغياث وعبد اللَّه وسلمة (٢) ومسلم والحكم، قُتل الحكم بِسجِسْتان، والمنذر كان سيِّدًا [جوادًا]، ولاه عليّ ﵇ إصْطَخْر، فلم يأتِه أحدٌ إلَّا وَصَله، ووَلّاه عبيد اللَّه بن زياد ثغرَ الهند، فمات به، أسند الجارود الحديثَ رحمه اللَّه تعالى (٣).
بلال بن رَباح ﵁ - (٤)
من الطبقة الأولى من المهاجرين، واختلفوا في كُنيته، والأشهر أبو عبد اللَّه.
стр. 2317
كان آدّم، شديدَ الأُدْمَة، نحيفًا، طُوالًا، أَجْنَأ، [كثيرَ] الشَّعر، خفيفَ العارضَين، لا يُغيِّر شَيْبَهُ.
وكان يُعذَّب في اللَّه تعالى حين أسلم ليَرجعَ عن دينه، وكان من المُستَضعفين من المؤمنين، فما أعطاهم قط كلمةً مما يُريدون، وكان إذا اشتدّ به العذابُ قال: أَحَدٌ أَحد، فيعذّبونه ويقولون: قُل كما نقول، فيقول: إن لساني لا يُحسِنُه، وأتى عليه أبو بكر ﵁ فقال: عَلام تُعذِّبون هذا الإنسان؟ فاشتراه بسبع أَواقٍ فأعتقه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "الشَّرِكَةَ يَا أَبا بكر"، فقال: قد أعتقتُه يَا رسول اللَّه.
قال مجاهد: أوَّلُ مَن أظهر الإِسلام سبعة: رسول اللَّه ﷺ ، وأبو بكر رضوان اللَّه عليه، وبلال، وخَبَّاب، وصُهيب، وعمّار، وسُميّة أم عمّار ﵃.
فأما رسول اللَّه ﷺ فمنعه عمُّه، وأما أبو بكر رضوان اللَّه عليه فمنعه قومُه، وأُخِذ الآخرون، فألبسوهم أدراع الحديد، ثم صَيّروهم في الشمس، حتى بلغ الجهد منهم كلَّ مَبلغ، فأعطَوْهم ما سألوا، إلَّا بلالًا فإنه هانت عليه نفسُه في اللَّه حتى مَلُّوه، فجعلوا في عُنُقِه حَبْلًا، ثم أمروا صبيانَهم أن يَشتدُّوا به (١) بين أخشَبَيْ مكة، وبلالٌ يقول أَحَد أَحَد.
وكان أميَّة بن خَلَف يُخرجه إذا حَمِيت الظَّهيرةُ، فيَطرحُه على ظهره في حرِّ الرَّمْضَاء، ثم يَجعل على صدرِه صخرة عظيمة، ثم يقول: لا تزالُ كذا حتى تموتَ أو تكفُرَ محمدًا، وتعبُدَ اللاتَ والعُزّى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أَحَد أَحَد.
قال المصنّف ﵀: قال جدّي في "المنتخب": [من الوافر]
أبو بكر حبا للَّه مالًا … وأعتق خَيِّرًا عَبْدَهْ بِلالا
لو أنّ البحر عانده بسُوءٍ … لما أبقى الإله له بِلالا
وقد آسى النبيَّ بكلِّ خيرٍ … وأبدى فيه لفظَ نعم بلالا (٢)
سبب إسلامه ﵁ -: اعتزل أبو بكر رضوان اللَّه عليه ورسول اللَّه ﷺ في غار، فمرّ
стр. 2318
بهما بلال ﵁ وهو في غَنَم لعبد اللَّه بن جُدْعان، وكان له بمكة مئةُ عبدٍ من مُوَلّديها، فلما بُعث رسول اللَّه ﷺ أخرجهم ابن جُدْعان من مكة خوفًا عليهم، إلا بلالًا فإنه كان يرعى عليه غنمه تلك، فأطلع رسول اللَّه ﷺ رأسَه من الغار، فقال: يا راعي، هل من لَبَن؟! فقال: مالي فيها إلا شاة منها قُوتي، فإن شئتُما آثرتُكما اليوم بلَبنها، فقال: ائت بها، فجاء بها فاعتَقَلها رسول اللَّه ﷺ ، وحَلَب في القعب، وشرب هو وأبو بكر ﵁، ثم سقى بلالًا ﵁، وأرسلها وهي أَحفَلُ مما كانت، فقال: يا غُلام، هل لك في الإِسلام؟ وقرأ عليه القرآن فأسلم، فقالا: اكتُم إسلامَك.
وانصرف بغَنَمه وقد أَضْعفَ لبنُها، فقال له أهله: لقد رعيتَ اليوم مَرعى طَيِّبًا فعليك به، فعاد إليهما ثلاثةَ أيام يسقيهما اللبن، ويَتعلّم الإِسلام.
ودخل رسول اللَّه ﷺ مكة، فاختفى في دارٍ عند المروة، فدخل بلال ﵁ يومًا إلى الكعبة وقريش في ظاهرها (١) وهو لا يعلم، فجعل يَبصُقُ على الأصنامِ ويقول: خابَ وخَسِرَ مَن عَبَدكم من دونِ اللَّه، فطلبَتْه قُريشٌ فهرب، فدخل دار سيِّده عبد اللَّه بن جُدْعان فاختفى فيها، فجاؤوا إلى الباب، ونادَوْا عبدَ اللَّه بنَ جُدعان، فخرج إليهم فقالوا: صبوتَ؟ فقال: ألمثلي تقولون هذا؟ عليَّ نَحْرُ مئةِ ناقةٍ للّاتِ والعُزّى إن كنتُ صَبَوْتُ، قالوا: فإن أسوَدَك صنع كذا وكذا، فدخل فأخرجه إليهم وقال: شَأنُكم به، افعلوا به ما أحببتُم، فخرج به أبو جهل بن هشام وأُميَّةُ بنُ خَلَف إلى الرّمْضاءِ، وبسطاه عليها، وجعلا على عُنُقه رَحًى، وقالا: اكفُر بمحمّدٍ، وهو يقول: أحدٌ أحَدٌ.
ومرَّ بهما أبو بكر فقال: واللَّه ما تُدْرِكان بعذابه ثأرًا، فقال له أُمية: هو على دينك فاشتَره منّا، قال: نعم، قال: بعبدِك نِسطاس، وكان حدَّادًا، وخراجُه كلَّ يوم نصفُ دينار، فقال: قد فعلتُ، فأعطاهم إياه، وأخذ بلالًا (٢).
ذكْرُ جملةٍ من مناقبهِ: قال علماءُ السِّيَرِ: شهد بلالٌ مع رسولِ اللَّه ﷺ بدرًا وأُحدًا والمشاهدَ كلَّها، وهو أوَّلُ من أذَّن له سَفَرًا وحضرًا، وكان خازِنَه على بيت المال.
стр. 2319
وقال أبو نُعيمٍ بإسنادهِ عن أنسٍ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بلال سابقُ الحبشة" (١).
قال أنس: قال رسول اللَّه ﷺ : "لقد أُخِفتُ في اللَّه وما يُخاف أحدٌ، ولقد أوذيتُ في اللَّه وما يُؤذى أحدٌ، ولقد أتت عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة، مالي ولبلال طعامٌ يأكله ذو كَبِدٍ إلَّا شيءٌ يُواريه إبِطُ بلال" (٢).
وقال أحمد بإسناده عن عبد اللَّه بن بُريدة، عن أَبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يَا بلالُ، بم سبقتَني إلى الجنة؟ ما دخلتُها قط إلَّا سمعتُ خَشْخَشَتَك أمامي"، فقال: ما أحدثتُ حَدَثًا إلَّا توضَّأتُ وصليتُ ركعتين، فقال رسول اللَّه ﷺ : "بهذا" (٣).
وفيه: فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أخبرْني يَا بلال بأَرجى عملٍ عملتَه في الإِسلام، فإني سمعتُ خَشْف نَعْلَيك الليلةَ بين يَدَيَّ في الجنَّة"، فقال: ما عملتُ عملًا أرجى منفعةً عندي من أني لم أتطهَّر طُهْرًا قطُّ في ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ إلَّا توضَّأتُ وصليتُ ركعتين. الحديث (٤). الخَشْفُ هنا: الصوتُ ليس بالشديد.
وقال أحمد بإسناده (٥) عن أنسٍ قال: أبطأ بلالٌ عن صلاةِ الفجر، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "ما حَبَسك؟ " قال: مررتُ بفاطمة وهي تَطحنُ والصبيُّ يَبكي، فقلتُ لها: إن شئتِ كَفيتُك الرَّحى وكَفَيتِني الصّبيّ، وإن شئتِ كفيتِني الرَّحى وكفيتُك الصبيَّ، فقالت: أنا أرفقُ بابني منك، فذاك الذي حَبَسني، فقال له رسول اللَّه: "رحمتَها يَرحمك اللَّه" (٦).
وروي عن مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٢ - ٦٣] قال: يقول أبو جهل: أين بلالٌ؟ أين فُلانٌ؟ كنّا نعدُّهم في الدنيا من الأشرارِ، فلا نراهم في النارِ، أم هم في مكانٍ لا نَراهم فيه، وفي روايةٍ: أم هم في النَّارِ لا نَرى مكانهم (٧).
стр. 2320
وذكره البلاذري وفيه: يقول أبو جهل: أين بلال؟ أين عمَّارٌ؟ أين صُهَيْبٌ؟ أين خبَابٌ (١)؟
وقال ابن سعد بإسناده عن عامرٍ قال: كان لرسولِ اللَّه ﷺ ثلاثة مؤذِّنين: بلالٌ وأبو مَحْذورةَ وعمرو بن أُمِّ مَكتوم، فإذا غاب بلال أذَّن أبو محذورة، وإذا غاب أبو محذورة أذَّنَ ابنُ أُمّ مكتوم (٢).
ودخل رسول اللَّه ﷺ عليه وعنده صُبَر من تمر، فقال: "ما هذا؟ "، فقال: ادَّخرتُه لك ولضِيفانك يَا رسول اللَّه، قال: "أما تخشى أن يكون له بُخارٌ في النَّار؟ أنفق يَا بلال ولا تَخْشَ من ذي العرش إقلالا" (٣).
وكان عمر ﵁ يقول: أبو بكر سيِّدُنا، وأعتق سيِّدَنا، يعني بلالًا.
ولما هاجر بلال ﵁ إلى المدينة نزل على سعد بن خَيثمة، وآخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين عُبَيدة بن الحارث، وقيل: بينه وبين أبي رُوَيحة عبد اللَّه بن عبد الرحمن الخَثْعَمي.
أهدى النجاشي إلى رسول اللَّه ﷺ عليه عَنَزة، فكان بلال يَحملها بين يديه إلى صلاة العيدين والاستسقاء، فيأتي بها المصلَّى فيَركُزُها، ثم مشى بها بين يدي أبي بكر رضوان اللَّه عليه، ثم كان سعد القَرظي يمشي بها بين يدي عمر وعثمان ﵄ في العيدين، ويَركزها بين أيديهما، ويُصلّيان إليها (٤).
وقال ابن سعد: لما تُوفي رسول اللَّه ﷺ جاء بلال إلى أبي بكرٍ فقال: يا خليفةَ رسول اللَّه ﷺ ، إني سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "أفْضَلُ عمل المؤمن الجهادُ في سبيلِ اللَّه"، فقال أبو بكر: فما تشاءُ يَا بلالُ؟ قال: أُرابِطُ في سبيلِ اللَّه حتى أموت، فقال أبو بكر: أنشدُكَ اللَّه يَا بلالُ، وحُرْمَتي وحَقِّي، فقد كبرتُ وضعفتُ واقتربَ أجلي، فأقام
стр. 2321
بلال مع أبي بكرٍ حتى تُوفي أبو بكر، فجاء إلى عمر، فقال كما قال لأبي بكر، وردَّ عليه عمرُ كما ردَّ أبو بكرٍ، فأبى بلالٌ عليه، فقال عمر: فإلى مَن ترى أن أجعلَ النداءَ؟ فقال: إلى سعد القَرَظِ، فإنَّه قد أذَّن لرسولِ اللَّه ﷺ ، فدعاه عمر فجعل الأذانَ إليه وإِلى عقبِه من بعده (١). والقَرَظُ بالظاء القائمةِ: وَرقُ السَّلَمِ، كانوا يَجْنونه فنُسب إليه.
ثم خرج بلالٌ إلى الشامِ فتوفي به ﵀.
ولما تُوفِّي رسول اللَّه ﷺ ، أذن بلال ورسول اللَّه ﷺ لم يُقْبَر، فلما قال: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، انتحب الناسُ في المسجد، فلما دُفن قال له أبو بكر ﵁: أَذّن، فقال: إن كنتَ إنما أعتَقتَني لأن أكونَ معك فسبيلُ ذلك إليك، وإن كنتَ أعتَقتَني للَّه فخَلِّني ومَن أعتقَتَني له، فقال: ما أعتقتُك إلا للَّه، قال: فإني لا أؤذّن لأحدٍ بعد رسول اللَّه ﷺ ، قال فذاك إليك.
وجاء بنو أبي البُكَير إلى رسول اللَّه ﷺ فقالوا: زَوِّج أختَنا فُلانًا، قال لهم: "فأين أنتم عن بلال؟ "، فجاؤوا مرّةً أخرى وأخرى وهو يقول لهم كذلك، ثم قال لهم في الثالثة: "أين أنتم عن رجل من أهل الجنة؟ "، فزوَّجوه (٢).
فصل في ذِكرِ وفاتِه ﵁ -: حكى ابن سعد، عن الواقدي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارثِ التَّيْمي، عن أَبيه قال: تُوفّي بلال بدمشق سنة عشرين، ودُفِنَ عند البابِ الصغيرِ في مقبرةِ دمشق، وهو ابنُ بِضْعٍ وستين سنةً. قال الواقدي: وكان بلالٌ تِرْبَ أبي بكرٍ، يعني قَرينَه (٣).
قلتُ: وقد اختلفوا في وَفاتهِ ومَوضعِ قبرهِ على أقوالٍ، أحدها ما حكاه ابنُ سعدٍ عن الواقدي.
وقال ابن عساكر عن أبي سليمان بن زَبْر قال: مات بلالٌ بداريّا في سنةِ الطاعون، وحُمِل من داريّا على أعناقِ الرجالِ فدُفِنَ بمقبرةِ بابِ كيْسان (٤).
стр. 2322
وقال خليفة: مات بدمشق سنة إحدى وعشرين، وقيل: سنة ثماني عشرة (١).
وقال الهيثم: مات بحلب سنة عشرين أو ثماني عشرة، ودُفِنَ بباب الأربعين.
وقال ابن عساكر في تاريخه: مَن قال إنَّ بلالًا مات بحلب فقد وَهِمَ، الذي مات بحلب خالد بن رباح، وكنيتُه أبو رُويحة الخثعمي، له صُحبةٌ، ولم نعلم له رواية، ويقال: إنه أخو بلالٍ في الإِسلام دون النسبِ، آخى بينهما رسولُ اللَّه ﷺ (٢).
وقال هشام (٣): خالد بن رباح أخو بلالٍ في النسب، وهو مولى أبي بكرٍ الصديق، وكذا قال ابن عساكر أيضًا، قال: واستعمله عمر على الأُردن، وهو القائل لسُهيل بن عمرو: ما منعك أن تُعجل الغدو (٤) إلى رسول اللَّه ﷺ إلا النفاق، والذي بعث محمدًا بالحق لولا شيءٌ لضربتُ بهذا السيف فَلْحَتك، وكان سُهيل أعلمَ، وكان قد أَقْبَل إلى رسول اللَّه ﷺ بعد طلوع الشَّمس، وهو نازل بالأَبْطح ثاني يوم الفتح، فقال سُهيل لرسول اللَّه ﷺ : يا محمد، ألا ترى إلى ما يقول لي هذا العُبَيد؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "دَعْه، فعسى أن يكون خيرًا منك"، فكانت هذه أشدّ على سُهيل من الأولى (٥).
وقال أبو حاتم بن حِبّان البُسْتي: مات بلال بفلسطين، وقيل بعَمْواس (٦).
قلتُ: والأصحُّ أنَّه مات بدمشق سنة عشرين، وقيل: وهو ابن ستّين سنةً.
وقال ابن عساكر: تزوَّج بل الذي خَوْلانَ امرأةً اسمُها ليلى، من أهلِ داريّا لها صُحْبَةٌ، وهي التي حكت عن بلالٍ أنَّه (٧) قال لما احتُضِرَ، فقالت: واحُزْنَاه، فقال: لا، بل واطَرَبَاه؛
غدًا نلقى الأحبَّه … محمدًا وحِزْبَه
стр. 2323
وقيل: اسمُها هند (١).
وأسند بلال عن رسولِ اللَّه أربعةً (٢) وأربعين حديثًا، أُخرج له منها في "الصحيحين" أربعةُ أحاديث.
قال أحمد بإسناده عن مُجاهدٍ، عن ابن عمر أنه سأل بلالًا، فأخبره أن رسولَ اللَّه ﷺ ركع رَكعتين، يعني في البيت، فجعل الأسطوانةَ عن يمينهِ، وتقدّم قليلًا، وجعل المقام خلف ظهره.
وقال أحمد بإسناده عن ابن عمر، وذكر دخول رسول اللَّه ﷺ يوم الفتح إلى الكعبةِ، قال ابن عمر: فوجدتُ بلالًا قائمًا على البابِ فقلتُ: أين صلَّى رسولُ اللَّه ﷺ ؟ قال: بين العَمُودين المتَقَدِّمَيْنِ، فنسيت أن أسأله: كم صلّى (٣).
وحكى ابن عبد البَرِّ (٤) قال: قالت أم الدرداء: حدَّثني أبو الدرداء قال: أقام بلالٌ بداريّا، فرأى رسولَ اللَّه ﷺ في منامِه فقال له: يا بلالُ، ما هذه الجَفْوُة؟ أما آنَ لكَ أن تَزورَني؟ فانتبه فَزِعًا، وركب ناقتَه، وأتى المدينةَ، فجعل يُمَرِّغُ خدَّيْه على التُّراب بين يَدَي الحجْرةِ ويبكي، وأخذ الحسنَ والحسينَ فجعل يُقَبِّلُهما ويبكي، وبكى المسلمون وقالوا: يا أَبا عبد اللَّه، نَنْشُدُك اللَّه، ألا أسْمَعْتَنا أذانك الذي كُنْتَ تُؤذِّنُ به لرسولِ اللَّه ﷺ في السَّحَرِ؟ فلما كان وقتُ السَّحَرِ صعدَ المكانَ الذي كان يُؤذِّنُ عليه للنبي ﷺ ، فلما قال: اللَّه أكبر ارتجَّت المدينةُ، فلما قال: أشهدُ أن لا إله إلَّا اللَّه ازدادت رجَّتُها، فلما قال: أشهدُ أن محمدًا رسولُ اللَّه، خرج العَواتِقُ من خُدورِهنَّ وقُلْنَ: بُعِثَ رسول اللَّه ﷺ ؟ فما رُئيَ باكٍ ولا باكية بعد وفاة رسولِ اللَّه ﷺ أعظمَ من ذلك اليوم (٥).
وقال هشام بن الكلبي: كان بلال يقلبُ الشِّينَ سينًا، فقال النبي ﷺ : "إنَّ سِينَ بلال عند اللَّه شِينٌ" (٦). انتهت ترجمة بلال ﵁.
стр. 2324
فصل وفيها تُوفي
أبو خِراش الشاعر
واسمُه خويلد بن مُرَّة الهُذَليّ، شاعر مُجيدٌ من شُعراء هُذَيل، مُخَضرَمٌ، أدركَ الجاهلية والإِسلام وأسلم، وكان إذا عدا سَبقَ الخيلَ.
فرُويَ عن الأصمعيّ أنَّه قال: حدَّثني رجلٌ من هُذَيل قال: دخل أبو خِراش الهُذَليُّ إلى مكة وللوليد بن المغيرةِ فَرَسانِ يُريدُ أن يُرْسِلَهما في الحلبة، فقال له الوليد: أنتَ الذي تزعمُ أنك تَسبِقُ الخيلَ؟ قال: نعم، فما تَجعلُ لي إن سبقتُهما؟ قال: هما لك، فأرسلهما، وعدا بينهما فسبقهما فأخذهما.
وقال هشام: ليس لأبي خِراشٌ ذكْرٌ في الصحابةِ، وعاش إلى أيامِ عمر، نَهشَتْه أفعى فمات، وقد استشهد أهلُ اللغةِ بأشعاره، وأهلُ التفاسير بها في تفاسيرهم (١).
فصل وفيها تُوفّيت
زينب بنت جَحش
ابن رئاب بن يَعْمَر بن صَبِرَة بن مُرّة بن كثير بن غَنْم بن دُودان بن أسد بن خُزَيمة، زوجةُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وأُمُّها أُميمةُ بنت عبد المطلّب بن هاشم، عمَّة رسول اللَّه ﷺ .
تزوَّجها رسول اللَّه في السنة الخامسة من الهجرة، وكانت قبل رسول اللَّه ﷺ عند زيد بن حارثة، فطلَّقها زيدٌ (٢)، وتزوَّجها رسولُ اللَّه، وبسببها نزل الحجابُ، ونزل أيضًا: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] الآيات، وقد ذكرنا جميع ذلك (٣).
وهي التي بعث إليها عمر بنُ الخطاب بمالٍ، فسَتَرتْ بينها وبينه بثوبٍ وقالت: اللهمَّ لا يُدْركني عطاءُ عمر بعدها، فماتت قبل العطاء.
стр. 2325
وهي التي ذكرتها عائشة في حديث الإفكِ وقالت: وهي التي كانت تُسامِيني من أزواجِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فعصمها اللَّه بالوَرَعِ، ولم أرَ امرأةً أكثرَ خيرًا ولا صدقةً منها، ما عدا سَوْرَةً من حِدَّةٍ كانت فيها، يُوشكُ منها الفيئَة، أي: الرجوع (١).
وكانت زينب تُسمّى أُمَّ المساكين؛ كانت تعملُ بيدِها وتتصدَّقُ به على المساكينِ.
وقال الواقدي: أطعمها رسول اللَّه بخيبر ثمانين وَسْقًا من تمرٍ، وعشرين وَسْقًا من قمحٍ، ويقال، من شعير.
وقال ابن سعد بإسناده عن سالم، عن أَبيه قال: قال رسول اللَّه ﷺ يومًا وهو جالسٌ مع نسائهِ: "أطوَلُكنّ باعًا أسْرَعُكُنَّ لُحوقًا بي"، فكُنَّ يتطاوَلْنَ إلى الشيء، وإنَّما عني رسولُ اللَّه ﷺ بذلك الصدقةَ، وكانت زينب امرأةَ صَنعًا، فكانت تتصدَّقُ به، وكانت أسرعَ نسائهِ لحوقًا به (٢).
وقال ابن سعد بإسناده عن موسى بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن حارثة بن النعمان، عن أَبيه، عن أُمِّه عَمْرَةَ، عن عائشة قالت: يرحمُ اللَّهُ زَينب بنت جَحش، لقد نالت في هذه الدنيا الشرفَ الذي لا يَبلغه شرف؛ إنَّ اللَّه زوَّجها نبيَّه ﷺ في الدنيا، ونطق به القُرآنُ، وإنَّ رسول اللَّه ﷺ قال لنا ونحن حوله: "أسرعُكُنّ بي لُحوقًا أطولكنَّ باعًا"، بشَّرها رسول اللَّه ﷺ بسرعةِ لحوقِها به، وهي زوجتُه في الجنَّة.
وفي روايةِ ابن سعدٍ عن عائشة قالت: فكنّا إذا اجتمعنا في بيتِ إحدانا بعد رسولِ اللَّه ﷺ نمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعلُ ذلك حتى تُوفيت زينبُ، وكانت امرأةً قصيرةً، ولم تكن أطْوَلَنا، فعرفنا حينئذٍ أنَّما أراد بطول اليد الصدقةَ والخيرَ.
قالت: وكانت امرأةً صَناعَ اليد، فكانت تَدبُغ وتَخْرُزُ، وتتصدَّق به في سبيلِ اللَّه.
وروى ابن سعدٍ عن الواقدي بإسناده قال (٣): لمّا حَضرتها الوفاةُ قالت: إني
стр. 2326
أعدَدْتُ كَفني، وإن عمر سيَبعثُ إليَّ بكَفَنٍ، فإن بعث فتصدَّقوا بأحدِهما (١).
وقال هشام: ولما ماتت بعث إليها عمرُ بخمسةِ أثوابٍ، وقال: كفنها وغسَّلها أزواجُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وحُمِلت على السرير الذي حُمِل عليه رسول اللَّه وأبو بكر.
وقال ابن سعد بإسناده عن الواقدي: لمّا أرسل إليها عمرُ بالمال وفرَّقَتْه قال: هذه امرأةٌ يُرادُ بها الخيرُ، ثم جاء فوقف على بابِها، وأرسل إليها بالسلامِ وقال: قد بَلَغني ما فَرَّقتِ، وأرسلَ إليها بألفِ دِرهم، وقال: أنفقيها، فسلكت بها سبيلَ ذلك المال.
قال الواقدي: ولما احتُضِرت بعث إليها عمر بخمسةِ أثوابٍ من الخزائن، يَتخيَّرها ثوبًا ثوبًا، فكُفِّنت فيها، وتصدَّقت عنها أُختُها حَمْنةُ بكَفَنها الذي أعدّته تتكفَّنُ فيه (٢)، وقالت عائشة ﵂: لقد ذهبتْ زينبُ حَميدةً فَقيدة مَفزَع اليتامى والأرامل.
قال الواقدي: وماتت في يومٍ صائفٍ، فمشى عمرُ في جَنازتها، وصلّى عليها وكبَّر أربعًا، وضرب على قبرها فُسْطاطًا لأجل الحَرِّ، فقالوا لعمر: مَن ينزِلُ في قبرِها؟ فقال: مَن كان يدخلُ عليها في حياتها، وهو أَوَّل فُسطاطٍ ضُرِبَ على قبرِ امرأةٍ بالمدينةِ. ودُفنِت بالبَقيعِ، ونزل في قبرِها محمد بن طلحة بن عبيد اللَّه التيمي، وهو ابنُ أُختِها، وهو السجَّادُ، قُتِل مع أبيهِ يوم الجمل، وأُسامةُ بن زيدٍ وكان مَحْرمًا لها؛ لأنها كانت زوجةَ أبيه، وأبو أحمد بن جَحْشٍ، وكان ضريرًا وهو أخوها، فرآه عمر وهو يروم [حَمْل] سريرها وهو يَبكي، فقال له عمر: تنحَّ يا أبا أحمد عن السرير، لا يَبْغتك الناس، فقال: يا عمر، هذه التي نِلْنا بها الشرفَ في الدنيا والآخِرةِ، وإنَّ هذا يُبْرِدُ حرَّ ما أجدُ، فقال له عمر: الزمْ الزمْ.
قال الواقدي: وماتت في سنة عشرين، ووقف عمر بن الخطاب على قبرِها، والأكابرُ من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ على أرجُلهم، وأمر عمرُ محمَد بنَ عبد اللَّه بن حجشٍ ومَن سمَّيْنا فنزلوا في قبرها.
وحكى ابن سعدٍ عن الواقدي، عن أشياخه قالوا: تزوَّج رسولُ اللَّه ﷺ زينب بنت
стр. 2327
جحش لهلالِ ذي القعدة، سنةَ خمسٍ من الهجرةِ، وهي يومئذٍ بنتُ خمسٍ وثلاثين سنة، وتُوفّيت سنةَ عشرين، وهي بنتُ ثلاثٍ وخمسين سنةً (١).
وقيل: ماتت سنة إحدى وعشرين وهي بنتُ إحدى وخمسين سنةً.
وليس في الصحابياتِ مَن اسمُها زينب بنت جَحْشٍ سواها، فأما غيرُ بنت جحشٍ فقد ذكرناهُنَّ في ترجمةِ زينب بنت رسولِ اللَّه ﷺ .
وروت زينبُ عن رسول اللَّه ﷺ أحد عشر حديثًا، أخرج لها في "الصحيحين" حديثين متفق عليهما، وأخرج لها أحمد في المسند ستَّة أحاديث.
والحديثان المتَّفقُ عليهما أخرجهما أحمد في "المسند" فقال بإسناده عن نافع، عن زينب بنت جحش قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ على المنبر: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ باللَّه واليوم الآخرِ أن تَحُدَّ على ميِّتٍ فوق ثلاثِ ليالٍ، إلّا على زَوْجٍ أربعةَ أشهرٍ وعشرًا" (٢).
والحديث الثاني قوله ﵇: "ويلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقتربَ" (٣).
وأختها حَمْنَة بنت جَحْش، صاحبةُ الإفك، كانت تحت مُصعب بن عُمير، قُتل عنها يوم أحد، فتزوّجها طلحة بن عُبيد اللَّه، فولدت له محمدًا وعمران، وكُنيتها أمُّ حَبيبة (٤)، حضرت أُحدًا تَسقي الماء وتُداوي الجَرحْى رحمها اللَّه.
سعيد بن عامر
ابن حِذْيَم بن سَلامان بن ربيعة الجُمَحي، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، أسلم قبل غزاة خيبر، وشهد ما بعدها من المشاهد مع رسول اللَّه ﷺ ، وأمُّه أَروى بنت أبي مُعَيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شَمْس بن عبد مَناف، هاجر إلى المدينة، وولّاه عمر
стр. 2328
رضوان اللَّه عليه حمصَ وما يليها من الشام.
أرسل عمر رضوان اللَّه عليه إلى سعيد بن عامر فقال: إنّا مُستعملوك على هؤلاء، تَسيرُ بهم إلى أرض العدوّ، فتَجاهدونهم، فقال: يا عمر، لا تَفتِنّي، فقال عمر رضوان اللَّه عليه: لا واللَّه لا أَدَعُكُم، جعلتموها في عُنقي ثم تخلَّيتُم عني، إنما أبعثُك على قومٍ لستَ بأفضلهم، ولستُ أبعثُك لتضربَ أبشارهم، ولا لتهتك أعراضَهم، ولكن لتُجاهدَ بهم عَدُوَّهم، وتَقسم بينهم فَيْئَهم.
فقال: يا عمر، اتَّقِ اللَّه، أحبَّ لأهل الإسلام ما تُحبُّ لنفسِك، وأقم وَجهَك وقضاءَك لمَن استَرعاك اللَّه من قريب [المسلمين وبعيدهم]، ولا تَقضِ في أمرٍ واحدٍ قضاءين، فيَختلِفَ عليك أمرُك، وتُنْزَعَ عن الحقّ، والزم الأمرَ ذا الحُجَّة يُعِنْك اللَّه على ما ولّاك، وخُضِ الغَمرات إلى الحقّ حيث عَلمتَه، ولا تَخشَ في اللَّه لَوْمَةَ لائم.
فقال عمر رضوان اللَّه عليه: وَيحك يا سعيد، ومَن يُطيق هذا؟ فقال: مَن وَضع اللَّه في عُنقه مثلَ الذي وَضع في عُنقك، إنما عليك أن تَأمُرَ فيُطاع أمرُك، أو يُترك فتكون لك الحُجَّة، فقال عمر رضوان اللَّه عليه: إنا سنجعل لك رزقًا، قال: لقد أُعطيتُ ما يكفيني دونه -يعني عطاءه- وما أنا بمُزْدادٍ من مال المسلمين شيئًا.
وكان إذا خرج عَطاؤه نظر إلى قُوتِ أهلِه من طعامهم [وكسوتهم وما يصلحهم فيعزله، وينظر إلى بَقيّته فيتصدّق به، فيقول أهله: أين بقيّة المال؟] فيقول: أقرضتُه، فأتاه نَفرٌ من قومه فقالوا: إن لِأَهْلِكَ عليك حقًا، وإن لأصهارِك عليك حقًا، فيقول: ما أستأثر عليهم، إن يدي لمع أيديهم، وما أنا بطالبٍ رِضى أحدٍ من الناس بطلبي الحورَ العين، لو اطّلعت واحدةٌ منهنّ لأشرقت لها الأرض، [وما أنا بمتخلّفٍ عن العُنُق الأول] بعد إذ سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يجيء فقراء المهاجرين يَزفّون كما يَزفُّ الحمام، فيقال لهم: قِفُوا للحساب، فيقولون: واللَّه ما تَركنا شيئًا نُحاسَب عليه، فيقول اللَّه: صدق عبادي، فيدخلون الجنةَ قبل الناس بسبعين عامًا".
وقال خالد بن معدان: ولّى عمر رضوان اللَّه عليه سعيد بنَ عامر حمص، فبلغه فقرُه وفاقتُه، فبعث إليه بألف دينار، فتصدق بها، فقالت له زوجتُه: هلّا تصدَّقتَ علينا منها بشيءٍ، فنحن أَفقرُ الناس، فقال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لو اطّلعت امرأةٌ
стр. 2329
من نساء الجنة إلى الأرض لملأتها ريحَ المسك"، وإني واللَّه ما أختارها عليك، فرضيتْ.
ولما أتى عمر رضوان اللَّه عليه الشام طاف كُوَرَها، وبعث إلى حمص قال: اكتبوا لي فُقراءكم فكتبوا إليه أَساميهم، فكتبوا له اسمَ سعيد بنِ عامر، فلما رأى اسمَه قال: مَن سعيد بنُ عامر؟ قالوا: أميرُنا، قال: وأين عَطاؤه؟ قالوا: لا يُمسك منه شيئًا، فبكى عمر رضوان اللَّه عليه، وبعث إليه بألف دينار، فجعلها كالصُّرَر في مِخلاة، واعترض جيشًا من المسلمين، ففرَّقها فيهم.
وكان يَمضي عليه الشهر لا يَصعد من بيته دُخان.
وشكا أهلُ حمصَ سعيد بنَ عامر ﵁، قالوا: نَشْكُو منه أربعًا، لا يَخرج إلينا حتى يَتعالى النهار، ولا يُجيب أحدًا بليل، وله يومٌ في الشهر لا يَخرج إلينا، ويُغْنَظُ الغَنظَةَ بين الأيّام (١)، فسأله عمر رضوان اللَّه عليه عن ذلك فقال: واللَّه إني لأكره ذِكرَ ذلك.
أمّا كوني لا أَخرجُ حتى يَتعالى النهار، فإنه ليس لي خادم، فأعجن عجيني، ثم أجلس حتى يَختمر، ثم أخبز خُبزي، ثم أتوضأ وأخرج إليهم، وأما كوني لا أُجيبهم بليل، فإني جعلتُ لهم النهار، وجعلت الليل للَّه، وأما كوني لا أخرج إليهم يومًا في الشهر، فإنه ليس لي خادم يغسل ثيابي، ولا لي ثوب غير الذي عليّ، فأغسِله وأجلس حتى يَجفّ، وألبسَه، ثم أخرج إليهم، وأما الغنظة فإني شهدتُ مَصرَعَ خُبَيب الأنصاري بمكة، وقد بَضَعت قُريش لحمه، ثم حملوه على جِذع وقالوا: تُحبُّ أنّ محمدًا مكانك؟ فقال: واللَّه ما أحب أني في أهلي ومالي وأن محمدًا شِيك بشوكة، ثم نادى: وامحمداه، فما ذكرتُ ذلك اليوم وتركي نُصرته في تلك الحال إلا ظننتُ أن اللَّه لا يَغفر لي الذّنبَ أبدًا، فتُصيبني تلك الغنظة، فقال عمر رضوان اللَّه عليه: الحمد للَّه الذي لم يُفَيّل فراستي فيك.
وبعث إليه بالف دينار وقال: استَعِنْ بها على أمرِك، ففرَّقها في الأرامل
стр. 2330
والمساكين، فقالت له زوجته: ألا تَشترى لنا خادمًا؟ قال: [بِمَ؟] قالت: فما فعل ذلك المال؟ فقال: سيأتيك أحوجَ ما تكونين إليه، وله صحبة ورواية ولم يُقب ﵁ (١).
عُوَيْم بن ساعِدة بن عائِش
أبو عبد الرحمن الأنصاري، من الطبقة الأولى من الأوس، وأمُّه عميرة بنت سالم ابن عَوف، وكان من النَّفَر الثمانية الذين لَقوا رسول اللَّه ﷺ بمكة قبل العَقَبة الثانية، وأسلموا ثم شهدوا العقبة الثانية، فشهدوا العَقَبتَيْن.
وآخى رسول اللَّه ﷺ بين عُوَيم وحاطب بنِ أبي بَلْتَعة، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨].
وهو أوّلُ من استنجى بالماء، وهو أحدُ الرَّجُلَين الذين لقِيا أبا بكر وعمر رضوان اللَّه عليهما يوم السَّقيفة، أسند الحديث عن رسول اللَّه ﷺ (٢).
عِياض بن غَنْم
ابن زهير بن [أبي] شدّاد بن ربيعة الفِهري، من الطبقة الثالثة من المهاجرين، أسلم قبل الحُدَيبية، وشهدها مع رسول ﷺ ، وكنيته أبو سعد، وكانت عنده أمّ الحكم بنت أبي سفيان، فلما نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] طلّقها، فتزوّجها عبد اللَّه بن عثمان الثقفي، فولدت له عبد الرحمن بن أمِّ الحكم.
شهد عياض فُتوح العراق مع سعد بن أبي وقاص ﵁، وهو من رهط أبي عبيدة ﵁، وله الفتوح الكثيرة بالشام والجزيرة، وهو أولُ مَن جاوزَ دَرْبَ الروم غازيًا، وكان على حمص.
وكان جَوادًا سمحًا، يُعطي ما يَملك لا يعدوه إلى غيره، ولما حَضرتْ أبا عبيدة الوفاةُ ولّاه عملَه الذين كان يليه، فلما نُعي أبو عبيدة إلى عمر ﵄ استَرجع، وأكثر الترحُّمَ عليه، وقال: من الذي استخلف على عمله؟ قالوا: عِياض، فأَقَرّه.
стр. 2331
وجاءه غُلامه فقال: ليس عندنا ما نَتغدّى به، فقال: خُذْ هذا الثوب، فبِعْه واشترِ به دقيقًا، قال: أفلا تَقترضُ خمسةَ دراهم من هذا المال الذي في ناحيةِ بيتك إلى غدٍ، ولا تبيع ثوبَك، فقال: واللَّه إني لأُدخل يدي في جُحْر أفعى فتنال مني؛ أحبُّ إليّ من أن أُطْمِعَ نفسي في هذا الذي تقول.
وقيل لعمر رضوان اللَّه عليه: إنه يُبذّر المال، وإنما عزلتَ خالد بن الوليد لتَبذيره، ولأنه كان يُعطي الناس دونك! فقال: إن سَماحَ عِياضٍ في ذات يده حتى لا يُبقي من ماله شيئًا، فإذا بلغ إلى مال اللَّه لم يُعط منه شيئًا، مع أني لم أكن لأَعزلَ أميرًا أمّره أبو عبيدة.
ولما وَلي حمص قَدم عليه نفرٌ من أهل بيته يَطلبون صِلتَه، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا خمسة، فدفع لكلِّ واحدٍ منهم عشرة دنانير، فسخطوا ونالوا منه، فقال: إني ما أُنكرُ قَرابتَكم، ولا بُعدَ شُقَّتكم وحقَّكم، ولكن واللَّه ما خَلَصتُ إلى ما وُصلتم به إلا ببيعِ خادمي، وبيع ما لا غِنى لي عنه، فاعذروني، فقالوا: [إنك والي نصف الشام، وتعطي الرجل منا ما جهده أن يبلغه إلى أهله! قال: فتأمروني أسرق مال اللَّه؟!] واللَّه لأن أُشَقَّ بالمناشير أحبُّ إليَّ من أن أَخُونَ فَلسًا وأتعدّى، فقالوا: قد عَذَرْناك في ذات يدك، فوَلِّنا أعمالًا من أعمالك، نُؤدّي إليك ما يُؤدّي الناس، ونُصيبُ من المنفعة ما يصيبون، قال: أخافُ عَتَبَ عمر، وأن يقول: ولَّيتَ نفرًا من قومك، قالوا: فقد وَلّاك أبو عبيدة، وأنت في القرابة بحيث أنت، وأنفذ لك عُمرُ ذلك، فلو وَلّيتَنا أنفذه، فقال: إني لستُ عنده كأبي عُبيدة، فانصرفوا وهم لائمون له، غير عَاذرين.
ومات عياض ولا مال له، ولا دَين عليه، وكان شريفًا في قومه، وذكره ابن قيس الرُّقَيّات في أشراف قريش فقال: [من الخفيف]
وعِياضٌ وما عياضُ بنُ غَنْمٍ … كان من خيرِ مَن أَجَنَّ النّساءُ (١)
وكان أحد الأمراء والولاة باليرموك، وله صحبة ورواية ﵁، وتوفّي وهو ابن ستين سنة (٢).
стр. 2332
أبو الهيثم بن التَّيِّهان
واسمه مالك بن عمرو بن زعوراء (١) الأنصاري، من الطبقة الأولى من الأنصار، حَليفُ بني عبد الأشهل، وهو أحد النُّقَباء الاثني عشر، وأمُّه ليلى بنت عَتيك، خَزرجيّة، وهو أول من أسلم من الأنصار بمكة، وهو من الثمانية الذين لَقوا رسول اللَّه ﷺ قبل قومهم وأسلموا، وقَدِموا المدينة وأظهروا الإسلام.
شهد العَقَبتَيْن وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، وآخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين عُثمان بنِ مَظْعون ﵁، وبعثه إلى خيبر يخرص التمر، بعدما استُشهد عبد اللَّه ابن رواحة ﵁ بمُؤْتَة، فلما توفي رسول اللَّه ﷺ بعثه أبو بكر رضوان اللَّه عليه فأبى، فقال: قد خَرَصتَ التمر للنبي ﷺ ! فقال: كنتُ إذا خَرصْتُ لرسول اللَّه ﷺ ورجعتُ دعا لي بالبركة، فتركه، وله صُحبة ورواية ﵁ (٢).
أم ورقة بنت عبد اللَّه بن الحارث
أنصارية، أسلمت، وبايعت، وجمعت القرآن، فأذن لها رسول اللَّه ﷺ أن تَؤمَّ نساءَ أهلِ بيتها، وكان لها مُؤذِّن، وكان رسول اللَّه ﷺ يَزورُها، ويسمِّيها الشّهيدة، فلما أراد رسول اللَّه ﷺ الخروجَ إلى بدر استأذنَتْه في الخروج معه، وقالت: يا رسول اللَّه أخرجُ معك فأداوي الجَرحى، وأقوم على المَرْضى، لعل اللَّه أن يَرزُقَني الشهادة، فقال: "إن اللَّه مُهديها إليك".
وكانت أعتقتْ جاريةً لها وغلامًا عن دَبرٍ منها (٣)، فطال عليهما الأَمَد، فغمّاها في قَطِيفةٍ حتى ماتت وهربا.
فأتي عمر رضوان اللَّه عليه، فأُخبر الخبر، فقام في الناس فقال: إن رسول اللَّه ﷺ كان يزور أمَّ ورقة ويقول: "انطلقوا نزور الشهيدة"، وصدق رسول اللَّه ﷺ ، وإن جاريتها وغلامَها غمَّاها تم هربا، فلا يُؤويهما أحدٌ، ومَن وجدهما فليأت بهما،
стр. 2333
فصَل بهما، وكانا أوَّلَ مَصلُوبَيْن في الإسلام بالمدينة (١).
فصل: وفيها مات هِرَقْل بالقُسطَنْطينية، وهو الذي كاتبه رسول اللَّه ﷺ فى سنة ستٍّ من الهجرة بعد الحُدَيبية، وهو الذي هرب من الشام إلى القُسطنطينية، وفُتح الشام في أيامه، وقام بعده ولده قسطنطين.
стр. 2334
السنة الحادية والعشرون
وفيها بثَّ عمر جيوشَه في العراق في طلب يَزدَجِرد، وكتب إلى عُمَّاله بالعراق: اطلبوه، وعقد لنُعَيم بن مُقَرّن على هَمَذَان، وبعث عُتْبة بن فَرْقَد وبُكَيْر بن عبد اللَّه إلى أَذْرَبيجان، وأمدَّهما بأبي موسى، فالتقى نُعَيم بن مُقَرِّن بطائفةٍ من الأعاجم، فاقتتلوا وانْهَزَمت الفرس، وفتح أصبهان وغيرها، وجدّ في طلب يَزدَجِرد (١).
وقيل: إن غزاة نهاوند كانت في هذه السنة، وقد ذكرناه (٢).
وفيها ولّى عمرُ الكوفةَ عمار بنَ ياسر، وابنَ مسعود بيتَ مالها، وعثمان بنَ حُنَيف مَساحةَ الأرض، وسلمانَ المدائنَ.
قال حارثة بن مُضَرّب: قُرئ علينا كتابُ عمر بنِ الخطاب: أما بعد، فإني قد بعثتُ إليكم عمار بنَ ياسر أميرًا، وابنَ مسعود مُعلّمًا ووزيرًا، وعلى بيت مالكم، وإنهما من النُّجَباء من أصحاب محمدٍ من أهل بدرٍ، فاسمعوا لهما وأطيعوا، واقتدوا بهما، وقد آثرتُكم بابنِ أمِّ عَبْدٍ على نفسي، وولَّيتُ حُذَيفة بنَ اليمان ما سَقَت دجلة، ووَلَّيتُ عُثمان بن حُنَيف الفرات، وما سقى أذربيجان، ورِزقُهم كلَّ يومٍ شاةٌ، فاجعلوا شَطْرها وبطنَها لعمار، والشَّطرَ الثاني بين هؤلاء الثلاثة.
ثم قال عمر رضوان اللَّه عليه: ما أرى قريةً يُؤخَذُ منها كلّ يومٍ شاةٌ إلا سريعًا في خرابها.
وأمَر عثمان بن حُنَيْف بمساحة سَقْي الفرات، فمسح الكُور والطَّسَاسيج بالجانب الغربي من دجلة، وكان [أولها] كورة فيروز -وهي طَسُّوج الأنبار- وكان أوَّل السَّواد شُربًا من الفُرات، ثم طسُّوج مَسْكِن، وهو أوَّلُ حُدود السَّواد في الجانب الغربي من دجلة، وشُرْبُه من دُجَيل، ويَتْلُوه طَسُّوج قُطْرَبُّل، وشُربُه أيضًا من دُجَيْل، ثم طسوج بادوريا، وهو طسوج مدينة السَّلام، وكان أجلَّ طَسَاسيج السَّواد جميعًا، وكان كل
стр. 2335
طسوج يَتقلَّدُه فيما تقدّم عاملٌ واحد، سوى طسوج بادوريا، فإنه كان يَتقلَّدُه عاملان؛ بجلالته وكَثرةِ ارتفاعه، ولم يزل خطيرًا عند الفُرس، ومُقَدَّمًا على ما سواه (١).
ولما مسح عثمان بنُ حُنَيْف الأرض جعل على جَريب الكَرْم عشرة دراهم، وعلى جَريب النَّخْل خَمسةَ في راهم، وعلى جَريب القَضْبِ ستَّةَ دراهم، وعلى جَريب البُرِّ أربعةَ دراهم، وعلى جَريب الشعير دِرهمين.
وقال الشعبي: مسح عُثمانُ السَّواد فوجده ستّةً وثلاثين ألفَ ألف جَريب، فوضع على كلِّ جَريب درهمًا (٢).
ذكر السواد (٣)
قال الجوهري: سوادُ الكوفةِ والبصرةِ: قُراهما (٤).
وقال أبو عُبيد: إنَّما سُمِّيَ السوادُ سوادًا؛ لأن العربَ لمّا خَرَجوا من البَرِّيَّةِ نَظروا إلى مثلِ الليلِ من النَّخْلِ والشجرِ، فسمّوه سوادًا، وهم يُسَمُّون الخُضرَةَ سوادًا، ومنه قوله تعالى: ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤)﴾ [الرحمن: ٦٤] أي: خضراوان من الريّ يميلان إلى السوادِ.
واختلفوا في حدِّ السوادِ الذي وقع عليه الخراجُ، فقال أبو عُبيد: هو من تُخومِ المَوْصِل مادًّا مع الماء إلى ساحلِ البحرِ من عَبَّادان وشرقي دِجْلَةَ، هذا طولُه، وأمَّا عَرْضُه فحدُّه مُنْقَطَعُ الجبلِ من أرضِ حُلْوان إلى منتهى طرفِ القادسية المتَّصلِ بالعُذَيْبِ من أرضِ العرب (٥).
والأصحُّ ما ذكره أصحابُنا قالوا: هو ما بين العُذَيب إلى عَقبة حُلْوان عَرْضًا، ومن العَلْث إلى عَبَّادان (٦).
стр. 2336
وقيل: من بَلَدٍ، قريةٌ بالمَوْصلِ، وقيل: طولُه مئةٌ وخمسون فَرْسَخًا، وعَرْضُه ثمانون فوسخًا، وقد ذكرنا فيما تقدَّم لمَ سُمّي العراق؟
وقال أبو مِجلَز (١): بعث عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه عثمان بنَ حُنَيف، وأمره أن يَمسح السَّوادَ: عامرَه وغامِرَه، ولا يَمسح سَبخَه، ولا تِلالَه، ولا أُجُمه، ولا مُستَنقعَ ماء، ولا ما لا يَبلغه الماء، فمسح كلَّ شيء دون جَبل حُلوان إلى أرض العَرب، وهو أسفل الفرات، وكتب إلى عمر رضوان اللَّه عليه: إني وجدتُ كلَّ شيءٍ يَبلُغُه الماء من عامرٍ وغامر، ستَّةً وثلاثين ألفَ ألف جَريب، وكان الذّراع الذي مَسح به السَّواد ذراعًا وقَبضة والإبهام مُضجعة.
فكتب إليه عمر رضوان اللَّه عليه أن افرِض على كلّ جَريبٍ عامر وغامر عمله صاحبُه أو لم يَعمله درهمًا وقفيزًا.
وفرض على الكرم على كلِّ جَريب عشرة دراهم، وعلى الرِّطاب خمسةَ دراهم، وأطعمهم النَّخْل والشجر، وقال: هذا قُوَّةٌ لهم على عمارة بلادهم.
وفرض على رقاب أهل الذمّة: على الموسِر ثمانيةً وأربعين درهمًا، وعلى مَنْ دون ذلك أربعة وعشرين درهمًا، وعلى مَنْ لا يجد اثني عشَر درهمًا، فحُمل خراجُ العراق سوى الكوفة إلى عمر رضوان اللَّه عليه أوّل سنة ثمانون ألف ألف درهم، وحُمل من قابل عشرون ومئةُ ألف ألف درهم، فلم يزل على ذلك.
وجباه عمر بن عبد العزيز ﵁ مئة ألف ألف درهم، وأربعة وعشرون ألف ألف درهم، وكان الحَجاج قد جَباه مئة ألف ألف درهم وثمانية عشر ألف ألف درهم، وكان قد منع من ذَبْح البقر؛ ليَكثر الحرث والزرع والرَّيْع، فقال الشاعر: [من المتقارب]
شَكونا إليه خرابَ السَّوادِ … فحَرَّم فينا لحومَ البَقَرْ (٢)
وقال عمر رضوان اللَّه عليه لعثمان بن حُنَيْف وحُذيفة بن اليَمان: أخاف أن تكونا حَمَّلْتُما الأرضَ فوق طاقتها، فقال عثمان: لو شئتَ لأضعفتُ أرضي، وقال حُذيفة
стр. 2337
مثلَ ذلك، فقال عمر رضوان اللَّه عليه: واللَّه، لئن عشتُ لأدعنَّ أراملَ أهلِ العراق لا يَحتجْنَ إلى أحدٍ بعدي أبدًا.
ووضع عمر رضوان اللَّه عليه عن أهل السَّواد الرّقَّ بالخراج الذي وَضعه عليهم، وجعله أكرة في الأرض.
ولما فتح المسلمون السواد قالوا لعمر رضوان اللَّه عليه: اقسِمْه بيننا فأبى، فقالوا: إنا فتحناه عَنوة، قال: فما لمَن جاء بعدكم من المسلمين، أخافُ أن يُفتتنوا ويَقتتلوا، ويتقاعدوا عن الجهاد، فأقرّ أهلَ السَّواد في أرضهم، وضرب عليهم الضَّرائبَ في الخراج.
وكان سواد العراق يُجبَى في زمن الفُرس مئة ألف ألف وخمسين ألف ألف درهم، وقيل: إن الفرس كانت تَجبي خراجَ فارس أربعين ألف ألف مِثقال، وتَجبي كَرْمان ستين ألف ألف مثقال، لأنها كثيرةُ العيون متسعة، وفارس بلادٌ ضيّقة قليلة العيون، وكانت تَجبي خُوْزِسْتان خمسين ألف ألف درهم، ومن الجَبل إلى حُلوان ثلاثين ألف ألف درهم.
وأما خراج مصر فقد كان يُجبى في أيام فرعون ستة وستين (١) ألف ألف دينار، وجباها عبد اللَّه بن الحَبْحَاب في أيام بني أمية ألفي ألف وسبع مئة ألف وثلاثة وعشرين ألف وسبعة دنانير.
وأما الشام والعواصم وقِنَّسْرين فقد كان خراجها أربع مئة ألف دينار، وكذا الجزيرة، وأما الموصل وما والاها فقالوا: أربعة آلاف ألف دينار، وثلاثة وعشرون ألف دينار.
وفيها ضَرَبَ عمر الدنانير والدراهمَ على نُقوشِ الأكاسرة، وجعل عليها: لا إله إلّا اللَّه، وعلى بعضِها محمد رسول اللَّه، وعلى بعضِ الدراهم عمر، وقيل: إنَّما ضَرَبَ الدراهم لا غَيْر.
وفيها غزا عمرو بنُ العاصِ بَرْقَةَ، وانتهى إلى طرابلس، وصالح أهلَها على مالٍ.
стр. 2338
وفيها وُلد الحسنُ البصريُّ وعامِرٌ الشَّعبيُّ.
وفيها عزل عمر مُعاويةَ عن دِمشق، وولّاه فِلسطين، وولّى دِمشقَ سعيد بن عامر بن حِذْيَم، وحجَّ بالناسِ عمر، واستخلف على المدينةِ زيد بن ثابت.
فصل وفيها تُوفي
حُمَمة بن أبي حُمَمة
وكُنيتُه أبو سلمة، وقال ابن عبد البَرِّ. ابن خالد الدَّوسي (١).
ذكره ابن سعد في آخرِ الطبقةِ الخامسةِ من الصحابةِ: حُممة، وكان عبدًا صالحًا عابِدًا خائفًا.
حدَّثنا غير واحدٍ عن أبي البركات الحافظ الأنماطي بإسناده عن عبد الأعلى بنِ عبد اللَّه قال: كان في أصحابِ رسول اللَّه ﷺ رجلٌ يُقال له: حُمَمَة، أصابته شَرارةٌ، فكان لا يضحك، فقيل له في ذلك فقال: واللَّهِ لا ضحكتُ حتى أعلم أفي الجنَّةِ أنا أم في النار؟
مات حُمَمَةُ بأصبهان في هذه السنة، قال ابن سعدٍ بإسناده قال: كان رجلٌ من أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ يُقال له: حُمَمَة خرج إلى أصبهان غازيًا وفُتحت في خلافة عمر فقال: اللهمَّ إنَّ حُمَمةَ يزعمُ أنَّه يُحبُّ لقاءَك، فإن كان صادقًا فاعزم له بصِدْقهِ، وإن كان كاذِبًا فاعزم له عليه وإن كره، اللهمَّ لا تَردَّ حُمَمَة من سَفرِه هذا، فمات بأصبهان، فقام أبو موسى فقال: ما بلغ علمُنا إلا أنَّ حُممةَ شهيد.
وحُمَمَةُ هذا الذي هبط واديًا وأقام فيه أربعين يومًا يُصلِّي، وسيأتي هذا في أخبارِ عامر بن عبد قيس، وحُمَمةُ هذا الذي بات عنده هَرِمُ بنُ حَيّان يبكي إلى الصباحِ، وسنذكرهُ في ترجمة هرم بن حيّان.
وليس في الصحابةِ من اسمُه حُمَمَةُ غيره، وله صحبةٌ وليس له رواية، وسنذكره في سنةِ ثمانٍ وستين (٢).
стр. 2339
فصل وفيها تُوفي (١)
خالد بن الوليد
ابن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مَخزوم، من الطبقة الثالثةِ من المُهاجرين، وأُمُّه عصماء وهي لُبابةُ الصُّغرى بنتُ الحارث الهلاليّة، أُختُ لُبابةَ الكبرى أُمِّ الفَضْلِ زوجة العباس، وهي أيضًا أخت ميمونة زوج النبي ﷺ .
وقد ذكرنا إسلامَه، وأنَّه قَدِمَ على رسولِ اللَّه مُهاجِرًا ومعه عمرو بن العاص وعثمان ابن طلحة، وقد ذكرناه في السنة الثامنة.
وقال الواقدي: كان خالد يشبه عمرَ بنَ الخطاب في خلقه وصِفَتهِ وهمّته، وكلَّم عَلقمةُ بنُ عُلاثة عمر بنَ الخطاب ليلةً في السَّحَرِ، فظنَّ أنه خالد لشَبَههِ.
وشهد خالدٌ مع رسولِ اللَّه عامَ الفَتْحِ وحُنَيْنًا والطائف وتبوكًا، وخرج معه في حَجَّةِ الوداع.
ولمّا حلق رسولُ اللَّه ﷺ رأْسَه ناوله شِقَّه الأيمنَ -وقيل: ناصيتَه- فجعلها في مُقَدّمة قَلَنْسُوَته، فما كان يلقى أحدًا إلا هزمه.
قال الواقدي: ووقعت قلنسوته يومَ الحيرةِ، فغضب غضبًا شديدًا وقال: واللَّه ما بي إلا شَعَرُ رسولِ اللَّه ﷺ (٢).
وثبت خالد يوم مُؤْتَة، وحمل اللواءَ، وتثلَّمت في يده تسعةُ أسيافٍ في ذلك اليوم أو ثمانية، وسمَّاه رسولُ اللَّه ﷺ سيف اللَّه، وقد ذكرناه في غَزاةِ مُؤتة.
وذكر ابن أبي الدنيا عن رجلٍ قال: كُنْتُ في عسكرِ خالد، فذهبتُ فجئتُ بزِقِّ من أجودِ الخمرِ، فلقيني خالد فقال: ما هذا؟ قلتُ: خَلٌّ، فقال: جعله اللَّهُ خَلًا -أو قال: خلٌّ إن شاء اللَّه- قال: فجئتُ ففتحتُه عند أصحابي، فإذا به خَلٌّ (٣).
стр. 2340
وذكر ابن سعد بمعناه بإسناده عن محاربِ بن دِثار قال: قيل لخالد بن الوليد: إنَّ في عسكرك مَن يشربُ الخمَر، فركب دابَّته وجال في العسكرِ، فلقي رجلًا على مَنْسِج فَرَسِه زقُّ خمرٍ، فقال: ما هذا؟ قال: خَلٌّ، فقال خالد: اللهمَّ اجْعَلْهُ كذلك، قال: فجاء الرجلُ إلى أصحابه فقال: قد أتيُتكم بخمرٍ ما شرِبتِ العربُ مثله، فلما فتحوه وإذا به خَلٌّ، فقالوا: ما جئتَنا إلّا بخَلٍّ، فقال: هذه دعوةُ خالد (١).
وخالد ﵁ سيفٌ من سيوف اللَّه، ذو الفضائل الكثيرة، والمناقب الجميلة، ميمون النَّقيبة، فلّ اللَّه به أهلَ الرّدّة، وفتح الفتوح، ونَصر به الدّين، وكان من أشراف قريش في الجاهلية، كانت إليه القُبَّة والأَعِنَّة، أما القُبَّة فقبة كانوا يَنْصبونها إذا أرادوا الحرب، يُديرون فيها أمرَ حربهم، وأما الأَعِنَّة فأعنة الخيل يكون على خيلهم.
ولم يزل منذ أسلم يُوَلّيه رسول اللَّه ﷺ أَعِنَّة الخَيل، فيكون في مُقَدّمتها في نحر العدوّ، وولّاه أبو بكر رضوان اللَّه عليه قتال أهل الردّة، وحربَ أهل العراق، فيقال: إنه لَقي ثلاثين زَحْفًا، وفتح الحِيرةَ والأنبار وعيْن التَّمْرِ وأماكن كثيرة، ثم بعثه أبو بكر رضوان اللَّه عليه إلى الشام، وأمَّره على جميع مَن به من المسلمين، وكان مُجابَ الدَّعوة (٢).
وقال الزبير بن بكار: كان خالد في مقدمة رسول اللَّه ﷺ بعدما هُزِمَت هوازن، فجُرحَ في رِجْله، فنفث على جُرحه فبرئ.
ذِكْرُ وفاته: قال ابن سعدٍ بإسناده أن خالد بن الوليد لما احتُضِرَ بكى وقال: لقد لقيتُ كذا وكذا زَحْفًا، وما في جَسَدي شِبْرٌ إلّا وفيه ضَرْبةٌ بسيفٍ، أو رَمْيةٌ بسهمٍ، أو طعنةٌ برمحٍ، وها أنا أموتُ على فِراشي حَتْفَ أنفي كما يَموت العَيْرُ، فلا نامت أعينُ الجُبناء.
فحكى من غسَّله أنَّه ما كان في جسمهِ موضعٌ صحيح ما بين ضربةٍ بسيفٍ، أو طعنة برُمحٍ، أو رمية بسهم.
стр. 2341
وقال ابنُ سعدٍ عن الواقدي: مات خالدٌ في بعضِ قُرى حمص، على ميلٍ من حمص، سنة إحدى وعشرين (١)، وهذا قول عامة المؤرخين.
واعتزل خالد ﵁ بثَغْر حمص، فأقام فيه مُرابِطًا وحَبس خيلًا وسلاحًا في سبيل اللَّه، ولم يزل مُرابِطًا بحمص حتى نزل به الموت، فدخل عليه أبو الدرداء عائدًا له، فقال له: إني قد حبستُ خيلي وسلاحي في سبيل اللَّه، وتُعْلَفُ من مالي، وداري بالمدينة صدقة حبسٌ لا تُباع ولا تُورث، وقد كنتُ أشهدتُ عليها عمر ليالي قَدم الجابية، وهو كان أَمَرني أن أتصدَّق بها، ولنِعْمَ العَونُ هو [على] الإسلام.
واللَّه يا أبا الدرداء، لئن مات عمر لترَينَّ أمورًا تُنكرها، وقد كنتُ وَجَدتُ عليه في نفسي أمورًا، لما تَدَبَّرتُها في مرضي هذا، وحَضرني ما ترى، عرفتُ أن عمر كان يُريد اللَّه بكلّ ما فعل، وإني وَجدتُ عليه حين قاسَمَني مالي، فرأيتُه قد فعل ذلك بأهل السَّوابق ومَن شهد بدرًا، وكان يُغلظ عليّ، وغِلظتُه على عُمَّاله أعظمُ، وكنتُ أُدِلُّ عليه بقرابتي، فرأيتُه لا يُبالي قريبًا في اللَّه، ولا لومةَ لائم، فذاك الذي أذهب ما كنتُ أَجِد، وقد جعلتُ وَصيَّتي وإنفاذَ عهدي إليه، فقدم بالوَصيَّة على عمر رضوان اللَّه عليه فترحَّم عليه، وقبلها، وتزوج امرأتَه بعد (٢).
وهي التي حَسَده عليها قبل؛ لأنها امرأةُ مالك بن نُوَيْرة اليَربوعي، فلما تزوَّجها عمر تكلم المسلمون فيه، وقالوا: هذه واللَّه العداوةُ والحقدُ والشغبة، فلم يُمتّع بها عمر رضوان اللَّه عليه، ولم يَطِبْ بها نفسًا، لأنها كانت مُمتنعة عليه، ومات عنها سريعًا.
وكان عمر ﵁ قد نَقم على خالد ﵁ أشياء، منها قتلُ بني جَذيمة في غزاة الفتح، وقتل مالك بن نُوَيْرة، وأخذُ امرأتِه، ودخولُه مسجدَ رسول اللَّه ﷺ وفي عِمامته سِهامٌ فيها دَمٌ، وتحريقُ أهلِ الرّدّة بالنار، فإنه حَرَّق منهم جماعة شَتَموا رسولَ اللَّه ﷺ بأقبحِ شَتْم، فقال لأبي بكر رضوان اللَّه عليه: انزع خالدًا، فقد فعل وفعل، انزع رجلًا
стр. 2342
قد عَذَّب بعذاب اللَّه، فقال أبو بكر رضوان اللَّه عليه: لا أَشِيْمُ سيفًا سَلَّه اللَّه (١).
وقال جدي في "المنتظم" بإسناده إلى سيف بن عمر، عن مُبشِّر، عن سالم قال: حجَّ عمر، واشتكى خالد بعده وهو خارج المدينةِ زائِرًا لأُمِّه، فقال لها: احدُروا بي إلى مُهاجَرَتي، فقَدِمَتْ به المدينةَ ومرَّضَتْه، فلما ثَقُلَ وأظَلَّ عمر، لَقِيه لاقٍ على مسيرةِ ثلاثةِ أيَّامٍ وقد صَدَر عمر عن الحج، فقال له عمر: مَهْيَمْ؟ فقال: خالدُ بنُ الوليد لما لهِ، فطوى ثلاثًا في ليلةٍ، فأدرَكَه حين قضى، فرقَّ عليه واسترجع، وجلس ببابه حتى جُهِّزَ، وبكته البَواكي، فقيل لعمر: ألا تَنْهَاهُنَّ؟ فقال: وما على نساء بني المُغيرة أن يَبكينَ أبا سليمان، ما لم يكن نَقْعٌ ولا لَقْلَقةٌ، فلما خرج بجنازته رأى عمرُ امرأةً مخزوميةً تبكيه وتقول (٢): [من الخفيف]
أنتَ خيرٌ من ألفِ ألفٍ من النا … سِ إذا ما كُبَّت وُجوهُ الرجالِ
أشُجاعٌ فأَنْتَ أشْجَع من لَيْـ .... ــثِ عَرِيْنٍ جَهْمٍ أبي الأشبالِ
أجَوادٌ فأنتَ أجْوَدُ من سيـ … ــلِ سحابٍ يسيلُ بين الجِبالِ
فقال عمر: مَن هذه؟ فقيل له: أُمُّ خالد، فقال: وهل قامتِ النساءُ عن مِثلِ خالد، والنَّقْعُ: الشَّقُّ، واللّقْلَقة: الصوت، قال جدِّي: وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّه مات بالمدينة.
وحكى ابن سعدٍ، عن الواقدي، عن ابن عكرمة قال: عَجبًا لقولِ الناس: إنَّ عمر كان يَنهى عن النَّوحِ! لقد بكى على خالدٍ بالمدينةِ، وبكى معه نساءُ بني المغيرة سبعًا (٣).
وقال الموفَّقُ في الأنساب عن محمد بن سلام قال: لم يَبْقَ امرأةٌ من نساءِ بني المُغيرةِ إلّا وضعت لِمَّتَها على قبرِ خالد، أي: حلقتْ رأسَها (٤)، وشَقَقْنَ الجيوبَ،
стр. 2343
ولَطَمْنَ الخُدودَ وتطعمن الطعام ما نهاهُنَّ عمرُ (١).
وعامّةُ العلماء على أنه مات بحمص، كالواقدي وهشام والزبير بن بكّار وغيرهم.
قال الزبير بن بكار: قَدِم خالد المدينةَ معتَمِرًا لمّا عزله عمر، ثم رجع إلى حمص فمات بها في سنةِ إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين، فلما بلغ عمرَ مَوْتُه ترحَّم عليه.
وكذا قال ابنُ سعدٍ عن الواقدي: قَدِم قومٌ من حمص على عمر، فسألهم عن خالدٍ فقالوا: مات خالد يوم خَرَجْنا منها، فجزع لموتهِ وبكى وترحَّم عليه، فقال له عليّ: فلِمَ عزلْتَه؟ فقال: لبَذْلهِ المال لأهل الشّرفِ وذي اللسان، فقال له عليٌّ: فكنتَ عزلتَه عن التَّبذير في المالِ، وتركتَه على الجُنْدِ، فقال: لم يكُنْ ليَرْضى، فقال: كنتَ بَلَوْتَهُ (٢).
وفي رواية هشام (٣): أن عمر لمّا بلغه وفاةُ خالدٍ بكى وترحَّم عليه وقال: كان واللَّهِ سَدادَ الثُّغور، مَيمونَ النَّقيبة، فقال له علي ﵇: فلمَ عزلتَه؟ فقال: ليعلم أن اللَّه ناصرُ المؤمنين، ولقد ثَلَمَ واللَّه موتُه في الإسلامِ ثَلْمَةً لا تُرْتَقُ، وكذا ذكره جدّي في "التَّلقيح" وقال: لمّا عزله عمر لم يزل مُرابطًا بحمص حتى مات (٤).
وفي رواية ابن سعدٍ عن الواقدي أن عمر قال: لقد نَدِمْتُ على عَزله (٥).
فالحاصلُ أن في مكانِ وفاته قولين: أحدهما في حمص، والثاني بالمدينة، حكاه جدي عن سيف (٦).
وذكر الموفَّقُ وابن عساكر القولين، والأوَّل أشهرُ (٧).
وقال ابن عساكر: إن عمر رضوان اللَّه عليه خرج حاجًّا، فنزلوا منزلًا، وإذا براكبٍ
стр. 2344
قد أقبل، فأناخ عند عمر ﵁، فنادى عمر وقام قائمًا: يا طلحة، قال: ما الذي بك؟ فقال: هلك واللَّه أبو سليمان، فقال طلحة ﵁: [من البسيط]
لا أَلفَيَنَّك بعد الموتِ تَندُبُني … وفي حياتيَ ما زَوَّدْتَني زادي
فقال: واللَّه ما نَقَمتُ عليه إلا قَتلته لمالك بن نُويرة، وأخذ زوجته (١).
ذكر أولاد خالد: قال ابن قُتيبة: كان لخالدٍ من الولدِ عدد كثير قَتل الطّاعونُ منهم أربعين رجلًا (٢).
وقال ابن سعدٍ: كان لخالد من الولدِ المهاجِرُ، وعبد الرحمن، لا بَقيَّةَ له، وعبدُ اللَّه الأكبرُ قُتلَ بالعراقِ، وأُمُّهم أسماءُ بنت أنس بن مدرك الخَثْعمي، وسليمان بن خالد وبه كان يُكنى، وأُمّه كَبشَةُ بنت هَوْذَةَ بن أبي عمرو، من قُضاعة، وعبدُ اللَّه الأصغر، وأُمُّه أُمُّ تميم. هذا قول ابن سعد (٣).
وقال هشام: كان له من الولدِ: المهاجِرُ وعبد الرحمن وعبدُ اللَّه الأكبرُ وعبدُ اللَّه الأصغر وسليمان، فأما المهاجِرُ وعبدُ الرحمن فكانا غُلامَيْنِ على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وكانا مُختلفَيْن؛ المهاجِرُ مع عَلِيٍّ، وعبدُ الرحمن مع مُعاوية، وكذا قال ابن عبد البَرِّ (٤).
وقال الموفَّقُ ﵀: ويُقال إنَّ المهاجِرَ قُتِل مع عليٍّ ﵇ بصِفّين، وترك ولدًا اسمه خالد (٥)، والأشهرُ أنَّ المُهاجِرَ عاشَ زمانًا بعدما استُشْهِد علي (٦).
وأما عبدُ الرحمن بن خالد فكان من ساداتِ قُريش وفُضلائهم، وكان قد مال إليه أهلُ الشامِ، فعزَّ على مُعاوية، فسقاه طبيبٌ يهودي سمًّا فمات، وسنذكره في ترجمته في أيّامِ مُعاوية.
стр. 2345
وأما عبدُ اللَّه الأكبر فقال الزبير بن بَكَّار: قُتِل باليرموكِ، وقيل: بالعراقِ.
وأما عبدُ اللَّه الأصغرُ فأُمُّه أُمُّ تميم.
وقال الزبير بن بَكّار: وكان لخالد بن الوليد من الولدِ محمدُ بنُ خالد، بعثه عبد الملك بن مروان مع ابنه مَسْلَمة إلى القسطنطينية لمّا خرج غازيًا.
وقال الزبير بن بكار (١): كان خالد بن المهاجر بن خالد من أشرافِ قريشٍ وفُضلائهم، قَدِم دمشقَ بعد وفاة عمِّه عبد الرحمن بن خالد، وقَتَلَ ابنَ أَثال اليهودي الذي اتَّهمه بأنه سمَّ عمه عبد الرحمنِ، ثم لحق بالحجازِ وخالفَ بني أُمية، وأقام مع عبد اللَّه بن الزُّبير، وتزوَّج حميدة بنت النعمان بن بشير، وهو القائل لما عزم على القتال مع عبد اللَّه بن الزبير: [من الطويل]
تقولُ ابنةُ العمريِّ هل أنت مُشئِمٌ … مع القوم أم أنتَ العَشِيَّةَ مُعرِقُ
فقلتُ لها مروان هَمِّي لقاؤه … بجيشٍ عليه عارضٌ مُتَأَلِّقُ (٢)
أسند خالد بن الوليد ﵁ الحديث عن رسول اللَّه ﷺ (٣).
ذكر أخوة خالدٍ: كان له أربعةُ إخوَةٍ وأُختان. فأمَّا الإخوةُ: فالوليدُ وهشامٌ وعُمارةُ وحَرْملة، وأمَّا الأُختان ففاطمة وفاختة.
وأما من ولد هشام بن الوليد: فهشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد، وَليَ المدينةَ في أيامِ عبد الملك بن مروان، وكان مُسَدَّدًا في ولايته، وتزوَّج عبد الملك بنْتَ هشام ابن إسماعيل، وأصدقَها أربعَ مئة دينار، وأولدها هشام بن عبد الملك، ولما احتُضِرَ عبد الملك أوصى ابنه الوليد بهشامٍ، وقال له: استَوْصِ به خيرًا، فإنَّ له رَحِمًا، فكان أوَّلَ ما بدأ به الوليدُ أنه عزل هِشامًا عن المدينةِ، فلما ولي هشام بن عبد الملك الخِلافةَ استعمل ابنَيْ هشام بن إسماعيل: إبراهيمَ ومحمدًا على المدينة.
وأما عُمارةُ بن الوليد بن المُغيرة فهو الذي حملَتْه قُريش إلى أبي طالب، وقالوا:
стр. 2346
نُعطيك إياه تتعوَّضُ به عن محمد ﷺ ، وقد ذكرناه في السيرةِ (١)، وهو الذي سافر مع عمرو بن العاص إلى الحبشةِ في سفينةٍ، وقال لامرأةِ عمرو: قَبِّليني، وكان من أجملِ فتيانِ قُريشٍ، ووشى به عمرو إلى النجاشي، فأمرَ السواحِرَ أن يَنْفُثْنَ في إحليله، فهام مع الوحشِ، وقد ذكرناه أيضًا.
وكان لعُمارة ولدان: الوليد وأبو عُبيدة، قُتِلا بالبُطاحِ شهيدَيْن لمّا قاتل خالد أهل الردَّةِ.
وقال الزبير بن بكار: قُتِل أبو عبيدة بن عُمارةَ مع خالد بأَجْنادِين (٢).
وأما حَرْملةُ بن الوليد بن المُغيرةِ، فقال أبو القاسم بن عساكر: شهد فتحَ دمشقَ، وأقطعه أبو عُبيدة بن الجراح دَيْرًا في الغوطةِ خارج باب تُوما، يُعرف بديرِ حَرْمَلَة (٣).
وأما فاطمةُ بنت الوليد بن المُغيرةِ فقد ذكرنا أنَّها أسلمت يوم الفتحِ، وبايعت رسول اللَّه ﷺ ، وهي امرأةُ الحارثِ بن هِشام، وتزوَّجها عمرُ بنُ الخطاب.
وأما فاخِتَةُ بنت الوليد بن المُغيرةِ فهي امرأةُ صفوان بن أُمية، أسلمت قبله بشَهْرٍ ثم أسلم بعدها، فأُقِرّا على نِكاحهما، ذكر ذلك الموفَّقُ في الأنساب (٤) وهشام والواقدي وغيرُهُم.
عُتبة بن مسعود
أخي عبد اللَّه بن مسعود ﵁ لأبويه، من الطبقة الثانية من المهاجرين، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، ثم قدم المدينة، فشهد أحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، ومات بالمدينة في خلافة عمر رضوان اللَّه عليه، وصلى عليه.
ولما جاء عبد اللَّه بنَ مسعود نَعيُه دمعت عيناه، وقال: إن هذه رحمة جعلها اللَّه، لا يملكها ابن آدم (٥).
стр. 2347
فصل وفيها تُوفي
عُمير بن سعد
ابن عُبَيْد بن النعمان، وكان يُقال له: نَسيجُ وَحْدِه؛ لزُهْدهِ وورعه وعبادتِه، وأبوه يُقال له: سَعد القارئ، شهد بدرًا واستشهد يوم القادسية، وكُنيةُ سعدٍ أبو زيدٍ، وهو الذي يَزعمُ الكوفيون أنَّه جمع القُرآن على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وقد ذكرناه في شُهداءِ القادسية.
وولدُه عميرٌ هذا صحبَ رسولَ اللَّه ﷺ ، وولّاهُ عمرُ حمص، وله معه قصَّةٌ ذكرها أبو نُعيم وغيرُه.
قال أبو نُعيم الأصفهاني بإسناده عن عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جدِّه، عن عُمير بن سعد قال: بعثه عمر بن الخطاب عامِلًا على حمص، فمكثَ حولًا لا يأتيه خبرُه، فقال عمر لكاتبه: اكتُب إلى عُمَير، فواللَّه ما أراه إلا قد خاننا: إذا جاءك كتابي هذا فأَقْبِلْ، وأَقْبِلْ بما جبيتَ من فَيءِ المسلمين حين تنظرُ في كتابي هذا.
قال: فأخذ عُمَيْرٌ جِرابه، فجعل فيه زادَه وقَصْعَتَه، وعلَّق إدواتَه، وأخذ عَنَزَتَهُ، ثم أقبل يمشي من حمص حتى دخل المدينةَ، وقد شَحُبَ لَونُه، واغبرَّ وجهُه، وطال شَعرُه، فدخل على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمةُ اللَّه، فقال عمر: ما شأنُكَ؟ فقال عمير: ما ترى من شأني؟ ألستَ تَراني صحيحَ البَدَنِ طاهِرَ الدّمِ، معي الدنيا أجرُّها بقَرْنِها؟ قال عمر: وما معك؟ وظنَّ أنَّه قد جاء بمال -فقال: معي جرابي أجعلُ فيه زادي، وقَصْعتي آكُل فيها وأغسِلُ فيها رأسي وثيابي، وإداوَتي أحملُ فيها وَضوئي وشرابي، وعَنَزَتي أتوكّأُ عليها، وأُجاهِدُ بها عدوًّا إن عَرَضَ لي، فواللَّه ما الدُّنيا إلا تبَعٌ لمَتاعي، قال عمر: فجئتَ تمشي؟ قال: نعم، قال: أما كان لك أحدٌ يتبرَّع لك بدابَّةٍ تركبُها؟ قال: ما فعلوا وما سألتُهم ذلك، فقال عمر: بئس المسلمون خرجْتَ من عندهم، فقال عمير: اتَّقِ اللَّه يا عمرُ، فقد نَهاك اللَّه عن الغِيبة، وقد رأيتُهم يُصلُّون صلاةَ الغَداة، ويصلون ويُوحِّدون، وفي روايةٍ: ألم ينهك ربُّك عن التجسُّسِ؟
فقال عمر: بعثتُك، وأيّ شيءٍ صنعتَ؟ قال: وما سُؤالك؟ فقال عمر: سبحان
стр. 2348
اللَّه!؟ فقال: أتيتُ البلدَ، فجمعتُ صُلَحاءَ أهلِه، فوَلَّيْتُهم جِبايتَه، حتى إذا جمعوه وضعتُه في مواضعِه، ولو نالك منه شيءٌ لأتيتُكَ به، فقالى: جَدِّدوا لعُميرٍ عهدًا، فقال: هذا شيءٌ لا عملتُه لك ولا لأحدٍ بعدكَ، واللَّهِ ما سَلِمْتُ ولا أَسْلَمُ، قلتُ يومًا لنَصْراني أو لذِمّيّ: أخزاكَ اللَّه، وقد سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "أنا خَصْمُ ظالمِ اليتيمِ والمعاهد"، وما الذي يُؤمِنني أن يَخصِمَني رسول اللَّه ﷺ ، فخرج عمر حتى أتى قبرَ النبيّ ﷺ وهو يبكي ويقول: السلام عليك يا رسولَ اللَّه وعلى صاحبك، ماذا لقيتُ بعدكما؟
ثم استأذن عمرَ رضوان اللَّه عليه فأذن له، فرجع إلى منزله وبينه وبين المدينة أميال، فبعث إليه عمر رضوان اللَّه عليه رجلًا يقال له الحارث بمئة دينار، وقال: انطلق إلى عُمير حتى تنزل به كأنك ضَيف، فإن رأيتَ أثر شيء فأَقبِلْ، وإن رأيتَ حالًا شديدًا فادفعها إليه.
فانطلق الحارث، وإذا بعُمَير ﵁ جالس إلى جانب الحائط يَفْلي قميصًا، فنزلى وسلّم عليه، فردّ وقال: من أين جئتَ، قال: من المدينة، قال: كيف تركتَ أميرَ المؤمنين؟ قال: ضرب ابنًا له على فاحشة فمات من ضَرْبه، فقال عُمير: اللهمَّ أَعِنْ عمر، فإني لا أعلمه إلا [شديد] الحبّ لك، فأقام عندهم ثلاثة أيام، وليس لهم إلا قرصٌ من شعير كانوا يَخصُّونه به ويَطوون.
فقال له عمير: يا هذا، أنتَ قد أَجَعْتَنا، فإن رأيتَ أن تَرتَحِل عنا فافعل، فأخرج الدَّنانير فدفعها إليه، وقال: بعث بها إليك أمير المؤمنين، فاستعن بها، فصاح عُمير وبكى وقال: لا حاجةَ لي بها، رُدَّها، صحبتُ رسول اللَّه ﷺ وأبا بكر، ولم أُبْتَلَ هذا، فقال: ما لي شيءٌ أجعلُها فيه، فشقَّت المرأةُ أسفلَ دِرعها وأعطَتْه خرقةً فجعلها فيها، ثم خرج فقَسَمها بين أبناء الشُّهداء والفُقراء، ثم رجع فقال للرسول: أقرئ مني السلامَ أمير المؤمنين.
فرجع الحارث إلى عمر رضوان اللَّه عليه، فقال: ما رأيتَ؟ قال: حالًا شديدًا، قال: فما صنع بالدَّنانير؟ قال: لا أدري، فأرسل إليه عمر رضوان اللَّه عليه فجاء، فقال: ما صنعت بالدَّنانير؟ قال: وما سُؤالك عنها؟ قال: أَنشدك إلا ما أخبرتَني،
стр. 2349
قال: قدَّمتُها لنفسي، قال: رحمك اللَّه، فأمر له بوَسْقٍ من طعام وثوبان، فقال: أما الطعام فلا حاجةَ لي إليه، قد تركتُ في المنزل صاعَين من شعيرٍ إلى أن آكلهما، قد جاء اللَّه بالرزق، ولم يأخذ الطعام، وأخذ الثوبَيْن وقال: أمُّ فلان عارية، ورجع إلى مَنزله (١).
قال: ولم يلبثْ عُمَيْرٌ أن هلكَ، فبلغ عمرَ فشقَّ عليه وترحَّمَ عليه، وخرج يمشي في جِنازته ومعه المهاجرون والأنصارُ إلى بَقيعِ الغَرْقَدِ، فجلس عند قبرِه وقال: ليَتَمَنَّ كلُّ رجلٍ منكم أُمنيةً، فقال رجلٌ: ودِدتُ أنَّ عندي مالًا فأُعتِق لوجهِ اللَّه كذا وكذا، وقال آخر: وَدِدتُ أنَّ عندي مالًا فأُنفقه في سبيلِ اللَّه، وقال آخَرُ: ودِدْتُ لو أن لي قُوَّةً فأمْتَح بدَلوِ زمزم لحُجّاجِ بيتِ اللَّه، فقال عمر: وَدِدْتُ أنَّ لي رجُلًا مثل عُمَيْرٍ، أُولِّيه أو أستعينُ به في أعمالِ المسلمين (٢)، أسند عمير الحديث عن رسول اللَّه ﷺ . انتهت سيرة عمير.
عُوَيْمر بن الحارث
ابن زيد بن حارثة بن الجدّ العجلاني، من الطبقة الثانية من الأنصار، شهد بدرًا وما بعدها مع رسول اللَّه ﷺ (٣).
* * *
стр. 2350
السنة الثانية والعِشْرون
وفيها كتب عمرُ إلى مُعاوية بن أبي سُفيان أن يَغْزُوَ الرومَ، فدخل الدَّرْبَ، وجاوزه في عشرةِ آلافٍ من المسلمين، فيهم أبو أيوب الأنصاري وعبادةُ بنُ الصامتِ وأبو ذرٍّ وشدّادُ بن أوسٍ وغيرُهم.
وقيل: إنَّ في هذه الغَزاةِ أُسِرَ عبدُ اللَّه بنُ حُذافة السَّهميُّ وقد ذكرناه، وبلغ معاوية عَمّورية، وقيل القسطنطينية.
وفيها: كان فتوح هَمَذان. كتب عمر إلى نُعيم بن مُقَرّن أن يسير إلى همذان، وعلى مقدّمته أخوه سويد بن مقرِّن، وعلى مجنّبتَيْه ربعي بن عامر ومهلهل بن زيد الطائي، فسار نُعيم بجيوشه، فنزل ثنيّة العَسَل، ثم نازل همذان، واستولى على رُسْداقها، فلما رأى ذلك أهلُها راسلوه وسألوه الصُّلح على الجزية فصالحهم.
وقال الواقدي: إن فُتوحَ هَمَذان كانت في سنةِ ثلاثٍ وعِشرين في جُمادى الأُولى، على رأس ستّة أشهر من مقتلِ عمر، وكانت جيوشُ عمر عليها.
وفيها فُتح الرّيّ وقُومِس على يَدِ نُعيم بن مُقَرِّنُ، وقيل: إن ذلك كان في سنةِ ثلاثٍ وعشرين.
وفيها كتب عمر إلى عبد الرحمن بنِ ربيعة أن يَقطع النهر، فقطعه في جيشٍ كثيفٍ، فتحصَّن التُّرْكُ بحصونهم، وخافوا منه وقالوا: ما قطع النهرَ إلا ومعه الملائكةُ والإلهُ الأكبرُ، فأوغل في بلادِهم، وسبى، وعاد سالمًا بالغنائم.
واختلفوا في ولادة يزيد بن مُعاوية وعبد الملك بن مروان، فقال الواقدي في هذه السنة، وقال هشام: في سنة خمسٍ وعشرين، وحجَّ بالناس عمرُ.
فصل وفيها تُوفي
قَتادةُ بنُ النعمان
ابن زيد بن عامر بن سواد بن ظَفَر، وأُمُّه أُنَيْسَةُ بنت قيس بن عمرو، خَزْرجيّةٌ،