← История

История · id 23644

مرآة الزمان في تواريخ الأعيان

سبط ابن الجوزي

Полный текст (10 766 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

كلثوم بنتَ عليٍّ، وكانت عنده، فوجدها تبكي فقال: ما يُبْكيكِ؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، هذا اليهوديُّ -تعني كعبَ الأحبارِ- يقول: إنَّك على بابٍ من أبواب جهنَّم، فقال عمر: ما شاء اللَّه، واللَّه إني لأرجو أن يكونَ ربّي خلَقني سعيدًا، ثم دعا كعبًا، فلما جاءه قال: يا أمير المؤمنين، لا تَعْجَلْ عليَّ، والذي نفسي بيدهِ لا يَنْسَلِخ ذو الحجّةِ حتى تدخلَ الجنَّةَ، فقال عمر: وأيُّ شيءٍ هذا؟ مرَّةً في الجنَّةِ ومرَّةً في النار، فقال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده إنَّا لنَجدُكَ في كتابِ اللَّه على بابٍ من أبوابِ جهنّم، تَمْنَعُ الناسَ أن يَقعوا فيها، فإذا متَّ لا يزالون يَقتحمون فيها إلى يوم القيامة. قال أنس بن مالك: قال أبو موسى الأشعري: رأيتُ كأني أخذتُ جَوادَّ كثيرة، فاضمحلَّت حتى بقيت جادَّةٌ واحدة، فسلكتُها حتى انتهيتُ إلى جبل، فإذا رسول اللَّه ﷺ فوقه وإذا أبو بكر إلى جنبه، وإذا هو يُومئ إلى عمر أن تعال، فقلتُ: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، مات واللَّه عمر، فقلتُ: ألا تكتبُ إليه بهذا؟ فقال: ما كنتُ لأَنْعَى إليه نفسَه (١). وقال ابن سعدٍ بإسناده عن سعيد بن أبي هلال: أن عمرَ بن الخطاب خطب الناسَ يوم الجمعة، فحمِدَ اللَّه، وأثنى عليه بما هو أهلُه، ثم قال: أما بعدُ، أيها الناسُ، إني رأيتُ رُؤيا لا أُراها إلّا لحُضور أجلي، رأيتُ كأنَّ ديكًا أحمرَ نقرني نَقْرتَين، فحدَّثتُها أسماء بنت عُمَيْس، فحدَّثَتْني أنه يَقتُلني رجلٌ من الأعاجم (٢). وإن أقوامًا يأمروني أن أستَخْلِف، وإن اللَّه لم يكن ليُضيع دينَه ولا خلافته والذي بعث به نبيه ﷺ ، وإن عَجِل بي أمرٌ فالخلافةُ شورى بين هؤلاء الرهط الستة الذين تُوفّي رسول اللَّه ﷺ وهو عنهم راضٍ، وقد علمتُ أن أقوامًا سيَطعُنون في هذا الأمر بعدي، أنا ضربتُهم على الإسلام بيدي هذه، فإن فَعلوا فأولئك أعداءُ اللَّه الكُفّار الضُّلال. ثم إني لم أدع شيئًا هو أهمُّ إليَّ من الكَلالة، وما راجعتُ رسول اللَّه ﷺ في شيءٍ ما راجعتُه فيها، وما أَغلَظ لي في شيء منذ صاحبتُه ما أغلظَ لي في الكلالة، حتى طعن

стр. 2382

بأصبعه في بطني، وقال: يا عمر، تكفيك الآية التي في آخر سورة النساء، وإنْ أعِشْ أَقْضِ فيها بقضيَّةٍ يَقْضي بها مَن يقرأ القرآن [ومَن لا يقرأ القرآن]. ثم قال: اللهمَّ إني أُشهِدُك على أُمراء الأنصار، فإني إنما بعثتُهم ليُعلّموا الناس دينَهم وسنَّةَ نبيِّهم ﷺ ، ويَعدلوا عليهم، ويَقسِموا فَيْئَهم، وَيرفعوا إليَّ ما أشكل عليهم من أمرهم. ثم قال: إنكم أيها الناس تأكلون من شَجرتين خَبيثتَيْن: البصل والثّوم، وقد رأيتُ رسول اللَّه ﷺ إذا وجد ريحَهما من رجل في المسجد أمر بإخراجه إلى البقيع، فمَن أكلهما فليُمِتْها طَبْخًا (١). وروى الشعبي أن أبا بكر رضوان اللَّه عليه قال: إني رأيتُ في الكَلالة رأيًا، فإن يك صَوابًا فمن اللَّه، وإن يك خطأ فمن الشيطان ومني، هي ما خلا الوالد والولد. ولما قام عمر رضوان اللَّه عليه اتَّبعه على ذلك وقال: إني لأستَحي من اللَّه أن أُخالف أبا بكر، فلما طُعن عمر رضوان اللَّه عليه وأَيِس من نفسه دعا بالصحابة وقال: توفّي رسول اللَّه ﷺ ولم يَعهد إلينا في الكلالة شيئًا، وإنما اجتهد أبو بكر، وما أمكنني مُخالفتُه، اشهدوا عليَّ أني لا قَوْلَ لي فيها (٢). وهذا من وَرَعه وتَحرِّيه في أمر دنياه وآخرته، رضوان اللَّه عليه (٣). ذكرُ مَقتله ﵁ -: قال البخاري بإسناده عن عمرو بن مَيمون قال: قال عمر لحُذيفةَ بن اليَمان وعثمانَ ابن حُنَيْف وهُما بالمدينةِ قبل أن يُصاب بأيامٍ: كيف فعلتُما؟ أحمَّلْتُما الأرضَ ما لا تُطيقُ؟ -يعني الخراج- فقالا: ما حمَّلناها إلّا ما هي له مُطيقةٌ، فقال عمر: واللَّه لئن سلَّمني اللَّهُ لأدَعَنَّ أرامِلَ العراقِ لا يَحتَجْن إلى أحدٍ بعدي أبدًا، قال عمرو بن مَيمون:

стр. 2383

فما أتَتْ عليه إلا أربعةُ أيامٍ حتى أُصيبَ. قال عمرو: إني لقائمٌ ما بيني وبين عمر إلا عبد اللَّه بن عباس غداةَ أُصيبَ، وكان إذا مرَّ بين الصفَّينِ قامَ بينهما، فإذا رأى خللًا قال: استَووا، حتى إذا لم يَرَ خَللًا تقدَّم فكبَّر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعةِ الأُولى ليجتمعَ الناسُ، فما هو إلّا أن كبَّر حتى سمعتُه يقول: قتلني -أو أكلني- الكلبُ حين طعنه، فطار العِلْجُ بسِكّينٍ ذاتِ طَرَفين، لا يَمرُّ على أحدٍ يمينًا وشمالًا إلا طَعنه، حتى طَعن ثلاثة عشرَ رجُلًا مات منهم سبعةٌ، فلما رأى ذلك رجلٌ من المسلمين طرح عليه بُرْنُسًا، فلما ظنَّ العِلْجُ أنَّه مأخوذٌ نَحَرَ نَفْسَه. وتناول عمر بيدِ عبد الرحمن بن عوف فقَدَّمه، فمَن يَلي عمرَ فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجدِ فإنَّهم لا يَدرون، غير أنَّهم قد فقدوا صوتَ عمر، وهم يقولون: سبحان اللَّه سبحان اللَّه، فصلّى بهم عبدُ الرحمن صلاة خفيفةً، فلما انصرفوا قال عمر لابن عباس: انظُر مَن قتلني، فجال ساعةً ثم جاء فقال: غُلامُ المغيرةِ بن شُعبة، فقال: الصَّنَعُ؟ قال: نعم، قال: قاتله اللَّه، لقد أمرتُ به معروفًا، الحمدُ للَّهِ الذي لم يَجعل مِيتتي بيدِ رجلٍ يدَّعي الإسلام، قد كُنتَ أنتَ وأبوك تُحبّان أن تَكثُرَ العلوجُ بالمدينة -وكان العباسُ أكثرَهم رقيقًا- فقال: إن شئتَ فعلتُ، أي: قتلتُهم، فقال: أبعدما تكلَّموا بلسانِكم، وصلَّوْا إلى قِبلتِكم، وحجّوا حَجَّكم؟ قال: واحتُمِل إلى بيته، وانطلقنا معه، وكأنَّ الناسَ لم تُصِبْهم مُصيبةٌ قبل يومئذٍ، فقائلٍ يقول: لا بأسَ، وقائل يقول: أخافُ عليه، فأُتي بنَبيذٍ فشربه، فخرج من جُرْحِه، فعرفوا أنَّه ميِّت، ودخل المسلمون يُثنون عليه. وجاء (١) رجل شابٌّ فقال: أبشِرْ يا أمير المؤمنين ببُشْرى اللَّه لك؛ من صُحبةِ رسول اللَّه ﷺ ، وقَدَمٍ في الإسلام ما قد عَلمتَ، ثم وليتَ فعدلتَ، ثم الشهادة، فقال عمر: يا ابن أخي، وددتُ أن ذلك كان كفافًا، لا لي ولا عليّ. فلما أدبر الرجل إذا إزارُه يَمَسُّ الأرض، فقال رُدُّوه عليّ، فرَدُّوه فقال: يا ابن

стр. 2384

أخي، ارفَعْ ثوبَك؛ فإنه أَبْقى لثوبك، وأَتْقى لربّك، يا عبد اللَّه بن عمر، انظُر ما عليَّ من الدَّين، فحسَبَوه فوجدوه ستًا وثمانين ألفًا أو نحوَه، فقال: إنْ أَوْفَى له مالُ آل عُمر فأدِّه من أموالهم، وإلا فَسَلْ في بني عديِّ بن كعب، فإن لم تَفِ أموالُهم فسَلْ في قُريش، ولا تَعْدُهُم إلى غيرهم، فأدِّ عنّي هذا المال. انطلق إلى عائشة أمِّ المؤمنين، فقل لها: يَقرأ عليك السلامَ عمر، ولا تَقُلْ أميرُ المؤمنين، فإني لستُ اليوم بأمير المؤمنين، وقُل: يَستأذِن عمر أن يُدفَن مع صاحبه، فمضى عبد اللَّه، فاستأذن عائشة، ودخل فرآها قاعدةً تبكي على عمر، فأبلغها رسالتَه فقالت: كنتُ أريدُ هذا المكان لنفسي، ولأُوثرَنَّه اليومَ على نَفْسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد اللَّه بن عمر قد جاء، فقال عمر: ارفَعوني، فأسنده رجلٌ إليه، فقال: ما لَدَيك؟ قال: الذي تُحبُّ، أَذِنَتْ، فقال: الحمد للَّه، ما كان شيءٌ أهمَّ إليَّ من ذلك، فإذا أنا قضيتُ فاحمِلوني، ثم استأذِنْ ثانيًا، فإنْ أذِنَتْ فأدخِلوني، وإن رَدَّتْني فرُدُّوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت أمُّ المؤمنين حَفصة والنساء تَسيرُ معها، فلما رأيناها قُمنا، فوَلَجتْ عليه، فبكتْ عنده ساعة، واستأذن عليه الرجال، فولجَتْ داخلًا، فسمعنا بُكاءها من داخل، فقالوا: أَوْصِ يا أمير المؤمنين استَخْلِف، فقال: ما أرى أحدًا أحقَّ بهذا الأمر من هؤلاء الرَّهطِ الذين تُوفي رسول اللَّه ﷺ وهو راضٍ عنهم، فسَمّى عثمان وعليًا وطلحة والزبير وسعدًا وعبد الرحمن بن عوف. ثم قال: ولْيَشْهَدكم عبد اللَّه بن عمر، وليس له من الأمر شيءٌ -كهيئة التّعزية لعبد اللَّه- فإن أصابت الإمارةُ سعدًا فذاك، وإلا فلْيَسْتَعِنْ به أيّكم أُمِّر، فإني لم أعزِلْه عن خيانةٍ ولا عَجْز. وأُوصي الخليفةَ بعدي بالمهاجرين الأَوَّلين، أن يَعرفَ لهم حَقَّهم، ويَحفظَ حُرمَتَهم، وأُوصيه بالأنصار خيرًا، الذين تبَوّؤا الدَّارَ والإيمان، أن يَقبلَ من مُحسنهم، ويَعفو عن مُسيئهم، وأُوصيه بأهل الأَمْصار خيرًا؛ فإنهم رِدْءُ الإسلام، وجُباةُ المال، وغَيظُ العدوّ، وأُوصيه بالأَعراب خيرًا، فإنهم أصلُ العَرب، ومادَّةُ الإسلام؛ أن يُؤخَذَ من حواشي أموالهم، وتُردَّ في فُقرائهم، وأُوصيه بأهل الذّمّة خيرًا، وأن يَفي لهم بعَهدهم، فإنهم ذِمّةُ اللَّه وذِمَّةُ رسوله، وأن يُقاتل من ورائهم، ولا يكلَّفون فوق طاقَتهم.

стр. 2385

قال: فلما قُبض خرجنا نَمشي به، فجاء عبد اللَّه إلى عائشة فقال: يَستأذن عمر، فقالت: أَدخلوه، فأُدخل فوُضع هناك مع صاحبَيْه (١). والذي طرح على أبي لؤلؤة البُرنس عَبد اللَّه بن عوف. وكان عمر رضوان اللَّه عليه لا يَأَذَنُ لسَبْيٍ قد احتَلم في دُخول المدينة، حتى كتب إليه المغيرة بن شعبة -وهو على الكوفة- يَذكر له غُلامًا صَنَعًا، ويَستأذِنُه أن يُدخله المدينة، ويقول: إن عنده أعمالًا كثيرة فيها منافِعُ للناس، إنه حَدّاد نقَّاشٌ نَجّار، فكتب إليه عمر رضوان اللَّه عليه، وأذِن له أن يُرسل به إلى المدينة، فضَرب عليه المغيرة في كلِّ شهر مئةَ درهم، فجاء إلى عمر رضوان اللَّه عليه يَشتكي شِدَّةَ الخراج، فقال له: وما تُحسِنُ من العمل؟ فقال له الأعمال التي يُحسِن، فقال له: ما خَراجُك بكثير في كُنْه عَملك. فانصرف ساخطًا يَتَذمَّر. فمكث عمر رضوان اللَّه عليه ليالي، وبلغه عن العبد كلامٌ، فمرَّ به، فدعاه عمر رضوان اللَّه عليه فقال: ألم أُحَدَّث أنك تقول: لو أشاءُ لصنعتُ رحًى تَطحنُ بالرِّيح، فالتفتَ العبدُ ساخِطًا عابِسًا إلى عمر رضوان اللَّه عليه، ومعه رَهْطٌ، فقال: لأَصْنَعَنَّ لك رحًى يَتحدَّث الناس بها، فلما وَلَّى العبد أقبل عمر رضوان اللَّه عليه على الرَّهط الذين معه وقال لهم: أَوعَدَني العبدُ آنفًا. قال ابن عباس ﵄: فلم أزل عند عمر، ولم يزل في غَشيةٍ واحدة حتى أفاق فقال: أصُلّي بالناس، قلت: نعم، فدعا بوضوء، وقال: لا إسلام لمن ترك الصلاة، ثم توضأ وصلّى. وروى سالم، أنَّه سمع عبد اللَّه بنَ عمر يقول: قال عمر: أرسلوا إلى طبيبٍ ينظرُ إلى جُرحي هذا، فأرسلوا إلى طبيبٍ من العربِ، فسقاه نبيذًا، فشبه النبيذُ بالدمِ حين خرَجَ من الطَّعنةِ التي تحت السُّرَّةِ، قال: فدعوتُ طبيبًا آخَرَ من الأنصار من بني مُعاوية، فسقاه لَبنًا، فخرج من الطَّعنةِ يَصْلِدُ أبيض، فقال له الطبيب: يا أميرَ المؤمنين، اعهَدْ، فقال عمر: صَدَقني أخو بني مُعاوية، قال: فبكى القومُ عليه حين سمعوا

стр. 2386

كلامه، فقال عمر: لا تَبكوا، ألم تسمعوا ما قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ الميّتَ يُعَذَّبُ ببكاء أهلهِ عليه" (١) وذكر الحديث. ولما طُعن اجتمع إليه الناس البدريون المهاجرون والأنصار، فقال لابن عباس: اخرج إليهم فسَلْهم: أعن مَلأمنكم ومَشورة كان هذا الذي أصابَني؟ فخرج ابن عباس إليهم فسألهم، فقال القوم: لا واللَّه، ولوَدِدْنا أن اللَّه زاد في عُمره من أعمارنا. وقال ابن سعدٍ بإسناده عن أبي الحُوَيرِثِ قال: لمّا قَدِم غُلامُ المغيرةِ بن شُعبة ضربَ عليه المغيرةُ عشرين ومئة درهم في كلّ شهر، في كلِّ يومٍ أربعةُ دراهم، وكان خَبيثًا، إذا نظر إلى السَّبْي الصغار بكى ومسح على رؤوسهم ويقول: إنَّ العربَ أكلت كَبِدي. فلما قَدِم عمرُ من الحجِّ جاء أبو لؤلؤة، فوجده غاديًا إلى السوقِ، وهو متَّكَئٌ على يد عبد اللَّه بن الزبير فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّ سيِّدي المغيرة يكلِّفني ما لا أُطيقُ من الضَّريبة، قال عمر: وكم كلَّفك؟ قال: أربعة دراهم كلَّ يومٍ، قال: وما تعملُ؟ قال: الأَرْحاء، وسكت عن سائرِ أعمالهِ، فقال: في كم تَعملُ الرَّحى؟ فأخبره، قال: وبكم تَبيعُها؟ فأخبره، فقال: لقد كلَّفَكَ يسيرًا، انطلق فأعط مولاك ما سألك. فلما ولّى قال عمر: ألا تَجعلُ لنا رَحَى؟ قال: بلى، أجعلُ لك رحًى يتحدثُّ بها أهلُ الأمصارِ، ففَزع عمر من كلمتِه، قال: وكان معه علي بنُ أبي طالب، فقال: ما تراه أرادَ؟ قال علي: أوعدكَ، قال عمر: يكفيناه اللَّهُ، قد ظننتُ أنه يُريدُ بكلمتهِ غَوْرًا. وقال ابنُ سعدٍ بإسناده: كان أبو لؤلؤة من سَبْي نهاوَنْدَ. وقال ابن سعدٍ بإسناده: لمّا طُعِنَ عمرُ هرب أبو لُؤلؤة، وجعل عمر يُنادي: الكلب الكلب، فطعن أبو لؤلؤة نَفَرًا، فأخذه رهطٌ من قُريشٍ: عبد اللَّه بن عوفٍ الزُّهري، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص، ورجلٌ من بني سَهْمٍ، فطرح عليه عبدُ اللَّه خميصةً كانت عليه، فانتحر بالخَنْجرِ حين أُخِذ، واحتزَّ عبد اللَّه بن عوفٍ رأسَ أبي لؤلؤة. وروى الواقديّ أن عمرَ لمّا طُعِنَ قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾

стр. 2387

[الأحزاب: ٣٨]، ثم قال: مَن هذا؟ قالوا: غُلامُ المغيرة، فقال: ألم أقُل لكم لا تَجْلُبوا علينا من العُلوجِ أحدًا ممَّن جَرَت عليه المواسي. وقال ابن سعدٍ بإسناده عن ابن عمر قال: لمّا طُعِنَ عمرُ حُمل فغُشي عليه فأفاق، فأخذتُ بيده وأخذ بيدي، فأجلسني خلْفه، وتسانَدَ إليَّ، وجِراحُه تَثْعَبُ، ثم توَضّأ وصلّى الفجر، فقرأ في الأولى بالعصر، وفي الثانية: قُل يا أيُّها الكافِرون. وفي رواية ابن سعدٍ أنَّ أبا لؤلؤة اسمُه فيروز. وقال ابنُ عباس: صلى عمر وجُرْحُه يَثْعَبُ دمًا. وروى أيضًا عن ابن عباسٍ قال: جعلتُ أُثني على عمر فقال: بأيِّ شيءٍ تُثني عليَّ؟ بالإمْرَة أو بغيرها؟ قال: قلتُ: بكلِّ شيء، فقال: ليتَني أخرجُ منها كفافًا، لا أَجْرَ ولا وِزْرَ، وفي روايةٍ: لوَدِدْتُ أني أنجو كَفافًا لا لي ولا عليَّ (١). وقال الواقدي: لما طُعن عمر قال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]. وقال الواقدي أيضًا (٢): دخل كعبُ الأحبارِ على عمر فقال له: يا أميرَ المؤمنين، اعهَدْ عهدَك، فإنَّك ميِّتٌ بعد ثلاثٍ، قال: وما يُدريكَ؟ قال: أجِدُ صفتَك في التوراة، وإنه قد فَنِيَ أجلُك، وعمر يومئذٍ صحيح ما به قَلَبَةٌ (٣)، وجاءه كعبٌ في اليومِ الثاني فقال: قد بقي من أَجَلِك يومانِ، ثم جاءه في اليوم الثالث فقال: قد بقي هذا اليومُ والليلةُ، فقال عمر: [من الطويل] وأوْعَدَني كعبٌ ثلاثًا أَعُدُّها … ولا شكَّ أن القولَ ما قاله كعبُ وما بي حِذارُ الموتِ إني لميِّتٌ … ولكن حِذارُ الذَّنْبِ يَتبعُه الذَّنْبُ فلما كان من الغَدِ ضربه أبو لؤلؤة في صلاةِ الفجر سِتَّ ضَربات، إحداهُنَّ تحت سُرَّتِه، وهي التي قَتلَتْه، وقتل معه جماعةً منهم كليب بن بُكَير اللَّيثي وكان خلفَه. قال: ودعَوْا له طبيبًا من بني الحارث بن كعب، فسقاه لَبَنًا فخرج من جُرْحهِ، فقال

стр. 2388

له: اعهدْ عهدكَ، فقال: قد فعلتُ، قال. وصلّى عمر في ثيابِه التي جُرِح فيها ثلاثًا، والدّمُ فيها، وجُرْحُه يَثْعَبُ دمًا. ولما حُمل إلى بيته دعا عبد الرحمن بنَ عوف ﵁ فقال له: إني أُريدُ أعهدُ إليك، فقال: يا أمير المؤمنين إذا أشرتَ عليَّ قَبِلتُ، فأنشُدُك اللَّه، هل تُشير به عليّ؟ قال: لا، فقال: واللَّه لا أَدخُلُ فيها أبدًا. ودعا عثمان رضوان اللَّه عليه وقال له: إنْ عَرفَ لك أصحابُك سِنَّك فاتَّقِ اللَّه، ولا تَحمِلْ بني أبي مُعَيْط على رقاب الناس. ثم دعا عليًا رضوان اللَّه عليه فقال: يا علي، لعلّ هؤلاء القوم يَعرفون لك قرابتَك من رسول اللَّه ﷺ وصِهرَك، وما آتاك اللَّه من الفقه والعلم، فإن وَليتَ هذا الأمرَ فلا تَحملْ بني هاشم على رقاب الناس. ثم قال لصُهيب: صَلِّ بالناس ثلاثًا، وليَخْلُ هؤلاء القوم في بيتٍ، فإذا اجتمعوا على رجل فمَن خالَفَهم فاضربوا رأسَه. فلما خرجوا من عنده قال: لو وَلَّوها الأَجْلَح سَلَك بهم الطريق، فقال له ابنه عبد اللَّه: فما يَمنَعُك؟ فقال: أكره أن أَتَحمّلَها حيًا وميتًا. ثم دخل عليه كعب فقال له: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ [البقرة: ١٤٧] قد أنبأتُك أنك شهيد فقلتَ: وأنّى لي بالشهادة وأنا في جزيرة العرب (١)؟! وقال سِماك: إن عمر رضوان اللَّه عليه لما احتُضر قال: إنْ أستَخلِف فسُنَّة، وإلا أستَخلِف فسُنَّة، توفّي رسول اللَّه ﷺ ولم يَستَخلِف، وتوفي أبو بكر فاستَخْلَف، قال: فعرفتُ واللَّه أنه لن يَعدِلَ بسُنَّةِ رسول اللَّه ﷺ شيئًا، فذاك الذي جعلها شُورى في الستَّة، ثم قال للأنصار: أدخِلوهم بيتًا ثلاثةَ أيام، فإن استقاموا وإلا فاضربوا أعناقَهم. قال عبد الرحمن بن أبْزَى: قال عمر: هذا الأمرُ في أهل بدر ما بَقي منهم أحد،

стр. 2389

ثم قال: في أهل أُحُدٍ ما بقي منهم أحد، وليس فيها لطَليق ولا لوَلدِ طَليق ولا لمسلمة الفتح شيءٌ (١). وقيل له: ألا تَستَخْلِفُ وَلَدَك؟ فقال: يَكفي واحدٌ من آل الخَطّاب، يُؤتى به يوم القيامة مَغْلُولَة يَدُه إلى عُنُقِه. وقال: إن هذا الأمر لا يَصلُح إلّا بالشدَّةِ التي لا جَبريّة فيها، وباللين الذي لا وهن فيه. وقال عبد اللَّه بن عمر ﵄: دخل الرَّهْطُ على عمر قبل أن يَنزِلَ به فقال: إني قد نظرتُ لكم في أمر الناس؛ فلم أجد عند الناس شِقاقًا إلّا أن يكون فيكم -وكان طلحةُ ﵁ في أمواله بالسَّراة- ثم قال: قوموا فتشاوروا وأمِّروا أحدَكم. فقاموا يَتشاورون، فدعاني عثمان مرةً أو مرَّتَين ليُدخِلَني في الأمر، فقلتُ: ألا تَعقِلون؟! أتُؤَمِّرون وأمير المؤمنين حيٌّ؟ فواللَّه لكأنما أَيقَظتُ عمر من مَرْقَدِه، فقال: أمْهِلوا، فإن حدث بي حَدَثٌ فلْيُصَلِّ لكم صُهيبٌ ثلاثًا، ثم أَجمِعوا أمرَكم، فمن تأمَّر منكم على غير مَشورة من المسلمين فاضربوا عُنُقَه (٢). وقال المِسوَر بنُ مَخْرَمة: لما طُعن عمر جعل يتألّم، فقال له ابنُ عباس وكأنّه يُجَزّعُه: يا أمير المؤمنين، ولم كلُّ ذلك؟ لقد صَحِبتَ رسولَ اللَّه ﷺ فأحسنتَ صُحبتَه، وفارقْتَه وهو عنك راضٍ، ثم صَحِبتَ أبا بكر كذلك، ثم صحبتَ المسلمين فأحسنتَ صُحبتَهم، ولئن فارقتَهم لتُفارقَنَّهم وهم عنك راضون. فقال: أمّا ما ذكرتَ من صُحبةِ رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر فذلك من منِّ اللَّه وفضله علي، وأمّا ما ذكرتَ من جَزعي فإنه من أجلك ومن أجل أصحابِك، واللَّه لو أن لي طِلاع الأرض ذهبًا لافتَديتُ بها من عذاب اللَّه قبل أن أراه (٣). وأوصى إلى ابنته حفصة ﵂، وإلى الأكابر من آل عمر، وأوصى برُبع ماله في

стр. 2390

سبيل اللَّه (١)، وبَيَّن ما في كل واحد من الستَّةِ نَفَرٍ فقال: لئن وَليها ابنُ عفان حمل آل أبي مُعَيط على رقاب الناس، ولئن وَليها علي بن أبي طالب حمل الناس على المحَجَّةِ البيضاء، إلا أن فيه دُعابة، وأما طلحة فإنه لا يدع في يده ما يُصلح به هذا الأمر، يعني أنه يُفَرِّق المال، وأما الزُّبير فإنه لا يَضع عصاه عن عاتقه، وأما ابنُ عَوف فظنّي أنه لا يَدخل فيها، وأما سعد فتَبَعٌ لابن عَوفٍ، يَسلك حيثُ سلك، ولو كان سالم مولى أبي حُذيفة ما خالجني فيه شَكُّ، ثم أقام عليهم المِسْوَر بن مَخْرَمة، ومعه ثلاثون نفسًا من الأنصار، وقال: إن ثبت أمرُهم على واحد منهم إلى ثلاثة أيام -وهي تمام ذي الحجة- وإلا فاضربوا رقابَ الكلّ (٢). ذِكْرُ وفاته: قال محمد بن سعد، عن عثمان بن عفّان قال: أنا آخرُكم عهدًا بعمر، دخلتُ عليه ورأسُه في حِجْرِ ابنه عبدِ اللَّه، فقال له: ضَع خَدِّي بالأرض، فقال له: هل فَخذِي والأرض إلا سواء؟ قال: ضَع خَدِّي بالأرض لا أُمَّ لك، في الثانية أو الثالثة، وسمعتُه يقول: ويلي وويل أمِّي إن لم يَغفِر اللَّهُ لي، حتى فاضَتْ نَفْسُه. وفي روايةِ ابن سعدٍ أن عثمان بنَ عفّان وَضع رأسَ عمر في حِجْرِه، فقال له: أعِدْ رأسي بالأرضِ، فويلٌ لي ولأُمي إن لم يُغْفَر لي (٣). وقال ابن سعدٍ بإسناده عن ابن أبي مُلَيْكَةَ قال: لمّا طُعِن عمر جاء كعبُ الأحبارِ، فوقف بالباب يَبكي ويقول. واللَّه لو أنَّ أميرَ المؤمنين يُقْسِمُ على اللَّه أن يُؤَخِّره لأخَّرَه، فدخل ابن عباسٍ عليه فقال: يا أمير المؤمنين، هذا كعبٌ يقولُ كذا وكذا، قال: إذًا واللَّه لا أسألُه، ثم قال: ويلٌ لي وويلٌ لأُمّي إن لم يَغْفِر اللَّهُ لي. وقال ابن سعد: قال صُهيب: واعُمَراه، واأخاه، من لنا بعدك؟ فقال عمر: مَهْ يا أخي، أما عَلمتَ أن المعولَ عليه يُعَذَّبُ؟

стр. 2391

ونَدَبَتْه حفصةُ، فنهاها، وقال لها كذلك، ثم جعل يقول: اللهمَّ تَوَفَّني مع الأبرارِ، ولا تُلْحقني في الأشرارِ، وقِني عذابَ النار، وألحِقْني بالمُصْطَفَيْن الأخيار، ثم تُوفّي ﵀. واختلفوا في وفاته؛ فحكى ابن سعدٍ عن الواقدي، عن أبي بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن أبيه قال: طُعِنَ عمر يوم الأربعاء لأربع ليالٍ بَقين من ذي الحجَّة، سنةَ ثلاثٍ وعشرين، ودُفن يوم الأحد صَباحَ هلال المحرّم، سنة أربعٍ وعشرين، فكانت وِلايتُه عشرَ سنين وخمسةَ أشهر وإحدى وعشرين ليلةَ من مُتوفى أبي بكرٍ الصديق، وعلى رأسِ اثنتين وعشرين سنةَ وتسعة أشهر وثلاثة عشر يومًا من الهجرة (١). وذكر ابن قُتيبة في "المعارف" (٢) أنَّه طُعِن يومَ الأربعاء لسبعٍ بقين من ذي الحجَّةِ، فأقام ثلاثًا، ثم تُوفّي لأربعٍ بقين من ذي الحجَّةِ. وقال قتادة: طُعِنَ يوم الأربعاءِ ومات يومَ الخميس، وما حكاه ابن سعدٍ عن الواقدي أصحُّ، وعليه عامَّةُ المؤرخين. واختلفوا في سنِّه على أقوالٍ؛ أحدُها أنه عاش ستين سنةً، والثاني: ثلاثًا وستين سنةً مثل سنِّ أبي بكر، قاله معاوية، والثالث: إحدى وستين سنة، والرابع: ستَّةً وستين. وحكى الطبري وابن سعد أقوالًا كثيرة، منها: أنَّه عاش خمسةً وخمسين سنةَ، وقيل: ثلاثًا وخمسين سنة، وقيل: اثنتين وخمسين، وقيل: سبعة وخمسين، وقال ابن عمر والزهري: عاش خمسة وستين سنةً، وقال الواقدي: وهذا لا يُعرفُ عندنا بالمدينةِ والثبتُ عندنا أنه عاش ستين سنةً (٣). وقال الشيخُ الموفَّقُ ﵀ في الأنساب: وُلدَ عمر بعد الفيل بثلاث عشرة سنةً (٤)، والنبيُّ ﷺ توفي ابنَ ثلاثٍ وستين سنةً، في السنة الحادية عشرة من الهجرةِ،

стр. 2392

وعاش عمرُ بعد رسولِ اللَّه ثلاثَ عشرة سنةً، فقد مات عمر عن خَمْسٍ وستين سنةً وشُهور كما قال ابن عمر والزهري، وذكره سعيد بن عامر. ذِكْرُ غسله وتكفينه والصلاةِ عليه ودفنِه: حكى ابن سعدٍ عن ابن عمر قال (١): غُسِّلَ أبي بالماءِ والسِّدْرِ ثلاثًا، وأوصى أن لا يَقرَبه طِيبٌ، وكُفِّن في ثلاثةِ أثوابٍ أو ثوبَيْن سَحوليَّيْن، وصلَّى عليه صُهَيْبٌ. وحكى ابن سعدٍ عن الواقدي قال: لمّا وُضع ليُصَلّى عليه أقبل عليٌّ وعثمان ويدُ أحدِهما في يد الآخرِ، فقال عبد الرحمن بن عوفٍ ولا يظُنُّ أنَّهما يَسمعان ذلك: قد أوشكتُما يا بني عبد مناف، فسمعاها، فقال كلُّ واحدٍ منهما لصُهيبٍ: يا أبا يحيى، قُم فصَلِّ عليه، فقام فصلَّى عليه. وفي رِواية ابن سعدٍ عن الواقدي قال: لمّا وُضع عمرُ ليُصَلَّى عليه أقبل علي وعثمانُ أيّهما يصلّي عليه، فقال عبد الرحمن بن عوف: إنَّ هذا لهو الحِرْصُ على الإمارةِ، لقد عَلمتُما ما هذا إليكما، ولقد أُمِرَ به غيرُكما، تقدَّم يا صُهَيْب فصلِّ عليه، فتقدَّم صُهَيب فصلَّى عليه في مسجدِ رسول اللَّه ﷺ ، وكبَّر عليه أربعًا بين القَبْرِ والمِنْبرِ (٢). وقال الطبري في تاريخه: وقف علي عند رأسِ عمر، وعثمانُ عند رجليه، فقال عبد الرحمن بن عوف: لا إله إلا اللَّه، ما أحرصَكما على الإمرَةِ! أما علمتُما أنَّ أمير المؤمنين قال: ليُصَلِّ بالناسِ صُهَيْب؟ فتقدَّم صهيبٌ فصلَّى عليه (٣). وقال هشام: إنَّما أوصى عمر ليُصَلِّي عليه صُهيب لأنَّه ما أحبَّ أن يتقدَّم عليه رجلٌ من أصحاب الشورى، وما تَعيَّن بَعْدُ منهم إمام، وما أحبَّ أن يُصَلِّيَ عليه ذوو الأرحام وهناك إمام منصوصٌ عليه. وحكى ابن سعدٍ عن الواقدي عن أشياخهِ قالوا (٤): نزل في قبرهِ عثمان وسعيد بنُ

стр. 2393

زيدٍ وصهيب وعبد اللَّه بن عمر. واختلفوا في كيفيةِ دَفْنِ أبي بكرٍ وعمر عند رسولِ اللَّه ﷺ على ثلاثةِ أقوالٍ؛ أحدُها رواه الواقدي عن خالد بن أبي بكر قال: دُفن عمرُ في بيتِ عائشة، وجُعل رأسُ أبي بكرٍ عند كَتِفي النبي ﷺ ، وجُعل رأسُ عمر عند حَقْوي النبي ﷺ (١). وقال ابن سعدٍ بإسناده عن عائشة ﵂ قالت: مازِلْتُ أضَعُ خِماري عن رأسي وأقول: ما معي في الحُجْرَة إلّا رسول اللَّه ﵁ وأبي، حتى دُفن عندي عمر، فلم أزل مُتَحفِّظةً في ثيابي، حتى بنيتُ بيني وبين القبورِ جدارًا (٢). حديث الطعام: حدثنا عبد اللَّه بن أبي المجدِ الحربي بإسناده عن الأحنفِ بن قيسٍ قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطّابِ يقول: إنَّ قُريشًا رؤساءُ الناس، لا يَدخلون بابًا، إلا فَتح اللَّه عليهم منه خيرًا، قال: فلما مات عمر واستخلف صُهَيْبًا على إطعام الناس، وحضر الناسُ وفيهم العباسُ، فأمسكَ الناسُ أيديهم عن الأكل، فحسرَ ذِراعيه وقال: أيُّها الناسُ، إنَّ رسول اللَّه ﷺ مات فأكلْنا، وإنَّ أبا بكرٍ مات فأكلنا، وإنَّه لابُدَّ من الأكلِ، وضربَ بيدهِ وضرب القوم بأيديهم، فعُرِفَ قولُ عمر: إنَّ قُريشًا رؤساءُ الناس (٣). فصلٌ في ثناء الصحابةِ عليه: قال أحمد بإسناده عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، أنَّه سمع ابن عباسٍ قال: إني لواقفٌ وقد وُضِع عمرُ على سريرهِ؛ فتكنَّفه الناسُ يَدعون له قبل أن يُرْفَعَ ويُصَلُّون، فلم يَرُعْني إلّا رجلٌ قد أخَذَ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه، فإذا عليّ بن أبي طالب، فترحَّم على عمر وقال: ما خَلَّفْتُ أحدًا على وجه الأرضِ أُحبُّ أن أَلقى اللَّه بصَحيفتهِ من هذا

стр. 2394

المُسَجَّى بالثوبِ. وفي روايةٍ: واللَّهِ ما خَلَّفْتُ أحدًا أُحبُّ أن أَلقى اللَّه بمثلِ عمله منك، وايْمُ اللَّهِ، إن كنتُ لأظنُّ أنَّ اللَّه يَجعلك مع صاحبيك؛ لأني كنتُ كثيرًا ما أسمعُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "ذهبتُ أنا وأبو بكرٍ وعمر، ودخلتُ أنا وأبو بكرٍ وعمر، وخرجتُ أنا وأبو بكرٍ وعمر" وإني لأرجو أن يَجعلك اللَّه معهما. أخرجاه في "الصحيحين"، وهو في مسند عليٍّ ﵇ (١). وقال المغيرة بن شُعبة: لما دُفن عمر أتيتُ عليًا وأنا أحبُّ أن أسمعَ منه في عمر شيئًا، وكان قد سمع زوجةَ عمر ابنةَ أبي خيثمة تَندُبه (٢) وتقول: واعمراه، أقام الأَوَد، ونصر الصَّمد، وخاض الغُمَر، وأمات الغِيَر، وأحيا السُّنن، وقلد المِنَن، خرج من الدنيا واللَّه نقيَّ الثَّوب، بريئًا من العَيب، فقال علي: لقد صَدقتْ بنتُ أبي خيثمة، لقد ذهب واللَّه بخيرها، ونجا من شرّها، أما واللَّه ما قالت ولكنها قُوِّلت. وروى عكرمةُ، عن ابن عباسٍ قال: كنا نتحدَّثُ أن الشياطين مُصفَّدةٌ في إمارةِ عمر، فلما أُصيبَ بُثَّت في الأرضِ (٣)، وفي روايةٍ: وما كان في الأرضِ شيطان إلّا وهو يَفرُّ من عمر. وقال الواقدي: كان عمرُ عظيمًا في أعينِ الصحابةِ، فلما كانت الليلةُ التي مات فيها وُلِد لجماعةٍ منهم أولاد، فسمّى كلُّ واحدٍ منهم ولدَه باسمِ عمر، منهم عثمان وعلي وعبد اللَّه بن عمر (٤). وروت عمرةُ عن عائشة أنَّها قالت: كان عمرُ أحْزمَ من أن يُخْدَع، وكان واللَّه أحْوَزِيًّا نَسيجَ وَحْدِه، قد أعدَّ للأُمور أقرانَها، وكان يقول: لستُ بخِبِّ والخِبُّ لا يَخدَعُني (٥).

стр. 2395

وحكى ابن سعدٍ عن حُذيفة قال: كان الإسلامُ في أيامِ عمر لا يَزيدُ إلّا إقبالًا، وفي روايةٍ: كان الإسلام كالرَّجُلِ المقبِل، فلما ولَّى عمرُ صار كالرجلِ المُدْبِر، لا يَزدادُ إلا إدبارًا (١). ذكر شهادة رسولِ اللَّه له أنَّه يكون بعد الموتِ كما كان: حدَّثنا غير واحدٍ عن محمد بن أبي القاسم بإسناده، عن ابن عمر، عن عمر قال: قال لي رسولُ اللَّه ﷺ : "كيف بك يا عُمر إذا صِرتَ في أربعةِ أذرُعٍ من الأرض في ذِراعين، ونزل عليك مُنكر ونكير فتّانا القَبرِ، يَبحثان الأرضَ بأنيابهما، ويُطارُ في أشعارِهما، أصواتُهما كالرَّعدِ القاصفِ، وأبصارهما كالبَرقِ الخاطفِ، معهما مِرْزَبَةٌ لو اجتمع عليها أهلُ الأرضِ لم يُطيقوا رفعَها، هي أيسرُ عليهما من عصاي هذه، يَضربانِ العبدَ بها ضَربَةً لو ضَرَبا بها جبال تِهامةَ لذابتْ؟ " قال: فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، وأكون على حالتي هذه؟ قال: "نعم"، فقلت: إذًا أكفيكَهما. ذكر جدّي ﵀ هذا الحديثَ في بعضِ مجالسهِ، ثم قال: بلغني أنَّ عمر رُؤي في المنامِ، فقيل لَهُ: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: لما نزل عليَّ الملَكان أجلساني، وقالا: مَن ربُّكَ؟ فجذبتُ بذُؤابتَيْهما وقلتُ: بل أنتُما مَن ربُّكما (٢)؟ ذكر رؤيا العباس له بعد موتهِ: قال ابنُ سعدٍ بإسنادهِ عن عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن العباس قال: كان العباسُ خِلًّا أو خليلًا لعمر، فلما أُصيبَ عمرُ جعل يدعو اللَّه أن يُريَه عمرَ في المنامِ، قال: فرآه بعد حَوْلٍ وهو يَمسحُ العَرَقَ عن وَجهه، فقال: ما فعلتَ؟ وفي روايةٍ: ما فعل بك ربُّك؟ قال: هذا أوانُ فَرغتُ، إن كاد عرشي ليُهَدّ [أو] ليهوي بي لولا أني لقيتُه رؤوفًا رحيمًا (٣). وفي روايةِ هشام أن العباس رآه بعد عشر سنين، أو اثنتي عشرة سنةً، مَكشوفَ الرأْسِ يعدو ويقول: الآنَ أَفلتُّ من الحسابِ، أكثر من زمانِ ولايته.

стр. 2396

وقال الواقدي: وقد رآه رجلٌ من الأنصارِ كذلك بعد عشر سنين. وروى [عن] ابن عباسٍ أيضًا بإسناده، وفي رواية الزُّهري عن ابن عباسٍ قال: دعوتُ اللَّه أن يُريَني عمرَ في المنام، فرأيتُه بعد سنةٍ وهو يَسْلتُ العَرَقَ عن وَجْنَتَيْهِ ويقول: الآن خرجتُ من الحِناذِ، أو مثل الحِناذِ (١). وقال هشام بن الكلبي (٢): قد رثاه جماعةٌ منهم زوجتُه عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفيَلٍ، فقالت: [من الخفيف] عينُ جُودي على الإمامِ الأريبِ … لا تَملِّي بعَبْرَةٍ ونَحيبِ فَجَّعَتْني المنونُ بالفارس المَيْـ .... ــــمون يومَ الهِياجِ والتَّأنيبِ (٣) عِصمةُ الناس والمُعينُ على الدَّهـ … ــرِ وغَيثُ المُنْتابِ والمَحْروبِ قل لأهلِ الثَّراءِ والبُؤسِ موتوا … قد سَقَتْه المنونُ كأس شَعوبِ وقالت أيضًا: [من الطويل] وأفْجَعَني فيروزُ لا درَّ درُّه … بأبيضَ تالٍ للكتابِ مُنيبِ رَؤوفٍ على الأَدْنى غَليظٍ على العِدى … أخي ثِقَةٍ في النَّائباتِ مُجيبِ متى ما يَقُلْ لا يُكْذِبُ القولَ فِعْلُه … سريعٍ إلى الخيراتِ غيرِ قَطوبِ (٤) وقال ابن سعدٍ بإسناده عن عائشة ﵂ قالت: سمعتُ ليلًا ما أراه إنسيًا نَعى عمر يقول: [من الطويل] جَزى اللَّهُ خيرًا من إمامٍ وباركَتْ … يدُ اللَّهِ في ذاك الأَديمِ المُمزَّقِ فمَن يَمشِ أو يركَبْ جَناحَيْ نَعامةٍ … ليُدْرِكَ ما قَدَّمْتَ بالأمسِ يُسْبَقِ قَضيتَ أُمورًا ثم غادَرْتَ بعدها … بوائِقَ في أكمامِها لم تُفَتَّقِ وفيها زيادةٌ وهي:

стр. 2397

وما كنتُ أَخشى أن تكونَ وفاتُه … بكَفَّي سَبَنْتى أزرَقِ العينِ مُطْرِقِ أبَعْدَ قَتيلٍ بالمدينةِ أظلمتْ … له الأرضُ تهتَزُّ العِضاهُ بأَسْؤقِ وقال ابنُ سعدٍ بإسنادهِ عن سليمان بن يَسار أنَّ الجِنَّ ناحت على عمر (١). ذِكرُ زوجاتِه وأولاده: قال ابنُ سعدٍ: كان لعمر من الولدِ عبدُ اللَّه وعبد الرحمن وحفصةُ، وأُمُّهم زينب بنتُ مَظْعون الجُمَحِيَّةُ. وزيدٌ الأكبرُ لا بقيَّةَ له، ورُقَيَّةُ، وأُمُّهما أُمُّ كلثوم بنت علي. وزيدٌ الأصغر، وعُبَيْد اللَّه قُتِلَ بصِفين مع مُعاوية، وأُمُّهما أُمُّ كلثوم بنت جَرْوَل خُزاعية، وهي التي فرّق الإسلام بينها وبين عمر رضوان اللَّه عليه، وعاصم وأمه جَميلة بنت أبي الأقْلَح. وعبدُ الرحمن الأوسط وهو المرجومُ، وأُمُّه لُهيَّةُ أُمُّ ولدٍ، وعبدُ الرحمن الأصغر لأُمِّ ولد. وفاطمة وأُمُّها أُمُّ حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، وزينبُ أصغرُ ولدِ عمر، وأُمُّها فُكَيْهَةُ أُمُّ ولدٍ. وعِياض وأُمُّه عاتكةُ بنت زيد بن عمرو بن نُفَيْل. وقال ابن سعدٍ بإسناده عن ابن عمر قال: غيَّرَ رسول اللَّه ﷺ اسمَ أمِّ عاصم بن عمر، كان اسمُها عاصِية، فقال: "لا، بَلْ أنت جَميلة" (٢). وقال هشام بن الكلبي عن أبيه قال: تزوَّجَ عمرُ في الجاهليةِ مليكةَ بنت جَرْولٍ الخزاعيِّ، فوَلدت له عبدَ اللَّه الذي قُتِل بصِفِّين. وتزوَّجَ في الجاهليةِ قُريبةَ بنت أبي أُميّة المخزومي، فلم تَلِد له. وأما في الإسلامِ فتزوَّج أُمَّ حكيم بنت الحارث بن هشام بن المُغيرة، فوَلدت له فاطمة ثم طَلَّقها.

стр. 2398

وتزوَّج جميلةَ بنت ثابت بن أبي الأقْلَحِ، فوَلدت له عاصمًا ثم طلَّقها. وتزوَّج فاطمةَ بنتَ الوليد بن المغيرة أُخت خالد بن الوليد، ثم تزوَّج أُمَّ كلثوم بنت عليّ، فولدت له زيدًا الأكبر ورُقَيَّةَ. وتزوَّج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفَيْلٍ، فولدت له عِياضًا. وقال الواقدي: كانت عاتكةُ بنت زيد بن عمرو بن نُفيَل عند عبد الرحمن بن أبي بكرٍ، فقُتِل عنها، فتزوَّجها عمر فقُتِل عنها، فتزوَّجها الزبير فقُتِل عنها، ووَلدت من عمر عِياضًا (١). وقال المدائني: خطب عمرُ أُمَّ كلثوم بنت أبي بكرٍ الصديق وهي صغيرةٌ، فأبت عليه، فأرسل إلى عائشة بسببها، فقالت لها عائشةُ: أتَرغَبين عن أميرِ المؤمنين؟ فقالت: نعم، لا حاجَةَ لي فيه، خَشِن العيش، شديدٌ على النساء، فأرسلت عائشةُ إلى عمرو بن العاص فقال: أنا أكفيكِ، ثم دخل على عمر فقال: يا أمير المؤمنين، قد بَلغني خبرٌ أُعيذُك باللَّه منه، قال: وما هو؟ قال: خَطَبْتَ ابنةَ أبي بكر؟ قال: نعم، قال: إنَّ لها لشأنًا، وهي حَدَثةٌ، وتَعيشُ تحت ظلِّ أُمِّ المؤمنين عائشة في عَيشٍ رقيقٍ، وعَيْشُك غَليظ، وربَّما خالَفَتْكَ فتَسْطو بها، فتكون قد خَلَفْتَ أباها في ولدهِ بغيرِ ما يَجبُ عليك ويُحِبُّ في ولدهِ، وإني أدلُّك على خيرٍ منها، أُمُّ كلثوم بنت علي لقُرْبِها من رسولِ اللَّه ﷺ وفي رواية: فيك غِلْظَةٌ، ونحنُ نهابُكَ، وما نَقْدِرُ أن نَردَّكَ عن خُلُقٍ من أخلاقِكَ، وابنةُ أبي بكر ليست كأحدِنا، فسكت عمر. وقال المدائني: خطب عمر أُمَّ أبان بنت عُتبة بن ربيعة فقالت: لا حاجة لي به؛ يُغلقُ بابَه، ويَمنعُ خيرَه، ويدخلُ عابسًا، ويَخرج عابسًا (٢). وقال ابن عساكر في تاريخِه: وزيدُ بن عمر بن الخطاب أُمُّه أُم كلثوم بنت علي، وأُمُّها فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ .

стр. 2399

وقال أبو عمرو بن العلاء (١): كان زيدٌ قد وفد على مُعاوية بن أبي سفيان، فأجلسه معه على سريره، وكان حسنًا جميلًا، فقال له بُسْرُ بن أبي أرطاة: يا ابن أبي تُراب، فقال زيد: إيّاي تَعني لا أُم لك! أنا واللَّهِ خيرٌ منك ومن أبيك وجَدِّك ومن هذا، يعني مُعاوية، ثم قام فنزل من السرير، فأخذ بعُنقِه فصرعه، وبرك على صَدْرِه، وجعل يَخنقُه، فنزل معاويةُ من السريرِ فحال بينهما، فقال زيد: يا معاويةُ، واللَّهِ ما شكرتَ الحُسْنى، ولا حَفِظْتَ ما كان منّا إليك، سلَّطْتَ عليَّ عبد بني عامر؟! فقال له معاوية: يا ابن أخي، أما قولُك إني كفرتُ الحسنى، فواللَّه ما استَعمَلَني أبوكَ إلّا من حاجته إليَّ، وأما ما ذكرتَ من الشُّكْرِ؛ فلقد وَصَلنا أرحامَكم، وقضينا حقوقَكم وأنتُم في منازلكم، فقال زيد: إني لأعلمُ أنَّ هذا لم يكن إلّا عن رأيكَ، واللَّه لا تَراني بعدها، وأنا ابنُ الخليفَتَيْن. ثم قام وركب راحلتَه، وتوجَّه إلى المدينة، فأرسل إليه معاويةُ يَعزِم عليه إلا أتاه وقال: واللَّه إن أتَيْتَ وإلا أتيتُك، فرجع وقال: واللَّه لوِلا العَزيمة لما رجعتُ، فقام له مُعاوية، وأجلسه معه على سريره وقال: يا بُنيَّ، مَن نسي بلاءَ عمرَ فواللَّه ما أنساه، ولقد استَعمَلَني وأصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ متوافِرون، وأنا يومئذٍ حَدَثُ السنِّ، فأخذتُ بأَدَبه، واهتديتُ بهَدْيه، واتَّبعتُ أَثَرهُ، واللَّهِ ما قَوِيتُ على العامة إلّا بمكاني منه. وقضى مُعاويةُ جميعَ حَوائجه، وأمر له بمئة ألفِ درهم، وبعث إلى مَن كان مع زيدٍ وكانوا عشرين رجلًا فأعطى كل واحدٍ أربعةَ آلاف درهم (٢)، وخَرَج فقَدِم المدينةَ، فأقام يسيرًا، ثم جَرَت تلك الكائنةُ فتُوفّي، وليس لزيدٍ عَقِبٌ. وأما رُقيةُ أُختُ زيدٍ فتزوَّجها إبراهيم بن النَّحامِ، فماتت عنده. وقال ابن قُتيبة: كان لعمر ولدٌ يقال له: مُجَبِّر، ولم يُعقِب (٣). وسنذكر أولاد عمر في تراجمهم على السنين إن شاء اللَّه تعالى (٤). واستَقضَى عليَّ بن أبي طالب ﵁ على المدينة، وشُريحًا على الكوفة، وكعب بنَ

стр. 2400

سُور على البَصرة، واستقضى أيضًا عليها عُبيد اللَّه بن مَعمر. وكان حاجبُه يَرْفَأ، وأسلمُ مولاه، وكان له من الموالي يَرفأ، ومِهْجَع، ومالك الدّار، وأَسْلَم، وهُنَيّ، وأبو أُميَّة. فأما يَرفأ فكان حاجِبَه خَصيصًا به، وكان زاهدًا عابِدًا ورعًا، قال المغيرة بنُ شُعبة: واللَّه إنْ كنا لنُصانِع يَرفَأ مولى عمر وآذِنَه. وهو الذي قَدم بكتاب عمر رضوان اللَّه عليه على أبي عبيدة بالجابية بموت أبي بكر، وقَدم عليه أيضًا وهو يُحاصر دمشق، وأسند الحديث عن عمر وعلي وعثمان والعباس وطلحة والزبير ﵃، وغيرهم (١). وأما مِهجَع فاستُشهد يوم بدر. وأما مالكُ الدَّار فمن الطبقة الأولى، روى عن أبي بكر وعمر ﵄، وولاه عمر رضوان اللَّه عليه دارًا، وأمُّه حبّى، أرضعته -لعثمان- فأقطعها دارًا بالمدينة، فقيل لابنها مالك الدار (٢). وأما أسْلَم فحَبَشيّ بَجَاوي، وكُنيتُه أبو زيد، اشتراه سنةَ اثنتي عشرة، وكان يَحجُبه، وروى الحديث، وابنه زيد بن أسلم كثير الرواية عن أبيه، وخالد بن أسلم، وهو الذي أصاب رأسَ زيد بن عمر ﵁ بالحَجَر (٣). وأما هُنَيّ فحضر مع معاوية صِفّين، وهو من الطبقة الأولى من التابعين، وُلد على عهد رسول اللَّه ﷺ . وأما أبو أمية فكاتَبَه عمر رضوان اللَّه عليه، وهو جدُّ المبارك بن فَضالة بن أبي أميّة. وكان عامِله على مكة حين تُوفّي نافع بن عبد الحارث، وعلى الطائف سفيان بن عبد اللَّه الثقفي، وعلى صَنعاء يَعلى بن مُنية، وعلى الكوفة أبو موسى، وقيل: المغيرة، وعلى البصرة أبو موسى، وعلى دمشق مُعاوية، وعلى مصر عمرو بن العاص.

стр. 2401

وكان عمر رضوان اللَّه عليه يُقاسم عُمَّاله ويقول: أشكو إلى اللَّه جَلَد الخائن وعَجْزَ الثّقة، وكان يَضع عليهم العُيون. وقاسم أبا موسى مالَه، وكان قد وَلّاه البصرة، ثم أَقدَمَه عليه، فقال له: ما جاريتان عندك إحداهما تُدعَى عقيلة، والأُخرى من بنات الملوك؟! فقال: أمَّا عقيلة فبيني وبين الناس، وأما التي من بنات الملوك فأردتُ بها غلاءَ الفِداء، قال: فما جَفْنتان عندك؟! قال: رَزقْتَني كلَّ يوم شاةً، أعمل نصفَها بُكرةً، ونصفَها عشيَّةً، قال: فما مِكيالان عندك؟ قال: أما أحدُهما فأُوفّي به أهلي ودابَّتي، وأما الآخر فيتعاملُ به الناس، فقال: ادفع إلينا عقيلة، وارجع إلى عَملك عاقِصًا بقَرْنِك، مُكتَسِعًا بذَنبك، وإن بَلغَني بعدها أمرٌ عَزلتُك، وأخذتُ جميعَ مالك. ووَلّى أبا هريرة البحرين، وشاطره مالَه، ثم أقدمه عليه وقال: يا عبد شمس، هل علمتَ أني استعملتُك على البحرين وأنت بغير نَعلَين، ثم بَلَغني أنك بِعتَ أفراسًا بألفٍ وست مئة دينار؟ فقال: كانت لنا أفراس تَناتَجتْ، وعطايا تَلاحَقَتْ، قال: قد أخذتَ مالَ اللَّه فأدِّه، قد حَسَبْنا رزقَك ومؤنتَك، ومعك فضلٌ فأَدِّه، قال: ليس لك ذلك، فقال: بلى وأُوجعُ ظَهرَك، ثم قام إليه فضربه بالدرّة حتى أدماه، ثم قال: ائتِ بها، فقال: عند اللَّه أحتَسِبُها، فقال: يا لُكَع، ذلك لو أخذتَها من حَلال، أو أدَّيتَها طائعًا، أجئتَ من أقصى حَجْر بالبحرين يَجبي الناسُ لك، لا واللَّه، وهل وَرَّثت لك أُميمة -يعني أمّه- إلا رَعْي الحُمُر؟! يا عدوَّ اللَّه، وعدوَّ كتابه ورسوله، سرقتَ من مال المسلمين، فقال: ما أنا عدوُّهم، أنا عدؤُ مَن عاداهم، وما سرقتُ شيئًا، قال: فمن أين لك عشرة آلاف درهم؟! فأخذها منه، ثم قال له: ألا تَعمل؟ قال: لا، قال: قد عَمل مَن هو خيرٌ منك؛ يوسف الصدّيق حيث قال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] فقال له: يوسف نبيّ، وأنا ابنُ أُميمة، أخشى أن يُشتمَ عِرضي، ويُضرَبَ ظَهري، ويُنزَعَ مالي. وقاسم عمرو بنَ العاص مالَه، وبعث إليه محمد بنَ مَسْلَمَة الأنصاري، وكتب إليه عمر: عَهدي بك وأنت فقيرٌ لا مالَ لك، وقد بلغني أنه نَشَأتْ لك ماشِيةٌ من خيلٍ وإِبلٍ وبَقَرٍ وعَبيد، فمن أين لك هذا المال؟!

стр. 2402

فكتب إليه عمرو: إنني ببَلدٍ السِّعرُ فيه رَخيصٌ، وإني أُعالِج من الزِّراعة ما يُعالجُ الناس، وفي رزقِ اللَّه ورزقِ أمير المؤمنين سَعَة، وواللَّه لو رأيتُ خيانتَك حلالًا ما خُنتُك، فأَقصِرْ أيها الرجل، فإن لنا أحسابًا، وهي خيرٌ من العمل لك، فإن رَجَعنا إليها عِشنا بها. فكتب إليه عمر رضوان اللَّه عليه: ما أنا من أَساطيرك التي تُسطِّر، ونَسْقك الكلام في غير مَرْجع، وما يُغني عنك أن تُزكِّي نَفسَك، وقد بَعثتُ إليك محمد بن مَسْلَمة، فشاطِرْه مالَك، فإنكم أيها العُمال جلستُم على عُيون المال، تَجمعون لأبنائكم، وتُمهِّدون لأنفُسكم، وإنما تَجمعون للنار، والسلام. فلما قَدم محمد على عمرو صَنع له طعامًا، فقال محمد: واللَّه لا أكلتُ لك طعامًا، ولو كنتُ ضيفًا لأكلتُ، ولكن قَدَّمْتَه إلي تَقدِمة شرّ، واللَّه لا شربتُ لك ماءً، فشاطره مالَه جميعَه، وبقيت نَعلان، فأخذ إحداهما وترك الأخرى، وقال: قبَّح اللَّه زمانًا عمل فيه ابنُ العاص لابن الخطاب، واللَّه إني لأعرفُ الخطاب يَحمل على رأسه حُزمَة حطب، وعلى رأس ابنه مثلَها، وما منهما إلا في نَمِرة ما تَبلغُ رُسْغَه، واللَّه ما كان العاص يرضى أدْ يَلبس الدِّيباج مُزَوَّرًا بالذهب والفضة، فقا في له محمد: اسكُتْ، فواللَّه إن عمر خَيرٌ منك، وإن أباك وأباه في النار، فقال عمرو: هي عندك أمانة، فلم يُخبِر بها عمر رضوان اللَّه عليه. ومرّ عمر رضوان اللَّه عليه ببناء يُبنى بالجَصّ والآجُرّ، فقال: لمن هذا؟ قيل: لعاملك على البحرين، فقال: أبَت واللَّه الدَّراهم إلا أن تُخرِجَ أعناقَها، فأرسل إليه فشاطره مالَه. واستدعى الحارث منَ وَهْب عاملَه على صَنْعاء وقال له: ما قِلاصٌ وأَعبُدٌ بعتَها بمئتَي دينار؟! فقال: خرجتُ معي بنَفقةٍ فتَجرتُ فيها، فقال: أما واللَّه ما بَعثْناكم لِتَتَّجِرُوا في أموال المسلمين، أَدِّها أدِّها، فقال: واللَّه لا عَملتُ لك عملًا أبدًا، قال: انتظر حتى أستَعْمِلَك، ثم قاسمه مالَه. وقاسم سعد بن أبي وَقّاص ﵁ مالَه، فلما عَزلَه عن الكُوفة، وكان سعد مُستجاب الدَّعوة، فلما شاطره مالَه قال: لقد هَممتُ، قال عمر رضوان اللَّه عليه: أن تَدعُوَ عليَّ؟ قال: نعم، قال عمر: إذًا لا تَجِدني بدُعاء ربي شقيًا.

стр. 2403

وزار أبو سفيان ابنَه معاوية بالشام، ثم رجع فدخل على عمر رضوان اللَّه عليه، فقال له: أجِزْنا يا صخر، فقال: ما أصبْنا شيئًا فنُجِيزك منه، فأخذ عمر رضوان اللَّه عليه خاتَمه من يده، وجعل يُقلِّبه، وغافله ثم بعث به إلى هند، وقال للرسول: قل لهند: يقول لك أبو سفيان: ابعثي إليَّ بالخُرجَيْن اللذين وصلا معي من الشام، فبعثَتْ بهما، وإذا فيهما عشرة آلاف درهم، فألقاهما عمر رضوان اللَّه عليه في بيت المال، فلما ولي عثمان ﵁ رَدَّ الخُرجَيْن إلى أبي سفيان، فقال: لا آخذُ ما لم يَرْضَه لي عمر (١). وكان سببُ مُقاسمته لهم أنه ولّاهم وهم فقراء، فأَثْرَوْا وكَثُرتْ أموالُهم. وسمع قائلًا يقول: [من الطويل] نَحُجُّ إذا حَجُّوا ونَغزو إذا غَزَوْا … كأنا لهم وَفْرٌ ولسنا بذي وَفْرِ إذا التّاجرُ الهنديُّ جاء بفارَةٍ … من المِسك أضحت من مَفارِقهم تَجري فدُونَك مال اللَّه حيث وَجَدْتَه … سيَرضَون إن شاطرتَهم منك بالشَّطرِ (٢) أسند الحديث، قال ابنُ البَرْقي: روى عن رسول اللَّه ﷺ خمس مئة وتسعة وثلاثين حديثًا، وروى عنه جملةٌ من الصحابة ﵃ أجمعين. انتهى ما يتعلق بعمر بن الخطاب ﵁. فصل: غَيْلان بن سَلَمة الثقفيّ ذكره ابن سعد فيمن أسلم يوم الفتح، وقد ذكرناه في غزاة الطائف وهو الذي أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يختار منهن أربعًا، فلما كان في عهد عمر طَلَّقَ نساءه، وقسم ماله بين ورثته، فلقيه عمر بن الخطاب، فقال: إني أظن أن الشيطان فيما يسترقُ من السَّمع سمع بموتك، فقذفه في نفسك، ولعلَّك لا تمكُثُ إلّا قليلًا، وايْم اللَّه، لتُرجِعنَّ نِساءَك، أو لأُورثهنَّ من مالك، ولآمُرَنَّ بقبرك أن يُرْجَمَ كما رُجم قبرُ أبي رِغال، يعني أبا ثقيف، قال: فراجع نساءه ورجع في مالهِ، فما مَكث سبعًا حتَّى مات.

стр. 2404

وقال ابن سعد: وكان شاعرًا، وَفَد على كسرى، وسأله أن يَبنيَ له حِصْنًا بالطائفِ فبناه، قال: وأسلم وعنده عشر نسوة، فقال له رسول اللَّه: "اختَرْ منهنَّ أربعًا، وفارِق بقيَّتَهُنَّ"، فقال: قد كُنَّ لا يعلمن أيَّتُهنَّ آثَرُ عندي، وسيَعلمنَ اليوم ذلك، فاختار منهن أربعًا، وجعل يقول لمن أراد منهن: أَقْبلي، ولمن لا يُريد: أدبِري (١). وغيلان هذا أبو بادِيَة التي قال عنها هيتُ المخنَّثُ في غزاة الطائف: تُقْبلُ بأربعٍ وتُدْبِرُ بثمانٍ، وقد ذكرناه. ذكر وفاته: قال الواقدي: تُوفي في سنة ثلاثٍ وعشرين، وقال ابن سعد: في آخر خلافة عمر ابن الخطاب، وكذا قال ابنُ عساكر. ولغَيْلان شِعر، وليس في الصحابة مَن اسمُه غَيْلان بن سَلَمة غيره، وأسند غَيلان ابن سلمة الحديث عن رسولِ اللَّه ﷺ (٢). فصل: وفيها قُتِل الهرمزان (٣). * * *

стр. 2405

السنة الرابعة والعشرون فيها أمر الشورى. روى البخاريّ عن المِسور بن مَخْرمة أن الرَّهطَ الذين وَلّاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، فقال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أُنافِسُكم هذا الأمر، ولكنكم إنْ شئتم اخترتُ لكم، فجعلوا ذلك له، فلما وَلَّوه أمرَهم انثال عليه الناس ومالوا إليه، حتى لا أرى أحدًا من الناس يَتبع أولئك الرّهط ولا يَطأ عقبه، ومال الناس إلى عبد الرحمن يُشاورونَه ويُناجونه تلك الليالي، حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا بايَعْنا فيها عثمان. قال المِسوَر: طرقني عبد الرحمن بعد هَجْعٍ من الليل، فضرب الباب حتى استيقظتُ، فقال: ألا أراك نائمًا، فواللَّه ما اكتحلتُ في هذه الليلة بكثير نوم، فادعُ لي الزبير وسعدًا، فدعوتُهما له، فشاوَرَهما، ثم قال: ادعُ لي عليًّا، فدعوتُه، فناجاه حتى ابْهَارَّ الليل، ثم قام من عنده وهو على طَمَع، وكان عبدُ الرحمن يَخشى من عليٍّ شيئًا، ثم قال: ادعُ لي عثمان، فدعوتُه، فناجاه حتى فَرَّق بينهما مؤذن الصّبح، فلما صلّى الناس الفجر اجتمع أولئك الرهط عند عبد الرحمن عند المنبر، فأرسل عبد الرحمن إلى مَن كان خارجًا من المهاجرين والأنصار، وإلى أُمراء الأجناد -وكانوا وافَوْا تلك الحجّة مع عمر- فلما اجتمعوا تشهّد عبد الرحمن وقال: أما بعد؛ فإني نَظرتُ في أمر الناس، فلم أرهم يَعدلون بعثمان أحدًا، ثم أخذ بيده وقال: أُبايعك على سُنَّة رسول اللَّه ﷺ والخَليفتين من بعده، وبايعه عبد الرحمن والناس. هذا لفظ البخاري (١). قال الواقدي: لما استُخلف عثمان دخل عليٌّ على العباس، فقال له العباس: إني ما قَدَّمتُك إلا تأخَّرتَ، قلت لك: هذا الموتُ في وجه رسول اللَّه ﷺ فتعال نَسأله عن هذا الأمر فأَبَيْت، ثم قال: أنت المنظور إليه، فقلتُ لك: تعال أُبايعك فلا يَختلف عليك اثنان فأبَيْت، ثم مات عمر بعد ذلك، قد أطلق اللَّه يَديك، ليس لأحدٍ عليك بَيعة، ولا تَدخل في الشَّورى فأَبَيْتَ عليّ، فقال علي: عسى أن يكون خيرًا.

стр. 2406

وكان العباس قد قال لعليٍّ يوم طُعن عمر: الزَمْ بيتَك، ولا تدخل في الشورى، فلا يَختلفُ عليك اثنان (١). ولما أخذ عبد الرحمن ﵁ منهم المواثيق خلا بعليّ ﵁ وقال له: إنك تقول إنك أحقُّ بهذا الأمر لقَرابتك، وسابقتك، وحُسْنِ أثرك، ولم تبعد، ولكن أرأيتَ لو صُرِف هذا الأمرُ عنك ولم تَحْضُرْه، مَن كنتَ تَرى أحقّ به من هذا الرَّهط؟ فقال: عثمان. ثم خلا بعثمان رضوان اللَّه عليه وقال له: أنت تقول: إني شيخُ بني عبد مَناف، ولي سوابق، فلو صُرِف عنك هذا الأمرُ ولم تَحْضُر، مَن كنتَ ترى أحقّ به؟ قال: علي. ثم خلا بالزبير ﵁، فقال له مثلَ ذلك، فقال الزّبير: عثمان، ثم خلا بسعدٍ ﵁، فقال له مثل ذلك، فقال: عثمان، ثم قال لعلي ﵁: أَنشدك اللَّه أن تكون ظَهيرًا لعثمان (٢)، وكان طلحة ﵁ غائبًا. ثم شاور المهاجرين والأنصار، فكلٌّ أشار بعثمان، ثم قال للزبير: خلِّ نصيبَك لبني عبد مَناف، فقال: نَصيبي لعَليّ، فقال عبد الرحمن لسعد: أنا وأنت كَلالة، فاجعل نصيبَك لي فأَختار، فقال سعد: إن اخترتَ نَفسَك فنعم، وإن اخترتَ عثمان فعليٌّ أحبُّ إليّ، ثم قال له سعد: أيها الرجل، بايعْ نَفْسك وأرِحْنا، وارفع رؤوسَنا، فقال: واللَّه لا يَقوم أحدٌ مقام أبي بكر وعمر فيَرضى الناسُ عنه. فقام سعد والزبير غَضْبى. وجمع عبد الرحمن وُجوهَ الناس وقال: أشيروا عليّ، فقال له سعيد بن زيد ﵁: إنا لنراك أهلًا لها، فقال: أشيروا عليّ بغير هذا، فقال عمّار بن ياسر: إن أردتَ ألا يَحْتلفَ عليك اثنان فبايعْ عَليًّا، فقال المقداد: صدق، إن بايعتَ عليًّا سَمِعنا وأطعنا، فقال عبد اللَّه بن سعد بن أبي سَرْح: إن أردتَ أن لا يَختلفَ عليك اثنان من قُريش فبايعْ عثمان، فقال عبد اللَّه بن أبي ربيعة: صدق ابنُ أبي سَرْح، فشتم عمار ابنَ أبي سرح وقال: متى كنت ناصِحًا للمسلمين.

стр. 2407

وتكلم بنو هاشم وبنو أُمية، فقال عمار: أيها الناس، أنّى تَصرفون هذا الأمرَ عن بيت نبيّكم؟ فقال رجل من بني مَخزوم: لقد عَدوتَ طَورَك يا ابن سُميَّة، وما أنتَ وتَأمير قريش؟! فبايع عبدُ الرحمن عثمانَ ﵄، فقام عليٌّ ﵁ وخرج مُغضبًا، فتبعه عبد الرحمن فقال: بايع وإلا ضربتُ عُنقك، فبايَعَ. وروي أن عبد الرحمن ﵁ رأى في المنام أن أمِّر أقرأَهم، فإن استَووا فأَفْقهُهم، فإن استَووا فأسنُّهم، فانتبه فقال: هل تَعلمون أحدًا اجتمع فيه هذا غير عثمان، فبايعوه. وجلس عبد الرحمن ﵁ على مِنبر رسول اللَّه ﷺ ، دون المكان الذي كان يَقعد فيه رسول اللَّه ﷺ ، ثم أقعد عثمان رضوان اللَّه عليه على الدَّرجة الثانية وبايعه، فلما كان بعد ذلك صعد عثمان ﵁ فقعد مكان رسول اللَّه ﷺ ، فأعظم الناس ذلك، وكان أوَّلَ ما أُخذ عليه. وقدم طلحة ﵁ في اليوم الرابع وقد بُويع عثمان ﵁، فقال له عثمان: أنت على رأس أَمرِك، إن أَبيتَ رَدَدْتُها، قال: أوَ تَرُدُّها؟ قال: نعم، فبايعه طلحة ﵁، وكان في عهد عمر رضوان اللَّه عليه: إن لم يَحضُر طلحة إلى ثلاثة أيام فأَمْضُوا الأمور (١). * * *

стр. 2408

الباب الثالث في ذكر عثمان ﵁ - [هو عثمان] بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصي ﵁، وكان يُكنى بأبي عمرو وبأبي عبد اللَّه، وأمُّه أَروى بنت كُرَيْز بن ربيعة بن حبيب ابن عبد شمس بن عبد مَناف، أسلمت أم عثمان، وأمُّها أمُّ حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم، عَمَّةُ رسول اللَّه ﷺ فأمُّ عثمان بنتُ عمِّ رسول اللَّه ﷺ . ووُلد في السَّنة السادسة بعد الفيل (١)، قال سيف: وبويع لثلاثٍ مَضَينَ من المحرَّم سنة أربع وعشرين، فصلَّى بالناس العصر، وكان مُؤذِّنُ صُهَيب قد أَذَن (٢). وولي وهو ابن تسع وستين سنة، وهو أوّل خليفةٍ اختَلفوا عليه. ولما بُويع خرج إلى الناس فخَطَبهم، فحمِد اللَّه وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إن أوَّلَ مَركَبٍ صَعبٌ، وإن بعد اليوم أيامًا، وإن أَعِش تأتِكم الخُطَب على وَجْهها، وما كُنّا خُطباء، وسيُعَلِّمنا اللَّه تعالى (٣). ذكر صِفته: قال الواقدي: كان عثمان [رجلًا] ليس بالطويل ولا بالقصير، أبيضَ رَبْعَة -وقيل: أسمر اللون- رقيقَ البشرة، حسنَ الوَجْه، عَظيمَ الكَراديس، بعيدَ ما بين المنكِبَيْن، كثيرَ شعر الرأس، وكان يُصَفِّر لحيتَه. وقال الحسين: رأيتُ عثمانَ وبوَجهه جُدَريٌّ، وشَعرُ يديه قد كسا ذراعيه. وحكى أبو بكرٍ النقاشِ أنَّه كان وَضيئًا، أبيض مُشْربًا بصُفْرةٍ، حَسَنَ الثَّغْرِ، له جُمَّةٌ أسفلَ أُذنَيْه، خَدَلَّجَ الساقين. وقال هشام: كان أَضْلَع، وأعداؤه يُسَمُّونه نَعْثَلًا. وقال الجوهري: ونَعْثَلٌ: رجلٌ

стр. 2409

طويل اللحيةِ، وكان عثمان إذا نيلَ منه شُبِّه بذلك الرجل لطولِ لحيته (١). وكان عثمان يَشُدُّ أسنانَه بالذَّهب. قلتُ: وقد اختلف العلماءُ في شدِّ الأسنانِ بالذَّهب؛ فكره أبو حنيفة ذلك، قال في "الأصل": إذا تحرَّك سِنُّ الرجلِ فشدَّه بالذهبِ، أو سقط سنُّه فاتَخذَ سنًّا من ذهبٍ، أو كان مَقطوع الأنفِ فاتَّخذَ أنفًا من ذهب، يُكره عند أبي حنيفة، وقال محمد: لا بأس به، وأبو يوسف مع أبي حنيفة في رواية، ومع محمد في روايةٍ. واحتجَّ محمد بأنَّ عَرْفَجة بن أسعد أُصيبَ أنفُه يوم الكُلابِ، فاتَّخذ أنفًا من فِضَّةٍ فأنْتَن، فأمره النبي ﷺ أن يتَخِذَ أنفًا من ذهب (٢). وعثمان كان يشدُّ أسنانه بالذهب ولم يُنكر عليه أحدٌ (٣). وكان نَقْشُ خاتَمه: آمن عثمان باللَّهِ العظيمِ. ذِكرُ سبب إسلامه: قد ذكرنا أنه أسلم قديمًا قبل دخولِ رسول اللَّه ﷺ دارَ الأرقم. وحكى ابن سعدٍ عن الواقدي قال: خَرَج عثمان وطلحةُ بنُ عبيد اللَّه على أَثَرِ الزّبير ابن العوام، فدخلا على رسول اللَّه ﷺ ، فعرض عليهما الإسلامَ، وقرأ عليهما القُرآن فأسلما (٤)، وقال عثمان: يا رسول اللَّه، قدمتُ من الشام حديثًا، فلما كنّا بين مُعان والزَّرْقاء ونحن كالنيّام إذا مُنادٍ يُنادينا: أيُّها النُّوام هُبُّوا؛ فقد خرج أحمدُ بمكة، فقَدِمْنا فسَمِعنا بك (٥). وحكى أبو بكر النقَّاش، عن عمرو بن عثمان بن عفان قال: حدَّثني أبي عن سبب إسلامه قال: كنتُ رجلًا مُسْتَهْتَرًا بالنّساء، وإني لَقاعدٌ بفِناء الكعبةِ ذات ليلةٍ في رهطٍ

стр. 2410

من قريشٍ إذ قيل لنا: إن محمدًا قد أنكح ابنتَه رُقيَّةَ عُتبة بن أبي لهب -وكانت رُقيَّةُ ذات جمالٍ رائعٍ. قال عثمان: فدخلَتْني الحَسرةُ لمَ لا أكونُ سبقتُه إليها! قال: فلم ألبث أن انصرفتُ إلى منزلي، فأصبتُ خالتي سُعدى بنت كُرَيْز قاعدةً، وكانت قد طَرَقَتْ وتكَهَّنتْ عند قومها، فلما رأتني قالت: [من الرجز] أَبشِرْ وحُيِّيتَ ثلاثًا تَتْرى ثم ثلاثًا وثلاثًا أُخرى ثم بأُخرى كي تتمَّ عَشْرا أتاك خيرٌ ووُقيتَ شرّا أُنكِحْتَ واللَّه حَصانًا زَهْرا وكُنْتَ بِكْرًا ولَقِيتَ بِكْرا وافَيتَها بنتَ عظيمٍ قَدْرا بنتَ نبيِّ قد أشادَ ذِكْرا قال عثمان: فعجبتُ من قولها وقلتُ: يا خالةُ، ما تقولين؟ فقالت: عثمان، لك الجَمالُ و [لك] اللسان هذا نبيٌّ معه البُرهان أرسله المُهَيْمنُ الدَّيَّان وجاءه جبريلُ بالفرقان فاتْبَعْه لا تَغْتَالُك الأَوْثان قال: فقلتُ: يا خالةُ، إنَّك تَذكُرين رجلًا أو شيئًا ما وقع ببلدنا، فبَيِّنيه لي، فقالت: محمد بن عبد اللَّه، رسولٌ من عند اللَّه، جاء بتنزيلِ اللَّه، يدعو إلى اللَّه، قال: فوقع كلامُها في قلبي، وأتيتُ أبا بكرٍ فأَخبرتُه، فقال: ويحك يا عثمان، أنتَ رجلٌ

стр. 2411

حازِمٌ، ما يَخفى عليك الحقُّ من الباطلِ، ما هذه الأوثانُ التي تَعبُدها؟ هل هي إلا حجارةٌ صمٌّ بُكْمٌ، لا تسَمعُ ولا تُبصرُ، ولا تضرُّ ولا تَنفع؟! قال: قلتُ: بلى، قال: فواللَّه لقد صَدَقَتْ خالتُكَ، هذا رسولُ اللَّه قد بعثه اللَّه إلى خلقه، فهل لك أن تأتيَه فتسمع كلامه؟ فقلت: بلى، فأتيتُ رسول اللَّه ﷺ فقال لي: "يا عثمان، إني رسول اللَّه إلى خلقه، فأجب اللَّه إلى جَنَّتهِ"، قال: فواللَّهِ ما تمالكتُ حين سمعتُ كلامَه أن أسلمتُ، فزوَّجني رسولُ اللَّه رُقيَّةَ ابنته، فقالت خالتي: [من الطويل]: وأنكَحه المبعوثُ بالحقِّ بنتَه … فكان كبَدْرٍ مازجَ الشَّمسَ في الأُفْقِ (١) وقد ذكر أنه أسلم على يد أبي بكرٍ، وأن أبا بكرٍ كان السببَ في إسلامه. وقال ابن سعدٍ بإسناده عن محمد بن إبراهيم التّيمي، عن أبيه قال: لمّا أسلم عثمان أخذه عمُّه الحكم بن أبي العاص بن أمية، فأوثقه رِباطًا وقال: أترغَبُ عن دين آبائك؟ فقال عثمان: واللَّهِ لا أدَعُ ديني أبدًا، فلما رأى الحكم صَلابتَه في دينه تَركه (٢). فصل في ترجمة الهرمزان وكان ينبغي أن يُذكر في السنة الماضية، لأن فيها كانت القاضية. وقال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ حين قتل عمر رضوان اللَّه عليه: قد مَررتُ على أبي لُؤلؤة قاتل عمر، ومعه جُفينة والهرمزان وهم نَجِيّ، فلما بَغَتُّهم ثاروا، فسقط من بينهم خَنجرٌ له رأسان ونِصابُه وَسطه، فانظروا ما الخَنجرُ الذي قُتل به عمر؟! فنظروا فوجدوه ذلك الخنجر. فانطلق عُبيد اللَّه بن عمر حين سمع ذلك من عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه السيف، فدعا الهرمزان، فلما خرج إليه قال: انطلق معي حتى نَنظُرَ إلى فَرسٍ لي، فانطلق وتأخّر عنه عُبيد اللَّه، حتى إذا صار بين يديه علاه بالسيف، قال عُبيد اللَّه: فلما وَجد حَرَّ السَّيف قال: لا إله إلا اللَّه. قال عُبيد اللَّه: ودعوتُ جُفَينة، وكان نصرانيًّا من نصارى الحِيرة، وكان ظِئْرًا لسعد

стр. 2412

ابن أبي وَقّاص، أقدَمَه المدينة للمِلْح الذي بينه وبينه، وكان يُعلّم الكتابة بالمدينة، قال عبيد اللَّه: فلما عَلوتُه بالسيف صَلَّب بين عَينيه. ثم انطلق عُبيد اللَّه فقتل ابنةً صغيرةً لأبي لُؤلؤة، تَدَّعي الإسلام، وأراد عبيد اللَّه أن لا يَترك سَبْيًا بالمدينة يومئذٍ إلا قَتَله، فاجتمع عليه المهاجرون الأَوّلون فنَهَوْه وتوعَّدوه، فقال: واللَّه لأَقتُلَنَّهم وغيرَهم، وعَرَّض ببعض المهاجرين. فلم يزل عمرو بن العاص به حتى دفع إليه السيف، فلما دفع إليه السيف أتاه سعد ابن أبي وقاص، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما برأسِ صاحبه، فتناصَيا حتى حُجز بينهما، ثم أقبل عثمان بن عفان رضوان اللَّه عليه قبل أن يُبايع له في تلك الليالي، حتى واقع عبيدَ اللَّه فتناصيا، وأظلمت الأرضُ يوم قَتل عُبيد اللَّه الهرمزان وجُفَينة وابنةَ أبي لؤلؤة على الناس، ثم حُجز بينه وبين عثمان رضوان اللَّه عليه. فلما استُخلف كان أوَّل ما قضى فيه أن أحضر عبيد اللَّه، واستشار الصحابةَ فيه، فقال علي رضوان اللَّه عليه: اقتُلْه، فإن اجتماع الهرمزان بجُفينة وأبي لُؤلؤة لا يُوجب قتلَهما؛ لأن السَّبْيَ يأوي بعضُهم إلى بعض، وقال بعض المهاجرين: قُتل عمر بالأمس، ويُقتل ابنه اليوم!؟ أبعد اللَّه جُفينة والهرمزان، وقال عمرو بن العاص: إن اللَّه قد أعفاك من هذا، إن هذا الأمرَ وَقع وليس لك على المسلمين سُلطان، فقال عثمان رضوان اللَّه عليه: أنا وَليُّهم، وقد جعلتُ ديتهم في مالي. وقال في ذلك [محمود بن] لَبيد: ما كان عُبيد اللَّه يومئذ إلا كهيئةِ السَّبُعِ الحَرِب، جعل يَعترض العَجمَ بالسيف حتى جلس يومئذ في السّجن، فكنتُ أحسِب لو أن عثمان وَلي سيقتُله؛ لما كنتُ أراه صَنع به، [كان هو] وسعد أشدَّ أصحاب رسول اللَّه ﷺ عليه (١). وقال زياد بن لَبيد الأنصاري البياضي: [من الطويل] ألا يا عُبيدَ اللَّه مالك مَهرَبٌ … ولا مَلجأٌ من ابن أرْوى ولا خَفَرْ أصبتَ دمًا واللَّه في غير حِلِّهِ … حَرامًا وقتلُ الهُرمُزانِ له خَطَرْ

стр. 2413

على غيرِ شيءٍ غير أنْ قال قائلٌ … أتَتَّهمون الهُرمُزان على عُمَرْ فقال سَفِيْهٌ والحوادثُ جَمَّةٌ … نعم أتَّهِمْهُ قد أشار وقد أَمَرْ فشكاه عُبيد اللَّه إلى عثمان رضوان اللَّه عليه، فنَهاه عنه فقال: [من الوافر]: أبا عَمروٍ عُبيد اللَّه رَهْنٌ … فلا تُهوِن بقتلِ الهُرمُزانِ فإنك إن غَفرتَ الجُرْمَ منه … فأسبابُ الخَطا فَرَسا رِهانِ أتعفو إذ عفوتَ بغير حَقٍّ … فمالك بالذي تَحكي يَدانِ (١) وذكره ابنُ سعدٍ في الطبقةِ الأُولى من التّابعين من أهل المدينة، فقال: الهُرمزان كان من أهلِ فارس، أسلم، وفرض له عمر في ألفَين ألفين. وقد ذكرنا أنه قَدِمَ على عمر، وأنه امتنع من شُرب الماء، وذكرنا حديثه. وقد رُوي أنَّ عمرَ سمّى الهُرْمُزان عُرْفُطة. وقال المِسْوَر بن مَخْرَمة: رأيتُ الهُرْمُزان بالرَّوْحاء مُهِلًّا بالحجِّ مع عمر، عليه حُلَّةٌ حِبَرَة (٢). فصل: وفي المحرَّمِ من هذه السنةِ أصابَ الناسَ رُعافٌ شديدٌ، فسُمّيَ عامَ الرُّعافِ، وأخذ منه عثمانُ بحَظٍّ وافرٍ، وتطيَّر الناسُ منه وقالوا: افتتح عثمان خِلافتَه بدَمٍ، ثم كان عاقبةُ ذلك أن خَتَم خلافتَه بالدمِ. وفيها منع عثمانُ الناس من اللعب بالحَمام، والرَّمي بالجُلاهِقات، قال عمرو بن شُعيب: وعثمانُ أوَّلُ مَن منع الحَمام الطيَّارَ، والرَّميَ بالجُلاهقاتِ حين ظهرت بالمدينةِ. وردَّ عمه الحكم بن أبي العاص إلى المدينةِ، قال سيف: وكان رسولُ اللَّهِ قد نفاه، ولم يردَّه أبو بكرٍ ولا عمرُ، فردَّه عثمان إلى المدينةِ، فكان أوَّلَ ما نَقَم الناسُ عليه، وسنذكره في ترجمتِهِ.

стр. 2414

وفيها استقضى عثمان زيد بن ثابت، ورزقه على ذلك ستين درهمًا. وفيها ولّى عثمان سعد بن أبي وقاصٍ على الكوفة بوصيَّةِ عمر. وقال الواقدي: كان عمرُ قد أوصى أن يُقَرَّ عُمَّالُه على ولاياتهم سنةً، فأَمضى وَصيَّتَه، فلم يَعزِل له عامِلًا حتى مضتِ السنةُ، فأقرَّ المغيرةَ بنَ شعبةَ على الكوفةِ سنةً ثم عزله وولّى سعد بن أبي وقاص -وهو أول عامل استعمله- ثم عزله، واستعمل الوليد ابن عُقبة بن أبي مُعَيْطٍ، وكان الوليد أخا عثمان لأُمِّه، قال الواقدي: وهذه الأخذة الثانية التي نَقمها الناسُ على عثمان، وقالوا لعبد الرحمن بن عوف ﵁: أما أخذتَ عليه العهد أن لا يَرفع أحدًا من بني أمية على الناس؟ قال: بلى. وفيها زاد الناسَ في العطاء مئةً مئةً،، وأقام الضِّيافةَ لأبناء السبيل والمتعبِّدين في المسجد. وفيها أغزى أخاه الوليد بنَ عُقبة أَرْمينيَة وأذرَبيجان، وسببُها أن أهلها طَمعوا بموت عمر رضوان اللَّه عليه، وامتنعوا من أداء ما كانوا يُؤدُّونه إليه، وكان بالكوفة أربعون ألف مُقاتل برسم الجهاد في مقابلة الرّي وأذربيجان، وكان قد صالحهم حُذيفة سنة اثنتين وعشرين على ثمان مئة ألف درهم، فلما امتنعوا بعد موت عمر رضوان اللَّه عليه سار إليهم الوليد بن عقبة، وقَدّم في مُقدّمته عبد اللَّه بن شُبيل الأحمسي، فشنّ الغارات، ثم اتبعه سلمان بن ربيعة الباهلي في اثني عشر ألفًا، ثم تبعه الوليد في أربعين ألفًا، وقيل: في عشرين ألفًا، واستُشهد في هذه الغزاة عمرو بن عُتبة (١). وفيها جاشت الرُّوم وجمعت جُموعًا عظيمة، وقَصدت الشام، فكتب معاوية إلى عثمان يَستمدُّه، فكتب عثمان إلى الوليد بن عُقبة -وقد عاد من المشرق فنزل الموصل- بأن يُمدَّ معاوية، فأرسل الوليد سلمان بنَ ربيعة الباهلي في عشرة آلاف، فسار إلى الشام، فاجتمع بجُنْد الشام، وعليهم حبيب بن مَسْلَمة الفِهري، فشنَّ الغارات على الروم، وفتحوا حصونًا كثيرة (٢).

стр. 2415

[وقيل:] كان عثمان رضوان اللَّه عليه كتب إلى معاوية يَأمره أن يُغزي حبيبَ بن مَسْلَمة أرمينية، فسار إليها، وبلغ حبيبًا أن ملك الروم -ويقال له: المُوريان الرّومي- قد قَصده في ثمانين ألفًا من الرُّوم والتُّرك، فأرسل حبيب إلى معاوية يُخبره، فكتب معاوية إلى عثمان رضوان اللَّه عليه، فأمر عثمان رضوان اللَّه عليه سعيد بنَ العاص أن يُمدَّه، فأمَدّه بسلمان بن ربيعة الباهلي في ستة آلاف، وكان حبيب صاحبَ كَيْد، فأراد أن يكيد الموريان، فقالت له امرأتُه أم عبد اللَّه بنت يزيد الكلبية: أتُبيِّتُهم؟ قال: نعم، وأوَّلُ ما أقصِد سُرادق الموريان، قالت: افعل، فبيَّتَهم، ووصل إلى السُّرادق، فوجد امرأةً قد سبقَتْه إليه، فقتلهم وهزمهم، ووهب لها السُّرادق فضرَبتْه عليها، فهي أولُ امرأة من العرب ضُرب عليها السّرادق، ومات عنها حبيب فتزوجها الضَّحاك بن قيس الفهري، فهي أمُّ ولده (١). واختلفوا فيمن حجَّ بالناسِ في هذه السنة، فقال أبو مَعشر والواقدي: حجَّ بهم عبد الرحمن بن عوفٍ بأمرِ عثمان، وقال آخرون: حجَّ بهم عثمان، وقال البلاذري: حجَّ بالناسِ في سنة أربعٍ وعشرين عبد الرحمن، وحجَّ عثمان في خلافتِه كلِّها عشرَ سنين إلّا السنةَ التي حُوصِرَ فيها، فإنه بعث عبد اللَّه بن عباس فحجَّ بالناسِ (٢). فصل وفيها توفيت: أُم أيمن مولاةُ رسولِ اللَّه ﷺ - وقد نسبها الواقدي وقال: اسمُها بَرَكَة بنت ثعلبة بن عَمرو بن حصن، وَرِثَها رسولُ اللَّه ﷺ من أبيه عبد اللَّه بن عبد المطلب وخمسةَ أجمالٍ أَوارِك وقِطْعَةَ غَنَمٍ، وقد ذكرناه في السيرةِ، فاعتقها حين تزوَّج خديجة، وزَوجُها عبيدُ بن زيد، من بني الحارث بن الخزرج، فولدت له أيمن فكنِّيت به، صحب النبيّ ﷺ ، ثم قُتل يوم أُحد شهيدًا، ثم تزوَّجها زيد بنُ حارثة بعد النبوّة، فولدت له أُسامةَ بنَ زيدٍ.

стр. 2416

وكانت سوداء صالحةً، وتُعرفُ أيضًا بأمِّ الظِّباء، هاجرت الهجرتين إلى الحبشةِ والمدينةِ جميعًا. وكان رسولُ اللَّه ﷺ يقول لها: "يا أُمَّاه، وهذه أُمي بقيَّةُ أهلِ بيتي". قال الواقدي: ولمّا سمع زيد بنُ حارثة رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "مَن سَرَّه أن يَتزوَّج امرأةً من أَهلِ الجنةِ فليتزوج أُمَّ أيمن"، فتزوَّجها فوَلدت له أُسامة. وكان رسولُ اللَّه ﷺ يُمازِحُها، قال ابن سعدٍ بإسناده عن محمد بن قيس قال: جاءت أُمُّ أيمن إلى النبي ﷺ فقالت: احمِلْني، فقال: "أحملُكِ على وَلَدِ الناقةِ"، فقالت: إنَّه لا يُطيقُني، فقال: "لا أحمِلُك إلّا على ولدِ الناقةِ"، أشار ﷺ إلى الجملِ، والإبلُ كلُّها ولدُ النُّوقِ. وقال ابن سعد بإسناده عن جَريرِ بن حازم قال: سمعتُ عثمان بنَ القاسم يُحدِّث قال: لما هاجَرَتْ أُمُّ أيمن أَمْسَتْ بالمُنْصَرَفِ دون الرَّوْحاءِ فعَطِشت، فدُلِّي عليها من السماء دلوٌ فيه ماءٌ برِشاء أبيض، فشربت حتى رَوِيتْ، فكانت تقول: ما عَطِشتُ بعدها، ولقد تعرَّضْتُ للعطشِ بالصومِ في الهواجرِ، فما أعطشُ (١). وذكر القِصَّةَ أبو نُعيم عن عثمان بن القاسِمِ، وقال إنها (٢) خرجت من مكَّةَ ماشِيةً مهاجِرةً إلى اللَّه ورسولِه، وليس معها زادٌ، وهي صائمة في يومٍ شديد الحَرِّ، فأَصابها عطشٌ شديدٌ حتى كادت تموتُ، وهي بالرَّوحاءِ، فلما غابت الشمسُ سمعت على رأسِها حفيفًا، فرفعته فإذا هي بدَلْوٍ من السماء مُدَلّى، وذكره. وقال الواقدي: كان رسولُ اللَّه ﷺ يزورُها، وكذلك أبو بكر وعمر من بعده. وقال أبو نُعيم بإسناده عن أنسٍ قال: ذهبتُ مع النبي ﷺ إلى أُمِّ أيمن نزورُها، فقرَّبتْ إليه طعامًا وشرابًا، فأبى لأنَّه كان صائمًا، فجعلت تُخاصِمه؛ أي: كُلْ، فلما تُوفي رسولُ اللَّه ﷺ قال أبو بكرٍ لعمر: قُمْ بنا، أو مُرَّ بنا إلى أُمِّ أيمن نزورُها كما كان رسولُ اللَّه ﷺ يزورُها، فأتيا إليها، فلما رأتهما بَكتْ، فقالا: ما يُبْكيك؟ فقالت: إني

стр. 2417

لأعلمُ أن رسولَ اللَّه صار إلى خيرٍ مما كان فيه، وإنَّما أبكي خبرَ السماء كيف انقطع عنا، فجعلا يَبكيان معها، فهيَّجَتْهما على البكاء (١). وقال الواقدي: كانت أُمُّ أيمن عَسِرَةَ اللسانِ، فكانت إذا دخلت على رسولِ اللَّه ﷺ قالت: سلام لا عليكم، فرخَّص لها رسولُ اللَّه أن تقول: سلام، أو السلام. وقال الواقدي: قالت أُمُّ أيمن يومَ حُنَيْن: سبَّتَ اللَّه أقدامَكم، فقال لها رسولُ اللَّهِ: "اسكتي يا أُمَّ أيمن، فإنَّك عَسِرَةُ اللسان" (٢). وروت عمرةُ عن عائشة قالت: شربَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يومًا ماءً وأُم أيمن عنده، فقالت: يا رسول اللَّهِ، اسقِني، قالت: فقلتُ لها: ألرسولِ اللَّه تَقولين هذا؟ قالت: ما خَدَمتُه أكثرُ، فقال النبي ﷺ : "صدقَتْ" فسقاها. وقال الواقدي: ولمّا قُتِل عمر بكتْ أُم أيمن وقالت: اليوم وَهَى الإسلام. واختلفوا في وفاتها، فقال الواقدي: حضرتْ أُمُّ أيمن أُحدًا، وكانت تَسقي الماءَ وتُداوي الجَرْحى، وشهدتْ خيبر، وتُوفّيت في أولِ خلافة عثمان، وقيل: تُوفّيتْ بعد رسول اللَّهِ بخمسة أشهر، والأوَّل أصحُّ (٣). سراقة بن مالك ابن جُعْشم بن مالك بن عمرو بن مالك بن تميم بن مُدْلِج بن مُرّة بن عبد مَناة بن كنانة المُدْلِجي، من الطبقة الرابعة ممّن أسلم من قبائل العرب، ورجع إلى بلاد قومه، وكُنيته أبو سفيان، وهو الذي لحق رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر رضوان اللَّه عليه في طريق المدينة، وجرى له معهما ما جرى، وله صُحبة ورواية، ﵀ (٤).

стр. 2418

فصل وفيها توفّي عثمان بن قيس بن أبي العاص السَّهْمي، صحابي شهد فتح مصر مع عمرو بن العاص، وهو أوَّل من وَليَ القضاء بمصر، وكان جوادًا شريفًا صاحبَ ضِيافةٍ، وهو أوَّلُ مَن بنى بمصر دار ضيافةٍ للناسِ. وقال يزيد بن [أبي] حبيب: كتب عمرُ بنُ الخطاب إلى عمرو بن العاص: أن افرِض لمَن قِبَلَك ممَّن بايع تحت الشجرةِ في مئتين من العطاء، وافرِضْ لخارجة بن حُذافةَ في الشوفِ لشجاعته، وافرِضْ لعثمان بن قيس لضيافته (١). وليس في الصحابةِ مَن اسمُه عثمان بن قيس غيرُه، وله صُحْبةٌ وليس له رِواية. عمرو بن عُتبة بن فَرْقَد بن حَبيب السُّلَمي من الطبقة الأولى من التابعين، وأبوه عُتبة من الصحابة، كان يتولى الولايات، وكان يَسألُ ابنَه عمرو أن يُولّيه شيئًا منها فلا يَفعل، زُهدًا ووَرعًا، وكان يقول: يا بُنيّ، ألا تُساعدني على ما أنا فيه من العمل؟! فيقول: يا أبه، إنما أَعمل في فِكاك رَقَبتي، فبكى أبوه وقال: يا بني، إني أحبك حُبَّين: حبًا للَّه وحبَّ الوالد للولد، وكان قد أعطاه أبوه سبعين ألفًا فأنفقها في سبيل اللَّه، فلم يُبق منها درهمًا. وقال مولى لعمرو بن عُتبة: رآني عمرو وأنا مع رجل، وهو يقع في آخر، فقال لي: وَيْحك، نَزّه سَمعَك عن استماع الخَنا، كما تُنزِّه لسانَك عن القول؛ فإن المُستَمع شريكُ القائل، وإنما نظر إلى شرِّ ما في وِعائه فأفرغه في وِعائك، ولو رُدَّت كلمةُ سَفيهٍ في فيه لسَعد بها رادُّها، كما يَشقى بها قائِلُها. وكان يَخرج على فَرسه ليلًا، فيَقِفُ على القبور فيقول: يا أهلَ القبور، طُويت الصُّحف، ورُفعت الأقلام، ثم يَنزل فيَصِفُّ قدَميه، ويبكي ويُصلّي، حتى يَطلع الفجر، ثم يَرجع فيَشهد صلاةَ الصُّبح.

стр. 2419

وكان يُصلّي يومًا في جبل، فجاء الأسد، فهرب مَن كان عنده، وهو قائم يُصلّي لم يَنصرف، ومضى الأسد، فقيل له: أما تَخافُ الأسد؟ فقال: إني لأستحي من اللَّه أن أخافَ سواه. استشهد في هذه السنة بأذربيجان. قال عبد الرحمن بن يزيد: خرجنا في جيشٍ فيهم عمرو بن عُتبة، وعليه جُبّةٌ بيضاء جديدة، فقال: ما أحسنَ الدَّمَ يتحدَّرُ على هذه، فأصابه حَجرٌ فتحدَّر الدَّمُ عليها، فمات فدفَنّاه. وقال ابن عمٍّ لعمرو بن عُتبة: نَزلْنا في مَرْجٍ حَسَنٍ، فقال عمرو: ما أحسن لو أن مُناديًا يُنادي: يا خيلَ اللَّه اركبي، فنادى المنادي، فخرج عمرو في سَرَعان الناس، فأُخبِر أبوه -وكان على الناس- فقال: عليَّ عَمْرًا، فأرسل في طَلبه، فما أُدرك حتى أُصيب، فما أُراه دُفن إلا في مَرْكز رُمحه، رحمه اللَّه تعالى (١). فصل وفيها تُوفّيت أمُّ الفضل وهي لُبابَةُ الكُبرى بنتُ الحارث بن حَزْن بن البُجَيْر بن الهُزَم بن رُويبَة بن عبد اللَّه ابن هلال بن عامر بن صَعْصعة بن مُعاوية بن بكر بن هَوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَفة بن قَيس بن عَيْلان بن مُضَر، وأُمُّها هند، وهي خولةُ بنت عَوْف بن زهير بن الحارث. وكانت أُمُّ الفضل أوَّلَ امرأةٍ أسلمت بمكَّةَ بعد خديجة بنت خُويلد، وكان رسولُ اللَّه ﷺ يَزورُها، ويَقيلُ في بيتِها. قال: وأخوات أُمِّ الفضل: مَيمونةُ بنت الحارث بن حَزْن، زوجةُ رسول اللَّه، وهي لأبيها وأُمِّها، ولُبابةُ الصُّغرى، وهي العَصْماء بنت الحارث بن حَزْن، وهي أُمُّ خالد بن الوليد، [وكانت أختها] لأبيها (٢). [فتزوج أم الفضل العباسُ بن عبد المطلب]، فولدت

стр. 2420

للعباس: الفضل، وعبد اللَّه، وعبيد اللَّه، ومَعْبدًا، وقُثم، وعبد الرحمن، وأمَّ حبيب، فقال عبد اللَّه بن يزيد الهلالي: [من الرجز]: ما وَلدتْ نَجيبةٌ من فَحْلِ كسِتَّةٍ من بطنِ أمِّ الفَضْل أكرِمْ بها من كَهْلَةٍ وكَهْلِ عمِّ النبيِّ المصطفى ذي الفضلِ وخاتم الرسْلِ وخيرِ الرُّسْلِ (١) وحكى ابن سعد عن الواقدي أن أُمَّ الفَضْلِ كانت تصومُ الاثنين والخميس، وحكى الواقدي أنَّها هاجرت إلى المدينة بعد إسلامِ العباس. وقال ابن سعدٍ بإسناده عن الأَجْلحِ قال: سمعتُ زيد بنَ علي بن حُسين يقول: ما وضَعَ رسولُ اللَّه ﷺ رأسَه في حِجْرِ امرأةٍ لا تِحَلُّ له بعد النُّبَّوة إلا أُمّ الفضلِ، فإنَّها كانت تُفَلِّيه وتُكحّله، فبينما هي ذات يوم تُكحله إذ قَطرت قَطرةٌ من عَينِها على خَدِّه، فرفع رأسَه إليها وقال: "مالكِ؟ " فقالت: إنَّ اللَّه نَعاكَ لنا، فلو أوصيتَ بنا مَن يكونُ بعدك إن كان الأمرُ فينا أو في غيرِنا، فقال: "إنكم مَقْهورون مُستَضعَفون بعدي". وأُمُّ الفَضْلِ هي التي رأت في المنام كأن عُضْوًا من أعضاء النبي ﷺ سقط في بيتِها، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "تَلِدُ فاطمةُ غُلامًا، فتُرضعينه بلبن ابنكِ قُثَم" فولدت الحُسين، فكَفِلَتْه أُمُّ الفَضْل وأرضعَتْه، وقد ذكرنا الحديث فيما تقدَّم. وأُمُّ الفضلِ هي التي بعثتْ إلى النبي ﷺ بقَدَح لبنٍ، وهو واقفٌ بعَرَفةَ على بعيرٍ، فشربه، وقد ذكرناه أيْضًا (٢). * * *
следующие страницы →