← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

نُعطيك إياه تتعوَّضُ به عن محمد ﷺ ، وقد ذكرناه في السيرةِ (١)، وهو الذي سافر مع عمرو بن العاص إلى الحبشةِ في سفينةٍ، وقال لامرأةِ عمرو: قَبِّليني، وكان من أجملِ فتيانِ قُريشٍ، ووشى به عمرو إلى النجاشي، فأمرَ السواحِرَ أن يَنْفُثْنَ في إحليله، فهام مع الوحشِ، وقد ذكرناه أيضًا. وكان لعُمارة ولدان: الوليد وأبو عُبيدة، قُتِلا بالبُطاحِ شهيدَيْن لمّا قاتل خالد أهل الردَّةِ. وقال الزبير بن بكار: قُتِل أبو عبيدة بن عُمارةَ مع خالد بأَجْنادِين (٢). وأما حَرْملةُ بن الوليد بن المُغيرةِ، فقال أبو القاسم بن عساكر: شهد فتحَ دمشقَ، وأقطعه أبو عُبيدة بن الجراح دَيْرًا في الغوطةِ خارج باب تُوما، يُعرف بديرِ حَرْمَلَة (٣). وأما فاطمةُ بنت الوليد بن المُغيرةِ فقد ذكرنا أنَّها أسلمت يوم الفتحِ، وبايعت رسول اللَّه ﷺ ، وهي امرأةُ الحارثِ بن هِشام، وتزوَّجها عمرُ بنُ الخطاب. وأما فاخِتَةُ بنت الوليد بن المُغيرةِ فهي امرأةُ صفوان بن أُمية، أسلمت قبله بشَهْرٍ ثم أسلم بعدها، فأُقِرّا على نِكاحهما، ذكر ذلك الموفَّقُ في الأنساب (٤) وهشام والواقدي وغيرُهُم. عُتبة بن مسعود أخي عبد اللَّه بن مسعود ﵁ لأبويه، من الطبقة الثانية من المهاجرين، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، ثم قدم المدينة، فشهد أحدًا والمشاهد كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، ومات بالمدينة في خلافة عمر رضوان اللَّه عليه، وصلى عليه. ولما جاء عبد اللَّه بنَ مسعود نَعيُه دمعت عيناه، وقال: إن هذه رحمة جعلها اللَّه، لا يملكها ابن آدم (٥).

стр. 2347

فصل وفيها تُوفي عُمير بن سعد ابن عُبَيْد بن النعمان، وكان يُقال له: نَسيجُ وَحْدِه؛ لزُهْدهِ وورعه وعبادتِه، وأبوه يُقال له: سَعد القارئ، شهد بدرًا واستشهد يوم القادسية، وكُنيةُ سعدٍ أبو زيدٍ، وهو الذي يَزعمُ الكوفيون أنَّه جمع القُرآن على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، وقد ذكرناه في شُهداءِ القادسية. وولدُه عميرٌ هذا صحبَ رسولَ اللَّه ﷺ ، وولّاهُ عمرُ حمص، وله معه قصَّةٌ ذكرها أبو نُعيم وغيرُه. قال أبو نُعيم الأصفهاني بإسناده عن عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جدِّه، عن عُمير بن سعد قال: بعثه عمر بن الخطاب عامِلًا على حمص، فمكثَ حولًا لا يأتيه خبرُه، فقال عمر لكاتبه: اكتُب إلى عُمَير، فواللَّه ما أراه إلا قد خاننا: إذا جاءك كتابي هذا فأَقْبِلْ، وأَقْبِلْ بما جبيتَ من فَيءِ المسلمين حين تنظرُ في كتابي هذا. قال: فأخذ عُمَيْرٌ جِرابه، فجعل فيه زادَه وقَصْعَتَه، وعلَّق إدواتَه، وأخذ عَنَزَتَهُ، ثم أقبل يمشي من حمص حتى دخل المدينةَ، وقد شَحُبَ لَونُه، واغبرَّ وجهُه، وطال شَعرُه، فدخل على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمةُ اللَّه، فقال عمر: ما شأنُكَ؟ فقال عمير: ما ترى من شأني؟ ألستَ تَراني صحيحَ البَدَنِ طاهِرَ الدّمِ، معي الدنيا أجرُّها بقَرْنِها؟ قال عمر: وما معك؟ وظنَّ أنَّه قد جاء بمال -فقال: معي جرابي أجعلُ فيه زادي، وقَصْعتي آكُل فيها وأغسِلُ فيها رأسي وثيابي، وإداوَتي أحملُ فيها وَضوئي وشرابي، وعَنَزَتي أتوكّأُ عليها، وأُجاهِدُ بها عدوًّا إن عَرَضَ لي، فواللَّه ما الدُّنيا إلا تبَعٌ لمَتاعي، قال عمر: فجئتَ تمشي؟ قال: نعم، قال: أما كان لك أحدٌ يتبرَّع لك بدابَّةٍ تركبُها؟ قال: ما فعلوا وما سألتُهم ذلك، فقال عمر: بئس المسلمون خرجْتَ من عندهم، فقال عمير: اتَّقِ اللَّه يا عمرُ، فقد نَهاك اللَّه عن الغِيبة، وقد رأيتُهم يُصلُّون صلاةَ الغَداة، ويصلون ويُوحِّدون، وفي روايةٍ: ألم ينهك ربُّك عن التجسُّسِ؟ فقال عمر: بعثتُك، وأيّ شيءٍ صنعتَ؟ قال: وما سُؤالك؟ فقال عمر: سبحان

стр. 2348

اللَّه!؟ فقال: أتيتُ البلدَ، فجمعتُ صُلَحاءَ أهلِه، فوَلَّيْتُهم جِبايتَه، حتى إذا جمعوه وضعتُه في مواضعِه، ولو نالك منه شيءٌ لأتيتُكَ به، فقالى: جَدِّدوا لعُميرٍ عهدًا، فقال: هذا شيءٌ لا عملتُه لك ولا لأحدٍ بعدكَ، واللَّهِ ما سَلِمْتُ ولا أَسْلَمُ، قلتُ يومًا لنَصْراني أو لذِمّيّ: أخزاكَ اللَّه، وقد سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "أنا خَصْمُ ظالمِ اليتيمِ والمعاهد"، وما الذي يُؤمِنني أن يَخصِمَني رسول اللَّه ﷺ ، فخرج عمر حتى أتى قبرَ النبيّ ﷺ وهو يبكي ويقول: السلام عليك يا رسولَ اللَّه وعلى صاحبك، ماذا لقيتُ بعدكما؟ ثم استأذن عمرَ رضوان اللَّه عليه فأذن له، فرجع إلى منزله وبينه وبين المدينة أميال، فبعث إليه عمر رضوان اللَّه عليه رجلًا يقال له الحارث بمئة دينار، وقال: انطلق إلى عُمير حتى تنزل به كأنك ضَيف، فإن رأيتَ أثر شيء فأَقبِلْ، وإن رأيتَ حالًا شديدًا فادفعها إليه. فانطلق الحارث، وإذا بعُمَير ﵁ جالس إلى جانب الحائط يَفْلي قميصًا، فنزلى وسلّم عليه، فردّ وقال: من أين جئتَ، قال: من المدينة، قال: كيف تركتَ أميرَ المؤمنين؟ قال: ضرب ابنًا له على فاحشة فمات من ضَرْبه، فقال عُمير: اللهمَّ أَعِنْ عمر، فإني لا أعلمه إلا [شديد] الحبّ لك، فأقام عندهم ثلاثة أيام، وليس لهم إلا قرصٌ من شعير كانوا يَخصُّونه به ويَطوون. فقال له عمير: يا هذا، أنتَ قد أَجَعْتَنا، فإن رأيتَ أن تَرتَحِل عنا فافعل، فأخرج الدَّنانير فدفعها إليه، وقال: بعث بها إليك أمير المؤمنين، فاستعن بها، فصاح عُمير وبكى وقال: لا حاجةَ لي بها، رُدَّها، صحبتُ رسول اللَّه ﷺ وأبا بكر، ولم أُبْتَلَ هذا، فقال: ما لي شيءٌ أجعلُها فيه، فشقَّت المرأةُ أسفلَ دِرعها وأعطَتْه خرقةً فجعلها فيها، ثم خرج فقَسَمها بين أبناء الشُّهداء والفُقراء، ثم رجع فقال للرسول: أقرئ مني السلامَ أمير المؤمنين. فرجع الحارث إلى عمر رضوان اللَّه عليه، فقال: ما رأيتَ؟ قال: حالًا شديدًا، قال: فما صنع بالدَّنانير؟ قال: لا أدري، فأرسل إليه عمر رضوان اللَّه عليه فجاء، فقال: ما صنعت بالدَّنانير؟ قال: وما سُؤالك عنها؟ قال: أَنشدك إلا ما أخبرتَني،

стр. 2349

قال: قدَّمتُها لنفسي، قال: رحمك اللَّه، فأمر له بوَسْقٍ من طعام وثوبان، فقال: أما الطعام فلا حاجةَ لي إليه، قد تركتُ في المنزل صاعَين من شعيرٍ إلى أن آكلهما، قد جاء اللَّه بالرزق، ولم يأخذ الطعام، وأخذ الثوبَيْن وقال: أمُّ فلان عارية، ورجع إلى مَنزله (١). قال: ولم يلبثْ عُمَيْرٌ أن هلكَ، فبلغ عمرَ فشقَّ عليه وترحَّمَ عليه، وخرج يمشي في جِنازته ومعه المهاجرون والأنصارُ إلى بَقيعِ الغَرْقَدِ، فجلس عند قبرِه وقال: ليَتَمَنَّ كلُّ رجلٍ منكم أُمنيةً، فقال رجلٌ: ودِدتُ أنَّ عندي مالًا فأُعتِق لوجهِ اللَّه كذا وكذا، وقال آخر: وَدِدتُ أنَّ عندي مالًا فأُنفقه في سبيلِ اللَّه، وقال آخَرُ: ودِدْتُ لو أن لي قُوَّةً فأمْتَح بدَلوِ زمزم لحُجّاجِ بيتِ اللَّه، فقال عمر: وَدِدْتُ أنَّ لي رجُلًا مثل عُمَيْرٍ، أُولِّيه أو أستعينُ به في أعمالِ المسلمين (٢)، أسند عمير الحديث عن رسول اللَّه ﷺ . انتهت سيرة عمير. عُوَيْمر بن الحارث ابن زيد بن حارثة بن الجدّ العجلاني، من الطبقة الثانية من الأنصار، شهد بدرًا وما بعدها مع رسول اللَّه ﷺ (٣). * * *

стр. 2350

السنة الثانية والعِشْرون وفيها كتب عمرُ إلى مُعاوية بن أبي سُفيان أن يَغْزُوَ الرومَ، فدخل الدَّرْبَ، وجاوزه في عشرةِ آلافٍ من المسلمين، فيهم أبو أيوب الأنصاري وعبادةُ بنُ الصامتِ وأبو ذرٍّ وشدّادُ بن أوسٍ وغيرُهم. وقيل: إنَّ في هذه الغَزاةِ أُسِرَ عبدُ اللَّه بنُ حُذافة السَّهميُّ وقد ذكرناه، وبلغ معاوية عَمّورية، وقيل القسطنطينية. وفيها: كان فتوح هَمَذان. كتب عمر إلى نُعيم بن مُقَرّن أن يسير إلى همذان، وعلى مقدّمته أخوه سويد بن مقرِّن، وعلى مجنّبتَيْه ربعي بن عامر ومهلهل بن زيد الطائي، فسار نُعيم بجيوشه، فنزل ثنيّة العَسَل، ثم نازل همذان، واستولى على رُسْداقها، فلما رأى ذلك أهلُها راسلوه وسألوه الصُّلح على الجزية فصالحهم. وقال الواقدي: إن فُتوحَ هَمَذان كانت في سنةِ ثلاثٍ وعِشرين في جُمادى الأُولى، على رأس ستّة أشهر من مقتلِ عمر، وكانت جيوشُ عمر عليها. وفيها فُتح الرّيّ وقُومِس على يَدِ نُعيم بن مُقَرِّنُ، وقيل: إن ذلك كان في سنةِ ثلاثٍ وعشرين. وفيها كتب عمر إلى عبد الرحمن بنِ ربيعة أن يَقطع النهر، فقطعه في جيشٍ كثيفٍ، فتحصَّن التُّرْكُ بحصونهم، وخافوا منه وقالوا: ما قطع النهرَ إلا ومعه الملائكةُ والإلهُ الأكبرُ، فأوغل في بلادِهم، وسبى، وعاد سالمًا بالغنائم. واختلفوا في ولادة يزيد بن مُعاوية وعبد الملك بن مروان، فقال الواقدي في هذه السنة، وقال هشام: في سنة خمسٍ وعشرين، وحجَّ بالناس عمرُ. فصل وفيها تُوفي قَتادةُ بنُ النعمان ابن زيد بن عامر بن سواد بن ظَفَر، وأُمُّه أُنَيْسَةُ بنت قيس بن عمرو، خَزْرجيّةٌ،

стр. 2351

وكُنيتُه أبو عمرو، وقيل: أبو عبد اللَّه، وقيل: أبو عُثمان. وهو من الطبقةِ الأُولى من الأنصارِ، شهد العقبةَ مع السَّبعين، وبَدْرًا وأُحدًا، وسالت عينُه يومئذٍ على خدِّه من سَهْمٍ أصابه. قال الهيثم بن عدي: فأتى رسولَ اللَّه ﷺ وعينُه في يده، فقال: ما هذا يا قتادةُ؟ قال: هو ما ترى، فقال: "إن شِئْتَ صَبَرْتَ ولك الجنَّةُ، وإن شِئْتَ رَدَدْتُها، ودعوتُ اللَّه لك فلم تَفتقِدْ منها شيئًا"، فقال: يا رسولَ اللَّه، واللَّه إنَّ الجنَّةَ لجزاءٌ جَزيلٌ، وعطاءٌ جَليلٌ، ولكني رجلٌ مُبْتلًى بحبِّ النساء، وأخافُ أن يَقُلْنَ أعور، فلا يُرِدْنَني، ولكن تَردُّها، وتسألُ اللَّه لي الجنَّة، فأخذها رسولُ اللَّه ﷺ بيدِه، وأعادها إلى مكانِها، فكانت أحسنَ عينَيْه إلى أن مات، ودعا له بالجنَّةِ. قال الهيثم: دخل ابنُ قتادة على عمر بن عبد العزيز فقال: مَن أنت يا فتى؟ فقال: [من الطويل] أنا ابنُ الذي سالتْ على الخدِّ عَيْنُه … فرُدَّت بكَفِّ المصطفى أحسنَ الردِّ فعادتْ كما كانت كأحسنِ حالِها … فيا حُسْنَ ما عَيْنٍ ويا طيبَ مايدِ فقال عمر: بمثلِ هذا فليتوسَّل إلينا المتوسِّلون، ثم قال: [من البسيط] تلك المكارمُ لا قَعْبان من لَبَنٍ … شِيبا بماءٍ فعادا بعدُ أَبْوالا وشهد قتادةُ المشاهدَ كلّها مع رسولِ اللَّه ﷺ ، وكانت رايةُ بني ظَفَرٍ بيدِه يوم الفتح. وقيل: إنه تُوفي سنة ثلاثٍ وعشرين، وهو ابن خمسٍ وستين سنةً، قال الواقدي: وصلّى عليه عمر بن الخطاب، ونزل في قبرهِ أخوه لأُمِّه أبو سعيدٍ الخُدري، ومحمد بن مَسلمة، والحارث بنُ خَزْمة (١). أسند قتادة الحديث عن رسول اللَّه ﷺ .

стр. 2352

مَعْمَر بن الحارث ابن مَعْمَر بن حَبيب الجُمحيّ، من الطبقة الأولى من المهاجرين، وأمّه قَتيله بنت مَظعون بن حَبيب، جُمَحيّة. أسلم قديمًا قبل أن يَدخُل رسول اللَّه ﷺ دارَ الأَرقم، وشهد بدرًا وأُحدًا والخندقَ والمشاهدَ كلَّها مع رسول اللَّه ﷺ ، وآخى رسول اللَّه ﷺ بينه وبين مُعاذ بن عَفْراء. توفي ﵁ في خلافة عمر رضوان اللَّه عليه، وليس له رواية (١). * * *

стр. 2353

السنةُ الثالثة والعِشرون وفيها كَثُرت الفتوحاتُ بالعراقِ والشامِ على عمر، وقُدِم عليه بالأموالِ والأخماسِ، وكان عمرُ قد بثَّ جُيوشَه في الدنيا، وفتح نُعيم بن مُقَرِّن قُومِس وطَبَرِسْتان وصالح أهلها. وبعث عمر الأحنفَ بنَ قيس إلى خُراسان، فافتتح هَراة عَنْوَةً، وتوجَّه إلى مرو، وأرسل مُطَرِّفَ بنَ عبدِ اللَّه بن الشّخِّير إلى نَيْسابور، وكان يَزْدَجِرْد بمَرْو، فكتب إلى خاقان ملك التُّركِ يستمدُّه، وإلى ملك الصُّغْدِ يَستنصرُ به، وتواترت أمدادُ أهلِ الكوفة والبصرةِ إلى الأحنفِ، وهرب يَزْدَجِرْدُ إلى بَلْخ، وتَبعه الأحنف فهزمه وقطع النهرَ، وعاد الأحنفُ إلى مَرو فنزلها، وجاء خاقان إلى يَزْدَجِرْدَ، واجتمعا وعادا إلى مَرْوَ، وجاء يَزْدَجِرْد ومعه خاقان فنزلا على مَرْو، وطال الحصارُ، فخرج الأحنفُ ليلةً يتجسَّسُ الأخبارَ، لعلَّه أن يَسمعَ كلامًا يَنتفعُ به، فسمع رجلًا يقولُ لآخر: لو كان أميرُنا يُسْنِدُنا إلى الجبلِ فكان النهرُ بيننا وبين عدوِّنا خندقًا وكان الجبلُ وراء ظهورنا، أمِنّا أن يأتيَ عدوُّنا من خلفنا، ورجَوْنا النَّصْرَ من اللَّه. فارتحل الأحنفُ، وأسندهم إلى الجبلِ، ثم التقَوْا فقتل الأحنفُ جماعةً من كُبرائهم، وقيل: إنَّما قتلهم غِيلةً، فقال خاقان: ليس لنا في قتالِ هؤلاء حاجة، ولا خيرَ لنا فيه، فارتحل إلى بَلْخ، فهَمَّ يَزْدَجِرْدُ أن يَتبعَه، فقال أصحابُه: تَدَعُ أرضك وقومَك وتصير في مملكةِ الغَيْر؟! عُدْ بنا إلى العربِ؛ فإن مُقامنا مع عدوِّنا في بلادنا خيرٌ لنا من مُقامِنا مع عدوِّنا في بلادهِ، فقال: لابُدَّ أن أَتبَعَ خاقان فآمن على نفسي، فقالوا: فدَعْ خَزائنَنا عندنا نتقوّى بها على عدوِّنا، فأبى، فاعتزلوه، وبقي مُفردًا في حاشيتِه، فقاتلوه فهرب، فأخذوا الخزائنَ واستولَوْا عليها، وقطع يَزْدَجِرْدُ النهرَ إلى فَرْغانة والتُّركِ، وأقام عندهم حتى تُوفي عمرُ، فعاد إلى مَرْو. وصالح أهلُ تلك البلاد الأحنفَ على مالٍ، ودفعوا إليه من تلك الخزائن، فعقد بينه وبينهم الصُّلح، فأقاموا في بِلادهم على أحسَنِ حالٍ، وأصاب الفارسُ يومئذٍ ما

стр. 2354

أصاب الفارسُ يومَ القادسية، وهذا قولُ الواقدي. أما سيفٌ فإنه قال: إنّما التقى الأحنفُ بنُ قيسٍ بيَزْدَجِرْدَ في سنة ثماني عشرةَ لما انهزم يزدجرد من جَلولاء يُريد الرَّيَّ، وكان في مَحمِلٍ على جملٍ نائمًا، وكان إذا سارَ ينام، فانتهى به السير إلى مخاضةٍ، فأيقظه أصحابُه خوفًا عليه، فقال: بئسَ ما فعلتُم، فإني رأيتُ أني الساعةَ ومحمدًا تَناجينا عند اللَّه في مدَّة مُلكنا، فأيقظتموني ولم يتقرَّر شيءٌ، فلو تركتموني لعلمتُ ما مُدَّةُ مُلكنا ومُلكِهم. ثم وصل إلى مَرْو، واستمدَّ ملوكَ التّركِ والهندِ والصين فأمدّوه، وسار إليه الأحنفُ بنُ قيسٍ في عشرة آلافٍ من البصرةِ والكوفةِ بأمر عمرَ، وأسند ظهره إلى الجبلِ على ما ذكرنا، والتقى الفريقانِ، فخرج فارسٌ من التُّرْكِ، فطلب المبارَزةَ، فبرز إليه الأحنفُ بن قيسٍ وهو يقول: [من الرجز]: إنَّ على كلِّ رئيسٍ حَقَّا أن يَخْضِبَ الصَّعْدةَ أو تَنْدَقَّا إنَّ لنا شَيخًا بها مُلَقَّى سيفَ أبي حَفْصِ الذي تَنَقّى وحمل على التُّركي فقتله، ثم برز إليه آخر فقتله، وآخر فقتله، فقال ملِكُ التُّرْكِ لأصحابه: ارتَحلوا، فقد تشاء متُ بقَتْلِ ثلاثةٍ من فرسانِنا، فارتحل وقطع النهر (١). فصل: وفيها فُتِحت تَوَّج، كانتِ الفُرْسُ قد خرجت منها ليَحموا حُصونهم، فقصدها مُجاشع بن مسعود ففتحها. وفيها فُتِحت إصْطَخْرُ على يد عثمان بن أبي العاصِ الثقفي بعد قتالٍ شديد. قال زياد الأعجم: قدم علينا أبو موسى الأشعري إصْطَخْر وعثمان يُحاصرها، أقدمه عمر رضوان اللَّه عليه مددًا لعثمان، وأمرهما بالاتّفاق، فاتفقا، وطال الحصار، فقال عثمان لأبي موسى: أريد أن أبعثَ أُمراء إلى هذه الرساتيق التي حولنا يُغيرون

стр. 2355

عليها، فما ظفروا بشيء قاسموه العسكر الذي على المدينة، فقال أبو موسى: لا أرى هذا، وإنما أرى أن يكون لهم، فقال عثمان: لو فعلنا هذا لم يبق على المدينة أحد، كانوا يطلبون الغنيمة، ثم اتفق المسلمون على ما قال عثمان، فبعث ثلاثًا وستين عاملًا على نَيّف وثلاثين رُستاقًا، ثم فتح اللَّه البلد (١). وفيها فُتِحت فَسا ودَرابَجِرْد على يدي سارية بن زُنَيْم. وفيها فُتِحت كَرْمان على يدي سُهيل (٢) بنِ عَدي، ووجد فيها من الجمالِ البُخْتِ شيئًا كثيرًا. وفيها فُتحت سِجِسْتان على يدي عاصم بن عمرو وعبد اللَّه بن عُمَير. وفُتحت مُكْران على يدِ الحكم بن عمرو، وبعث الحكمُ إلى عمر بالغنائم، فقال عمرُ للرسولِ: صِف لي مُكْرانَ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، ما أقول في أرضٍ سهلُها جَبلٌ، وماؤها وَشَلٌ، وتَمْرُها دَقَلٌ، وعدوُّها بَطَل، خيرُها قليل، وشرُّها طويل، وما وراءها أشرُّ منها، فقال عمر: واللَّه لا يجوزُ لي جيشٌ ما وراء النهرِ ما أُطِعْتُ، ثم كتب إلى أُمراءِ الجيوشِ: اقتصِروا على ما دون النهر. وفيها عزل عمر عمارًا عن الكوفة، وولّى أبا موسى الأشعري. وكان أهل الكوفة قد كتبوا إلى عمر رضوان اللَّه عليه يقولون: إن عمارًا ليس بأمين، فاستقدمه عمر رضوان اللَّه عليه، ومعه جماعةٌ من أعيان الكوفة، فيهم سعد بن مسعود الثقفي عمّ المختار، وجرير بن عبد اللَّه البَجلي، فقال لهم عمر رضوان اللَّه عليه: ما تعرفون من أميركم؟ فقال جرير بن عبد اللَّه: هو واللَّه غيرُ كافٍ ولا مُجزٍ ولا عالم بالسياسة، فقال له عمار: كذبت، فقال له عمر رضوان اللَّه عليه: أنت أكذبُ منه، لستَ بصاحبِ عمل، ولكني تأوَّلتُ قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥] الآية، فقيل لعمار بعد ذلك: أساءك العَزْلُ؟ فقال: ما سَرَّتني الولاية، ولقد ساءني العَزْلُ.

стр. 2356

وفيها حجَّ عمر بأزواجِ رسولِ اللَّه ﷺ في الهوادج، قال سيف بن عمر: حدَّثني أبو عثمان وأبو حارثة والربيع بإسنادِهم قالوا: حجَّ عمر بأزواجِ رسولِ اللَّه ﷺ معهن أولياؤهنَّ ومَن لا يَحتجبْنَ منه، وجعل في مقدّمة قِطارهن عبد الرحمن بنَ عوف، وفي مؤخّره عثمان بن عفان. وحجَّ عمر عشر حجّاتٍ في خلافته أوَّلهن سنة أربع عشرة، وأخِرهُنَّ سنة ثلاثٍ وعشرين، واعتمر في خلافته ثلاث عُمَر، عمرة في رجب سنة سبع عشرة، وعمرة في رجب سنة إحدى وعشرين، وعمرة في رجب سنة اثنتين وعشرين. قالت عائشة رضوان اللَّه عليها: لما كان آخر حجّةٍ حجَّها عمر بأمهات المؤمنين إذ صدرنا عن عرفة، ومررتُ بالمُحَصَّب، فسمعتُ رجلًا على راحلته يقول: أين كان أمير المؤمنين؟ فسمعتُ رجلًا آخر يقول: كان هاهنا، فأناخ راحلتَه، ثم رفع عَقيرتَه فقال: [من الطويل] عليك سَلامٌ من إمام وباركتْ … يدُ اللَّه في ذاك الأديم الممَزَّقِ فمَن يَسْعَ أو يركبْ جناحَيْ نَعامةٍ … ليُدرِكَ ما قدَّمتَ بالأمس يُسبَقِ قضيتَ أُمورًا ثم غادرتَ بعدها … بَوائقَ في أكمامها لم تُفَتَّقِ وما كنتُ أخشى أن تكونَ وفاتُه … بكفِّ سَبَنْتَى أزرقِ العينِ مُطرقِ أبعدَ قتيلٍ بالمدينة أظلمتْ … له الأرضُ تَهتزُّ العِضاهُ بأَسْؤقِ فقلتُ: مَن قائلُ هذه الأبيات؟ فقالوا: مُزَرِّد بن ضِرار، فلقيتُ مُزَرّدًا بعد ذلك، فحلف باللَّه ما شهد تلك السَّنة الموسم، فكانوا يَرون أن بعض الجنِّ رثاه. وقال جُبَير بنُ مُطعِم: بينما عمر رضوان اللَّه عليه واقفٌ على جبال عرفة سمع رجلًا يقول: يا خليفة يا خليفة، فسمعه رجلٌ آخر وهم يَعتافون، فقال: ما لك؟ فَكّ اللَّه لَهواتك! فأقبلتُ على الرجل فصحتُ عليه قلتُ: لا تَسُبَّنَّ الرجل، فإني الغَدَ واقفٌ مع عمر رضوان اللَّه عليه على العقبة يَرميها جاءتْ حَصاةٌ عائرة، فنَقَفتْ رأسَ عمر، ففَصَدَتْه، فسمعتُ رجلًا من الجبل يقول: أشعرت؟! وربِّ الكعبة لا يَقفُ عمر هذا الموقف بعد العام، قال جُبير بن مُطعم: فإذا هو الذي صرخَ فينا بالأمس، فاشتدّ ذلك عليّ. قال سعيد بنُ المسيّب رحمة اللَّه عليه: لما أفاض عمر ﵁ من مِنى أناخ بالأبطح،

стр. 2357

فكوَّم كَوْمةً من بطحاء، طرح عليها طَرفَ ثوبه، ثم استلقى عليها، ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهمَّ كبرتْ سنّي، وضَعفَتْ قُوَّتي، وانتشرتْ رَعيَّتي، فاقبِضني إليك غيرَ مُضيّعٍ ولا مُفَرِّط -وذكر آية الرجم- فواللَّه ما انسلخ ذو الحِجّة حتى طُعن (١). وفيها استقامت الأحوال، وتمّت الأمور، وكَثُرت الفُتوحات، ووصل إلى المدينة من الغنائم والأخماس والأموال ما لم يصل إليها، فاستشهد عمر رضوان اللَّه عليه وكان عامل مكة نافع بن عبد الحارث الخُزاعي، وعلى الطائف سفيان بن عبد اللَّه الثقفي، وعلى صنعاء يَعلى بن مُنْيه، وعلى الكوفة أبو موسى الأشعري، وعلى دمشق معاوية، وعلى مصر عمرو بن العاص، وعلى البحرين عثمان بن أبي العاص الثقفي. فصل وفيها توفيت صفية بنت عبد المطلب ابن هاشم ﵂ عمة رسول اللَّه ﷺ ، وأمها هالة بنت وُهَيب بن عبد مَناف بن زُهرة ابن كِلاب، وهي أخت حمزة ﵁ لأبويه. كانت في الجاهلية عند الحارث بن حَرْب بن أُميّة بن عبد شمس، فوَلَدتْ له صفيَّةُ رجلًا، ثم خَلَفه عليها العَوّام بن خُوَيْلد، فوَلَدتْ له الزبير ﵁ والسّائب وعبدَ الكعبة، ثم أسلمت وبايعت النبي ﷺ وهاجرت، وأطعمها رسول اللَّه ﷺ بخيبر أربعين وَسْقًا، واتفق العلماء على إسلامها، وفي غيرها من عمات رسول اللَّه ﷺ خلاف، واختصم في ولاء مواليها عليّ والزّبير ﵄، فقال علي: أنا أولى بهم لأنها عمتي، وأنا أَعقل عنهم، وقال الزبير: أنا أولى بهم وميراثهم؛ لأنهم موالي أمّي، فقضى عمر بن الخطاب رضوان اللَّه عليه بولائهم للزبير ﵁ (٢). وقال ابنُ سعدٍ: توفيت صفيةُ في خِلافةِ عمر بن الخطاب، ودُفنت بالبقيعِ، وعاشت ثلاثًا وسبعين سنةً، ودُفنت بالبقيعِ بفِناء دار المُغيرة بن شُعبة.

стр. 2358

وكانت امرأةً حازِمةً جَلْدَةً، وقد ذكرنا أنَّها قتلتِ اليهوديَّ الذي تعرَّض للأُطْمِ الذي كانت فيه في غَزاةِ الخندقِ. وقال ابن سعد: وقد روتِ الحديث عن رسولِ اللَّه ﷺ ، وقال ابن سعد بإسناده عن عروة: أنَّ صفيةَ بنت عبد المطلب جاءت يومَ أُحُدٍ وبيدِها رُمْحٌ تضرِبُ به وجوه الناس وقد انهزموا وتقول: انهزمتُم عن رسولِ اللَّه ﷺ !؟ فلما رآها رسول اللَّه ﷺ قال: "يا زبيرُ، المرأة"، وكان حمزةُ قد بُقِر بطنه، فكره رسول اللَّه أن تراه وكانت أُختَه، فقال الزبير: إليك إليك، فقالت: تَنَحَّ لا أُمَّ لك، فجاءت فنظرت إلى حمزة، وقد ذكرنا طرفًا منه في غزاةِ أُحد (١)، وليس في الصحابياتِ من اسمُها صفيةُ بنت عبد المطّلبِ سواها. وذكرها أبو تمام في "الحماسة"، وأنشد لها فقال: قالت: [من الوافر]: ألا مَن مُبلِغٌ عنا قريشًا … ففيمَ الأمرُ فينا والإمارُ لنا السَّلَفُ المقَدَّمُ قد علمتُم … ولم توقد لنا بالغدر نارُ وكلُّ مناقب الخيرات فينا … وبعضُ الأمر مَنْقَصَةٌ وعارُ (٢) فصل وفيها توفي عمر بن الخطاب ابن نُفيل بن عبد العُزّى بن رِياح بن عبد اللَّه بن قُرط بن رِزاح بن عدي بن كعب، وكنيتُه أبو حفص، وأمُّه حَنْتَمةُ بنت هاشم بن المغيرة بن عبد اللَّه بن مخزوم، وقد ذكرنا نسبَه ونسبَ أمِّه، وخلافتَه وبعضَ أيامه فيما تقدَّم (٣). وإسلامُه في سنة خمسٍ أو ستّ من النبوة، وأن اللَّه أتَمَّ به الأربعين. وهو من الطبقةِ الأُولى من المهاجرين، والعشرة المبشَّرين. شهد بدرًا وأُحدًا والخندق والمشاهدَ كلَّها مع رسولِ اللَّه ﷺ ، وثبت معه في

стр. 2359

المواطن كلِّها، وخرج معه في عِدَّةِ سرايا، وكان أميرًا على بعضها. وهو أولَ خليفةٍ دُعي بأميرِ المؤمنين، وأوَّلُ مَن كتب التاريخَ، وجمع الناسَ على التراويح، وأوَّلُ مَن عَسَّ، وحمل الدِّرَّة وأدَّبَ بها، وجلد في الخَمْرِ ثمانين، وفتح الفُتوحَ، ومصَّر الأمصارَ: الكوفةَ والبصرةَ وغيرَهما، ووَضع الخَراجَ، ودوَّن الدَّواوين، واستقضى القُضاةَ، وفرض الأعطِيةَ، وكوَّر كُوَرَ السَّوادِ والأهوازِ والجبال وفارس وغيرها. وقال ابن سعد: فتح عمرُ الشامَ كلَّه ما خلا أجنادين؛ فإنَّها فُتحت في خلافة أبي بكرٍ ﵁، قال: وفتح الجزيرةَ، والمَوْصلَ، ومَيَّافارِقين، وآمِد، وأرمينية، ومصر، والإسكندرية، ومات وخيلُه على الرَّيِّ (١). وقال هشام: فتح عمر اليرموكَ، ودمشق، والأردنَ، وبَيْسانَ، وطبريّة، وفِلَسْطين، والرَّملة، وغزة، وعَسقلان، والسواحل، والقدس، ومصر، وبَرْقةَ، والإسكندرية، وطرابلس الغَرْب، ومدنَ الشام: بَعلبكّ، وحمص، وقِنَّسْرين، وأنطاكية، والجزيرةَ، وحَرّان، والرُّها، والرَّقَّةَ، ونَصيبين، ورأسَ عين، وسُمَيْساط، وعين وَرْدة، وديارَ بَكرٍ، وربيعة، وبالعراقِ: القادسيّة، وبَهُرَسير، وساباط، والمدائن، وكُوَر الفُرات ودجلة، والأُبُلَّة، والبصرة، والأهواز، وفارس ونهاوَنْد، وهَمَذان، وخُراسان، وإصطخر، وأصفهان، والسّوسَ، ومَرْوَ، ونَيسْابور، وأذْرَبيجان، وقطعت جُيوشُه النهر مِرارًا وغير ذلك، وقد فصَّلناه فيما تقدَّم. وقال الواقدي: وحجَّ بأزواجِ رسولِ اللَّه ﷺ . وكان مُتواضعًا في اللَّه، خَشِنَ المَلْبَسِ، خَشِنَ المَطْعَمِ، شديدًا في ذاتِ اللَّه، وكان يَلبَسُ الصّوفَ، وَيرقَعُ الثّوبَ بالأَديمِ، ويَشتمَل بالعباءةِ، ويَحمل القِرْبَةَ على كَتِفِه مع عظيمِ هَيْبَتهِ، ويركبُ الحمار مُعرًى، والبعيرَ مَخْطومًا بالليفِ، مُرَحّلًا بالشعر، وكان قليل الضحك لم يُمازح أحدًا قط، إلى غيرِ ذلك [من] الصفاتِ الجميلةِ والأدوات الجليلةِ. قال ابن مسعود: كان إسلامه فتحًا وعزًّا، وهجرته نصرًا، ورضاه عدلًا (٢)، وكان

стр. 2360

نقش خاتمه: كفى بالموت واعظًا يا عمر. ذكر صلابته في دين اللَّه وشدّته: قال ابن سعد بإسناده عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أشدُّ أمتي في دين اللَّه عمر بنُ الخطاب". جاء عُيَيْنة بنُ حِصن والأقرع بنُ حابِس إلى أبي بكر رضوان اللَّه عليه، فقالا: يا خليفة رسول اللَّه، إن هاهنا أرضًا سَبِخة، ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيتَ أن تُقطِعنا إياها ننتفع بها، فقال لمن حوله: ما تَرون؟ قالوا: لا بأس بذلك، فأقطعهما إياها، وكتب لهما بها كتابًا، وأشهد فيه مَن حضر، وقال فيه: اذهبا إلى عمر ليَشهد عليه. فانطلقا نحو عمر رضوان اللَّه عليه، فإذا هو قائم يَهنَأ بعيرًا له، فأخبراه ودفعا إليه الكتاب، فأخذه ونظر فيه، ثم تَفل عليه فمحاه، فتذَمَّرا، فقال لهما: إن رسول اللَّه ﷺ كان يَتَألّفكما على الإسلام، والإسلام يومئذٍ ضعيف، وقد أعزّ اللَّه الإسلام، فاذهبا فاجْهَدا جَهدَكما، لا رَعى اللَّه عليكما إن قصَّرْتُما. فأقبلا إلى أبي بكر رضوان اللَّه عليه فقالا: واللَّه ما نَدري أنتَ الخليفةُ أم عمر؟ فقال: لا بل هو أرادني. وجاء عمر رضوان اللَّه عليه في تلك الحال، فقال -وقد اشتدّ غضبه- لأبي بكر رضوان اللَّه عليه: أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتَها هذين، هي لك خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: لا، بل للمسلمين عامة، فقال: ما الذي حَملك على أن تَخصَّ بها هذين؟ قال: استشرتُ مَن حولي فأشاروا عليَّ بذلك، فقال: أكُلّ المسلمين أوسعتَهم مشورةً ورِضى؟ فقال له أبو بكر رضوان اللَّه عليه: قد قلتُ لك إنك أَجلدُ على هذا الأمرِ منّي وأقوى، ولكنك غَلبتَني (١). وحكى ابن سعد عن راشد بن سعد، أن عمر بن الخطاب أُتي بمال، فجعل يقسمه بين الناس، فازدحموا عليه، فجاء سعد بن أبي وَقّاص ﵁ يُزاحم الناس، حتى خلص إليه، فعلاه بالدّرّة وقال: يا سعد، إنك أقبلتَ لا تَهابُ سُلطانَ اللَّه في الأرض،

стр. 2361

فأحببتُ أن أُعلمك أن سُلطانَ اللَّه لن يَهابَك (١). قال الأحنَفُ بن قيس: كنّا جُلوسًا بباب عمر رضوان اللَّه عليه، فمرَّت جاريةٌ فقالوا: سُرَيَّةُ أمير المؤمنين، فقالت: ما هي (٢) لأمير المؤمنين بسُرِّيَّة، ولا تحلُّ له، إنها من مال اللَّه، فقلنا: فماذا يَحلُّ له من مال اللَّه؟ فقال (٣): أنا أُخبركم بما أَستحِلُّ منه، يَحلُّ لنا حُلَّتان: حُلَّةٌ في الشتاء وحُلَّةٌ في القَيظ، وما أحُجُّ عليه وأَعتِمر من الظَّهْر، وقُوتي وقُوتُ أهلي كقُوت رجلٍ من قريش، ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعدُ رجلٌ من المسلمين، يُصيبُني ما أصابهم. وكان أنسٌ يقول: إنَّ دِرَّةَ عمر أهيبُ من سيوفكم. وقال ابن سعد بإسناده عن عكرمة، أن حجَّامًا كان يَقصُّ شاربَ عمر، وكان عمرُ رجلًا مَهيبًا، فتَنَحْنَح عُمر فأحدثَ الحجَّامُ، فأمر له عمر بأربعين درهمًا، قال ابن سعد: الحجّام هو سَعيد بن الهَيْلم (٤). ذكر زهده وورعه: قال أبو نعيم بإسناده عن مصعب بن سعد قال (٥): قالت حفصةُ لعمر: يا أمير المؤمنين، لو لبستَ ثوبًا هو أَلْيَنُ من ثوبك، وأكلتَ طعامًا هو أَليَنُ من طعامك، فقد وسَّع اللَّه من الرزقِ وأكثر من الخيرِ، فقال: سأخصِمُك إلى نفسك، أما تَذكُرين ما كانَ رسولُ اللَّه ﷺ يَلقى من شِدَّة العيشِ؟ قال: فمازال يُذكِّرُها حتى أبكاها، ثم قال: أما واللَّه لأُشاركنَّهما في مثلِ عَيْشِهما الشديد لَعَلِّي أُدرك عَيْشَهما الرَّخِيَّ، يعني النبي ﷺ ، والصديق ﵁ (٦). وقال ابن سعدٍ بإسناده عن أنسٍ قال: كان بين كَتِفيْ عمر ثلاثُ رِقاعٍ من أَدِيم. وفي روايةِ ابن سعدٍ عن الحسنِ قال: خطب عمر الناس وهو خليفةٌ، وعليه إزارٌ،

стр. 2362

وفيه اثنتا عشرة رُقعةً. وفي روايةِ ابن سعدٍ أيضًا قال: أبطأ عمرُ يوم جمعة عن الخُطبةِ، فلما صَعِد المِنْبَرَ اعتذر إلى الناسِ وقال: إنَّما حَبَسني قَميصي هذا؛ لم يكن لي سواه، يعني أنَّه غَسَلَهُ. قال: وكان يُخاط له قميصٌ سُنبلانيّ، لا يُجاوِزُ كُمُّه رُسْغَ كفِّه (١). وقال هشام بن عروة: خطب عمر يومًا الناسَ وعليه إزارٌ جديد فلما قال: أيُّها الناسُ، أدار سلمانُ الفارسيُّ ظهره إليه، فقال عمر: يا عبد اللَّه، يعني ولَده، هذا الإزارُ لمن؟ فقال: لي، فقال عمر: أيُّها الناسُ، غسلتُ ثوبي، ودَهَمَني وقتُ الصلاةِ، ولم يَجِفَّ، فأخذتُ ثوبَ عبد اللَّه، فأدار سلمانُ وجهه إليه وقال: قُلِ الآن حتى نَسْمَعَ. وقال عبد اللَّه بن أحمد بإسناده عن ابن عمر قال: أُتي عمر بشَرْبَةٍ من عَسَلٍ، فذاقها وقال: اعزلوا عني حسابها، اعزلوا عني مُؤنتها (٢). وروى عبد اللَّه بن أحمد بإسناده إلى ابن عباسٍ قال: دخلتُ على عمر، وبين يديه مالٌ، فنَشَج حتى اختلفتْ أضلاعُه، ثم قال: ودِدْتُ أن أنجُوَ منه كفافًا، لا لي ولا عليَّ (٣). وقد ذكرنا أنَّه حجَّ فأنفق في حَجَّته ستَّةَ عَشَرَ دينارًا، وكان يَسْتظِلُّ بالشجر ولا خيمةَ له ولا فُسْطاط، وقال لابنه عبدِ اللَّه: قد أَسْرَفنْا. وفي روايةٍ أن عمر رأى جاريةً وهي تمشي تترنَّح من الجوعِ، فقال: وَيْحَ هذه! من يَعْرِفُها؟ فقال ابنُه عبد اللَّه: هذه ابنتي، قال: فما بالُها؟ قال: تحبِسُ ما في يدِكَ فيُصيبنا كذا، فقال: يا عبدَ اللَّه، بيني وبينكم كتابُ اللَّه، ما أُعطيك إلّا ما فَرَضَ اللَّه لك (٤). وقال ابن سعد: كان عمر وهو خليفة يَتَّجر (٥). وحكى ابن سعدٍ أيضًا عن الحسن قال: كان خبزُ عمر مَأْدومًا يومًا بزيتٍ، ويومًا بسَمْنٍ، ويومًا بقَديدٍ يابسٍ، فقيل له في ذلك فقال: لو شِئتُ لكنتُ أطيبَكم طعامًا، أما

стр. 2363

واللَّه ما أجهلُ عن كراكِر وأسنِمةَ، وعن صِلاءٍ وصِنابٍ وصَلائق، ولكني سمعتُ اللَّه يقول: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية [الأحقاف: ٢٠]. الصِّلاء: الشِّواء، والضِّناب: الخَرْدَل، والصَّلائق: الخبزُ الرقيق، وأراد أسنمةَ الجِمال وظُهورَها. وقال ابن سعدٍ بإسناده، قال ابن للبراء بن معرور: إن عمر خرج يومًا حتى أتى المِنْبَرَ، وقد كان اشتكى شكوى له، فنُعِتَ له العسلُ، وفي بيتِ المالِ عُكَّةٌ من عسلٍ، فقال: أيّها الناسُ، إني مريضٌ، وقد وُصِفَ لي العسلُ، وفي بيتِ المال عُكَّةٌ، فإن أذِنتُم لي فيها أخذتُها، وإلا فهي عليَّ حَرام، فأذِنوا له فيها. وحكى ابنُ سعدٍ عن الواقدي قال: أهدى أبو موسى الأشعري إلى عاتكة بنت زيد زوجةِ عمر طِنْفِسةً تكون قَدْرَ ذِراعٍ وشِبرٍ، فقال لها عمر: من أين لكِ هذه؟ قالت: أهداها إليَّ أبو موسى، فدعاها عمر وضرب بها رَأْسَها حتى نَفَضَ رَأْسَها، ثم قال: عليَّ بأبي موسى، فجاء، فقالى له: ما حَملكَ على أن تُهديَ لنِسائي؟ ثم ضرب بها رأسَه وقال: خُذْها لا حاجةَ لنا بها (١). وحكى الواقدي أيضًا عن ابن عباسٍ قال: أهدت امرأةُ ملكِ الروم إلى زوجةِ عمر أُمِّ كلثوم بنت عليّ عقدًا وطِيبًا على دوابِّ البريدِ التي للمسلمين، وكان عمر قد بعث البريد إلى ملك الروم في مُهمٍّ، فبعثتْ معه أُمُّ كلثوم بهدية إلى امرأةِ ملك الروم، فبعثت إليها امرأةُ ملكِ الروم بهديَّةٍ فيها طِيبٌ، وعِقدُ لؤلؤٍ فيه جوهر له قيمةٌ، فلما بلغ عمرَ ذلك جمع المسلمين وأخبرهم الخبرَ وقال: ما تَرونَ؟ فقالوا: مازلنا نُهدي إليهم ويُهْدون إلينا، فقال: نعم، ولكنَّ البريدَ الذي حُمِلت عليها الهديّة إنَّما هو للمسلمين، فردَّ الطيبَ والعِقْدَ إلى بيتِ المال وقال: أعطوها قيمةَ ما أهدت (٢). وكان عمر رضوان اللَّه عليه إذا احتاج أتى صاحبَ بيت المال فاستقرضه، فربما أَعْسَر، فيأتيه صاحب بيت المال فيتقاضاه وبلزمه، فيحتال له عمر، وربما خرج عطاؤه فقضاه (٣).

стр. 2364

ذِكْرُ تعبُّدِه: قال ابن سعد بإسناده قال: كان يصوم الدهرَ، وكان زمانَ الرَّمادة إذا أمسى أُتي بخُبزٍ وزيتٍ قد لُتَّ به، ونَحروا يومًا جَزورًا، فقدَّموا إليه منها فقال: بئسَ الوالى أنا إنْ أكلتُ طَيِّبَها وأطعمتُ المسلمين كراديسها، ولم يأكلْ منها، وقد ذكرناه. وكان يصلي بالناس العشاء، ثم يدخل بيتَه، فلا يزال يصلي، حتى إذا كان آخر الليل خرج فيأتي الأنقاب فيطوف عليها. وروى ابن سعدٍ عن ابن المسيّب قال: كان عمر يُحِبُّ الصلاة في كَبدِ الليل. يعني في وسط الليل (١). وروى سفيان بن عُيينةَ بإسناده عن ابن عمر قال: ما مات عمر حتى سَرَد الصَّوْمَ (٢). ذِكْرُ خوفِه: رُوي عن عبد اللَّه بن عمر قال: كان عُمر يقول: لو ماتَ جَدْيٌ بطَفِّ الفُراتِ لخَشيتُ أنا يُحاسبَ اللَّه به عمر. وقال ابن سعدٍ بإسناده عن عبد اللَّه بن عامر قال: رأيتُ عمر بنَ الخطاب قد أخذَ تِبنَةً من الأرض وقال: ليتني كُنتُ هذه التِّبْنَةَ، ليتني لم أُخلق، ليتني لم تلدني أمي، ليتني لم أكن شيئًا، ليتني كنتُ نَسْيًا مَنْسيًّا (٣). وقال أبو نُعيم بإسناده عن عبدِ اللَّه بن عيسى قال: كان في وَجهِ عمرَ خَطّانِ أسودانِ من البكاء. ورُوي عن ابن أبي الدنيا، عن ابن عمر قال: كان عمر يسمع الآيةَ فيُغشى عليه، فيُحملُ صريعًا إلى منزله، فيُعاد أيامًا، ما به مَرَضٌ غير الخوف (٤). قال رسول اللَّه ﷺ : "قد كان في الأمم مُحدَّثون، فإن يكن في أمتي [منهم أحد] فعمر". أخرجه مسلم. وقال البخاري: وزاد زكريا بن أبي زائدة: "قد كان قبلكم من بني إسرائيل رجالٌ

стр. 2365

يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن أحد من أمتي فعمر" (١). حديث هرب الشيطان من عمر: قال أحمد بإسناده، قال سعد بن أبي وقاص: استأذن عمر بن الخطاب على رسولِ اللَّه ﷺ وعنده نِسْوَةٌ من قُريشٍ يسألْنَه ويستَكثِرْنَه، عاليةً أصواتُهن على صوته، فلما استأذن عمر ابتدَرْنَ الحجابَ، فأذِن له رسولُ اللَّه، فدخل ورسولُ اللَّه يضحكُ، فقال عمر: أضحكَ اللَّه سِنَّك يا رسول اللَّه، ممَّ تَضحك؟ قال: عجبتُ من هؤلاء اللاتي كُنَّ عندي، فلما سَمِعْنَ صوتَك ابتَدَرْن الحجابَ، قال عمر: فأنتَ أحقُّ يا رسولَ اللَّه أن يَهَبْنَ، ثم قال عمر: أي عدوَّاتِ أنفُسهنَّ، أتَهبنَني ولا تَهَبْنَ رسولَ اللَّه ﷺ ؟ قُلن: نعم، أنت أفَظُّ وأغلظُ من رسولِ اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إيه يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لَقيك الشيطانُ سالكًا فجًّا إلا سلك غير فَجِّكَ". أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وقال رسول اللَّه ﷺ : "رأيت فيما يرى النائم كأني [أنزع أرضًا إذ] وردت عليَّ غنم سود وعُفْر، فجاء أبو بكر فنزع ذَنوبًا أو ذَنُوبَيْن، وفي نَزْعه ضَعفٌ واللَّه يغفر له، ثم جاء عمر فنزع فاستحالت غَرْبًا، فملأ الحوض، وأروى الواردة، فلم أر عبقريًّا أحسن نزعًا من عمر، فأوَّلتُ أن السَّواد العرب، والعُفْرَ العَجمُ". أخرجاه في "الصحيحين" (٣). حديث القَدَح: قال أحمد بإسناده عن سالم، عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يُحَدِّث قال: "بينما أنا نائمٌ رأيتُ أني أُتيتُ بَقدَحٍ، فشربتُ حتى أرى الريَّ يَخرج من أطرافي، ثم أعطيتُ فَضْلي لعمر"، قالوا: فما أوَّلْتَ ذلك يا رسول اللَّه؟ قال: "العلم". أخرجاه في "الصحيحين" (٤).

стр. 2366

قال عمر رضوان اللَّه عليه: وافقتُ ربّي في ثلاث؛ قلتُ: يا رسول اللَّه، لو اتَّخذنا من مقام إبراهيم مصلَّى، فنزلت ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقلتُ: يا رسول اللَّه، إن نساءك يَدخل عليهنّ البرُّ والفاجر، فلو أمرتَهنَّ أن يحتَجِبْنَ، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول اللَّه نساؤه في الغَيْرة، فقلت لهنّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ [التحريم: ٥]، فنزلت كذلك. أخرجاه في "الصحيحين" (١). قال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: فضَل الناسَ عمرُ بأربع: بذكر الأُسارى يوم بدرٍ، أمر بقتلهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية [الأنفال: ٦٨]، وبذكر الحجاب، أمر نساءَ رسول اللَّه ﷺ أن يَحتجِبْن، فقالت له زينب: وإنك علينا يا ابن الخطاب، والوحيُ يَنزل في بيوتنا؟!، فأنزل اللَّه ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٤]، وبدعوة النبي ﷺ : "اللهمَّ أيِّد المسلمين بعمر". وبرأيه في أبي بكر، كان أول مَن بايعه من الناس (٢). حديث القميص: قال أحمد بإسناده عن أبي سعيد الخُدريِّ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "بينما أنا نائمٌ رأيتُ الناسَ يُعرَضون عليَّ، وعليهم قُمُصٌ، منها ما يَبلغ الثُّدِيَّ، ومنها ما يبلغُ دون ذلك، وعُرِضَ عليَّ عمرُ وعليه قميصٌ يَجُرُّه"، قالوا: فما أوَّلتَ ذلك يا رسولَ اللَّه؟ قال: "الدِّين". أخرجاه في "الصحيحين" (٣). حديث القصر: قال أحمد بإسناده عن أنسٍ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "دخلتُ الجنَّةَ، فإذا بقصرٍ، فقلتُ: لمن هذا القصرُ؟ قالوا: لشابذٍ من قريشٍ، قلتُ: لمَن؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، فلولا ما علمتُ من غَيْرَتِك لدخلتُه"، فقال عمر: عليك يا

стр. 2367

رسولَ اللَّه أغار. أخرجاه في "الصحيحين" (١). حديث "لو كان بعدي نبي": قال أحمد بإسناده عن عُقبة بن عامر قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لو كان بعدي نبيٌّ لكان عمرَ بنَ الخطاب" (٢). وقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه جعل الحقّ على لسان عمر وقلبِه" (٣). وقال أحمد بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "عمر بن الخطابِ سِراجُ أهلِ الجنَّةِ" (٤). قال الزهري: ومعناه أنَّهم يستضيئون بنورِ عَدْلهِ وزُهده وشِدَّته في اللَّه. وقال أحمد بإسناده عن ابن عمر عن أبيه عمر قال: استأذَنْتُ رسولَ اللَّه ﷺ في العمرةِ، فأذِن لي وقال: "يا أخي، لا تَنْسَنا من دُعائِكَ"، وفي روايةٍ: "يا أخي، أشرِكْنا في دعائك"، قال عمر: ما أُحبُّ أن لي بها ما طلعت عليه الشمس، لقوله: "يا أخي". حديث مُنكر ونَكير: قال أحمد بإسناده عن عبد اللَّه بن عَمرو قال: ذكر رسول اللَّه ﷺ فتَّانَ القبر -أو فتَّانَي القَبْرِ- فقال عمر: أَتُرَدُّ علينا يا رسول اللَّه عقولُنا؟ قال: "نعم، كهيئتكم اليوم"، فقال عمر: بفِيه الحجر (٥). وسنذكر هذا عند وفاة عمر. قال أسلم: خرجتُ مع عمر إلى السوق، فلحقته امرأةٌ شابة فقالت: يا أمير المؤمنين، هلك زوجي وترك صِبيةً صغارًا، واللَّه ما يُنضِجون كُراعًا، ولا لهم زَرْعٌ ولا ضَرْع، وقد خشيتُ عليهم الضَّبُع، وأنا ابنةُ خُفاف بن إيْماء الغِفاري، وقد شهد أبي الحُديبيةَ مع رسول اللَّه ﷺ . فوقف عمر معها ولم يَمضِ، وقال: مَرحبًا بنسبٍ قريب، ثم انصرف إلى بعيرٍ

стр. 2368

ظَهير، كان مَربوطًا في الدار، فحمل عليه غِوارتَيْن ملأهما طعامًا، وجعل بينهما نَفقةً وثيابًا، وناولها خِطامَه وقال لها: اقتاديه، فلن يَفنى هذا حتى يأتيَكم اللَّه بخير، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أكثرتَ لها! فقال عمر: ثَكلتْك أمُّك، واللَّه إني لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حِصنًا زمانًا فافتتحاه، ثم أصبحنا نَستَفيْءُ سُهْمَانَهما فيه. انفرد بإخراجه البخاري (١). وقال أبو نعيم بإسناده عن الأوزاعي أن عمرَ بنَ الخطاب خرجَ في سوادِ الليل، فرآه طلحةُ، فدخل عمر بيتًا، ثم دخل بيتًا آخر، فلما أصبح طلحةُ ذهب إلى ذلك البيت، فإذا عجوزٌ عَمياء مُقْعَدَةٌ، فقال لها: ما بالُ هذا الرجل يَأتيك؟ فقالت: إنَّه يَتعاهَدُني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يُصلحني، ويُخرِجُ عنّي الأذى، فقال طلحةُ: ثكلتْكَ أُمُّك يا طلحة، أعَثراتِ عمر تَتبَّع (٢)؟ وقال ابن سعدٍ بإسناده عن ابن عمر قال: قَدِمت رُفْقَةٌ من التُجّارِ فنزلوا المصلَّى، فقال عمر لعبد الرحمن بن عوفٍ: هل لك أن نَحْرُسَهم الليلةَ من السَّرق؟ قال: نعم، فباتا يَحرسانهم ويصلِّيان ما كتب اللَّه لهما، فسمع عمرُ بكاءَ صبيِّ، فتوجَّه نحوه وقال لأُمِّه: اتَّقي اللَّه وأحسِني إلى صبيِّكِ، ثم عاد إلى مكانه فسمع بكاءه، فعاد إلى أُمِّه فقال لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه، فلما كان آخر الليل سمع بكاءَه، فأتى أُمَّه فقال لها: وَيحكِ، إني لأراك أُمَّ سوءٍ، مالي أرى ابنَك لا يَقِرُّ منذ الليلة؟ فقالت: يا عبدَ اللَّه، قد أَبْرَمْتَني منذ الليلةِ، إني أُرِيغُه عن الفِطام فيأبى ذلك، قال: ولمَ؟ قالت: لأنَّ عمرَ لا يَفْرِضُ إلا للفُطُم، قال: وكم له؟ قالت: كذا وكذا شهرًا، قال: وَيحكِ لا تُعجِليه، فصلّى الفجرَ وما يَستبينُ الناسُ قِراءتَه من غَلَبة البُكاءِ، فلما سلَّم قال: بُؤسًا لعمر كم قتلَ من أولادِ المسلمين، ثم أمر مناديه فنادى: لا تُعجِلوا صِبيانَكم عن الفِطام، فإنا نَفرِضُ لكلِّ مولودٍ في الإسلام، وكتب بذلك إلى الآفاق (٣). قال أسلم: أتينا الحرَّة مع عمر فإذا امرأة تمخض وتبكي، فسألها عمر عن حالها

стр. 2369

فقالت: يا عبد اللَّه، أنا امرأة غريبة، وليس عندنا شيء، فبكى عمر، وعاد يُهرول إلى بيته، فقال لامرأته أمِّ كلثوم بنت علي: هل لك في أجرٍ ساقه اللَّه إليك، وأخبرها الخبر، فقالت: نعم، فحمل على ظهره الدَّقيق والشَّحْم، وحملت أمُّ كلثوم ما يَصلُح للولادة، وجاء فدخلت أمُّ كلثوم على المرأة، وجلس عمر يتحدث مع زوجها، وهو إلى جانبه ولا يعرفه، ووضعتْ المرأةُ غُلامًا، فنادت أم كلثوم: يا أمير المؤمنين، بَشِّر صاحبَك بغُلام، فلما سمع الرجل قولَها استأخر عنه، فقال: على رِسلك، فوصلهما وانصرف (١). حديث امرأةٍ أخرى: قال عبد اللَّه بن أحمد بإسناده، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: خرجنا مع عمرَ إلى حَرَّةِ واقمٍ، حتى إذا كنّا بِصِرار إذا بنارٍ، فقال لي: يا أسلم، إني أرى هاهُنا ركبًا قد قَصَّر بهم الليلُ والبردُ، انطلق بنا، فأخذنا نُهَرْوِلُ حتى أتيناهم، فإذا امرأةٌ معها صِبْيان صغار، وإذا بقِدْرٍ منصوبةٍ على النارِ، وصبيانُها يَتَضاغَوْن، فقال عمر: السلام عليكم يا أصحابَ الضَّوء، وكره أن يقول: يا أصحاب النار، فردَّتِ السلامَ فقال: ما بالُكم؟ قالت: هؤلاء الصبيان يَتَضاغَوْن جوعًا، قال: فأيُّ شيءٍ في هذه القِدرِ؟ قالت: ما أُعلِّلُهم بهِ حتى يناموا، واللَّه بيننا وبين عمر، فقال: رحمكِ اللَّه، وما يُدري عمرَ بكم؟ قالت: يتولّى أمرَنا ويَغفُلُ عنا؟! قال: فبكى بكاءً شديدًا وقال: اتبعني، وهرول حتى أتى دار الدقيقِ، فأخرج عِدْلًا من دقيقٍ وكُبَّةَ شَحْم، وقال: يا أسلم، احمِلْه على ظَهْري، فقلتُ: أنا أحمِلُه عنك، فقال: لا أُمَّ لك، أنت تحملُ وِزْري يومَ القيامة؟ فحملتُه على ظهرِهِ، وانطلقنا إلى المرأةِ، فألقاه عن عاتِقِه، فأخرج من الدقيقِ فَذَرَّه في القِدْرِ، وألقى عليه من الشَّحْمِ، وجعل يَنفُخ تحت القِدْرِ ساعةً، ثم أنزلها وقال: ابغني صَحْفة، فغرف فيها، ثم تركها بين يَدَي الصبيانِ وقال: كُلوا، فأكلوا حتى شبعوا، والمرأةُ تدعو له وتقول: جزاك اللَّهُ خيرًا، كنتَ أولى بهذا من عمر، فقال: قُولي خيرًا، ثم تنحّى عنها فربضَ مَرْبضًا،

стр. 2370

فقلتُ له: ألك شأنٌ غيرُ هذا؟ فقال: يا أسلم، الجوعُ أسهَرهم وأبكاهم، فما أُحِبُّ أن أنصرفَ حتى يناموا، فناموا شباعًا وانصرفْنا (١). حديث ركوب البحر: قال ابن سعدٍ بإسناده عن زيدِ بن أسْلَم قال: كتب عمر بنُ الخطاب إلى عمرو بن العاص يسأله عن ركوبِ البحرِ، فكتب إليه عمرو يقول: دُودٌ على عُودٍ، فإن انكسر العودُ هلك الدّود، فأمسك عمر عن ركوبِ البحر، وفي رواية ابن سعدٍ أيضًا أن عمر قال: لا يَسألُني اللَّه عن ركوب المسلمين البحر أبدًا (٢). وروى عنه ابنُه عبد اللَّه أنه قال: لولا آية في كتاب اللَّه لعلوتُ راكبَه بالدِّرَّة، وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]. وحضر بين يديه عام الرَّمادة من لحم جَزور في قصعة، فقال لغلامه يرفأ: اذهب بهذه القصعة إلى أهل بيت بثَمْغ، فإني لم آتهم منذ ثلاث، ودعا بالخبز والزيت، وأفطر عليه. وكان يُدخل يدَه في دُبُر البعير ويقول: إني لخائف أن أُسألَ عمَّا بك (٣). وقال: لو مات جمل ضياعًا بشط الفرات لخفت أن يسألني اللَّه عنه. رأى علي عمر رضوان اللَّه عليهما يَعْدُو على قَتَب، فقال له: إلى أين يا أمير المؤمنين؟ فقال: قد نَدّ بعير من إبل الصدقة، فقال: لقد أتعبتَ الخلفاء بعدك، فقال: يا أبا الحسن لا تَلُمْني، فواللَّه لو مات جَدْيٌ بطَفِّ الفُرات لخِفْتُ أن أطلَبَ به (٤). وجاء أعرابي إليه فقال له: يا أمير المؤمنين، إن بَعيري قد نَقِب فاحملْني، فنظر عمر رضوان اللَّه عليه إليه، وقال: ليسى ببعيرك شيء، فولّى الأعرابي وهو يقول: [من الرجز] أقسم باللَّه أبو حَفْصٍ عُمَرْ ما مَسَّه من نَقَبٍ ولا دَبَرْ

стр. 2371

فاغفرْ له اللهمَّ إن كان فَجَرْ فقال عمر: اللهم اغفرْ لي وله، وحمله (١). وخرج رجل اسمُه كِلاب مجاهدًا إلى الشام، وله والدان كبيران، فقال أبوه: [من الوافر] تركتَ أباك مُرْعَشَةً يداه … وأمَّك ما تُسيغُ لها شرابا إذا غَنَّتْ حمامةُ بطْنِ فَجٍّ .... على بيضاتها ذكسرتْ كِلابا وبلغ عمرَ رضوان اللَّه عليه الشعرُ، فكتب إلى يزيد بن أبي سفيان أن سَرِّح كلابًا، فلما قدم قال له: كن مع أبوَيْك حتى يَموتا أو تموت (٢). فصل قصة نصر بن حجَّاج قرأتُ على أبي القاسم عبد المحسن بن عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي الخطيبُ بالموصلِ في سنة خمسٍ وستٍّ مئةٍ، قلتُ له: أخبركم والدك أبو الفضل عبد اللَّه بن أحمد، وعمُّك أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الطوسي، قالا بإسنادهما عن أبي بكرٍ محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي، وكانت قِراءة الكِنْدي على الخرائطي بمكة في المسجد الحرام سنة ثلاثٍ وخمسين وثلاثِ مئةٍ، قال الخرائطي بإسناده عن محمد بن الجَهْم بن عثمان بن أبي الجهم، عن أبيه، عن جَدِّه، وكان على ساقة غنائم خيبر حين افتتحها رسول اللَّه ﷺ قال: بينما عمر ﵁ يطوف ليلة في سِكَّةٍ من سِكَكِ المدينةِ إذ سمع امرأةً؛ وهي تَهتف في خِدْرِها وتقول: [من البسيط] هل من سبيلٍ إلى خَمْرٍ فأشربَها … أم هل سبيلٌ إلى نَصْرِ بن حجَّاجِ إلى فتًى ماجدِ الأعراقِ مُقْتَبلٍ … سهلِ المُحيّا كريمٍ غيرِ مِلْجاجِ نَمَتْهُ أعراقُ صِدْقٍ حين تَنْسبُه … أخي حِفاظٍ عن المكروه فرَّاجِ فقال عمر: أرى معي في المِصْرِ رجلًا تهتِفُ به العواتقُ في خِدْرِها -أو في

стр. 2372

خُدورِها- عليَّ بنَصرِ بن حجَّاج، فأُتي به، فإذا هو من أحسنِ الناسِ وَجْهًا وعَينًا وشَعَرًا، فأمر بشَعرِهِ فجُزَّ، فخرجتْ له جبهةٌ كأنَّها شِقَّة قَمرٍ، فأمره أن يَعتَمَّ، فاعتمَّ فافتُتنَ النساءُ بعَيْنيه، فقال عمر: واللَّه لا تُساكِنُني في بلادٍ أنا بها، قال: اللَّه اللَّهَ يا أمير المؤمنين، قال: هو ما أقول لك، فسيَّره إلى البصرة. وخشيت المرأةُ التي سمع منها عمرُ أن يبدرَ إليها منه شيءٌ، فدسَّت إليه أبياتًا تقول: [من البسيط] قُلْ للإمامِ الذي تُخْشى بَوادِرُه … مالي وللخَمْرِ أو نَصْرِ بن حجَّاجِ إني غَنِيتُ أبا حَفْصٍ بغيرهما … شُربِ الحليبِ وطَرْفٍ فاترٍ ساجِ إن الهوى زمَّه التَّقوى فخَيَّسه … حتى أَقَرَّ بإلجامٍ وإسراجِ لا تَجعلِ الظنَّ حقًّا أو تُيَقِّنَه … إنَّ السبيلَ سبيلُ الخائفِ الراجي قال: فبكى عمرُ وقال: الحمدُ للَّهِ الذي حبسَ التُّقى الهوى. قال: وأتى على نصرٍ حينٌ، واشتدَّ على أُمِّه غيبةُ ابنها عنها، فتعرَّضت لعمرَ بين الأذانِ والإقامةِ، فقَعدتْ له على الطريقِ، فلما خرج يُريد صلاةَ العصرِ قالت: يا أمير المؤمنين، لأُجاثيَنَّكَ يبن يدي اللَّه تعالى ثم لأُخاصمنَّك؛ أيبيتُ عبدُ اللَّه وعاصمٌ إلى جنبك، وبيني وبين ابني الفيافي والقِفار، والمفاوِزُ والجبالُ؟ فقال لها: يا أُمَّ نصرٍ، إن عبد اللَّه وعاصمًا لم تهتفْ بهما العواتقُ في خُدُورِهن، وانصرفتْ. ومضى عمر إلى الصلاةِ، وأَبْرَد عمر بَريدًا إلى البَصْرةِ، فمكث بالبصرةِ أيامًا، ثم نادى مُناديه: مَن أراد أن يَكتُبَ إلى المدينةِ فليَكتُبْ، فإنَّ بريدَ المسلمين خارجٌ، قال: فكتب الناسُ، وكتب نَصر بنُ حجَّاج: سلامٌ عليك، أما بعدُ يا أميرَ المؤمنين: [من الطويل] لعَمري لئن سيَّرتَني وحَرَمْتَني … فما نِلْتَ من عِرْضي عليك حرامُ أإن غَنَّتِ الذَّلْفَاءُ يومًا بمُنْيَة … وبعضُ أمانيِّ النساءِ غَرامُ ظننتَ بي الأمرَ الذي ليس بعده … بقاءٌ فمالي في النَّدِيِّ كلامُ ويَمنعُني مما تقولُ تَكَرُّمي … وآباءُ صدقٍ سالفون كِرامُ ويَمنعُها مما تمنَّت صَلاتُها … وحالٌ لها في قومِها وصِيامُ

стр. 2373

فهاتان حالانا فهل أنت راجعي … فقد جُبَّ منّا غارِبٌ وسَنَامُ فقال عمر: أمّا ولي الإمارةُ فلا، وأقطعه أرضًا بالبصرة ودارًا. قال أبو بكرٍ الخرائطي: رحمةُ اللَّه على عمر، ما كان أنظرَه بنورِ اللَّه، وأفْرَسَه في ذاتِ اللَّه! كان واللَّهِ كما قال الشاعر: [من الطويل] بَصيرٌ بأعقابِ الأُمورِ برأيه … كأنَّ له في اليوم عَينًا على غَدِ وكما قال الآخر: [من السريع] تَزيده الأيامُ إن ساعَفَتْ … شدَّةَ حَزْمٍ بتَصاريفها كأنها في حالِ إسعافِها … تُسمعُه ضَجَّةَ تخويفها وفي مثله يقال: [من الطويل] يرى عَزَماتِ الرَّأي حتى كأنما … تُلاحِظُه في كلّ أمرٍ عَواقِبُهْ قال: وذلك أن نَصر بن حجَّاجٍ لمّا نفاه عمر ﵁ إلى البصرةِ، كان يدخُلُ على مُجاشع بن مسعود السُّلَمي، وكان به مُعْجَبًا، وكان لمجاشعٍ امرأةٌ يُقال لها الخُضَيراء تكتبُ وتقرأ، وكانت من أجمل النساء، وكان مُجاشِعٌ لا يَصبِرُ عنها وعن نصر بن حجَّاج، وهو يومئذٍ على البصرةِ أميرٌ، فكان لشَغَفِهِ بهما يَجمعهما في مَجلسهِ، فحانت من مُجاشعٌ التفاتةٌ ونَصرٌ يَخُطُّ على الأرضِ خُطوطًا، فقالت الخُضيراء: وأنا، فعلم مجاشعٌ أنَّه جوابُ كلامٍ، وكان مُجاشعٌ لا يقرأ. وانصرف نَصرٌ إلى منزلهِ، ودعا مجاشعٌ كاتبًا، فقرأ فإذا هو: إني لأُحبُّك حُبًّا لو كان فوقَك لأظلَّكِ، ولو كان تحتك لأقَلَّكِ، وبلغ نَصرًا من فعلِ مُجاشع بن مسعود فاستحيا لذلك، واشتد وجدُه بها، وظهر دَنَفُه، وعَظُمَتْ بَليَّتُه، وحلَّتْ رزِيَّتُه، والتحَف عليه الضَّنَى، وامتنع من الغِذاء حتى شارفَ الفَناء، ولزمَ بيتَه حتى صار كالفَرْخِ، فقال مجاشع لامرأته: اذهبي إليه فأَسْنِديه إلى صَدرِك، وأطعميه الطعام بيدك، فأبت، فعزم عليها فذهبت، ففعلت به ذلك، فلما تحامل نصر خرج من البصرةِ فلم يُوقف له على خَبَرٍ (١).

стр. 2374

وذكر المبرِّدُ في كتاب "الكامل" أن عمرَ لمّا جزَّ شَعرَ نَصْرِ قال نَصْر: [من الطويل] ضَنَّ ابنُ خَطّابٍ عليَّ بجُمَّةٍ … إذا رُجِّلَت تهتَزُّ هزَّ السَّلاسِلِ فصَلَّعَ رأسًا لما يصلِّعْهُ ربُّه … يرِفُّ رفيفًا بعد أسودَ جاثِلِ (١) الجاثل: الكثيرُ الشَّعر. وقال هشام بن الكَلْبي: نصرُ بن حجَّاج بن عِلاط السُّلَميُّ، لأبيه حجَّاج صحبةٌ. ومُجاشع بن مسعود كان خليفة أبي موسى الأشعريِّ على البصرةِ، وطلَّق مُجاشعٌ امرأتَه بسبب نَصرٍ، وبلغ أبا موسى فقال لنَصرٍ: ما أخرجَكَ أمير المؤمنين من خيرٍ، اخرُج عنّا، ونفاه إلى فارس، فنزل على دِهقانةٍ فأعجبها، فراسلتْه وراسَلها، وكان على فارس عُثمان بن أبي العاص الثقفي، فأراد أن يَنفيَه فقال له نصر: واللَّهِ لئن سيَّرْتني لألحقنّ بالكفار، فسكت عنه (٢). وقال الهيثم: فيقال إن المُتَمَنِّية التي قالت: هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشربها، الفارعةُ أُمُّ الحجاج بن يوسف الثقفي، واللَّه أعلم. وبينا عمر يَطوفُ بالمدينة ذات ليلة إذا بنسوةٍ يَتحدَّثْنَ، فإذا هنَّ يَقُلن: أيُّ أهلِ المدينة أَصْبَح؟! فقالت امرأة منهن: أبو ذُؤيب، فلما أصبح سأل عنه، فإذا هو من بني سُليم، فأرسل إليه، فإذا هو منَ أجملِ الناس وَجهًا، فلما نظر إليه قال: واللَّه أنتَ ذِئبُهنّ، مرتين أو ثلاثًا، والذي نفسي بيده لا تُجامِعْني بأرض أنا بها، فقال له: إن كنتَ لابدَّ مُسيِّرَني فسَيِّرْني إلى حيثُ سيَّرتَ ابن عمّي، فأمر له بما يُصلحُه وسيَّره إلى البصرة (٣). وخرج رجل من المسلمين غازيًا وترك امرأتَه، وكان إلى جنبها رجلٌ يُقال له: مَعقِل؛ له جَمال وشَعر، فكتب زوجُها إلي عمر: [من الطويل] أعوذُ بربِّ الناس من شَرِّ مَعقِل … إذا مَعقِلٌ راح البَقيعَ ورَجَّلا

стр. 2375

فقال عمر رضوان اللَّه عليه للرجل: الحق بناحية أهلك حتى يَقدم فُلان (١). وكان بالمدينة رجلٌ يُقال له: جَعْدَة؛ يتعرَّضُ للنّساء يَلبس الحُلَّة، ويُرَجِّل شَعره، وكان عمر ﵁ قد جَهَّز جيشًا إلى الشام للغزو، وبلغ الأنصار الذين في الجيش خبرُ جَعْدَة، فكُتب إلى عمر رضوان اللَّه عليه: [من الوافر] ألا أبلغْ أبا حَفْصٍ رَسولا … فدًى لك من أخي ثِقَةٍ إزاري قَلائِصَنا هَداك اللَّه إنّا … شُغِلْنا عنكمُ زَمنَ الحِصارِ يُعَقِّلُهُنَّ جَعْدةُ شَيْظَمِيٌّ … وبئس مُعَقِّلُ الذَّوْدِ الظُّؤارِ فلما وقف عمر رضوان اللَّه عليه على الأبيات سأل عن الرجل، فدُلَّ عليه، فجزَّ شَعره، ونفاه عن المدينة (٢). ذكر تواضع عمر ﵁ -: قال أحمد بإسناده عن عُبيد اللَّه بن عباس قال: كان للعباسِ مِيزابٌ على طريقِ عمر، فلبس عمرُ ثيابَه يومَ الجمعة، وقد كان ذُبِحَ للعباس فَرْخان، فلما وافى المِيزابَ صُبَّ ماءُ دمِ الفَرْخَين فيه، فأصاب عمرَ، فأمر بقَلْعهِ، ثم رجع عمر فطرح ثيابه ولبس غيرها، ثم جاء فصلّى بالناس، فأتاه العباس فقال له: واللَّه إنَّه الموضع الذي وضعه رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال عمر للعباسِ: وأنا أعزِمُ عليك إلا صَعدتَ على ظهري، حتى تضعه في الموضعِ الذي وضعه فيه رسول اللَّه ﷺ ، ففعل العباسُ ذلك (٣). قدم الأَحْنَف بن قيس المدينة، فقال له عمر رضوان اللَّه عليه: أين نزلتُم؟ قال: في مكان كذا وكذا، قال الأحنف: فقام معنا حتى انتهى إلى مُناخ رِكابنا، فجعل ينظر إلى الرّكاب ويقول: ألا اتَّقيتُم اللَّه فيها، أما علمتم أن لها عليكم حقًا، ثم انصرف راجعًا فلقيه رجل فقال: أعْدِني على فُلان فقد ظلمني، انطلق معي إليه، فخفق رأسَه بالدِّرَّة فقال: تَدَعون عمر وهو مُعرَّضٌ لكم (٤)، حتى إذا اشتغل بأمور المسلمين أتيتموه

стр. 2376

تقولون أَعْدِني على فلان، فانصرف الرجل، ثم ندم عمر رضوان اللَّه عليه وقال: عليَّ به، فأُتي به، فألقى إليه المِخْفَقَة وقال له: امتثل، فقال: لكن أدعُها للَّه ولك، فقال عمر: بل له، فقال: للَّه، فقعد عمر يبكي ويقول: يا ابن الخطاب، ويلك، كنتَ وَضيعًا فرفعك اللَّه، وذَليلًا فأعزَّك اللَّه، وضالًا فهداك اللَّه، ثم حملك على رقاب المسلمين، فجاءك رجل يَستَعديك على ظالمه فضَربتَه، فماذا تقول لربك غدًا؟ قال الأحنف: فمازال يُعاتبُ نفسَه ويقول: يا ابن الخطاب، واللَّه لتَتَّقِيَنَ اللَّه أو لَيُعَذِّبَنَّك. وكان يقول: رحم اللَّه امرأً أهدى إلي عُيوبي. واجتمع عمر وطلحة والزبير وسلمان وكعب الأحبار ﵃، فقال عمر رضوان اللَّه عليه: ما الخليفةُ من الملك؟ فقال سلمان: الخليفة الذي يَعدِلُ في الرَّعيَّة، ويقسم بينهم بالسَّوِيَّة، ويُشفق عليهم شَفَقةَ الرَّجُلِ على أهله، وَيقضي بينهم بكتاب اللَّه. فقال كعب: ما كنتُ أحسِبُ أن في المجلس أحدًا يعرف الخليفةَ من الملك غيري، ولكن اللَّه ألهم سلمان علمًا وحكمًا (١). وكان عمر رضوان اللَّه عليه ينام في المسجد، فيقوم وقد أَثَّر الحصى في جَنْبِه. ومرَّ بضَجَنان فقال: لقد رأيتُني وإني لأرعى على آل الخَطّاب في هذا المكان، وكان (٢) واللَّه ما علمتُ فَظًّا غليظًا، ثم أصبحتُ ألي أمر أمّةِ محمد ﷺ ، ثم قال متمثلًا: [من البسيط] لا شيءَ مما ترى تَبقى بَشاشَتُه … يَبقى الإلهُ ويُودي المالُ والوَلَدُ ثم قال لبعيره: حَوْبَ، كنتُ أرعى هاهنا، وأحتَطِبُ هاهنا، وليس فوقي اليوم أحد والناسُ دوني، إنا للَّه وإنا إليه راجعون. وكان عمر ﵁ يَحمل في السنة الواحدة على أربعين ألف بعيرٍ (٣). هجا النَّجاشي الشاعر رهطَ تَميم ابن مُقبل، فاستعدَوْا عليه عمر رضوان اللَّه عليه،

стр. 2377

فقال: ما قال فيكم؟ فقالوا: قال: [من الطويل] إذا اللَّه عادى أهلَ لُؤمٍ ودِقَّةٍ … فعادى بني عَجْلانَ رهطَ ابنِ مُقْبِلِ فقال عمر رضوان اللَّه عليه: هذا رجل دعا، فإن كان مَظلومًا استُجِيبَ له، وإن لم يكن مَظلومًا لم يُستَجَبْ له، قالوا: فإنه قال: قُبَيِّلَةٌ لا يَخفِرون بذِمَّةٍ … ولا يَظلمون الناسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ فقال عمر رضوان اللَّه عليه: ليت آل الخطاب كانوا مثل هؤلاء، قالوا فإنه يقول: ولا يَرِدون الماءَ إلا عَشِيَّةً … إذا صَدرَ الوُرَّادُ عن كلِّ مَنْهَلِ فقال عمر رضوان اللَّه عليه: فذاك أَجَمُّ لهم وأَمْكَن، قالوا: فإنه يقول، وذكروا بيتًا فيه تَذَلُّل (١)، فقال عمر رضوان اللَّه عليه: سَيِّدُ القوم خادِمُهم. وقال عمر رضوان اللَّه عليه لجرير والناس يَتحامَون العراق وقتال الأعاجم: سِرْ بقومك، فما غلبتَ عليه فلك رُبعه، فلما جُمعت غنائمُ جَلولاء ادَّعى جرير أن له رُبع ذلك، فكتب سعد ﵁ يُخبره بذلك، فكتب إليه عمر رضوان اللَّه عليه: صدق جرير، قد قلتُ له ذلك، فإن شاء أن يكون قاتَل هو وقومُه في جُعْلٍ فأَعطوه جُعْلَه، وإن يكن إنما قاتَل للَّه ولدينه وحَسَبه فهو رجل من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم. فلما قدم كتابُه على سعد ﵁ بذلك، أخبر جريرًا فقال: صدق أمير المؤمنين، لا حاجةَ لي به، أنا رجلٌ من المسلمين (٢). وسأل رجلًا عن شيء فقال: لا، أطالَ اللَّه بَقاءك، فقال عمر رضوان اللَّه عليه: ما هذا، قد عُلّمتُم فلم تتعلّموا، هلا قلت: لا، وأطال اللَّه بقاءك. وسمع امرأةً تَطوف بالبيتِ وتقول: [من الطويل] وفيهنّ مَن تُسقى بَعذْبٍ مُبَرَّدٍ … نُقاخٍ فتلكم عند ذلك قَرَّتِ وفيهنّ مَن تُسقى بأَخْضَرَ آجِنٍ … أُجاج ولولا خشيةُ اللَّه فَرَّتِ

стр. 2378

ففهم عمر رضوان اللَّه عليه، فاستَدعى زوجَها، فوجده أَخضرَ الأسنان، مُتَغَيِّر الفم، قبيحَ المنظر، فخُيّر بين جاريد من الفيء، أو خمس مئة درهم، ويُطلّق امرأتَه، فاختار الخمس مئة درهم، وطلّق المرأة (١). ذكر جملةٍ من كلامه: حدَّثنا غير واحدٍ عن فخرِ النساء الكاتبة بإسنادها، عن وديعة الأنصاري قال: سمعتُ عمر بن الخطاب يقول وهو يَعِظُ رجلًا: لا تتكلَّم فيما لا يَعنيك، واعتزلْ عدوَّك، واحذرْ صديقَك إلا الأمين، ولا أمينَ إلا مَن يَخشى اللَّه، ولا تَمْشِ مع الفاجرِ فيعلِّمك من فُجورهِ، ولا تُطلِعْهُ على سِرِّك، ولا تُشاورْ في أمرِك إلا من يَخافُ اللَّه وَيتَّقيه (٢). وروى مالك بن دينار، عن الأحنف بن قيس قال: قال لي عمر: يا أحنَفُ، مَن كثر ضَحِكُه قَلَّتْ هَيْبَتُهُ، ومَن مَزَحَ استُخِفَّ به، ومَن أكثر من شيءٍ عُرِف به، ومَن كَثُرَ كلامُه كَثُر سَقَطُه، ومَن كَثُر سَقَطُه قلَّ حَياؤه، ومَن قلَّ حياؤه قلَّ وَرَعُه، ومَن قلَّ وَرَعُه مات قَلْبُهُ (٣). وقال ابن عباس: بعث ملكُ الروم إلى عمر بقارورةٍ فقال: امْلَأْها من كلِّ شيءٍ، فملأها ماءً وقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وكتب إلى أبي موسى: من عبد اللَّه أمير المؤمنين عمر، إلى عبد اللَّه بن قيس: سلام عليك، أما بعد، فإن للناس نَفْرةً من سلطانهم، فاحذر أن تُدرِكَك عَمياءُ مَجهولة، وضَغَائن مَحْمولَة، وأهواء مُتَّبَعة، ودنيا مُؤثَرة، فأقِمِ الحُدود ولو ساعةً من نهار، وأخِف الفُسَّاق، ومتى وقعت مُنَافرةٌ بين القبائل فتَنَادَوْا: يا لَفلان؛ فإنما تلك نَخْوة الشيطان، فاضربهم يالسيف حتى يفيئوا إلى أمر اللَّه، واستَدِمِ النِّعَم بالشُّكر، والطَّاعةَ بالتّأليف، والقُدرة بالعفو، والنَّصْرَ بالتَّواضُع. وبلغني أن ضَبَّةَ قالت: يا آل ضَبَّة، ومَن ضَبَّة، واللَّه ما أعلم أن اللَّه ساق بها خيرًا،

стр. 2379

ولا دفع بها شَرًّا. واشهد جنائز المسلمين، وعُدْ مَرضاهم، وباشر أمورَهم، وافتح بابَك لهم، فإنما أنت رجلٌ منهم، غير أن اللَّه جعلك أثقلَهم حِملًا. وقد بلغني أنه قد فَشَتْ لك ولأهلك هَيْئةٌ في لباسك ومَطعمك ومَرْكَبِك ليس للمسلمين مثلها، فإياك يا ابن قيس أن تكون مثلَ البَهيمة؛ هَمُّها في السِّمَن وفيه حَتْفُها. واعلم أن مَن تزيَّن للناس بما يَعلَمُ اللَّه خِلافه هتك اللَّه ستره، وأن العامل إذا زاغ زاغتْ رَعيَّتُه، وأشقى الناس مَن شَقِي به الناس (١). وخطب عمر رضوان اللَّه عليه فقال: الحمد للَّه الذي أعزَّنا بالإسلام، وأكرَمَنا بالإيمان، ورَحِمنا بمحمد ﵇، وجَمَعَنا بعد الشَّتات، وألَّفَ بين قُلوبنا، ونصرنا على عَدوِّنا، وفتح لنا البلاد، وأَدان لنا العباد، وجَعَلنا إخوانًا على سُرُرٍ مُتَقابِلين، وفيه مُتَحابِّين، فنَحمد اللَّه على هذه النِّعمة، ونَسألُه المزيدَ من فضله، وقد صَدَقَنا وَعْدَه، ووَعَدنا نَصْرَه، فإياكم والمعاصي وكُفْران النِّعَم، فقلَّ أن كفرَ قومٌ النِّعَم، ولم يَفزعوا إلى التَّوبة إلا سُلِبوا عِزَّهم، وسُلِّط عليهم عَدُوُّهم. فمَن أراد أن يسأل اللَّه المال فلْيَأتِني، فإن اللَّه جَعلني خازنًا وقاسمًا، ومَن أسرع إلى الهجرة أسرع إليه العَطاء، ومَن أبطأ عنها أبطأ عنه، فلا يَلُومَنَّ أحدٌ إلا مُناخَ راحِلَته. وقد أتى علينا زمانٌ ونحن نرى قُرَّاء القرآن يُريدون وَجْهَ اللَّه، وأما الآن فيُخَيَّل لي بأن أقوامًا يُريدون به الدُّنيا، فأَرِيدوا اللَّهَ بأعمالكم، ومَن رأينا به خيرًا ظننَّا به خيرًا وأحْبَبْناه، ومَن رأينا به شرًّا ظنَنَّا به شرًّا وأبغضناه، سرائركم بينكم وبين ربّكم (٢). قال حُذيفة: كنتُ واقفًا مع عمر بن الخطاب بعرفات، وإن راحلتي لبجَنْب راحلته، وإن رُكبتي لتَمسُّ رُكبتَه، ونحن نَنتظرُ أن تَغرُبَ الشمس فنُفيض، فلما رأى تكبيرَ الناس ودُعاءهم وما يَصنَعون أعجبه ذلك، فقال: يا حُذيفة، كم ترى هذا يبقى للناس؟ فقلتُ:

стр. 2380

على الفِتنة بابٌ، إذا كُسر أو فُتح خرجتْ، ففزع فقال: وما ذاك الباب، وما كَسْرُ بابٍ أو فَتْحُه؟! فقلتُ: رجلٌ يموتُ أو يُقتَل، فقال: يا حُذيفة، مَن تَرى قومَك يُؤمِّرون بعدي؟ فقلتُ: رأيتُ الناسَ قد أسندوا أمرَهم إلى عثمان بنِ عفان (١). ذِكْرُ وفاة عمر وما يتعلَّق به: حدَّثنا إسماعيل (٢) بإسناده عن حفصة زوجة النبي ﷺ أنَّها سمعت أباها يقول: اللهمَّ ارزُقْني قَتْلًا في سبيلكَ، ووفاةً في بلد نبيِّك، قالت: فقلت: وأنّى ذلك؟ فقال: إنَّ اللَّه يأتي بأمره أنَّى شاء. وفي روايةٍ: شهادةً في سبيلك ووفاةً ببلد رسولك. ورأى عوف بن مالك أن الناس قد جمعوا في صعيدٍ واحد، فإذا رجل قد علا الناس ثلاثةَ أَذْرُع، قال: قلتُ: مَن هذا؟ قالوا: عمر بن الخطاب، قلتُ: بمَ يَعْلُوهم؟ قالوا: إن فيه ثلاثَ خِصال: لا يَخاف في اللَّه لَوْمةَ لائم، وإنه شهيدٌ مُستَشهد، وخليفةٌ مُستَخْلَف. فأتى عوف أبا بكر رضوان اللَّه عليه فأخبره، فبعث إلى عمر رضوان اللَّه عليه فبَشّره، فقال أبو بكر رضوان اللَّه عليه: قُصَّ رُؤياك، فلما قال: خليفةٌ مُستَخلف انتَهره عمر رضوان اللَّه عليه فأسكته. فلما وَلي عمر رضوان اللَّه عليه انطلق إلى الشام، فبينا هو يَخطب إذ رأى عوفَ بنَ مالك، فدعاه، فصَعِدَ معه المنبر فقال: اقصُصْ رُؤياك، فقَصّها، فقال: أما أني لا أخافُ في اللَّه لومةَ لائم فأرجو أن يَجعلني اللَّه منهم، وأما خليفةٌ مُستَخْلَف فقد استُخلفتُ، فأسالُ اللَّه أن يُعينَني على ما وَلّاني، وأما شهيدٌ مُستَشهَد فأنّى لي بالشهادة، وأنا بين ظَهْرانَي جزيرة العرب، لست أغزو، والناس حولي، ثم قال: وَيلي ويلي، يأتي اللَّه بها إن شاء (٣). وقال ابن سعدٍ بإسناده عن سعدٍ الجاري مولى عمر بن الخطاب: أنَّ عمر دعا أمَّ

стр. 2381

كلثوم بنتَ عليٍّ، وكانت عنده، فوجدها تبكي فقال: ما يُبْكيكِ؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، هذا اليهوديُّ -تعني كعبَ الأحبارِ- يقول: إنَّك على بابٍ من أبواب جهنَّم، فقال عمر: ما شاء اللَّه، واللَّه إني لأرجو أن يكونَ ربّي خلَقني سعيدًا، ثم دعا كعبًا، فلما جاءه قال: يا أمير المؤمنين، لا تَعْجَلْ عليَّ، والذي نفسي بيدهِ لا يَنْسَلِخ ذو الحجّةِ حتى تدخلَ الجنَّةَ، فقال عمر: وأيُّ شيءٍ هذا؟ مرَّةً في الجنَّةِ ومرَّةً في النار، فقال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده إنَّا لنَجدُكَ في كتابِ اللَّه على بابٍ من أبوابِ جهنّم، تَمْنَعُ الناسَ أن يَقعوا فيها، فإذا متَّ لا يزالون يَقتحمون فيها إلى يوم القيامة. قال أنس بن مالك: قال أبو موسى الأشعري: رأيتُ كأني أخذتُ جَوادَّ كثيرة، فاضمحلَّت حتى بقيت جادَّةٌ واحدة، فسلكتُها حتى انتهيتُ إلى جبل، فإذا رسول اللَّه ﷺ فوقه وإذا أبو بكر إلى جنبه، وإذا هو يُومئ إلى عمر أن تعال، فقلتُ: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، مات واللَّه عمر، فقلتُ: ألا تكتبُ إليه بهذا؟ فقال: ما كنتُ لأَنْعَى إليه نفسَه (١). وقال ابن سعدٍ بإسناده عن سعيد بن أبي هلال: أن عمرَ بن الخطاب خطب الناسَ يوم الجمعة، فحمِدَ اللَّه، وأثنى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: أما بعدُ، أيها الناسُ، إني رأيتُ رُؤيا لا أُراها إلّا لحُضور أجلي، رأيتُ كأنَّ ديكًا أحمرَ نقرني نَقْرتَين، فحدَّثتُها أسماء بنت عُمَيْس، فحدَّثَتْني أنه يَقتُلني رجلٌ من الأعاجم (٢). وإن أقوامًا يأمروني أن أستَخْلِف، وإن اللَّه لم يكن ليُضيع دينَه ولا خلافته والذي بعث به نبيه ﷺ ، وإن عَجِل بي أمرٌ فالخلافةُ شورى بين هؤلاء الرهط الستة الذين تُوفّي رسول اللَّه ﷺ وهو عنهم راضٍ، وقد علمتُ أن أقوامًا سيَطعُنون في هذا الأمر بعدي، أنا ضربتُهم على الإسلام بيدي هذه، فإن فَعلوا فأولئك أعداءُ اللَّه الكُفّار الضُّلال. ثم إني لم أدع شيئًا هو أهمُّ إليَّ من الكَلالة، وما راجعتُ رسول اللَّه ﷺ في شيءٍ ما راجعتُه فيها، وما أَغلَظ لي في شيء منذ صاحبتُه ما أغلظَ لي في الكلالة، حتى طعن

стр. 2382

بأصبعه في بطني، وقال: يا عمر، تكفيك الآية التي في آخر سورة النساء، وإنْ أعِشْ أَقْضِ فيها بقضيَّةٍ يَقْضي بها مَن يقرأ القرآن [ومَن لا يقرأ القرآن]. ثم قال: اللهمَّ إني أُشهِدُك على أُمراء الأنصار، فإني إنما بعثتُهم ليُعلّموا الناس دينَهم وسنَّةَ نبيِّهم ﷺ ، ويَعدلوا عليهم، ويَقسِموا فَيْئَهم، وَيرفعوا إليَّ ما أشكل عليهم من أمرهم. ثم قال: إنكم أيها الناس تأكلون من شَجرتين خَبيثتَيْن: البصل والثّوم، وقد رأيتُ رسول اللَّه ﷺ إذا وجد ريحَهما من رجل في المسجد أمر بإخراجه إلى البقيع، فمَن أكلهما فليُمِتْها طَبْخًا (١). وروى الشعبي أن أبا بكر رضوان اللَّه عليه قال: إني رأيتُ في الكَلالة رأيًا، فإن يك صَوابًا فمن اللَّه، وإن يك خطأ فمن الشيطان ومني، هي ما خلا الوالد والولد. ولما قام عمر رضوان اللَّه عليه اتَّبعه على ذلك وقال: إني لأستَحي من اللَّه أن أُخالف أبا بكر، فلما طُعن عمر رضوان اللَّه عليه وأَيِس من نفسه دعا بالصحابة وقال: توفّي رسول اللَّه ﷺ ولم يَعهد إلينا في الكلالة شيئًا، وإنما اجتهد أبو بكر، وما أمكنني مُخالفتُه، اشهدوا عليَّ أني لا قَوْلَ لي فيها (٢). وهذا من وَرَعه وتَحرِّيه في أمر دنياه وآخرته، رضوان اللَّه عليه (٣). ذكرُ مَقتله ﵁ -: قال البخاري بإسناده عن عمرو بن مَيمون قال: قال عمر لحُذيفةَ بن اليَمان وعثمانَ ابن حُنَيْف وهُما بالمدينةِ قبل أن يُصاب بأيامٍ: كيف فعلتُما؟ أحمَّلْتُما الأرضَ ما لا تُطيقُ؟ -يعني الخراج- فقالا: ما حمَّلناها إلّا ما هي له مُطيقةٌ، فقال عمر: واللَّه لئن سلَّمني اللَّهُ لأدَعَنَّ أرامِلَ العراقِ لا يَحتَجْن إلى أحدٍ بعدي أبدًا، قال عمرو بن مَيمون:

стр. 2383

فما أتَتْ عليه إلا أربعةُ أيامٍ حتى أُصيبَ. قال عمرو: إني لقائمٌ ما بيني وبين عمر إلا عبد اللَّه بن عباس غداةَ أُصيبَ، وكان إذا مرَّ بين الصفَّينِ قامَ بينهما، فإذا رأى خللًا قال: استَووا، حتى إذا لم يَرَ خَللًا تقدَّم فكبَّر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعةِ الأُولى ليجتمعَ الناسُ، فما هو إلّا أن كبَّر حتى سمعتُه يقول: قتلني -أو أكلني- الكلبُ حين طعنه، فطار العِلْجُ بسِكّينٍ ذاتِ طَرَفين، لا يَمرُّ على أحدٍ يمينًا وشمالًا إلا طَعنه، حتى طَعن ثلاثة عشرَ رجُلًا مات منهم سبعةٌ، فلما رأى ذلك رجلٌ من المسلمين طرح عليه بُرْنُسًا، فلما ظنَّ العِلْجُ أنَّه مأخوذٌ نَحَرَ نَفْسَه. وتناول عمر بيدِ عبد الرحمن بن عوف فقَدَّمه، فمَن يَلي عمرَ فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجدِ فإنَّهم لا يَدرون، غير أنَّهم قد فقدوا صوتَ عمر، وهم يقولون: سبحان اللَّه سبحان اللَّه، فصلّى بهم عبدُ الرحمن صلاة خفيفةً، فلما انصرفوا قال عمر لابن عباس: انظُر مَن قتلني، فجال ساعةً ثم جاء فقال: غُلامُ المغيرةِ بن شُعبة، فقال: الصَّنَعُ؟ قال: نعم، قال: قاتله اللَّه، لقد أمرتُ به معروفًا، الحمدُ للَّهِ الذي لم يَجعل مِيتتي بيدِ رجلٍ يدَّعي الإسلام، قد كُنتَ أنتَ وأبوك تُحبّان أن تَكثُرَ العلوجُ بالمدينة -وكان العباسُ أكثرَهم رقيقًا- فقال: إن شئتَ فعلتُ، أي: قتلتُهم، فقال: أبعدما تكلَّموا بلسانِكم، وصلَّوْا إلى قِبلتِكم، وحجّوا حَجَّكم؟ قال: واحتُمِل إلى بيته، وانطلقنا معه، وكأنَّ الناسَ لم تُصِبْهم مُصيبةٌ قبل يومئذٍ، فقائلٍ يقول: لا بأسَ، وقائل يقول: أخافُ عليه، فأُتي بنَبيذٍ فشربه، فخرج من جُرْحِه، فعرفوا أنَّه ميِّت، ودخل المسلمون يُثنون عليه. وجاء (١) رجل شابٌّ فقال: أبشِرْ يا أمير المؤمنين ببُشْرى اللَّه لك؛ من صُحبةِ رسول اللَّه ﷺ ، وقَدَمٍ في الإسلام ما قد عَلمتَ، ثم وليتَ فعدلتَ، ثم الشهادة، فقال عمر: يا ابن أخي، وددتُ أن ذلك كان كفافًا، لا لي ولا عليّ. فلما أدبر الرجل إذا إزارُه يَمَسُّ الأرض، فقال رُدُّوه عليّ، فرَدُّوه فقال: يا ابن

стр. 2384

أخي، ارفَعْ ثوبَك؛ فإنه أَبْقى لثوبك، وأَتْقى لربّك، يا عبد اللَّه بن عمر، انظُر ما عليَّ من الدَّين، فحسَبَوه فوجدوه ستًا وثمانين ألفًا أو نحوَه، فقال: إنْ أَوْفَى له مالُ آل عُمر فأدِّه من أموالهم، وإلا فَسَلْ في بني عديِّ بن كعب، فإن لم تَفِ أموالُهم فسَلْ في قُريش، ولا تَعْدُهُم إلى غيرهم، فأدِّ عنّي هذا المال. انطلق إلى عائشة أمِّ المؤمنين، فقل لها: يَقرأ عليك السلامَ عمر، ولا تَقُلْ أميرُ المؤمنين، فإني لستُ اليوم بأمير المؤمنين، وقُل: يَستأذِن عمر أن يُدفَن مع صاحبه، فمضى عبد اللَّه، فاستأذن عائشة، ودخل فرآها قاعدةً تبكي على عمر، فأبلغها رسالتَه فقالت: كنتُ أريدُ هذا المكان لنفسي، ولأُوثرَنَّه اليومَ على نَفْسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد اللَّه بن عمر قد جاء، فقال عمر: ارفَعوني، فأسنده رجلٌ إليه، فقال: ما لَدَيك؟ قال: الذي تُحبُّ، أَذِنَتْ، فقال: الحمد للَّه، ما كان شيءٌ أهمَّ إليَّ من ذلك، فإذا أنا قضيتُ فاحمِلوني، ثم استأذِنْ ثانيًا، فإنْ أذِنَتْ فأدخِلوني، وإن رَدَّتْني فرُدُّوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت أمُّ المؤمنين حَفصة والنساء تَسيرُ معها، فلما رأيناها قُمنا، فوَلَجتْ عليه، فبكتْ عنده ساعة، واستأذن عليه الرجال، فولجَتْ داخلًا، فسمعنا بُكاءها من داخل، فقالوا: أَوْصِ يا أمير المؤمنين استَخْلِف، فقال: ما أرى أحدًا أحقَّ بهذا الأمر من هؤلاء الرَّهطِ الذين تُوفي رسول اللَّه ﷺ وهو راضٍ عنهم، فسَمّى عثمان وعليًا وطلحة والزبير وسعدًا وعبد الرحمن بن عوف. ثم قال: ولْيَشْهَدكم عبد اللَّه بن عمر، وليس له من الأمر شيءٌ -كهيئة التّعزية لعبد اللَّه- فإن أصابت الإمارةُ سعدًا فذاك، وإلا فلْيَسْتَعِنْ به أيّكم أُمِّر، فإني لم أعزِلْه عن خيانةٍ ولا عَجْز. وأُوصي الخليفةَ بعدي بالمهاجرين الأَوَّلين، أن يَعرفَ لهم حَقَّهم، ويَحفظَ حُرمَتَهم، وأُوصيه بالأنصار خيرًا، الذين تبَوّؤا الدَّارَ والإيمان، أن يَقبلَ من مُحسنهم، ويَعفو عن مُسيئهم، وأُوصيه بأهل الأَمْصار خيرًا؛ فإنهم رِدْءُ الإسلام، وجُباةُ المال، وغَيظُ العدوّ، وأُوصيه بالأَعراب خيرًا، فإنهم أصلُ العَرب، ومادَّةُ الإسلام؛ أن يُؤخَذَ من حواشي أموالهم، وتُردَّ في فُقرائهم، وأُوصيه بأهل الذّمّة خيرًا، وأن يَفي لهم بعَهدهم، فإنهم ذِمّةُ اللَّه وذِمَّةُ رسوله، وأن يُقاتل من ورائهم، ولا يكلَّفون فوق طاقَتهم.

стр. 2385

قال: فلما قُبض خرجنا نَمشي به، فجاء عبد اللَّه إلى عائشة فقال: يَستأذن عمر، فقالت: أَدخلوه، فأُدخل فوُضع هناك مع صاحبَيْه (١). والذي طرح على أبي لؤلؤة البُرنس عَبد اللَّه بن عوف. وكان عمر رضوان اللَّه عليه لا يَأَذَنُ لسَبْيٍ قد احتَلم في دُخول المدينة، حتى كتب إليه المغيرة بن شعبة -وهو على الكوفة- يَذكر له غُلامًا صَنَعًا، ويَستأذِنُه أن يُدخله المدينة، ويقول: إن عنده أعمالًا كثيرة فيها منافِعُ للناس، إنه حَدّاد نقَّاشٌ نَجّار، فكتب إليه عمر رضوان اللَّه عليه، وأذِن له أن يُرسل به إلى المدينة، فضَرب عليه المغيرة في كلِّ شهر مئةَ درهم، فجاء إلى عمر رضوان اللَّه عليه يَشتكي شِدَّةَ الخراج، فقال له: وما تُحسِنُ من العمل؟ فقال له الأعمال التي يُحسِن، فقال له: ما خَراجُك بكثير في كُنْه عَملك. فانصرف ساخطًا يَتَذمَّر. فمكث عمر رضوان اللَّه عليه ليالي، وبلغه عن العبد كلامٌ، فمرَّ به، فدعاه عمر رضوان اللَّه عليه فقال: ألم أُحَدَّث أنك تقول: لو أشاءُ لصنعتُ رحًى تَطحنُ بالرِّيح، فالتفتَ العبدُ ساخِطًا عابِسًا إلى عمر رضوان اللَّه عليه، ومعه رَهْطٌ، فقال: لأَصْنَعَنَّ لك رحًى يَتحدَّث الناس بها، فلما وَلَّى العبد أقبل عمر رضوان اللَّه عليه على الرَّهط الذين معه وقال لهم: أَوعَدَني العبدُ آنفًا. قال ابن عباس ﵄: فلم أزل عند عمر، ولم يزل في غَشيةٍ واحدة حتى أفاق فقال: أصُلّي بالناس، قلت: نعم، فدعا بوضوء، وقال: لا إسلام لمن ترك الصلاة، ثم توضأ وصلّى. وروى سالم، أنَّه سمع عبد اللَّه بنَ عمر يقول: قال عمر: أرسلوا إلى طبيبٍ ينظرُ إلى جُرحي هذا، فأرسلوا إلى طبيبٍ من العربِ، فسقاه نبيذًا، فشبه النبيذُ بالدمِ حين خرَجَ من الطَّعنةِ التي تحت السُّرَّةِ، قال: فدعوتُ طبيبًا آخَرَ من الأنصار من بني مُعاوية، فسقاه لَبنًا، فخرج من الطَّعنةِ يَصْلِدُ أبيض، فقال له الطبيب: يا أميرَ المؤمنين، اعهَدْ، فقال عمر: صَدَقني أخو بني مُعاوية، قال: فبكى القومُ عليه حين سمعوا
следующие страницы →